← Фикх ханбали

Фикх ханбали · id 30057

التعليقة الكبيرة - أبو يعلى - من الأشربة للأيمان

القاضي أبو يعلى ابن الفراء

Полный текст (1 057 стр.). Показаны 946–985 · переход к 951.

стр. 946

فإن قيل: لا تأثير للبراءة من عبادة الله تعالى في إيجاب الكفارة وإنما التأثير ما يحصل به فاسقًا (١). بدليل: كفارة الظهار (٢) والوطي في رمضان والقتل. قيل: لا تأثير له في غير كفارة اليمين فأما في كفارة اليمين فله تأثير (٣). بدليل: اسم الله تعالى على أن وجوب الكفارة فيما لا يحصل به البراءة من عبادة الله لا يمنع تأثيره ههنا كما أن وجوب القتل في غير الردة لا يمنع من تأثيره في الردة وعلى أن كفارة الظهار لأجل قول المنكر وكفارة الوطي لهتك حرمة الصوم وهذه الكفارة لهتك حرمة الله تعالى (٤). واحتج بعضهم: بأنه لفظ يعرى عن اسم الله تعالى وصفته فوجب أن لا يكون يمينا تتعلق به الكفارة كما لو حلف بالكعبة والصحابة (٥). والجواب: أنه لا تأثير لهذا الوصف عند المخالف؛ لأنه لو قال: أنا بريء من الله إن فعلت كذا فإنه لا كفارة عليه عندهم وإن لم تعر يمينه عن اسم الله تعالى ثم الكلام عليه ما تقدم من النقص بلفظ الحرام والنذر والممانعة في الوصف لما بينا أن مضمون يمينه الحلف بالله وعلى أن الكفارة في اليمين لا تجب لذكر الاسم ولهذا لا تجب قبل الحنث وإنما تجب بهتك حرمة الاسم بالحنث وهتك الحرمة موجود ههنا (٦).

стр. 947

١٥٧ - ٢ مسألة: لا كفارة في اليمين الغموس (١) نص عليه في رواية الجماعة أبي طالب (٢) وابن منصور (٣) وحرب (٤)، وهو قول أبي حنيفة (٥) ومالك (٦)، ونقل أبو العباس أحمد بن سعيد اللحياني (٧). عنه أنه قال: إنما الكفارة فيمن يتعمد الحلف على الكذب ولا أعلمه إلا وقد سمعته يقول: قد روي في الذي يتعمد الحلف على الكذب أنه يكفرها، وظاهر هذا أنه أوجب فيها الكفارة (٨) وهو قول الشافعي (٩). والدلالة على أنه لا كفارة فيه قوله تعالى: ﴿لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ﴾ [البقرة: ٢٢٥] (١٠)، والمراد به اليمين الغموس؛ لأنه علق المؤاخذة فيما يكسب القلب وهذه صفة الغموس وقد بين حكمها وهو أنه يؤاخذ بها ويعاقبه عليها ولم يوجب الكفارة (١١).

стр. 948

ونا أبو محمد الحسن بن محمد (١) وقرأته عليه قال نا أبو حفص عمر بن أحمد بن عثمان (٢). قال نا محمد بن هارون بن حميد (٣) قال نا داود بن رشيد (٤) قال نا بقية (٥) عن بحير بن سعد (٦) عن خالد بن معدان (٧) عن أبي المتوكل (٨) عن أبي هريرة أنه سمع رسول

стр. 949

الله ﷺ يقول: "ليس لها كفارة يمين صابرة ليقتطع بها مالًا بغير حق" (١). وأيضًا قوله ﷺ "اليمين الغموس تدع الديار بلاقع (٢) " (٣). وقوله ﷺ : "من حلف على يمين فاجرة ليقتطع بها مال امرئ مسلم، لقي الله وهو عليه غضبان" (٤). فبين حكمها ولم يوجب الكفارة (٥). فإن قيل: المقصود بهذا الخبر بيان الوعيد والزجر عنها ولم يقصد بيان حكمها، وهذا كقوله ﷺ : "من أعان على قتل مسلم ولو بشطر كلمة جاء يوم القيامة مكتوب بين عينيه: آيس من رحمة الله" (٦).

стр. 950

وقوله ﷺ : "لزوال الدنيا على الله أهون من قتل امرئ مسلم" (١). ولم يبين ما يجب بقتله (٢). قيل له: الخبر أفاد الأمرين الزجر عنها وأنه لا كفارة فيها اذ لو كانت الكفارة واجبة لبينها كما بين حكم الوعيد فيها ولو خلينا وظاهر قوله جاء يوم القيامة مكتوب بين عينيه آيس من رحمة الله لقلنا أن هذا جملة ما يتعلق به لكن قام الدليل على الأحكام، وأيضًا فإنها يمين على الماضي أو يمين على أمر واقع أو يمين يقاربها الحنث فلا تتعلق بها الكفارة (٣). دليله: اللغو ولا يلزم عليه إذا قال: والله لأصعدن السماء ولأقلبن الحجر ذهبًا ولأقتلنَّ فلانًا وهو ميت أنه يكفر؛ لأن هذه يمين على مستقبل على ما نبينه فيما بعد (٤). فإن قيل: اللغو ما سبق على لسانه ولم يقصده سواء كان على الماضي أو على المستقبل وإذا لم يكن مقصوده لم يجز اعتبارها بالمقصود (٥).

стр. 951

بدليل: حقوق الله من العبادات والنذور ولا يلزم ولا يثبت حكمها عنه عدم القصد ويثبت مع القصد. قيل: لا نسلم لك هذا؛ لأن اللغو عندنا ما كان على الماضي دون المستقبل سوءا قصده أو لم يقصد (١) وعلى أن الأصول قد سوت بين القصد وعدمه فيما يرجع إلى الكفارة (٢). بدليل: القتل سوى بين الخطأ وبين عمد الخطأ في إيجاب الكفارة كان يجب أن يسوى بينهما ههنا (٣). وجواب آخر: وهو أن عدم القصد في يمين اللغو ليس هو المسقط للكفارة لكنه منع انعقادها فلم تجب الكفارة لفقد الانعقاد وهذا المعنى موجود في مسألتنا؛ لأن اليمين لم تنعقد أيضًا وتنبني المسألة على أن يمين الغموس غير منعقدة (٤). ويدل عليه: بأن ما يطرأ على العقد مما يحله إذا قارنه منع انعقاده كالرضاع والردة في النكاح وهلاك البيع كذلك ههنا لما كان طريان الحنث يحل اليمين يجب أن يمنع انعقادها (٥). يبين صحة هذا: حال الاستدامة في البقاء أكد من الابتداء ثم ثبت إن ذلك ينافي الاستدامة فأولى أن ينافي الابتداء ولا يلزم عليه إذا قال: والله لأقتلن فلانا وفلان ميت عالم بموته أنه لا يمنع انعقاد اليمين؛ لأن الحنث ههنا لم يقارن اليمين بل تأخر عنها وذلك أنه عقد اليمين على معنى في المستقبل وهو إفاتت حياة يحدثها الله تعالى وهذا معنى معقول متوهم كونه فينعقد اليمين ثم يحصل الحنث لفوات شرط البر ولا يلزم عليه إذا حلف ليصعدن السماء وليقلبن الحجر ذهبًا؛ لأن الحنث يتأخر عن هذه اليمين (٦).

