← Фикх ханбали

Фикх ханбали · id 30057

التعليقة الكبيرة - أبو يعلى - من الأشربة للأيمان

القاضي أبو يعلى ابن الفراء

Полный текст (1 057 стр.). Показаны 806–845 · переход к 811.

стр. 806

لم تجدوا الصبوح، أو الغبوق، والصبوح أكل الغداة، والغبوق العشي. وقوله: "ما لم تحتفئوا بقلًا" أي تجدوا بقلًا تأكلونه من الأرض، فأباح لهم أكل الميتة، إذا لم يكن معهم ما يصطبحون به، أو يغبقون به، ولم يجدوا بقلًا يأكلونه، ولم يفرق فهو على العموم. والجواب: أن المراد به ما لم تزل الضرورة بدلالة: ما ذكرنا. وجواب آخر: وهو أنه لما حظر أكلها، إذا وجد البقل وهو أصل الرديء، كذلك يحظر إذا أكل منها ما يقوم مقام ذلك، ويسد مسده، وصار هذا تنبيهًا على أن الإباحة شرط فيها الضرورة، وذلك لا يوجد في الجزء الثاني من الميتة. واحتج بأن: ما جاز سد الرمق منه جاز الشبع منه، كالطعام الحلال، ولا يلزم عليه السقمونيا (١) أنه يباح القليل منه ولا يباح الكثير؛ لقولنا جاز الشبع منه لا يوصف بالشبع وإنما فرقنا بين القليل منه والكثير؛ لأن قليله نافع وكثيره قاتل.

стр. 807

والجواب: أن سائر الأطعمة يجوز تناولها لغير ضرورة، فلهذا جاز الشبع وليس كذلك الميتة؛ لأنه يجوز تناولها للضرورة، وقد زالت فلهذا زالت الرخصة وعلى أنا نقول بموجبه، وهو إذا كان ما به من ضرورة لا تزول إلا بالشبع، وبحال الإكراه، فإن المكره على أكل الميتة يجوز له أن يشبع. واحتج بأن: أكل الميتة إنما أبيح للمضطر؛ ليعود إلى حاله المتقدمة فيقوى على المشي والتصرف، فله أن يأكل منها حتى يشبع والتصرف. والجواب: أنا نقول أنه أبيح له ليمسك رمقه فقط، وهذا المعنى يحصل بدون الشبع. يبين صحة هذا: أنه لو تناول الطعام المباح وخشي انقطاعه عن الرفقة لم يجز تناول الميتة. ١٢٧ - ١٢ مسألة: إذا وجد المضطر الميتة وطعامًا حلالًا مالكه غير حاضر، أكل الميتة ولم يأكل الطعام، نص عليه في رواية أبي طالب، في مضطر وجد شاة مذبوحة وشاة ميتة يأكل الميتة ولا يأكل المذبوحة، الميتة قد أحلت له، المذبوحة لها صاحب يريد أن يعرفها (١). وقد ذكر الخرقي هذه المسألة في مختصره على هذا (٢) وحكى أبو الحسين البغدادي (٣)، في تجريده عن أصحابه مثل مذهبنا (٤). واختلف أصحاب الشافعي فذهب بعضهم إلى مثل قولنا، وقال بعضهم يأكل طعام الغير (٥). دليلنا: قوله ﷺ : "لا يحل مال امرئ مسلم إلا عن طيب نفس منه" (٦)، وهذا ما طابت نفسه، وأيضًا فإن الميت حلت للمضطر نصًا، وطعام الغير اجتهادًا، فكان ما ثبت بالنص

стр. 808

مقدمًا على ما ثبت باجتهاد (١). فإن قيل: المنصوص عليه في الميتة إذا لم يجد طعامًا حلالًا. قيل له: هي في الجملة منصوص عليها، وطعام الغير غير منصوص عليه. فإن قيل: طعام الغير مجمع عليه في الجملة، والإجماع بمنزلة النص (٢). قيل: ليس إذا كان بمنزلة النص في حكم، يجب أن يكون بمنزلته في جميع الأحكام في باب المعاوضة له، والفسخ به، وكذلك اليد بمنزلة البينة في أنها تدل على الملك، وليست بمنزلتها في إسقاط اليمين، وأيضًا فإن تحريم الميتة لحق الله تعالى، وتحريم طعام الغير لحق آدمي، فكان الأقدام على حق الله تعالى أولى؛ لأنها مبنية على المسامحة والمساهلة، وحق الآدمي على الشح والمضايقة، فكان الأسهل أولى (٣). فإن قيل: هذا خلاف قول النبي ﷺ : "فحق الله أحق بالقضاء" (٤).: قيل: معناه الحث على قضائه، وبيانًا أنه لا يسقط بالموت خلافًا لمن أسقطه. يبين صحة هذا: أن حق الله ليس بأحق بالقضاء من حق الآدمي، وهما سواء وقد يضعف حق الله عن حق الآدمي، ولهذا الزكاة تتعلق بمقدار من المال، ودين الآدمي يتعلق بالقليل والكثير. فإن قيل: هما سواء؛ لأنه إن وجد طعام الغير ولم يجد الميتة كان له أكله بعوض مثله، كما إذا وجد الميتة ولم تحل طعام الغير كان له أكلها. قيل له: إنما كان له أكله إذا لم يجد الميتة؛ لأنه مضطر إليه، وإذا وجد الميتة غير مضطر إليه وقد نص على هذا في رواية المروذي إذا اضطر إلى الميتة، ووجد مع قوم

