← Фикх ханбали

Фикх ханбали · id 30057

التعليقة الكبيرة - أبو يعلى - من الأشربة للأيمان

القاضي أبو يعلى ابن الفراء

Полный текст (1 057 стр.). Показаны 736–775 · переход к 741.

стр. 736

لأنه لا حكم لهذه الحياة من الوجه الذي ذكرنا؛ فبان الفرق بينهما (١). ومن نصر الرواية الثانية (٢) أجاب عن السؤال على الخبر من وجهين: أحدهما: أنه لو كان الحكم يختلف لكان النبي ﷺ يستفصل فيقول: "إن كانت الرمية موجبة أبيح لك الأكل، وإن كانت غير موجبة لم يبح". فلما لم يستفصل دل على أن الحكم لا يختلف (٣). فإن قيل: قد يجوز أن يخل بالبيان إلى وقت آخر. قيل له: لا يجوز الإخلال به عن وقت الحاجة، وهذا وقت الحاجة (٤)؛ لأن السائل كان جاهلا بإباحة الأكل، وإنما سأله: هل يباح له الأكل؟ فلا يجوز له الإخلال به كما قال للمستحاضة (٥) لما سألته: "إنما هو دم عرق (٦)، وليس بالحيضة؛ فإذا كان كذلك فتوضئي وصلي" (٧)، وكما قال للأعرابي لما سأله، فقال: وقعت على امرأتي،

стр. 737

فقال: "أعتق رقبة" (١) فلم يؤخر البيان؛ لأنه وقت الحاجة. وجواب آخر: وهو أن جملة ما قالوه حمل على ما قد استفيد بغير هذا الخبر، وهو قوله تعالى: والمنخنقة، وإذا حملناه على مسألة الخلاف حمل على أمر مستفاد بهذا الخبر. وقولهم: قد صار مذبوحا فلا يؤثر ما طرأ عليه فلا يصح؛ لأنه لو كان كذلك لم يحرم على الذابح أن يقطع أعضاءه ويبينها قبل أن تزهق نفسه، كما لا يحرم عليه ذلك إذا زهقت نفسه، وأن لا يحرم عليه إمساكها حتى لا تضطرب. وقد روي عن عمر ﵁ أنه قال: "ذروها حتى تزهق الأنفس" (٢). وإذا كان حكم الحياة باقيا من الوجه الذي ذكرنا كذلك ها هنا، ولا معنى لقولهم: إن هذا من آداب الذكاة؛ فجرى مجرى منع الذكاة بسكين كال، ومواراة السكين عن الذبيحة، ومع هذا فليست هذه الأشياء شرطا في الذكاة؛ لأن آداب الذكاة إنما اعتبرت في حال الحياة؛ فلولا أن هذه الحال هو حال الحياة ما اعتبر ذلك فيها، فلما اعتبر دل على أنها جارية مجرى حالة الحياة، وما ذكروه من ضمان الجناية وأنه لا يثبت على من ضرب عنقه بعد قطع الحشوة حكم الضمان يفارق الذكاة (٣). بدليل أنه لو رمى صيدا مملوكا فغاب عنه ثم وجده ميتا وبه السهم أوجبوا عليه الضمان ولم تحصل الإباحة على الصحيح من قولهم، ولأن الضمان لا يختص بموضع مخصوص بل أي موضع جرحه ضمنه، والذكاة تختص بموضع ولذلك لا يختص بجاني مخصوص والذكاة يختص بمذكى مخصوص وهذا يدل على الفرق بين الضمان والذكاة (٤). واحتج: بأنها إذا انتهت إلى هذه الحال لم يؤثر ما يطرأ عليها ألا ترى أنه لو ذبحها مجوسي فقطع الحلقوم والمريء ثم جاء مسلم فقطع رأسها لم يبح أكلها ولو ذبحها

стр. 738

مسلم ثم قطع رأسها مجوسي لم يحرم أكلها، وكذلك المتردية والنطيحة والموقوذة وما أكل السبع إذا لم يبق إلا بقاء حركة المذبوح لم يصح ذكاتها، كذلك يجب أن لا يؤثر في ذكاتها ما يطرأ عليها من الوقوع في الماء والتردي من الجبل (١). والجواب: أن أبا حنيفة قد قال: إذا انتهت إلى هذه الحال فذبحها أبيح أكلها وهذا دليل ظاهر عليه يدل على أن حكم الحياة باقية فيها، وعلى أنه إن لم يكن لها حكم الحياة من هذه الوجوه فقد بينا أن لها حكمها من الوجه الذي ذكرنا وهو محرم على الذابح قطع أعضاءها وإمساكها حتى لا تضطرب (٢). ١١٤ - ١٠ مسألة: يجوز ذبح الإبل ونحر البقر نص عليه في رواية صالح (٣) وابن منصور وحنبل (٤) وهو قول أبي حنيفة (٥) والشافعي (٦). وحكي عن مالك روايتين أحديهما مثل قولنا، والثانية لا يجزئ إلا النحر (٧) وقال داود: إذا ذبح الإبل ونحر البقر لم يؤكل (٨). دليلنا: قوله ﷺ : "الذكاة في الحلق، واللبة" (٩)، ولأن ما كان ذكاة في بعض الحيوان كان ذكاة في جميعه كالنحر؛ وذلك أن الذبح ذكاة للبقر والغنم فيجب أن يكون ذكاة للإبل؛ كالنحر لما كان ذكاة لهذه الأشياء كان ذكاة للإبل، ولأنه حيوان يحل بالنحر فوجب أن يحل بالذبح كالبقر والغنم (١٠).

стр. 739

واحتج المخالف: بأن المأمور به في الإبل النحر، وإذا ذبح فقد ترك المأمور به فلم يجز كما لو أخل بقطع الحلقوم، وكذلك المأمور به الذبح في البقر فإذا نحر خالف (١). والجواب: أنه مأمور به على طريق الاستحباب (٢) كما أن الذبح مأمور به في البقرة والغنم على طريق الاستحباب، فلو عدل إلى النحر أجزأ عند مالك (٣) كذلك إذا عدل عن النحر إلى الذبح في الإبل يجب أن يجزى (٤). واحتج بأن الأصل تحريم البهيمة فمن ادعى إباحتها بهذا فعليه الدليل (٥). والجواب: أنا قد دللنا (٦). ١١٥ - ١١ مسألة ذكاة: الأم ذكاة للجنين فإذا نحرت الناقة وذبحت الشاة والبقرة فخرج في جوفها جنين ميت حل أكله، وكذلك إن خرج حيا ولم يقدر على ذكاته حتى مات نص عليه في رواية الجماعة منهم حنبل والميموني وحرب (٧) ومثنى (٨) (٩). ففي رواية حنبل (١٠): ذكاة الجنين ذكاة أمه أشعر أو لم يشعر إلا أن تطول به الحياة، وفي رواية الميموني: فإن خرج حيا ثم مات قبل أن يذبحه ليس بذكي لا بد له من الذكاة (١١)، وفي رواية حرب ومثنى ذكاته ذكاة أمه أشعر أو لم يشعر (١٢).