стр. 952

بدلالة: أن الحنث لا يكون باليأس من الفعل حتى بمضي اليوم وإن كان اليأس موجودًا بأول النهار، ولأن المنعقدة ما يترقب فيها البر والحنث نحو قوله: والله لا أكلت لا شربت فأما ما لم يترقب فيها ذلك فهي غير منعقدة ألا ترى أنه لو قال لزوجته إن دخلت الدار فأنت طالق لم تطلق في الحال؛ لأن الحنث مترقب، ولو قال أنت طالق أو قال لعبده: أنت حر وقع في الحال؛ لأنه لا يترقب فيها ولا حنث (١). فإن قيل: لو لم يكن يمينًا منعقدة لم يطلق عليها اسم اليمين وقد قال تعالى: ﴿يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ مَا قَالُوا وَلَقَدْ قَالُوا كَلِمَةَ الْكُفْرِ﴾ [التوبة: ٧٤]. وقال: ﴿وَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ إِنَّهُمْ لَمِنْكُمْ وَمَا هُمْ مِنْكُمْ وَلَكِنَّهُمْ قَوْمٌ يَفْرَقُونَ﴾ [التوبة: ٥٦]. وقول النبي ﷺ : "اليمين الغموس تذر الديار بلاقع" (٢). قيل: نحن نطلق عليها اسم اليمين لكن يمينًا غير منعقدة كما يطلق ذلك على يمين اللغو (٣). واحتج المخالف: بقوله تعالى: ﴿لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الْأَيْمَانَ﴾ [المائدة: ٨٩]. والعقد: هو القصد إلى اليمين ومنه قول الشاعر (٤): خطرات الهوى تروح وتغدو … ولقلب المحب حل وعقد والقصد موجود في اليمين الغموس إلا أنها لا تنعقد بحكم الشرع لوقوعها على فعل ماض والله تعالى علق المؤاخذة باليمين المعقودة لا باليمين المقصودة لا باليمين

стр. 953

المنعقدة وقد يعقد الإنسان الشيء ولا ينعقد بحكم الشرع كالبيع الفاسد (١). والجواب: أنا لا نسلم أن اليمين الغموس معقودة. بدليل: ما ذكرنا وإذا لم تكن معقودة لم تدخل تحت الآية فأما قولهم أن العقد هو القصد غلط؛ لأن العقد يقتضي الحل وما لا يوصف بالحل لا يوصف بالعقد كالطلاق الواقع في الحال وعلى أن العقد الانعقاد لا القصد (٢). بدليل عقد البيع والنكاح ولقول الشاعر (٣): ولقلب المحب حل وعقد لا دلالة فيه على القصد ألا ترى أنه قرنه بالحل كما يقرن به اليمين المعقودة على المستقبل وعلى أنه ليس المراد القصد وإنما المراد ما يحل في القلب من الحب ثم يفارقه وعلى أنا لا نعلم أن قائله ممن يجوز الاحتجاج بقوله: وهو كلام لين من شعر المحدثين وقولك: أنه يعقد البيع الفاسد فلا ينعقد يجب أن لا تنعقد هذه اليمين ههنا (٤). فإن قيل: قُرئ "عقَّدتم" بالتثقيل والتخفيف فقراءة التثقيل لا تحتمل إلا المعقودة وقراة التخفيف تحتمل المعقودة والمقصودة في الماضي فنحملهما عليهما (٥). قيل: قد بينا أن العقد لا يحتمل القصد واختلاف القرآتين لا يوجب ما قالوه من وجهين: أحدهما: أن قراءة التثقيل تفيد تكرار الفعل وتأكيده كما يقال قتل وقتل أفاد التأكيد والتكرار وعلى هذا تأوله الزجاج (٦) وأبو علي (٧) وأنه أفاد التأكيد والتكرار

стр. 954

والثاني: أنا إذا حملنا قراءة التخفيف على القصر أوجب حمل الكلام على التكرار وذلك أنه قال: ﴿لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ﴾ [البقرة: ٢٢٥] والمراد به: الغموس فلو حملنا قوله بما عقدتم على المقصودة في الماضي لكان فيه تكرار وهذا لا يجوز على أنا لو سلمنا لهم ذلك لم يضرنا؛ لأن قراءة التثقيل لا تحتمل إلا وجهًا واحدًا وقراءة التخفيف تحتمل وجهين ومن شأن المحتمل أن يحمل على ما لا يحتمل (١). فإن قيل: فقد قال تعالى: ﴿ذَلِكَ كَفَّارَةُ أَيْمَانِكُمْ إِذَا حَلَفْتُمْ﴾ [المائدة: ٨٩]، وهذا عام في كل يمين وهذه تسمى يمينًا (٢). قيل: الآية لا تتناول يمين الغموس من وجهين: أحدهما: إجماعنا على أن فيها إضمارًا وهو الحنث؛ لأن الكفارة لا تجب بمجرد اليمين وإنما تجب بالحنث فيحصل تقديرها ذلك كفارة أيمانكم إذا حلفتم وحنثتم وليس الحنث إلا في اليمين المعقودة. والثاني: قوله تعالى: ﴿وَاحْفَظُوا أَيْمَانَكُمْ﴾ [المائدة: ٨٩]، وحفظ اليمين من إيجاب الكفارة والغموس لا يمكن حفظها لوقوعها على وجه واحد. فإن قيل: حفظ اليمين أن لا يحلف قال كُثير (٣): قليل إلا لا يا حافظ ليمينه … إذا بدرت منه الآلية (٤) برَّتِ وقال آخر (٥). احفظ لسانك لا تقول فتبتلي … أن البلاء موكل بالمنطق (٦)

стр. 955

قيل: لا يصح أن يقال احفظ يمينك وليس هناك يمين كما لا يصح أن يقال احفظ مالك وليس هناك مال وقول الشاعر حجة عليهم لأنه وصفه بالحلف بقوله قليل الألايا، وبقوله: إذا بدرت منه الإلية برَّتِ إلا أنه أخبر إذا حلف حفظ يمينه حتى يبر فيها ولا يحنث وأما قوله: احفظ لسانك فهو حجة عليهم أيضًا؛ لأنه لا يصح أن يقال احفظ يمينك وليس له يمين (١). فإن قيل: لو سلمنا لكم أن قوله: ﴿وَاحْفَظُوا أَيْمَانَكُمْ﴾ [المائدة: ٨٩] راجع إلى اليمين المعقودة لم يمنع ذلك من اعتبار العموم في قوله ذلك كفارة أيمانكم إذا حلفتم؛ لأنه لا يمتنع أن يكون أول الآية عامًا وآخرها خاصًا كما قلنا في قوله تعالى: ﴿وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ إِلَّا أَنْ يَعْفُونَ أَوْ يَعْفُوَ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ﴾ [البقرة: ٢٣٧]. أن وجوب نصف المهر عام في كل مطلقة وقوله: ﴿إِلَّا أَنْ يَعْفُونَ﴾ خاص في بعض المطلقات وهي الكبيرة وخصوص قوله: ﴿إِلَّا أَنْ يَعْفُونَ﴾ لم يوجب تخصيص قوله: ﴿وَإِنْ طَلَقْتُمُوهُنَّ﴾، وكما قلنا في قوله: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ﴾ [البقرة: ٢٢٨] ثم قال بعد ذلك: ﴿وَلَا يَحِلُّ لَهُنَّ أَنْ يَكْتُمْنَ مَا خَلَقَ اللَّهُ فِي أَرْحَامِهِنَّ﴾ [البقرة: ٢٢٨] يعني المرجعيات (٢). قيل: إذا ثبت أن الثاني راجع إلى الأول فالظاهر أن حكمه حكمة ومتى لا يحمل على موافقة الأول كان مخالفًا للظاهر وهذا لا يجوز إلا بدليل (٣).

стр. 956

فإن قيل: فقد قابل اللغو بالمنعقد بقوله تعالى: ﴿لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الْأَيْمَانَ﴾ [المائدة: ٨٩]، فإذا كانت هذه اليمين ليست بلغو كانت منعقدة (١). قيل: إنما يكون هذا إذا ثبت أنه لا قسم لليمين إلا في قسمين، فإما قسم اليمين عندنا ثلاثة أقسام، فلا يصح ما قالوه كما أن إذا قلنا هذا قيل ليس بخطأ، لم يجب أن يكون عمدًا؛ لأن القتل عمد وشبه عمد وخطأ فإذا انتفى عنه الخطأ لم يثبت العمد، فيمين اللغو لا مأثم فيها ولا كفارة ويمين الغموس فيها مأثم ولا كفارة فيها (٢)، وهو قوله: ﴿وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ﴾ [البقرة: ٢٢٥] المراد به: مؤاخذة المأثم ويمين منعقدة ففيها الكفارة ولا يأثم وهو قوله: ﴿وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الْأَيْمَانَ﴾ [المائدة:٨٩]. المراد به: الكفارة. بدليل: أنها تجب فيما لا ما ثم فيه (٣). واحتج بأنه خالف بين قوله وفعله في يمين مقصوده أشبه اليمين المعقودة (٤). والجواب: أنا لا نسلم المخالفة؛ لأن المخالفة تكون إذا عقد على المستقبل فأما الماضي فهو مخبر بالكذب ولا يقال حالف وحكي أن القتبي ذكر ذلك في باب ما يضعه الناس في غير موضعه وينتقض به إذا فعله على وجه النسيان وبالمولي إذا فاء لا كفارة عليه عندهم مع وجود الأوصاف والمعنى في الأصل أنها يمين على المستقبل وليس كذلك في مسألتنا؛ لأنها يمين على الماضي أشبه اللغو وإن شئت قلت المعنى في الأصل أن حنثها يتأخر عنها فيصير تاركًا لما لزمه من حفظ حرمة الاسم وليس كذلك ههنا؛ لأن حنثها قارنها فمنع انعقادها (٥).

