← Фикх ханбали

Фикх ханбали · id 30057

التعليقة الكبيرة - أبو يعلى - من الأشربة للأيمان

القاضي أبو يعلى ابن الفراء

Полный текст (1 057 стр.). Показаны 981–1020 · переход к 986.

стр. 981

الزبير فلما كلمته أعتقت أربعين رقبةً وكانت تقول: واعهداه" (١) وأما عرف اللغة فظاهر فإن الناس يحلفون بذلك كما يحلفون بالله تعالى ولأنه مقسم بعهد الله فهو كما لو قال: علي عهد الله وكما لو نواه (٢). واحتج المخالف: بأن عهد الله هو أمر الله يدلك عليه قوله: ﴿أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَابَنِي آدَمَ﴾ [يس: ٦١]، وقوله: ﴿وَلَقَدْ عَهِدْنَا إِلَى آدَمَ مِنْ قَبْلُ فَنَسِيَ وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْمًا﴾ [طه: ١١٥] فإذا كان كذلك صار كأنه قال: وأمر الله (٣). والجواب عنه: ما تقدم من الوجوه الثلاثة: أحدها: أنه يجب حمله على اليمين بالله؛ لأنه منهي عن غيرها كما وجب ذلك في أقسمت. والثاني: وأنه وإن كان عبارة عن ذلك فقدمت له عرف الشرع واللغة بالحلف به. والثالث: أنه يبطل بالحلف بالأمانة فإنها عبارة عن فرائضه ومع هذا إذا أضيفت إليه صارت صفة من صفاته كذلك ههنا غير أن يكون معناه استحقاقه أو يكون على ما هو عليه (٤). ١٦٤ - ٩ مسألة: إذا قال: وقدرة الله وجلاله وعظمته فهو يمين نوى به اليمين أو لم ينوه وهذا على قياس قوله في أقسم بالله وأشهد بالله أنه يمين وإن لم ينوي وبه قال أبو حنيفة (٥)، قال الشافعي: إذا قال أردت به وقدرة الله ماضيه وحقه واجب صدق (٦).

стр. 982

دليلنا: أنه لفظ موضوع لليمين فإذا أخرجه مخرج التأكيد للخبر ثم ادعى فيه إضمارًا لم يصدق كما لو قال: والله ثم قال: أردت به والله خالق ورازق ومحيي ومميت أنه لا يصدق، ولأنه مقسم بقدرة الله وجلاله فهو كما لو نوى (١). واحتج المخالف: بأن اللفظ يحتمل ما قاله فيجب أن يصدق (٢). والجواب عنه: ما مضى وهو أن خروجه على وجه التأكيد يمنع ثم يبطل بقوله والله ثم قال: أردت به خالق رازق (٣). ١٦٥ - ١٠ مسألة: إذا قال وأمانة الله، فهو يمين نص عليه في رواية حرب في الرجل يحلف بالأمانة فإن أراد أن يعقد اليمين فهو يمين فإن قال: لا وأمانة الله فهذا يمين فقيل له: وإن لم يرد اليمين فكأنه ذهب إلى أنه يمين إذا سمى الله تعالى فقد نص على أنه يمين إذا ذكر معه اسم الله تعالى، وإن لم ينوه واعتبر النية إذا لم يقرن معه الاسم (٤)، وبهذا قال أبو حنيفة (٥) ومالك (٦). قال الشافعي: لا يكون يمينًا إلا أن ينوي (٧). دليلنا: أن الأمانة إذا أضيفت إلى الله تعالى صارت صفة من صفات ذاته ألا ترى أنه لا يصح أن يوصف بضدها فيجب أن يكون يمينًا كقوله وعلم الله وحق الله أنه يمين (٨).

стр. 983

فإن قيل: فالفرائض والواجبات مضافة إلى الله تعالى فيقال: أحكام الله وفرائض الله فلم يكن في الإضافة ما يدل على ذكره (١). قيل: إلا أنها لا تصير من صفات ذاته، ولأنه قسم بأمانة الله أشبه إذا نوى به اليمين (٢). واحتج المخالف: بأن أمانة الله فرائضه التي أمر بها عباده (٣). يدل عليه: قوله تعالى: ﴿إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ﴾ [الأحزاب: ٧٢] وأراد به الشرائع. يدل عليه: قوله تعالى: ﴿لِيُعَذِّبَ اللَّهُ الْمُنَافِقِينَ﴾ [الأحزاب: ٧٣]، يعني لتركهم الواجب عليهم، وقال سعيد بن المسيب الأمانة في هذا الموضع الفرائض" (٤) وعن مجاهد "الصلوات" (٥) ومن حلف بهذه الأشياء لم تجب عليه كفارة كذلك الأمانة (٦). والجواب: أن الآية تناولت أمانة مطلقة ونحن نقول: إذا أطلق فقال والأمانة لا فعلت كذا لم يكن بمطلقه يمينًا إلا أن ينوي وخلافنا في الأمانة إذا أضيفت إلى الله تعالى (٧). وجواب آخر: وهو أن اليمين بحق الله صحيحه عندنا وعند الشافعي وإن كان حقه فرائضه وما أمر به عباده كذلك ههنا (٨).

