← Фикх ханбали

Фикх ханбали · id 30057

التعليقة الكبيرة - أبو يعلى - من الأشربة للأيمان

القاضي أبو يعلى ابن الفراء

Полный текст (1 057 стр.). Показаны 911–950 · переход к 916.

стр. 911

غيرها قال: لا، إلا أن تتطوع" (١) فأبان بهذا أن ما عدا الصلوات الخمس تطوع فأغنى ذلك عن تعاليق الترغيب فيهما بالمحبة والاختيار (٢). فإن قيل: قوله: لا أحب العقوق يدل على أنها غير مسنونة (٣). قيل: إنما كره الاسم؛ لأن اشتقاقه من العقوق وقد نقل هذا عن بعضهم عن الراوي أنه قال: إنما كره الاسم يدل عليه ما ذكرنا في سياق الخبر (٤). واحتج: بما روي عن محمد بن علي (٥). أنه قال: نسخت الأضحية كل ذبيحة كانت واجبة قبلها ونسخت الزكاة كل صدقة واجبة كان قبلها ونسخ صيام رمضان كل صوم واجب كان قبله وهذا لا يقال إلا توقيفًا؛ لأنهما لا يتنافيان في الوجوب فكأنه روي عن النبي ﷺ فيجب إن يثبت نسخه (٦). والجواب: أن هذا يعارضه ما روينا عن ابن عباس وابن عمر وعائشة وذلك أولى؛ لأنه موافق لصريح السنة وعلى أن النسخ لا ينفي الاستحباب والمسنون؛ لأن النسخ قد يرفع الوجوب ويرفع المسنون فيحتمل أن يكون نسخ وجوبها (٧). واحتج: بأن كل ذبح لم يسن يوم ولادة المولود لم يسن اليوم السابع من ولادته (٨). دليله: ذبح البقرة، ولأنه ذبح لأجل المولود فوجب أن لا يكون مسئونًا (٩).

стр. 912

دليله: يوم الولادة قالوا: وقد نص في رواية أبي داود (١) وذكره الخرقي في مختصره أنها تذبح يوم السابع (٢). والجواب: أن وقت العقيقة يدخل بالولادة وإنما اليوم السابع للاستحباب ويجوز قبله وبعده، وهذا كما قلنا وإياهم ذبح الأضحية ثلاثة أيام يوم النحر ويومان بعده والأفضل يوم النحر، وقد نقل الميموني عن أحمد أنه سأله إن لم يعق عنه صغيرًا يعق عنه كبيرًا فقال: إن فعله إنسان لم أكرهه واستحسن إن لم يعق عنه صغيرًا أن يعق عنه كبيرًا (٣) قال الميموني: قلت لأبي عبد الله: يعق الجزور؟ قال: أليس قد عق بجزور، قلت: يعق بجزور عن سبعة قال: لم أسمع في ذلك بشيء ورأيته لا ينشط لجزور عن سبعة في العقوق (٤)، فقد نص على جوازها بعد السبع وعلى جواز الجزور عن الواحد فالبقرة مثل ذلك في الجواز فلا نسلم الأصل (٥) وقد روى إسماعيل بن سعيد عنه في الرجل يسلم هل ترى عليه عقيقة قال: لا، وقت العقيقة في الصغر على الأب (٦) وظاهر هذا أنها تختص بحال الصغر ويخاطب بها الأب، وقال إسماعيل بن سعيد: سألت أحمد عن الرجل يخبره والده أنه لم يعق عنه هل يعق عن نفسه قال ذلك على الأب (٧)، وهذا أيضًا يدل على أنها تسقط عن المولود، وإنما كان الأب مخاطبًا بها (٨).

стр. 913

والدلالة على ما تقدم من قول النبي ﷺ : "كل غلام رهينة بعقيقته" فذبح عنه يوم سابعه ففيه دلالة على أنه يختص بحالة الصغر من وجهين: أحدهما: قوله: "كل غلام رهينة"، والغلام عبارة عن الصغير (١). والثاني: قوله: تذبح يوم سابعه (٢). فإن قيل: فقد قال رهينة بعقيقته وهذا يقتضي أنه مطالب بها (٣). قيل: قد بين عن الوقت الذي يذبح فيه وهو قوله: يوم سابعه، ولأنه خاطب بها غير المولود، ولأنها لحادث سرور فاختصت بالولي؛ لأن السرور داخل عليه وحاصل له، ولأن ما كان لحادث سرور يختص بما تقارب السرور دليله: وليمة العرس، ولأنها إراقة دم مستحب فاختص بوقت (٤). دليله: الأضحية، وقد حدثنا عيسى في جملة حديث داود بن عمرو (٥) بإسناده عن ابن أبي مليكة (٦) قال: قيل لعائشة: وولد لابن أخيها غلام فقالوا: عقي عن ابن أخيك جزورين، فقالت: معاذ الله، ولكن ما قال رسول الله ﷺ : "شاتان مكافئتان" (٧)، ظاهر هذا

стр. 914

أنها قد رأت جواز إخراج العقيقة من غير الأب وإنها مستحبة من غير الغنم، وقد روى أبو بكر الخلال في العلل (١) بإسناده عن أنس بن مالك أن النبي ﷺ عق عن نفسه بعد ما جاءته النبوة (٢) وقد ضعفه أحمد في رواية أبي داود، وقال: يرويه عبد الله بن محرز (٣) عن قتادة (٤) عن أنس (٥) وضعف محرزًا (٦). فصل والدلالة على أنها غير واجبة: ما روي عن النبي ﷺ قال: ليس في المال حق سوى الزكاة وأيضًا ما روى أحمد بإسناده في مسائل عبد الله عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال: سئل رسول الله ﷺ عن العقيقة فقال: "لا أحب العقوق من ولد له منكم مولود فأحب أن ينسك عنه فليفعل عن الغلام شاتان مكافئتان وعن الجارية شاة" (٧)، فعلق ذلك

стр. 915

بمحبته، وما كان واجبًا لا يتعلق بالمحبة، ولأنها إطعام لحادث سرور فلم يكن واجبًا (١). دليله: الوليمة، ولأنها لو كانت واجبة لوجب تفرقة لحمها على ذوي الحاجات كالهدي والكفارات فلما لم يجب تفرقة لحمها على ذوي الحاجات لم تكن واجبة كشاة اللحم (٢). واحتج المخالف: بما روي "أن النبي الله ﷺ أمر أن يعق عن الغلام بشاتين وعن الجارية بشاة" (٣)، والأمر يقتضي الوجوب (٤). والجواب: أن ذلك محمول على الاستحباب دون الإيجاب (٥). بدليل: ما تقدم، ولأن داود يعتبر في كثير من مسائله استصحاب الحال وبراءة الذمم وذمة هذا برية فمن زعم إشغالها فعليه الدليل (٦). ١٤٧ - ١٦ مسألة: يستحب أن يذبح عن الغلام شاتين وعن الجارية شاة. نص عليه في رواية صالح (٧)، وعبد الله (٨) والأثرم (٩)، وغيرهم (١٠)، وهو قول الشافعي (١١). قال مالك: يذبح عن كل واحد منهما شاة (١٢).