стр. 740

وبهذا قال الشافعي (١). وقال أبو حنيفة: لا يؤكل إلا أن يخرج حيا، فيذكي (٢). وقال مالك: إن كان قد كمل خلقه ونبت شعره وخرج ميتا أكل وإن لم ينبت شعره لم يؤكل (٣). دليلنا: ما روى أحمد نا أبو عبيدة الحداد (٤) نا يونس بن أبي إسحاق (٥) عن أبي الوداك (٦) عن أبي سعيد (٧) أن النبي ﷺ قال: "ذكاة الجنين ذكاة أمه" (٨) ذكره أبو بكر بهذا الإسناد في كتابه، وظاهره: يقتضي أن ذكاة الجنين ذكاة أمه، كما إذا قال: ذكاة الحيوان فرى أوداجه (٩).

стр. 741

فإن قيل: يحتمل أن يكون المراد به ذكاة الجنين كذكاة أمه كما قال تعالى: ﴿عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ﴾ [آل عمران: ١٣٣] معناه: كعرض السموات والأرض وكما قال الشاعر (١): فعيناك عيناها وجيدك جيدها (٢) ومعناه عيناك كعينيها وجيدك كجيدها، وكما قال: النشر مسك والوجوه دنانير … وأطراف الأكف عنم (٣) ومعناه: النشر كالمسك والوجوه كالدنانير، ويقال: مذهبي مذهبك واعتقادي اعتقادك يعني مثل مذهبك ومثل اعتقادك، ويحتمل أيضًا مثل ما قلتم، وهو أن ذكاة الأم ذكاة للولد فإذا احتمل الأمرين لم يكن حمل الخبر على أحدهما بأولى من حمله على الآخر (٤). قيل: هذا وإن كان مستعملا في كلام العرب فلا يمكن استعماله ههنا لوجوه: أحدهما: إن اسم الجنين حقيقة في الولد ما دام مستجنا في بطن الأم وبعد خروجه لا يسمى جنينًا، وفي تلك الحال لا تكون ذكاته كذكاة الأم؛ لأنه لا يمكن ذبحه فلم يمكن حمل الخبر عليه؛ ولهذا سمى الجن بهذا الاسم لاستتارهم عن الأبصار وسمي المجن بهذا الاسم؛ لأنه لستر المحارب (٥).

стр. 742

فإن قيل: يجوز أن يسمى جنينًا بعد خروجه من بطن الأم؛ ألا ترى أنه روي في خبر أبي سعيد الخدري أنه قال "قلنا: يا رسول الله أحدنا ينحر الناقة أو البقرة أو الشاة فيجد في بطنها جنينًا أيأكله" (١)، ومعلوم أنه لا يجده إلا بعد ظهوره، وفي حديث حمل بن مالك (٢) أنه قال: "كنت بين جاريتين لي فضربت إحداهما الأخرى بمسطح (٣) فألقت جنينًا ميتًا" (٤) فسماه جنينا بعد خروجه (٥). قيل: هذا مجاز كما يسمى اليتيم بعد بلوغه يتيما ويسمى بعد موت أحد الزوجين أو الطلاق زوجا، وكما يقال دار فلان وعبد فلان بعد البيع وزوال الملك يستصحب الاسم المتقدم، ولا معنى لقولهم: الأصل الحقيقة (٦) فمدعي المجاز يحتاج إلى دليل؛

стр. 743

لأنا قد دللنا على ذلك بالاشتقاق والمعنى الذي سمى جنينا لأجله وقد زال المعنى، فوجب أن تكون الحقيقة زائلة كما إذا زال الملك والزوجية زالت الحقيقة. جواب ثان: عن أصل السؤال وهو أن حمله على التشبيه يبطل فائدة التخصيص بالأم؛ لأن تشبيهه بالأم ليس أولى من تشبيهه بعمته وخالته وسائر الحيوان (١). فإن قيل: فيه إبطال مذهبكم وإزالة توهم من يتوهم إن ذكاة الأم ذكاة له وعلى أن الأم أقرب إليه من سائر الحيوانات وإنما يشبه الشيء بما يقرب منه دون ما يكون أجنبيا عنه (٢). قيل: أما قولك أن فائدته إبطال مذهبهم لا يصح. وأما قولك: أن الأم أقرب إليه فلا يصح؛ لأن الجميع إن كان بمنزلة واحدة لم يكن لبعضه على بعض مزية وقع التشبيه بالجميع ولم يخصص به البعض كما قال النبي ﷺ : "تحيضي في علم الله ستا أو سبعا كما يحيض النساء وكما يطهرن" (٣) ولم يخص أمها لتساويهما في ذلك فلما خص الأم ههنا دون غيرها لم يصح ما قاله (٤). جواب ثالث: عن أصل السؤال وهو ما قالوه يوجب حمل الخبر على إضمار وإذا أمكن حمله على غير إضمار كان أولى لأن الإضمار ترك حقيقة ويحتاج فيه إلى دليل (٥).

стр. 744

فإن قيل: لا بد من إضمار بالاتفاق؛ لأن معناه عندكم ذكاة الجنين تحصل بذكاة الأم وعندنا معناه ذكاة الجنين كذكاة الأم ومثل ذكاة الأم (١). قيل: نحن لا نحتاج إلى إضمار؛ لأن الذكاة عبارة عن الحل والطيب والطهارة ولا يحتاج إلى إضمار؛ لأن معناه حل الأم حل للجنين، وعند المخالف الذكاة فرى الأوداج فيحتاج إلى إضمار فيقول: فرى الأوداج في الجنين مثل فرى الأوداج في الأم، وقطع الحلقوم والمريء سبب للذكاة التي هي حل اللحم وطيبه وطهارته وليس بالذكاة. يدل عليه أن القطع لو كان هو الذكاة؛ لكان هذا والاسم في سائر بدن الحيوان مجاز؛ لأن القطع لم يوجد فيه وإنما وجد في موضع فيه وهو الحلق واللبة (٢) وهذا لا يقوله: أحد بل الكل مجمعون على أن جميع الحيوان ذكي وجميع لحمه مذكى. ويدل عليه أيضًا: أن المجوسي والوثني والمرتد يفرون الأوداج وليس بذكاة؛ لأنه لم يحل اللحم، وكذلك يوجد ذلك فيما لا يحل أكله من الحيوان فلا يكون مذكى؛ لأنه لم يطب أكله ولم يحل به وكذلك إذا عقر بعيرا ندا وصيدا وحشيا كانت مذكى؛ لأنه حلال طيب وإن لم يحصل فيه فرى الأوداج فدل على أن الذكاة عبارة عن طيبه وطهارته (٣). ويبين صحة هذا أيضا أن النبي ﷺ قال في البحر "هو الطهور ماؤه ذكي ميتته" (٤)، وروى عنه ﷺ قال: "دباغ الأديم ذكاته" (٥) يعني طيبه وطهارته فبان أن الذكاة عبارة عن