стр. 809

طعامًا يأكل الميتة، قد أحلت له وأيضًا فإنه إذا أكل الميتة كان بريء الذمة، وإذا أكل طعام الغير تعلق البدل بذمته، فكان بغير بدل أسهل عليه. فإن قيل: ما سقط إلى بدل أولى مما سقط إلى غير بدل. قيل: إنما يكون أولى إذا لم يكن في البدل ضرر كالعبادات التي لها أبدال فأما إذا كان في البدل غرر فلا، وفي هذا البدل غرر وهو شغل الذمة بحق آدمي، ولأن المنع من أكل الميتة لحق الله تعالى، وقد أذن فيها بشرط الضرورة، والمنع من مال الآدمي لحقه ولم يأذن في ماله، ولأن الله تعالى غني عن حقوقه، والآدمي فقير إليها، ولهذا يقدم القصاص على الحدود، فكان تناول ما حُظر لحق الله أولى من تناول ما حظر لحق الآدمي. واحتج المخالف: بأن كل ما لو كان لأخيه أو عمه منع من أكل الميتة، فإذا كان لأجنبي وجب أن يمنع. أصله: إذا كان صاحبه حاضرًا وبذله له بثمن مثله. والجواب: أن له شبهة في مال أخيه وعمه، ولهذا لو قضى عليه القاضي بنفقته لزمه ذلك، وعلى قولنا النفقة بغير قضاء، ولا شبهة له في مال الأجنبي، وأجود من هذا أن يقول: بينهما رحم كامل، فتناول ماله عند الضرورة أولى من أكل الميتة، كمن وجد طعام ابنه والميتة، والمعنى في الأصل أنه رضي بإسقاط حقه، فلهذا لم يجز له أكل الميتة؛ لغنائه عنها بالطعام الحلال وليس كذلك ههنا؛ لأن صاحبه لم يرض بإسقاط حقه، والمضطر له عنه غنا بالميتة، فلهذا لم يجز له أكله، كما لم يجز له أكله عند عدم الحاجة، ولا يلزم على علة الفرع إذا وجد طعام غيره، ولم يجد الميتة ولم يأذن له في أكله، أن له أكله القولنا، والمضطر له عنه غنا وهناك ليس له عنه غنا. واحتج بأنه: طعام طاهر صاحبه غير مضطر إليه، ولا يحتاج في أكله إلى أن يغرر بنفسه فوجب أن يمنع من أكل الميتة. أصله: إذا بذله له صاحبه بعوض المثل، أو بغير عوض، ولا يلزم عليه إذا كان صاحبه حاضرًا وبه حاجة إليه، لقولنا صاحبه غير مضطر عليه، ولا يلزم عليه إذا كان صاحبه حاضرًا ومنعه من أخذه ولم يتمكن إلا بالقتال أنه يأكل الميتة لقولنا، ولا يحتاج

стр. 810

في أكله إلى أن يغرر بنفسه وهناك يغرر؛ لأنه لا يأمن أن يأتي القتال عليه، فإن كان معه من يقاتل صاحب الطعام ولم يكن فيه تغرر فإنه يقاتل صاحبه، وتحرم الميتة، ويلزمه عوض المثل فيما له مثل، أو القيمة، وكذلك إذا كان حاضرًا ومنعه من عوض المثل وطلب الزيادة وأمكنه أخذه بقتال من غير تغرير بنفسه حرمت الميتة. والجواب عنه: ما تقدم وهو إذا بذله له بثمن المثل أو بغير عوض فلا ضرورة به إلى أكل الميتة، وليس كذلك إذا لم يأذن؛ لأنه لا يمكنه إزالة الضرر إلا بإدخال ضرر على آدمي، فصار كما لو بذل له بأكثر من ثمن مثله، فإنه يأكل الميتة لما عليه من الضرر. ١٢٨ - ١٣ مسألة: إذا وجد المضطر آدميًا ميتًا لم يحل له الأكل منه على قياس قول أصحابنا في الحامل، إذا ماتت وفي بطنها ولد يتحرك أنه لا يشق بطنها وينتظر عليها حتى يموت الولد (١). واختلف أصحاب الشافعي فمنهم من قال مثل هذا (٢). ومنهم من قال له الأكل منه (٣) وسألت القاضي أبا عبد الله الضمر: الحنفي (٤) عن هذا فقال له الأكل. دليلنا: قوله ﷺ : "كسر عظم الميت ككسره حيًا" (٥)، ومعناه في الإثم وفي إباحتنا أكله جواز لكسر عظمه، ولأن حرمته لم تسقط بموته، ألا ترى أنه لا يباح أكل لحمه للبهائم، ولا رميه على المزابل، وإذا كانت حرمته باقية لم يجز أكل لحمه. دليله: حالة الحياة.

стр. 811

واحتج المخالف: بقوله تعالى: ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ﴾ الأنعام: ١٤٥]. وقوله: ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لِإِثْمٍ﴾ [المائدة: ٣]، وهذا عام (١). والجواب: أنه باغ ومتجانف لإثم بأكله لحم الآدمي، وعلى أنا نحمله على غيره. بدليل: ما تقدم. واحتج بأنه: لا يمتنع حفظ حياة الآدمي بآدمي ميت، ألا ترى أنهم لو كانوا في سفينة وفيها آدمي ميت فخافوا الغرق لنقلها كان لهم رمي الميت إلى البحر، خوف الغرق (٢). والجواب: أنه إنما جاز ذلك في حال الغرق؛ لأنه يجوز في غير حالة الغرق وهو إذا مات ولم يمكنهم دفنه في البر فإنه يلقى في البحر نص عليه أحمد (٣). واحتج بأن: حرمة الحي آكد. بدليل: أنه يجب بقتله الكفارة، والضمان دون الميت فإذا كانت حرمته أقوى كان حفظه أولى (٤). والجواب: أن الدية والكفارة تجبان في مقابلة إتلاف، والحي متلف فلهذا وجبتا، والميت غير متلف فلهذا لم تجب، فأما في مسألتنا فإنه يمنع من أكله، مع وجود الطعام المباح؛ لحرمته وهذه الحرمة موجودة عند العدم فيجب أن تمنع. ١٢٩ - ١٤ مسألة: شحوم اليهود المحرمة عليهم تحريمها باقٍ عليهم إلى وقتنا هذا، سواء كانوا هم المتولين لذكاتها، أو غيرهم وهي شحم الثرب وشحم الكليتين، وذلك محرم على المسلمين إذا تولى ذكاتها اليهود، فأما أن تولى ذكاتها غيرهم لم يحرم على المسلمين، وكذلك كل ذي ظفر (٥).

стр. 812

قال قتادة: الإبل والنعام والبط وكل شيء ليس بمشقوق الأصابع (١)، وعن مجاهد النعامة كل شيء لم يفرج من قوائم البهائم، فأما ما انفرج أكلته اليهود، مثل الدجاج، والعصافير (٢)، كذا حكاه أبو بكر في تفسيره (٣). وقد نص أحمد على تحريمها على اليهود في رواية عبد الله، وقال: سألت أبي عن الشحم محرم على اليهود فقال: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ هَادُوا﴾ [الأنعام: ١٤٦] الآية. فالقرآن يقول: حرمنا، وقال في سورة المائدة: ﴿الْيَوْمَ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ وَطَعَامُكُمْ حِلٌّ لَهُمْ﴾ [المائدة: ٥]، فلا يحل لمسلم يطعم يهوديًا شحمًا؛ لأنه محرم عليه فقد نص على بقاء تحريمها عليهم (٤). وقال صالح كان أبي يكره شحوم ذبائح اليهود فقد أطلق أحمد القول بالكراهة في حق المسلمين (٥) وحمل أصحابنا هذه الكراهة على التحريم (٦). وقد ذكره أبو بكر فيما علقه عنه أبو إسحاق وأبو حفص البرمكي (٧). واستدل على ذلك بطريقه أذكرها فيما بعد، وذكره أبو الحسن التميمي فقال: وذي الظفر إذا ذبحه اليهودي محرم علينا، وعلل بأنهم لا يقصدون ذكاته ولو قصدوا لم يقع (٨)؛ لأنه لا منفعة لهم فيها.

