← Фикх ханбали

Фикх ханбали · id 30057

التعليقة الكبيرة - أبو يعلى - من الأشربة للأيمان

القاضي أبو يعلى ابن الفراء

Полный текст (1 057 стр.). Показаны 771–810 · переход к 776.

стр. 771

لحم ضب جاءت به أم حفيد بنت الحارث (١) من نجد وكانت تحت رجل من بني صفير، وكان رسول الله ﷺ لا يأكل شيئًا حتى يعلم ما هو، فقال بعض النسوة: ألا تخبرون رسول الله ﷺ ما يأكل، فأخبرته أنه ضب، فتركه فقال خالد: سألت رسول الله ﷺ أحرام هو؟ قال: "لا، ولكنه طعام ليس في قومي؛ فأجدني أعافه". فاجتررته إلي فأكلته ورسول الله ﷺ ينظر (٢). وروى أحمد في "المسند" بإسناده عن ابن عمر قال: سئل النبي ﷺ عن الضب فقال: "لست بآكله ولا محرمه" (٣). وروى أبو داود بإسناده عن ابن عباس أن خالته أهدت إلى رسول الله ﷺ سمنًا وضبًا وأقطًا (٤) فأكل من السمن ومن الأقط وترك الضب تقذرًا وأكل على مائدته ولو كان حرامًا ما أكل على مائدة رسول الله ﷺ (٥). وهذه الأخبار نصوص في الإباحة، واعتراضهم على هذه الأخبار بالمعارضة بأخبارهم، ويأتي الكلام عليها، ولأنه يطهر بالذكاة أو يجوز الانتفاع بجلده فكان مباحًا.

стр. 772

دليله: الغزال والأرنب والأنعام، ولأن ما تمحضت ولادته من جنسه وتعلق الجزاء بقتله كان مباحًا. دليله: ما ذكرنا، ولأن اليربوع ذو ناب ضعيف لا يعدو به على الناس أشبه الضب والضبع (١). واحتج المخالف: بما روى الأعمش (٢) عن زيد بن وهب الجهني (٣) عن عبد الرحمن بن حسنة (٤) قال: نزلنا أرضًا كثيرة الضباب فأصابتنا مجاعة فطبخنا منها وإن القدور لتغلي بها، إذ جاء رسول الله ﷺ فقال: "ما هذا؟ "، فقلنا: ضباب أصبناها فقال: "إن أمة من بني إسرائيل مسخت دوابًا في الأرض وإني أخشى أن يكون هذا فاكفوها" (٥) فلو جاز أكلها لما أمرهم بإتلافها مع حاجتهم إليها (٦). والجواب: أن أبا داود روى بإسناده عن زيد بن ثابت (٧) عن النبي ﷺ أنه قال: "إن أمةً

стр. 773

من بني إسرائيل مسخت دوابا في الأرض، وإني لا أدري أي الدواب هي فلم يأكل ولم ينه" (١)، وهذا يعارض ما رواه عبد الرحمن بن حسنة وعلى أنا نقابله بأخبارنا وهي أولى من وجوه: أحدها: أن حديث ابن عباس أصح سندًا؛ قال أحمد: هو أقوى في نفسي من غيره. ذكره حنبل عنه (٢). وقال الأثرم (٣): سألت أبا عبد الله عن حديث عبد الرحمن بن حسنة في الضباب فقال: يضطربون فيه (٤). الثاني: أن السلف لم يطعن في أخبارنا وقد طعنوا في أخبارهم؛ فروى أحمد نا محمد بن جعفر (٥) قال: نا شعبة (٦) عن قتادة (٧) عن سليمان (٨) عن جابر بن عبد الله أن عمر بن الخطاب قال: إن نبي الله ﷺ لم يحرم الضب ولكنه قذره (٩)، وقوله: لم يحرمه طعن في رواية من روى النهي رواه أبو بكر الخلال في العلل (١٠).

стр. 774

الثالث: أن رواية ابن عباس وابن عمر أولى لضبطهما وحفظهما. الرابع: أن أصحابنا عمل بها الصحابة عمر وأبو سعيد (١) فأما عمر فقد حكينا كلامه وأما أبو سعيد فروي عنه أنه قال الضب أحب إلي من دجاجة سمينة (٢). الخامس: أننا نتأول أخبارهم على التنزيه والتقذر؛ لأن امتناعه يجوز أن يكون لهذا ويجوز أن يكون لغيره، وأخبارنا نص في نفي التحريم (٣). فإن قيل: أخبارنا أولى؛ لأن فيها حظرًا (٤). قيل: ليس صريحة في الحظر (٥). واحتج: بما روى أبو داود عن عبد الرحمن بن شبل (٦) أن رسول الله ﷺ نهى عن أكل لحم الضب (٧). والجواب: عنه ما تقدم من المقابلة والترجيح والتأويل (٨).

стр. 775

واحتج: بما روى أبو حنيفة عن حماد (١) عن إبراهيم (٢) عن عائشة أنه أهدي لها ضب فدخل عليها النبي ﷺ فسألته عن أكله فنهاها عنه فجاء سائل فقامت لتناوله إياه فقال لها النبي ﷺ أتطعمينه ما لا تأكلين، (٣) فنهاها عن أكله ومنعها من أن تعطي الفقير مع حاجته إليه فدل على امتناع جواز أكله (٤). والجواب عنه: ما تقدم من المقابلة والترجيح، والثاني التأويل (٥). واحتج بأنه: من حشرات الأرض أشبه الحية والعقرب والقنفذ (٦) وابن عرس (٧) (٨)

стр. 776

والجواب: أنه يبطل بالأرنب والوبر، فإنهما حلالان عنده والوصف موجود، ثم المعنى في الأصل: أنه مستحب عند العرب وليس كذلك ههنا فإنه مستطاب عندهم ونزل القرآن بإباحة ما يستطيبون وحظر ما يستخبثون، ومن فرق من أصحابنا بين اليربوع وبين الضب، قال: اليربوع لا ذكر له في الشرع بإباحة، ولا عرف للعرب فيه فهو كالسباع وحشرات الأرض وفارق الضب؛ لأن له ذكرًا في الشرع بإباحة وله عرف، وربما قالوا: اليربوع من حشرات الأرض فهو كالحية والعقرب وهذا مما استطابته العرب وهو منصوص عليه (١). ويبين صحة هذا: ما روى صالح (٢) في مسائله عن عطاء (٣) قال: إنا معاشر أهل مكة لا نأكل اليربوع (٤). واحتج بأنه: من أمة مسخت أشبه القرد (٥). والجواب [ ........................... ] (٦). ١١٩ - ٤ مسألة: يحرم أكل القنفذ وابن عرس (٧)، نص عليه في رواية أبي طالب وقد سأله عن أكل القنفذ؟ فقال: لا ميل له (٨). قال أبو هريرة: هو حرام؟ قال: نعم (٩).