стр. 957

واحتج بأنها يمين لو تأخر الحنث عليها وجب فيها الكفارة فوجب إذا قارنها أن تجب. دليله: إذا قال: والله لأقتلن فلانًا، وفلان ميت أو ليصعدن السماء أو ليحولن هذا الحجر ذهبًا أو فضة أو هذه الأجرة ذرة، فإن الكفارة تجب في هذه اليمين كذلك ههنا (١). والجواب: أنا لا نعرف عن أصحابنا في هذه المسائل رواية وربما امتنعوا من تسليم ذلك ويتوجه تسليم ذلك؛ لأن أحمد قد قال في رواية إسماعيل بن سعيد إذا قال لرجل والله لأقطعن يدك ورجلك فيه كفارة يمين فقد أوجب الكفارة، وإن كانت يمينة انعقدت على صفة يقارنها الحنث شرعًا، ولأنا قد حكمنا بصحة الإيلاء (٢)، من المجبوب (٣) ومن الرتقاء (٤)، وقد نص عليه هناك مع العلم بتعذر الفعل وهذا اصل لهذه المسألة فعلى هذا لا نقول أن الحنث يقارن في هذه المسألة بل يتأخر عنها، وذلك؛ لأنه عقد اليمين على معنى في المستقبل وهو إفاتة يحدثها الله فقال وهذا معنى معقول متوهم كونه فينعقد اليمين ثم يحصل الحنث لفوات شرط البر. فإن قيل: لا فرق بين ما يستحيل في العادة وبين ما يستحيل في العقل وإحياء الموتى في هذه الدنيا مستحيل في العادة فوجب أن يسقط اعتباره في المستقبل. قيل: لو كان كذلك لما صح وجوده كما لا يصح وجود ما يستحيل في العقل وقد علمنا أن الله تعالى أحيى قوما من الأمم السالفة وعرج بقوم إلى السماء وقلب الحجر

стр. 958

ذهبًا لقوم فبطل ما قالوه. يبين صحة هذا: أنهم قالوا إذا قال لها أن صعدت السماء فأنتِ طالق لم يقع الطلاق؛ لأن الصعود وإن كان مستحيلًا في العادة فغير مستحيل في القدرة. بدليل: أن الملائكة تعرج إلى السماء. فإن قيل: لو كان هذا المعنى في الأصل ما ذكرتم لوجب أن لا تنحل اليمين في الحال ولا تجب الكفارة؛ لأن المعنى الذي عقد عليه اليمين متوهم كونه كما لو كان فلان حيًا (١). قيل: إنما يحنث في الحال؛ لأن الله تعالى قد أجرى العادة أن لا يحيى الموتى في الدنيا فعلم أن شرط البر في الحال وليس كذلك إذا كان حيًا؛ لأنا لا نعلم فوات شرط البر لجواز أن يقبله فيبر في يمينه (٢). فإن قيل: فيجب أن يقولوا: أنه إذا وقَّته يحنث في الحال؛ لأنه علم فوات شرط البر (٣). قيل: كذا يقول وأنه يحنث في الحال وهذا بناء على أصلنا في اليمين الموقتة تنعقد في الحال ولهذا قلنا لو حلف أن يضرب غلامه في غد فمات العبد من يومه حنث (٤). فإن قيل: لما علم قوات شرط البر حال عقد اليمين في استحقاق الكفارة في الحال وجب أن يمنع صحة الانقياد لعلمنا بأنه ليس ههنا معنى يوجد في المستقبل. قيل: فإن الشرط سبب في الحنث فلا يمنع مقارنة العقد كالرحم سبب في إزالة الملك ولا يمنع مقارنة العقد فأما الكذب فهو نفس الحنث فمنع العقد ورأيت بعض أصحاب أبي حنيفة يحكى في هذه المسألة روايتين: أحدهما: أنه إن كان عالمًا بموته انعقدت يمينه وإن كان جاهلًا به قال: لم تنعقد؛ لأنه إذا كان عالمًا بموته فقد عقد يمينه على حياة يحدثها الله فيما بعد وإذا كان جاهلًا

стр. 959

فلم تعقد يمينه على هذا الوجه فحصلت يمينه على ماضي. والثانية: إن كان عالمًا بحياته لم تنعقد وإن كان جاهلاً انعقدت، ولأنه إذا كان عالمًا وقد تحقق فوات الحياة باليمين على ماض وإذا كان جاهلًا فيمينه تناولت حياة يظنها باقية فيمينه انعقدت على مستقبل (١). واحتج: بأن ما تعلق بالحنث المستقبل يعلق بالماضي. أصله: طالق أو عبده حر وكان قد فعله طلقت امرأته وعتق عبده ولو قال: إن لم أكن فعلت كذا فامرأته طالق أو عبده حر، ولم يكن فعله طلقت امرأته أو عتق عبده كما إذا حلف على المستقبل كذلك الكفارة في اليمين بالله تعالى (٢). والجواب: أن يمين الطلاق والعتاق، يستوي فيها الماضي والمستقبل وليس كذلك اليمين بالله تعالى فإنه فرق فيها بين الماضي والمستقبل. بدليل: يمين اللغو فإنها لا تنعقد لكونها على الماضي واليمين الغموس بهذه المثابة. فإن قيل: يمين اللغو لم تنعقد لكونها على الماضي وإنما لم تنعقد؛ لأنها غير مقصودة. بدليل: أنها لو كانت على المستقبل وهي غير مقصودة بأن سبق على لسانه لم تنعقد (٣). قيل: فيجعل هذا فرقًا بينهما فنقول يمين الطلاق والعتاق لا يعتبر القصد فيها فاستوى فيها الماضي والمستقبل وهذه يعتبر فيها القصد فدل على الفرق بينهما. فإن قيل: إنما لم يعتبر القصد هناك؛ لأنه يتعلق بحق آدمي فإذا قال: لم أقصد وسبق على لساني كان مبهمًا فلهذا لم يقبل والكفارة حق الله تعالى فلهذا لم يتهم فيها (٤).

стр. 960

قيل: فيجعل هذا فرقا أيضًا ونقول لما تعلق بها حق آدمي فغلظت فاستوى فيها الماضي والمستقبل وهذا بخلافه، ولأن الطلاق والعتاق يقع كل واحد منهما من غير أن يعلق بشرط فلهذا لم يفترق الماضي والمستقبل واليمين بالله تعالى لا تنعقد إلا أن تعلق بشرط فجاز أن تختص بشرط دون شرط. وقد قيل: إنا نسوي بين يمين الطلاق في الماضي وبين اليمين بالله تعالى فنلغي الصفة الماضية في الطلاق؛ لأنها لا تتعلق بالماضي، ويبقى قوله أنت طالق وهذا اللفظ إذا تجرد وقع به الطلاق وكذلك اليمين بالله تعالى تلغوا الصفة ويبقى مجرد الاسم فلا يتعلق به كفارة، ولأن تعليق الطلاق بأمر ماضي إيقاع وليس بطلاق ولهذا لو حلف لا يحلف فعلق الطلاق بأمر ماضي لم يحنث ولو وكل وكيلًا بالطلاق فعلق الطلاق بأمر ماضي وقع الطلاق ولو كانت يمينًا لم تقع (١). واحتج: بأن كل ما كان كذبًا في الخبر وجب أن يكون حنثًا في اليمين قياسًا على الحنث في سائر الأيمان (٢). والجواب: أنه باطل باللغو على أنا قد بينا الفرق بين هذه وبين سائر الإيمان فلا وجه لإعادته (٣). واحتج بأن كل معنى إذا طرأ على عقد صحيح أوجب الكفارة فإذا قاربه أوجب الكفارة قياسا على الوطئ في الحج (٤). والجواب: أنه يبطل بمن أحرم وعليه طيب لو طرأ الطيب على الإحرام أوجب الكفارة ولو قارنه لم يوجب وكذلك الجماع إذا طرأ على الصوم أوجب الكفارة وإذا قارنه وهو إن نزع فلا كفارة وعلى أنه لا معنى لقوله على عقد صحيح في الأصل؛

стр. 961

لأن الوطي يوجب الكفارة في الحج سواء كان صحيحا أو فاسدًا ويجعل هذا معنى موجبًا للفرق فنقول كفارة الحج آكد بدليل: أنها تجب بوطي في إحرام فاسد وليس كذلك كفارة اليمين فإنها لا تجب إلا في يمين منعقدة، ولأن الكفارة تتعلق بهتك حرمة الإحرام وهذا المعنى موجود في المقارن والطارئ والكفارة ههنا تتعلق بحل يمين منعقدة وهذا لا يوجد في الحنث المقارن (١). واحتج: بأن أكثر ما في الغموس أنه معصية وهذا المعنى لا يمنع وجوب الكفارة ألا ترى إن الله تعالى جعل الظهار معصية؛ لأنه سماه منكرًا من القول وزورًا ولم يجعله من إيجاب الكفارة (٢). والجواب: أنه ليس المانع من وجوب الكفارة كونه معصية وإنما المانع ما قدمنا وهو أنه يمين على ماضي فهو كاللغو أو نقول المانع من وجوب الكفارة أنها غير منعقدة وهذا المعنى معدوم في الظهار؛ لأن الظهار يتعلق بالتحريم الذي حصل بقوله: فاحتاج في رفعه إلى كفارة (٣). واحتج: بأن الغموس أعظم في المأثم فكان أولى بالكفارة (٤). والجواب: أن الكفارة تجب في غير مأثم فلم يجز اعتبار زيادة المأثم وعلى أنه متى ثبت أن الكفارة تعطي مقدارًا من المأثم لم يجز إثبات تغطيه ما زاد عليه (٥).