стр. 984

فإن قيل: قد اقترن بذلك العرف فلهذا حملنا على صفة الله وليس كذلك الأمانة فإن حقيقتها العبادات وحملها على صفات الذات بعيد يحتاج إلى النية (١). قيل: لا فرق بينهما فإن العرف قد ثبت في الحلف بهذه كما ثبت هناك والحق يتناول حقوقه كما أن الأمانة تتناول فرائضه (٢). واحتج بما روى أبو بكر بإسناده عن أبي بريدة عن أبيه عن النبي ﷺ قال: "ليس منا من حلف بالأمانة" (٣) (٤). والجواب: أن المراد به الأمانة المطلقة، وهو أن يقول والأمانة لا أفعل كذا (٥). فإن قيل: أليس قد قلتم في قوله أقسم وأشهد يكون يمينًا وإن لم يقترن به اسم الله تعالى (٦). قيل: لأن قوله أقسم يقتضي مقسمًا به وهو منهي عن القسم بغير الله وأشهد يقتضي مشهودًا به ولا تجب الشهادة بغير الله وبغير رسوله فلهذا حمل على اليمين وليس كذلك في قوله والأمانة؛ لأنها حقيقة في العبادات والحقوق وإنما تحمل على أنها صفة ذات بقرينة وهو إذا اقترن بها اسم الله تعالى فلهذا فرقنا بينهما (٧).

стр. 985

١٦٦ - ١١ مسألة: إذا قال لعمر الله فهو يمين وكذلك وأيم الله سواء نوى به اليمين أو لم ينوه وهذا قياس قوله في أقسم بالله وأشهد بالله أنه يمين وإن لم ينو اليمين (١). ونقل حرب عنه: إذا قال لعمر الله وأراد به اليمين فعليه كفارة وظاهر هذا أنه إذا لم يرد به اليمين لم يكن يمينًا (٢)، وهو اختيار أبي بكر، ذكره في كتاب المقنع والمذهب على ما حكيناه (٣). وقال في رواية أبي طالب أشهد، ولعمري ليس بشيء ومعنى هذا أنه إذا لم يقرن به اسم الله لم يكن يمينًا (٤)، وهو قول أبي حنيفة (٥)، واختلف أصحاب الشافعي فمنهم من قال هو يمين في حالين وهو إذا نوى اليمين أو أطلق وليس بيمين في حال وهو إذا نوى به اليمين وهذا القائل يقول: نص عليه الشافعي ونقله المزني ومنهم من قال: ليس بيمين إلا أن ينوي به اليمين ومتى أطلق لم يكن يمينًا (٦). والدلالة: على أنه يمين من غير نية أنه قد ثبت لها عرف الشرع واللغة، أما الشرع فقوله تعالى: ﴿لَعَمْرُكَ إِنَّهُمْ لَفِي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾ [الحجر: ٧٢]. قيل: إنه أقسم بالنبي ﵇ (٧). فإن قيل: قد يقسم [الله] (٨) تعالى بما ليس بقسم كقسمه بالليل والضحى (٩). قيل: نحن استدللنا على أن هذا من ألفاظ القسم وإن لم يصح أن يقسم به وأما عرف

стр. 986

اللغة فقال الأعشى (١): لعمرك ما طول هذا الزمن … على المرء إلا عنا معن وقال آخر (٢): لعمري وما عمري علي بهين … نهاري ولا ليلى عليَّ بسرمد وقال آخر (٣): وكل آخ مفارقه أخوه … لعمر أبيك إلا الفرقدان (٤) وقال آخر (٥): لعمرك ما يدري الفتى كيف يتقي … مصائب هذا الدهر أم كيف يحذر وقال آخر (٦): إذا رضيت عليَّ بنو قشير … لعمر الله أعجبن الله أعجبني رضاها وإذا ثبت أنه قسم في عرف الشريعة واللغة وجب إذا أخرجه مخرج اليمين أن يكون يمينًا كسائر ألفاظ القسم، وأيضًا إذا ثبت أنه يمين دخل تحت قوله: ﴿ذَلِكَ كَفَّارَةُ أَيْمَانِكُمْ إِذَا حَلَفْتُمْ﴾ [المائدة: ٨٩]، وأيضًا العمر البقاء وذلك من صفات ذاته تعالى يدلك عليه قول الشاعر (٧): أيها المنكح الثريا سهيلا … عمرك الله كيف يلتقيان