стр. 745

الطيب والطهارة دون القطع وإنما القطع سبب للذكاة (١). جواب رابع: عن أصل السؤال وهو أنه قد روى أبو الوداك عن أبي سعيد الخدري (٢) أنه قال: سألت رسول الله ﷺ أن أحدنا ينحر الناقة ويذبح البقرة أو الشاة فنجد في جوفها جنينا أفيأكله أم يلقيه؟ فقال: "إن شئتم كلوه فإن ذكاة الجنين ذكاة أمه"، وهذا خاص في أن الجنين خرج ميتا؛ لأنهم قالوا: أنلقيه؟ فلا يقال نلقيه إلا لميت وقد أباح لهم أكله (٣). وروى يحيى بن سعيد (٤) عن مجالد (٥) عن أبي الوداك عن أبي سعيد: "أن النبي: ﷺ سئل عن الجنين يخرج ميتًا فقال: إن شئتم فكلوه" وهذا نص. فإن قيل: قوله يخرج ميتا معناه: قارب الموت كما قال تعالى: ﴿إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ﴾ [الزمر: ٣٠] وقال: ﴿فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ﴾ [الطلاق: ٢] معناه: فإذا قاربن بلوغ الأجل، وأفاد بهذا أنه وإن صار إلى حال لا يبقى معه وقارب الموت فإنه يجوز أن يذكى؛ لأن من الناس من يقول: أن الشاة إذا صارت إلى حال يعلم أنها لا تعيش لم يجز ذكاتها (٦). قيل: ما قارب الموت لا يلقى؛ لأنه يصح ذكاته فعلم أن المراد به: الميت الذي لا يصح ذكاته (٧).

стр. 746

فإن قيل: لو كان ذكاة الأم ذكاة للجنين؛ لأن الذكاة فيها حقيقته وهي المتبوعة وهي في الجنين مجاز وتابعه (١). قيل: يجوز البداية بكل واحد منهما؛ ألا ترى أنه لا فرق بين أن يقول قطع الحلقوم والمريء ذكاة الحيوان وبين أن يقول ذكاة الحيوان قطع الحلقوم والمريء. وكذلك لا فرق بين أن يقول سقي الزرع بمائة وبين أن يقول: ماء الزرع سقيه. وقولهم: أن الذكاة في الجنين مجاز غير صحيح لما بينا وهو أن الذكاة هي الطيبة والطهارة، وليست بعيده عن العفو حتى يقال قد عدم في الجنين (٢). فإن قيل: قد روى "ذكاة الجنين ذكاة أمه" بالنصب والنصب إنما يكون لنزع الخافض وهو كاف التشبيه فكأنه قال: ذكاة الجنين كذكاة أمه فلما نزع الكاف نصبه (٣). قيل: هذه الرواية غير معروفة على أن أهل اللغة لا يجوزون النصب في مثل هذا؛ لأنه اسم وإنما يقولون ذلك في الأفعال التي إذا نزع حرف الخافض تعد الفعل إلى الثاني فينتصب به ألا ترى إلى قوله تعالى: ﴿عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ﴾ [آل عمران: ١٣٣]، ولم يقل عَرَضَها وكذلك قول الشاعر: فعيناك عيناها ولم يقل عينها ويقال: مذهبي مذهبك ولا يقال مذهبَكَ. وقال ابن جني (٤): لا يجوز هنا كما لا يجوز أن يقول زيد عمرا أي: كعمرو ونصبوا في الأفعال كما قال تعالى: ﴿وَاخْتَارَ مُوسَى قَوْمَهُ﴾ [الأعراف: (١٥٥]، معناه من قومه، فلما

стр. 747

نزع الخافض تعدى الفعل وهو الاختيار إلى القوم فانتصب (١). وجواب آخر: وهو أنا نقول ما ينكر أن يكون النصب بنزع الخافض الذي هو الباء والفاء، وكأنه قال: ذكاة الجنين بذكاة أمه، أو في ذكاة أمه فلما نزع الخافض نصبه. وقال ابن جني: يجوز النصب على حذف الوقت كأنه قال: ذكاة الجنين وقت ذكاة أمه فحذف الوقت وأقام المضاف إليه مقامه وأعربه بإعرابه وهو النصب. وهذا إنما يصح على ما قلناه؛ لأنه يكون ذكاته وقت ذكاة أمه. ومن القياس أن ما يسري إليه العتق من بنات آدم جاز أن يسري إليه الذكاة من البهائم قياسا على الأعضاء، ولا يلزم عليه الجنين المتولد من بين ما يؤكل لحمه وما لا يؤكل أنه لا تسري إليه الذكاة فلا يدخل عليه أعيان المسائل، وإن شئت قلت ما تبع البهيمة في البيع جاز أن يتبعها في الذكاة (٢). دليله: ما ذكرنا وفيه احتراز من الجنين المتولد من بين ما يؤكل لحمه وما لا يؤكل؛ لأن التعليل للجواز فلا يلزم عليه اعتبار المسائل (٣). فإن قيل: لو كانت الذكاة تسري إلى الولد ويتبعه كما يسري البيع والعتق لوجب أن لا يبطل بانفصاله منها حيا كما لا يبطل البيع والعتق والولد وسائر الحقوق التي ثبت في الأم ويسري إليه (٤). قيل: الغالب أنه لا ينفصل منها حيا وإنه يموت بموت الأم وعيشه بعد موتها نادر والنادر لا اعتبار به (٥) وإذا كان كذلك لم يثبت له حكم الانفصال عن ذكاتها (٦).