стр. 813

وقد أورد أبو الحسن تحريم ذلك في جزء ردًّا على من خالفه من أصحابنا (١) وبه قال مالك (٢)، وحكى أبو الحسن التميمي عن الضحاك ومجاهد (٣) وسوار (٤). كان شيخنا أبو عبد الله يحكي عن أبي القاسم الخرقي أنه كان يرى إباحتها، واختار ذلك (٥) ولعله ذهب في ذلك إلى ما رواه مهنا عن أحمد أنه قيل له الزهري عن مالك في اليهود يذبح الشاة لا يأكل شحمها (٦)، فقال أحمد مذهب دقيق وظاهر هذا أنه عجب من قوله ولم يأخذ به وبه قال أبو حنيفة والشافعي (٧). فالدلالة على بقاء تحريم ذلك على اليهود: قوله تعالى: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا كُلَّ ذِي ظُفُرٍ وَمِنَ الْبَقَرِ وَالْغَنَمِ حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ شُحُومَهُمَا إِلَّا مَا حَمَلَتْ ظُهُورُهُمَا أَوِ الْحَوَايَا أَوْ مَا اخْتَلَطَ بِعَظْمٍ ذَلِكَ جَزَيْنَاهُمْ بِبَغْيِهِمْ وَإِنَّا لَصَادِقُونَ﴾ [الأنعام: ١٤٦]، قال أبو صالح (٨): إلا ما حملت ظهورهما الآلية، والحوايا: المبعر، أو ما اختلط بعظم قاله: بالمبعر من الشحم، وعن السدي (٩): ما اختلط بعظم بالمبعر من الشحم وعنه ما كان من شحم على عظم، قال أبو بكر في تفسيره: الحوايا جمع واحدها حاوية وحويه وحاويًا وهي المباعر (١٠). فوجه الدلالة: أن الله تعالى حرم عليهم ذلك وعلل بأن ذلك التحريم ببغيهم وتلك

стр. 814

العلة باقية في حقهم فكان التحريم باقيًا (١). فإن قيل: هذا التحريم نسخ بشريعتنا، ولو كان التحريم باقيًا أدى ذلك إلى أن يكون الكفار مقرين على شريعتهم وأنهم متعبدون بذلك ووجب على قول هذا القائل أن يكونوا مخاطبين بإمساك السبت. قيل: لا يجوز دعوى النسخ بشريعتنا؛ لأن هذا مبني على أصل: إن شرع من قبلنا شرع لنا ما لم يثبت نسخة (٢)، وإذا ثبت أن شريعة موسى شريعة لنا لم تكن شريعتنا ناسخة لها، وقد سلك أبو الحسن التميمي (٣) هذه الطريقة (٤) والذي يمنع دعوى النسخ ههنا شيئان: أحدهما ما ذكرنا من التعليل وهو وجود البغي منهم وهذا المعنى موجود في وقتنا ولا يجوز بقاء العلة ورفع الحكم (٥). والثاني: قول النبي ﷺ في حديث عمر: "لعن الله اليهود حرمت عليهم الشحوم فجملوها فباعوها" (٦). وروى جابر: لعن الله اليهود، حرمت عليهم الشحوم، فباعوها

стр. 815

وأكلوا أثمانها" (١). وروى ابن عباس عن النبي ﷺ : "لعن الله اليهود، حرمت عليهم الشحوم فباعوها، وأكلوا أثمانها، وإن الله إذا حرم على قوم أكل شيء حرم عليهم ثمنه" (٢)، قال أبو الحسن التميمي: فلو كانت شريعته ناسخة لجملة شريعتهم لما لعنهم على ما هو مباح في شريعتهم (٣). فإن قيل: يحتمل أن يكون لعنهم على فعلهم ذلك في الوقت الذي كان محرمًا عليهم في شريعتهم. قيل: قد روي في الخبر أنه لعنهم في الوقت الذي يعتقدون تحريمه في وقتنا فروى أبو الحسن التميمي بإسناده عن عمر عن النبي ﷺ قال: "لعن الله اليهود يحرمون الشحوم ويأكلون أثمانها" (٤) والتحريم من جهتهم جاء بقوله تعالى: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا﴾ [الأنعام: ١٤٦]، فالقرآن يقول حرمنا فجعل العلة القرآن وهذا موجود في تحريم السبت (٥). فإن قيل: فالدلالة على نسخ ذلك في هذه الشحوم مباحة في حق المسلمين إذا تولوا ذبحها فلو كان التحريم باقيًا لوجب أن يعم المسلمين؛ لأنه كان في شريعة موسى (٦). قيل: لا يمتنع أن ......... (٧) وإذا ثبت بما ذكرنا تحريم ذلك عليهم فنقول ما كان محرمًا على ذابحه كان محرمًا على غيره.

стр. 816

دليله: الدم وذبيحة المجوسي والمرتد، والمحرم إذا ذبح الصيد، وإذا ذبح ولم يفر الأوداج (١). فإن قيل: لو كان تحريمه علينا يجري مجرى تحريمه عليهم لم يفترق الحال بين أن يتولى المسلم ذبحه وبين أن يتولاه اليهود كما كان محرمًا في حقهم لم يفترق الحال بين أن يذبحوه بأنفسهم أو يذبحه، مسلم، فلما قلتم إنه لو ذبحه غير اليهودي لم يحرم على المسلم كذلك إذا ذبحه اليهودي. قيل: لا يمتنع أن يحرم إذا تولاه غيره ولا يحرم إذا تولاه بنفسه كالذي يذبحه المجوسي والمرتد لو تولى المسلم ذبحه كان مباحًا ولو تولاه المجوسي والمرتد كان محرمًا، وعلى أنه إذا تولاه مسلم يحصل مقصودًا بالذكاة وإذا تولاه اليهودي لا يحصل مقصودًا بالذكاة والقصد معتبر في الذكاة من الوجه الذي بيناه، فأما تحريمه في حقهم فإن تولوا ذبحه حصل تحريمه لعلتين أحديهما أنه غير مباح إذا تولى غيره ذبحه (٢). دليله: اللحم. والجواب عنه: ما تقدم في السؤال فلا وجه لإعادته (٣). واحتج بأن: اليهودي يعتقد استباحة الشاة وإنما يعتقد تحريم بعض منها واعتقاد ذلك باطل عندنا فكان كالمسلم يعتقد بالذبح إباحة اللحم دون الشحم فإنه غير مؤثر (٤). والجواب: أن اعتقادهم ليس بباطل لما بينا أن التحريم يأتي في حقهم وأما اعتقاد المسلم تحريم الشحم فقياس المذهب يقتضي تحريم ذلك لما بينا أن القصد معتبر في الذكاة وقد حكى ابن القصار (٥) عن مذهبه (٦).