стр. 916

دليلنا: ما تقدم من حديث أم كرز وعائشة عن النبي ﷺ عن الغلام شاتان وعن الجارية شاة. وحديث أسماء بنت يزيد عن النبي ﷺ : "العقيقة حق عن الغلام شاتان وعن الجارية شاة" (١)، ولأن العقيقة، إنما استحقت لما يحدث من السرور الحادث بالغلام أكثر من الجارية، فاستحب أن تكون العقيقة لأجله أكثر (٢). واحتج المخالف: بما روى ابن عباس "أن النبي ﷺ عق عن الحسن والحسين كبشًا كبشًا". فلو كان في الزيادة على ذلك فضيلة، لكان أولى (٣). والجواب: أن تعارض هذا بأخبارنا وهي أولى من وجهين: أحدهما: أنه قول عنه، وخبرهم فعل، والقول مقدم على الفعل، ولأن خبرنا زائد فهو أولى، ولأنه يحتمل أنه لم يحضره في الحال إلا ذلك القدر (٤). واحتج: بأنها تخرج على وجه القربة فلم يختلف فيها الذكر والأنثى، كالأضحية وصدقة الفطر وزكاة المال (٥). والجواب: أن صدقة الفطر تجب طهرة عن البدن، وهذا المعنى يشترك فيه الرجل والمرأة، وكذلك زكاة المال طهرة للمال، ويستوي في ذلك الذكر والأنثى، وكذلك الأضحية هي قربة محضة، فأما العقيقة فإنها شُرعت لما يحدث من السرور بالولد، وهما يختلفان في السرور؛ فلهذا اختلفت في المخرج عن كل واحد منهما (٦).

стр. 917

كتاب السَّبق والرمي ١٤٨ - ١ مسألة: المسابقة (١) عقد جائز ويفيد هذا أنهما إذا شرطا فيه المال كان لكل واحد منهما فسخه قبل تمامه وإنما يلزم بوجود السبق ذكره شيخنا (٢)، وقد أومأ إليه أحمد في رواية إسماعيل بن سعيد في الرهان لا بأس بذلك إذا كان بينهما محلل فإن خلت أوجبت عليهما، فهو باطل (٣)، وخرجا من السبق فلو كان العقد لازمًا، لم يصح نوجد من أحدهما فعلًا يوجب فسخه، وجب أن يحمل قوله: هو باطل على الفعل دون العقد، وكذلك قوله: خرجا من السبق. معناه: من حكمه في الاحتساب بذلك الفعل (٤). وقال أبو حنيفة: دليلنا: أن العقود اللازمة ما تحمل العوض فيها بإطلاق العقد، وإنما يحصل بالشرط فهي جائزة كالجعالة (٥)

стр. 918

والمضاربة (١) (٢). والعوض ههنا يحصل بوجود العمل وهو السبق كما يحصل بوجود العمل في المضاربة، ولأن إخراج العوض في المسابقة نوع تمليك يقصد الانتفاع بعينه لا يقابله عوض فلم يلزم بنفسه كالهبة والصدقة والوصية (٣)، ولا يلزم عليه الهبة المعينة أنها تملك بنفس العقد بعض النوع والتعليل بجمله النوع وجملة الهبة لا يلزم بالعقد، ولا تلزم الأضحية؛ لأنها لا تلزم بنفس العقد وإنما تلزم بالذبح. بدليل: أن له إبدالها بغيرها ولا يلزم عليه الوقف لقولنا يقصد الانتفاع بعينه وهناك يقصد الانتفاع بمنفعته لا بعينه ورقبته ولا يلزم عليه البيع والإجارة (٤) والصلح؛ لأنه يقابله عوض وإخراج العوض في المسابقة لا يقابله عوض؛ لأن منفعة الرمي والعدو لم يحصل لأحد (٥).

стр. 919

فإن قيل: المعنى في تلك الأصول أنه ليس فيها إبطال حق أحدهما وليس كذلك ههنا؛ لأن فيه إبطال عمله وإهداره فلهذا لم يملك (١). قيل: يبطل بالمضاربة إذا لم يظهر فيها ربح فإن لصاحب المال الفسخ وإن كان فيه إسقاط لعمله (٢). فإن قيل: المعنى في الأصل أنه ليس من شرطه أن يكون العوض المبذول معلومًا؛ لأنه لو قال طلق إحدى نساءك وعليَّ كذا أو أعتق عبدك وعليَّ كذا جاز فلهذا كان لازمًا (٣). قيل: علة الأصل تبطل بالمنذر يصح في المجهول ومع هذا فهو لازم وكذلك الإقرار وكذلك النكاح على مهر المثل وكذلك إذا قال: ألق متاعك في البحر وأنا ضامنة (٤). وعلة الفرع تبطل بالهبة، فإنها لا تصح في المجهول، ومع هذا فهي غير لازمة، وعلى أنا لا نسلم أن العمل فيه معلوم؛ لأنه شرط أن يسبق، وقد يسبق بكاهل (٥) الدابة، وبمسافة بعيدة، وأيضًا، فإن المسابقة تعقد للحث على إظهار الجلد، فصار كما قال الإمام: من قتل قتيلا فله سلبه، من غلب على شيء فله ربعه (٦). واحتج المخالف بقوله تعالى: ﴿أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾ [المائدة: ١]، وقول النبي ﵇: "المؤمنون عند شروطهم" (٧).

стр. 920

والجواب: أن هذا محمول على غير مسألتنا. بدليل: ما تقدم أو بحمله على حصول العمل منه (١). واحتج: بأنه عقد يفتقر إلى أن يكون العوض فيه وما يقابله معلومين فوجب أن يكون من اللازمة، كالبيع، والإجارة، وعكسه الجعالة، والمضاربة، لما لم يفتقر أن يكون ما في مقابلة العوض معلومًا، كان من الجائزة، وكذلك المضاربة؛ لأن العوض في مقابلة الإصابة، ولا يكون إلا معلومًا، وليس كذلك الجعالة؛ لأن العوض فيها معلوم، والعمل يجوز أن يكون محمولًا، وهو رد العبد الآبق والجمل الشارد والفرس العايد (٢). والجواب: أنا لا نسلم العمل معلوم؛ لما بينا، وهو أن السبق قد يكون بكاهل الدابة، وبمسافة بعيدة، ولأن المعوض في الأصل لما كان لازمًا، لزم العوض بالعقد، ولأن المعنى في الأصل أنه يقابله عوض، وهذا لا يقابله عوض من الوجه الذي بينا، وهو أن الإصابة ليست لأحد (٣). واحتج: بأن كونه من الجائزة يفضي إلى أن لا يتصل أحدهما صاحبه بوجه؛ لأنه لا يتساويان، إلا ويخرج نفسه من العقد كيف شاء، فيبطل عمله، ويسقط عوضه، وهذا لا يجوز، ولا تلزم المضاربة؛ لأنه متى فسخها رب المال، لم يكن له أن يمنع العامل من بيع المتاع الذي في يده، واستبقا حقه من الربح، إن كان فيه، فلم يكن فسخه مسقطًا لحقه، ولا يلزم عليه الجعالة؛ لأنه متى أراد فسخها، قيل له: يلزمك أجرة مثله فيما عمله. فلا يؤدي إلى إبطال حقه (٤).