стр. 748

فإن قيل: سائر الأعضاء إنما ثبت حكم الذكاة فيها؛ لأن بقاءها متعلق ببقاء الأصل وليس كذلك الولد؛ لأن بقاءه غير متعلق ببقائها فهو كشاة أخرى (١). قيل: قد بينا أن الغالب أنه لا يبقى بعدها وإن بقاءه متعلق ببقائها فإن بقي فإنما يبقى نادرا (٢). فإن قيل: الأعضاء تتبع الأصل في الذكاة في عموم الأحوال، والجنين قد لا يتبع وهو قد يخرج حيا (٣). قيل: قد بينا أنه لا ينفرد عنها في غالب الحال على أن الأعضاء إنما تبعت الأم في الذكاة بكل حال؛ لأن الروح في كل الأحوال مفارقتها بمفارقة الأم فتبعتها في عموم الأحوال، والجنين قد يفارقه الروح في حال بمفارقة الروح في الأم فتبعها ولا يفارقه في حال فلم يتبعها. ومثال هذا من الأعضاء: أن ينفصل بعض أعضاء الحيوان قبل ذكاته فإنه لا يتبعه في الذكاة ولا يحل أكله ولو رمى صيدا فأبان منه عضوًا ومات من ذلك كان ذكاة للجميع، وأيضا فإن الجنين إذا خرج ميتًا فسبب خروج روحه، ذبح الأم وذلك ذبح مباح وكل حيوان كان سبب خروج روحه ذبح مباح حل أكله كالأم (٤). فإن قيل: ليس خروج روحه ذبح الأم لكن لما ماتت الأم أفسدت عليه مخارج النفس فمات (٥). قيل: لا نعلم هذا بل الظاهر أن الروح إنما فارقت الجنين لمفارقتها للأم. وعلى أنه إن كان على ما ذكرتم فإن سبب اختناق الجنين هو ذبح الأم وموتها بذلك الذبح فلم يخرج ذبح الأم عن أن يكون سببا في خروج روح الجنين.

стр. 749

وأيضا: فإن الذكاة في الحيوان تختلف على حسب الإمكان فيه والقدرة بدلالة أن الحيوان المقدور عليه ذكاته في الحلق واللبة للقدرة على ذلك، والممتنع من الصيد والحيوان الواقع في البئر لما تعذرت ذكاته في الحلق واللبة كانت ذكاته بالعقر، والجنين لا يمكن التوصل إلى ذبحه ولا عقره فلم يشترط ذلك في استباحته وجعلت ذكاة الأم ذكاة له (١). فإن قيل: البعير إذا وقع في بئر أو ندا فإن جرحه مقام نحره؛ لتعذر الوصول إلى ذكاته في النحر، ولو أصابته مكان الجراحة صدمة من جهته فقتله لم يكن ذلك ذكاة له، والجنين في هذا الموضع لم يذبح ولم يخرج فوجب أن لا يكون مذكى؛ كما لا يكون البعير مذكى بالصدمة ونحو ذلك (٢). قيل: إنما لم تكن الصدمة ذكاة؛ لأنه يمكن جرحه ولا يمكن مثل ذلك في الجنين فلهذا فرقنا بينهما (٣). فإن قيل: يلزمك أن تقول إذا وقع بعير فوق بعير في بئر ولم يتوصل إلى نحر الثاني وجرحه أن جرح الأول يكون ذكاة له وللثاني، فاتفقوا على فساد ذلك ههنا (٤). قيل: إنما لم يكن ذكاة الثانية ذكاة الأول؛ لأن الثانية لا تضمن بضمان الأولى ويضمن الجنين بضمان الأم، والجناية على الأم قائمة مقام الجناية على الجنين. يدل عليه أنه إذا جنى على البهيمة فأسقطت جنينا ميتا وجب عليه ما نقص من البهيمة بالإسقاط، وإذا جنى على آدمية فأسقطت جنينا ميتا وجب عليه غرة عبد أو أمة مع أرش الجناية عليها غير الجناية على الجنين، وعلى هذا لو جنى على بهيمة فوقعت على بهيمة أخرى فقتلتها لم يجب عليه ضمان الأخرى وإنما يجب ضمانها إذا دفعها وطرحها على الأخرى ولأنها لا تتبعها في البيع (٥).

стр. 750

واحتج المخالف: بقوله تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ﴾ [المائدة: ٣]، وهذا ميتة؛ لأن الميتة اسم لما يحله الموت في اللغة (١). والجواب: أنا لا نسلم أنه ميتة وإنما هو مذكاة وقولهم: الميتة في اللغة: ما يحله الموت، فلا يلزم؛ لأنه ليس هذا حدهما في الشريعة ألا ترى أن المذكاة يحلها الموت وليست بميتة فوجب حمل المطلق من كلام الله تعالى على مقتضى الشريعة، وعلى أن الآية عامة فيحملها على غير مسألتنا بدليل: ما تقدم (٢). واحتج بأن: بقاء الجنين غير متعلق ببقاء الأم؛ ألا ترى أنه يجوز أن يموت الجنين وتبقى الأم وتموت هي ويبقى الجنين وإذا كان كذلك صار في حكم شاة أخرى ولا يلزم عليه سائر الأعضاء؛ لأن بقاءها يتعلق ببقاء الأم (٣). والجواب عنه: ما تقدم وهو أن بقاء الجنين يتعلق ببقاء الأم في غالب الحال وأنه نادر أن يبقى بعد ذبحها حيا وإنما يبقى بعدها إذا ولدته، فأما بعد ذبحها فلا يبقى غالبا ونحن نجعله تابعا لها في الذكاة في هذه الحال، ثم المعنى في شاة أخرى: أنها لا تتبعها في البيع، أو لأن الجناية على أحدهما لا يكون جناية على الأخرى، أو لأنه مقدور على ذكاة كل واحد منهما وهذا معدوم في الجنين (٤). واحتج بأن: الجنين مات بالخنق وضيق النفس فصار كما لو خنق الحيوان فمات (٥). والجواب: أنه إنما يحرم أكل المنخنقة إذا كان خنقه مقصودا ولم يكن متولدا عن سبب مباح تحل به الذكاة، فأما إذا لم يقصد خنقه وإنما تولد من ذبح مباح كان تابعا في الاستباحة.