стр. 962

١٥٨ - ٣ مسألة: إذا حلف الكافر وحنث لزمته الكفارة نص عليه في مواضع فقال في رواية ابن منصور يصح إيلاؤه (١) وقال في رواية إسماعيل بن سعيد فيمن نذر في الجاهلية ثم أسلم يوفي بنذره (٢) وهو قول الشافعي (٣) وقال أبو حنيفة: لا تلزم كفارة (٤). دليلنا: قوله ﷺ : "من حلف على يمين فرأى غيرها خيرًا منها فليأت الذي هو خير وليكفر عن يمينه" (٥) وهذا عام. فإن قيل: المراد بالخبر من يعتقد أن بعض الأشياء خير من بعض أن حل اليمين قد يكون خيرًا من المقام عليها والكافر لا يعتقد ذلك بل الأشياء كلها سواء عنده. قيل: الكافر يعتقد أن بعض الأشياء خير من بعض؛ لأن له دينًا واعتقادًا مثل المسلم وأيضًا كل يمين صحت من المسلم صحت من الكافر كالطلاق والعتاق أو يقول كل من صح طلاقه صحت يمينه كالمسلم ولا يلزم عليه الصبي؛ لأنه يستوي فيه الأصل والفرع؛ لأن الصبي الكافر يصح طلاقه ولا يصح يمينه كالمسلم، ولأنه لا خلاف أن الكافر يستحلف عند الحاكم وكل من صحت يمينه عند الحاكم صحت عند الانفراد كالمسلم (٦). فإن قيل: اليمين في سائر الحقوق تقطع الخصومة فجاز أن يصح منه إقامة البينة وليس كذلك في مسألتنا؛ لأنه يتعلق بها كفارة وهي عبادة فلم تصح منه (٧).

стр. 963

قيل: هي وإن كانت تقطع الخصومة فالقصد منها الوفاء بالمحلوف عليه والبر فيها وهذا المعنى موجود في مسألتنا وإنما الكفارة تجب بالحنث والمخالفة فيها والكافر يصح منه الوفاء بالمحلوف عليه والبر فيه، ولأنه يصح إيلاؤه فصحت يمينه ووجبت الكفارة كالمسلم (١). فإن قيل: الإيلاء يتعلق به معنيان: أحدهما: الطلاق. والآخر: الكفارة والطلاق يصح من الذمي والكفارة لا تصح منه (٢). قيل: لا نسلم أن الإيلاء يتعلق به الطلاق وإنما يقع الطلاق بإيقاع الطلاق عند الامتناع من الفيئة (٣). واحتج المخالف بقوله تعالى: ﴿فَقَاتِلُوا أَئِمَّةَ الْكُفْرِ إِنَّهُمْ لَا أَيْمَانَ لَهُمْ﴾ [التوبة: ١٢]، وأيمان جمع يمين وهذا ينفي انعقاد اليمين منهم. والجواب: أن معناه أنهم لا يفون بها كما يقال فلان لا دين له، معناه: أنه لا يحافظ عليه. والدليل على ذلك قوله تعالى: ﴿أَلَا تُقَاتِلُونَ قَوْمًا نَكَثُوا أَيْمَانَهُمْ﴾ [التوبة: ١١٣]. واحتج بما روى سماك بن حرب (٤) عن زيد بن حارثة (٥) أنه قال الرسول الله ﷺ : انطلق بنا إلى فلانة نخطبها لك فانطلق رسول الله ﷺ معه فخطبها فقالت: إني عاهدت زوجي إن مات قبلي علي مثل ذلك، فقال ﷺ : إن كان ذلك في الجاهلية فارفضيه عنك

стр. 964

وإن كان في حال الإسلام ففي بعهدك" (١) (٢). والجواب: أنه يحتمل أن يكون معناه إن كان ذلك بعهود الجاهلية وهو الحلف بالأصنام فارفضيه وإن كان ذلك بعهود الإسلام ففي به يعني بالله تعالى (٣). واحتج بما روي عن النبي ﷺ قال: "الإسلام يجب ما قبله" (٤). والجواب: أن الخبر يقتضي أن يكون قد حصل قبل الإسلام شيء يعلق به حكم فيسقط بالإسلام والكافر على قولهم لا يلزمه لأجل اليمين والحنث شيء حتى يسقط بالإسلام (٥) ثم الخبر محمول على قطع الأثام والأوزار وأحكام أخر بدليل: ما ذكرنا (٦). واحتج بأن الكفارة عبادة لا تصح من المسلم إلا بالنية فوجب أن لا تصح من الكافر. دليله: الصلاة والصيام والحج (٧). والجواب أن جزاء الصيد لا يصح إلا بالنية ومع هذا يصح من الذمي عند أبي حنيفة وهو إذا قتل صيد الحرم وكذلك المرتد إذا كفر بالمال ثم أسلم أجزأه عندهم على أن تلك عبادات محضة فلم تجب على الكافر؛ لأنه ليس من أهل التعبد والكفارة وإن كانت

стр. 965

عبادة وقربة فوجوبها على وجه الجزاء عن الحنث الذي أوقعه فصارت كالحدود فجاز لزومها للكافر (١). واحتج بأنها كفارة فلا تلزم الذمي كالصوم (٢). والجواب: أنه ليس إذا لم يصح من شخص أحد الأنواع لا يصح منه غيره ألا ترى أن العبد لا يصح منه التكفير بغيره وكذلك المرتد إذا كفر بالمال ثم أسلم صح ولو كفر بالصوم لم يجز ثم المعنى في الصوم إنها عبادة محضة والعتق والإطعام فيه منفعة للآدمي فصح من الكافر (٣). واحتج: بأنه لما لم يلزمه الصيام والصلاة والحج لم تلزمه كفارة كالصبي والمجنون (٤). والجواب: أن المعنى في ذلك أنه لما لم يصح يمينه بالطلاق لم يصح بالله تعالى وهذا بخلافه. واحتج بأنه لا يصح منه موجب اليمين وهي الكفارة فلم تصح يمينه (٥). والجواب: أنه تصح منه الكفارة عندنا بالمال والعتق وعلى أن موجب يمينه الوفاء بما حلف عليه من البر وهذا يصح منه، ولأنه ليس إذا لم يصح موجبه لم تنعقد يمينه كالسكران تنعقد يمينه وإن لم تصح منه الكفارة في حال سكره (٦).