стр. 817

واحتج بأنا لا نجد ذكاة تتبعض (١). والجواب: أنه إذا ذبح الشاة وكان جنينها محرمًا وهو ولد الذئب فإنها تباح دون الجنين، وكذلك إذا أبان من الصيد عضوًا ثم مات الصيد على اختلاف الروايتين وعلى أن أبا بكر من أصحابنا قد بين أن ذكاة المسلم قد تتبعض فمنها ما لا يباح وهو الغدة وأذن القلب (٢). قال أبو الحسن التميمي: قال لي بعضهم كيف يحرم الشحوم وهو بين تضاعيف محلل (٣). قلت له: كما أبيح اللبن وهو بين تضاعيف محرم بين فرث ودم. قال أبو الحسن: قال مالك: وأكره أن يشترى الشحم من اليهودي فيؤكل (٤)، قال: وهكذا عندي على مذهب أبي عبد الله لما بينا أنه لا يجوز أكله، واستدل عليه: بحديث ابن عباس في لعن النبي ﷺ على بيعها (٥) (٦). ١٣٠ - ١٥ مسألة: إذا اختار بستانًا وفيه فاكهة رطبة وليس له حائط جاز له الأكل منها من غير ضرورة ولا ضمان عليه في أصح الروايتين نقلها حرب (٧) عنه؛ فقال: إذا كان عليه حائط فلا يأكل، وإن لم يكن عليه حائط وكان في فضاء من الأرض فلا بأس أن يأكل، وكذلك نقل الأثرم عنه أنه قيل له: يأكل على الضرورة أو غير ضرورة فقال: ليس في الأحاديث ضرورة (٨)، وهو قول

стр. 818

الزهري (١) والحسن (٢) فيما حكاه حرب عنهما في مسائله، وفي رواية أخرى يباح عند الضرورة ولا ضمان عليه (٣). قال في رواية صالح: يباح أرجو أن لا يكون به بأس إذا كان مسافرًا وإنما الرخصة للمسافر المحتاج (٤)، وكذلك نقل أبو طالب عنه أنه: سئل إذا لم يكن تحت الثمرة ثمر يصعد؟ فقال: لم أسمع يصعد فإن اضطر أرجو أن لا يكون به بأس (٥)، وظاهر هذا جواز ذلك عند الضرورة، قال أبو بكر الخلال (٦) في كتاب الأطعمة: ما حكاه أبو طالب عن أبي عبد الله لا يأكله إلا إذا كان محتاجًا فهو عندي تنزيه من أبي عبد الله (٧). وقد احتج أنه ليس في الأحاديث ذكر الاضطرار وهو الذي اعتمد عليه من قول أبي عبد الله يأكل، وإن لم يكن مضطرًا إذا لم يكن عليه حائط فإن كان عليه حائطًا وكان مضطرًا فليأكل (٨). وقال أبو حنيفة (٩)، ومالك (١٠) والشافعي (١١): لا يباح الأكل إلا بإذن مالكه فإن اضطر إلى أكله أبيح له الأكل بشرط الضمان. دليلنا: على جواز الأكل في الجملة ولا ضمان ما روى أحمد في المسند قال: نا مؤمن بن إسماعيل (١٢) قال نا حماد يعني

стр. 819

ابن سلمة (١) قال نا الجريري (٢) عن أبي بصرة (٣) عن أبي سعيد (٤) أن رسول الله ﷺ قال: " إذا أتى أحدكم حائطًا فأراد أن يأكل، فليناد: يا صاحب الحائط ثلاثًا، فإن أجابه وإلا فليأكل، وإذا مر أحدكم بإبل فأراد أن يشرب من ألبانها، فليناد: يا صاحب الإبل -أو يا راعي الإبل- فإن أجابه وإلا فليشرب، والضيافة ثلاثة أيام، فما زاد فهو صدقة" (٥). روى أحمد قال: نا علي بن عاصم (٦) قال نا سعيد بن إياس الجريري عن أبي بصرة عن أبي سعيد الخدري قال أراه عن النبي ﷺ قال: "إذا أتيت على حائط فناد صاحبه ثلاث مرات، فإن أجابك، وإلا فكل وإلا فاشرب في غير أن تفسد" (٧).

стр. 820

فإن قيل: يحمل هذا على الضرورة. بدليل: ما روى عمرو بن شعيب (١) عن أبيه (٢) عن جده عبد الله بن عمرو عن النبي ﷺ أنه اسال عن الثمار المعلق فقال: من أصاب بفيه من ذي حاجة غير متخذ خبنةً (٣) فلا شيء عليه، ومن خرج بشيء منه فعليه غرامة مثليه والعقوبة" (٤) فشرط الحاجة في ذلك (٥). قيل: حمله على الضرورة يسقط فائدة التخصيص بالثمار، فأما حديث عمرو فمحمول عليه إذا كان عليها حائط (٦). فإن قيل: فقد نقل عن أحمد ما يدل على ضعفه؛ فقال أبو داود ذكر لأحمد حديث يحيى بن سليم (٧) عن عبيد الله (٨) ن نافع (٩) عن ابن عمر عن النبي ﷺ "من مر بحائط

стр. 821

فليأكل، ولا يحمل" (١) فانتهرني استضعافًا للحديث (٢)، وكذلك نقل حبيش بن سدي (٣) عنه أنه قال: حديث ابن عمر ليس بشيء (٤). قيل: تضعيف أحمد رجع إلى حديث روي عن ابن عمر والذي احتججنا به ما رواه في المسند عن أبي سعيد الخدري، ويدل عليه ما رواه أحمد نا معتمر (٥) قال: سمعت ابن الحكم الغفاري (٦) قال: كنت وأنا غلام أرمي نخلاً للأنصار فأتى النبي ﷺ فقيل إن ههنا غلامًا يرمي نخلنا فأتى بي النبي ﷺ فقال: "يا غلام، لم ترمي النخل؟ " قلت: آكل قال: "فلا ترم النخل، وكل مما سقط في أسفلها" ثم مسح رأسي وقال: "اللهم أشبع بطنه (٧). ذكره أبو بكر الخلال في كتاب الأطعمة، فإباحة الأكل على الإطلاق، ولم يوجب عليه ضمانًا (٨).

стр. 822

وعند المخالف: لا يباح إلا عند الضرورة بشرط الضمان (١). ويدل عليه: إجماع الصحابة (٢) فروى أبو بكر الخلال في كتاب الأطعمة ثنا حرب ثنا مسدد ثنا فضيل بن عياض (٣) عن منصور (٤) عن مجاهد عن مجاهد (٥) عن أبي عياض (٦) قال: قال عمر: إذا مر أحدكم بالحائط فليأكل ولا تتخذ خبنة. (٧).