стр. 987

يعني أبقاك الله، وروي أن رجلًا قال للنبي ﷺ "من أنت عمرك الله قال: امرء من قريش" (١)، فإذا صح هذا قلنا إذا قال: لعمر الله كأنه قال: وبقاء الله ولو قال هذا كان يمينًا كذلك إذا قال لعمر الله (٢). فإن قيل: لو كان كذلك لوجب أن يكون مجرورًا كقوله: وبقاء الله وقدرته وجلاله (٣). قيل: أهل اللغة نقلوا هذه اللفظة مضمومة كما نقلوا سائر ألفاظ القسم مجرورة واختاروا ذلك؛ لأنه لما كثرت اليمين به اختاروا الفتح لخفته على اللسان (٤). وأما قوله: وأيم الله فيروى أن النبي ﷺ وصف أسامة بن زيد فقال: "وأيم الله لقد كان خليقا بالإمارة" (٥)، ولأن العرف جاري بالحلف بها فقد حصل له عرف الشرع والاستعمال (٦). واحتج المخالف: بأنه لفظ لم ينضم إليه عرف الشرع ولا عرف الاستعمال

стр. 988

فلم يكن يمينًا إلا بالنية كقوله الله من غير حرف من حروف القسم وقوله: وأمانة الله (١). والجواب: أنا لا نسلم لهم الوصف ولا الأصل وهذه مسألة تأتي بعد التي تلي هذه المسألة (٢). ١٦٧ - ١٢ مسألة: فإن قال والرب والخالق والرازق لا فعلت كذا وكذا وأطلق ولم ينو اليمين يخرج على الروايتين في أقسم وأشهد (٣) خلافًا لأصحاب الشافعي في قولهم إن أطلق أو نوى اليمين كان يمينًا وإن نوى غير اليمين لم يكن يمينًا (٤). دليلنا: أنه اسم من أسمائه إطلاقه ينصرف إليه فكان يمينًا كما لو قال والله (٥). واحتج المخالف أن هذا الاسم ينقسم له ولغيره والحالف أعرف به فرجعنا إليه (٦). والجواب: أنه يلزم عليه إذا حلف وحق الله فإنه يحتمل الاسم والصفة، ويحتمل حقوقه ثم هو يمين وعلى أنه يجب على أن يحمل على اليمين بالله؛ لأنه منهي عن أن يحلف بغيره (٧). ١٦٨ - ١٣ مسألة: إذا حلف بالمصحف ثم حنث وجبت عليه الكفارة وقد قال أحمد في رواية ابن منصور لا أكره الحلف بالمصحف ويغلظ عليه بكل آية (٨)، وهو قول مالك (٩).

стр. 989

وقال أصحاب أبي حنيفة (١) وجماعة من أصحاب الشافعي (٢): لا كفارة عليه، أما أصحاب أبي حنيفة فبنوه على أصلهم في القول بخلق القرآن (٣)، وأما أصحاب الشافعي فقالوا: إن المصحف هو الورق والحبر والجلد وذلك كله مخلوق (٤). دليلنا: أن المفهوم من إطلاق ذلك الحلف بالقرآن المكتوب في المصحف والقرآن غير مخلوق فوجب أن يكون يمينًا. وقد روى أبو بكر (٥) بإسناده عن الحسن عن النبي ﷺ : "بكل آية يمين" (٦). وروى أبو نصر السجزي (٧) في كتابه بإسناده عن أبي هريرة عن نبي الله ﷺ قال: "من حلف بسورة من القرآن فإن في كل آية منها يمين صبر فمن شاء بر ومن شاء فجر" (٨). وبإسناده عن ابن مسعود (٩) "أنه سمع رجلًا يحلف بسورة من القرآن فقال عليه لكل آية كفارة" (١٠).

