← Фикх ханбали

Фикх ханбали · id 30057

التعليقة الكبيرة - أبو يعلى - من الأشربة للأيمان

القاضي أبو يعلى ابن الفراء

Полный текст (1 057 стр.). Показаны 876–915 · переход к 881.

стр. 876

والجواب: أنه يرويه سليمان بن موسى (١) عن ابن أبي حسين (٢) عن جبير بن مطعم عن النبي ﷺ . وقد قيل: أنه لم يسمع ابن أبي حسين من جبير بن مطعم إنما يروي عن شهر (٣) أكثر روايته فدل على أن الحديث واهٍ وعلى أن الخبر يقتضي ذبحًا واحدًا ونحن نقول أنه وقت لذبح واحدٍ وهو غير الأضحية كالهدي ويكون لتخصيصه بالذكر فائدة؛ لأن الذبح مستحب في هذه الأيام وليس كذلك سائر الأيام؛ لأن الذبح غير مندوب إليه فيها (٤). وقيل: في جوابه أيضًا أن قوله أيام التشريق كلها والمراد به: أكثرها لا جميعها كما قال تعالى: ﴿وَأُوتِيَتْ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ﴾ [النمل: ٢٣] ولم توت ملك سليمان، ولا شيئًا منه، وقال تعالى: ﴿فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ﴾ [الأنعام: ٤٤] ولم يفتح عليهم من باب الرحمة شيء، قال تعالى: ﴿تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ﴾ [الأحقاف: ٢٥] وما دمرت بيوت المؤمنين ولا السماوات والأرض (٥). واحتج: بنهي النبي ﷺ عن صيام ستة أيام وقال إنها أيام أكل وشرب ونحر (٦). والجواب: أن المعروف "وذكرًا" ثم نحمل ذلك على الهدايا ثم نحمله على أكثرها (٧). واحتج: بأنه يوم سن فيه الرمي أو يوم يصح فيه الرمي وكان وقتًا للأضحية كاليوم الأول والثاني (٨). والجواب: أن المعنى في الأصل أنه يجب فيه الرمي وهذا لا يجب فيه أو لأنه لا يباح له الرجوع إلى أهله فيه وهذا يباح له وعلى أن وقت الذبح غير معتبر بالرمي.

стр. 877

بدليل: أن الرمي يدخل وقته ليلة النحر بعد نصف الليل ولا يجوز الذبح فيه عندنا وعند مخالفنا، ولأن الرمي ضعف في هذا اليوم حتى جاز تركه فلم يكن وقتًا للذبح. واحتج: بأنه يوم من أيام منى فكان وقتًا للذبح (١). دليله: ما ذكرنا. والجواب: أن كونه يوم من أيام منى لم يدل على إيجاب الرمي فيه كذلك لا يدل على صحة الذبح فيه والمعنى في الأصل ما ذكرنا (٢). واحتج: بأنه يوم يستدام تحريم الصوم فيه فوجب أن يستدام جواز الذبح فيه أصله: ما ذكرنا (٣). والجواب: أن يوم الفطر يستدام تحريم الصوم فيه وليس بوقت للذبح والمعنى في الأصل ما تقدم (٤). ١٣٧ - ٦ مسألة: يجوز ذبح الأضحية والهدي ليلًا في أصح الروايتين نقلها يعقوب بن بختان (٥) والميموني (٦) فقال في رواية يعقوب لا يضحي بالليل فإن ذبح بالليل فلا بأس (٧)، وكذلك نقل الميموني يذبح بالليل إلا الأضحية أول يوم يذبح بالنهار وفيما سوى أول يوم متى شاء من ليل أو نهار (٨)، وبهذا قال أبو حنيفة (٩) والشافعي (١٠) وفيه رواية أخرى لا يجزئ ذبحها ليلًا ويكون عليه البدل وهو ظاهر ما نقله حنبل وصالح (١١)

стр. 878

والمروذي (١) فقال في رواية حنبل: لا يصح بالليل فكره ذلك (٢)، وكذلك نقل صالح النحر بالليل مكروه (٣)، ولذلك نقل المروذي لا يذبح بالليل (٤) وهو قول مالك (٥). وجه الأولة: قوله ﷺ : "لا يذبح إلا مسنة فإن عسر عليكم فاذبح الجذعة"، ولم يفرق بين الليل والنهار ولأنه أحد الزمانين فصح ذبح الأضحية في جنسه. دليله: النهار. واحتج المخالف: بما روي عن النبي ﷺ قال: "لا تذبحوا بالليل" (٦)، "ونهى أن يذبح الرجل ليلًا" (٧). والجواب: أن هذا محمول على طريق الاستحباب لئلا يتغير اللحم وينتن (٨). واحتج: بما روي عن جماعة من الصحابة قالوا: الذبح يوم النحر ويومان بعده فنصوا على الأيام (٩). والجواب: أن الأيام تطلق ويراد بها الليل قال تعالى: ﴿قَالَ رَبِّ اجْعَلْ لِي آيَةً قَالَ آيَتُكَ أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ إِلَّا رَمْزًا وَاذْكُرْ رَبَّكَ كَثِيرًا وَسَبِّحْ بِالْعَشِيِّ وَالْإِبْكَارِ﴾ [آل عمران: ٤١]، والمراد به الليالي والأيام (١٠).

стр. 879

واحتج: بأنها قربة تتعلق بالعيد تضاف إليه لا يجوز تقدمها قبله فلم يجز أن تفعل ليلًا كالصلاة (١). والجواب: أن وقت الذبح أعم ألا ترى أن جميع النهار وقت للذبح وليس بوقت للصلاة وكذلك ما بعده من يومي التشريق، ولأن صلاة الفطر عيد لا تجوز ليلًا وصدقة الفطر تجوز ليلًا (٢). واحتج: بأنه ذبح أضحيته وهديه ليلًا فلم تجز عنه (٣). دليله: إذا ذبح ليلة النحر. والجواب: أنه لم يجزه هناك؛ لأن وقت الذبح لم يدخل وهو صلاة الإمام ألا ترى أنه لو ذبح نهارًا بعد طلوع الفجر لم يصح (٤). واحتج: بأنه إذا ذبحها ليلًا أنتن اللحم وتغير وفات المقصود فيجب أن يمنع منه ولهذا قلنا يختص بالذبح الحرم ليلًا يؤدي إلى هذا المعنى إذا ذبح خارج الحرم وحمل إليه (٥). والجواب: إنه إنما يجوز له ذلك بشرط السلامة فإن فسد إلى الغد كان عليه ضمانه (٦). ١٣٨ - ٧ مسألة: يجوز أن يذبح الهدي والأضحية كتابي في أصح الروايتين نقلها حنبل (٧) فقال: لا بأس أن يذبح اليهودي والنصراني نسيكة المسلم والمسلم أحب إلي وهو اختيار أبي بكر (٨) وبه قال أبو حنيفة (٩) والشافعي (١٠) وفيه رواية أخرى لا يجوز أن

стр. 880

يذبح ذلك إلا مسلم نص عليه في رواية الميموني وابن منصور (١)، فقال في رواية الميموني لا يذبح الأضحية إلا مسلم فأما غير ذلك من أهل الكتاب فيذبح إلا المجوس (٢) وكذلك نقل ابن منصور أنه سئل هل يذبح أهل الكتاب للمسلمين فقال: أما النسك فلا (٣) وهو قول مالك (٤). وجه الرواية الأولى أن كل من كان من أهل الذكاة جاز أن يتولى ذبح الأضحية والهدي كالمسلم، ولأن القربة إنما يعتبر في الأضحية حال إيجابها ونذرها دون حالة الذبح (٥). بدلالة: أن من نذر أضحية ثم نسي فذبحها وهو يظن أنها شاة لحم أجزأت وإن كانت القربة معدومة منه حال الذبح وأكثر ما في ذبح الكافر عدم القربة منه فلم يؤثر ذلك. واحتج المخالف: بما روي عن النبي ﷺ أنه قال: "إنا لا نستعين بمشرك". والجواب: أن هذا محمول على غير مسألتنا (٦). يبين صحة هذا: أن هذا الخبر ورد على سبب وهو أن مشركًا أراد أن يغزو مع النبي ﷺ فقال النبي ﷺ : "إنا لا نستعين بمشرك". واحتج: بما روى عكرمة عن ابن عباس أن رسول الله ﷺ قال: "لا يذبح أضاحيكم إلا طاهر" (٧)، وأراد بذلك المسلم؛ لأن النجس لا يمنع من الذبح (٨).