стр. 823

وروى أبو بكر قال: حدثنا بكر بن سهل الدمياطي (١)، نا مهدي بن جعفر (٢) نا عباد بن العوام (٣) عن عاصم بن سليمان (٤) عن أبي زينب التيمي (٥) قال: سافرت مع أنس بن مالك وأبي هريرة وعبد الرحمن بن سمرة (٦) فكانوا يمرون على الثمار فيأكلون

стр. 824

في أفواههم" (١). وروى أحمد نا يحيى بن أبي عروة (٢) عن قتادة (٣) عن عكرمة (٤) عن ابن عباس: إذا كان في فضاء فلا بأس أن يأكل ولا يحمل، وإذا كان حائطًا فلا يأكل إلا بإذن ذكره أبو بكر الخلال في كتاب الأطعمة ولا يعرف لهم مخالف (٥) فحصل مذهب وابن عباس وأنس وعبد الرحمن وأبي برزة (٦) خمسة من الصحابة وأيضًا قد ثبت من أصلنا أن ما يأكله صاحب الأرض من الثمرة لا يحتسب عليه زكاته إذا كان بالمعروف (٧)، وقد دل على ذلك حديث سهل بن أبي خيثمة أن رسول الله ﷺ قال: "إذا خرصتم فخذوا ودعوا الثلث، فإن لم تجدوا الثلث الربع" (٨) وإذا ثبت هذا في الثمرة التي تعلق بها حق الفقراء كذلك ههنا (٩).

стр. 825

فإن قيل: نحن نخالفكم في هذا الأصل ونقول ما يأكله من ذلك يحتسب عليه زكاته (١). قيل: قد دللنا عليه بالخبر (٢). فإن قيل: لا يمتنع أن يباح ذلك في الثمرة التي تعلقت بها الزكاة ولا يباح ههنا؛ لأن الزكاة تجب على طريق المواساة (٣). قيل: إن كان لهذه العلة كان يجب في بقية الأموال الزكاتية أن يتصرف فيها على وجه يسقط حقهم لوجود هذه العلة، وأجمعنا على أنه لا يجوز. ويدل عليه: لو نذر أن يضحي بشاة بعينها جاز له أن يأكل منها عندهم (٤)، وعندنا أيضًا على ما ذكره أبو بكر في كتاب التفسير مع تعلق حق الفقراء بها كذلك ههنا وأيضًا فإن تعلق حق الغير بالطعام لا يمنع جواز الأكل منه (٥). دليلنا: الغانمون يجوز لهم أن يأكلوا من الطعام المغنوم مع تعلق حق الغانمين به كذلك ههنا (٦). فإن قيل: إنما أبحنا ذلك للضرورة وهو انقطاع الميرة (٧) (٨). قيل: الضرورة لا تسقط الضمان كمن اضطر إلى طعام الغير ولما سقط الضمان كذلك ههنا (٩).

стр. 826

احتج المخالف: بما روي عن النبي ﷺ قال: "لا يحل مال امرئ مسلم إلا عن طيبة نفس منه" (١). والجواب: أنه محمول على غير الثمار (٢). واحتج بأنه: مال من له حرمة فلم يحل تناوله من غير ضرورة إلا بإذنه. دليله: غير الفواكه. والجواب: أن هذا قياس يعارض نص السنة فلا يحتج به، وعلى أنه لا يمتنع أن يباح ذلك في الطعام خاصة (٣). بدليل: مال الغنيمة يجوز للغانمين الأكل من الطعام وعلف الدواب وإن لم يجز الانتفاع بالثياب والكراع والسلاح (٤)، وكذلك قال أبو حنيفة يجوز الانتفاع بسلاح أهل البغي وإن لم يجز بغيره من أموالهم (٥)، وكذلك يسقط عنه من الزكاة بقدر ما يأكل وإن لم يسقط عنه في غيرها من الأموال (٦).

стр. 827

واحتج: بالقياس عليها إذا كان عليها حائط (١). والجواب: أنه إذا كان عليها حائط فلم يحصل من صاحبها إلا بأذن، إذ لو أذن لم يحوط عليها حائطًا وليس كذلك إذا لم يكن عليها حائط، فإنه قد حصل منه الإذن من جهة العرف فهو كما لو قدم طعامه إلى قوم ولم يصرح بالإذن في الأكل، وكذلك إذا ذبح أضحية غيره بغير إذنه لم يضمن عندنا (٢)، وعند أبي حنيفة (٣)؛ لأنه مأذون من جهة العرف، فعلى هذا إن لم يكن عليها حائطًا وكان صاحبها حاضرًا لم يجز الأكل إلا عن إذنه وهذا قياس قول أحمد؛ لأنه قال: في رواية الفضل (٤) وبكر بن محمد (٥) والمروذي (٦) والميموني (٧) لحائط حريم (٨). وهذا المعنى موجود إذا كان صاحبه حاضرًا؛ لأنه إذا كان الحائط حريمًا يمنع فحضوره أولى، ولهذا كان حضوره حرزًا للثمار في إيجاب القطع؛ كالحائط، ويحمل إطلاق قول أحمد: إذا لم يكن حائطًا أكل إذا لم يكن صاحبه حاضرًا وكذلك الحكم في اللقاط لا يدخل إلا بإذن صاحبه إذا كان حاضرًا، قال في رواية أبي طالب: لا يدخل حائطًا ولا أرضًا إلا بإذن صاحبه (٩)، وكذلك قال في رواية ابن منصور: ولا أرى أن يدخلوا أرض الرجل إلا بإذنه، ولا أرى لصاحب الأرض منعهم (١٠)، وكذلك الحكم في الدخول إلى أرض غيره لأخذ

стр. 828

الكلأ (١)، قال في رواية ابن منصور: في رجل غصب أرضًا يرعى كلاها إذا لم يحط عليها (٢)، وقد نقل الميموني عنه: ما عليه حائط فلا يدخله؛ لأنه حريم، قيل له فإن جهل فدخله فتأول فأكل ما سقط فقال: إن تأول فهاه، وظاهر هذا أنه سوغ التأويل مع وجود الحائط (٣). ووجه التأويل: عموم حديث أبي سعيد ولم يفرق بين الحائط وغيره (٤). وإن قاسوا على الزرع ولبن الماشية ففيه روايتان: إحداهما: جواز الأكل منها؛ كالثمار نص عليه في رواية بكر بن محمد فقال: إذا كان يمر في نخل أو إبل في صحراء أو سنبل قائم أكل منه وإن كان قد أحرزت الثمرة أو الحنطة في البيوت أو إبل أو غنم قد أويت إلى المراح فلا يأكل منه ويأكل من الميتة (٥)، وكذلك نقل يعقوب بن بختان (٦) عنه أنه: سئل يؤكل من الفريك (٧)؟ قال: نعم، وهو اختيار أبي بكر وقاسه على النخلة والوجه فيه ما تقدم من حديث أبي سعيد بلفظين (٨). وفيه رواية أخرى: لا يباح نص عليه في رواية الحسن بن علي بن الحسن (٩) وقد سأله عن الرجل يمر بالحائط فإن لم يكن حائطًا أيأكل من الثمار وحدها؟ فإن كان حائطًا فلا، وأما الزرع والسنبل فليس له أن يأكل.