стр. 921

الجواب: عنه ما تقدم، وهو أنه يبطل بالمضاربة قبل ظهور الربح، فإنه يملك فسخها، وإن كان فيه إبطال المنفعة (١). ١٤٩ - ٢ مسألة: لا تجوز المسابقة بالمزاريق (٢)، والروسات (٣)، والرماح، والفيلة، بعوض على ظاهر كلام أحمد في رواية أبي طالب قال: "الخف": البعير. و"الحافر": الخيل. و "النصل": السهم. فقد فسر النصل بالسهم، والخف بالبعير (٤)، وقد قال في رواية حنبل وقد سئل عن السبق في الريش الحمام فقال: ما سمعنا وما أعرف السبق في الريش (٥) خلافًا لأصحاب الشافعي في قولهم تجوز المسابقة عليها (٦). دليلنا: ما روى أبو هريرة عن النبي ﷺ قال: "لا سبق إلا في نصل أو خف أو حافر" (٧) (٨). وقوله "لا سبق" نفي في نكرة، وقوله: "إلا في نصل أو خف" إثبات في نكرة والإثبات في النكرة يقتضي واحدًا من الجنس ولا يقتضي الجنس، كقوله: ليس في الدار أحد إلا رجل. يقتضي رجلا واحدًا، ولأن النصل والخف أحد الأنواع المنصوص على جواز

стр. 922

المسابقة عليه، فلم يعم جميع جنسه (١). دليله: الحافر، وذلك أن الحافر لا يدخل فيه البغال والحمير يجب أن لا يدخل في الخف الفيل وإن شمله الاسم كذلك لا يدخل في النصل الروسات والرماح وإن شمله اسم النصل، ولا يمكن القول بموجب العلة في البقر والغنم؛ لأن تلك من ذوات الأظلاف لا من ذوات الأخفاف، ولأن الفيل حيوان لا يسهم له فلم يجز المسابقة عليه (٢). دليله: البغال والحمير ولا يلزم عليه الإبل والخيل؛ لأنه يسهم لهما، ولأن ذلك غير منصوص عليه أشبه ما ذكرنا وليس لهم أن يقولوا بأنه منصوص عليه؛ لأن مخالفنا يدعي ذلك من جهة العموم لا من جهة الخصوص وليس لهم أن يقولوا: يجب حمل المسكوت عنه على المنصوص عليه إذا وجد معناه. ومعناه موجود في الفيل؛ لوجود القتال عليه والكر والفر، وكذلك الرمي بالروسيات؛ لأنا لا نسلم أن معناه ما ذكروا بل المعنى في هذا العقد هو وجود النص؛ لأنه عقد غرر وخطر؛ لأنه معقود على الإصابة ولا يقدروا على أنه لا يمتنع أن يوجد معناه فيه ولا الحكم فيه. بدليل: المسابقة بالسفن لا يجوز وإن كانت مراكب البحر ويقاتل فيها وكذلك الرمي بالجنادل (٣). واحتج المخالف: بعموم قول النبي ﷺ : "لا سبق إلا في نصل أو خف" (٤). وإن ذلك يعم الفيل والروس (٥). والجواب: أن الخبر قد جعلناه حجة لنا، وبينا أنه إثبات في نكرة، ولا يقتضي العموم (٦).

стр. 923

واحتج: بأن الروتين والرمح آلة يقاتل بها، ويحتاج إلى تعلم القتال بها، فهي كالسهم الذي هو النشاب والنبل، وكذلك الفيل ذو خف يقاتل عليه، ويفزع الخيل منه؛ فجاز المسابقة عليه. دليله: الإبل والخيل (١). والجواب: أن الإبل والخيل منصوص عليها فإن النبي ﷺ سابق على ناقته العضباء (٢). وسابق بين الخيل المضمرة وبين التي لم تضمر (٣). وليس كذلك ههنا؛ فإنها غير منصوص عليها (٤). ١٥٠ - ٣ مسألة: المسابقة على الأقدام بعوض لا تصح على ظاهر قول أحمد في رواية أبي طالب والمروذي (٥): "لا سبق إلا في خف أو حافر أو نصل" (٦)، وقال أبو حنيفة: يجوز (٧). دليلنا: ما روى أبو هريرة عن النبي ﷺ أنه قال: "لا يحل سبق إلا في خف أو حافر" (٨)، يروى: "لا سبق": بتسكين الباء. ويروى: بنصب الباء. فأما التسكين، فهو مصدر سبق يسبق سبقًا (٩).

стр. 924

فوجه الدلالة: أنه نفاه عن غير هذه الثلاثة فاقتضى أن يكون منفيًّا بعوض وغير عوض إلا أن الدليل دل على جواز بغير عوض ونفي شرط العوض على ظاهره، وأما النصب فهو المال فمعناه أن المال لا يجوز شرطه فيما عدا هذه الثلاثة ولهذا الخبر منع أصحابنا السبق في الطيور والسماريات؛ لأنه نفى السبق فيما عدا ذلك وأيضًا فإنهما شرطا العوض في عقد المسابقة على فعلهما من غير آلة الحرب فوجب أن لا يصح (١). أصله: إذا عقد المسابقة في السباحة والمعافرة (٢) والصياح (٣)، ولأنه نوع غرر فوجب أن يكون بذل المال فيه غير جائز إلا فيما ورد الشرع به والشرع إنما ورد في الأشياء الثلاثة وأيضًا فإن العدو لا يحتاج إلى تعلم فإنه في مقدور كل أحد صحت بنيته وسلمت خلقته وكان بذل المال فيه من القمار وأكل المال بالباطل وجرى مجرى ثبت المال في الصياح (٤). واحتج المخالف: بما روى أن النبي ﷺ سابق عائشة، فسبقته، ثم سابقها مرة أخرى، فسبقها وقال لها: "هذه بتلك" (٥).