стр. 881

الجواب: إن هذا محمول على الاستحباب دون الإيجاب (١). واحتج: بأن ما لم يجز أن يتقرب به الكافر عن نفسه لم يجز أن يفعله عن غيره كالحج (٢). والجواب: أنه باطل بتفرقة لحم الأضحية فإنه لا يصح فعله عن نفسه على وجه القربة ويجوز أن يفعله عن غيره على طريق الوكالة ثم المعنى في الحج أنه لا يقع إلا على جهة القربة فلم يصح أن يتولاه الكافر والذبح قد يقع على غير جهة القربة وهو حال النسيان فصح أن يتولاه الكافر (٣). واحتج: بأنه كافر فلم يصح أن يذبح الهدى والأضحية كالمجوسي (٤). والجواب: أن المجوسي ليس من أهل الذكاة ألا ترى أنه لا يصح منه ذبح غير الأضحية وهذا من أهل الذكاة فكان من أهل الأضحية كالمسلم (٥). فإن قيل: فذبح اليهودي يفضي إلى تحريم جزء منها وهو الشحوم المحرمة عليهم ولا يجوز تفويت جزء منها (٦). قيل: لا فرق عند هذا القائل بين أن يليها نصراني لا يوجب تحريم شيء منها وبين اليهودي الذي يوجب تحريم ذلك على أن فوات جزء منها لا يمنع القربة كالجزء الذي يأكله صاحب الأضحية (٧). ١٣٩ - ٨ مسألة: إذا اشترى شاة ونوى في حال الشراء أن تكون أضحية لم تكن أضحية إلا أن يوجبها بالقول أومى إليه في رواية صالح (٨) وعبد الله (٩) إذا اشترى الشاة

стр. 882

فماتت فإن أوجبها وسمى أنها أضحية ذبحت عنه، وظاهر هذا أن الإيجاب يتعلق بالتسمية، وهو ظاهر كلام الخرقي (١)؛ لأنه قال: وإيجابها أن يقول هي أضحية، وهو قول الشافعي (٢)، قال أبو حنيفة: تكون أضحية بالنية (٣). دليلنا: أنه عقد قربة يصح بالنطق فلا يصح بالشراء مع النية (٤). أصله: الوقف والعتق بالصفة وذلك أنه لو ابتاع عبدًا ونوى عتقه أو ابتاع أرضًا ونوى إيقافها لم يعتق ولم تصر وقفًا (٥) ولا يلزم عليه إذا اشترى عروضًا بنية التجارة أن الحول ينعقد بذلك ويجب إخراج الزكاة منه إذا تم الحول؛ لأن ذلك لا يصح بالنطق؛ لأنه إذا ملك المتاع بنية القيمة ثم قال جعلته للزكاة لم يصر للزكاة ولم ينعقد الحول عليه بهذا القول، عندهم (٦) وعندنا، على إحدى الروايتين (٧)، ولا يلزم عليه شراء الوكيل للموكل بالنية أنه يصح له، وكذلك شراء الوصي للرقبة الموصى بعتقها بالنية أنه يتعين بذلك؛ لأنه ليس بقربة (٨). وقيل: بأن جعلها أضحية سبب يزيل الملك على وجه التقرب إلى الله والابتياع بسبب يحصل به الملك فلم يجز اجتماعهما لتضادهما، كما أن الرجل إذا ابتاع عبدًا ونوى إعتاقه حال الابتياع لم يعتق؛ لأن العتق يزيل الملك والابتياع يجلب الملك (٩)، والمخالف يمنع هذا الوصف ويقول إيجاب الأضحية لا يقتضي إزالة الملك عندنا وإنما يقتضي تغيير الواجب فيها، فهو مثل أن يشتري عبدًا ينوي أن يعتقه عن كفارة ظهار أنه يتعين، ولا يجوز العدول عنه، فأما العتق فإنه يزيل الملك ولا تأثير للنية في

стр. 883

إزالة الملك فلهذا لم يعتق عليه، ولأن النذر في إزالة الملك عن العين على وجه القربة فوجب أن يفتقر إلى اللفظ كما لو وقف وأعتق (١). واحتج المخالف: بما روي عن النبي ﷺ أنه أمر حكيم بن حزام أن يشتري له أضحية (٢) فلو لم تصر أضحية بالشراء لما أمره بشرائها (٣). والجواب: أنه أمره بشرائها ليضحي بها في الثاني وسماها أضحية على عادة العرب في لغتها باسم الشيء ما يؤول إليه كما قال الله تعالى: ﴿إِنِّي أَرَانِي أَعْصِرُ خَمْرًا﴾ [يوسف: ٣٦]، وقوله تعالى: ﴿إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ﴾ [الزمر: ٣٠]. ويدل عليه: أنه سماها أضحية في حال الشراء ولا يكون هذا إلا على ما ذكرنا (٤). واحتج: بقوله ﷺ : "وإنما لامرئ ما نوى". والجواب: أن هذا محمول على غير مسألتنا بما ذكرنا (٥). واحتج: بأن من له يسار فهو مأمور بأن يضحي فإذا اشترى شاة بنية الأضحية تعين المأمور في الشراء، كما لو أمر رجلًا أن يشتري له شاة فاشتراها ونوى أن يكون للأمر تعين المأمور في المشترى، وكما لو أوصى بأن يشتري له رقبة فاشترى الوصي رقبة ونوى أن يعتقها عن الميت تعينت الوصية في المشتراة (٦). والجواب: أن الإنسان مندوب إلى العتق بقوله ﷺ : "من أعتق رقبة أعتق الله عنه بكل عضو منها عضوًا من النار" (٧) ثم ثبت أنه لو ابتاع عبدًا ينوي عتقه لم يتعين عليه عتقه

стр. 884

وكذلك الوقف ثم لا يصح هذا فيما استشهدوا به من الوكيل وذلك أن الملك هناك يقع للوكيل عندهم ويتعلق حقوق العقد به فلا معنى لقولهم أنه يتعين الشراء للمأمور وعلى أنه لما لم يصح أن يجعله لموكله بلفظه بعد دخوله في ملكه لهذا جاز أن يصرفه إليه بالنية في حال الشراء، وكذلك الوصي، وكذلك عروض التجارة، وليس كذلك الأضحية فإنه يمكنه أن يجعلها أضحية بلفظه بعد دخولها في ملكه فلم يجز أن يصرفها إلى الأضحية بالنية حال الشراء (١). واحتج: بأنه لو ساق بدنة وقلدها قام ذلك مقام الإيجاب بالقول كذلك إذا اشتراها منه للأضحية يجب أن يقوم ذلك مقام الإيجاب بالقول (٢). والجواب: أنا لا نسلم وإنما اختلفت الرواية عنه هل يصير محرمًا بتقليدها وسوقها فنقل الأثرم (٣): لا يصير بذلك، ولا بالتلبية وإنما يصير بالنية (٤) ونقل عبد الله فيمن قلد وأشعر فقد أحرم (٥). ١٤٠ - ٩ مسألة: يجوز شرب لبن الأضحية والهدي إذا استغنى عنه الولد نص عليه في رواية علي بن سعيد (٦) (٧) فقال: ويشرب من لبن الأضحية إذا لم يجحف بها (٨) وهو قول الشافعي (٩): قال أبو حنيفة لا يجوز شرب لبنها، ولا ينتفع بها في حياتها بجز صوفها، وحلب لبنها (١٠). دليلنا: قوله تعالى: ﴿لَكُمْ فِيهَا مَنَافِعُ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى ثُمَّ مَحِلُّهَا إِلَى الْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾

стр. 885

[الحج: ٣٣]، قال عطاء: الأجل المسمى نحرها، والمنافع شرب لبنها (١) ورُوي أن علي بن أبي طالب رأى رجلًا يسوق بدنة معها ولدها فقال: "لا تشرب من لبنها إلا ما فضل عن ولدها، فإذا كان يوم النحر فانحرها وولدها" (٢) ولا يعرف له مخالف، ولأنه انتفاع لا يضر بالأم والولد، وفي ترك الانتفاع به إتلاف له فجاز ذلك كالركوب، ولا يلزم عليه الشعر؛ لأنه لا يتلف بترك الانتفاع به بل يبقى إلى وقت الذبح، ولأن اللبن إن ترك في الضرع أضر بالأضحية وأحدث لها وجعًا وسقمًا وإن حلبها لم يبق اللبن إلى المحل وفسد فرخص له في شربه، ويخالف الولد والصوف فإنهما لا يوجد فيهما هذا المعنى؛ فإن الولد يمكن سوقه، والصوف لا ضرر عليه في تركه (٣). فإن قيل: يرش عليه ماء باردًا فينقطع اللبن (٤). قيل: لا نعلم صحة ذلك، على أن الحلب والانتفاع به خير من قطعه (٥). واحتج المخالف: بأن اللبن متولد من الأضحية فهو كالولد والصوف (٦)، وقد نص أحمد في رواية حنبل (٧) ومحمد بن موسى (٨) في الأضحية إذا ولدت عنده نحرها وولدها (٩)، وقال في رواية ابن منصور (١٠) يكره جز صوفها إلا أن يطول (١١).

стр. 886

والجواب: عنه ما ذكرنا من الإضرار بها إذا لم يحلب لبنها (١). واحتج: بأنه ممنوع من الانتفاع بصوفها فمنع من الانتفاع بلبنها. أصله: جزاء الصيد والجناية (٢). والجواب: أنه إن كان القياس عليه قبل التسليم إلى الفقراء فنظيره ههنا أن يحصل الذبح ويدفع إلى الفقراء فلا يجوز له أن يعود في شيء منه (٣). ١٤١ - ١٠ مسألة: فإن ولدت الأضحية ذبح ولدها كما يذبحها نص عليه في رواية حنبل (٤) ومحمد بن موسى (٥) خلافًا لأبي حنيفة في قوله: يتصدق بالولد؛ فإن ذبحه فنقص بالذبح تصدق بمقدار النقصان (٦). دليلنا: أن هذا الحكم ثبت للولد على طريق السراية، فيجب أن يسري إليه ما تعلق بالأم، كولد أم الولد (٧). واحتج المخالف: بأن سنه ناقص عن سن الضحايا فلم يجز عن الأضحية كما لو عينه ابتداءً (٨). والجواب: أنه لا يجوز اعتبار إفراده بالحكم به إذا كان على وجه البيع كالحمل لا يصح إفراده بالبيع ويصح تبعًا (٩).

стр. 887

١٤٢ - ١١ مسألة: لا يجوز بيع جلد الأضحية نص عليه في رواية حنبل (١) فقال: لا يباع جلد الأضاحي ولا يعطى للجازر بأجرته وينتفع بها، ونحو ذلك نقل أبو طالب (٢) والميموني (٣) وإسحاق بن منصور (٤) وجعفر بن محمد (٥) في إحدى الروايات. وفيه رواية ثانية يجوز بيعه بدراهم ويتصدق بها نص عليه في رواية ابن منصور (٦) وقد سأله عن جلود الأضاحي ما يصنع بها قال: ينتفع بها ويتصدق بها ويبتاع ويتصدق بثمنها حديث ابن عمر (٧). وفيه رواية ثالثة يجوز بيعها بقماش البيت نص عليه في رواية أحمد بن القاسم (٨) (٩) فقال في جلد الأضحية: يستحب أن يكون منها في المحل أو الشيء مما يستعمل في البيت. وفيه رواية رابعة يجوز بيع جلود الإبل والبقر ويتصدق به ولا يباع جلد الشاة نص عليه في رواية جماعة (١٠) فقال في رواية جعفر بن محمد (١١) وقد سأله عن جلد البقرة فقال: رُوي عن ابن عمر أنه قال: "يبيعه ويتصدق به"، وهو مخالف بجلد الشاة يتخذ منه مصلى وهذا

стр. 888

لا ينتفع به في البيت جلد البقرة يبلغ كذا (١)، وقال في رواية الميموني (٢) في مسك البدن يباع ويتصدق بثمنه؛ لأن جلد البعير والبقرة ليس ينتفع به أحد وجلد الشاة يتخذ لضروب (٣). وقال في رواية الأثرم (٤) ابن عمر كان يقول في جلد البقرة يباع ويتصدق به كأنه يذهب إلى أن يمنعه كثير (٥). قال أبو بكر الخلال في كتابه ما حكاه ابن القاسم من أنه يستحب أن يكون فيها المنجل العمل عنده على ما رواه أبو طالب وغيره أن لا يباع أصلًا إلا جلد البقرة (٦). وقال مالك والشافعي لا يجوز بيعها على الإطلاق (٧) وقال أبو حنيفة: يشتري به متاع البيت (٨)، قال محمد مثل الغربال (٩) والمنجل (١٠)، ولا يشتري به ما يؤكل (١١). دليلنا: ما روى أبو بكر الأثرم بإسناده عن علي كرم الله وجهه قال: "أمرني رسول الله ﷺ أن أقوم على بدنه، وأمرني أن أقسم جلودها وحلالها ولا أعطي الجازر منها شيئًا (١٢) فوجه

стр. 889

الدلالة أنه أمره بقسمة الجلود والأمر يقتضي الوجوب وبيعها يمنع قسمتها (١). فإن قيل: أجمعنا على أنه لا يجب قسمة الجلد؛ لأن له أن ينتفع بها في البيت بأن يجلس عليها بعد دباغها (٢). قيل: إنما يجوز ذلك في التطوع فأما ما نذرها وجعلها أضحية فلا يجوز على اختلاف في المذهب على أنه مأمور بقسمتها بحديث علي ويجوز له الانتفاع بها بالإجماع (٣) فصار مخيرًا بين القسم وبين الانتفاع فلا يجوز أن يعدل إلى قسم ثالث وهو البيع، كما في قول النبي ﷺ في السمن إذا ماتت فيه الفأرة: "وإن كان جامدًا فألقوها وما حولها وإن كان ذائبًا فأريقوه" (٤)، وقد دل الدليل على جواز الاستصباح به فخيرنا بينهما ومُنعنا من البيع؛ لأنه قسم ثالث لم يدل الدليل عليه. وروى الأعرج (٥) عن إبراهيم (٦) من باع جلد أضحيته فلا أضحية له (٧)، وأيضًا فإن ما لا يجوز بيعه بغير متاع البيت لم يجز بيعه بمتاع البيت. أصله: اللحم، ولأنه جزء من أجزاء الأضحية فلا يجوز بيعه كاللحم، وذكر

стр. 890

أبو الحسين البغدادي في تجريده (١) أنه يجوز بيع اللحم بما ينتفع به في البيت لكن الأفضل في اللحم الأكل والصدقة؛ لأن منفعته تتعجل (٢). واحتج المخالف: بأن بيعه بقماش البيت أنفع للفقراء من قسمته بينهم؛ لأنه ينتفع بذلك القماش بالعارية الفقراء والجيران فهو أبلغ (٣). والجواب: أن هذا يوجب بيع اللحم بقماش البيت؛ لأنه أنفع من الوجه الذي ذكروا، ومع هذا فلا يجوز (٤). واحتج: بأنه مخير بين الاستمتاع والصدقة فجاز أن يتعوض عنه بما ينتفع به كاللقطة (٥). والجواب: أنه يبطل باللحم وأما اللقطة فقد ملكها (٦). ١٤٣ - ١٢ مسألة: إذا نذر أن يضحي بشاة بعينها فلم يذبحها حتى مضت أيام النحر ذبحها وفعل بها ما كان يفعل في وقتها نص عليه في رواية الحسن بن ثواب (٧) وأبي الحرث (٨) عنه في الأضحية والبدنة تضيع فيشري غيرها ثم يجدها ينحرهما جميعًا وإن كان في غير أيام التشريق (٩)، وبهذا قال الشافعي (١٠). وقال أبو حنيفة: إذا مضت أيام الذبح