стр. 777

وقال عبد الله (١) سألت أبي عن ابن عرس فقال: كل شيء ينهش بأنيابه فهو من السباع، وكل شيء يأخذ بمخالبه فهو مما نهى عنه (٢)، وبهذا قال أبو حنيفة (٣)، وقال مالك (٤) والشافعي (٥) هو مباح. دليلنا: ما روى صالح في مسائله: نا الرمادي (٦)، نا سعيد بن منصور (٧) عن عبد العزيز بن محمد (٨) عن عيسى بن نميلة الفزاري (٩) عن أبيه (١٠) قال: كنت عند ابن عمر فسأله رجل عن القنفذ، فقرأ عليه: ﴿قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا﴾ [الأنعام: ١٤٥]

стр. 778

الآية. فقال شيخ عنده: سمعت أبا هريرة يقول ذكر عند النبي ﷺ فقال: خبيثة من الخبائث، فقال ابن عمر: إن كان قاله النبي فهو كما قاله ﷺ (١)، هذا يدل على تحريمه، ولأن ابن عرس من سباع الهوام (٢) والسباع محرمة بدلالة سباع الوحش، ولأنه لا ذكر لهما في الشرع بإباحة، ولا عرف للعرب في ذلك منقول، فيجب رده إلى أقرب الأشياء به شبهًا، ووجدنا أن ابن عرس قد أخذ شبهًا من السنور (٣) في أنه يفرس بنابه الفار والطيور، وشبها من الفار في الخلقة وكلاهما محرم وكذلك القنفذ له شبه بالفار في ذنبه ورأسه وله شوك يجرح به (٤). واحتج المخالف بأنه يضمن بالجزاء أو يطهر بالذكاة فهو كالضبع (٥). والجواب: أنا لا نسلم ذلك؛ لأن من أصلنا أن كل ما لا يؤكل لحمه لا يطهر بالذكاة، ولا يضمنه المحرم إلا السمع والثعلب، على خلاف في المذهب هل يضمن بالجزاء إن قلنا أنه محرم (٦).

стр. 779

١٢٠ - ٥ مسألة: حرام أكل كل ذي مخلب من الطير إذا كان قويًا يعدو به على أموال الناس ولحومهم وطائرهم؛ كالبازي، والصقر، والعقاب (١) والباشق (٢) والشاهين (٣)، وكذلك ما لا مخلب له إلا أنه يأكل الجيف كالنسر (٤) والرخم (٥) والغراب ونحوه نص عليه في رواية حنبل (٦): ذو مخلب من الطير لا يؤكل لحمه ولا الغراب الأبقع (٧) نهى النبي ﷺ عن كل ذي مخلب (٨)، فهما حرام، وسأله أبو الحارث عن أكل الباز؟ فقال: يأخذ بمخلبه وعن أكل الحدأة فقال: هي تأكل الجيف، وما أكل الجيف فلا يؤكل، وعن أكل الرخم فقال: يأكل الجيف (٩) وعن العقاب، فذكر عن سعيد بن

стр. 780

المسيب (١) أنه سئل عن أكل العقبان والنسور والحداة (٢) ونحو ذلك فقال ذلك الخبائث، وبهذا قال أبو حنيفة (٣)، والشافعي (٤). وقال مالك تؤكل الطير كلها (٥). دليلنا: قوله تعالى: ﴿وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ﴾ [الأعراف: ١٥٧]. والعرب كانت تستخبث هذه الأشياء وحديث علي عن النبي ﷺ أنه نهى عن كل ذي ناب من السباع وكل ذي مخلب من الطير (٦). وحديث ابن عباس نهى النبي ﷺ عن كل ذي ناب من السباع وعن كل ذي مخلب من الطير (٧)، وإطلاق النهي يقتضي التحريم، وأيضًا حديث عائشة أن النبي ﷺ قال: "خمس لا جناح على من قتلهن في حل أو حرم" (٨). فذكر الغراب منها، وهو أدون المستخبثات؛ فنبه به على أعلاها؛ وأيضًا فإن سباع البهائم لما انقسمت إلى مباح ومحظور وهو الخنزير والكلب وجب أن ينقسم جوارح الطير إلى مباح ومحظور وعند مالك لا ينقسم (٩).

стр. 781

واحتج المخالف: بقوله تعالى: ﴿قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً﴾ [الأنعام: ١٤٥]. وقوله: ﴿وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا﴾ [المائدة: ٢]، وهذا عام. والجواب: أنه مخصوص بما ذكرنا من الأخبار. واحتج بأنه: نوع من الطير أشبه سائرها (١). والجواب: أنه ليس إذا كان نوعًا منها دل على إباحته، كما أن الخنزير نوع من سباع البهائم، ولا يدل على إباحته كذلك ههنا ورأيت في مسائل عبد الله سألت أبي عن أكل الخطاف (٢) فقال: لا أدري وكأنه عنده أسهل من الخشاف (٣) كأنه كرهه (٤). ١٢١ - ٦ مسألة: حشرات الأرض حرام كالحية والعقرب (٥) والفارة ونحوه ؛ نص عليه في رواية عبد الله (٦) وقدمنا له عن أكل الفار فقال: ومن يأكله وقد سماه رسول الله ﷺ فويسقًا (٧) (٨)، وسأله عن أكل الحية والعقرب فقال: أكره أكلهما وذلك أن للحية نابًا

стр. 782

وللعقرب حمة (١) (٢)، وبهذا قال أبو حنيفة (٣) والشافعي (٤) قال مالك: حشرات الأرض مكروهة غير محرمة (٥). دليلنا: قوله تعالى: ﴿وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ﴾ [الأعراف: ١٥٧]، وهذه الأشياء مما استخبثها العرب. وأيضًا ما روى ابن عمر وحفصة أن النبي ﷺ قال: "خمس لا جناح على من قتلهن في حل ولا حرم الحية والعقرب والفأرة والحدأة والكلب" (٦) فلما أباح قتلهن ولم يوجب في ذلك الجزاء من الحل ثبت أن الأكل محرم؛ لأن ما هو مباح الأكل من الصيود يمنع المحرم من قتله في الحل ويمنع المحل من قتله في الحرم (٧). واحتج المخالف: بما تقدم من قوله تعالى: ﴿قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا﴾ [الأنعام: ١٤٥]، ولأنه لا يكفر مستحله (٨). والجواب: عنه ما تقدم (٩).