стр. 925

والجواب: أن هذا كان من غير شرط العوض، وهو جائز عندنا، ويكون من اللعب المباح، وإنما الخلاف في بذل المال، وليس في الخبر ما يدل عليه، وهكذا الجواب عما رواه أبو بكر الخلال بإسناده عن نافع قال: رأيت عبد الله بن عمرو (١)، وابن عباس يستبقان على أقدامهما وإنهما شيخان (٢). واحتج: بأن هذا مما تدعو الحاجة إليه؛ لأنه قد يقاتل العدو راجلًا، فيعدو للطلب والهرب، كما يفعل ذلك على الحافر والخف؛ فوجب أن يكون بذل المال في المسابقة فيه جائزًا (٣). والجواب: أن المسابقة على الخيل يحتاج إلى التعلم والعدو على القدمين يفعله الإنسان في الصحة والقوة من غير تعلم؛ فلم يجز اعتبار أحدهما بالآخر (٤). واحتج: بأنه يجوز المسابقة بالأقدام فجاز بذل العوض عليها كالسبق بالخيل، ولأنه حيوان يسهم له من الغنيمة أشبه الخيل (٥). والجواب عنه ما تقدم (٦).

стр. 926

١٥١ - ٤ مسألة: لا يجوز الصراع على عوض على ظاهر كلام أحمد في رواية أبي طالب والمروذي (١) (٢) لا سبق إلا في خف أو حافر أو نصل، وهو قول الشافعي (٣)، وحكى أصحاب أبي حنيفة أنه يجوز (٤). دليلنا: ما ذكرناه في المسألة التي قبلها، ولأنه ليس بآلة الحرب مع العدو، ولأنه لا يبلغ القتال إلى هذا الحد، ولم نسمع أن أحدًا احتاج إلى الصراع في قتال العدو، وإذا كان كذلك، صار بمنزلة إشالة الحجر الثقيل والشباك (٥). واحتج المخالف: بما روي عن النبي ﷺ أنه خرج إلى الأبطح (٦)، فرأى يزيد بن ركانة (٧) يرعى أعنز له فقال للنبي ﷺ : هل لك في أن تصارعني يا محمد فقال النبي ﷺ : "ما تسبق لي"، قال: شاة فصارعه فصرعه، ثم قال: هل لك في العود، فقال: "ما تسبق لي"، قال: شاة فصارعه فصرعه، ثم قال له: اعرض علي الإسلام، فما وضع جنبي على الأرض قبلك أحد (٨).

стр. 927

والجواب: أن النبي ﷺ اعلم أنه يدعوه إلى الإسلام، وتبين له من صدقه بذلك ما لا يتعين لغيره؛ لقوته وشدته، وأن أحدا لم يصرعه قبله، فجعل ذلك للنبي ﷺ ؛ لهذا المعنى، وهذا معدوم في غيره؛ فلم يجز. وقد قيل: إنه دليل على صحة ما قلناه. وهو أنه رد الغنم على يزيد بن ركانة، وهذا يدل على أنه لم يكن ملكها (١). ١٥٢ - ٥ مسألة: إذا استبق اثنان وأخرج السبق بينهما غيرهما، جاز سواء كان ذلك الغير الإمام أو واحدًا من الرعية (٢)، وقد ذكر أبو بكر (٣) في زاد المسافر جواز ذلك إذا أخرجه الإمام ولم يذكر غيره والحكم فيهما سواء (٤)، ونقل بكر بن محمد (٥) عن أبيه (٦)، عن أحمد أنه قال: حكوا عن مالك أنه قال: ليس السبق إلا من الإمام يقول: من سبق، فله كذا وكذا. وظاهر هذا أنه لم يأخذ به؛ لأنه حكاه عنه (٧) وهو قول الشافعي (٨)، قال مالك: لا يجوز للرعية إخراج السبق؛ لأن هذا يجري مجرى الإنفاق على المجاهدين؛ فاختص به الإمام (٩).

стр. 928

دليلنا: أن إخراج السبق معاونة على الطاعة؛ لأنه يتعلق بذلك الفروسية في الجهاد، ويحثهم عليه، ويجوز للإمام وسائر الرعية المعاونة على الطاعة، ولأنه يحصل بذلك مصلحة للمسلمين ونفعا لهم، فجاز للإمام وغيره فعله، وما ذكروه من الإنفاق على المجاهدين، فإنه جائز من الإمام وغيره، فيجوز أن يعطي الرجل غازيًا نفقته ومؤونته (١). ١٥٣ - ٦ مسألة: إذا استبق اثنان وأخرج أحدهما السبق، جاز ذلك. ذكره الخرقي وأبو بكر (٢)، وهو قول الشافعي (٣)، قال مالك: لا يجوز أن يكون العوض من أحدهما (٤). دليلنا: ما روى أبو الوليد قال: سئل أنس بن مالك "هل كنتم تراهنون على عهد رسول الله ﷺ قال: نعم راهن رسول الله ﷺ على فرس، فسبق، فسر بذلك وأعجبه" (٥). وروى أحمد في المسند بإسناده عن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: "من أدخل فرسًا بين فرسين وهو لا يأمن أن يسبق فلا بأس به ومن أدخل فرسًا بين فرسين وقد أمن أن يسبق فهو قمار" (٦)، فلولا أن ذلك مما يدخله المال لم يكن لذكره القمار فائدة، ولأن المسابقة تفتقر إلى أن يوجد فيها معنى يفارق القمار ويعلم أن القصد بها تعلم الفروسية دون تحصيل العوض فإذا أخرج أحدهما سبقا ولم يخرج الآخر فقد وجد هذا المعنى؛ لأن القمار لا يكون إلا بين أن يغرم ولا يغنم أبدًا، والآخر يغنم ولا يغرم ومن لم يخرج

стр. 929

خارج عن ذلك نفعًا يعود بجماعة المسلمين؛ لأن فيه حثًّا على القتال والجهاد؛ ولهذا المعنى جاز للإمام بذل الجعل فيه (١). واحتج المخالف: بأن هذا تمليك متعلق بحظر (٢). والجواب: أن هذا يوجب أن لا يصح بذل الإمام العوض عليه (٣). ١٥٤ - ٧ مسألة: إذا استبق اثنان على عوض وشرط أن السابق منهم يطعم أصحابه فالعقد صحيح والشرط يسقط فإن غلب استحق المسمى فإن شاء أطعمه أصحابه، وإن شاء تملكه، وهذا قياس قوله (٤)؛ لأنه قال في رواية الأثرم (٥) وإبراهيم بن الحرب (٦): إذا زوج أخته وشرط لنفسه شيئًا سوى الصداق، لم يكن له ولو كان أبا جاز له أن يأخذ ما شاء فقد حكم بإبطال الشرط في حق الأخ، ولم يجعل له ما شرطه، ولم يحكم ببطلان الصداق والعقد (٧)، وهو قول أبي حنيفة (٨) ومذهب الشافعي (٩) أن العقد فاسد وخرج المروذي قولًا آخر مثل مذهبنا قال؛ لأن الشافعي قال إذا أصدقها ألفين على أن يعطي إياها ألفًا صح العقد وهي بالخيار بين أن تعطيه أو تمنعه ذلك كذلك ههنا إن شاء وفَّى وإن شاء منع، ومن أصحابه من فرق بين الصداق وبين مسألتنا يبطل العقد قال: لأن المهر في النكاح أثبت؛ لأنه يجب من غير شرط المهر ولا يجب المال في المسابقة إلا بالشروط، ولأن المهر إذا كان مجهولًا صح العقد وثبت مهر المثل وإذا كان المال في المسابقة مجهولًا فسد عقد المسابقة (١٠).