стр. 966

١٥٩ - ٤ مسألة: إذا قال أقسمت لا فعلت كذا أو أقسم فهو يمين نوى اليمين أو لم ينوه وكذلك على قياسه احلف في أصح الروايتين نقلها أبو طالب عنه فقال: إذا قال أقسمت عليك فعليه كفارة يمين إذا حنث وإن لم يقل بالله (١) وهو قول أبي حنيفة (٢). وفيه رواية أخرى إن نوى به اليمين كان يمينًا وإن لم ينويه لم يكن يمينًا نص عليه في رواية ابن القاسم في القسم كفارة يمين إذا نوى ذلك. وإن قال: أقسم ولم يكن له نية فلا شيء عليه (٣)، وكذلك نقل المروذي (٤) عنه إذا قال أقسمت عليك ولم يقل بالله فهو يمين إذا أراد أن يعقد اليمين (٥)، وكذلك نقل ابن منصور (٦) عنه في الرجل يقول: حلفت وأقسمت إذا كان يريد اليمين فكفارة يمين (٧)، وهو قول مالك فيما حكاه ابن نصر (٨). وقال الشافعي: إذا لم يصله باسم الله تعالى فليس بيمين سواء نوى به اليمين، أو لم ينوه (٩)، ونقل المروذي عنه في موضع آخر القسم وفرق بين قسمت عليك إلى أقسمت عليك فوجه الرواية الأولى وأنه يمين وإن لم ينوه قوله تعالى: ﴿إِذْ أَقْسَمُوا لَيَصْرِمُنَّهَا مُصْبِحِينَ وَلَا يَسْتَثْنُونَ﴾ [القلم: ٧، ٨] فأخبر أنهم أقسموا ولم يستثنوا والاستثناء لا يكون إلا في يمين ولم يقل أقسموا بالله (١٠). فإن قيل: قوله أقسموا لا يدل على صفة القسم ولا على لفظه وهل كان بالله أو بغيره

стр. 967

وليس هذا إلا كقوله: شتم فلان فلانًا وحلف فلان لا يدل ذلك على صفة الشتم ولا على صفة اليمين وإذا كان كذلك احتمل أن يكون أقسموا باسم الله تعالى. قالوا والذي يدل على صحة هذا: وإن اسم القسم إذا أطلق اقتضى اسم الله تعالى قوله: ﴿وَقَاسَمَهُمَا إِنِّي لَكُمَا لَمِنَ النَّاصِحِينَ﴾ [الأعراف: ٢١]، وكان قد أقسم إبليس لآدم ﵇ بالله تعالى، يدل على ذلك أن الله تعالى لما عاتب آدم ﵇ على قبوله من إبليس قال آدم يا رب إنه حلف بك وما علمت أن أحدًا يحلف بك كاذبًا فدل على أن إبليس حلف به (١). قيل: قوله: ﴿إِذْ أَقْسَمُوا﴾ خبر فالظاهر أنهم قالوا: أقسمنا وحمله على معنى آخر خلاف الظاهر ولو كان هناك زيادة على ذلك لذكره؛ لأن الحكم يتعلق به. ويبين صحة هذا: أنا وإياهم حملنا قوله: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَهَا فَمَتِّعُوهُنَّ وَسَرِّحُوهُنَّ سَرَاحًا جَمِيلًا﴾ [الأحزاب: ٤٩]. وقوله: ﴿فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ فَارِقُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ﴾ على لفظ السراح والفراق كذلك ههنا ويفارق هذا قوله فلان شتم وحلف؛ لأنه ليس هناك ما يدل على شتم بعينه ولا يمين بعينها وههنا ما يدل على أنه حالف باللفظ الذي تقدم؛ لأنه أخرجه مخرج التأكيد للخبر. وأيضًا ما روي أن أبا بكر ﵁ غبر رؤيًا فقال له النبي ﷺ : "أصبت بعضًا وأخطأت بعضًا"، فقال أبو بكر: أقسمت يا رسول الله لتخبرني فقال له النبي ﷺ : "لا تقسم يا أبا بكر" (٢) (٣).

стр. 968

فوجه الدلالة منه: أنه قال: أقسمت عليك ولم يقل أقسم بالله وجعله النبي ﷺ يمينًا ونهاه عنه (١). فإن قيل: يحتمل أن يكون أقسم بالله ولكن الراوي اختصر بعض اللفظ؛ لأنه ليس المقصود صفة اليمين (٢). قيل: لو كان لذكر ولم يختصره؛ لأن هذا مما يتغير الحكم بحذفه (٣). فإن قيل: فلو كان يمينًا لأوجب عليك الكفارة؛ لأنه حلف على أن يخبره النبي ﷺ ولم يخبره (٤). قيل: إنما لم يوجب الكفارة؛ لأنه لم يحنث في يمينه؛ لأنه كان يجوز أن يخبره النبي ﷺ بعد ذلك. وأيضًا روي أن صفوان بن عبد الرحمن (٥) جاء إلى النبي ﷺ يوم الفتح فقال: يا رسول الله، بايعه على الإسلام والهجرة، فقال النبي ﷺ لا هجرة، فقال العباس: أقسمت عليك يا رسول الله، لتبايعنه، فبايعه النبي ﷺ ، وقال: "بررت قسم عمي ولا هجرة (٦)، فجعل قوله: أقسمت عليك يمينًا وأخبر أنه بر قسمه، فدل على أنه بمجرده يمين فإن أعادوا السؤال فقل سبق عنه الجواب وأيضًا فإن القسم لا يقع بغير الله؛

стр. 969

لأن الإنسان لا يقول أقسمت بفلان ولا بالطلاق ولا بالعتاق فقوله: أقسم كقوله: أقسم بالله وكالحج لما لم يقع لغير الله كان قوله عليَّ حجة كقوله الله عليَّ حجة وإن شئت قلت أقسم يقتضي مقسمًا به وهو منهي عن القسم بغير الله فإذا أطلق فالظاهر أنه أراد به أقسم بالله فهو كما لو قال أقسم بالله (١). يبين صحة هذا: لو قال بعتك بألف حُمل على مقتضى الشرع وهو نقد البلد، وإن كان الإطلاق يتناول غيره وكذلك قالوا: إذا أوصى لرجل بطبل من طبوله وله طبول للهو وللعرس حملت وصيته على المباح (٢). وبين صحة هذا: أن اسم المفعول محذوف وهذا جائز قال تعالى: ﴿رَبَّنَا إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي﴾ [إبراهيم: ٣٧] تقديره: إني أسكنتُ ذريةً من ذُرِّيتي وإذا كان كذلك علم أنه محذوف (٣). فإن قيل: هذا يبطل بقوله: أولى أو أتالى هذا يقتضي مولى به ومع هذا فلا يكون حالفًا وكذلك قوله: لأفعلن كذا هذه اللام لا تكون إلا في جواب القسم ومع هذا فلا يكون حالفًا بذلك قالوا: ولا يلزمنا على هذا قوله تعالى: ﴿لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ﴾ [الأعراف: ١٨]، فإنه قسم والمقسم به مقدر فيه وكذلك قول الرجل لأفعلن كذا هو قسم والمقسم به مقدر فيه ولا يصح أن يكون حالفًا (٤). قيل: أما قوله أولى وأتالى فهو يمين والعرب تذكر ذلك حلفًا قال الشاعر (٥): أولى برب الراقصات إلى منى … ومطارح الأكوار حيث يبين

стр. 970

وأما قوله لأفعلن كذا فليس بيمين؛ لأن اللام قد تكون جوابًا لغير القسم، قال تعالى: ﴿لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ لَنَسْفَعًا بِالنَّاصِيَةِ﴾ [العلق: ١٥]، ولأن القسم جملة مؤكدة بجملة هي الجواب وقد خلت من التأكيد فلم يكن في ذكر الجواب دلالة على القسم وليس كذلك ههنا؛ لأنه قد أتى بالجملتين وفي جملة القسم ما يدل على مقسم به من الوجه الذي ذكرنا وليس في جملة الجواب ما يدل على التأكيد (١). فإن قيل: فيبطل بقوله: وَحقِه وَهوه فإنه يقتضي محلوفًا به ومع هذا ليس بيمين (٢). قيل: لأنه لم يثبت لذلك عرف شرع ولا عرف الاستعمال وقد ثبت ذلك في أقسم (٣). فإن قيل: الحج معروف وهو اسم مختص بهذه العبادة لا يشاركه فيه غيرها وليس كذلك قوله: أقسم فإنه يكون القسم به وبغيره (٤). وقيل: قد بينا أنه لا يكون القسم بغيره لكونه منهي عنه كما قلنا في إطلاق اليمين وفي الوصية بالطبل (٥). فإن قيل: اسم الحج وسائر العبادات لا يعتبر فيها حرمة اللفظ وليس كذلك ههنا، فإن الكفارة اختصت بالله لحرمة الاسم فإذا لم يكن منطوقًا به لم يكن للفظ حرمة (٦). قيل: الحج وسائر العبادات لابد أن يعتبر فيها حرمة من يفعل له ومع هذا فإن الإطلاق منصرف إليه كذلك القسم يقتضي مقسما به وهو منهي عن غير الله فوجب أن يحمل عليه، وأيضًا فإن قوله: أقسم من ألفاظ اليمين ألا ترى أنه لو قال: أقسم به ونوى به