стр. 751

ومثال هذا: أن يأخذ صيدا فيضرب به الأرض فيموت فإنه لا يحل أكله، ولو رماه بسهم فوقع على الأرض فمات حل أكله وإن كان معلوما أنه إذا أصاب الأرض أعان الوقع على خروج نفسه لكنه لما كان سبب كذلك الإصابة المبيحة لم يؤثر التحريم وفارقت الضرب المقصود فبان الفرق (١). واحتج بأنه: لو لم تكن الذكاة معتبرة في الجنين لم يفترق الحال بين القدرة على ذكاته أو لا يقدر كالسمك فلما افترقت الحال في ذلك ثبت أن الذكاة معتبرة فيه (٢). والجواب: أنه ليس إذا اعتبرت الذكاة فيه مع القدرة اعتبرت مع العجز، ألا ترى أن المحل معتبر عند العجز فافترق الأمران (٣). فصل وفيما ذكرنا من الخبر والقياس دلالة على مالك، ولأنه جنين يتبع الأم في البيع جاز أن يتبعها في الذكاة إذا كان مما يباح بالذكاة. دليله: إذا أشعر (٤)، لا يلزم عليه الجنين المتولد من بين ما يؤكل لحمه وما لا يؤكل؛ لأنه مما لا يباح بالذكاة، وكل حكم يتبع الجنين الأم فيه إذا أشعر تبعها وإن لم يشعر كالبيع والجناية (٥). فإن قيل: إذا أشعر دل على أنه قد نفخ فيه الروح ثم وقعت له التذكية بتذكية أمه، وإذا لم يشعر فلم ينفخ فيه الروح فلا يقع الذكاة فيما لا روح فيه (٦).

стр. 752

قيل: لا نسلم أن الشعر دليل على نفخ الروح (١). فإن قيل: فالدليل عليه ما روى أبو هلال (٢) عن قتادة (٣) في قوله تعالى: ﴿ثُمَّ أَنْشَأْنَاهُ خَلْقًا آخَرَ﴾ [المؤمنون: ١٤] أثبت الله عليه الشعر (٤). قيل: لا يلزمنا قول قتادة، على أنه لا يمنع من إنبات الشعر بعد حياة متقدمة، وعلى أن هذا المعنى لم يخرجه عن حكم التبع في البيع والعتق فيجب أن لا يخرجه عن حكمها في باب الذكاة وعلى أنه إنما تبع أمه في الذكاة لوقوع الذكاة في الأم في محل الذكاة وتعذر الذكاة في الجنين وهذا المعنى موجود فيه قبل الإشعار كما هو موجود بعده (٥). واحتج المخالف: بما روى أبو إسحاق الشالنجي (٦) نا عيسى ابن أبي ليلى (٧) عن أخيه عيسى عن أبيه أن النبي ﷺ قال في الجنين: "إذا أشعر فكل" (٨) وهذا يدل على أنه إذا لم يشعر لم يؤكل (٩).

стр. 753

والجواب: أن هذا ضعيف؛ قال أحمد في رواية حنبل: ابن أبي ليلى ضعيف الحديث. وعلى أن تخصيصه له إذا أشعر تنبيه على أنه إذا لم يشعر كان ضعيفا أولى أن يتبع أمه في الذكاة، ولأنه يحتمل أن تكون هذه الزيادة من كلام الراوي أو وجها في كلام النبي ﷺ (١). واحتج بما روى الشالنجي عن معمر بن اليمان (٢) عن عبد الله بن زياد (٣) عن نافع (٤) عن ابن عمر أنه كان يقول: "إذا نحرت الناقة وفي بطنها ولد فذكاته ذكاة أمه إذا كان تاما قد نبت شعره وتم خلقه" (٥). وفي لفظ آخر: كان لا يرى بأسا بأكل الجنين إذا أشعر ويكرهه إذا لم يشعر (٦).

стр. 754

والجواب: أن هذا يعارضه ما رواه الشالنجي عن سليمان بن داود (١) عن شريك (٢) عن أبي إسحاق (٣) عن الحارث (٤) عن علي قال: "ذكاة الجنين ذكاة أمه" (٥)، ولم يفرق بين أن يشعر أو لا يشعر (٦).

стр. 755

كتاب الأطعمة (١) ١١٦ - ١ مسألة: يحرم أكل سباع (٢) البهائم، ثم إذا كان لها ناب (٣) قوي يعدو على الناس كالأسد والنمر والذئب والفهد ونحوه (٤)، نص عليه في رواية حنبل. فقال: نهى رسول الله ﷺ عن كل ذي ناب من السباع ما نهش (٥) بفمه، وعن كل ذي مخلب (٦)

стр. 756

من الطير (١) ما قبض بأظفاره، والضبع (٢) لا تأثير بأكله (٣). وكل ما يؤدي إذا أصابه المحرم فإنه يؤكل لحمه (٤)، وبهذا قال أبو حنيفة (٥) والشافعي (٦) وداود (٧). وقال مالك: يكره أكل سباع البهائم من غير تحريم (٨). دليلنا: قوله تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ مَاذَا أُحِلَّ لَهُمْ قُلْ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ وَمَا عَلَّمْتُمْ مِنَ الْجَوَارِحِ مُكَلِّبِينَ تُعَلِّمُونَهُنَّ مِمَّا عَلَّمَكُمُ اللَّهُ فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ وَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ (٤)﴾ [المائدة: ٤]. قوله تعالى: ﴿وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ﴾ [الأعراف: ١٥٧]، وليس لهما ذكر في الشرع، فعلم أنه ردهم إلى ما يستطيبونه ولا يستخبثونه، وقد ثبت في عرفهم

стр. 757

[أنهم] (١) لا يستطيبون لحوم السباع فوجب أن يكون ذلك محرمًا (٢). فإن قيل: لا يجوز أن يردهم في ذلك إلى عرفهم وعادتهم؛ لأن العرف في ذلك مختلف؛ سئل بعض العرب ما تأكلون؟ قال: كل ما دب ودرج (٣) إلا أم حبين (٤). وقال بعضهم: أمهم أم جنين العافية، قال بعضهم: أم جنين ضرب من العطاء منتنة الريح (٥). قيل: المرجع في ذلك إلى عرف أهل الريف والغناء والمكنة والقرى والبلدان الذين كانوا على عهد رسول الله ﷺ حال الاختيار دون من كان من أهل البوادي وجفاة العرب التي تأكل كل ما دب ودرج؛ لأجل الحاجة، وهؤلاء عرفهم غير مختلف (٦). فإن قيل: فعرف أهل الريف والغناء مختلف فروى ابن عمر أن رجلاً نادى رسول الله ﷺ فقال: ما ترى في الضب (٧) فقال: "لست آكله ولا أحرمه" (٨). وعن ابن عباس أن رسول الله ﷺ أهدي لبعض أزواجه ضب فطبخ، فبعث به إلى النبي ﷺ فأكل القوم ولم يأكل، فقال خالد: يا رسول الله، أحرام هو؟ قال: "لا، ولكنني