стр. 930

دليلنا: على صحة العقد وبطلان الشرط قوله تعالى: ﴿أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾ [المائدة: ١]، ولأنه عقد لا يتعلق به اللزوم فلم يفسده الشرط الفاسد (١). دليله: الرهن (٢) والعمرى (٣) فأما الرهن فقد دل عليه حديث أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: "لا تغلق الرهن" (٤). قال النخعي (٥) وطاووس (٦): كانوا يرهنون ويقولون: إن جئتك بالمال إلى وقت كذا، وإلا فهو لك فقال ﷺ : "لا يغلق الرهن" فأبطل النبي ﷺ هو الشرط ولم يبطل الرهن. وأما العمري فقوله ﷺ : "العمرى لأهلها" (٧). وأبطل الشرط؛ ولأنه عقد لا يقف صحته على تسمية بدل، فلم يفسده الشرط، كالنكاح، وذلك أن المسابقة تصح بغير عوض (٨).

стр. 931

واحتج المخالف: بأنه تمليك شرط فيه ما يمنع كمال التصرف فوجب أن يفسد التمليك كما لو باع طعامًا وشرط على المشتري أن يطعمه أصحابه أو استأجر منفعة بطعام وشرط على المؤجر أن يطعمه أصحابه، فإن التمليك لا يصح، والعقد يفسد (١). والجواب: أنه يبطل شرط العتق في المبيع، وشرط الخيار للبائع، والأجل في الثمن، والمعنى هناك أن العقد لا يصح بغير بدل، فإذا شرط في البدل شرطًا فاسدًا أفسد العقد، وفي مسألتنا يصح العقد من غير ذكر البدل، فإذا شرط في البدل شرطًا، لم يبطله كالنكاح (٢). ١٥٥ - ٨ مسألة: اللعب بالشطرنج (٣) محرم نص عليه في رواية أبي طالب فيمن يمر بالقوم يلعبون بالشطرنج تقلب عليهم إلا أن يغطوها ويستروها (٤) (٥). وقال أيضًا في رواية ابن منصور فيمن يلعب بالشطرنج: ما هو بأهل أن يسلم عليه (٦)، وقد صرح بتحريم ذلك أبو عبد الله بن بطة (٧) فقال: أصحاب الشطرنج قوم خلت قلوبهم من ذكر الله جل وعز، ولم يقرعهم الموت، ولم يخافوا الفوت، ولم يقيموا لمعاد، أو ليس قد علم كل من كان على شريعة محمد ﷺ وملة إبراهيم ﵇ أن اللعب حرام (٨)، خلافا للشافعي في قوله: لا يحرم اللعب بها (٩).

стр. 932

دليلنا: قوله تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ﴾ [البقرة: ٢١٩]. وقوله: ﴿إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ﴾ [المائدة: ٩٠]. والشطرنج من الميسر، فوجب أن تكون محرمة (١). يدل على ذلك: ما روي عن علي ﵁ أنه قال: "الشطرنج من الميسر" (٢) (٣). فإن قيل: روي عن عثمان ﵁ وجماعة من التابعين "النرد" (٤) (٥). قال قوم: القمار كله من الميسر (٦) (٧). قيل: من قال: هو النرد. لم ينف الشطرنج، ولم يقل: إن الشطرنج لا يدخل تحت ذلك. ولأن قول من قال: المراد به الشطرنج أولى من وجهين: أحدهما: أنه مثبت لما أثبته ذلك القائل وزاد عليه. والثاني: أنه أجرى اسم الميسر على الشطرنج وهذا إثبات اسم والأسماء طريقها اللغة وعلي ﵁ صدر في اللغة فوجب الرجوع إليه، ويدل عليه ما روي أبو بكر بإسناده عن واثلة بن الأسقع (٨) قال: قال رسول الله ﷺ : "إن الله في كل يوم ثلثمائة وستين نظرة

стр. 933

ليس لصاحب الشاه (١) فيها نصيب" (٢) (٣). وروى أبو بكر بإسناده عن أبي هريرة أن النبي ﷺ مر بقوم يلعبون بالشطرنج فقال: "ما هذه الكوبة ألم أنه عن هذا؟ لعن الله من فعل هذا" (٤) (٥). ونا أبو محمد الخلال بإسناده عن أنس قال: قال رسول الله ﷺ : "اللاعب بالشطرنج كالأكل لحم الخنزير والناظر إليه كالغامس يده في دم الخنزير" (٦). وروى ابن الآجري (٧) في كتاب تحريم الملاهي والنرد والشطرنج رواية أبي

стр. 934

القاسم بن بشران بإسناده عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : "إذا مررتم بهؤلاء الذي يلعبون بهذه الأزلام الشطرنج والنرد وما كان من اللهو فلا تسلموا عليهم فإن سلموا عليكم فلا تردوا عليهم فإنهم إذا اجتمعوا وأكبوا عليها جاء إبليس أخزاه الله بجنوده بجنوده فأحدق بهم كلما ذهب رجل انصرف بصره عن الشطرنج لكن في لغزه، وجاءت الملائكة من وراء ذلك فأحذقوا بهم فلم يدنو منهم فما يزالون يلعنونهم حتى يتفرقوا عنها، حتى يتفرقون كالكلاب اجتمعت على جيفة فأكلت منها حتى ملأت بطونها ثم تفرقت" (١). وهذه الأخبار تدل على تحريم اللعب بها لما فيها من الوعيد (٢). فإن قيل: يحمل هذا على طريق التنزيه (٣). قيل: ما طريقة التنزيه لا يتواعد عليه بمثل هذا (٤). فإن قيل: يحمل هذا عليه إذا قامر عليها (٥). قيل: الوعيد ينصرف إلى ما يتناوله اللفظ، والقمار غير مذكور في الخبر، فلا ينصرف الوعيد إليه، ويدل عليه ما روى ابن الآجري بإسناده عن ابن أبي ليلى (٦) (٧) قال: قال علي بن أبي طالب: "إن أصحاب الشطرنج أكذب الناس - أو من أكذب الناس - يقول:

стр. 935

أحدهم قتلت وما قتل" (١) (٢). وروى أيضًا بإسناده عن الحكم قال: أظنه عن علي قال: "الناظر إلى الشطرنج كالناظر إلى لحم الخنزير ومقلبها كمقلب لحم الخنزير" (٣) (٤). وروى أيضًا بإسناده عن عبيد الله بن عمر قال: سئل ابن عمر عن الشطرنج قال: "هي أشر من النرد" (٥) (٦). وروى ابن أبي الدنيا (٧) في ذم الملاهي بإسناده عن مالك بن أنس: "الشطرنج من النرد بلغنا عن ابن عباس أنه ولي مال يتيم، فأحرقها" (٨). فحصل هذا مذهب ثلاثة من الصحابة: علي، وابن عمرو، وابن عباس (٩).