стр. 783

واحتج بأن: الذباب والبق (١) ما أراه حرامًا، فكذلك بقية الحشرات يجب أن لا تحرم (٢). والجواب: إنه قد قال في رواية الميموني (٣)، وقد سئل عن الذباب والبق فقال: أما الذباب فإنه إذا وقع في الطعام أحد جناحيه فيه سم فاغمسوه (٤)، وظاهر هذا يقتضي تحريمه وإن التزمنا الإباحة فالمعنى فيه أنه طائر ليس له نفس سائلة يؤمن الضرر بأكله فلهذا لم يحرم كالجراد ولا يلزم عليه الزنبور (٥)؛ لأنه لا يؤمن الضرر بأكله وهو سمه وليس كذلك ههنا فإن بعض الحشرات ما له نفس وهو الحيات والفأر، وبعضها ما ليس له نفس ولكن يستضر بأكلها كالعقارب والخنافس (٦) ونحوها فلهذا حرم (٧). ١٢٢ - ٧ مسألة: البغال والحمير الأهلية يحرم أكلها ؛ نص عليه في رواية أبي طالب (٨) وقد سئل عن ألبان الأتان (٩) فقال: الحمار رجس نهى رسول الله ﷺ عن لحوم الحمر (١٠) فلحومها حرام وألبانها حرام (١١)، وهو قول أبي حنيفة (١٢) والشافعي (١٣).

стр. 784

وقال مالك: يكره أكلها ولا يحرم (١)، ومن أصحابنا من قال هو حرام، وكذلك البغال (٢). دليلنا: ما روى أبو داود بإسناده عن جابر بن عبد الله (٣) قال: ذبحنا يوم خيبر (٤) الخيل والبغال والحمير؛ فنهانا رسول الله ﷺ عن البغال والحمير ولم ينهنا عن الخيل (٥). وروى أبو بكر بإسناده عن أبي هريرة قال: حرم رسول الله ﷺ يوم خيبر الحمار الإنسي (٦). وروى أحمد بإسناده عن سنان بن سلمة (٧) عن أبيه (٨) أن رسول الله ﷺ أمر بلحوم حمر الناس يوم خيبر وهي في القدور فأكفئت (٩)، ولأن ما لا ينتفع بظهره من السباع ينقسم

стр. 785

منه ما يحرم وهو الخنزير والكلب يجب أن يكون ما ينتفع بظهره ينقسم منه ما يحرم وليس إلا هذا (١). واحتج المخالف: بقوله تعالى: ﴿قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا﴾ [الأنعام: ١٤٥] (٢). والجواب عنه: ما تقدم (٣). واحتج: بما روى غالب بن أبجر (٤) قال: أصابتنا سنة (٥) فلم يكن في مالي شيء أطعم أهلي إلا شيء من حمر وقد كان رسول الله ﷺ حرم لحوم الحمر الأهلية، فأتيت رسول الله ﷺ فقلت: يا رسول الله، أصابتنا السنة ولم يكن في مالي ما أطعم، وإنك حرمت لحوم الحمر الأهلية، فقال: "أطعم أهلك من سمين حمرك فإنما حرمتها من أجل جوال (٦) القرية" (٧).

стр. 786

والجواب: أن علي بن سعيد (١) سأل أحمد عن حديث ابن أبجر أنه سأل النبي ﵇ فقال: إنه لم يبق من مالي ما أطعم أهلي إلا الحمرة، فقال أحمد: هذا لا شيء ولو صح عارضناه بأخبارنا، وهي أولى؛ لأنه رواه جماعة، وهذا رواه غالب بن أبجر وعلى أنا نحمله على أنه إباحة في حال الضرورة (٢). واحتج: بما روي عن ابن عباس أنه قال: "إنما نهى رسول الله ﷺ عن لحوم الحمر؛ لئلا يقل الظهر" (٣) (٤). والجواب: أن ابن عباس ذكر العلة؛ لئلا يقل الظهر وقد روى في بعض أخبار النبي ﷺ : "إنه رجس" (٥)، وتعليل النبي ﷺ أولى، ولأن هذا ظن من ابن عباس (٦). واحتج بأنه: لا يكفر مستحله أشبه بهيمة الأنعام (٧). والجواب عنه: ما تقدم وهو أن النبيذ (٨) لا يكفر مستحله وهو حرام، ولأنه إنما لم نكفر مستحله؛ لأن هناك تأويل سائغ (٩). واحتج بأنه: حيوان معد للركوب فلم يحرم أكله (١٠).

стр. 787

دليله: الخيل (١). والجواب: أن هذا لا يوجب الجمع بينهما في استحقاق السهم وجواز المسابقة (٢). ١٢٣ - ٨ مسألة: لحوم الخيل مباحة غير مكروهة سواء في ذلك العرب وهو المتولد من العربيين، والمعاريف وهو كون الأم عربية والأب برذون (٣)، وهو كون الفحول والأمهات براذين، نص عليه في رواية عبد الله فقال: الفرس يؤكل لحمه على حديث أسماء (٤): "ذبحنا فرسًا على عهد رسول الله ﷺ فأكلناه" (٥) (٦). وكذلك نقل ابن منصور (٧) عنه: لا بأس بلحوم الخيل والبراذين (٨). ورأيت في مسائل عبد الله: لا بأس بلحوم الخيل (٩) قال لأبيه: فالبراذين؟ قال: ما سمعنا، إنما سمعنا في الخيل (١٠)، وظاهر هذا أنه توقف عن البرذون، وهو قول الشافعي (١١).

стр. 788

قال أبو حنيفة: يحرم أكلها (١). قال مالك: يكره (٢). دليلنا: ما روى أبو داود بإسناده عن جابر بن عبد الله قال: "نهى رسول الله ﷺ يوم خيبر عن لحوم الحمر وأذن في لحوم الخيل" (٣). وروى بإسناده عن جابر قال: "ذبحنا يوم خيبر الخيل، والبغال، والحمير، فنهانا رسول الله ﷺ عن البغال، والحمير، ولم ينهنا عن الخيل". وروى أحمد: نا يحيى بن سعيد (٤) عن هشام (٥)، عن فاطمة (٦) عن أسماء قالت: "أكلنا لحم فرس على عهد النبي ﷺ " (٧) ذكره صالح في مسائله (٨).

стр. 789

وروى صالح بإسناده عن جابر قال: "كنا نأكل لحوم الخيل على العهد النبي ﷺ " (١). وروى أبو بكر الأثرم (٢) في مسائله بإسناده عن جابر: "أن رسول الله ﷺ نهى يوم خيبر عن لحوم الحمر الأهلية، وأذن في لحوم الخيل" (٣). هذه الأخبار نصوص في المسألة من وجهين: أحدهما: أنه أذن في لحوم الخيل. والثاني: قول جابر كنا نأكل لحوم الخيل على عهد رسول الله ﷺ ، وهذا يدل على إجماعهم على إباحتها، وأيضًا فإن مذبوحه يجوز بيعه أو مذبوحه طاهر ولا ينجس بالذبح فوجب أن يحل أكله. أصله: النعم. وقيل: حيوان يجوز المسابقة عليه فهو كالإبل وهذا غير مؤثر؛ لأن ما لا يجوز المسابقة عليه مباح أيضًا (٤). واحتج المخالف: بقوله تعالى: ﴿وَالْخَيْلَ وَالْبِغَالَ وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوهَا﴾ [النحل: ٨] فامتن علينا بأن جعل لنا في الخيل منافع وهو الركوب، فلو جاز أكلها لذكره إذ منفعته أعظم من منفعة الركوب؛ لأن ترك الأكل يؤدي إلى التلف ولا يعتاض منه بشيء، وترك الركوب لا يؤدي إلى التلف وقد يعتاض عنه بالمشيء، ولأنه أخبر بأنه جعلها للركوب والزينة بحسب فوجب أن يكون الانتفاع بها مقصورًا على ذلك، ولأنه فرق بينها وبين البغال والحمير ولحومها محرمة كذلك الخيل، ولأن الله تعالى قال قبل هذه الآية ﴿وَالْأَنْعَامَ خَلَقَهَا لَكُمْ فِيهَا دِفْءٌ وَمَنَافِعُ وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ (٥)﴾ [النحل: ٥] فذكر الأكل في