стр. 891

سقط الذبح ولزمه أن يتصدق بها وإن ذبحها بعد أيام النحر تصدق بها وبالنقصان الحادث بالذبح (١). دليلنا: أن الذبح واجب في أداء الأضحية وكل ما وجب في أداء العبادة وجب في قضائها (٢). دليله: شرائط الصلاة والصيام والحج فإن ما يجب من فعل أو قول يستوي فيه الأداء والقضاء كذلك ههنا، ولا يلزم عليه الجمعة أنه لا يعتبر في قضائها ما يعتبر في أدائها من الخطبة والعدد؛ لأن الجمعة تسقط بفواتها ولا يجب قضاؤها وإنما يجب بالانتقال إلى بدلها وهو الظهر؛ لأن الفرض في يوم الجمعة هو الجمعة، ولا يلزم عليه من فاتته صلاة في الحضر فأراد قضاءها في السفر فإنه يقضيها عندنا صلاة حضر كما كان يؤديها، ولا يلزم عليه الصلاة إذا فاتت أنه يسقط الأذان في القضاء؛ لأن الأذان ليس بواجب في الأداء فلم يجب في القضاء، وعلى أنا نستحب في الفائتة إذا كانت واحدة كما نستحبه في الأداء، وإنما لا نستحبه في الكثرة كما لا نستحبه للصلاة الثانية من المجموعتين ونستحبه للأولى (٣). فإن قيل: الأضحية لا تقضى عندنا بل تسقط بفوات وقتها قبل إخراجها إلى أهلها واجب بالإجماع (٤)؛ لأن النذر المتقدم فدل على أنها لم تسقط (٥). فإن قيل: فعندكم لا يجب إخراج الأضحية، ويجوز له أكل جميعها (٦). قيل: إذا تطوع بالأضحية وجب عليه أن يتصدق بجزء منها ولا يجوز له تركه وهذا ظاهر كلام أحمد في رواية حنبل (٧) والمروذي (٨) يأكل ثلثًا ويهدي ثلثًا ويتصدق بثلث،

стр. 892

وهذا في الأضحية التي يتطوع بها، فأما الأضحية التي نذرها وأوجبها على نفسه فالمنصوص عن أحمد أنه لا يجوز له أن يأكل من النذر شيئًا (١)، وذكر أبو بكر في كتاب التفسير يجوز له أن يأكل منها (٢) وإذا ثبت هذا كانت تفرقة لحمها على الفقراء واجبًا في حال الأداء وفي الوقت وفي حال القضاء، وقياس آخر وهو أن كل وقت وجب إخراج الأضحية إلى أهلها فيه وجب ذبحها فيه (٣). أصله: يوم النحر وأيام التشريق (٤). فإن قيل: المعنى في تلك الأيام أن الذبح قربة فيها وليس بقربة في غيرها فلهذا سقط (٥). قيل: لا نسلم أنه ليس بقربة بل هو قربة وإن لم تكن أضحية ولم يكن الثواب فيه كالثواب في ذبح الأضحية في وقتها؛ لأنه إذا كان يستحب تفرقة اللحم في كل وقت فالذبح الذي لا يتوصل إلى اللحم؛ لأنه يجب أن يثاب عليه فيكون اختصاص إراقة الدم بهذه الأيام يكون زيادة الثواب وتأكيد الترغيب فيها. وقياس آخر، وهو أن النحر أحد مقصودي الأضحية فلم يسقط بفوات الذبح كالتسليم إلى المساكين (٦). واحتج المخالف: بما روي عن علي وابن عباس وابن عمر أنهم قالوا أيام النحر ثلاثة أفضلها أولها فلو كان الذبح بعد مضي هذه الأيام قربة لم يكن لتخصيص هذا الحكم بها معنى (٧). والجواب: أنهم أرادوا بذلك أيام الأداء لو أرادوا في غير المنذور (٨).

стр. 893

واحتج: بأن هذه عبادة مؤقتة لا يتطوع بمثلها في غيره من الأوقات فوجب أن تسقط بفوات وقتها كالرمي والوقوف وصلاة الجمعة (١). والجواب: إنا لا نسلم أنه لا يصح التطوع بمثلها لما بينا، وهو أنه يثاب في الذبح المتطوع به وعلى تفرقة اللحم وإن لم يكن أضحية ولم يكن ثوابها كثواب الأضحية في وقتها (٢). وجواب آخر: وهو أنه لا يمتنع أن لا يتطوع بمثلها في غير وقتها ويصح فعل الواجب فيه كما قالوا: إذا اصفرت الشمس صحت العصر وإن لم يصح شيء من التطوع، ولأنه إن لم يصح منه التطوع في هذا الوقت فقد صح منه الفرض (٣). بدليل: أنه لم يصح منه جزاء الصيد وفدية الأذى واللبس والطيب وذبح هدي القران والتمتع والقضاء واجب، فكان اعتباره بهذه الذبائح الواجبة أولى ثم المعنى في الرمي والوقوف والجمعة أنه يسقط بفوات وقته والأضحية المنذورة لا يسقط؛ لأن إيصالها إلى أهلها واجب بالنذر المتقدم فبان الفرق بينهما (٤). واحتج: بأنه نسك مؤقت بأيام النحر لا تعلق له بالبدن فوجب أن يسقط بفوات الوقت (٥). دليله: الصيد ورمي الجمار وإذا سقط الذبح تصدق بها على جهتها؛ لأن الإيجاب تعلق بهذه العين على وجه القربة بالذبح والذبح يسقط؛ لأنه خرج من أن يكون قربة فوجب عليه أن يتصدق بها (٦). والجواب: أن تأتيته توجب لا موجب سقوطه بفوات وقته يدل عليه الصلاة والصيام فإنه لا يسقط بفوات الوقت إلى غير بدل كذلك ههنا، ثم المعنى في الأصل ما تقدم وهو

стр. 894

أن صلاة العيد والرمي يسقط بفواته والأضحية المنذورة لا يسقط إيصالها إلى أهلها (١). ١٤٤ - ١٣ مسألة: إذا ذبح أضحية غيره بغير إذنه ونواه بها أجزأت عن صاحبها ولا ضمان عليه، وهذا ظاهر كلام أحمد في رواية الأثرم في رجلين ضحى هذا بأضحية وهذا بأضحية هذا يترادان اللحم ويجزئ (٢)، وقال ابن منصور: قلت لأبي عبد الله: إذا ذبح الرجل أضحية غيره غلط بها يجزيه، وقد ضمن ولا يجزي عن الآخر قال أحمد يترادان اللحم وقد أجزأ عنهما إذا ذبح هذا أضحية هذا وهذا أضحية هذا (٣)، فظاهر هذا أنه حكم بالإجزاء عن صاحبها ولم يوجب الضمان (٤) وبه قال أبو حنيفة (٥)، وقال ابن القصار المالكي: عندنا أن هذا يفضل فإن لم تكن واجبة فهل يجزئ عن صاحبها على روايتين، وإن كانت واجبة أجزأت عن صاحبها (٦) وهل يغرم الذابح النقصان بالنقص على احتمال في المذهب واختار أنه لا يضمن (٧). وقال الشافعي: تجزئ عن صاحبها ويضمن الذابح النقصان فيتصدق به (٨). وقال داود: لا تجزئ عن صاحبها وتكون ميتة، وكذلك إذا غصب شاة فذبحها أو غصب سكينًا وذبح بها (٩). فالدلالة على أنها مباحة مجزية: قوله: ﴿إِلَّا مَا ذَكَّيْتُمْ﴾ [المائدة: ٣].