стр. 936

فإن قيل: يعارض هذا ما روي عن أبي هريرة أنه كان يلعب به (١). وعن سعيد بن المسيب: "لا بأس به" (٢). وعن ابن جبير أنه كان يلعب به (٣) (٤). قيل: ما روينا عنهم أولى؛ لأنه يعضد قولهم ظاهر القرآن والأخبار، ولأن في قولهم احتياطًا وعلى أن أبا عبد الله بن بطة روى عنهم خلاف هذا فيما وقع إلي من تخريجاته، فقال: مر غالب بن عبد الله الحدثاني بقوم يلعبون بالشطرنج، فقال للحسن: مررت الساعة بقوم يعكفون على أصنام لهم (٥) (٦). وقال أبو هريرة: إذا قال صاحب الشطرنج شاهك، قال له الملك: لعنك الله، إنه لا ملك إلا الله" (٧). وقال ابن عمر: "لا تقل: شاهك. ولا تجلس إلى من يقول ذلك؛ فإن الله ملك الملوك" (٨).

стр. 937

وقال سعيد بن المسيب، والقاسم بن محمد، عروة بن الزبير (١) وسالم بن عبد الله (٢): "الشطرنج من الميسر" (٣) (٤). وقال: مطر الوراق (٥): "من لعب بالشطرنج، كان كآكل لحم الخنزير، والناظر إليه كالمتلطخ بدمه" (٦). وسئل أبو جعفر محمد بن علي (٧) عن الشطرنج، فقال: "لا تقربها هي المجوسية" (٨). وفي المسألة حكاية نقلها من خط أبي إسحاق بن شاقلا (٩). ذكرها بإسناده في جملة تعاليقه على أجزاء الجامع لأبي بكر الخلال عن ابن براد (١٠). قال: قال رجل لابنه: اطلب الحديث قال: فأصابه يلعب بالشطرنج قال: قلت: تطلب الحديث وتلعب بالشطرنج؟ قال: كان الشعبي (١١) يلعب بها. قال: إن كان فيك من خصال الخير ما كان في الشعبي؛ فالعب بها، وإلا فإن كنت تأخذ بزلة الشعبي، وزلة ابن المسيب،

стр. 938

وزلة ابن جبير، كنت أولك إلى آخرك زلات (١). ولأنه يكذب عليها، فيقول: شاه مات وفرس وخيل وفرزان وتقدم وتأخر، ولأن المقصود باللعب بها في الغالب القمار، أشبه اللعب بالنرد والكعبين والأربع عشر، ولأنه لعب لا يستعان به على الجهاد أشبه النرد. واحتج المخالف: بما روي عن النبي ﷺ أنه مرَّ بقوم من الحبشة يلعبون بالحراب فوقف يبصرهم قالت عائشة: ووقفت خلفه (٢). فلما كان يبصر ذلك ويقر عليه؛ لأنه من تدبير الحرب وألدها وهذا المعنى موجود في الشطرنج؛ لأنه يتعلق بأمر الحرب وتدبيرها فكان مباحًا (٣). والجواب: أن معنى اللعب بالحراب غير موجود في الشطرنج؛ لأن ذلك إدمان على الفروسية، والقتال وهذا المعنى معدوم في الشطرنج، فإنه لا يستدل به على ذلك، ومن قال: إن فيه إدمانًا ومعرفة للقتال، فهو قول من لا يعرف الحرب (٤).

стр. 939

كتاب الأيمان (١) ١٥٦ - ١ مسألة: إذا قال: هو يهودي إن فعل كذا. أو: كافر. أو: بريء من الإسلام، أو: من الرسول، إن فعل كذا. ففعل، حنث، ووجبت الكفارة، نص عليه في رواية صالح (٢) وأبي طالب (٣) وابن إبراهيم (٤). وقال مالك (٥) والشافعي (٦): لا كفارة عليه. وقد روي عن أحمد نحو هذا، فقال في رواية حنبل: إذا قال: كفر بالله. أو: أشرك بالله. أحبُّ أن يُكفِّر، ويستغفر الله (٧)، وظاهر هذا أنها مستحبة. وقال حربٌ: قلت لأبي عبد الله: الرجل يقول: أنا يهودي أو نصراني إن لم أفعل كذا. قال: نسأل الله العافية. قلت: فعليه كفارة، فسكت فقد توقف عنها (٨). وجه الأولة: أن هذا حالف (٩) بدلالة قوله ﷺ : "من حلف بملة غير ملة الإسلام، فإن:

стр. 940

كان كاذبًا، فهو كما قال، وإن كان صادقًا، فلن يعود كما كان" (١). فإذا ثبت أنه حالف دخل تحت قوله تعالى: ﴿ذَلِكَ كَفَّارَةُ أَيْمَانِكُمْ إِذَا حَلَفْتُمْ﴾ [المائدة: ٨٩]، وأيضًا ما رواه أبو بكر (٢) في كتاب الشافي قال: نا الصيدلاني (٣) نا عبد الله بن محمد عن سعيد الحراني نا محمد بن سليمان يعني ابن أبي داود (٤) قال: حدثني أبي عن الزهري عن خارجة بن زيد (٥). عن زيد عن رسول الله ﷺ أنه سئل عن الرجل يقول: هو يهودي هو نصراني. أو: مجوسي. أو بريء من الإسلام. في اليمين يحلف عليها، فيحنث في هذه الأشياء قال: "عليه كفارة يمين" (٦). وهذا نص وأيضًا فإن البراءة من الإسلام أو من الرسول يُوجب

стр. 941

الكفر (١)، فجاز أن يصير به حالفًا، وتجب الكفارة إذا حنث (٢). دليله: الله ولا يلزم عليه إذا قال: أنا أستحل شرب الخمر وأكل الميتة إن فعلت كذا فإنه يكون حالفًا، وتجب الكفارة إذا حنث فيها (٣). فإن قيل: إن أردتم، جاز أن يكون حالفًا بالبراءة منه، لم يسلم في اسم الله ؛ لأنه لا يكون حالفًا عندنا بالبراءة من الله ، وإن أردتم جاز أن يكون حالفًا بحرف القسم، لم يقولوا به في الفرع؛ فإنه لا يجوز أن يكون به حالفًا بالإسلام، ولا باليهودية، ولا بالكفر، ولا بالبراءة (٤). قيل: نريد به أن يكون حالفًا بما يحصل به هتك الحرمة (٥) على أن هذا التفصيل لا يلزمنا؛ لأنا قلنا: جاز أن تجب به كفارة، ولم يتعرض للكيفية، وإذا وجبت، لم يبق إلا قولنا، وأيضًا فإنه لا يجوز استباحة الكفر لحق الله تعالى بحال، كما لا يجوز استباحة الاستخفاف باسم الله تعالى لحقه بحال، ثم جاز أن يكون حالفًا باسم من أسمائه كذلك ههنا (٦). فإن قيل: اسم الله هو المقسم به؛ فلهذا تعلق به وجوب الكفارة، وليس كذلك، إذا قال: أنا بريء من الله. أو: من الإسلام. فإن المحلوف به غير الله؛ فلهذا لم تنعقد به اليمين (٧).

