← Фикх ханбали

Фикх ханбали · id 30057

التعليقة الكبيرة - أبو يعلى - من الأشربة للأيمان

القاضي أبو يعلى ابن الفراء

Полный текст (1 057 стр.). Показаны 666–705 · переход к 671.

стр. 666

فإن قيل: الضمان آكد؛ لأنه يضمن الصيد بما لا يستباح به أكله (١). قيل: الضمان وإن فارق الإباحة في نوع من القتل فقد ساواه فيما تقعُ به الإباحة، ثم ثبت أن الضمان يجب فيما غابَ عنه يجب أن تحصل الإباحة أيضا فيما غاب عنه. وجواب آخر وهو: أن التجويز يؤثر إذا أمكن الاحتراز من سببه فإذا لم يمكن سقط اعتباره بدلالة الصيد إذا وقع من الرمية على الأرض حل أكله مع تجويز أن يكون موته من وقوعه على الأرض؛ لأنه يمكن الاحتراز منه، ولو سقط على جبل ثم تردى إلى الأرض لم يؤكل؛ لأنه يمكن الاحتراز منه وفيما ذكرنا من الأخبار دلالة على أبي حنيفة (٢)؛ لأن النبي ﷺ أباح أكله على الإطلاق ولم يشترط فيه أن يتبع أثره وإنما شرط أن لا يجد أثرا غيره، ولأنه لم يكن ههنا سبب كان موته في الظاهر إلا سهمه فحل أكله. دليله: إذا تبع أثره وسار في طلبه (٣). فإن قيل: إذا خرج في طلبه علم أنه لم يمكن أن يدرك ذكاته وإن اشتغل بعمل غيره ثم ذهب في طلبه فوجده مقتولا فإنما لم يؤكل؛ لأن موته من السهم لا يكون ذكاة له في جميع الأحوال ألا ترى أنه لو أدركه حيا فلم يدركه حتى مات من وقوع السهم لم يؤكل؛ لأنه لعله أن يتمكن من ذكاته فإذا شككنا في الصيد أو غيره أنه مذكا كرهنا أكله (٤). قيل: قولك في الأصل أنا نعلم أنه يمكنه أن يدرك ذكاته فليس كذلك وإنما العلة فيه أنه مات من سهمه في حال الامتناع وهذا موجود فيه إذا لم يتبعه في الظاهر، وقولك في علة الفرع إنه لعله يتمكن من ذكاته فلا يصح؛ لأن الأصل عدم الإمكان وإن العقر ذكاته فوجب اعتبار ذلك الأصل ثمّ هذا المعنى لم يوجب في باب ضمان الصيد فإنه لو جرح صيدا وغاب ثم وجده ميتا سواء اتبع أثره أولم يتبع كذلك في الذكاة (٥).

стр. 667

٩٥ - ١٢ مسألة: فإن غصب سهمًا أو كلبًا أو فهدا فاصطاد به كان الصيد لصاحب الآلة على قياس قول أحمد: إذا غصب فرسا فغزا عليه كان السهم لصاحب الفرس، وكذلك إذا غصب مالا فاتجر فيه خلافا لأكثرهم في قولهم يكون الصيد للغاصب (١). دليلنا: أن النماء تارة يكون من العين وتارة يكون بالتغليب والتصرف ثم ثبت أن النماء من نفس العين يتبع الأصل ويكون للمغصوب وَهوَ إذا غصب طعامًا فزرعَه أو شاة فنتجت عنده كذلك النماء بالتغليب والتصرف يجب أن يتبع (٢). يبين صحة هذا: أن النماء في الزكاة يتبع الأصل سواء أكان من مال عينة كالسخال إذا نتجت أو من غير عينة كالربح في مال التجارة ولهذه العلة قلنا: إذا غصب مالا وتجر فيه وحصل فيه ربح كان لصاحب المال ولا معنى لقولهم أن ذلك من نفس العين لأنا قد بينا أنها سواء بدليل النماء في نصاب الزكاة، ولأن المال إذا تبعه النماء من نفس العين تبعه غيره كالنصاب من الزكاة والغصب وكل نما تبع في الزكاة جاز أن يتبع في غيرها كالنماء من نفس العين (٣) وأيضا قد قالوا: لو غصب في دار الحرب فرسا وصاحبه معه فغزا الغاصب عليه أن السهم لصاحب الفرس دون الغاصب (٤). فإن قيل: إنما كان السهم له؛ لأنه يستحق السهم بحضوره في الصف ومعه فرس وإن لم يقاتل عليه وهذا موجود ههنا (٥). قيل: إنما استحق هناك إذا كانت يده عليه وههنا ليست يده عليه. بدليل: أنه لا تصح إجارته في هذه الحال، ولو أراد أن يقاتل عليه لم يقدر والعلة الجامعة بينهما أنه اكتساب حيوان مغصوب (٦).

стр. 668

واحتج المخالف: بأن الصيد منسوب إليه دون صاحب الكلب ألا ترى أنه يقال هذا صيد فلان ولا يقال صيد سهم فلان (١). والجواب: أن الصيد ينسب إلى الكلب أيضا فيقال: هذا صيد هذا الكلب ويبين صحة هذا: أن للكلب قصد واختيار ولهذا قالوا: إذا فتح القفص عن طائر فطار لا ضمان عليه؛ لأن له قصدا واختيارا (٢). وجواب آخر: وهو أنه إذا غصب طعاما فزرعه ونما فإن النماء لصاحب الطعام وإن كان الزرع مضافا إلى الغاصب فيقال: هذا زرعه فلان (٣). ٩٦ - ١٣ مسألة: إذا أدرك الصيد حيا فلم يقدر على ذبحه حتى مات أكل نص عليه في رواية أبي طالب والميموني (٤) فقال في رواية أبي طالب: إذا أدركه يتشحط (٥) في دمه ومات بالقرب فلا بأس بأكله، وإن تبقى إلى العشي وإلى الليل فلا يأكل حتى يذكيه (٦). وفي رواية الميموني: إذا أخذ الصيد وصار في يده بعد ما جرحه الكلب ومات في يده من غير أن يصطاده أكل (٧)، وبهذا قال مالك (٨) والشافعي (٩). قال أبو حنيفة: لا يؤكل (١٠).

стр. 669

دليلنا: قوله تعالى: ﴿وَمَا عَلَّمْتُمْ مِنَ الْجَوَارِحِ﴾ [المائدة: ٤]، وهذا قد أمسكه علينا فحل أكله وأيضا ما روى أحمد بإسناده عن أبي ثعلبة قال للنبي ﷺ أن لي كلابا فقال: "كل ما أمسكن عليك"، قال: يا رسول الله ذكي وغير ذكي، وهذا عام فيما أدركه حيا أو لم يدركه وأيضا فإنه لم يدرك زمان ذكاة الصيد أو يقول: لم يدرك زمانا يتسع لذكاته أو نقول: لم يدرك زمانا يتمكن فيه من ذكاته من غير تفريط منه فسقط فيه اعتبار الذكاة. دليله: لو أدركه ميتًا ولا يلزم عليه الشاة إذا خاف صاحبها موتها قبل أن يخطو إليها أو يذكيها إن ذكاتها الذبح دون الرمي وإن لم يتمكن من ذبحها؛ لأنا قلنا في الوصف الأول ذكاة الصيد وهذا ليس بصيد وفي الوصف الثالث لم يدرك زمانا يتمكن فيه من ذكاته من غير تفريط وهناك تعذر فعل الذكاة بتفريط من جهته؛ لأنه كان مدركا لزمان الذكاة فيما قبل، ولأن الأصل في إباحة الحيوان الذكاة وأقيم العقر مكان الذكاة في حال تعذر الذكاة والتعذر في الحالين موجود فوجب أن يكون حكمها سواء (١). يبين صحة هذا: أن التيمم أقيم مقام الماء لتعذر الماء فلم يكن فرق بين أن يكون الماء موجود ألا يتمكن من استعماله (٢). واحتج المخالف: بأنه خرج عن حال الامتناع وحصل في يده حيا فوجب أن تكون ذكاته ذبحه كما لو أدركه حيًّا وقدر على ذبحه فلم يذبحه حتى مات وكالشاة أن ذكاتها ذبحها وإن لم يقدر على ذبحها (٣). والجواب: أنه وإن كان قد حصل في يده حيا فإنه يتعذر عليه الذبح في الحلق واللبة وسقوط الذكاة في الحلق واللبة في الصيد لهذه العلة وهذا موجود في مسألتنا فيجب أن يسقط اعتبار محلها والمعنى في الأصل أنه قد أدرك زمان الذكاة وإنما تعذر فعلها لتفريط من جهته وليس كذلك في مسألتنا فإنه لم يدرك زمان الذكاة فهو كما لو مات قبل أخذه (٤).