стр. 895

والذكاة في اللغة: العقر وقد وجد ذلك، وفي الشريعة في الحلق واللبة بقوله ﷺ : "الذكاة في الحلق واللبة"، وقد وجد ذلك فهو عموم في المأذون وغيره، وكذلك قول النبي ﷺ : "ما أنهر الدم فكل"، وهذا عام، ولأن هذا الذابح مأذون له من جهة العرف؛ لأن الناس لا يتولون ذبح أضاحيهم بأنفسهم وإنما يتولى لهم غيرهم، وإذا كان مأذونًا له يجب أن تكون مباحة، ولأن القربة بإيجابها، ولا يعتبر التقرب بذبحها. بدليل: أن الإيجاب لا يصح إلا ممن هو من أهل الإيجاب، والذبح لا يفتقر إلى نية (١). بدليل: أنه لو ذبحها يعتقدها شاة لحم أجزأته (٢). واحتج المخالف بقوله ﷺ : "من عمل عملًا ليس عليه أمرنا فهو رد" (٣)، ولا خلاف أن ذبح شاة الغير بغير إذن صاحبها ليس عليه أمر النبي ﷺ (٤). والجواب: إن ذبح أضحية الغير عليه أمره لما بينا أنه مأذون له من جهة العرف على أن هذا محمول على غير مسألتنا (٥). واحتج: بأن الأصل في البهيمة التحريم فلا يثبت إباحتها إلا بدليل (٦). والجواب: أنا نقابله فنقول الأصل في هذه البهيمة أنها مال ويجوز ثبوت اليد عليها ومحكوم بطهارتها فمن زعم أنها قد خرجت عن حكم المال بهذا الذبح ووجب رفع اليد عنها ويحكم بنجاستها فعليه الدليل (٧).

стр. 896

فصل والدلالة على نفي الضمان أنها أضحية واقعة موقعها مجزية عن صاحبها، فوجب أن لا يجب الضمان على ذابحها كما لو ذبحها بإذن صاحبها، وكما لو ذبحها صاحبها أنه لا يضمن النقصان ولا يلزم عليه إذا نذر أضحية غير معينة فذبح غيره شاة من غنمه أنه يضمن؛ لأنها لا تجزئ عن صاحبها ولا يلزم عليه شاة القصاب إذا ذبحها غيره بغير إذنه أنه يضمن لقولنا أضحية، وأيضًا فإن العادة قد جرت بأن الناس لا يتولون ذبح أضاحيهم بأنفسهم، وإنما يتولى لهم غيرهم، وإذا كان كذلك صار الذابح كالمأذون له من جهة العادة فلا يضمن وهذا كما قلنا فيمن قدم طعامه إلى بين يدي قوم فأكلوا لم يضمنوا وصاروا كالمأذون لهم من جهة العادة، وكذلك من رمى القمامات في الطريق فأخذ إنسان لم يضمن لهذه العلة ولا يلزم عليه شاة القصاب؛ لأن العادة لم تجربأن يتولى له ذبحها غيره (١). فإن قيل: العادة ههنا مختلفة؛ لأن من الناس من يتولى الذبح بنفسه ويراه قربة ومنهم من يولي غيره ولا يجوز أن يتفق الجميع على ترك الأفضل والقربة وقد روى عمران بن حصين قال: قال رسول الله ﷺ : "يا فاطمة قومي فاشهدي أضحيتك فإنه يغفر لك بأول قطرة تقطر من دمها كل ذنب عملتيه وقولي: إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين لا شريك له" (٢).

стр. 897

قيل: لو كان هذا المعنى مقصودًا لم يوله النبي ﷺ غيره وقد ثبت أنه ولى عليًا كرم الله وجهه ذبح بدنة، ولأنه لو كان المعنى الموجب للضمان ما ذكرته لوجب إذا كان صاحبها حاضرًا فتولى غيره ذبحها بغير أنه لا يضمن؛ لأن الغرض قد حصل له (١). فإن قيل: فالعادة جارية أن من اشترى شاة للأكل أو فروجًا للمريض أنه لا يتولى ذبح ذلك بنفسه، ومع هذا فلو سبق رجل فذبحها عنه بغير إذنه ضمن كذلك ههنا (٢). قيل: ذلك الذبح ليس له وقت معين وحاده حادية في طلب تعجيل الذبح وكذلك شاة القصاب قد يؤخر ذبحها طمعًا في بيع لحمها وقد يعجل ذلك (٣). فإن قيل: فيجب إذا أضجعها القصاب فجاء رجل فذبحها أن لا يضمن (٤). قيل: يجوز أن نقول في هذا الموضع لا ضمان وإنما يضمن إذا ابتاعها القصاب للحم وأيضًا فإن إراقة دمها واجبة فهي كالمرتد، وقد ثبت أن قتله لما كان واجبًا لم يكن مضمونًا على قاتله، وإن كان رجلًا من عرض الناس وقتله إلى الأمام وكذلك الزاني المحصن كذلك ههنا (٥). فإن قيل: المرتد يستوي فيه إتلاف الجملة وإدخال النقص في سقوط الضمان يجب أن يستوي ههنا إتلاف الجملة والبعض؛ لأن الجملة مأذون في إتلافها والبعض غير مأذون فيه. بدليل أن صاحبها يجوز له إتلاف جملتها ولا يجوز إتلاف بعضها (٦).

стр. 898

فإن قيل: الردة أسقطت حرمة دمه وهذه الشاة حرمة صاحبها باقية فلم يجز لأحد تفويت القربة فيها (١). قيل: ليس في ذبحها إسقاط حرمة صاحبها ولا تفويت القربة ألا ترى أنها تجزئ عنه وتقع موقعها (٢). واحتج المخالف: بقوله: ﴿فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ﴾ [البقرة: ١٩٤]، ولا خلاف أن الذابح معتد فإذا لم يعتدى عليه من جهة الصورة وجب أن يعتدى عليه من جهة القيمة (٣). والجواب: أنا لا نسلم أنه معتد؛ لأنا قد بينا أنه مأذون له من جهة العرف (٤). واحتج: بأن ما ضمن من غير الأضحية ضمن من الأضحية. أصله: الإتلاف وقطع الأطراف (٥). والجواب: أن غير الأضحية غير مأذون فيه وذبح الأضحية مأذون فيه من جهة العرف وكذلك قطع أطرافها غير مأذون فيه، ولأن غير الأضحية لا يتعين ذبحها وهذه يتعين ذبحها في وقت بعينه فهو كالمرتد وعلى أن الإتلاف تفويت لغرض المضحى (٦). بدلالة: أنه لا يجزئ عن الأضحية فلذلك ضمن والذبح تحصيل لغرضه منها (٧). بدلالة: الأجزاء فهو كما لو ذبحها بإذنه (٨). واحتج بأنه ذبح أضحية غيره بغير إذنه وهو من أهل الإذن والذابح من أهل الضمان

стр. 899

فلزمه ما نقص من قيمتها. أصله إذا ذبحها في اليوم الثالث من أيام التشريق (١). والجواب: أنا لا نسلم أنه ذبح بغير إذنه بل هو مأذون له من جهة العرف ولا نسلم أيضًا اليوم الثالث؛ لأن من أصلنا أن الأضحية لا تفوت بفوات وقتها وقد قيل أن ذاك مختلف في كونه وقتًا لها فلم يحصل له الغرض المطلوب وفي مسألتنا ذبح في وقت متفق على أنه وقت لها فحصل له الغرض المطلق (٢). واحتج: بأن الذبح أحد مقصودي الأضحية فإذا فعله بغير إذن صاحبها ضمنه. أصله: تفرقة اللحم (٣). والجواب: أنا لا نسلم أنه فعله بغير إذنه وأما إذا فرق اللحم بعد الذبح فإنما ضمن له؛ لأنه لم يتعين على صاحب الأضحية وجوب تفرقة اللحم؛ لأن له أن يأكله ولا يتصدق به وله أن يعدل عن هذا الفقير إلى غيره فإذا جاء غيره وفرقه ضمنه وليس كذلك الذبح؛ لأنه إراقة دمه واجبة في الجملة فهي كالمرتد والزاني المحصن أنه لا يجب على من أراق دمهما شيء كذلك ههنا (٤). فإن قيل: لا يصح هذا على أصلكم؛ لأن له أن يبدلها بغيرها فهو مخير بين ذبحها وذبح غيره (٥). قيل: ما لم يبدلها بغيرها فهي متعيّنة للذبح وليس كذلك اللحم؛ لأنه لا يتعين عليه تفرقة جميعه ولا يتعين لفقير بعينه وعلى أنا نكره الاستبدال بها فقد تعينت من هذا الوجه (٦).