стр. 790

الأنعام فلو كان الخيل أكلها مباحًا لوجب أن يذكر الأكل (١). والجواب: عن قولهم أنه ذكر منافعها من الركوب ولم يذكر الأكل، فلا يدل على أنه غير مباح؛ لأنه لم يذكر فيها حمل الأثقال عليها، وهو حلال بالإجماع، وكذلك لم يذكر بيعها وإجارتها والوصية بها، وعلى أنه لم يذكره؛ لأنه يختص بالخيل، وإنما ذكر تعالى ما يعم جميع الأنواع الثلاثة، وهو الركوب والزينة، فأما إباحة الأكل فإنه يختص بالخيل دون البغال والحمير، ولأن الأكل منها غير مقصود وإنما الركوب هو المقصود؛ فلهذا لم يذكر الأكل (٢). وأما قولهم أنه قرن بينها وبين البغال والحمير ولا حجة فيه؛ لأن الله تعالى قد فرق بين الشيئين في الذكر وحكمهما مختلف؛ فقال: ﴿كُلُوا مِنْ ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ﴾ [الأنعام: ١٤١]، وقال: ﴿فَكَاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا وَآتُوهُمْ﴾ [النور: ٣٣]، والإيتاء واجب والكتابة مستحبة، وقال: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾ [البقرة: ١٩٦]. والحج واجب والعمرة غير واجبة عند المخالف (٣). وأما قولهم أنه ذكر قبلها الإنعام ونص على الأكل منها فذلك؛ لأن إباحة الأكل يعمها، والإباحة ههنا لا يعم البغال والحمير فلهذا لم يعقبه بإباحة الأكل (٤). واحتج: بما روى أبو داود بإسناده عن خالد بن الوليد أن رسول الله ﷺ : "نهى عن أكل لحوم الخيل والبغال والحمير" (٥).

стр. 791

والجواب: أن أحمد ضعف هذا الحديث؛ فقال في رواية ابن القاسم (١): لا بأس بلحوم الخيل؛ لما جاء فيه من الحديث، وأنكر حديث خالد بن الوليد الذي يرويه ثور (٢)، وقال: لا يدفع أحاديثنا بمثل هذا الحديث المنكر، وقال في رواية الأثرم: عكرمة (٣) لا يقيم إسناد هذا الحديث وضعفه (٤). وجواب آخر: وهو أنا نقابل هذا بأخبارنا وهي أولى من وجوه: أحدها: أنها أصح سندًا عند أهل النقل. والثاني: أن فيها حظر وإباحة، وفي خبرهم حظر حسب فيكون خبرنا زائدًا فهو أولى. والثالث: أن أخبارنا متأخرة؛ لأن جابر يروي أنه أذن في لحوم الخيل والأذن يقتضي تحريم قبله، فاقتضى ذلك أنه كان قد حرم الخيل ثم أذن فيه والأخذ بالمتأخر أولى (٥). فإن قيل: أخبارنا أولى؛ لأن فيها حظرًا والحظر أولى من الإباحة (٦).

стр. 792

قيل: قد بينا أن فيها حظرًا وإباحة فهو أولى من أحدهما (١). وجواب آخر: وهو أننا نتأول الخبر على الوقت الذي كانوا يحتاجون إلى ركوب الخيل للجهاد، فنهى عن ذبحها وأكلها لهذه العلة. وهذا كما روي عن النبي ﷺ "أنه نهى عن ذبح ذوات الدر" (٢)، "وعن ذبح قني الغنم" (٣)، قال أبو عبيد (٤): ذوات الدر اللبن وقني الغنم التي تقتنى للولد أو للبن (٥)، وهذا النهي عن ذبحها وأكلها؛ للحاجة إليها لا لتحريم لحومها فكذلك ههنا (٦). فإن قيل: فقل مثله في البغال والحمير (٧). قيل: الراوي جمع بينهما في النهي، وعلة النهي فيها مختلفة والنهي مختلف فيكون نهي تنزيه ونهي تحريم، وهذا كمال روي عن النبي ﷺ أنه نهى عن أكل لحوم الإبل الجلالة (٨) وعن أكل المجثمة، والجلالة أكلها غير محرم عند مخالفنا والنهي عنها نهي تنزيه، والمجثمة محرمة وهي البهيمة تحبس ويرمى إليها حتى تموت (٩).

стр. 793

واحتج بأنه: ذو حافر أهلي أشبه الحمار والبغل (١). والجواب: أن الاتفاق في الأرجل لا اعتبار به ألا ترى أن الجمل والفيل يتفقان في الرجل فإنهما خفان ويختلفان في إباحة الأكل، والجمل والبقرة يختلفان في الرجل ويتفقان في إباحة الأكل، وعلى أن هذا لا يوجب تساويهما في الإباحة كما لم يوجب تساويهما في تعلق الذكاة فيهما عند المخالف وفي جواز المسابقة واستحقاق السهم (٢). واحتج بأنه: حيوان يستحق لأجله السهم في الغنيمة فوجب ألا يؤكل كالإنسان (٣). والجواب: أنه لا تأثير لاستحقاق السهم في الحظر؛ لأن الصبي لا يؤكل لحمه وإن لم يسهم له، وكذلك العبد والمرأة والذمي وعلى أن السهم لا يستحق لأجل الفرس وإنما هو لأجل صاحبه (٤). واحتج بأن: معظم المنفعة في ظهره فهو كالبغال والحمير (٥). والجواب: أنه يبطل بالجمال فإن معظم منافعها في ظهورها، ومع هذا فيحل أكل لحومها وعلى أنا لا نسلم الوصف؛ لأن الناس يتخذونها للنسل والنماء ويسبونها في المروج (٦) كما قيل في ذلك عن أهل خوارزم (٧) وغيرهم، وعلى أن البقر معظم منافعها