стр. 670

٩٧ - ١٤ مسألة: فإن أدرك الصيد وبه رمق قد جرحه الكلب المعلم فإن كانت جراحة لا يعيش من مثلها إلا بمقدار اضطراب المذبوح كشق البطن ونحوه فإنه يؤكل وإن لم يذبح وإن كان يعيش منه اليوم ونحوه أو دمه لم يحل إلا بالذكاة أومأ إليه في رواية أبي طالب فقال: إن أدركه يتشحط في دمه ومات بالقرب فلا بأس بأكله (١) وإن كان إلى العشي وإلى الليل فلا يؤكل حتى يذكيه وبهذا قال محمد وقال أبو يوسف: إذا بلغ إلى حال لا يعيش من مثله لم يكن عليه ذبحه وإن بقي اليوم ونحوه (٢). دليلنا: أنه إذا كان يعيش يوما أو نحوه خرج من أن يكون في معنى المذبوح في جراحه عمر وإذا كان بقاؤه بقاء المذبوح فلا حكم لتلك الحياة كما لا حكم لحياة المذبوح ألا ترى أنه لو قطع مجوسي رأسه في تلك الحال لم يحرم أكله ولو ذبحه مجوسي فلم يخرج روحه حتى قطع رأسه لم يؤكل (٣). واحتج المخالف بأن عقر الكلب موجب أشبه إذا مات بالقرب (٤). والجواب عنه: ما ذكرنا من الدليل. ٩٨ - ١٥ مسألة: إذا استرسل الكلب لنفسه فزجره صاحبه، وسمى، فقوي في سيره واصطاد أكل ؛ ذكره شيخنا وأبو بكر في كتاب الصيد من المقنع فقال: ولو أن كلبا أفلت وقد رأى صيدا فاصطاده فإن سمى عليه وأحاط علمه بأنه قد انزجر بتسميته عليه بعد انفلاته فقتل أنه يأكله (٥) وقد أومى إليه أحمد في رواية الميموني، وقد سئل هل يرسل مع التسمية أو يرسل ثمّ يسمى فقال: تكون التسمية مع الإرسال وإن أرسل ثمّ سمى وانزجر

стр. 671

بتلك التسمية فالمعنى قريب إذا انزجر وظاهر هذا أنه اعتبر أن ينزجر بالتسمية وإن كانت بعد الإرسال فاقتضى هذا أنه إذا استرسل بنفسه وانزجر بصياحة وتسميته أن يؤكل (١) وهو قول أبي حنيفة (٢)، وقال الشافعي: لا يؤكل (٣). وحكى ابن القصار عن مالك روايتين: إحداهما: مثل قولنا (٤). والثانية: مثل قول الشافعي (٥). دليلنا: قوله تعالى: ﴿وَمَا عَلَّمْتُمْ مِنَ الْجَوَارِحِ﴾ [المائدة: ٤]، وهذا عام، ولأنه لم يتقدم الزجر إرسال فوجب أن يتعلق الحكم بالزجر كما لو كان في يده فزجره، ولا يلزم عليه إذا أرسله مجوسي فزجره مسلم فانزجر أنه لا يؤكل؛ لأنه قد تقدم الزجر إرسال (٦). فإن قيل: إنه لم يتقدمه إرسال وهذا يقتضي التحريم كما يقتضي إرسال من لا تحل ذبيحته (٧). قيل: إنما حصل التحريم بإرسال من لا تحل ذبيحته؛ لأنه فعل آدمي والزجر فعل آدمي تتعلق الحكم بالأول منهما وليس كذلك ههنا؛ لأن استرسال الكلب ليس بفعل آدمي والزجر فعل آدمي فتعلق الحكم بفعل الآدمي. يبين صحة هذا: ما نذكره فيما بعد، ولأنه لا يجوز اعتبار الإرسال بالاسترسال في التحريم كما لا يجوز في باب الضمان، وقد ثبت أن كلبًا لو استرسل بنفسه على إنسان

стр. 672

فقتل لم يضمن من هو في يده ولو أرسله عليه ضمنه، وأيضا فإنه إذا لم يتقدمه إرسال تعلق الحكم بالزجر. بدليل: أن كلبا لو انفلت على دابة أو إنسان فزجره صاحبه فعقر الدابة أو الإنسان ضمن ولو لم يزجره لم يضمن، وقد أومأ أحمد إلى هذا في رواية حرب (١) في رجل دخل دار رجل فحمل عليه كلب أو دابة فقتله فإن لم يهيجوه فليس عليهم شيء إذا كان في ملكهم وظاهر هذا أنه إذا هيج تعلق الضمان عليه (٢). فإن قيل: في هذا وجهان أحدهما لا ضمان عليه؛ لأنه لا يد له عليه. قيل: ذكر المروذي من أصحابكم أنه عليه الضمان؛ لأنه آلة له فيما أتلفه فكأنه أتلفه بنفسه وما ذكره ذلك القائل من أنه لا يد له يبطل بإرسال الكلب للصيد فإنه يباح وإن لم يكن له يد عليه في تلك الحال وأقمناه مقام اليد في باب الإباحة وفرقنا بينه وبين أن يسترسل بنفسه كذلك ههنا ويبطل أيضا إذا أرسل كلبه على الصيد في الحرم فقتله ضمنه لا يختلفون في ذلك وفرقوا بين أن يرسله على صيد أنه يضمنه وبين أن يرسله على آدمي فلا يضمنه بأن الكلب يعلم على قتل الصيد فيكون آلته، ولا يعلم على قتل الآدمي فتكون آلته، قالوا: ولهذا يقول لو أرسل كلبا غير معلم على الصيد لم يضمنه (٣). فإن قيل: فلو سلمنا لكم ثبوت الضمان فإنه مخالف للأكل؛ لأنه إذا اجتمع في الأكل وما يحرم وما يبيح وجب [تغليب] (٤) التحريم كما قلنا في المتولد من بين ما يؤكل لحمه وما لا يؤكل لحمه وفي المجوسي إذا ذبح يحرم أكله لاشتباه حاله فيغلب التحريم، وفي باب الضمان يغلب الوجوب؛ لأنه إذا أرسل كلبه في الحرم على صيد في الحل أكل أو في الحل على صيد في الحرم لم يجز أكله ووجب عليه الجزاء (٥).

стр. 673

قيل: أما ذبح المجوسي والمتولد بين ما يباح وما يحرم فإنما حرم؛ لأنه فعل آدمي وههنا فعل آدمي وغير آدمي، وأما قولهم أنا غلبنا الضمان فلا يصح؛ لأن ما طريقه الضمان إذا اجتمع فيه موجب ومسقط يسقط يدل عليه ما قالوه: إذا تصادم الفرسان لزم كل واحد نصف دية صاحبه؛ لأنه مات من فعله وفعل صاحبه فسقط ما قابل فعل نفسه، وكذلك إذا شركه في القتل سبع يقسط الضمان ولم يلزمه جميعه، وأما الصيد فإنما تعلق الضمان به في الموضعين لتعلق حق الله تعالى في الموضعين وحرم أكله في الموضعين؛ لأن الرامي له ليس من أهل الذكاة في تلك الحال فبان أن الضمان إنما وجب؛ لأن سببه موجود لا أن علينا الضمان وأيضا حصل سببان أحدهما بغير فعل الآدمي وهو انفلات الصيد وذهابه والآخر بفعل الآدمي وهو الزجر فيجب أن يتعلق الحكم بفعل الآدمي ألا ترى أن رجلا لو حفر بئرا في طريق المسلمين أو وضع فيه حجرا فعثر إنسان بنبكة (١) ووقع في البئر أو على الحجر تعلق الضمان على الحافر أو واضع الحجر فكذلك لو جاء إلى حفرة لم يحفرها أحد فأوسع رأسها أو حفر في أسفلها فوقع فيها إنسان ضمن الذي أوسع رأسها وحفر في أسفلها للمعنى الذي ذكرنا ولا يشبه هذا إذا أرسله مجوسي فزجره مسلم أو أرسله مسلم فزجره مجوسي أن الحكم للإرسال الأول ولا يتعلق بالزجر حكم؛ لأن السببين جميعا حصلا بفعل الآدمي فيتعلق الحكم بالأول منهما كما لو وضع رجل حجرا في طريق المسلمين وحفر آخر بئرا بجنبه فعثر إنسان بالحجر ووقع في البئر أن الضمان على واضع الحجر، ولا يلزم عليه إذا أرسل للمسلم كلبه وسمي فشاركه كلب آخر ليس بمعلم لكنه استرسل بنفسه أنه لا يحل أكله وأن استرسال الكلب بغير فعل آدمي وإرساله فعل آدمي؛ لأنه لم يوجد شرط الإباحة وهو التسمية (٢). فإن قيل: النبكة حصلت في الطريق بفعل آدمي؛ لأنها تحصل بمشي الآدميين والجمال والدواب التي مع أصحابها فلا معنى لقولك: إنها حصلت بغير فعل آدمي وإنما