стр. 758

أقذره" (١). وروي أن النبي ﷺ سئل عن الجراد فقال: "لست آكله ولا أحرمه" (٢)، وكان ابن عمر لا يأكل الجراد (٣)؛ فقد امتنع النبي ﷺ من أكل الضب والجراد مع كونهما مباحين (٤). قيل: قد بين ﷺ أن امتناعه لم يكن عن تحريم، وإنما كان تنزيهًا (٥). فإن قيل: فروى سلمان الفارسي (٦) أن رجلًا سأل رسول الله ﷺ عن السمن والخبز فقال ﷺ : "الحلال ما أحله الله في كتابه، والحرام ما حرمه الله في كتابه" (٧). وروي: " … في القرآن" (٨)، وهذا يمنع الرجوع إلى عرفهم وعاداتهم؛ لأنه رد ذلك إلى كتاب الله (٩). قيل: معناه: ما أحله في كتابه أو سنة نبيه أو ما جرت به عاداتكم، وكذلك الحرام والذي يدل على صحة هذا: أن ههنا أشياء محرمة لم يصرح بذكرها في القرآن، ومن الآية دلالة ثانية، وهو أنه قسمه إلى خبيث وطيب، وعندهم جميعه طيب (١٠). ومن جهة

стр. 759

السنة ما روى عبد الله في "المسند" قال: حدثني محمد بن يحيى (١) قال: نا عبد الصمد (٢). نا أبي (٣) نا حسن بن ذكوان (٤) عن حبيب بن [أبي] (٥) ثابت (٦) عن عاصم بن ضمرة (٧) عن علي أن النبي ﷺ : نهى عن كل ذي ناب من السباع، وكل ذي مخلب من الطير، وعن ثمن الميتة، وعن ثمن الحمر الأهلية، وعن مهر البغي (٨)، وعن عسب

стр. 760

الفحل (١)، وعن المياثر الأرجوان (٢) (٣). وروى أبو داود بإسناده عن أبي ثعلبة الخشني (٤) أن رسول الله ﷺ نهى عن أكل كل ذي ناب من السباع (٥)، وروى أبو داود بإسناده عن ابن عباس قال: نهى رسول الله ﷺ عن كل ذي ناب من السباع، وعن كل ذي مخلب من الطير (٦). وروى بإسناده عن خالد بن الوليد قال: غزوت مع النبي ﷺ خيبر فأتت اليهود فشكوا أن الناس قد أسرعوا إلى حظائرهم (٧) فقال رسول الله ﷺ : "ألا لا يحل أموال المعاهدين (٨) إلا بحقها، وحرام عليكم الحمر الأهلية وخيلها وبغالها وكل ذي ناب من

стр. 761

السباع وكل ذي مخلب من الطير" (١) (٢). فإن قيل: هذه الأخبار محمولة على نهي التنزيه دون التحريم، كما نهى عن الشرب قائمًا (٣) وعن الشرب من في (٤) السقاء لما عسى أن يكون فيها (٥). قيل: إطلاق النهي يقتضي التحريم (٦)، فلا يجوز العدول عنه إلا بدليل، وعلى أن في حديث خالد ما يسقط هذا، وهو قوله: "حرام الحمر الأهلية وكل ذي ناب من السباع"، فصرح بتحريمها، وأيضًا فإنه سبع له ناب قوي يعدو على الناس به، فحرم أكله؛ كالخنزير والكلب، وفيه احتراز من الضب والضبع؛ لأنه ليس له ناب قوي (٧). واحتج المخالف: بقوله تعالى: ﴿قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ خِنْزِيرٍ﴾ [الأنعام: ١٤٥]، وظاهر هذا أن غير هذا مباح (٨). والجواب: أن معناه لا أجد فيما نزل من القرآن محرمًا إلا هذه الأشياء، وما عداها بالسنة والأدلة من غير القرآن (٩).

стр. 762

واحتج بقوله تعالى: ﴿وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا﴾ [المائدة: ٢] (١). والجواب: أن إطلاق الصيد لا يتناول الضباع؛ فلا تدخل تحت الظاهر (٢). واحتج بأنه: نوع من السباع لا يكفر مستحله؛ فكان مباحًا كالضبع والضب (٣). والجواب: أن النبيذ (٤) لا يكفر مستحله، وهو محرم عند مالك (٥)، والمعنى في الأصل أن العرب تستطيبه، وليس كذلك ههنا؛ لأنها تستخبثه، وقد نزل القرآن بإباحة ما استطابوه وحظر ما استخبثوه (٦). ١١٧ - ٢ مسألة: أكل الضبع مباح، نص عليه في رواية حنبل، وعبد الله (٧)، وفي الثعلب روايتان: أحدهما يباح أيضًا على ظاهر رواية حنبل؛ لأنه قال: كلما يؤدي إذا أصابه المحرم فإنه يؤكل لحمه (٨)، وهذا مما يديه المحرم إذا أصابه، نص عليه في رواية أبي الحرث؛ فقال: في الثعلب شاة (٩)، وبهذا قال مالك (١٠) والشافعي (١١)، وفيه رواية أخرى

стр. 763

لا يباح أكله، قال في رواية عبد الله لا يعجبني أكل الثعلب؛ لأن النبي نهى عن أكل كل ذي ناب من السباع (١)، وقد ذكر أبو بكر في الجزء الثاني من كتاب القولين فقال: اختلف قوله في الثعلب فأباحه مرة ومنعه أخرى، قال: وبإباحته أقول؛ لإطلاق الجزاء فيه إذا قتله المحرم (٢). وقال أبو بكر الخلال (٣) في كتاب اللباس: أكثر مذهبه وإن كان يؤدي فإنه عنده سبع لا يؤكل لحمه (٤)، وقد قال أحمد في رواية الميموني: الثعلب يؤدى لتعظيم الحرمة ولا يلبسه؛ لأنه سبع (٥)، وظاهر كلام أحمد، وهو اختيار الخلال أن يؤدى (٦) وأن يبيح أكله كالسمع (٧) (٨). وقال أبو حنيفة: لا يباح أكل الضبع ولا الثعلب (٩). وجه الرواية (١٠): الأولة؛ قوله تعالى: ﴿وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ﴾ [الأعراف: ١٥٧]، وهذا من الطيبات عندهم.

стр. 764

قال الشافعي: لم يزل الناس يأكلونه حتى إنه يباع لحم الضبع عندنا بمكة بين الصفا والمروة (١). وأيضًا ما روى أحمد في "المسند" بإسناده عن عبد الرحمن بن عبد الله بن أبي عمار (٢) أخبره قال: سألت جابر بن عبد الله الأنصاري (٣) عن الضبع؛ فقلت: آكلها قال: نعم، قلت: أصيد هي؟ قال: نعم (٤). فإن قيل: يحتمل أن يكون ذلك من قول جابر (٥) والذي سمعه من النبي ﷺ أنه صيد يحل اصطياده وفيه الجزاء (٦). قيل: السائل سأله عن شيئين عن أكلها وعن كونها صيدًا، ثم قال له بعد ذلك: سمعت ذلك من نبي الله ﷺ قال: نعم؛ فالظاهر من هذا أنه سمع الأمرين من النبي ﷺ ، بل الظاهر أن السؤال إنما قصد به جواز الأكل؛ لأنه لا غرض في اصطياده إلا للأكل. وأيضًا فإنه حيوان يطهر جلده بالذكاة أو يجوز الانتفاع بجلده؛ فوجب أن يحل أكله (٧).