стр. 990

وقد روى هذين الحديثين أبو بكر بن أبي داود في كتاب فضائل القرآن (١). والكلام في هذه المسألة مبني على الأصل الذي ذكرنا (٢). فإن قيل: كيف أوجبتم الكفارة بالحلف به، وقد قال أحمد في رواية أبي طالب في امرأة حلفت بمحو المصحف فقال: لم أسمع فيه شيئًا فقيل له لم لم تجعل بمنزلة من حلف على معصية كفارة يمين قال: لا أجترئ عليه (٣)، وقال أيضًا في رواية المروذي (٤)، في امرأة كان في حجرها مصحف تقرأ فيه فقالت محيت ما في المصحف إن أكلت من مال أخيها فقال: ما سمعت في هذا شيئًا. قيل له: تذهب إلى أن فيه كفارة قال: هذا لم يحنث ولم أسمع فيه شيئًا قل لها لا تحنث فلم يوجب الكفارة في ذلك مع العلم بأنها قصدت أبطال حرمة المكتوب (٥). قيل: المحو لا يتطرق على القديم وإنما يتطرق على المحدث وهو الآلات فلهذا لم يجب به كفارة؛ لأنه حلف بإيقاع فعل في محدث، وإذا حلف بما فيه فإنما حلف بما فيه من القديم وذلك يوجب كفارة. يبين صحة هذا: أنه لو قال محيت اسم الله لم تجب بذلك كفارة ولو حلف بالاسم وحنث وجبت الكفارة وكذلك ههنا (٦). ١٦٩ - ١٤ مسألة: إذا قال الله لأفعل كذا فهو يمين، مع الإطلاق نواه أو لم ينوه وهذا قياس المذهب على قوله أقسم وأشهد هو يمين وإن لم ينو باليمين (٧) خلافًا لأصحاب الشافعي في قولهم إن نوى اليمين كان يمينًا (٨).

стр. 991

دليلنا: أنه قد ثبت له عرف الشرع والاستعمال، أما الشرع فروى أن ركانة بن عبد يزيد قال: طلقت زوجتي البتة فأتيت النبي ﷺ فقال: "ما أردت بقولك البتة"، قلت: الله ما أردت إلا واحدة فقال: "الله ما أردت إلا واحدة" (١). وروى عن ابن مسعود أنه أتى النبي ﷺ فقال: "قتلت أبا جهل، فقال: الله قلت الله" (٢) ثبت أن له عرف في الشرع وأما الاستعمال فإن النحاة ذكروا في باب القسم أنه يجوز حذف حرف القسم وأنشدوا فيه وأيضًا لو قال لزوجته: إن دخلت الدار أنت طالق فدخلت طلقت وإن حذف حرف الشرط يكون تقديره فأنت طالق كما قال تعالى: ﴿فَمَنْ بَدَّلَهُ بَعْدَ مَا سَمِعَهُ فَإِنَّمَا إِثْمُهُ عَلَى الَّذِينَ يُبَدِّلُونَهُ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ [البقرة: ١٨١]، وتقديره: فالوصية وإن أطعتموهم أنكم لمشركون معناه فإنكم كذلك هذا (٣). واحتج المخالف: بأن اليمين ما كان بحرف القسم وهو الواو والباء والتاء والله وبالله وتا لله وليس ههنا واحد منهم فلم يكن يمينًا (٤). والجواب: أنا قد بينا أنه يكون يمينًا بحذف الحرف (٥).

стр. 992

١٧٠ - ١٥ مسألة: إذا حلف بالنبي ﷺ وحنث لزمته الكفارة نص عليه في رواية أبي طالب إذا حلف بحق رسول الله فحلف عليه كفارة يمين (١) خلافًا لأكثر الفقهاء في قولهم: لا كفارة عليه (٢). دليلنا: أن هذا حالف بدلالة قوله ﷺ : "لا تحلفوا بآبائكم ومن كان حالفًا فليحلف بالله" (٣)، وإذا ثبت أنه حالف دخل تحت قوله ذلك كفارة أيمانكم وكل من كانت الشهادة به شرطًا في صحة الأيمان والأذان، فإذا حلف به وحنث تعلقت به الكفارة (٤). دليله: اسم الله تعالى (٥). فإن قيل: المعنى في الأصل أنه غير مخلوق وليس كذلك في النبي ﷺ ؛ لأنه مخلوق فهو كالكعبة والصحابة (٦). قيل تحريم زوجته وأمته لفظ مخلوق ومع هذا يوجب الكفارة وكذلك إذا قال: هو يهودي إن فعل كذا أو قال الحج يلزمه إن فعل كذا فإن الكفارة تلزمه وإن كان ذلك مخلوقًا كذلك ههنا، والمعنى في الكعبة والصحابة أن الشهادة بهما ليس بشرط في صحة الأيمان والأذان ولا هو صفة فيما جعلت الشهادة به شرطًا في الأيمان والأذان وهذا بخلافه، وإن شئت قلت: أحد شرطي الشهادة أشبه الحلف بالله تعالى، ولأن من أسقط