стр. 674

يتعلق بها الضمان؛ لأنه متولد من شيء مباح والحفر محظور وعدوان، فلهذا تعلق به الضمان وليس كذلك حفر البئر ووضع الحجر في الطريق؛ لأنه عدوان من جهته فلهذا تعلق به الضمان. يبين صحة هذا: أنه لو وضع رجل حجرا في ملكه وحفر رجل بجنبه بئرا بغير أذن صاحبه فعثر رجل بالحجر ووقع في البئر وجب الضمان على الحافر؛ لأن وضع الحجر في ملكه ليس بعدوان وحفر البئر بغير إذنه عدوان (١). قيل: قولك إن الضمان لم يتعلق بالنبكة؛ لأن الجناية حصلت عن غير فعل مباح لا يصح؛ لأنه ليس في هذا أكثر من أنها حصلت من فعل غير مضمون وهذا لا يوجد كمال الضمان على الشريك كما قالوا في المتصادمين وشريك السبع وذا جرح نفسه وجرحه غيره أن الضمان يتقسط. وجواب آخر: وهو كونه مباحا لا يدل على إسقاط الضمان. بدليل: أنه إذا رمى طائرا فأصاب إنسانا ضمن وإن كان ذلك الفعل مباحا. وجواب آخر وهو أن قولهم أن النبكة فعل آدمي لا يصح؛ لأننا نفرضه في أرض حملت الريح إليها أجرة فعثر بالأجرة إنسان فسقط في البئر ضمن جميع الدية وإن لم يكن ذلك فعل آدمي (٢). واحتج المخالف بأن استرساله سبب لتحريم الصيد وزجره سبب لإباحته فوجب أن يغلب التحريم كما لو أرسله مجوسي فزجر مسلم ولا يلزم عليه إذا أرسله مسلم فزجره مجوسي فإنه لا يحل أكله للمعنى الذي ذكرنا (٣). والجواب: أن المعنى في الأصل أن السببين حصلا بفعل آدمي فتعلق الحكم بالأول كما قلنا في الحجر والبئر وليس كذلك في مسألتنا؛ لأن أحدهما حصل بغير فعل الآدمي كما قلنا في النبكة والحجر (٤).

стр. 675

فإن قيل: فلو أرسل كلبه وسم وشركه كلب آخر استرسل لنفسه حرم أكله وإن كان أحدهما بغير فعل آدمي (١). قيل: قد بينا أنه إنما حرم أكله هناك لعدم شرطه وهو عدم التسمية ألا ترى أنه لو أرسله مرسل ولم يسم لم يبح أكله (٢) .. واحتج بأن: الكلب إذا انفلت واصطاد وقتل لم يحل أكله فلولا أن لاسترساله حكم لم يحرم أكله (٣). والجواب: أنه إنما تعلق الحكم؛ لأنه انفرد ولم يقترن به فعل آدمي فتعلق التحريم به؛ لأنه أمسك على نفسه، ولأن شرط الإباحة التسمية ولم يوجد وهذا المعنى معدوم في مسألتنا (٤). ٩٩ - ١٦ مسألة: إذا أرسل كلبه على صيد فقتله بصدمة ولم يجرحه أو قتله بالخنق ولم يدمه لم يحل أكله أومأ إليه في رواية حنبل فقال: إذا أصاب الكلب المعلم ولم يدرك صاحبه ذكاته حتى مات لم آكله وإن كان معلما (٥)، وقتل أكل، قال النبي ﷺ : "إذا أرسلت كلبك المعلم فقتل فكل" (٦) فقوله: إذا لم يدرك ذكاته حتى … لم يأكل معناه: إذا مات في يده قبل أن يذكيه وبه قال أبو حنيفة (٧) ومالك (٨) وللشافعي قولان: أحدهما: مثل قولنا. والثاني: مباح أكله (٩).

стр. 676

دليلنا: قوله تعالى: ﴿وَمَا عَلَّمْتُمْ مِنَ الْجَوَارِحِ﴾ [المائدة: ٤]، يعني التي تجرح فدل على أن الجرح أحد شروطه (١). فإن قيل: الجوارح الكواسب (٢) قال تعالى: ﴿وَيَعْلَمُ مَا جَرَحْتُمْ بِالنَّهَارِ﴾ [الأنعام: ٦٠] كسبتم، وقال: ﴿أم حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ﴾ [الجاثية: ٢١]، ومعناه: اكتسبوا، وقال القتبي (٣) في غريب القرآن: يقول العرب: امرأة لا جارح لها أي لا كاسب (٤). قيل: الظاهر يقتضي ما قلنا على أن اللفظ يصلح لهما فنحمله عليهما فيصير كله قال ﴿وَمَا عَلَّمْتُمْ مِنَ الْجَوَارِحِ﴾ مما يكسب ويجرح، ولأنه آلة للاصطياد فكان من شرطها الإدماء والجرح كالسهم، ولأنه مات بالصدم أشبه إذا صدمه بيده وبعصا فقتله (٥). فإن قيل: ذلك مما يمكن التحرز منه؛ لأنه لو قوم رميته لأصاب فإذا أصابه بعرضه علم أنه من سوء الرمي والتقصير فيه فلهذا لم يحل أكله وليس كذلك في مسألتنا فإنه لا يمكن التحرز منه؛ لأن عادة الكلب أن يقتل بجرح وبغير جرح فعفي عن ذلك؛ لعدم إمكان التحرز منه كما عفي عن المحل في غير المقدور عليه (٦). قيل: قولك: إنه لو قوم رميته لأصاب لوجب أن يكون إصابة الحلق شرطا؛ لأنه يقدر على ذلك فلما عفوت عن ذلك كان يجب أن لا يعفو عن الآدمي والجرح ولما لم يعف عن ذلك كذلك يجب أن لا يعفو في الكلب وقولك: إن هذا لا يمكن التحرز منه في الكلب؛ لأنه يقتل بجرح وبغيره فوجب أن يباح وإن استرسل بنفسه؛ لأنه قد يسترسل بنفسه ويصاحبه ومع هذا فإرساله شرط هذا، ولأن ما كان ذكاته العقر مع القدرة فهي ذكاته مع الامتناع كالبعير إذا ند، ولأنها بهيمة جرحت روحها من غير عقر أشبه المقدور

стр. 677

ولا معنى لقولهم أن المقدور عليه اعتبر فيه محل الذكاة، وهذا لا يعتبر فيه المحل؛ لأنه يبطل بالرمي فإنه يسقط معه المحل ولا يسقط الجرح (١). واحتج المخالف بقوله: ﴿وَمَا عَلَّمْتُمْ مِنَ الْجَوَارِحِ﴾ [المائدة:٤]، ولم يفرق (٢). والجواب: أن قوله: ﴿وَمَا عَلَّمْتُمْ مِنَ الْجَوَارِحِ﴾ يعني مما علمتم الجوارح وكذا نقول (٣). واحتج: بما روي عن النبي ﷺ أنه قال: "إذا أرسلت كلبك المعلم وذكرت اسم الله عليه فكل"، ولم يفرق. والجواب: أنه شرط كونه معلما، ولا يكون كذلك إلا أن يجرح فإن قيل لا يجوز أن يكون الجراحة شرطا في تعليمه؛ لأن صاحب الكلب لا يمكنه أن يعلمه إلا ما قتل ولا يمكنه أن يعلمه الإمساك عليه فيجب أن لا يكون شرطا (٤). واحتج بأنه: مثله الجارح بفعله أشبه إذا جرحه وأدماه (٥). والجواب: أنه ليس من حيث لو جرحه وأدماه أكل يجب إذا لم يجرحه أن يؤكل كما قلنا في السهم (٦). واحتج بأنه: لا يمكن تعليم الكلب كيفية القتل بالعقر والإدماء والنقل والحيط وما لا يمكنه تعليمه يسقط اعتباره. دليله: محل الذكاة (٧).