стр. 971

اليمين كان يمينًا فإذا أخرجه مخرج التأكيد للخبر كان يمينًا كما لو قال: أقسم بالله (١). واحتج المخالف: بأنه لفظ يعرى عن اسم الله وصفته فوجب أن لا يكون يمينًا تتعلق به الكفارة. أصله: إذا حلف بالكعبة وإذا قال: أولى أو أتالى لأفعلن كذا فإذا قال لرجل قد حلف بالله يميني مثل يمينك أو عقدت ما عقدت (٢). والجواب: أن الكعبة يمين بغير الله وبغير رسوله وليس كذلك ههنا؛ لأنها يمين بالله تعالى من الوجه الذي ذكرنا وعلى أنه لا يمتنع أن لا يأتي باسم الله وصفته ويثبت حكمه بدليل لفظه الحرام وإذا قال: علي الحج وإن لم أفعل كذا فعلي نذر ثم لا نسلم أن اللفظ تعرى عن اسم الله؛ لأن الكلام يدل عليه وما دل عليه الكلام من الحذف فحكمه حكم المذكور (٣). واحتج: بأن قوله أقسم كناية والأيمان لا تثبت بالكنايات (٤). والجواب: أنا لا نسلم إنه كناية؛ لأن الكلام يدل على اسم الله تعالى كما دل قوله علي الحج أنه الله (٥). واحتج: بأن الحاكم لا يُحلف بأقسم (٦). والجواب: أنه لا يحلف بلفظه الحرام والنذر، ومع هذا تجب الكفارة وكذلك لا يحلف بعلم الله وقدرته وجلاله ومع هذا فهو يمين (٧). واحتج: بأنه لو قال يميني في يمينك أو يميني مثل يمينك أو عقدت ما عقدت لم يكن يمينًا (٨).

стр. 972

والجواب: أن ظاهر كلام أصحابنا يقتضي أنها يمين؛ لأن أبا القاسم الخرقي قال: فيما حكاه عنه ابن بطة (١) في أيمان البيعة إذا قال هي لازمة لي إذا التزم الحالف بها جميع ما فيها من الأيمان لزمته عرفها أو لم يعرفها فقد نص على أنها تلزم في حق الحالف وفيها يمين بالله وطلاق وعتاق ولم يشترط نية الحالف وعلى قياس هذا القول لو قال كل يمين يحلف بها المسلمون لازمة له أنه تلزمه اليمين بالله تعالى والطلاق والعتاق والظهار والنذر نوى ذلك أو لم ينوه وقد قال أحمد في رجل حلف بالطلاق أن لا يكلم رجلًا فقال له آخر: وأنا عليَّ مثل يمينك إن كلمته فعليه الطلاق مثل ما قال الذي حلف فألزمه ذلك ولم يشترط (٢)، وأصحاب الشافعي قالوا: اليمين بالله لا تلزمه نواها أو لم ينوها؛ لأن هذا اللفظ كناية واليمين بالله لا تنعقد بالكناية وأما الطلاق والعتاق فإن نواه لزمته اليمين وإن لم ينوه لم تلزمه؛ لأن هذا اللفظ كناية والكناية تفتقر إلى النية كالخلية والبرية ونحو ذلك وهذا بناء على أصولهم (٣)، فأما على أصلنا فإن اليمين تنعقد بالنية وبدلالة الحال في الطلاق والعتاق واليمين بالله وههنا دلالة حال وهو إخراج هذا اللفظ مخرج اليمين وقصد به التأكيد للخبر ولهذا قد قلنا إذا قال: أقسم كان يمينًا لهذه العلة وفيما ذكرنا من الدليل دلالة على مالك في اعتباره النية وذلك أن النبي ﷺ لم يعتبر نية أبي بكر ولا نية العباس، ولأنه لا تعتبر نيته في الحج إذا أقسم به (٤). واحتج المخالف: بأن أقسم كناية وليس بصريح فيجب أن تعتبر النية فيه كالكنايات في الطلاق (٥). والجواب: أنا لا نسلم أنه كناية من الوجه الذي ذكرنا (٦).

стр. 973

واحتج: بأنه لفظ تعرى عن اسم الله وصفاته لفظًا ونية فهو كما لو حلف بالكعبة. والجواب: عنه ما تقدم ثم نقلبه فنقول: فاستوى فيه النية وعدمها كما لو حلف بالكعبة (١). فصل فإن قال: أقسم بالله إن فعلت كذا فهو يمين وإن لم يكن له نية وهذا ظاهر كلام أحمد في رواية ابن القاسم إذا قال: أقسم بالله، فيمين فإن قال: أقسم ونيته يمين فكفارة يمين وإن لم يكن له نية فلا شيء فاعتبر النية في قوله أقسم ولم يعتبرها في اسم الله تعالى (٢)، وكذلك قال في رواية أبي طالب إذا قال: أقسمت برسول الله لتبايعني، فهي يمين (٣)، وهو قول أبي حنيفة (٤)، وقال الشافعي: لا تكون يمينًا إلا بالنية (٥). دليلنا: أن اللفظ يحتمل اليمين فإذا أخرجه مخرج التأكيد للخبر كان يمينًا كما لو قال: والله لأفعلن كذا، ولأنه مقسم بالله أشبه إذا نوى وذهب المخالف إلى أن هذا اللفظ يحتمل الوعد سأقسم ويحتمل اليمين في الحال فلا يجعله يمينًا (٦). والجواب: إنه إذا أخرجه مخرج التأكيد للخبر خرج من أن يكون محتملًا للوعد وللخبر وصار ظاهرة اليمين (٧). فإن قيل: لا نسلم أنه مؤكد بخبره في الحال بل يحتمل هذا ويحتمل أن يكون مؤكدًا لخبره بيمين في المستقبل (٨).

стр. 974

قيل: إطلاق اللفظ يقتضي اليمين فإن نوى به الاستقبال احتمل أن يقبل منه؛ لأن اللفظ يصلح للحال للحال والاستقبال، وإن كان في الحال أظهر فإذا نوى الاستقبال صدق؛ لأن الكفارة معنى يلزمه فيما بينه وبين الله تعالى فيصدق في ذلك ولو قال أقسم بالله لا أطأك وقال: أردت الاستقبال كان موليًا ولم يصدق؛ لأن الإيلاء يتعلق به حق الزوجة كما لو قال: أنت طالق وقال أردت من وثاق دين ولم يصدق في الحكم (١). ١٦٠ - ٥ مسألة: إذا قال: أشهد إن فعلت كذا فهو يمين نص عليه في رواية أبي طالب إذا قال: أشهد هي يمين ولعمري ليس بشيء (٢) وبهذا قال أبو حنيفة (٣) ويتخرج رواية أخرى لا يكون يمينًا إلا بالنية قياسًا على قوله: أقسمت وقد نص على ذلك في رواية حرب إذا قال أشهد لا أفعل كذا وكذا كأنه لم ير عليه كفارة قال: وكذلك أقسمت وكذلك نقل أبو طالب إذا قال أشهد ولعمري ليس بشيء (٤) وقال الشافعي: لا يكون يمينًا (٥). دليلنا: قوله تعالى: ﴿إِذَا جَاءَكَ الْمُنَافِقُونَ قَالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ (١) اتَّخَذُوا أَيْمَانَهُمْ جُنَّةً فَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِنَّهُمْ سَاءَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [المنافقون: ١، ٢] فأخبر أنهم اتخذوا قولهم نشهد أنك لرسول الله جنة وسماه يمينًا، ولأنه من ألفاظ اليمين ألا ترى أنه لو قال: أشهد بالله وأراد به اليمين كان يمينًا فإذا كان كذلك قلنا إذا أخرجه مخرج التأكيد للخبر جاز أن يكون يمينًا كما لو قال أشهد بالله ولأن الشهادة تقتضي مشهودًا به ولا تجب الشهادة بغير الله وبغير رسوله، ولأنه مقسم بالشهادة أشبه إذا قال أشهد بالله ونوى به اليمين (٦).