стр. 829

وكذلك نقل أبو طالب: لا يأكل من الزرع إنما رخص في الثمار، فعلى هذا: الفرق بينهما من وجهين (١): أحدهما: من جهة الظاهر. والثاني: من المعنى. أما الظاهر فروى أحمد في المسند نا حجاج (٢) وأبو النصر (٣) قالا نا شريك (٤) عن عبد الله ابن عصم أبي علوان الحنفي (٥) قال: سمعت أبا سعيد الخدري (٦) يقول: قال رسول الله ﷺ : "لا يحل لأحد يؤمن بالله واليوم الآخر، أن يحل صرار (٧) ناقة بغير إذن أهلها، فإنه خاتمهم عليها، فإذا كنتم بقفر (٨)، فرأيتم الوطب (٩) أو الراوية أو السقاء من اللبن، فنادوا أصحاب الإبل ثلاثًا، فإن سقاكم فاشربوا، وإلا فلا، وإن كنتم مرملين (١٠) "، قال أبو النضر: "ولم يكن معكم طعام فليمسكه رجلان منكم ثم اشربوا" (١١). وأما المعنى: فلأن النفس في العادة تتوق إلى أكل الثمار ما لا تتوق إلى اللبن والبر

стр. 830

ولهذا المعنى تأثير في الإباحة (١). يدل عليه: بيع العرايا وهو بيع الرطب بالتمر خرصًا؛ لأجل الحاجة (٢)، وإن كنا نعلم إن هذه حاجة شهوة وليست حال ضرورة قد سومح فيها (٣). فإن قيل: ما ذهبتم إليه يقضي إلى استئصال جميع الثمرة؛ لأنه قد يتكرر المجتازون بها فيأكلونها (٤). قيل: لا يفضي إلى ذلك؛ لأن العادة أن صاحبها يلقطها أولا فأولًا، وإن تصور هذا جاز أن يمنع ما تكرر من ذلك كما يقول إذا اضطر إلى طعام غيره؛ جاز أن يأكل ما لم يكن بصاحبه مثل ضرورته فيكون أولى وعلى أن هذا يلزم عليه الأكل من طعام الغنيمة يجوز وإن أفضى إلى ذلك (٥). فإن قيل: فما معنى قول أحمد في رواية الميموني ويعقوب: لا يرمي ويأكل مما سقط، وقال في رواية أبي طالب: يأكل مما تحت الثمرة فإن لم يكن تحت الثمرة شيئًا لم أسمع أنه يصعد (٦). قيل: إنما منع من رمى النخلة؛ لأنه يخدرها ويفسدها ولم يقصد منع لقطها؛ لأنه قد قال في رواية بكر بن محمد: إن كان تمرًا في نخل أو إبل في صحراء أو سنبل قائم أكل منه، فقد أجاز الأكل من النخل ومن السنبل في حال قيامه (٧).

стр. 831

١٣١ - ١٦ مسألة: الضيافة على المسلمين بعضهم لبعض واجبة إذا اجتاز بهم المسافرون، ومدة الواجب منها ليلة والمستحب ثلاثًا، ومتى امتنع المقيم من ذلك كان دينًا في ذمته، نص على هذا في رواية حنبل؛ فقال: وعلى المسلمين الضيافة قد أمر النبي ﷺ بذلك وهو دين عليه إن شاء اقتضى وإن شاء ترك، وليس له أن يأخذ شيئًا لا يعلم أهله ولهم مطالبتهم بحقه الذي جعل له، فقيل له: كم مقدار ما يقدر له؟ قال ما يمونه في الثلاثة الأيام والليلة حق واجب (١). وقال في رواية الأثرم (٢) وإبراهيم بن الحارث (٣): الضيافة مؤكدة وكأنها على أهل الطريق أو القرى الذين يمر بهم الناس، فأما نحن فكأنه ليس مثل أولئك (٤). وقال أبو حنيفة (٥)، ومالك (٦)، والشافعي (٧) هي مستحبة غير واجبة (٨). دليلنا: ما روى أحمد في المسند بإسناده عن عامر (٩) عن أبي كريمة (١٠) رجل من أصحاب النبي ﷺ قال: قال رسول الله ﷺ "ليلة الضيف واجبة على كل مسلم، فإن أصبح بفنائه محرومًا، كان دينًا له عليه، إن شاء اقتضاه، وإن شاء تركه" (١١).

стр. 832

وروى أبو بكر بإسناده عن المقدام بن أبي كريمة (١) قال: قال رسول الله ﷺ "ليلة الضيف حق واجب، فإن أصبح بفنائه فهو دين عليه إن شاء اقتضى الدين، وإن شاء تركه" يعني إذا لم يضف. وروى شيخنا في كتابه عن شعبة (٢) قال: حدثني أبو الجودي (٣) عن سعيد بن أبي المهاجر (٤) عن المقدام أبي كريمة قال: قال رسول الله ﷺ : "أيما رجل أضاف قوما، فأصبح الضيف محرومًا، فإن نصره حق على كل مسلم، حتى يأخذ بقرى ليلة من زرعه وماله" (٥). ونقل أيضًا عن عقبة بن عامر (٦) قال: قلنا يا رسول الله إنك تبعثنا فننزل بقوم فلا يقرونا، فما ترى؟ فقال لنا رسول الله ﷺ : " إن نزلتم بقوم فأمروا لكم بما ينبغي للضيف فاقبلوا، وإن لم يفعلوا فخذوا منهم حق الضيف الذي ينبغي لهم" (٧). وروى أيضا عن أبي شريح (٨) أن النبي ﷺ قال: "الضيافة ثلاثة أيام جائزة يوم وليلة فما أنفق بعد ذلك فهو صدقة ولا يحل له أن يثوي عنده حتى يحرجه" (٩). وهذه الأخبار

стр. 833

نصوص في وجوب الضيافة من وجوه: أحدها: قوله: "ليلة الضيف حق فجعلها حقًا عليه. والثاني: قوله: "فإن أصبح بفنائه فهو دين عليه إن شاء اقتضى الدين، وإن شاء تركه"، ولهذا لا يجوز إلا فيما حق واجب. والثالث: قوله: "نصرته حق على كل مسلم حتى يأخذ بقرائه من زرعه"، فأوجب نصرته على المسلمين ليتوصل إلى قدر نفقته في يومه وليلته وهذا أيضًا لا يكون إلا فيما هو واجب (١). فإن قيل: هذا كان في صدر الإسلام ثم نسخ (٢). قيل: النسخ يحتاج إلى دليل، وأيضًا فإنها ضيافة تدعو الحاجة إليها في الغالب فكانت واجبة. دليله: الضيافة على أهل الذمة للمسلمين. وأصله الضيافة في وقت النبي ﷺ ، وقد ثبت: "أن عمر بن الخطاب ﵁ ضرب على أهل الذمة ضيافة ثلاثة أيام"، وفي رواية أخرى "ضيافة ليلة" (٣)؛ ولأن فيه ضربًا من المصلحة وهو أنه متى لم تجب الضيافة فإن نزل بأهل القرية موسر لم يبايعون إلا بزيادة في القيمة لحاجته، وإن نزل بهم فقير لم يضيفوه فيقضي إلى انقطاع طريق المسلمين فجاز أن يجب (٤). فإن قيل: إذا شرطه على أهل الذمة صار جزية (٥).