стр. 678

والجواب: أن إمساك الكلب على صاحبه لا يمكن تعليم الكلب وهو متعلق باختيار الكلب، ومع هذا فهو شرط في إباحة أكله كذلك الإدماء وعلى أن الكلب لا يحتاج إلى تعليم الجرح؛ لأنه طبعه وترك الجرح نادر فيه وما كان في طباعة لا يقال وجوده متعذر فأما الجرح في محل الذكاة فليس بغالب حاله وتعليمه يشق فسقط اعتباره كما سقط في السهم ولم يسقط في الجرح (١). ١٠٠ - ١٧ مسألة: إذا أبان من الصيد عضوا بضربة موجبة فمات منها في الحال أكل الجميع سواء كان جانب الرأس أقل أو أكثر في أصح الروايتين نقلها الميموني وجعفر ابن محمد وأحمد بن الحسين الترمذي فقال في رواية الميموني فيما قطع من صيد المناجل (٢): إني لأستوحش أن أقول بعضه ذكي وبعضه ميت، ومن الناس من يقول إذا قطع الرأس دون الذنب وإذا قطع أقل من نصفه ما أعجب هذا من القول وإذا قطع الكلب منه قطعة ثم مات بالقرب أكل فإن تباعد لا يأكلهما (٣)، وكذلك نقل جعفر بن محمد إذا ضرب الصيد فبان منه شيء يؤكل جميعا وأنكر قولهم يؤكل قطعة ولا يؤكل أخرى (٤)، وكذلك نقل أحمد بن الحسين الترمذي في رجل رمى صيدا فأبان منه شيئا لا أدري ما معنى قول من قال: لا يأكل ما بان منه يكون شيء واحد بعضه ذكيا وبعضه ميتا، فإذا كانت البينونة والموت جميعا أو كان بعده بقليل فلا بأس وهو اختيار أبي بكر (٥)، وبهذا

стр. 679

قال مالك (١) والشافعي (٢)، وفيه رواية لا يؤكل ما بأن منه، نقلها حنبل والأثرم، فنقل الأثرم في رجل ضرب صيدًا فأبان منه عضوًا يأكل ما بقي، وكذلك نقل حنبل عنه أنه قال: لا يأكل البائن ويأكل ما بقي (٣). وقال أبو حنيفة: إن رمى صيدًا فقطعة بنصفين أكلا وإن قطع الثلث الذي يلي الرأس أكلا أيضًا وإن قطع الثلث الذي يلي العجز أكل الثلثان ولم يؤكل الثلث (٤). دليلنا: ما تقدم من حديث أبي ثعلبة وقول النبي ﷺ : "وكل ما أمسكت عليك قوسك ذكي وغير ذكي" (٥)، وهذا البائن مما أمسكت عليه قوسه، وفي لفظ آخر رواه أحمد في المسند بإسناده عن عقبة بن عامر (٦) وحذيفة بن اليمان (٧) قال رسول الله ﷺ : "كل ما ردت عليك قوسك" (٨)، وهذا مما رد عليه قوسه، وقوله ﷺ : "ما أنهر الدم (وفرى) (٩)

стр. 680

الأوداج فكل" (١) وأيضا: "كل ما كان ذكاة لبعض البدن كان ذكاة بجميعه" (٢). أصله: إذا كان ما يلي الرأس أصغر وقطع الحلقوم والمريء في المقدور عليه ولا يلزم عليه حمارة الوحش إذا كان في جوفها جنين من حمار أهلي إن ذكاة الأم لا يكون ذكاة لهُ؛ لأنه بدن غير بدن الأم ونحن قلنا ما كان ذكاة لبعض البدن كان ذكاة لجميعه ولا يلزم عليه إذا أبان منه عضوا وهو على الامتناع ثم ذكاة بعد ذلك أنه لا يكون ذكاة لما بأن منه؛ لأن ما بأن ليس بمتصل بالبدن حين الذكاة؛ لأن الذكاة حصل بالصدمة الثانية وليس ذلك من البدن في تلك الحال وأن شئت قلت: ما كان ذكاة لبعض البدن كان ذكاة لجميع ما اتصل به من ذلك البدن (٣). دليله: ما ذكرنا ولا يلزم عليه ما ذكرنا لما بينا، وإن شئت قلت: ما كان ذكاة لبعض البدن كان ذكاة لجميع ما مات به منه وفيه احتراز مما ذكرنا لما بينا وأيضا فإن العقر في الممتنع يحل محل الذبح في غير الممتنع، ثم ثبت أن الذبح في غير الممتنع يبيح سواء حصل بذلك إبانة الرأس ولم يحصل ذلك العقر في الممتنع (٤). واحتج المخالف بما: روى زيد بن أسلم (٥) عن ابن عمر عن النبي ﷺ قال: "ما قطع من البهيمة وهي حية فهو ميتة" (٦).

стр. 681

وروي: "ما أبين من البهيمة" (١)، وروي: "ما بان من البهيمة" (٢). والجواب: أن هذا الخبر ورد على سبب وهو أن العرب في الجاهلية كانوا يقطعون اليات الغنم وأسنة الجمال في حال الحياة ويبقى البدن حيا بعده ويأكلونها (٣)، فقال النبي ﷺ "ما أبين من حي فهو ميت" وإذا كان كذلك فالمراد به: السبب الذي ورد عليه من وجهين: أحدهما: أن أبا داود روى في سننه: ما أبين من بهيمة وهي حية فهو ميت" (٤)، فدل على أن المراد به ذلك. والثاني: أن ما بان بضربة موجبة لا يوصف أنه بان من حي؛ لأن الحياة عبارة عن حياة باقية وليس ههنا حياة باقية (٥). واحتج بأن: ما أبين من حي وجاز أن يعيش بعد إبانته أو جاز أن يبقى الباقي حيا وجب أن لا يؤكل ما لو بان منه كما لو عاش ساعة ثمّ قتله بعد ذلك برمية أخرى (٦). والجواب: أن الضربة الأولى لم تكن ذكاة لشيء من الصيد والضربة الثانية ذكاة له فهي ذكاة بجميعه وهو جميع ما مات بها (٧).

стр. 682

فصل فإن رمى صيدًا فقطع منه عضوًا وبقي معلقًا بجلدة أكل كله سواء قلنا إن ما بان منه يؤكل أو لا يؤكل (١) وعن أبي حنيفة روايتان أحدهما مثل هذا والثاني: لا يؤكل (٢). دليلنا: أن هذا القطع لم يحصل به إبانة العضو وهو ذكاة للأصل، فيجب أن يكون ذكاة للكل كما لو جرحه (٣). واحتج المخالف بأنه: قطع اللحم والعروق والأعصاب فصار كأنه إبانة (٤). والجواب: أنه هناك حصل وإبانة وههنا لم يحصل (٥). ١٠١ - ١٨ مسألة: إذا توحش الإنسي من النعم فذكاته بالعقر، وهكذا إذا تردى بعير في بئر فلم يقدر على ذبحه فذكاته بالعقر ؛ نص عليه في رواية حنبل، والأثرم (٦)، وابن القاسم (٧) وأبي طالب، وإبراهيم بن الحارث (٨) وجعفر بن محمد (٩)، وهو قول أبي حنيفة (١٠) والشافعي (١١)، قال مالك ذكاة الجميع في الحلق واللبة (١٢).