стр. 765

دليله: النعم (١) والغزال والظبي (٢) والأرنب والوبر (٣)، ولا يلزم عليه السباع والبغال، والحمير وجوارح الطير وحشرات الأرض؛ لأنها لا تطهر بالذكاة ولا ينتفع بجلدها وإن شئت قلت: ما تمحضت ولادته من جنسه ووجب الجزاء بقتله، حل أكله (٤). دليله: ما ذكرنا فيه احتراز من سباع البهائم وجوارح الطير وحشرات الأرض؛ لأنه لا يجب الجزاء بقتله، ولا يلزم السمع وهو المتولد من بين الضبع والذئب أنه يجب الجزاء بقتله ولا يباح أكله؛ لأنه غير متمحض من جنسه، فإنه متولد من بين ما يؤكل لحمه وهو الضبع وما لا يؤكل وهو الذئب، ولأن الثعلب ذو ناب ضعيف لا يعدو على الناس به أنه أشبه الضبع والضب، ولا يلزم عليه الذئب وابن آوى (٥) والفهد؛ لأن له نابًا قويًا يعدو به (٦).

стр. 766

واحتج المخالف: بما روي عن النبي ﷺ أنه قال: "أكل كل ذي ناب من السباع حرام" (١). وفي لفظ آخر: "نهى عن أكل كل ذي ناب من السباع" (٢) (٣). والجواب: أن هذا محمول على ما له ناب قوي يعدو به على الناس، فأما الضب والثعلب فنابهما ضعيف لا يعدو؛ فهو كالأرنب والوبر (٤). واحتج: بما رواه أبو حفص ابن شاهين (٥) في كتاب "المعجم" بإسناده عن خزيمة بن جزي الأسدي قال: قلت: يا رسول الله، جئتك لأسألك عن أجناس الأرض ما تقول في الضب؟ قال: "لا آكله ولا أحرمه". قلت: فإني أكل ما لم تحرم، قال: فقدت أمة من الأمم ورأيت خلقًا رابني قلت: يا رسول الله، ما تقول في الأرنب، قال: "لا آكله ولا أحرمه" قلت: فإني آكل ما لم تحرم، قلت: يا رسول الله، ما تقول في الضبع قال: "ومن يأكل الضبع؟ ". قلت: فما تقول في الثعلب؟ قال: "ومن يأكل الثعلب؟ "، قلت: ما تقول في

стр. 767

الذئب؟ قال: "ويأكل الذئب أحد فيه خير" (١) (٢). والجواب: أن قوله في الضبع وفي الثعلب من يأكله محمول على التنزيه دون التحريم ألا ترى أنه غلظ القول في الذئب فقال: يأكله أحد فيه خير فغلظ فيه؛ لأنه محرم (٣). واحتج بأنه: سبع له ناب فوجب أن لا يؤكل. دليله: الكلب والخنزير والذئب والنمر والأسد (٤). والجواب: أنه يبطل بالأرنب والوبر فإن لهما نابًا وهما مما خاف عنده، والمعنى في الأصل أن له نابًا قويًا يعدو به على الناس وليس كذلك ههنا فإنه يطهر بالذكاة أو ينتفع بجلده أشبه ما ذكرنا وإن شئت قلت: المعنى في الأصل أن العرب تستخبثه، وليس كذلك ههنا؛ لأنها تستطيبه (٥). واحتج بأنه: يأكل الجيف أشبه الكلب وسائر السباع (٦). والجواب: أنه يخلط فيأكل النبات والحبوب ويأكل اللحم، ومثل ذلك لا يحرم أكله. الدليل عليه: ما ذكره الكرخي (٧) في مختصره عن أبي يوسف أنه قال: سألت أبا حنيفة عن أكل العقعق (٨) فلم ير به بأسًا، وقال: إنه يخلط مع الجيفة التمر، وإنما يكره من

стр. 768

الطير ما لا يأكل إلا الجيف (١). والمعنى في الأصل ما تقدم. ومن يفرق من أصحابنا بين الضبع والثعلب؛ فيقول: لا ذكر له في الشرع بإباحة ولا عرف للعرب فيه فهو كالسباع والحشرات، وفارق الضبع والضب والأرنب؛ لأن لهم ذكر في الشرع، وربما قالوا: الثعلب ذو ناب من السباع وليس فيه نص بإباحة ولا عرف استعمال، فهو كسائر السباع ويفارق الضب والضبع والأرنب؛ لأن في كل واحد منها نصا وعرف استعمال، فلهذا كان مباحًا (٢). وقد ورد النص في الأرنب كما ورد في الضبع والضب، فروى أبو داود بإسناده عن ابن عمرو (٣) أن رجلًا جاء بأرنب قد صادها فقال: يا عبد الله بن عمرو (٤) ما تقول؟ قال: قد جيء بها إلى رسول الله ﷺ وأنا جالس فلم يأكلها ولم ينه عن أكلها، وزعم أنها تحيض (٥). وبإسناده عن أنس (٦) قال: كنت غلامًا حزورا (٧) فصدت أرنبًا فشويتها فبعث معي أبو طلحة (٨) بعجزها إلى النبي ﷺ فأتيته بها (٩)، ولا يلزم عليه الوبر فإنه لا رواية فيه (١٠).