стр. 900

فإن قيل: إراقة الدم وإن كان واجبًا فقد فوته غرضًا صحيحًا في الذبح وهو أن يتولى ذبحها بنفسه أو شهدت ساعة سفوح دمها (١). قيل: قد أجبنا عن هذا فلا وجه لإعادته (٢). واحتج: بأن من ضمن ما يتلفه من الذبيحة ضمن النقص الذي يلحقها بذبحه قياسًا على من ذبح شاة غيره ولم تكن أضحية، ولا يلزم عليه إذا ذبحها صاحبها؛ لأنه لم يضمن ما يتلفه من لحمها؛ لأنه قد جعل له أن يأكل منها لذلك لم يضمن نقصان الذبح (٣). والجواب: أن ما يتلف المحرم من الهدي الواجب في الإحرام بعد الذبح يضمنه وما يلحقه من النقصان بذبحه لا يضمنه فبطل هذا الاعتبار (٤). واحتج: بأن جملته مضمونة عليه؛ لأنه لو قتلها أو أفسد لحمها ضمن قيمتها ومن ضمن الشيء ضمن نقصانه قياسًا على غير الأضحية (٥). والجواب عنه ما بينا (٦). فإن قيل: فما تقولون فيمن نذر أن يتصدق بدراهم فجاء غيره وفرقها بغير إذنه (٧). قيل: يضمن لما ذكرنا في تفرقة لحمها، وهو أنه لم يتعين عليه صدقة هذه العين؛ لأن له أن يتصدق بدراهم غيرها، وله أن يعطي هذا، وله أن يعطي غيره، فإذا جاء غيره وتصرف فيها ضمن، وليس كذلك ذبحها لما بينا (٨).

стр. 901

فإن قيل: فما تقولون لو نذر أضحية في ذمته فذبح غيره عنه شاة من غنم الناذر هل يجزئ عنه وهل يضمن الذابح (١). قيل له: يضمن؛ لأنها لا تجزئ عن صاحبها لعدم تعينه بالنذر وإذا لم يعين فالقربة لم توجد من جهة الناذر فلهذا لم يجز عنه، ولأنه قد يكون غرضه غير التي ذبحها (٢). فصل فإن كانت الأضحية معيّنة فذبحها ولم ينو بها الناذر بل نوى بها الذابح عن نفسه فهل يقع عن الناذر ويجزئ عنه ويسقط عن الذابح الضمان ظاهر كلام أحمد في رواية ابن منصور أنها تقع عنه؛ لأنه قال: وإذا ذبح أضحية غيره غلط بها يترادان اللحم وقد أجزأ عنهما (٣). وقوله: غلط بها معناه: ذبحها عن نفسه يعتقد أنها شاته فقال تجزئ عنهما ولا يغرم وسألت أبا بكر الشامي (٤) فحكى مثل هذا (٥) ورأيت في مسائل أبي حنيفة أنها لا تجزئ (٦) ونقل سندي الخواتمي (٧) وأحمد بن القاسم في رجل ساق بدنة لينحرها فضلت منه فوجدها رجل فعلم أنها بدنة فنحرها فقال: إن كان إنما أراد الغصب لم تجزئ عن صاحبها وإن كان إنما أراد أن ينحرها عن صاحبها أجزأت عنه فقيل له: فإن جاء ببدنة فأوقعها لينحرها فجاء رجل فنحرها وصاحبها قائم فإن كان نحرها لنفسه يريد لحمها أو يغصب صاحبها لم تجز عن صاحبها، ويضمن، وإن كان إنما أراد معونة الرجل وأن

стр. 902

يكفيه النحر أجزأت عن صاحبها، وهذا صريح من قوله أنه إذا لم ينو بها الأضحية عن صاحبها لم تجز عنه، وعليه الضمان (١). وجه الأولة: أن القربة قد حصلت من جهة الناذر بتعينه فلا اعتبار بنية غيره، ولهذا قلنا لو ذبحها بنفسه ونسي أنها أضحية واعتقد أنها شاة لحم أجزأت عنه وكذلك لو تولى ذبحها كتابي أجزأت اعتبار الحالة الإيجاب كذلك ههنا (٢). ووجه الثانية: أنا إنما أسقطنا الضمان عن الذابح؛ لأنه مأذون له من جهة العرف، والإذن إنما انصرف في ذبحها عن المالك فإذا ذبحها عن نفسه فلم يصادف إذنًا فوجب عليه الضمان (٣). دليله: غير الأضحية، ولأنه إذا ذبحها عن نفسه صار غاصبًا، وقد بينا أن الغاصب لا تصح الأضحية عنه ولا عن المالك (٤). ١٤٥ - ١٤ مسألة: إذا أوجب أضحية بعينها ثم أتلفها وجب عليه قيمتها وقت التلف لا يلزمه أكثر من ذلك، فإن كانت قيمتها تفي بأضحية صرفه فيها وإن لم تف تصدق به (٥)، خلافًا للشافعي في قوله: يلزمه أكثر الأمرين من قيمتها وقت التلف أو مثلها وقت الذبح فيشتري به مثلها وإن زاد على مثلها شارك في أخرى (٦). دليلنا: أن كل مال أتلفه أجنبي ضمنه بقيمته فإذا أتلفه من له به تعلق ضمنه بقيمته كالرهن بعد القبض لو أتلفه أجنبي كان عليه قيمته كما لو أتلفه الراهن (٧).

стр. 903

فإن قيل: الأجنبي يضمنها ضمان الأموات فلزمه قيمتها وقت الإتلاف والرهن تعلق الحق فيه للمرتهن خاصة وليس كذلك إذا أتلفها بنفسه؛ لأنه ألزم نفسه أمرين مقصودين لكل واحد منهما. أحدهما: لحق الله تعالى، وهو التزام القربة. والثاني: للفقراء لتعلق حقهم فوجب أن يضمنها ضمان الأموال ويضمنها الله تعالى بمثل الأضحية (١). والجواب: أن حق الله فيها الذبح وذلك لا يتقوم وإنما يتقوم المذبوح فوجب اعتبار قيمته وقت الإتلاف فأما بعد الإتلاف فلا يجب اعتبار ما يحدث من الزيادة كسائر المتلفات (٢). ١٤٦ - ١٥ مسألة: العقيقة مستحبة وهو الذبح عن المولود وليست بواجبة نص عليه في رواية الأثرم (٣) وقد سئل عن العقيقة هي واجبة فقال: لا وقال: وليس فيها شيء أشد من حديث: "الغلام مرتهن بعقيقته" (٤)، وقال في رواية حنبل: لا أحب لمن أمكنه وقدر ألا يعق عن ولده؛ لأن النبي ﷺ قال: "الغلام مرتهن بعقيقته"، ولا أقول إنها واجبة (٥)، وبهذا قال مالك (٦) والشافعي (٧) وقال أصحاب أبي حنيفة: ليست مستحبة ولا مسنونة وإنما هي فعل جائز (٨) فتبين الخلاف معهم أنا نحن نقول هي مرغوب فيها ويثاب على فعلها

стр. 904

وعندهم أنه لا يرغب في فعلها، ولا ثواب له على ذلك (١) وقال داود: العقيقة واجبة (٢). والدلالة على أنها مستحبة: ما روى أحمد في مسائل عبد الله نا عبد الرزاق (٣) نا ابن جريج (٤) قال: أخبرني عطاء عن حبيبة بنت ميسرة بن أبي خثيم (٥) عن أم كرز الكعبية (٦) قالت: سألت رسول الله ﷺ عن العقيقة فقال: "عن الغلام شاتان مكافئتان وعن الجارية شاة" (٧). ويروى في لفظ آخر: "عن الذكر اثنان وعن الأنثى واحد، ولا يضركم ذكرانًا كنّ أم إناثًا" (٨). وروى أحمد بإسناده في مسائل عبد الله عن عائشة أن رسول الله ﷺ قال: "عن الغلام شاتان مكافئتان وعن الجارية شاة" (٩) (١٠).