стр. 794

حال حياتها في الحمل عليها والحرث بها، ولا يدل ذلك على تحريم ذبحها وأكل لحمها كذلك الخيل، وإن كان معظم منافعها في ظهورها في حال حياتها فإن ذلك لا يمنع من ذبحها وأكلها (١). ١٢٤ - ٩ مسألة: يحرم أكل لحوم الجلالة وشرب لبنها وأكل بيضها ما لم تحبس (٢)، فإن كان طائرًا فحبسه ثلاثة أيام (٣) وما عداه من الإبل والبقر والغنم على روايتين: إحداهما: مثل الطائر، وقال في رواية أبي الصقر (٤) في بقرة تأكل العذرة أو شاة أو ناقة أو دجاجة يترك ثلاثًا. والثانية: أربعين، قال في رواية علي بن سعيد (٥): يروي عن عطاء: أربعين يومًا الإبل والبقر والغنم، وظاهر هذا أنه أخذ به، وقال أبو عبد الله بن بطة (٦) في "الإبانة الصغيرة": قد قيل: تحبس الإبل أربعين يومًا، والبقرة ثلاثين يومًا، والغنم سبعة أيام والدجاجة ثلاثة أيام، وقد نص أحمد على التحريم في رواية حنبل، فقال: في الجلالة ألبانها ولحومها حرام، وأكره بيضها، وأتوقى عرق الإبل الجلالة (٧).

стр. 795

وقال في رواية إسماعيل بن سعيد (١): لا تؤكل حتى يأتي عليها أربعون يومًا، فقيل له: لأن ذلك لا يخرج منه في أقل أربعين كما قيل في شارب الخمر لا يخرج عنه من عروقه في أقل من أربعين فأعجبه ذلك. (٢). وقال أبو حنيفة (٣)، ومالك (٤)، والشافعي (٥): لا يحرم أكلها ولا يشرب لبنها وأكل بيضها. دليلنا: ما روى أبو داود بإسناده عن ابن عمر قال: "نهى رسول الله ﷺ عن أكل الجلالة وألبانها" (٦). وفي لفظ آخر: عن ابن عمر قال: "نهى رسول الله ﷺ عن الجلالة في الإبل أن يركب عليها، أو يشرب من ألبانها". وروى أيضًا بإسناده عن ابن عباس "أن النبي ﷺ نهى عن لبن الجلالة" (٧).

стр. 796

وروى أبو بكر في كتابه بإسناده عن عبد الله بن عمرو (١): "نهى رسول ﷺ عن الإبل الجلالة أن يؤكل لحمها ولا يشرب ألبانها ولا يحمل عليها الأدم (٢) ولا يركبها الناس حتى تعلف أربعين ليلة" (٣)، وروى أبو بكر بإسناده عن مجاهد (٤) قال: "نهى رسول ﷺ عن لحوم الجلالة عام الفتح" (٥). وروى أيضًا بإسناده عن ابن عمرو (٦) "أنه نهى عن كري الإبل الجلالة أن يؤكل لحمها، ولا يحمل عليها إلا الأدم، ولا يركبها الناس حتى تعلف أربعين ليلةً" (٧). وروى أحمد عن وكيع (٨) عن سفيان (٩) عن عمرو بن ميمون (١٠) عن نافع عن ابن عمر: "أنه كان [يحبس] (١١) الدجاجة الجلالة ثلاثًا" ذكره صالح في مسائله (١٢).

стр. 797

وروى أبو حفص (١) على ظهر الجزء العاشر من البيوع نا ابن الصواف (٢) قال نا عبد الله حدثني أبي نا عبد الرحمن (٣) عن سفيان عن عمرو بن ميمون عن نافع عن ابن عمر كان إذا أراد أن يذبح دجاجة حبسها ثلاثة أيام (٤)، فقد نهى عن أكل الجلالة وعن شرب ألبانها، والنهي يدل على فساد المنهي عنه وعلى التحريم ويؤكد صحة هذا أن ابن عمر حكم بذلك (٥). فإن قيل: يحمل نهي النبي ﷺ فعل ابن عمر على الكراهة ونحن نكره ذلك (٦). قيل: إطلاق النهي يقتضي التحريم، ولأنه حيوان حكم بنجاسة بوله وروثه فحكم بتحريم لحمه. دليله: سباع البهائم وجوارح الطير والبغل والحمار الأهلي ولا يلزم عليه غير الجلالة من الحيوان المباح؛ لأنه محكوم بطهارة بوله وروثه فلهذا كان مباحًا (٧). فإن قيل: تنجيس البول والروث لا يدل على تنجيس العين كالسنور (٨) (٩). قيل: إن لم يدل على تنجيس العين فهو دال على تحريم اللحم كذلك ههنا كان يجب أن يحرم لحمها، ولأنها جلالة محرم أكلها (١٠).

стр. 798

دليله: الضبع والضب على قول أبي حنيفة (١) وليس لهم أن يقولوا بأن ذلك لو لم تكن جلالة كان محرمًا؛ لأنا لا نسلم ذلك، ولأن البهائم أحد نوعي الحيوان فانقسم منه إلى تحريم مؤبد وتحريم مؤقت. دليله: الآدمي المحرم منه ينقسم إلى تحريم مؤبد وهن ذوات المحارم، ومؤقت وهي المعتدة عن طلاق بائن وعندهم ليس فيه تحريم مؤقت بل جميع المحرم منه مؤبد وهذا يصح على أصلنا؛ لأن تحريمه مؤقت بمدة الجنس في الطائر ثلاثة أيام وفي غيره روايتان: إحداهما: أربعون يومًا. والثانية: ثلاثة أيام، كالطائر وأيضًا فإنهم قد قالوا يكره أكلها لأجل الرائحة التي تحصل فيها بأكل النجاسة، فإذا زالت الرائحة أبيحت، فنقول: المنع إذا كان لأجل رائحة النجاسة كان منع تحريم (٢). دليله: الماء إذا كان قلتين (٣) فتغير ريحه بالنجاسة فإنه يمنع منه منع تحريم كذلك ههنا، وأيضًا فإنه غير ممتنع أن يكون بمضي الزمان علة في التطهير؛ كالماء إذا تغير بالنجاسة ومضى عليها زمان انقطعت الرائحة حكم بالطهارة، وكذلك الخمر إذا استحالت طهرت كذلك ههنا جاز أن يحكم بطهارتها إذا مضى عليها زمان انقطعت فيه الرائحة المنتنة أن يحكم بطهارتها كما قالوا: تزول الكراهة بزوال الرائحة التي أنتن بها بأكل النجاسة (٤).