стр. 993

الكفارة في ذلك قال؛ لأنَّه حلف بمخلوق وهذا لا يمنع من إيجاب الكفارة كما لو حرَّم أمته أو زوجته أو طعامه أو نذر نذرًا لجاج وغضب أو حلف بالظهار وتحرر هذا فيقول يختلف في كونه يمينًا توجب الكفارة فجاز أن يجب بمقتضاه كفارة (١). دليله: لفظ الحرام ولا يلزم عليه إذا قال: إذا جاء رأس الشهر فأنت طالق هو مختلف فيه ولا تجب به كفارة لقولنا مختلف في كونه يمينًا توجب كفارة (٢). وذهب المخالف: إلى السؤال الذي ذكرنا وقد أجبنا عنه (٣). واحتج: أيضًا بأنها عين لا يستحلف بها الحاكم ولا تقطع الدعوى والخصومة فلم تجب بها كفارة دليله: ما ذكرنا من الكعبة والصحابة (٤). والجواب: أن لفظة الحرام لا يستحلف بها الحاكم ولا تقطع الدعوى والخصومة ومع هذا فيجب بها كفارة وكذلك لفظة النذر وإذا قال هو يهودي أو نصراني والمعنى في الأصل ما ذكرنا (٥). ١٧١ - ١٦ مسألة: لغو اليمين على الماضي وهو أن يحلف على شيء يظنه على ما حلف عليه ثم تبين له أنه بخلافه سواء قصده أو جرى على لسانه فإذا قال: والله لقد أهل الهلال البارحة وهو يظن أنه صادق ثم تبين أنه كاذب فلا كفارة عليه (٦)، نص عليه في رواية عبد الله فقال اللغو عندي أن يحلف على اليمين يرى أنها كذلك فهذا لا يكفر والرجل يحلف ولا يعقد قلبه على شيء فليس عليه كفارة (٧)، وهو اختيار

стр. 994

الخرقي (١)، وبه قال أبو حنيفة (٢). وفيه رواية أخرى: اللغو ما لا قصد له فيه نحو قوله: لا والله وبلى والله، عند الغضب واللجاج من غير قصد سواء كانت على الماضي أو المستقبل نص عليه في رواية حنبل فقال: اللغو في اليمين هو الرجل يحلف على الشيء فيقول: لا والله، وبلى والله لا يريد عقد اليمين في كلام ومراجعة كلام فإذا عقد على اليمين لزمه الكفارة (٣)، وهو قول الشافعي (٤) ومحمد (٥). ويبين الخلاف أنه: إذا جرى على لسانه يمين على فعل مستقبل أنها منعقدة فإن حنث فيها وجبت الكفارة (٦). وجه الأولة: أن السلف قد اختلفوا في ذلك فروى أحمد بإسناده عن ابن عباس في قوله: ﴿لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ حَلِيمٌ﴾ [البقرة: ٢٢٥] قال: "هو الرجل يحلف على الشيء يرى أنه كما حلف عليه فلا يكون كذلك" (٧) وبه قال الحسن (٨) وقتادة (٩) وزرارة (١٠).