стр. 942

قيل: الكفارة لا تجب لذكر الله، وإنما تجب لهتك حرمة الاسم؛ ولهذا لا تجب ما لم يحنث، والاسم موجود على أن في مضمون هذه اليمين الحلف بالله تعالى؛ لأن قوله: هو يهودي إن فعل كذا. تقديره: تركت حرمة الله وتعظيمه ومراعاة حقه إن فعلت كذا؛ لأن اليهودية حرمت لهذا المعنى فبان أن هذه اليمين تنتظم حق الله - تعالى - ومراعاة حرمته ولا فرق بين أن يكون ذلك في لفظه أو في معنى كلامه، ألا ترى أنه لو قال: علي يمين إن فعلت كذا لما كانت اليمين تكون بالله تعالى صار كأنه ذكر اسمه (١). ويبين صحة هذا: وأن في مضمون هذه اليمين: أنه لا يجوز أن يرد الشرع باستباحة الكفر بالله تعالى، كما لا يجوز أن يرد استباحة الاستخفاف باسم الله تعالى، لم يبطل هذا بقوله لأمته وزوجته: أنت علي حرام. لم يأت باسم القسم به، ومع هذا تلزمه الكفارة. وأيضًا فإن القسم تعظيم للمقسم به أن لا يكون منه ما حلف عليه، فإذا قال: هو كافر إن فعل كذا. فكأنه قال: هو بريء من عبادة الله إن فعل كذا. والعبادة لا يستحقها غير الله تعالى، فإذا عقد يمينه بضرب من التعظيم لا يستحقه غير الله تعالى، وأكذبه الخبر كان يمينًا كقوله: والله (٢). فإن قيل: لو قال: إن فعلت كذا، فأنا شاربٌ خمرًا وآكل ميتة. أو: تارك الصلاة والصيام والزكاة والحج. لم يكن يمينًا (٣)، وإن كان تقديره: إن فعلت كذا، فأنا بريء من عبادة الله. يعني: لا أعبده بالامتناع من شرب الخمر، وإتيان سائر العبادات (٤). قيل له: شارب الخمر، وتارك الصلاة والزكاة لا يكون كافرا، فنظيره أن يقول: أنا مستحل لشرب الخمر وأكل الميتة، أو ترك الصلاة والزكاة، إن فعلت كذا. فيكون يمينًا (٥).

стр. 943

فإن قيل: لو قال: وحق بيت الله. أو: وحق رسول الله. لم يكن يمينًا. وإن كان تعظيمًا للمقسم به، فعلمنا أنه ليس كل ما كان فيه تعظيم كان يمينًا، وإنما اليمين ما كان باسم من أسمائه، وصفة وصفة من صفاته (١). قيل: هناك لا يتضمن الاستخفاف بحرمة الله، وإنما يتضمن الاستخفاف بحرمة المقسم، وهو مخلوق، فنظيره من مسألتنا أن يقول: هو بريء من الكعبة إن فعل كذا. فيكون حالفًا (٢). فإن قيل: قوله: وهو كافر. ليس معناه: هو بريء من عبادة الله. وإنما معناه: أنه مكذب له كما أن ضده، وهو قوله أنا مؤمن بالله. أي مصدق له. فيكون المحلوف به هو التكذيب، وهذا محرم في حق الله، كما هو محرم في حق رسوله؛ لأنه يجب التصديق به، ويحرم تكذيبه (٣). قيل: معنى التكذيب معنى الكفر والبراءة؛ لأن كل واحد من ذلك يتضمن المخالفة لما أخذ عليه، والاستخفاف بالحرمة، وقد قيل: معنًى مؤثر في الفرقة مختلف في كونه يمينًا، فجاز أن يجب بمقتضاه يمين، كقوله: أنت علي حرام لأمتِه (٤). واحتج المخالف: بما روى أبو هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : "لا تحلفوا بآبائكم ولا بأمهاتكم، ولا بالأنداد ولا تحلفوا إلا بالله ولا تحلفوا بالله إلا وأنتم صادقون" (٥). وقوله: "لا تحلفوا إلا بالله" نهي عن اليمين بغير الله والنهي يدل عل فساد المنهي عنه وهذه اليمين بغير الله فوجب أن تكون فاسدة (٦).

стр. 944

والجواب: أنا قد بينا أن هذا في معنى الحلف بالله؛ لأن تقديره: هو هاتك لحرمة من يقع الكفر به إن فعلت كذا. وهذا معنى الأيمان، وعلى أنه حجة لنا؛ لأنه سماه حالفًا، وعندكم أنه ليس بحالف (١). واحتج بقوله ﷺ : "من حلف بملة غير ملة الإسلام فكفارته أن يقول: لا إله إلا الله" (٢). والجواب: أنه حجة لنا؛ لأنه سماه حالفًا وعلى أن هذا محمول على من كفر بالحلف بغير ملة الإسلام فقال: واليهودية لا أفعل كذا فيصير معظمًا لها، فيكفر ويفارق هذا القول الإخلاص، فلما إذا قال: إن فعلت كذا، فأنا يهودي فإنه لا يكفر بالإخلاص بالاتفاق، فلم يتناوله الخبر (٣). واحتج: بأنه حلف بمحدث أو بمخلوق فإن الكفر وسائر الملل مخلوق فوجب أن لا تصح اليمين (٤). أصله: إذا قال: والكعبة والنبي والسماء والقمر أو قال: هو فاسق أو شاربٌ خمرٍ أو قاتل نفس أو تارك صلاة أو زكاة ونحو ذلك ولا يلزم عليه إذا قال لامرأته أو جاريته أنت علي حرام؛ لأنه ليس بيمين وإن وجبت عليه كفارة يمين؛ لأن هذه الكفارة تجب باللفظ دون الحنث ولهذا لا يجب في غيرها من الأموال (٥).