стр. 799

فإن قيل: فعندكم يطهر بمضي الزمان، ومعنى آخر وهو أكل الطعام الطاهر (١). قيل: أكل الطعام إنما هو لحفظ الحياة، والطهارة تحصل بانقطاع الرائحة (٢). واحتج المخالف بقوله تعالى: ﴿أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ الْأَنْعَامِ﴾ [المائدة: ١] وهذا عام (٣). والجواب: أنا نحمله على غير مسألتنا (٤). واحتج: بأنها من بهيمة الأنعام أشبه غير الجلالة (٥). والجواب: أن المعنى هناك أنه يطهر بالذكاة وليس كذلك ههنا؛ لأنه محكوم بنجاسة بوله وروثه أشبه سباع البهائم وجوارح الطير، ونقول: المعنى هناك أنه غير ممنوع منه وهذا ممنوع لأجل رائحة النجاسة وكان محرمًا (٦). دليله: الماء المتغير، وإن قاسوا عليه إذا كان يسيرًا لا يؤثر في رائحتها فلا يجوز اعتباره بالكثير الذي يغير (٧). بدليل: أنهم لا يكرهون أكلها في تلك الحال ويكرهون هناك؛ لأجل تأثير النجاسة عليها وعلى أن أصحاب الشافعي في قوانين الضبع وبين سائر السباع بأن الضبع يخلط بأكل النجاسات النبات، وغيره جميع أكله ذلك (٨) وكما قال أبو حنيفة في العقعق (٩) يباح؛ لأنه يخلط مع الجيفة التمر (١٠).

стр. 800

واحتج بأن: النجاسة التي يأكلها يجري في مجاري الطعام، وتصل إلى المعدة فلا يخالطها حتى تنجسه وإنما يتغير بذلك ريح اللحم وهذا لا يوجب التحريم وإنما يوجب الكراهة؛ كاللحم إذا نتن وتغير لا يوجب تحريمه وإنما يوجب كراهته (١). والجواب: أن البدن يتغذى بها كما يتغذى بالطاهر؛ لأن الطعام هو قوام الأبدان وقد تكلم الأطباء في هذا وقالوا: ينقسم الطعام أقسامًا (٢). واحتج بأنه: جامد فلا يحرم بطريان النجاسة عليه. دليله: سائر الجامدات (٣). والجواب: أنه إن أراد فلا يحرم على التأبيد، قلنا: بموجبه، وإن أراد في حال لم يصح؛ لأنه يحرم المحل النجس ما لم تغسل منه النجاسة (٤). واحتج بأن: النجاسة قد استحالت فظهرت كالخمر (٥). والجواب: أنه يبطل بالخنزير إذا استحال ملحًا ثم الخمر لما نجس بالاستحالة طهر بالاستحالة وهذا بخلافه (٦). واحتج بأن: الطعام إذا حصل في المعدة نجس؛ لأنها مجمع النجاسات فدل على أن نجاسته لا توجب التحريم (٧). والجواب: أن باطن الحيوان الذي يؤكل لحمه طاهر؛ لأن بوله وروثه طاهر (وعلى أنه لو كان نجسًا فإن ذلك باطن لا يمكن الاحتراز منه وهذا ظاهر) (٨)، يمكن الاحتراز منه، ولهذا كرهوا أكل الجلالة ولم يكرهوا غيرها.

стр. 801

١٢٥ - ١٠ مسألة: في الزروع والثمار إذا كان سقيها الماء النجس، وعلفها النجاسات حرم أكلها، وحكم بنجاستها وقد قال أحمد في رواية إبراهيم (١) في الرجل يسقى البقل بالماء النجس لا يؤكل (٢)، وكذلك نقل مهنا (٣) عنه في البقل والحشيش الذي ينبت في المقابر يكره أكله؛ لأنه يخرج من طعم الموتى (٤). وقال أبو حنيفة ومالك والشافعي: لا يحرم (٥). دليلنا: أن غذاءه حصل بالنجاسات فيجب أن يمنع من أكله كالجلالة، وقد دللنا على صحة ذلك، وإن شئت قسه على النسر والرخم والغراب. وقد روى أبو بكر الخلال في كتاب الأطعمة بإسناده عن ابن عباس قال: كنا نكري أرضي رسول الله ﷺ ويشترط عليهم أن لا يدملوها بعذرة الناس (٦)، قال أبو بكر الخلال حفظي قال: كنا نكري أرضى آل رسول الله ﷺ . واحتج المخالف: بأن عين النجاسة استحال، وانقلب فيجب أن لا يؤثر في التحريم كالخمر إذا استحال خلًّا، والعلقة إذا استحالت ولدًا، ومني الحمار إذا استحال ولدًا (٧). والجواب: أن الخمر نجست بالاستحالة، فلهذا طهرت بالاستحالة، وهذا معدوم ههنا وأما العلقة فلا نسلم أنها نجسة، وأما المسفوح من الدم نجسًا، وأما مني الحمار فنجس، وكذلك ما تولد منه، ثم هذا يبطل بالدبس النجس إذا عقد ناطقًا، ولحم الميت إذا طبخ، وقدد بالملح فإن الاستحالة موجودة ولا يطهر (٨).

стр. 802

فإن قيل: هلا قلتم أنه إذا سقي ماء طاهرًا أبيح كما قلتم في الجلالة إذا علقت علفًا طاهرًا (١). قيل: لا يمنع أن يقول هذا كالجلالة. ١٢٦ - ١١ مسألة: لا يأكل المضطر من الميتة إلا مقدار ما يمسك رمقه، ولا يشبع منه في أصح الروايتين (٢)، نص عليها في رواية حنبل وأبي طالب فقال في رواية حنبل إذا علم أن النفس تكاد أن تتلف، أبيح له من ذلك مقدار ما يمسك به نفسه، ولا يتعدى فوق ذلك، وفي رواية أبي طالب إنما تحل له الميتة إذا خاف على نفسه الموت، فيأكل منها بقدر ما يقيمه عن الموت، فإذا أقامه عن الموت أمسك عنها، ولا يتزود؛ لأنه ليس بمضطر (٣)، وهو اختيار الخرقي (٤)، وبه قال أبو حنيفة (٥). وفيه رواية أخرى يجوز له الشبع منها، نقلها ابن منصور (٦) والفضل ابن زياد (٧) فقال: يأكل بقدر ما يستغنى، فإن خاف أن يحتاج إليه تزود (٨)، وهو اختيار أبي بكر (٩).