стр. 905

فإن قيل: نحمله على أنه أراد به التطوع والتبرير بذلك (١). قيل: لو كان المراد به التطوع لم يفرق بين الغلام وبين الجارية؛ لأنه يجوز أن يتطوع عن الجارية بشاتين فعلم أن المراد به الاستحباب ونحن نستحب التفاضل بين الغلام والجارية، ولأن الحكم يجب أن يتعلق بالسبب والسبب ههنا ذكر العقيقة (٢)، وأيضًا ما روى أحمد في مسائل صالح عن محمد بن جعفر (٣) عن سعيد (٤) عن قتادة (٥) عن الحسن عن سمرة بن جندب (٦). عن النبي ﷺ قال: "كل غلام رهينة بعقيقته تذبح عنه يوم سابعه ويسمى فيه ويحلق رأسه". فإن قيل: ظاهرة متروك بالإجماع (٧)؛ لأن الغلام لا يكون مرتهنًا بشيء إذ ليس له ذنب فإذا كان كذلك سقط الاحتجاج بظاهره (٨). قيل: معنى قوله مرتهن بها: أنها تضحية وسلامة ودفع البلاء عنه؛ لأنه معرض للأسقام والآلام ما لم يعق عنه فإذا عق عنه تبرك به، ورجا أن يكون سببًا لبقائه ودفع المحاذر عنه فهو معرض لذلك حتى يعق عنه فيكون هذا معنى الارتهان. وقد قال أحمد في رواية أبي الحارث عن الحسن عن سمرة عن رسول الله ﷺ : "كل غلام رهينة بعقيقته حتى يذبح عنه يوم سابعه ويحلق رأسه" (٩)، وقال في رواية حنبل (١٠): لا بأس أن يتصدق بوزن شعر الصبي [فضة] (١١). فقد بين أحمد أنه يستحب أن يجمع بين حلق شعر رأسه

стр. 906

والصدقة بوزنه فضة والعقيقة كما جاء في خبر سمرة، وكما جاء عن فاطمة أنه تصدقت بزنة شعر ولديها مع العقيقة، وأيضًا ما روى أحمد في مسائل صالح عن عبد الرزاق عن معمر (١) عن أيوب (٢) عن حفصة بنت سيرين (٣) عن سلمان بن عامر (٤) عن النبي ﷺ قال: قال: "مع الغلام عقيقتة فأهريقوا عنه دمًا وأميطوا عنه الأذى" (٥)، وأيضًا روى عبد الله بن أحمد في مسائله بإسناده عن أسماء بنت يزيد بن السكن الأنصارية (٦) عن رسول الله ﷺ قال: "العقيقة حق عن الغلام شاتان وعن الجارية شاة" (٧) (٨). وروى أحمد في مسائل

стр. 907

عبد الله نا إسماعيل (١) نا أيوب عن عكرمة "أن النبي ﷺ عق عن الحسن بكبش وعن الحسين بكبش" (٢) (٣). وروى أبو إسحاق الشالنجي بإسناده عن علي قال: عق رسول الله ﷺ عن الحسن أو الحسين بشاة فقال: "يا فاطمة، احلقي رأسه وتصدقي بزنة شعره ورقًا" (٤) فوزنه فكان درهمًا أو نصف درهم فقد ثبتت العقيقة عن النبي ﷺ قولًا وفعلًا وأيضًا فإنه إجماع السلف (٥). وروى صالح في مسائله عن أبي بريدة (٦) عن أبيه (٧) قال: "إن الناس يعرضون يوم القيامة على العقيقة كما يعرضون على الصلوات" (٨) (٩). وروى أحمد في مسائل صالح

стр. 908

عن عتاب بن زياد (١) عن ابن المبارك (٢) عن يونس (٣) عن الزهري (٤) عن سعيد بن المسيب قال: العقيقة كانت في سلف هذه الأمة كانوا يعقون عن المنفوس يوم سابعه يأكلون منها ويتصدقون ما قدر لهم (٥). وروى أحمد في مسائل صالح بإسناده عن أبي الطفيل (٦) عن ابن عباس قال: "عن الغلام كبشان وعن الجارية كبش" (٧). وروي أيضًا بإسناده عن نافع عن ابن عمر "أنه كان يعق عن الغلام بشاة وعن الجارية شاة" (٨)، وروى أيضًا بإسناده عن جعفر بن محمد عن أبيه "أن فاطمة عقت عن حسن وحسين شاة شاة وحلقت رؤوسهما وتصدقت بوزن شعورهما فضة" (٩)، وروى أيضًا في مسائل عبد الله بإسناده عن عطاء عن أم كرز وأبي كرز، لما قالت امرأة من آل عبد الرحمن ابن أبي بكر إذا ولدت امرأة عبد الرحمن بن أبي بكر نحرنا جزورًا قال: فقالت عائشة: "لا، بل السنة أفضل شاتان مكافئتان عن الغلام وعن الجارية شاة تذبح اليوم السابع وتقطع جدولًا، ولا يكسر لها عظم فنأكل ونطعم ونتصدق، ويكون ذلك يوم السابع، فإذا لم يكن يوم السابع مع أربع عشرة فإذا لم يكن في أربع عشرة ففي إحدى وعشرين" (١٠) (١١)، وروى

стр. 909

أيضا بإسناده عن الحسن عن أنس (١) "أنه كان يعق عن بنيه الجزور" (٢) (٣). وأيضًا فإن الوليمة (٤) مستحبة لما يحدث من السرور بالعرس والسرور الحادث بالولادة فكان استحباب الذبح لأجله أولى. واحتج المخالف: بما روى أحمد في مسائل عبد الله بإسناده عن أبي رافع (٥) قال: "لما ولدت فاطمة حسنًا قالت: يا نبي الله ألا أعق عن ابني بدم قال: لا ولكن احلقي شعره وتصدقي بوزن شعره من الورق على المساكين أو على الأوفاض يعني أهل الصفة قال: ففعلت ذلك فلما ولدت حسينًا فعلت مثل ذلك" (٦) ولو كانت العقيقة سنة لأمرها بها ولما نهاها عنها (٧). والجواب: إنما نهاها عن ذلك ولم يأمرها به؛ لأنه أراد أن يتولاه هو ألا ترى أنا قد روينا عنه أنه قد عق عن الحسن بكبش وعن الحسين بكبش (٨).