стр. 975

واحتج المخالف: بأن اللعان يمين وقد ثبت أن ذكر الله تعالى من شرطه حتى تركه لم يحتسب به، وكذا قال تعالى شهادة أحدهم أربع شهادات بالله وجب أن يكون سائر الأيمان مثله (١). والجواب: أنه لا يجب ذلك لوجهين: أحدهما: إن شرط ذكره في اللعان بقول أربع شهادات بالله ولم يشرطه في غيره من الأيمان كقوله تعالى: ﴿إِذَا جَاءَكَ الْمُنَافِقُونَ قَالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ﴾ [المنافقون: ١]، ومعناه نحلف، ولأن اللعان فيه معنى اليمين ومعنى الشهادة أما معنى الشهادة فإن لفظ الشهادة معتبرة وأما معنى اليمين فلانه يعتبر فيه التكرار وليسمع ممن هو من أهل الشهادة وغيرها فإذا قال: أشهد ولم يذكر الله تعالى احتمل أن يكون أراد به فلهذا لزمه ذكر الله تعالى وههنا ليس فيه معنى الشهادة وإنما هو يمين فإذا أتى بلفظ الشهادة جاز أن يكون يمينًا؛ لأن الشهادة في الغالب لا تكون بغير الله تعالى (٢). واحتج: بأنه لفظ عري عن ذكر الله وصفته فلم يكن يمينًا. دليله: والكعبة (٣). والجواب: أن المعنى في الأصل أنها يمين بغير الله وبغير رسوله وهذه يمين بالله والاسم محذوف وهو مراد ولا نسلم أنه تعرى عن اسم الله؛ لأنه مراد باليمين، ولأنه لا يمتنع أن يتعرى عن ذلك وتجب كفارة يمين كلفظة الحرام ولفظة النذر ولفظة الحج (٤).

стр. 976

فصل فإن قال: أشهد بالله إن فعلت كذا وكذا فهو يمين وإن لم يكن له نية وهذا على ظاهر كلامه في رواية المروذي إذا قال: أشهد بالله عليه الكفارة وكذلك أقسمت بالله (١)، وهو قول أبي حنيفة (٢)، وقال الشافعي: لا يكون يمينًا إلا بالنية (٣). دليلنا: أن اللفظ يحتمل اليمين فإذا أخرجه مخرج التأكيد للخبر كان يمينًا كقوله: والله لا أفعل كذا، ولأنه مقسم بالشهادة بالله أشبه إذا نوى (٤)، وذهب المخالف إلى أنه يحتمل الوعد ويحتمل اليمين فلا يجعله يمينًا إلا بالنية (٥). والجواب عنه: ما تقدم (٦). ١٦١ - ٦ مسألة: إذا قال وعلم الله لا فعلن كذا فهو يمين ؛ لأن أحمد قد نص في رواية أبي طالب وبكر بن محمد (٧): إذا حلف بسورة من القرآن وجبت عليه الكفارة مع قوله في غير موضع من كتاب الأصول: القرآن من علم الله (٨)، وهو قول مالك (٩) والشافعي (١٠) قال أبو حنيفة: ليس بيمين استحسانًا (١١).

стр. 977

دليلنا: أن العلم صفة من صفات ذاته أشبه القدرة والعزة والجلال والعظمة (١). واحتج المخالف: بأن العلم قد يطلق ويراد به المعلوم في العادة ألا تراهم يقولون: اللهم اغفر لنا علمك فينا ويريدون معلومك فينا فإذا قال: وعلم الله لأفعلن كذا كأنه قال ومعلوم الله فلا يكون يمينًا؛ لأن معلوم الله غير الله ومن حلف بغير الله لم تلزمه الكفارة (٢). والجواب: أن هذا مجاز ويجب حمل اللفظ على حقيقته وعلى أنه كان يجب أن يحمل على اليمين لا على المعلوم؛ لأنه منهي عن الحلف بغيره كما فعلنا هذا في لفظة القسم ثم هذا يبطل بالقدرة فإنه يعبر بها عن المقدور فيقال في الدعاء اللهم أريتنا قدرتك فأرنا بعفوك ويقول الناس: انظروا إلى قدرة الله وسبحان من هذا قدرته (٣). فإن قيل: القدرة تختص المعدوم؛ لأن الموجود مستغنى بوجوده عن القدرة وليس في العادة أن يحلف الإنسان بالمعدوم فلم يجز أن تحمل يمينه على المقدور فحمل على القدرة التي هي من صفات ذاته فصار كأنه قال والله القادر وليس كذلك العلم؛ لأنه لا تختص المعدوم بل هو معلق بالموجود والمعدوم فإذا حملناه على المعلوم لم يصر حالفًا بالمعدوم (٤). قيل: كان يجب أن يحمل قوله وعلم الله على اليمين بالله لا على المعلوم؛ لأنه منهي عن الحلف بغيره كما وجب حمل قوله: أقسم على اليمين بالله دون غيره؛ لأنه منهي عن أن يقسم بغيره (٥). وجواب آخر: لا نسلم أن القدرة تختص المعدوم؛ لأن الموجود لا يستغني بوجوده عن القدرة؛ لأن أفعال العباد وإكسابهم خلقًا لله تعالى فما استغنى بوجوده عن القدرة (٦).

стр. 978

١٦٢ - ٧ مسألة: إذا قال وحق الله فهو يمي ن نص عليه في رواية أبي طالب فيمن حلف بحق رسول الله فحنث فعليه كفارة يمين فإذا جعل ذلك يمينا في حق النبي ﷺ أولى أن يكون يمينًا في حق الله تعالى (١)، وهو قول مالك (٢) والشافعي (٣)، قال أبو حنيفة: ليس بيمين (٤). دليلنا: أن الحق اسم من أسماء الله تعالى وصفة من صفاته، ولا يصح أن يوصف بضده فإذا قال: وحق الله صار كأنه قال: والله الحق كما قلنا في قوله وجلال الله وعظمة الله أنه يصير كأنه قال والله الجليل والله العظيم وإن شئت قلت هذا لفظ موضوع لليمين في العرف بصفة مضافة إلى الله تعالى فكان يمينًا كقوله وقدرته وعظمته وجلاله (٥). واحتج المخالف: بأن حقوق الله -تعالى- هي العبادات التي أوجبها على عباده ويدل عليها: ما روي عن عبادة قال: "أن لا تشركوا به شيئًا وتعبدوه وتقيموا الصلاة وتؤتوا الزكاة" (٦) فأخبر أن حقوق الله تعالى هي هذه العبادات وهي غير الله فإذا حلف بها كان حالفًا فلا يكون يمينًا كما لو حلف بالكعبة ونحو ذلك (٧).

стр. 979

والجواب: أنه كان يجب أن يحمل قوله وحق الله على اليمين بالله لا على العبادات؛ لأنه منهي عن عن الحلف بغيره كما وجب ذلك في قوله أقسم (١). وجواب آخر: وهو أن قوله وحق الله وإن كان يحتمل العبادات فإنه يحتمل الاسم والصفة التي لا يجوز أن يوصف بضدها فوجب حمله على ذلك؛ لأنه قد اقترن به عرف الاستعمال في الحلف (٢). وجواب ثالث: وهو أن هذا يبطل باليمين بأمانة الله فإنها الفرائض التي أوجب الله تعالى قال الله سبحانه: ﴿إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ﴾ [الأحزاب: ٧٢]، ومع ذلك إذا قال: وأمانة الله يكون يمينًا (٣). فإن قيل: فالأمانة إذا أضيفت إلى الله تعالى صارت صفة من صفات ذاته كالقدرة والجلال والعظمة وليس كذلك الحق؛ لأنه وإن أضيف إلى الله تعالى لا يخرج من أن يكون عبادة عن العبادات (٤). قيل: لا فرق بينهما وذلك أنه إذا جاز أن يقال أن الأمانة تصير صفة من صفات ذاته وإن كانت عبارة من الفرائض جاز أن يقال في الحق إذا أضيف إليه يصير صفة من صفات ذاته وإن كان عبارة عن العبادات (٥). واحتج: بأن الحق عبارة عن الواجب، فإذا قال: وحق الله، وكأنه قال: وما أوجب الله تعالى فلا يكون يمينًا (٦). والجواب عنه: ما تقدم (٧).