стр. 945

والجواب: أن معنى العلة يفسد بقوله لأمته: أنت علي حرام فإنه محدث مخلوق والكفارة متعلقة بهذا القول وإن لم يكن يمينًا عندهم وهي عندنا يمين ولهذا يتعلق بسائر الأيمان إذا حرمها وينكس أيضًا بالنذر وهو إذا قال: إن فعلت كذا فعلي نذر ثم لا نسلم أنه حلف بمحدث أو مخلوق؛ لأنا قد بينا أن مضمون يمينه الحلف بالله؛ لأن تقديره تركت حرمة الله وتعظيمه بالكفر إن فعلت كذا وأما فعل المعاصي من شرب الخمر والقتل وترك العبادات من الصلاة والصيام والحج والحلف بالكعبة والسماء لا يصير به متبرئًا من عبادة الله فلهذا لم يكن به حالفًا وههنا يصير متبرئًا من عبادة الله فنظيره أن يتبرأ من اعتقاد العبادات ويستحل فعل المعاصي فيكون حالفًا (١). فإن قيل: علة الأصل تبطل به إذا حلف باسم الله فقال: والله لا فعلت كذا فإنه لا يصير بذلك متبرئًا من عبادته وتجب الكفارة (٢). قيل: إنما تجب الكفارة هناك بهتك حرمة الاسم لا بمجرد اليمين وهذا المعنى موجود ههنا؛ لأن تقديره تركت حرمة الله وتعظيمه بالكفر (٣). فإن قيل: علة الفرع لا نسلمها؛ لأنه إذا قال هو يهودي إن فعل كذا لا يصير به متبرئًا وإن فعل المحلوف عليه (٤). قيل: إذا انضم إلى ذلك اعتقاد صار متبريًا بلا خلاف وإنما لا يصير متبرئًا إذا أخرجه مخرج للقسم من غير اعتقاد ونحن لم ندع البراءة في مسألتنا وإنما ادعينا ذلك عند انضمام النية إليه كما قلنا في اسم الله تعالى وإذا تبرأ منه صار متبرئًا بانضمام الاعتقاد إليه (٥).

стр. 946

فإن قيل: لا تأثير للبراءة من عبادة الله تعالى في إيجاب الكفارة وإنما التأثير ما يحصل به فاسقًا (١). بدليل: كفارة الظهار (٢) والوطي في رمضان والقتل. قيل: لا تأثير له في غير كفارة اليمين فأما في كفارة اليمين فله تأثير (٣). بدليل: اسم الله تعالى على أن وجوب الكفارة فيما لا يحصل به البراءة من عبادة الله لا يمنع تأثيره ههنا كما أن وجوب القتل في غير الردة لا يمنع من تأثيره في الردة وعلى أن كفارة الظهار لأجل قول المنكر وكفارة الوطي لهتك حرمة الصوم وهذه الكفارة لهتك حرمة الله تعالى (٤). واحتج بعضهم: بأنه لفظ يعرى عن اسم الله تعالى وصفته فوجب أن لا يكون يمينا تتعلق به الكفارة كما لو حلف بالكعبة والصحابة (٥). والجواب: أنه لا تأثير لهذا الوصف عند المخالف؛ لأنه لو قال: أنا بريء من الله إن فعلت كذا فإنه لا كفارة عليه عندهم وإن لم تعر يمينه عن اسم الله تعالى ثم الكلام عليه ما تقدم من النقص بلفظ الحرام والنذر والممانعة في الوصف لما بينا أن مضمون يمينه الحلف بالله وعلى أن الكفارة في اليمين لا تجب لذكر الاسم ولهذا لا تجب قبل الحنث وإنما تجب بهتك حرمة الاسم بالحنث وهتك الحرمة موجود ههنا (٦).

стр. 947

١٥٧ - ٢ مسألة: لا كفارة في اليمين الغموس (١) نص عليه في رواية الجماعة أبي طالب (٢) وابن منصور (٣) وحرب (٤)، وهو قول أبي حنيفة (٥) ومالك (٦)، ونقل أبو العباس أحمد بن سعيد اللحياني (٧). عنه أنه قال: إنما الكفارة فيمن يتعمد الحلف على الكذب ولا أعلمه إلا وقد سمعته يقول: قد روي في الذي يتعمد الحلف على الكذب أنه يكفرها، وظاهر هذا أنه أوجب فيها الكفارة (٨) وهو قول الشافعي (٩). والدلالة على أنه لا كفارة فيه قوله تعالى: ﴿لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ﴾ [البقرة: ٢٢٥] (١٠)، والمراد به اليمين الغموس؛ لأنه علق المؤاخذة فيما يكسب القلب وهذه صفة الغموس وقد بين حكمها وهو أنه يؤاخذ بها ويعاقبه عليها ولم يوجب الكفارة (١١).

стр. 948

ونا أبو محمد الحسن بن محمد (١) وقرأته عليه قال نا أبو حفص عمر بن أحمد بن عثمان (٢). قال نا محمد بن هارون بن حميد (٣) قال نا داود بن رشيد (٤) قال نا بقية (٥) عن بحير بن سعد (٦) عن خالد بن معدان (٧) عن أبي المتوكل (٨) عن أبي هريرة أنه سمع رسول

стр. 949

الله ﷺ يقول: "ليس لها كفارة يمين صابرة ليقتطع بها مالًا بغير حق" (١). وأيضًا قوله ﷺ "اليمين الغموس تدع الديار بلاقع (٢) " (٣). وقوله ﷺ : "من حلف على يمين فاجرة ليقتطع بها مال امرئ مسلم، لقي الله وهو عليه غضبان" (٤). فبين حكمها ولم يوجب الكفارة (٥). فإن قيل: المقصود بهذا الخبر بيان الوعيد والزجر عنها ولم يقصد بيان حكمها، وهذا كقوله ﷺ : "من أعان على قتل مسلم ولو بشطر كلمة جاء يوم القيامة مكتوب بين عينيه: آيس من رحمة الله" (٦).

стр. 950

وقوله ﷺ : "لزوال الدنيا على الله أهون من قتل امرئ مسلم" (١). ولم يبين ما يجب بقتله (٢). قيل له: الخبر أفاد الأمرين الزجر عنها وأنه لا كفارة فيها اذ لو كانت الكفارة واجبة لبينها كما بين حكم الوعيد فيها ولو خلينا وظاهر قوله جاء يوم القيامة مكتوب بين عينيه آيس من رحمة الله لقلنا أن هذا جملة ما يتعلق به لكن قام الدليل على الأحكام، وأيضًا فإنها يمين على الماضي أو يمين على أمر واقع أو يمين يقاربها الحنث فلا تتعلق بها الكفارة (٣). دليله: اللغو ولا يلزم عليه إذا قال: والله لأصعدن السماء ولأقلبن الحجر ذهبًا ولأقتلنَّ فلانًا وهو ميت أنه يكفر؛ لأن هذه يمين على مستقبل على ما نبينه فيما بعد (٤). فإن قيل: اللغو ما سبق على لسانه ولم يقصده سواء كان على الماضي أو على المستقبل وإذا لم يكن مقصوده لم يجز اعتبارها بالمقصود (٥).
следующие страницы →