стр. 683

دليلنا: ما روي في حديث عدي بن حاتم قال: قلت: يا رسول الله إنا نصيد الصيد ولا نجد إلا الظرار (١) أو شقة العصا فقال رسول الله ﷺ : "أمر الدم بما شئت واذكر اسم الله" (٢)، ذكره أبو بكر بإسناده، وهذا عام في كل موضع. وأيضًا روى أبو بكر الأثرم بإسناده في مسائله عن رافع بن خديج (٣) قال: كنا مع رسول الله ﷺ فند بعير فرماه رجل بسهمه فحبسه الله ﵎، فقال: "إن هذه البهائم لها أوابد كأوابد الوحش فإذا ند (٤) منها شيء فافعلوا به هكذا (٥) ". وهذا حديث صحيح، قال الأثرم: قلت لأبي عبد الله: كان مالك يقول: إذا أعجزه فنحره من غير منحره لم يأكله فقال: حديث رافع بن خديج عن النبي ﷺ ، لعل مالكا لم يسمع هذا الحديث (٦). فإن قيل: هذا محمول على أنه حبس البعير بالجرح وأدركه صاحبه فذكاه فقال: ما ند عليكم فافعلوا به هكذا، يعني احبسوه بالجرح ثم ذكوه، ويكون فائدة هذا جواز الذكاة مع جرح في غير محل الذكاة وأنه يجوز عقر ما ند منها في غير محل الذكاة وإن لم يكن ذلك جائزًا في المقدور عليه.

стр. 684

قيل: لا يجوز أن يأمرهم بمثل ذلك وهو مما لا يقع الإباحة به؛ لأنه يؤدي إلى أن يأمرهم بما يؤول إلى الإتلاف؛ لعلمنا أن الجرح قد يأتي على نفس الصيد، ومثل هذا ما قلنا في قول النبي ﷺ : "إذا وقع الذباب في إناء أحدكم فامقلوه (١) فيه" (٢) فلو كان موته يوجب تنجيسه لم يأمر بمقله مع علمنا أنه يموت بالمقل في العادة كذلك ههنا، ولأن إطلاق الحبس يقتضي القتل؛ لأن من طبع الحيوان إذا جرح وكان فيه قدرة على الهرب لم يقف وإنما يقف إذا لم يبق فيه حياة مستقرة فعلم أن الإباحة تقع بمجرد الحبس من غير إحداث ذكاة. وأيضًا ما روى أحمد، نا عفان (٣)، نا حماد بن سلمة (٤) عن أبي العشراء (٥) عن أبيه (٦) قال: قلت: يا رسول الله أما تكون الذكاة إلا من اللبة أو الحلق؟ قال: "لو طعنت في فخذها لأجزأ عنك" (٧)، وسمعته يقول: وأبيك. ذكره

стр. 685

أبو بكر الخلال (١) في كتاب العلل (٢) (٣) ومعلوم أنه لم يرد بذلك حال القدرة لإجماعنا على منع ذلك علم أنه أراد به حين الامتناع. فإن قيل: هذا خبر ضعيف من وجهين: أحدهما: أن الميموني قال: ذكروا لأبي عبد الله الحديث: "إن طعنت في فخذها أجزأك" فجعل يعجب من هذا ويضعف الحديث، وكذلك نقل إسماعيل بن سعيد (٤) قال: سألت أبي عن حديث أبي العشراء فلم يعب به، وقال في رواية أبي الحارث (٥): سألت أبا عبد الله عن حديث أبي العشراء، فقال: هو عندي غلط. والثاني: أنه أقسم في الحديث بأبيه بقوله: "وأبيك لو طعنت في فخذها أجزأك"، وهذا مع نهيه عن أن يحلف بغير الله، ونهى أن يحلف بأبيه فدل على ضعفه. قيل: أما ما روي عن أحمد من تضعيفه، فقد روي عنه خلافه فقال أبو بكر الخلال إن محمد بن العباس المؤدب أبو عبد الله الطويل (٦) قال: سألت أحمد عن حديث أبي

стр. 686

العشراء فقال: العمل على هذا الحديث، قال أبو بكر: وأخبرنا علي بن سهل (١) قال: بلغني أن أحمد بن حنبل سمع حديث أبي العشراء عن أبيه من عفان فقال له: وأبيك، وهذا يدل على صحته عنده. وأما قولهم أنه أقسم بأبيه فلا يدل على ضعفه لأنه يحتمل أن يكون حين أقسم بذلك كان القسم بها جائزا ثم نهى عن ذلك فيما بعد، فقام الدليل على إخراج بعض اللفظ، وبقي ما عداه على موجبه. (وأيضا فإنه إجماع الصحابة روى ذلك عن ابن عمرو (٢) وابن عباس وابن مسعود (٣) فروى أبو بكر الأثرم في مسائله بإسناده عن عبادة بن رفاعة (٤) قال: تردى بعير في بئر فذكى من قبل شاكلته فبيع بعشرين درهما فأخذ عبد الله بن عمرو عشرة بدرهمين (٥). وروى بإسناده عن عكرمة عن ابن عباس قال: ما فاتك مما في يديك فهو لمنزلة الصيد (٦). وروى بإسناده عن غضبان بن يزيد (٧) قال: أعرس رجل منا فاشترى جزورا فندت

стр. 687

فخاف أن يسبقه قال: فعرقبها فماتت، فسألنا عبد الله بن مسعود فأمرنا بأكلها، فقال بعضهم: لا تأكلوها حتى يأكل منها، فبعثوا إليه منها فأكل (١). ولا يعرف لهم مخالف، وأيضًا فإنه حيوان غير مقدور على ذكاته فكانت ذكاته بالعقر كالوحشي من أصله، ولأن الوحشي ذكاته بالعقر ثمّ إذا تأنس وقدر عليه تغير حكم ذكاته فيه فيصير ذكاته في الحلق واللبة لحصول القدرة عليه كذلك الإنسي إذا توحش فقد خرج أن يكون مقدورا على ذكاته فوجب أن ينقل حكم ذكاته إلى العقر (٢). واحتج المخالف بما: روي عن النبي ﷺ قال: الذكاة في الحلق واللبة وهذا عام (٣). والجواب: أنا نحمله ونخصه على المقدور عليه. بدليل: ما ذكرنا (٤). واحتج بأنه: لو كان الأهلي إذا توحش كالأصلي في باب الذكاة لوجب أن يكون في حكمه في وجوب الجزاء على المحرم إذا قتله وإذا قتله المحرم في حال الامتناع أن لا يكون مذكا؛ لأن ذكاة المحرم للصيد لا تصح وأن لا يجوز في الضحايا والهدايا والعقيقة كما لا يجوز ذلك في الوحشي الأصيل وإن كان حمارا أهليا فرماه فقتله أن يؤكل كما يؤكل الحمار الأهلي إذا أصابه في حال الامتناع وأن يملكه من أثبته وإن لم يكن مالكا له كما يملك ساير الصيود وأن لا يجب الضمان على قاتله في حال الامتناع كما لا يجب في الصيد الأصلي (٥). والجواب: أن هذا باطل بالوحشي إذا تأنس فإنه يتعين حكم ذكاته ولا يتعين شيء

стр. 688

من الأحكام التي ذكروها؛ لأن الجزاء يجب بقتله ولا يصح ولا يجوز في الضحايا والهدايا والعقيقة وقولهم: أنه لا يملك باطل بالعبد ثم إذا ارتد ثم لحق بدار الحرب فإن الملك فيه لا يتعين؛ لأنه لا يجوز تملكه على صاحبه ويتعين حكم القتل فيه؛ لأنه قبل هربه إلى دار الحرب كان قتله بضرب الرقبة وبعد ما هرب وامتنع ليقتل على أي وجه قدر عليه كذلك ههنا (١). ١٠٢ - ١٩ مسألة: إذا صاد الرجل صيدا ثمّ أفلت منه لم يزل ملكه عنه سواء كان يدور حول البلد والعمران أو كان قد أومى إليه في رواية صالح لا بأس بصيد الباز إذا لم يكن قد صاده إنسان فإن علمه ملكه وأفلت منه لا يصيده حتى يرده (٢) وبهذا قال أبو حنيفة (٣) والشافعي (٤)، وقال مالك: إذا عاد إلى البر واختلط بالصيود زال ملكه عنه ومن صاده ملكه (٥). دليلنا: أنه مسلم امتنع عليه مملوك له فلم يزل ملكه عنه كما لو أفلت الصيد وكان يدور حول البلد أو أبق عبد له ولا يلزم عليه الحربي إذا أبق عبده إلى دار الإسلام أنه يزول ملكه لقولنا مسلم ولا يلزم عليه المسلم إذا أبق عبده إلى دار الحرب؛ لأن ملكه لا يزول عنه إلا بقهر المشركين له فأما بامتناعه فلا يزول، وقد استدل بعض من نصر هذه المسألة بأن الصيد يملك بالاصطياد كما أن الموات يملك بالإحياء ثمّ ثبت أنه لو ملك مواتا بالإحياء لم يزل ملكه تحته إذا تركه حتى عاد خرابا وكذلك لو أخذ ذهبا من معدن ثم رده إليه لم يزل ملكه، ورأيت ابن القصار يمنع هذا ويقول: بأن الأرض الموات كالصيد عندنا، وقال أيضا: إذا رد عروق الذهب والفضة في المعدن حتى اختلط بغيره مما