стр. 769

١١٨ - ٣ مسألة: الضب مباح ؛ نص عليه في رواية عبد الله وحنبل، فقال في رواية عبد الله: لا بأس بالضب قد أكلت على مائدة النبي ﷺ (١). وقال في رواية حنبل: أذهب إلى حديث ابن عباس كنت عند النبي ﷺ فأتي بضب، وهذا أقوى في نفسى من غيره (٢). واختلفت الرواية في اليربوع (٣)، فنقل أبو الحارث (٤) قال: سألت أبا عبد الله عن اليربوع؟ فرخص فيه (٥)، وبهذا قال مالك (٦) والشافعي (٧). ونقل عبد الله قال: سألت أبي عن اليربوع يؤكل قال: ما أدري أي شيء هو (٨). وقال أبو حنيفة: يكره أكل الضب واليربوع (٩). دليلنا: قوله تعالى: ﴿الْيَوْمَ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ﴾ [المائدة: ٥]. وقوله تعالى: ﴿وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ﴾ [الأعراف: ١٥٧]،

стр. 770

والضب مما يستطيبونه فوجب دخوله تحت الإباحة، يبين صحة هذا قول بعضهم (١): يا بنة عمي لا أحب الجوزلا … ولا أحب قرصك المفلفلا ولا أحب السمكات مأكلا … لكنني أحب ضبا سحدلا فاختار الضب على الجوزل وهو فراخ الحمام وعلى السمك وذكر القتبي (٢) في أدب الكاتب: وأنت لو ذقت الكشي بالأكباد … لما تركت الضب يعدو بالواد والكشي جمع كشة، وهي شحم الضب الذي في جوفه. وقال آخر (٣): ومكن الضباب طعام العرب … ولا تشتهيه نفوس العجم وقال آخر (٤): فسجل لهم تركان كانا فضيلة … على كل حاف في البلاد وناعل والترك ذكر الضب. وأيضًا ما روى أحمد في المسند بإسناده عن ابن عباس أن خالد بن الوليد أخبره أنه دخل مع رسول الله ﷺ على ميمونة بنت الحارث (٥). خالته فقدمت إلى رسول الله ﷺ

стр. 771

لحم ضب جاءت به أم حفيد بنت الحارث (١) من نجد وكانت تحت رجل من بني صفير، وكان رسول الله ﷺ لا يأكل شيئًا حتى يعلم ما هو، فقال بعض النسوة: ألا تخبرون رسول الله ﷺ ما يأكل، فأخبرته أنه ضب، فتركه فقال خالد: سألت رسول الله ﷺ أحرام هو؟ قال: "لا، ولكنه طعام ليس في قومي؛ فأجدني أعافه". فاجتررته إلي فأكلته ورسول الله ﷺ ينظر (٢). وروى أحمد في "المسند" بإسناده عن ابن عمر قال: سئل النبي ﷺ عن الضب فقال: "لست بآكله ولا محرمه" (٣). وروى أبو داود بإسناده عن ابن عباس أن خالته أهدت إلى رسول الله ﷺ سمنًا وضبًا وأقطًا (٤) فأكل من السمن ومن الأقط وترك الضب تقذرًا وأكل على مائدته ولو كان حرامًا ما أكل على مائدة رسول الله ﷺ (٥). وهذه الأخبار نصوص في الإباحة، واعتراضهم على هذه الأخبار بالمعارضة بأخبارهم، ويأتي الكلام عليها، ولأنه يطهر بالذكاة أو يجوز الانتفاع بجلده فكان مباحًا.

стр. 772

دليله: الغزال والأرنب والأنعام، ولأن ما تمحضت ولادته من جنسه وتعلق الجزاء بقتله كان مباحًا. دليله: ما ذكرنا، ولأن اليربوع ذو ناب ضعيف لا يعدو به على الناس أشبه الضب والضبع (١). واحتج المخالف: بما روى الأعمش (٢) عن زيد بن وهب الجهني (٣) عن عبد الرحمن بن حسنة (٤) قال: نزلنا أرضًا كثيرة الضباب فأصابتنا مجاعة فطبخنا منها وإن القدور لتغلي بها، إذ جاء رسول الله ﷺ فقال: "ما هذا؟ "، فقلنا: ضباب أصبناها فقال: "إن أمة من بني إسرائيل مسخت دوابًا في الأرض وإني أخشى أن يكون هذا فاكفوها" (٥) فلو جاز أكلها لما أمرهم بإتلافها مع حاجتهم إليها (٦). والجواب: أن أبا داود روى بإسناده عن زيد بن ثابت (٧) عن النبي ﷺ أنه قال: "إن أمةً

стр. 773

من بني إسرائيل مسخت دوابا في الأرض، وإني لا أدري أي الدواب هي فلم يأكل ولم ينه" (١)، وهذا يعارض ما رواه عبد الرحمن بن حسنة وعلى أنا نقابله بأخبارنا وهي أولى من وجوه: أحدها: أن حديث ابن عباس أصح سندًا؛ قال أحمد: هو أقوى في نفسي من غيره. ذكره حنبل عنه (٢). وقال الأثرم (٣): سألت أبا عبد الله عن حديث عبد الرحمن بن حسنة في الضباب فقال: يضطربون فيه (٤). الثاني: أن السلف لم يطعن في أخبارنا وقد طعنوا في أخبارهم؛ فروى أحمد نا محمد بن جعفر (٥) قال: نا شعبة (٦) عن قتادة (٧) عن سليمان (٨) عن جابر بن عبد الله أن عمر بن الخطاب قال: إن نبي الله ﷺ لم يحرم الضب ولكنه قذره (٩)، وقوله: لم يحرمه طعن في رواية من روى النهي رواه أبو بكر الخلال في العلل (١٠).

стр. 774

الثالث: أن رواية ابن عباس وابن عمر أولى لضبطهما وحفظهما. الرابع: أن أصحابنا عمل بها الصحابة عمر وأبو سعيد (١) فأما عمر فقد حكينا كلامه وأما أبو سعيد فروي عنه أنه قال الضب أحب إلي من دجاجة سمينة (٢). الخامس: أننا نتأول أخبارهم على التنزيه والتقذر؛ لأن امتناعه يجوز أن يكون لهذا ويجوز أن يكون لغيره، وأخبارنا نص في نفي التحريم (٣). فإن قيل: أخبارنا أولى؛ لأن فيها حظرًا (٤). قيل: ليس صريحة في الحظر (٥). واحتج: بما روى أبو داود عن عبد الرحمن بن شبل (٦) أن رسول الله ﷺ نهى عن أكل لحم الضب (٧). والجواب: عنه ما تقدم من المقابلة والترجيح والتأويل (٨).

стр. 775

واحتج: بما روى أبو حنيفة عن حماد (١) عن إبراهيم (٢) عن عائشة أنه أهدي لها ضب فدخل عليها النبي ﷺ فسألته عن أكله فنهاها عنه فجاء سائل فقامت لتناوله إياه فقال لها النبي ﷺ أتطعمينه ما لا تأكلين، (٣) فنهاها عن أكله ومنعها من أن تعطي الفقير مع حاجته إليه فدل على امتناع جواز أكله (٤). والجواب عنه: ما تقدم من المقابلة والترجيح، والثاني التأويل (٥). واحتج بأنه: من حشرات الأرض أشبه الحية والعقرب والقنفذ (٦) وابن عرس (٧) (٨)
следующие страницы →