стр. 995

وروى أحمد أيضًا بإسناده عن عائشة في قوله: ﴿لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ حَلِيمٌ﴾ [البقرة: ٢٢٥]، قال: "لا والله، وبلى والله" (١)، وهذا أيضًا يدل على ما ذكرنا؛ لأنَّه معلوم في قوله: لا والله إنما يكون جواب السائل عن أمر ماض هل كان فنفاه الحالف أو أثبته ولا يكون في المستقبل، وقد يكون عبارة عما لا يفيد، وإن كان مقصودًا كما قال تعالى: ﴿فَجَاءَتْهُ إِحْدَاهُمَا تَمْشِي عَلَى اسْتِحْيَاءٍ قَالَتْ إِنَّ أَبِي يَدْعُوكَ لِيَجْزِيَكَ أَجْرَ مَا سَقَيْتَ لَنَا فَلَمَّا جَاءَهُ وَقَصَّ عَلَيْهِ الْقَصَصَ قَالَ لَا تَخَفْ نَجَوْتَ مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾ [القصص: ٢٥]، وقال تعالى: ﴿لَا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْوًا وَلَا تَأْثِيمًا﴾ [الواقعة: ٢٥]، وقال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ لَا يَشْهَدُونَ الزُّورَ وَإِذَا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِرَامًا﴾ [الفرقان: ٧٢]، وإذا كان معناه ما لا يفيد فهو في اليمين على الماضي؛ لأنها لا تتضمن إيجابًا ولا تحريمًا. ولا يلزم اليمين الغموس؛ لأنها تتضمن المأثم والعذاب في الآخرة، وقد يكون عبارة عما يفيد قال تعالى: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَا تَسْمَعُوا لِهَذَا الْقُرْآنِ وَالْغَوْا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ﴾ [فصلت: ٢٦]، وهذا غير مراد بالآية، ولأنها يمين على المستقبل فجاز أن يحكم بانعقادها كما لو كان عالمًا قاصدًا، ولأنه سبب يؤول إلى وجوب الكفارة فجاز أن يثبت حكمه مع عدم القصد في السبب كالجراحة ولا يلزم عليه الفطر بالوطي؛ لأنَّه لا يؤول إلى وجوب الكفارة وإنما يوجب الكفارة بنفسه (٢). وقد احتج: من نصر المسألة بأنه أحد نوعي اليمين فاستوى فيه القصد وعدم القصد كالطلاق والعتاق (٣)، والمخالف يمنع هذا في الأصل ويقول: الطلاق لا يستوي فيه القصد وعدمه؛ لأنَّه لو جرى على لسانه الطلاق من غير قصد لم يحنث فيما بينه وبين الله تعالى ولم يصدق في الحكم لتعلقه بحق آدمي (٤).

стр. 996

واحتج المخالف بقوله تعالى: ﴿لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ حَلِيمٌ﴾ [البقرة: ٢٢٥] فدل على أن اللغو ما لم يقصده بقلبه وقال في موضع آخر: ﴿لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الْأَيْمَانَ﴾ [المائدة: ٨٩]، فدل على أن المقابل لليمين المنعقدة هو اللغو (١). والجواب: أن اليمين على المستقبل كلها منعقدة ما كان بقصد أو لم يكن فلم يبق ما في هو مقابلة المنعقدة إلا اللغو في الماضي وأما الآية الأخرى فذكر ما كسبه القلب. وهو الذي يعتمد فيه الكذب ويكون في الماضي فيقابله اللغو في الماضي وعندنا أن اللغو يقابل اليمين الغموس المنعقدة (٢). واحتج: بما روى أبو بكر بإسناده عن ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ : "لا يمين في غضب" (٣)، وبإسناده عن عبد الله بن عمرو قال رسول الله ﷺ : "من حلف على معصية فلا يمين له" (٤) قالوا: ولا وجه لقوله لا يمين في غضب إلا إذا جرت على لسانه في الغضب (٥). والجواب: عن حديث ابن عباس: "لا يمين في غضب"، محمول على ما كان على الماضي (٦).

стр. 997

واحتج: بأن اللغو في اللغة ما يلغى من الكلام ويكون حشوا والذي ذهبتم إليه مقصود (١). والجواب: أنا قد بينا أنه اسم مشترك فيما يفيد وفيما لا يفيد وما يفيد غير مراد به مسألتنا علم أن المراد به ما لا يفيد وهذا موجود فيما ذهبنا إليه. واحتج: بأنها يمين غير مقصوده أشبه الماضي (٢). والجواب: أنه ينكسر بالجراحة فإنها غير مقصودة ويثبت حكمها وتوجب الكفارة والمعنى في الأصل أنها لا تتضمن إيجابًا ولا تحريمًا وليس كذلك في المستقبل فإنها تتضمن الإيجاب فلم يكن لغوًا (٣). واحتج بأن يمين الطلاق يستوي فيها الماضي والمستقبل كذلك اليمين بالله تعالى (٤). والجواب: أنه إذا حلف بالطلاق بشرط في الماضي لغا الشرط وبقي قوله: أنت طالق وهو إيقاع موقع في الحال ليس كذلك في مسألتنا؛ لأنَّه إذا لغت إحدى الجملتين في قوله: والله لا يتعلق به حكم (٥). ١٧٢ - ١٧ مسألة: إذا حلف الرجل لا يلبس حليًا فلبس خاتمًا حنث (٦)، وقد قال أحمد في رواية أبي داود: الخاتم من الحلي، الحلي في الزكاة، وهو قول مالك (٧) والشافعي (٨)، وقال أبو حنيفة: لا يحنث (٩).