стр. 910

واحتج: بما روى أحمد في مسائل عبد الله، بإسناده عن عمرو بن شعيب (١) عن أبيه (٢) عن جده (٣) أن النبي ﷺ سئل عن العقيقة فقال: "لا أحب العقوق" ثم قال: "فإذا ولد لأحدكم مولود وأحب أن ينسك عنه فليفعل عن الغلام شاتين وعن الجارية شاة" (٤) فلو كانت سنة لأمر بها ابتداء وترغيبًا فيها ولما علق ذلك بمحبتنا كسائر السنن ألا ترى أنه لم يقل من أحب أن يصلي ركعتي الفجر فليفعل كذا بل رغب فيها، وحث عليها ابتداء فقال: صلوهما فإن فيهما الرغائب، وقال: صلوهما ولو طردتكم الخيل (٥). والجواب: أنه لا يمتنع أن تكون سنة مؤكدة ويعلقها بمحبتنا واختيارنا كما قال ﷺ : "إذا دخل العشر وأراد أحدكم أن يضحي فلا يمس من شعره ولا من بشرته شيئًا" (٦) فعلقها على إرادته وهي سنة مؤكدة (٧). وجواب آخر: وهو أنه إنما قال: وأحب أن ينسك ليبين أنه ليس بواجب عنه خلافًا لمن أوجبه (٨). والدليل: على ذلك أنه سماه نسكًا والنسك هو: القربة والطاعة والناسك هو المتقرب إلى الله المطيع لله، فدل على أن العقيقة طاعة مستحبة وقربة مرغب فيها وأما ركعتا الفجر فيحتمل أن يكون قد ترك هذا اللفظ فيهما؛ لأنه قد بين ما يدل على أنهما ليسا بواجبتين فقال للسائل: "خمس صلوات كتبهن الله على عباده فقال السائل: هل عليّ

стр. 911

غيرها قال: لا، إلا أن تتطوع" (١) فأبان بهذا أن ما عدا الصلوات الخمس تطوع فأغنى ذلك عن تعاليق الترغيب فيهما بالمحبة والاختيار (٢). فإن قيل: قوله: لا أحب العقوق يدل على أنها غير مسنونة (٣). قيل: إنما كره الاسم؛ لأن اشتقاقه من العقوق وقد نقل هذا عن بعضهم عن الراوي أنه قال: إنما كره الاسم يدل عليه ما ذكرنا في سياق الخبر (٤). واحتج: بما روي عن محمد بن علي (٥). أنه قال: نسخت الأضحية كل ذبيحة كانت واجبة قبلها ونسخت الزكاة كل صدقة واجبة كان قبلها ونسخ صيام رمضان كل صوم واجب كان قبله وهذا لا يقال إلا توقيفًا؛ لأنهما لا يتنافيان في الوجوب فكأنه روي عن النبي ﷺ فيجب إن يثبت نسخه (٦). والجواب: أن هذا يعارضه ما روينا عن ابن عباس وابن عمر وعائشة وذلك أولى؛ لأنه موافق لصريح السنة وعلى أن النسخ لا ينفي الاستحباب والمسنون؛ لأن النسخ قد يرفع الوجوب ويرفع المسنون فيحتمل أن يكون نسخ وجوبها (٧). واحتج: بأن كل ذبح لم يسن يوم ولادة المولود لم يسن اليوم السابع من ولادته (٨). دليله: ذبح البقرة، ولأنه ذبح لأجل المولود فوجب أن لا يكون مسئونًا (٩).

стр. 912

دليله: يوم الولادة قالوا: وقد نص في رواية أبي داود (١) وذكره الخرقي في مختصره أنها تذبح يوم السابع (٢). والجواب: أن وقت العقيقة يدخل بالولادة وإنما اليوم السابع للاستحباب ويجوز قبله وبعده، وهذا كما قلنا وإياهم ذبح الأضحية ثلاثة أيام يوم النحر ويومان بعده والأفضل يوم النحر، وقد نقل الميموني عن أحمد أنه سأله إن لم يعق عنه صغيرًا يعق عنه كبيرًا فقال: إن فعله إنسان لم أكرهه واستحسن إن لم يعق عنه صغيرًا أن يعق عنه كبيرًا (٣) قال الميموني: قلت لأبي عبد الله: يعق الجزور؟ قال: أليس قد عق بجزور، قلت: يعق بجزور عن سبعة قال: لم أسمع في ذلك بشيء ورأيته لا ينشط لجزور عن سبعة في العقوق (٤)، فقد نص على جوازها بعد السبع وعلى جواز الجزور عن الواحد فالبقرة مثل ذلك في الجواز فلا نسلم الأصل (٥) وقد روى إسماعيل بن سعيد عنه في الرجل يسلم هل ترى عليه عقيقة قال: لا، وقت العقيقة في الصغر على الأب (٦) وظاهر هذا أنها تختص بحال الصغر ويخاطب بها الأب، وقال إسماعيل بن سعيد: سألت أحمد عن الرجل يخبره والده أنه لم يعق عنه هل يعق عن نفسه قال ذلك على الأب (٧)، وهذا أيضًا يدل على أنها تسقط عن المولود، وإنما كان الأب مخاطبًا بها (٨).

стр. 913

والدلالة على ما تقدم من قول النبي ﷺ : "كل غلام رهينة بعقيقته" فذبح عنه يوم سابعه ففيه دلالة على أنه يختص بحالة الصغر من وجهين: أحدهما: قوله: "كل غلام رهينة"، والغلام عبارة عن الصغير (١). والثاني: قوله: تذبح يوم سابعه (٢). فإن قيل: فقد قال رهينة بعقيقته وهذا يقتضي أنه مطالب بها (٣). قيل: قد بين عن الوقت الذي يذبح فيه وهو قوله: يوم سابعه، ولأنه خاطب بها غير المولود، ولأنها لحادث سرور فاختصت بالولي؛ لأن السرور داخل عليه وحاصل له، ولأن ما كان لحادث سرور يختص بما تقارب السرور دليله: وليمة العرس، ولأنها إراقة دم مستحب فاختص بوقت (٤). دليله: الأضحية، وقد حدثنا عيسى في جملة حديث داود بن عمرو (٥) بإسناده عن ابن أبي مليكة (٦) قال: قيل لعائشة: وولد لابن أخيها غلام فقالوا: عقي عن ابن أخيك جزورين، فقالت: معاذ الله، ولكن ما قال رسول الله ﷺ : "شاتان مكافئتان" (٧)، ظاهر هذا

стр. 914

أنها قد رأت جواز إخراج العقيقة من غير الأب وإنها مستحبة من غير الغنم، وقد روى أبو بكر الخلال في العلل (١) بإسناده عن أنس بن مالك أن النبي ﷺ عق عن نفسه بعد ما جاءته النبوة (٢) وقد ضعفه أحمد في رواية أبي داود، وقال: يرويه عبد الله بن محرز (٣) عن قتادة (٤) عن أنس (٥) وضعف محرزًا (٦). فصل والدلالة على أنها غير واجبة: ما روي عن النبي ﷺ قال: ليس في المال حق سوى الزكاة وأيضًا ما روى أحمد بإسناده في مسائل عبد الله عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال: سئل رسول الله ﷺ عن العقيقة فقال: "لا أحب العقوق من ولد له منكم مولود فأحب أن ينسك عنه فليفعل عن الغلام شاتان مكافئتان وعن الجارية شاة" (٧)، فعلق ذلك

стр. 915

بمحبته، وما كان واجبًا لا يتعلق بالمحبة، ولأنها إطعام لحادث سرور فلم يكن واجبًا (١). دليله: الوليمة، ولأنها لو كانت واجبة لوجب تفرقة لحمها على ذوي الحاجات كالهدي والكفارات فلما لم يجب تفرقة لحمها على ذوي الحاجات لم تكن واجبة كشاة اللحم (٢). واحتج المخالف: بما روي "أن النبي الله ﷺ أمر أن يعق عن الغلام بشاتين وعن الجارية بشاة" (٣)، والأمر يقتضي الوجوب (٤). والجواب: أن ذلك محمول على الاستحباب دون الإيجاب (٥). بدليل: ما تقدم، ولأن داود يعتبر في كثير من مسائله استصحاب الحال وبراءة الذمم وذمة هذا برية فمن زعم إشغالها فعليه الدليل (٦). ١٤٧ - ١٦ مسألة: يستحب أن يذبح عن الغلام شاتين وعن الجارية شاة. نص عليه في رواية صالح (٧)، وعبد الله (٨) والأثرم (٩)، وغيرهم (١٠)، وهو قول الشافعي (١١). قال مالك: يذبح عن كل واحد منهما شاة (١٢).
следующие страницы →