стр. 834

قيل: لو كان جزية لم يجز للإمام إسقاطه كما لم يجز له النقصان من الدينار (١). فإن قيل: ففي صدر الإسلام كان بهم فاقة (٢) (٣). قيل: والمسافر به فاقة ولهذا يأخذ الزكاة (٤). واحتج المخالف: بما روي عن النبي ﷺ قال: "ليس في المال حق سوى الزكاة" (٥). والجواب: أن هذا محمول على غير الضيافة. واحتج بأنه: لما لم يستحقها الحاضر لم يستحقها المسافر على الحاضر (٦). والجواب: أن الحاضر غير محتاج والمسافر محتاج وليس يمنع إيجاب الحق في مال الغير عند الحاجة ولا يجب عند عدمها كالمضطر (٧). فإن قيل: فالمضطر ما يأخذه من الغير يضمنه (٨)، وعندكم أن ما يأخذه الضيف لا يضمنه (٩).

стр. 835

قيل: لا يمنع بأخذه بغير ضمان كالطعام والعلف في دار الحرب يتصرف فيه الغانمون لأجل الحاجة من غير ضمان (١). فإن قيل: لو كانت واجبة لوجب موضع النزول أيضًا؛ لأن الحاجة تدعوا إلى ذلك (٢). قيل: هكذا نقول؛ لأن حاجتهم إلى المنازل كحاجتهم إلى الضيافة تقيهم الحر والبرد والذي يقتضي أن يكون موضع النزول في المساجد؛ لأن عمر ﵁ شرط على أهل الذمة النزول في بيعهم وكنائسهم فإن لم تسعهم المساجد نزلوا في فضول منازل ذي الحاجة فإن لم تسعهم نزلوا في غير المنازل، ولم يكن لهم أن يحولوا صاحب الدار عن داره فإن جاؤوا معًا أقرع بينهم، وإن غلب بعضهم فنزل كان أحق به (٣). واحتج بأنه: لما لم يلزمه الضيافة في الليلة الثانية والثالثة كذلك الأولى (٤). والجواب: أنه لا يمتنع أن لا يلزم فيما زاد على الأولى ويلزم في الأولى؛ كما لم يلزم الغسلة الثانية والثالثة ولزمت الأولى (٥)؛ وكما لم يلزم التسليمة الثانية عند مخالفنا، ولزمت الأولى (٦)، وكما لم يلزم التسبيحة الثانية والثالثة عندنا ولزمت الأولى (٧)، وعلى أنه إنما لزمت الأولى؛ لأن الحاجة تدعو إليها؛ لأن المسافر قد يرد إلى القرية في وقت يتعذر عليه شرى القوت فيه ويزول ذلك من الغد؛ لأنه يمكنه الطلب فلزمه ذلك في الأولى ولم يلزمه في الثانية (٨).

стр. 836

كتاب الأضحية (١) الأضحية مستحبة وليست بواجبة نص عليه في رواية أبي داود فقال: لا أقول فريضة ولكنه مستحب (٢)، وكذلك نقل ابن القاسم (٣) عنه أنه قيل له: إذا قال لنا رجل: الأضحى واجب؟ فقال: سبحان الله هذا حديث أم سلمة "من أراد منكم أن يضحي .. " (٤) إنما هو لمن أراد (٥)، وكذلك نقل حنبل عنه أنه قال: الأضحية ليست بواجبة، وهي سُنّة من رسول الله ﷺ (٦). وبهذا قال مالك (٧) والشافعي (٨).

стр. 837

قال أبو حنيفة: هي واجبة على الغني الحاضر (١). دليلنا: ما روى أحمد فيما ذكره أبو بكر الخلال في "العلل" قال: نا محمد بن جعفر قال: نا شعبة عن مالك بن أنس عن عمر -أو عمرو - بن مسلم (٢) عن سعيد بن المسيب (٣). عن أم سلمة عن النبي ﷺ قال: "من أراد أن ينحر في إهلال ذي الحجّة فلا يأخُذ من شعره وأظفاره" (٤). وروى أحمد قال: نا سفيان (٥) عن عبد الرحمن بن حميد (٦) سمع سعيد بن المسيّب عن أم سلمة عن النبي ﷺ : "إذا دخلت العشرُ فأراد رجُل أن يُضحي فلا يمسّ من شعره ولا من بشره" (٧). فوجه الدلالة: أنّه علّق الأضحية بالإرادة وما كان يجب بالشرع لا يُعلّقُ بالإرادة، بل يجبُ عليه أراده أو لم يُردهُ (٨).

стр. 838

فإن قيل: تعليقها بإرادته لا يدلُّ على نفي الوجوب؛ لأنّ الواجبات كلها معلقة بإرادتنا؛ وقد قال النبي ﷺ : "من أراد الجُمُعة فليغتسل" (١) والجمعة واجبة (٢). قيل: الواجبات غير متعلقة بإرادتنا (٣). بدليل: أنها تلزمنا وإن لم نُردها، وأما قوله: "من أراد الجُمُعة فإنّ هذا اللفظ يقتضي أنها غير واجبة وإنما أو جبناها بالإجماع (٤)، وأيضًا ما روى أبو إسحاق الشالنجي (٥) قال: نا أحمد بن موسى الصّبّيّ (٦) عن شريكٍ (٧) عن جابرٍ عن عكرمة عن ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ : "كُتبت علىّ الأضحى ولم يُكتب عليكُم" (٨). وروى أبو الحسن الدارقطني (٩) في كتاب الصلاة قال: نا الحسين بن إسماعيل (١٠)

стр. 839

قال نا محمد بن خلف (١) قال: نا شجاع بن الوليد (٢) قال: نا أبو جناب (٣) عن عكرمة عن ابن عبّاسٍ أنّ رسول الله ﷺ قال: "ثلاث هُنّ عليّ فرائضُ وهي لكُم تطوُّع: النّحرُ، والوترُ، وركعتا الفجر" (٤).