стр. 998

دليلنا: أنه لو كان من ذهب حنث بلبسه وإذا كان من فضة وجب أن يحنث أصله؛ الزملح والسوار والخلخال؛ ولأنه مصوغ يتزين بلبسه فوجب أن يحنث به. أصله: ما ذكرنا (١). واحتج المخالف: بأن الرجل إذا لبس خاتمًا من فضة لا يقال في العادة تحلى فلم يحنث (٢). والجواب: أنه يقال ذلك كما يقال إذا كان ذهبًا (٣). واحتج: بأن بايعه لا يسم بائع حلي ولا يلبس للتحلي وإنما يلبس للتختم به (٤). والجواب: أنه يسمى بايع حلي الرجال ويلبس للتحلي به (٥). ١٧٣ - ١٨ مسألة: فإن حلفت المرأة لا تلبس حليًا فلبست الجوهر واللولؤ حنثت نص عليه في رواية إسماعيل بن سعيد (٦) فيمن حلف لا يلبس حليًا فلبس الذهب وحده أو اللؤلؤ وحده فكله حلية وحده (٧) وهو قول مالك (٨) والشافعي (٩)، وقال أبو حنيفة لا يحنث إلا أن يكون معه ذهب (١٠).

стр. 999

دليلنا: أن الاسم يقع على ذلك قال تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي سَخَّرَ الْبَحْرَ لِتَأْكُلُوا مِنْهُ لَحْمًا طَرِيًّا وَتَسْتَخْرِجُوا مِنْهُ حِلْيَةً تَلْبَسُونَهَا﴾ [النحل: ١٤]، فسمى المستخرج من البحر حلية وليس إلا اللؤلؤ (١). فإن قيل: فقد سمى السمك لحما ولو حلف لا يأكل لحما فأكل السمك لم يحنث (٢). قيل: لا نسلم هذا ونقول: يحنث بأكل السمك (٣) وأيضًا قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُدْخِلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِنْ ذَهَبٍ وَلُؤْلُؤًا وَلِبَاسُهُمْ فِيهَا حَرِيرٌ﴾ [الحج: ٢٣] قرأ عاصم: لؤلؤًا بالنصب، والباقون بالخفض، فقراءة النصب معناها يحلون فيها من أساور من ذهب ويحلون فيها لؤلؤًا (٤). وهذا يدل: على أن كل واحد منهما حلي، وقراءة الخفض معناها يحلون فيها من أساور من ذهب، ومن لؤلؤ وهذا يحتمل أن يكون من كل واحد منهما ويحتمل أن يكون خلطًا منهما فيحمله عليهما وقراءة النصب لا تحتمل الخلط؛ لأنَّه لما نصب اللؤلؤ فرده عن الذهب؛ لأنَّه مجرور، ولأن ما كان حليًا مع الذهب كان حليا بانفراده. أصله: الفضة ولأنهما لما كان حليين إذا اختلطا فإذا انفرد أحدهما يجب أن يكون حليًا كالذهب إذا أُفرد (٥). واحتج المخالف: بأن سوق اللؤلؤ يسمي سوق الجوهر ولا يسمي سوق الحلي وبايعه جوهريًا ولا يسمى بائع الحلي (٦).

стр. 1000

والجواب: أن سوق الحلي من ذهب لا يسمى سوق الحلي وإنما يسمى سوق الصاغة وبائعه يسمى صائغًا أو صيرفيًا (١). واحتج بأن الاسم لا يتناوله في العرف بانفراده فصار كالياقوت (٢) والعقيق (٣) (٤). والجواب: أنا لا نسلم أنه لا يتناوله الاسم لما بينا أن القرآن سماه حليًا وأما العقيق لما لم يكن حليًا مع غيره لم يكن حليًا بانفراده (٥). ١٧٤ - ١٩ مسألة: إذا حلف ليتزوجنَّ على امرأته لم يبرأ إلا بشرطين: أحدهما: أن يتزوج من نسبه أن يكون نظيرتها والآخر أن يدخل بها، وقد قال أحمد في رواية أبي طالب إذا حلف أن يتزوج على امرأته فتزوج بعجوز أو زنجية حنث؛ لأنَّه إنما أراد أن يغيرها ويغمها فإذا تزوج بعجوز وبزنجية فلم تغتم من أجلها، وهذا التعليل من كلامه يدل على المعنى الذي ذكرناه (٦) وهو قول مالك (٧)، وقال أبو حنيفة (٨) والشافعي (٩) يبر بالتزويج الصحيح فقط.