стр. 689

في المعدن احتمل أن يزول ملكه عنه كالصيد وهذه الممانعة لا تصح في الذهب والفضة إذا رده إلى المعدن؛ لأنه إنما لم يمنع من أخذ ما في المعدن؛ لأجل اختلاطه به وإن في المعدن من ذلك مشقة فهو كما لو طار منه طائر واختلط بصيود البر فإنه لا يمنع عندنا من الاصطياد فإما أن يكون المنع عنده؛ لأن ملكه قد زال فلا ألا ترى أنه لو كان معلوما لم يكن لغيره أن يملكه (١). فإن قيل: المعادن لها من يمنع منها والصيود بخلاف ذلك. قيل: ليس لأحد أن يمنع منها كما لا يمنع من الصيد فلا فرق بينهما (٢). واحتج المخالف بعموم قوله تعالى: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعَامُهُ مَتَاعًا لَكُمْ وَلِلسَّيَّارَةِ وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ مَا دُمْتُمْ حُرُمًا وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ﴾ [المائدة: ٩٦] وهذا من صيد البحر وليس بمحرم فيجب أن يباح (٣). والجواب: أنه محمول على ما لم يملك (٤). واحتج بأنه صاده وهو مختلط بالوحش، فملكه كما لو لم يصده أحد (٥). والجواب: إن المعنى في الأصل أنه لم يثبت عليه ملك مالك وليس كذلك ها هنا؛ لأنه قد ثبت عليه ملك مسلم فلم يملك بالاصطياد كما لو كان يدور حول البلد (٦). واحتج: بأن أصله الإباحة وإنما ملك بالاصطياد وثبوت اليد عليه فإذا زالت يده وعاد إلى البر فقد عاد إلى حالته التي كان عليها فيجب أن يعود إلى ما كان عليه كما أن

стр. 690

الخمر إذا انقلبت خلا وزالت الشدة عنها عادت إلى ما كانت عليه قبل حدوث الشدة فيها (١). والجواب: أنه يبطل به إذا أخذ من معدن ذهبا أو فضة ثمّ رده إليه فإنه قد عاد إلى ما كان عليه ولا يزول الملك (٢). واحتج بأنه: لو أطلق الصيد زال ملكه عنه وكذلك لو أخذ ماء من نهر ثم رده إليه زال ملكه عنه (٣). بدليل: أنه لا يمنع من الاصطياد ولا من أخذ الماء من ذلك النهر (٤). والجواب: أن الملك لم يزل عندنا بذلك وإنما لم تمنع الناس من الصيام وأخذ الماء؛ لأن هذا أمر لا يمكن التحرز منه ويشق مراعاته فعفي عنه فهو كما لو اختلطت أخته بنساء لا ينحصرن بتعدد لم يمنع من التزويج؛ لأنه يشق ولو اختلطت بنساء محصورات العدد منع التزويج بهن؛ لأنه لا تشق (٥). يبين صحة هذا: أنه لو صب عصيرا في دجلة لم يزل ملكه بالإجماع ومع هذا لا يمنع غيره من الاستقاء منه؛ لأنه يصير مستهلكًا لا يمكن الاحتراز منه كذلك ههنا (٦). ١٠٣ - ٢٠ مسألة: إذا نصب منجلًا، وسمى وجرح الصيد فقتله حل أكله نص عليه في رواية حرب وإسحاق بن إبراهيم (٧) وإبراهيم بن هانئ (٨) والميموني.

стр. 691

وهو قول الحسن فيما حكاه سريج بن يونس (١) في كتاب الصيد (٢). وقال الشافعي (٣): لا يباح أكله (٤). دليلنا: ما تقدم من حديث عدي بن حاتم وقول النبي ﷺ : "أمرر الدم بما شئت واذكر اسم الله" (٥)، وهذا عام. وأيضًا ما رواه سريج بن يونس بإسناده في كتاب الصيد عن ابن أخي مسروق (٦) أنه سأل ابن عمر عن صيد المناجل فقال: إنه يبين منه الشيء وهو حي فقال ابن عمر: ما بأن منه وهو حي فلا تأكل (٧)، وهذا يدل على إباحة ذلك عند ابن عمر من وجهين:

стр. 692

أحدهما: أنه سأله عن صيد المناجل ولم ينكر ذلك. والثاني: أنه خص التحريم بما بأن منه، فدل على أن ما لم يبين منه مباح ولا يعرف له مخالف في الصحابة (١)، ولأنه قصد إلى قبل الصيد بما له حد أشبه لو رماه بالمناجل والسهم، ولا يلزم عليه إذا أرسل سهمه على هدف أو في الهواء فأصاب صيدا أنه لا يباح؛ لأنه غير قاصد إلى قتل الصيد؛ لأن القصد المعتاد في الرامي يسير إلى صيد موجود والعادة في صيد المناجل إن ينصب لصيد يوجد في الثاني، ولأن إباحة الصيد حكم يتعلق بإتلاف الحيوان إذا كان مباشرة فتعلق به إذا كان سببًا. دليله: ضمان الآدمي فإنه قد استوى فيه المباشرة وهو القتل وحفر البئر وهو السبب في ضمان الدية يجب أن يستوي المباشرة والسبب وإباحة الصيد. فإن قيل: ضمان الآدميين أوسع. بدليل: أنه لا يعتبر فيه القصد وهو إذا رمى سهما فوقع على إنسان فقتله كان عليه الضمان ولو كانت بيده سكين يلعب بها أو يقلبها فوقعت على حلق شاة فذبحتها لم تبح الشاة، وإذا كان أوسع لم يجز اعتبار أحديهما بالآخر. قيل: بل الذكاة أوسع (٢). بدليل: أنه لو أرسل كلبه أو فهده على صيد فعقر آدميا لم يضمنه ولو قتل صيدا حل أكله. وعلى أنهما إنما افترقا من هذا الوجه لمعنى وهو أن الصيد من شرط إباحته وجود القصد، فإذا رمى الهواء فأصاب طائرا لم يبح؛ لعدم القصد وبنصب المناجل قد وجد القصد فاستويا في الإباحة (٣). وجواب آخر وهو: أنه لا يمتنع أن يكون ضمان الآدمي أوسع ويتساويان في أن كل واحد منهما يعتبر فيه المباشرة والسبب كالقصاص والدية، نحن نعلم أن ضمان الدية أوسع من إيجاب القصاص ومع هذا ثبت القصاص بالمباشرة وبالسبب وهو رجوع