стр. 803

واختلفت الرواية عن مالك؛ فروي عنه مثل الروايتين (١). وكذلك اختلف قول الشافعي، والذي ينصر أصحابه جواز الشبع منها وكذلك الحكم عندهم في طعام الغير (٢). والدلالة على أنه لا يجوز الشبع: إن الإباحة معلقة بشرط الضرورة بدلالة قوله تعالى: ﴿إِلَّا مَا اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ﴾ [الأنعام: ١١٩]، فإذا أكل منها ما يمسك رمقه زالت الضرورة، فوجب أن تزول الإباحة؛ لعدم شرط الإباحة، ولأن لفظ التحريم في الآية عام، وإنما استثنى منه مقدار ما اضطر إليه، فيجب أن يكون ما عدا المستثنى محرمًا بالعموم. فإن قيل: شرط الضرورة إنما هو في ابتداء الإباحة دون الاستدامة، كما نقول في نكاح الأمة عدم الطول، وخوف العنت شرط في ابتداء النكاح دون استدامته (٣). قيل: قد بينا أن لفظ التحريم في الابتداء والاستدامة، والاستثناء يجب أن يرجع إلى ذلك العموم في الابتداء أو الاستدامة (٤). فإن قيل: الضرورة لا تزول إلا بالشبع الذي يعينه على السير (٥). قيل: نحن نجيز له أن يأكل ما يعينه على السير، ويزيل خوفه بانقطاعه عن الرفقة، وأيضًا فإن الضرورة زالت بالجزء الأول، فلو أكل بعده أكل للحاجة لا للضرورة والميتة لا تستباح بالحاجة كالابتداء، ولأن الجزء الأول في حق المضطر كالطعام المباح، ولو كان معه ذلك المقدار من لحم مذكى فأكله لم يجز له أن يتمم أكله من الميتة، كذلك إذا أكل الجزء الأول منها، وأيضًا فإن خوف التلف على نفسه معدوم في هذه الحال، فلا يجوز له أن يأكل منها.

стр. 804

دليله: حالة الابتداء، ولا يلزم عليه طعام من الغير عند الضرورة؛ لأنه يأكل منه ما يمسك رمقه، ولأن الضرورة إليها قد عدمت في الثاني، فلم يجز له الأكل منهما كما لو وجد طعامًا مباحًا بعد ما تناول منها لقمة أو لقمتين (١). فإن قيل: لا يجوز اعتبار الابتداء بالاستدامة، ألا ترى أن عدم الطول شرط في ابتداء نكاح الحرة، وليس شرط في الاستدامة وكذلك العدة (٢). قيل: فيجب أن نقول إذا أكل منها لقمة، ثم وجد طعامًا مباحًا أن له أن يأكل منها حتى يشبع، ولو وجد في الابتداء لم يجز؛ لأن الانتهاء يفارق الابتداء. وقد قيل: إن هذا الكلام إنما يصح فيما له ابتداء، أو مداومة وكل جزء من الأكل ابتداء أكل؛ لأن الأول منقطع، ثم يستأنف ما يتناوله فهو ابتداء. يبين صحة هذا: أنه لا فرق بين أن يأكل الجزء الأول من طعام مباحٍ، ثم يتمم من الميتة، وبين أن يأكل منها ثم يتمم أكله منها، فإن كان في أحد الموضعين مبتدأ كذلك هو في الآخر وفي هذا ضعف؛ لأن للأكل استدامة، ولهذا لو حلف لا أكلت يومي هذا إلا أكلة فاستدام الأكل إلى آخر النهار، لم يحنث ولو أكل أكلة وقطع ثم عاد فأكل حنث. واحتج المخالف: بما روى جابر بن سمرة (٣) أن رجلًا جاء إلى رسول الله ﷺ ومعه أهله وولده، فسأله عن أكل ناقة له نفقت فقال له النبي ﷺ : " [هل] (٤) عندك غنى يغنيك؟ " قال: لا، قال: فكلوها (٥) ولم يفرق بين سد الرمق وبين الشبع.

стр. 805

والجواب: أنه محمول على أنه أراد به كلَّ منه مقدار ما يمسك رمقك. بدلالة: ما قد بينا (١). واحتج بما روى أبو عبيد في غريب الحديث، عن أبي واقد الليثي، أن رجلًا قال: يا رسول الله، إنا نكون بالأرض فتصيبنا بها المخمصة، فمتى تحل لنا الميتة؟ فقال: "ما لم تصطبحوا، أو تغتبقوا، أو تحتفئوا بها بقلًا، فشأنكم بها" (٢)، يعني بها الميتة ومعناه: ما

стр. 806

لم تجدوا الصبوح، أو الغبوق، والصبوح أكل الغداة، والغبوق العشي. وقوله: "ما لم تحتفئوا بقلًا" أي تجدوا بقلًا تأكلونه من الأرض، فأباح لهم أكل الميتة، إذا لم يكن معهم ما يصطبحون به، أو يغبقون به، ولم يجدوا بقلًا يأكلونه، ولم يفرق فهو على العموم. والجواب: أن المراد به ما لم تزل الضرورة بدلالة: ما ذكرنا. وجواب آخر: وهو أنه لما حظر أكلها، إذا وجد البقل وهو أصل الرديء، كذلك يحظر إذا أكل منها ما يقوم مقام ذلك، ويسد مسده، وصار هذا تنبيهًا على أن الإباحة شرط فيها الضرورة، وذلك لا يوجد في الجزء الثاني من الميتة. واحتج بأن: ما جاز سد الرمق منه جاز الشبع منه، كالطعام الحلال، ولا يلزم عليه السقمونيا (١) أنه يباح القليل منه ولا يباح الكثير؛ لقولنا جاز الشبع منه لا يوصف بالشبع وإنما فرقنا بين القليل منه والكثير؛ لأن قليله نافع وكثيره قاتل.

стр. 807

والجواب: أن سائر الأطعمة يجوز تناولها لغير ضرورة، فلهذا جاز الشبع وليس كذلك الميتة؛ لأنه يجوز تناولها للضرورة، وقد زالت فلهذا زالت الرخصة وعلى أنا نقول بموجبه، وهو إذا كان ما به من ضرورة لا تزول إلا بالشبع، وبحال الإكراه، فإن المكره على أكل الميتة يجوز له أن يشبع. واحتج بأن: أكل الميتة إنما أبيح للمضطر؛ ليعود إلى حاله المتقدمة فيقوى على المشي والتصرف، فله أن يأكل منها حتى يشبع والتصرف. والجواب: أنا نقول أنه أبيح له ليمسك رمقه فقط، وهذا المعنى يحصل بدون الشبع. يبين صحة هذا: أنه لو تناول الطعام المباح وخشي انقطاعه عن الرفقة لم يجز تناول الميتة. ١٢٧ - ١٢ مسألة: إذا وجد المضطر الميتة وطعامًا حلالًا مالكه غير حاضر، أكل الميتة ولم يأكل الطعام، نص عليه في رواية أبي طالب، في مضطر وجد شاة مذبوحة وشاة ميتة يأكل الميتة ولا يأكل المذبوحة، الميتة قد أحلت له، المذبوحة لها صاحب يريد أن يعرفها (١). وقد ذكر الخرقي هذه المسألة في مختصره على هذا (٢) وحكى أبو الحسين البغدادي (٣)، في تجريده عن أصحابه مثل مذهبنا (٤). واختلف أصحاب الشافعي فذهب بعضهم إلى مثل قولنا، وقال بعضهم يأكل طعام الغير (٥). دليلنا: قوله ﷺ : "لا يحل مال امرئ مسلم إلا عن طيب نفس منه" (٦)، وهذا ما طابت نفسه، وأيضًا فإن الميت حلت للمضطر نصًا، وطعام الغير اجتهادًا، فكان ما ثبت بالنص