стр. 980

١٦٣ - ٨ مسألة: إذا قال وعهد الله وميثاقه فهو يمين على ظاهر كلام أحمد في رواية ابن إبراهيم (١) في رجل عاهد الله أن لا يأكل من قرائيبة شيئًا وهو محتاج إليهم أحب أن يتقرب الى الله بأكثر من كفارة اليمين (٢). وقال أيضًا في رواية أبي طالب إذا قال: علي عهد الله إن فعلت كذا يتقرب إلى الله تعالى بكل ما استطاع (٣)، وعائشة أعتقت أربعين رقبة (٤) وهو قول مالك (٥). وقال أبو حنيفة: إذا قال: وعهد الله وميثاقه لم يكن يمينًا وإن قال عليَّ عهد الله وميثاقه يكون يمينًا؛ لأنه يصير بمنزلة النذر كما لو قال علي أن أدخل الدار إن فعلت كذا فيكون يمينًا (٦) وقال الشافعي: إن نوى به اليمين كان يمينًا (٧). دليلنا: قوله تعالى: ﴿وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ إِذَا عَاهَدْتُمْ وَلَا تَنْقُضُوا الْأَيْمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا وَقَدْ جَعَلْتُمُ اللَّهَ عَلَيْكُمْ كَفِيلًا إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ﴾ [النحل: ٩١]، فسمى العهد يمينًا ونهى عن نقضه بعد توكيده وهذا عام في ألفاظ العهد، ولأن العهد يمين في عرف الشرع واللغة أما عرف الشرع فروي عن عائشة أنها حلفت بالعهد أن لا تكلم ابن

стр. 981

الزبير فلما كلمته أعتقت أربعين رقبةً وكانت تقول: واعهداه" (١) وأما عرف اللغة فظاهر فإن الناس يحلفون بذلك كما يحلفون بالله تعالى ولأنه مقسم بعهد الله فهو كما لو قال: علي عهد الله وكما لو نواه (٢). واحتج المخالف: بأن عهد الله هو أمر الله يدلك عليه قوله: ﴿أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَابَنِي آدَمَ﴾ [يس: ٦١]، وقوله: ﴿وَلَقَدْ عَهِدْنَا إِلَى آدَمَ مِنْ قَبْلُ فَنَسِيَ وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْمًا﴾ [طه: ١١٥] فإذا كان كذلك صار كأنه قال: وأمر الله (٣). والجواب عنه: ما تقدم من الوجوه الثلاثة: أحدها: أنه يجب حمله على اليمين بالله؛ لأنه منهي عن غيرها كما وجب ذلك في أقسمت. والثاني: وأنه وإن كان عبارة عن ذلك فقدمت له عرف الشرع واللغة بالحلف به. والثالث: أنه يبطل بالحلف بالأمانة فإنها عبارة عن فرائضه ومع هذا إذا أضيفت إليه صارت صفة من صفاته كذلك ههنا غير أن يكون معناه استحقاقه أو يكون على ما هو عليه (٤). ١٦٤ - ٩ مسألة: إذا قال: وقدرة الله وجلاله وعظمته فهو يمين نوى به اليمين أو لم ينوه وهذا على قياس قوله في أقسم بالله وأشهد بالله أنه يمين وإن لم ينوي وبه قال أبو حنيفة (٥)، قال الشافعي: إذا قال أردت به وقدرة الله ماضيه وحقه واجب صدق (٦).

стр. 982

دليلنا: أنه لفظ موضوع لليمين فإذا أخرجه مخرج التأكيد للخبر ثم ادعى فيه إضمارًا لم يصدق كما لو قال: والله ثم قال: أردت به والله خالق ورازق ومحيي ومميت أنه لا يصدق، ولأنه مقسم بقدرة الله وجلاله فهو كما لو نوى (١). واحتج المخالف: بأن اللفظ يحتمل ما قاله فيجب أن يصدق (٢). والجواب عنه: ما مضى وهو أن خروجه على وجه التأكيد يمنع ثم يبطل بقوله والله ثم قال: أردت به خالق رازق (٣). ١٦٥ - ١٠ مسألة: إذا قال وأمانة الله، فهو يمين نص عليه في رواية حرب في الرجل يحلف بالأمانة فإن أراد أن يعقد اليمين فهو يمين فإن قال: لا وأمانة الله فهذا يمين فقيل له: وإن لم يرد اليمين فكأنه ذهب إلى أنه يمين إذا سمى الله تعالى فقد نص على أنه يمين إذا ذكر معه اسم الله تعالى، وإن لم ينوه واعتبر النية إذا لم يقرن معه الاسم (٤)، وبهذا قال أبو حنيفة (٥) ومالك (٦). قال الشافعي: لا يكون يمينًا إلا أن ينوي (٧). دليلنا: أن الأمانة إذا أضيفت إلى الله تعالى صارت صفة من صفات ذاته ألا ترى أنه لا يصح أن يوصف بضدها فيجب أن يكون يمينًا كقوله وعلم الله وحق الله أنه يمين (٨).

стр. 983

فإن قيل: فالفرائض والواجبات مضافة إلى الله تعالى فيقال: أحكام الله وفرائض الله فلم يكن في الإضافة ما يدل على ذكره (١). قيل: إلا أنها لا تصير من صفات ذاته، ولأنه قسم بأمانة الله أشبه إذا نوى به اليمين (٢). واحتج المخالف: بأن أمانة الله فرائضه التي أمر بها عباده (٣). يدل عليه: قوله تعالى: ﴿إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ﴾ [الأحزاب: ٧٢] وأراد به الشرائع. يدل عليه: قوله تعالى: ﴿لِيُعَذِّبَ اللَّهُ الْمُنَافِقِينَ﴾ [الأحزاب: ٧٣]، يعني لتركهم الواجب عليهم، وقال سعيد بن المسيب الأمانة في هذا الموضع الفرائض" (٤) وعن مجاهد "الصلوات" (٥) ومن حلف بهذه الأشياء لم تجب عليه كفارة كذلك الأمانة (٦). والجواب: أن الآية تناولت أمانة مطلقة ونحن نقول: إذا أطلق فقال والأمانة لا فعلت كذا لم يكن بمطلقه يمينًا إلا أن ينوي وخلافنا في الأمانة إذا أضيفت إلى الله تعالى (٧). وجواب آخر: وهو أن اليمين بحق الله صحيحه عندنا وعند الشافعي وإن كان حقه فرائضه وما أمر به عباده كذلك ههنا (٨).

стр. 984

فإن قيل: قد اقترن بذلك العرف فلهذا حملنا على صفة الله وليس كذلك الأمانة فإن حقيقتها العبادات وحملها على صفات الذات بعيد يحتاج إلى النية (١). قيل: لا فرق بينهما فإن العرف قد ثبت في الحلف بهذه كما ثبت هناك والحق يتناول حقوقه كما أن الأمانة تتناول فرائضه (٢). واحتج بما روى أبو بكر بإسناده عن أبي بريدة عن أبيه عن النبي ﷺ قال: "ليس منا من حلف بالأمانة" (٣) (٤). والجواب: أن المراد به الأمانة المطلقة، وهو أن يقول والأمانة لا أفعل كذا (٥). فإن قيل: أليس قد قلتم في قوله أقسم وأشهد يكون يمينًا وإن لم يقترن به اسم الله تعالى (٦). قيل: لأن قوله أقسم يقتضي مقسمًا به وهو منهي عن القسم بغير الله وأشهد يقتضي مشهودًا به ولا تجب الشهادة بغير الله وبغير رسوله فلهذا حمل على اليمين وليس كذلك في قوله والأمانة؛ لأنها حقيقة في العبادات والحقوق وإنما تحمل على أنها صفة ذات بقرينة وهو إذا اقترن بها اسم الله تعالى فلهذا فرقنا بينهما (٧).

стр. 985

١٦٦ - ١١ مسألة: إذا قال لعمر الله فهو يمين وكذلك وأيم الله سواء نوى به اليمين أو لم ينوه وهذا قياس قوله في أقسم بالله وأشهد بالله أنه يمين وإن لم ينو اليمين (١). ونقل حرب عنه: إذا قال لعمر الله وأراد به اليمين فعليه كفارة وظاهر هذا أنه إذا لم يرد به اليمين لم يكن يمينًا (٢)، وهو اختيار أبي بكر، ذكره في كتاب المقنع والمذهب على ما حكيناه (٣). وقال في رواية أبي طالب أشهد، ولعمري ليس بشيء ومعنى هذا أنه إذا لم يقرن به اسم الله لم يكن يمينًا (٤)، وهو قول أبي حنيفة (٥)، واختلف أصحاب الشافعي فمنهم من قال هو يمين في حالين وهو إذا نوى اليمين أو أطلق وليس بيمين في حال وهو إذا نوى به اليمين وهذا القائل يقول: نص عليه الشافعي ونقله المزني ومنهم من قال: ليس بيمين إلا أن ينوي به اليمين ومتى أطلق لم يكن يمينًا (٦). والدلالة: على أنه يمين من غير نية أنه قد ثبت لها عرف الشرع واللغة، أما الشرع فقوله تعالى: ﴿لَعَمْرُكَ إِنَّهُمْ لَفِي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾ [الحجر: ٧٢]. قيل: إنه أقسم بالنبي ﵇ (٧). فإن قيل: قد يقسم [الله] (٨) تعالى بما ليس بقسم كقسمه بالليل والضحى (٩). قيل: نحن استدللنا على أن هذا من ألفاظ القسم وإن لم يصح أن يقسم به وأما عرف
следующие страницы →