стр. 693

الشهود والدية تضمن بالأمرين، ولذلك ضمان العبيد وضمان الآدمي يتعلق كل واحد منهما بالسبب والمباشرة وإن كان ضمان الصيد أعم (١). واحتج المخالف: بأن الذكاة إنما تكون بفعله أو بحكم فعله فالفعل مباشرته بالذبح وحكم فعله هو الرمي؛ لأن السهم يخرج عن يده، ولكن حكم فعله باق، وههنا حكم فعله قد زال بنصب المناجل، فهو كما لو كان بيده سكين فسقط على حلق دجاجة فذبحها لم يحل أكلها (٢). والجواب: أنا لا نسلم أن حكم فعله قد زال بل هو باق كما كان الحكم باقيا برمي السهم وخروجه عن يده. يبين صحة هذا: ثبوت الضمان وأما إذا سقط السكين على حلق دجاجة فإنما لم يبح؛ لأنه لم يقصد الذبح وههنا قد قصد الصيد فهو كالرمي (٣). واحتج بأنه: إنما يحل الصيد إذا رمى صيدا بعينه أو إلى جمله يقصد إصابة صيد منها بعينه فأما نصب المناجل فما قصد صيدا بعينه ولا صيدا من جملة معين، فلم يحل كما لو رمى سهما إلى فوق فوقع على صيد فقتله (٤). والجواب: أن هذا غير معتبر عند مخالفنا؛ لأنه لو رأى سوادا يظنه كلابا أو خنازير أو آدمي فرمى إليه فوقع في صيد أنه يؤكل وإن لم يكن قاصدا إلى صيد بعينه ولا إلى جملة فيها صيد يقصد واحدا منها، وأما إذا رمى إلى فوق فوقع على صيد فإنما لم يبح أكله؛ لأنه غير قاصد إلى الاصطياد، وكذلك لو كان بيده سكين فسقطت على عنق دجاجة فذبحتها لم يبح؛ لأنه غير قاصد إلى الذكاة، وليس كذلك ههنا لأنه حين نصب المناجل

стр. 694

قاصد إلى الاصطياد فهو كما لو أرسل على صيد فأصابه (١). فإن قيل: فلو أرسل كلبه أو بازه أو سهمه بقصد الصيد وليس حذاه صيد فأعرضه صيد فقتله أنه لا يباح وإن كان قد قصد الاصطياد (٢). قيل: إذا لم يكن جزاه صيد فلم يوجد القصد إلى الصيد ولهذا قالوا فيمن أرسل كلبه على عرض فأصاب صيدا لم يؤكل وكذلك لو أرسل على بهيمة محرمة فأصاب صيدا لم يؤكل؛ لأن القصد ما وجد كذلك ههنا والقصد موجود ههنا من الوجه الذي بينا (٣). ١٠٤ - ٢١ مسألة: إذا رمى رجلان صيدًا، فأصابه سهم أحدهما، فأثخنه، ثم أصابه سهم الآخر، فقتله ؛ جاز أكله. أومى إليه أحمد في رواية بكر بن محمد عن أبيه في رجلين رميا صيدًا فأصابا جميعًا، فإن كانا قد ذكيا جميعًا أكلاه، وإن ذكاه أحدهما ولم يذكه الآخر، لم يؤكل، فإن رماه أحدهما بسهم والآخر بمعراض، لم يؤكل أخاف أن يكون المعراض قتله (٤)، فقد أطلق القول بإباحة الأكل إذا رميا جميعًا، ولم يفرق بين أن تتقدم إصابة أحديهما على الآخر أو يتأخر وقوله ذكيا جميعا بمعنى كان رميهما جميعا بما له حد فإن كان أحدهما بحد والآخر بعرض لم يؤكل؛ لأنه قد بين ذلك في آخر كلامه في المعراض (٥)، وبهذا قال أبو يوسف خلافًا لزفر (٦) في قوله: لا يجوز أكله (٧).

стр. 695

دليلنا: أن الاعتبار بالإرسال بدلالة أن التسمية يحتاج إليها في تلك الحال، وقد صح إرسال الثاني وثبت حكمه فإذا أصابه وقتله جاز أكله كما لو أصابه قبل أن يجبه سهم الأول، وقد ثبت عن أحمد ما يدل على أن الاعتبار بالإرسال في رواية يوسف بن موسى (١) في رجل رمى بنشاب (٢) فمات الرامي قبل أن يصيب فلا بأس بأكله إذا رماه بما يجرح (٣)، فقد اعتبر حال الرامي وهو أنه على صفة يصح صيده، ولم يعتبر ما طرأ بعد ذلك من الموت وخروجه عن أن يكون من أهل الذكاة (٤). واحتج المخالف بأنه: لما أثخنه سهم الأول خرج عن حد الامتناع، وصار في حكم ما ليس بصيد فإذا قتله الثاني بعد ذلك لم يؤكل كما لو رماه الثاني بعد ما أثخنه الأول قالوا: وقد نقل الخرقي في هذه المسألة فقال: وإذا رمى صيدا فعقره ورماه آخر فقتله لم يؤكل (٥). والجواب: أن إرسال الثاني ههنا غير صحيح؛ لأنه أرسل سهمه على صيد مقدور عليه وليس كذلك في مسألتنا؛ لأن الإرسال صحيح (٦). بدليل: أنه أرسل سهمه وسمى على صيد غير مقدور عليه؛ فلهذا فرقنا بينهما (٧). * * *

стр. 696

كتاب الذبائح (١) ١٠٥ - ١ مسألة: لا يجوز الذكاة بالسن والظفر سواء كانا منزوعين أو كانا متصلين، نص عليه في رواية الميموني، وحنبل، وإسماعيل بن سعيد (٢) (٣). وهو قول الشافعي (٤). وقال أبو حنيفة: يجوز الذكاة بهما إذا كانا منزوعين، ولا يجوز إذا كانا متصلين (٥). وحكى ابن القصار أن الظاهر من مذهب مالك أنه لا يستباح الذكاة بالسن والعظم (٦). قال: ورأيت لبعض أصحابه أنه مكروه (٧) بالسن، ويباح (٨)

стр. 697

بالعظم (١). قال: وعندي أن السن إذا كان عريضا محدودا والظفر كذلك وقعت به الإباحة (٢). دليلنا: ما روى أبو داود بإسناده عن رافع بن خديج (٣) أنه قال: أتيت رسول الله ﷺ فقلت: يا رسول الله، إنا نلقى العدو غدا وليس معنا مدى (٤)، أفنذبح بالمروة (٥) وشقة العصا (٦) وبالليط (٧)؟ فقال النبي ﷺ : "ما أنهر الدم وذكر اسم الله عليه فكلوا، إلا ما كان من سن أو ظفر، وسأحدثكم؛ فأما السن فعظم الإنسان، وأما الظفر فمدى الحبشة (٨) " (٩). فذكر ما يباح الذكاة به، واستثنى السن والظفر؛ فدل على تحريم الذكاة به (١٠). فإن قيل: هذا محمول على حال الاتصال؛ بدليل قوله: "فإن السن عظم من الإنسان" وهذا يقتضي أن يكون جزءا منه ولا يكون كذلك إلا في حال الاتصال، وكذلك قوله: "أو ظفر" يعني: في حال الاتصال ألا ترى أنه قال: "والظفر مدى الحبشة"، ولا يكون

стр. 698

مدى الحبشة إلا حال الاتصال بالجملة (١). قيل: لا يصح هذا الوجوه: أحدها: أن قوله: "إلا السن والظفر" استثناء عام (٢) يعم المتصل والمنفصل. وقوله: "السن عظم الإنسان والظفر مدى الحبشة" تعلي، ولا يجو أن تكون العلة أخص من الحكم، وحمله على المنفصل تخصيص لها، ويعمهم الحكم الذي هو النهي عن الذكاة بهما (٣). وقولهم: إنه أضاف العظم إلى الإنسان وذلك لا يكون إلا في حال الاتصال فغير صحيح؛ لأن الإضافة تحصل في الحالين؛ ألا ترى أنه يقال: "سن السمكة" و "صوف الغنم" و "لحم البقر" و "جلد الحمار"، وإن كان منفصلًا، وعلى أن أبا بكر ابن المنذر (٤) روى هذا الحديث وقال فيه: "أما السن فعظم"، فأطلق، ولم يقل فيه: "عظم الإنسان"، وهذا يدل على أن العلة كونه عظما في الجملة. ولا يجب أن يقال: قد أطلق ههنا، وقيده في الخبر الأول؛ فوجب حمل المطلق على المقيد؛ لأنه إنما يجب حمل المطلق على المقيد ما لم يمنع منه دليل، فإذا منع لم يجب حمله (٥)،

стр. 699

وقد منع غيرنا الدليل (١). جواب آخر: وهو أن ما يذبح بالمتصل يكون منخنقة (٢)، وتحريم المنخنفة مستفاد من غير هذا الخبر، وهو نص الكتاب (٣)؛ فلا يفيد حمل الخبر عليه (٤). وجواب آخر: وهو أنه استثناه مما يحصل به إنهار الدم، والمتصل لا يحصل به إنهار الدم عندهم، وإنما يكون بالمنفصل، وأيضا فإنه جزء من الحيوان أو عظم من الحيوان أو عظم فلم يكن آلة الذكاة (٥). دليله: إذا كان متصلًا لم يفر (٦)، بل يثرد (٧) ويخنق، وقد روي عن النبي ﷺ أنه قال: "أفر الأوداج (٨) غير مثرد" (٩). وليس كذلك إذا كان منفصلا؛ لأنه يفري (١٠).