стр. 808

مقدمًا على ما ثبت باجتهاد (١). فإن قيل: المنصوص عليه في الميتة إذا لم يجد طعامًا حلالًا. قيل له: هي في الجملة منصوص عليها، وطعام الغير غير منصوص عليه. فإن قيل: طعام الغير مجمع عليه في الجملة، والإجماع بمنزلة النص (٢). قيل: ليس إذا كان بمنزلة النص في حكم، يجب أن يكون بمنزلته في جميع الأحكام في باب المعاوضة له، والفسخ به، وكذلك اليد بمنزلة البينة في أنها تدل على الملك، وليست بمنزلتها في إسقاط اليمين، وأيضًا فإن تحريم الميتة لحق الله تعالى، وتحريم طعام الغير لحق آدمي، فكان الأقدام على حق الله تعالى أولى؛ لأنها مبنية على المسامحة والمساهلة، وحق الآدمي على الشح والمضايقة، فكان الأسهل أولى (٣). فإن قيل: هذا خلاف قول النبي ﷺ : "فحق الله أحق بالقضاء" (٤).: قيل: معناه الحث على قضائه، وبيانًا أنه لا يسقط بالموت خلافًا لمن أسقطه. يبين صحة هذا: أن حق الله ليس بأحق بالقضاء من حق الآدمي، وهما سواء وقد يضعف حق الله عن حق الآدمي، ولهذا الزكاة تتعلق بمقدار من المال، ودين الآدمي يتعلق بالقليل والكثير. فإن قيل: هما سواء؛ لأنه إن وجد طعام الغير ولم يجد الميتة كان له أكله بعوض مثله، كما إذا وجد الميتة ولم تحل طعام الغير كان له أكلها. قيل له: إنما كان له أكله إذا لم يجد الميتة؛ لأنه مضطر إليه، وإذا وجد الميتة غير مضطر إليه وقد نص على هذا في رواية المروذي إذا اضطر إلى الميتة، ووجد مع قوم

стр. 809

طعامًا يأكل الميتة، قد أحلت له وأيضًا فإنه إذا أكل الميتة كان بريء الذمة، وإذا أكل طعام الغير تعلق البدل بذمته، فكان بغير بدل أسهل عليه. فإن قيل: ما سقط إلى بدل أولى مما سقط إلى غير بدل. قيل: إنما يكون أولى إذا لم يكن في البدل ضرر كالعبادات التي لها أبدال فأما إذا كان في البدل غرر فلا، وفي هذا البدل غرر وهو شغل الذمة بحق آدمي، ولأن المنع من أكل الميتة لحق الله تعالى، وقد أذن فيها بشرط الضرورة، والمنع من مال الآدمي لحقه ولم يأذن في ماله، ولأن الله تعالى غني عن حقوقه، والآدمي فقير إليها، ولهذا يقدم القصاص على الحدود، فكان تناول ما حُظر لحق الله أولى من تناول ما حظر لحق الآدمي. واحتج المخالف: بأن كل ما لو كان لأخيه أو عمه منع من أكل الميتة، فإذا كان لأجنبي وجب أن يمنع. أصله: إذا كان صاحبه حاضرًا وبذله له بثمن مثله. والجواب: أن له شبهة في مال أخيه وعمه، ولهذا لو قضى عليه القاضي بنفقته لزمه ذلك، وعلى قولنا النفقة بغير قضاء، ولا شبهة له في مال الأجنبي، وأجود من هذا أن يقول: بينهما رحم كامل، فتناول ماله عند الضرورة أولى من أكل الميتة، كمن وجد طعام ابنه والميتة، والمعنى في الأصل أنه رضي بإسقاط حقه، فلهذا لم يجز له أكل الميتة؛ لغنائه عنها بالطعام الحلال وليس كذلك ههنا؛ لأن صاحبه لم يرض بإسقاط حقه، والمضطر له عنه غنا بالميتة، فلهذا لم يجز له أكله، كما لم يجز له أكله عند عدم الحاجة، ولا يلزم على علة الفرع إذا وجد طعام غيره، ولم يجد الميتة ولم يأذن له في أكله، أن له أكله القولنا، والمضطر له عنه غنا وهناك ليس له عنه غنا. واحتج بأنه: طعام طاهر صاحبه غير مضطر إليه، ولا يحتاج في أكله إلى أن يغرر بنفسه فوجب أن يمنع من أكل الميتة. أصله: إذا بذله له صاحبه بعوض المثل، أو بغير عوض، ولا يلزم عليه إذا كان صاحبه حاضرًا وبه حاجة إليه، لقولنا صاحبه غير مضطر عليه، ولا يلزم عليه إذا كان صاحبه حاضرًا ومنعه من أخذه ولم يتمكن إلا بالقتال أنه يأكل الميتة لقولنا، ولا يحتاج

стр. 810

في أكله إلى أن يغرر بنفسه وهناك يغرر؛ لأنه لا يأمن أن يأتي القتال عليه، فإن كان معه من يقاتل صاحب الطعام ولم يكن فيه تغرر فإنه يقاتل صاحبه، وتحرم الميتة، ويلزمه عوض المثل فيما له مثل، أو القيمة، وكذلك إذا كان حاضرًا ومنعه من عوض المثل وطلب الزيادة وأمكنه أخذه بقتال من غير تغرير بنفسه حرمت الميتة. والجواب عنه: ما تقدم وهو إذا بذله له بثمن المثل أو بغير عوض فلا ضرورة به إلى أكل الميتة، وليس كذلك إذا لم يأذن؛ لأنه لا يمكنه إزالة الضرر إلا بإدخال ضرر على آدمي، فصار كما لو بذل له بأكثر من ثمن مثله، فإنه يأكل الميتة لما عليه من الضرر. ١٢٨ - ١٣ مسألة: إذا وجد المضطر آدميًا ميتًا لم يحل له الأكل منه على قياس قول أصحابنا في الحامل، إذا ماتت وفي بطنها ولد يتحرك أنه لا يشق بطنها وينتظر عليها حتى يموت الولد (١). واختلف أصحاب الشافعي فمنهم من قال مثل هذا (٢). ومنهم من قال له الأكل منه (٣) وسألت القاضي أبا عبد الله الضمر: الحنفي (٤) عن هذا فقال له الأكل. دليلنا: قوله ﷺ : "كسر عظم الميت ككسره حيًا" (٥)، ومعناه في الإثم وفي إباحتنا أكله جواز لكسر عظمه، ولأن حرمته لم تسقط بموته، ألا ترى أنه لا يباح أكل لحمه للبهائم، ولا رميه على المزابل، وإذا كانت حرمته باقية لم يجز أكل لحمه. دليله: حالة الحياة.
следующие страницы →