стр. 840

فإن قيل: هذا الحديثُ واهي السند ضعيف؛ لأن راويه أبان بن عياش (١) وقد رُوي عن شعبة أنه قال: لأن أزني سبعين زنية أحب إليّ من أن أروي عن أبان بن أبي عياش (٢). قيل: قد روينا هذا الحديث من طريق ابن أبي عيّاش، وهو الإسناد الذي رواه أبو الحسن الدارقطني فسقط السؤال (٣). فإن قيل: والذي يدلُّ على وهاه أنه ذكر فيه صلاة الضُّحى ولم يُرو أنّ النبيّ ﷺ صلّى صلاة الضُّحى في عُمُره إلا يوم الفتح؛ روت أمُّ هانيء (٤) أنه صلاها يومئذ (٥) فكيف يقول: "كُتبت عليّ الأضحى ولم تُكتب عليكُم" (٦) وهو لم يصلها في عُمُره إلا مرة؟ (٧). قيل: ليس في هذا اللفظ الذي رويناه صلاة الضحى وإنما فيه النحر والوتر وركعتا الفجر وعلى أنه لو كان فيه صلاة الضحى لم يدل ما ذكروه على ضعفه؛ لأنه يجوز أن يكون النبيُّ ﷺ كان يصليها قبل يوم الفتح ولم ينقل (٨).

стр. 841

فإن قيل: الأضحية ليست مكتوبة عندنا وإنما هي واجبة ونحن نفرق بين المكتوبة وبين الواجب (١)، ألا ترى أن يقول إن الوتر واجب وليس من المكتوبات والنبي ﷺ نفى كون الأضحية مكتوبة عندنا (٢). قيل: نحملُهُ على العموم فنقولُ: لم يُكتب فرضًا ولا واجبًا، ومن خصّه فيجب عليه إقامة الدليل. وأيضًا: فإنّ المسألة إجماع الصحابة (٣). وروى أبو إسحاق الشالنجي بإسناده عن أبي سريحة (٤) قال: لقد رأيتُ أبا بكر وعمر ﵄ لا يضحّيان (٥). وروى بإسناده عن إبراهيم (٦) وأبي وائل (٧) عن أبي مسعود (٨) قال: "إنّي لأدع- أو أهُمّ أن أدع - أُضحيتي وأنا مُوسر لكي يعلم جيراني أنه ليس عليّ بحتمٍ" (٩).

стр. 842

وروى أيضًا بإسناده عن عكرمة عن أبي هريرة أنه قال لأهله: "لولا أن تروا النّاس فتشره أنفُسُكُم للّحم ما ضحّيتُ"، فاشترى شاةً، وقال: "باسم الله، والله أكبر، اللهم هذه عن أبي هريرة وأهله" (١). وروى أحمد -في مسائل صالح- بإسناده عن عبد الله بن عُميرٍ (٢) قال: "أرسلني ابنُ عبّاسٍ أشتري له لحمًا بدرهم، وقال: من سألك فقُل: هذا ضحيّةُ ابن عبّاسٍ" (٣). وروى أيضًا أحمد بإسناده عن زياد بن عبد الرحمن (٤) عن ابن عمر قال: "ليس الأضاحي حتمًا، ولكنه سُنّة ومعروف" (٥). وروى أيضًا صالح بإسناده عن سُويد بن غفلة (٦) عن بلالٍ (٧) قال: "ما أُبالي لو

стр. 843

ضحّيتُ بذلك، ولئن أتصدّقُ على يتيمٍ أو مُغبرٍ فاهُ أحبُّ إليَّ من أن أُضحّي" (١). فإن قيل: روى عبيد الله بن أبي جعفر (٢) عن الأعرج (٣) عن أبي هريرة موقوفًا عليه، وقال: "من وجد سعةً فلم يُضحّ فلا يقربنّ مُصلّانا" (٤)، فقد خالف أبو هريرة هؤلاء (٥). قيل: قد رُوي عن أبي هريرة مثلُ قولنا، فإمّا أن يتعارضا فيسقُطا أو يكون موافقة مذهبنا أولى؛ لأنه يعضده قول الجماعة، والقياس أنها ذبيحة لا تجب على المسافر ولا تجب على المقيم.

стр. 844

دليله: ما ذكرنا (١). فإن قيل: لا يمتنع أن لا تجب على المسافر وتجب على المقيم. بدليل: إعتام الصوم وإتمام الصلاة (٢). قيل: إنما يفترقان في حقوق الأبدان فيخفف عن المسافر بعضها لما يلحقه من المشقة، فأما حقوق الأموال فلا يختلفان فيها. بدليل: زكاة المال وصدقة الفطر والعشر والكفارات والأضحية من حقوق الأموال فلم يختلفا فيها (٣). فإن قيل: كفارة الفطر في شهر رمضان لا تجب سفرًا وتجب حضرًا وهي حق مال (٤). قيل: السفر والحضر في ذلك سواء؛ لأن الفطر إذا كان مباحًا لم تجب الكفارة سواء كان في الحضر أو في السفر، وإن كان محرمًا فأفطر بالجماع وجبت الكفارة سواء كان في السفر أو الحضر، وإذا تحتم في السفر إذا أحرم به في الحضر وسافر وقلنا أنه لا يجوز له الفطر فمتى أفطر بوطءٍ لزمته الكفارة، وقد قال أحمد - في رواية مُثنّى بن جامع (٥) -: إذا نوى الصوم في السفر ثم وطئ لزمته الكفارة (٦). فإن قيل: العقيقة (٧) كانت في الجاهلية ثم فعلها المسلمون في أول الإسلام ثم نسخها

стр. 845

دمُ الأضحى فمن شاء فعل ومن شاء ترك فلا يُقاسُ عليها (١). قيل: العقيقة مستحبة عندنا غير منسوخة (٢). فإن قيل: العقيقة لا يُعتبر فيها السلامة من العيوب والأضحية يُعتبر فيها (٣). قيل: يُعتبر فيها السلامة من العيوب كما يُعتبر في الأضحية، وكل من لم تلزمهُ الأُضحية إذا كان مسافرًا لم تلزمه إذا كان حاضرًا. دليله: من لم يملك نصابًا (٤). فإن قيل: فرق بين من ملك نصابًا وبين من لا يملكه، ألا ترى أنهما مفترقان في وجوب الزكاة وافترقا في الأُضحية؟ (٥). قيل: إنما يفترقان في الحقوق المتعلقة بالأموال كالزكاة فأمّا ما يتعلق بالذّمم فلا يفترقان فيه؛ لأنه لا يُعتبر في وجوب تلك الحقوق النصابُ كالحج والنذور والكفارات والأضحية مما يتعلق بالذمم، فلم يفترق الحالُ بين الواجد للنصاب والعادم. وأيضًا لما كانت واجبةً لما سقطت بمضيّ الوقت إلى غير بدل كسائر الواجبات، ولا يلزم رمي الجمار والجمعة؛ لأن ذلك يسقط إلى بدل فبدل الجمعة الظهر وبدل الرمي الدم (٦). فإن قيل: الواجبات المؤقتة كلها تسقط بمضي الوقت وإيجاب القضاء يحتاج إلى دلالة؛ لأن القضاء فرض مبتدأ (٧).
следующие страницы →