стр. 700

قيل: لا نسلم هذا، بل هو في حال الاتصال أبلغ في القطع وأمكن، ثم هذا لا يوجب الفرق بينهما في حصول الذكاة، كما لم يوجبه في المنع والتحريم؛ فإنهما قد تساويا في منع الذكاة بالمتصل، ولأن ما لا يجوز الذكاة به إذا كان متصلا لم تجز الذكاة به إذا كان منفصلا، كاليد إذا أبان بها رأس طائر لم يكن ذكاة سواء كانت متصلة أو منفصلة، وعكسه الحديد لما جاز أن يذكى به إذا كان منفصلا عن غيره، جاز أن يذكى به إذا كان متصلا بغيره (١). فإن قيل: اليد لا تفري والسن والظفر يفري (٢). قيل: هذا باطل بحال الاتصال وعلى أن اليد تقطع الأوداج؛ لأنه يبين رأس الطائر بيده ويقطعه كما يقطع الحديد، ولأن أبا حنيفة وإن حكم بصحة الذكاة فإنه يمنع من فعلها على هذا الوجه (٣)، وكل ذكاة منع منها لحق الله تعالى لم يبح. دليله: ذكاة المجوسي (٤) والمرتد، وفيه احتراز من ذبح شاة الغير بغير إذنه؛ لأن الحق لآدمي (٥). واحتج المخالف بما: روى أبو داود بإسناده عن عدي بن حاتم قال: قلت: يا رسول الله، إن أحدنا أصاب صيدا وليس معه سكين أيذبح بالمروة وشقة العصا؟ فقال: "أمرر الدم بما شئت، واذكر اسم الله" (٦). والجواب: أن هذا محمول على غير السن والظفر؛ لأنه استثنى ذلك في خبرنا؛ فهو أولى (٧). واحتج بأنه: يفري الأوداج؛ فجاز أن يكون آلة الذكاة.

стр. 701

دليله: السكين والحجارة التي لها حد (١). والجواب: أنا نقلبه فنقول: فاستوى فيه حال الاتصال والانفصال (٢). دليله: ما ذكرنا ثم ينتقض باليد فإنه يقطع عروق الطائر، ولأن تلك ذكاة مباحة وهذه ممنوعة منها لحق الله تعالى أشبه ذكاة المجوسي والمرتد (٣). واحتج بأن: المنع من الذكاة لمعنى في الآلة لا يمنع حصول الذكاة كالمنع بالسكين المغصوبة (٤). والجواب: أن أصحابنا اختلفوا في ذلك: فذهب أبو بكر إلى أنه لا يقع به الذكاة، وظاهر كلام أحمد يقع (٥)؛ لأنه أجاز أكل ذبيحة الغاصب لصاحبها في رواية ابن منصور (٦) وصالح وعبد الله (٧)، فعلى هذا الفرق بينهما من وجهين: أحدهما: أن المنع من الذبح بالسكين المغصوبة هو لحق آدمي؛ فلم يمنع الإباحة، وهذه الذكاة المنع منها لحق الله تعالى؛ فهو كذكاة المجوسي. والثاني: المنع من الذبح بالسكين المغصوبة لا يختص بالذكاة؛ لأنه ممنوع من إمساكها وسائر أنواع التصرف فيها فلم يمنع حصول الإباحة؛ ولهذا قالوا: المنع من الصلاة في الدار المغصوبة لما لم يختص الصلاة لم يبطلها، والمنع من الصلاة في الثوب النجس لما اختص الصلاة أبطلها (٨).

стр. 702

واحتج: بأنها آلة يتعلق بها القصاص؛ فجاز الذبح بجنسها كالحديد (١). والجواب: أنه لو كان جاريا مجرى الحديد لاستوى فيه المتصل والمنفصل، ولأنه لا يمتنع أن يتعلق به القصاص؛ فلا تقع به الذكاة كالمتصل يتعلق به القصاص في الأطراف، ولا يذكى به، ولأن القصاص أعم؛ لأنه لا يختص بمكان (٢). ١٠٦ - ٢ مسألة: يؤكل السمك الطافي (٣)، نص عليه في رواية صالح (٤)، وابن إبراهيم (٥)، والميموني، وحرب (٦)، وبكر بن محمد (٧) (٨)، وهو قول مالك (٩)، والشافعي (١٠)، وقال أبو حنيفة: لا يؤكل (١١). دليلنا: قوله تعالى: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعَامُهُ مَتَاعًا لَكُمْ وَلِلسَّيَّارَةِ وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ مَا دُمْتُمْ حُرُمًا وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ﴾ [المائدة: ٩٦]. وقد اختلفت الرواية عن الصحابة في تفسيره، فذكر ابن المنذر في كتابه: قال عمر بن الخطاب: "صيده ما صيد وطعامه ما قذف" (١٢) (١٣).

стр. 703

قال: وقال ابن عمر: "طعامه ما ألقى" (١). قال: وقال ابن عباس: "طعامه: ميته" (٢)، وروى عنه: "طعامه ما ألقى" (٣). إذا ثبت هذا وجب حمل الآية على ما ألقى وعلى ما مات فيه (٤). وأيضا روى أبو بكر في كتابه بإسناده عن جابر بن عبد الله (٥) عن أبي بكر الصديق: أن النبي ﷺ سئل عن ماء البحر فقال: "هو الطهور ماؤه والحل ميتته" (٦). وروى أبو إسحاق الشالنجي (٧) (٨) بإسناده عن أبي هريرة قال: جاء رجل إلى النبي ﷺ فقال: إنا نركب البحر، ونحمل معنا القليل من الماء، فإن توضأنا به عطشنا؛ أفنتوضأ من البحر؟ فقال: "هو الطهور ماؤه الحلال ميتته". وهذا نص في الطافي؛ لأن ما مات بعدما أخرج منه ليس بميتته في الحقيقة، وإنما هو ميتة البر؛ فإنه مات في البر دون البحر، ولأنه عام في جميع ميتته.

стр. 704

وأيضًا ما روى الدارقطني (١) بإسناده عن ابن عمر قال: غزونا فجعنا حتى إنا نقسم التمرة والتمرتين، فبينا نحن على شط البحر إذ رمى البحر بحوت ميتة، فاقتطع الناس ما شاءوا من شحم ولحم، فبلغني أن الناس لما قدموا على رسول الله ﷺ أخبروه فقال لهم: "أمعكم منه شيء؟ " (٢) قالوا: نعم. فأعطوه منه، فأكله، وهذا نص، وأيضا فهو إجماع الصحابة (٣). وروى أبو بكر بإسناده عن عكرمة (٤) أنه شهد على ابن عباس أنه شهد على أبي بكر الصديق أنه قال: السمك الطافي على الماء حلال (٥). وقد روينا عن عمر أنه قال: "صيده ما صيد، وطعامه ما قذف". وروى الشالنجي بإسناده عن أبي أيوب الأنصاري (٦) سئل عن سمكة طافية فقال: "كلها وأطعمني منها" (٧)، وقد روينا عن ابن عباس: "طعامه ميتته" (٨).

стр. 705

وروى أحمد في مسائل صالح (١): نا روح (٢)، عن حاتم بن أبي صغيرة (٣)، عن أبي الزبير (٤) قال: سئلت عائشة عن السمك الطافي على الماء فقالت: "ما شيء في البحر إلا قد سمي لكم؛ فكلوه وإن كان طافيا على الماء" (٥). فإن قيل: فقد روى الشالنجي بإسناده عن ميسرة (٦)، عن علي أنه كان يقول في السمك الطافي: "ما مات فطفا فوق الماء فلا تأكله، وإذا قذف البحر به فمات فكل" (٧).
следующие страницы →