стр. 1001

دليلنا: أن الحالف إنما قصد بيمينه الغيرة والغيظ، وذلك لا يقع إلا بما ذكرنا؛ لأنَّه إن تزوج بم لا يجري مجراها أو تزوج بعجوز شوها مشقرانية (١) أو برصا (٢) فإنه قد وضع من نفسه وأشمتها به وعاد بضد ما قصده، وكذلك متى تزوج نظيرتها ولم يدخل بها لم يحصل ما قصده باليمين من مغايرتها ومغايظتها؛ لأن مجرد العقد لا يحصل معه هذا المعنى وإنما يحصل بمشاركة الثانية لها في الاستمتاع، ولهذا المعنى قالوا فيمن حلف لا أكلت الرؤوس أنه يحمل على رؤوس الأنعام؛ لأن الحالف إنما قصد ذلك في الغالب (٣). فإن قيل: فقد يحصل لها الغيظ ممن هو دونها (٤). قيل: هذا خلاف العرف والعادة (٥). وقد قيل: إن المطلق من كلام الآدميين محمول على المعهود في الشرع (٦) والنكاح عبارة عن العقد والدخول قال تعالى: ﴿فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَنْ يَتَرَاجَعَا إِنْ ظَنَّا أَنْ يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ يُبَيِّنُهَا لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ٢٣٠]، والمراد بذلك حتى تنكح ويدخل بها فحمل المطلق من اليمين على ذلك وفي هذا ضعف؛ لأن المخالف يقول: لم نعقل اشتراط الدخول من نطق هذه الآية وإنما عقلناه بالسنة وعلى أن الشرع مختلف في ذلك فقد يرد والمراد به العقد والدخول ويرد والمراد به العقد قال تعالى: ﴿وَلَا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَمَقْتًا وَسَاءَ سَبِيلًا﴾ [النساء: ٢٢]، والمراد به العقد كذلك هاهنا (٧) وأيضًا فإن البر في القسم بمنزلة الطاعة في الأمر لأن كل واحد منهما يعتبر فيه موافقة توجب اللفظ ثم ثبت أن قوله تعالى: ﴿فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ

стр. 1002

فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَنْ يَتَرَاجَعَا إِنْ ظَنَّا أَنْ يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ يُبَيِّنُهَا لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ٢٣٠]، يقتضي عقدًا ودخولًا كذلك البر في اليمين، وأيضًا قد قالوا: لو حلف لآكلنَّ الرؤوس حمل على رؤوس مخصوصة يقتضيها العرف، كذلك إذا حلف لا يزوجن يجب أن يحمل على نكاح مخصوص مقصود في عرف الحالف (١). واحتج المخالف: بأن اليمين المطلقة محمولة على حقيقة الاسم والتزويج عبارة عن العقد المجرد بمن يساوي زوجته ومن هي دونها ومن دخل بها ومن لم يدخل فحنث بذلك (٢). والجواب: أنه لو كان الاعتبار بحقيقة الاسم يوجب إذا حلف لا أكلت الرؤوس أن يحمل على جميع الرؤوس لحقيقة الاسم ولما حملوها على رؤوس الأنعام اعتبارًا بالعرف لم يصح ما قالوه، وكذلك إذا حلف لا شربت من دجلة أو من هذه الشاه فغرف منها أو حلب وشرب حنث وإن كان حقيقته أن يكرع منها أو يمص من ثديها، ولأنا لا نسلم أنها تحمل على حقيقة الاسم ولهذا نقول إذا حلف يقصد قطع المنة بأن لا يشرب له الماء فأكل له خبزًا حنث وإن لم يوجد حقيقة الاسم في ذلك (٣). واحتج: بأنه لو حلف لا يتزوج فتزوج بمن هي دونها، أو لم يدخل بها حنث فلما وقع به الحنث وجب أن يحصل به البر (٤). والجواب: أنه إذا حلف على المنع ولا غرض له ولا قصد سوى الفعل فقط وإذا حلف على وجود الفعل فله قصد وغرض وهو الغيرة والغيظ لزوجته وهذا المعنى لا يحصل بمجرد الاسم (٥). وجواب آخر: وهو أن اليمين على المنع يقصد الحظر واليمين على الفعل يقصد بها

стр. 1003

الإباحة، وقد يشترط في الإباحة ما لا يشترط في الحظر. يدل عليه: أن الزوجة تحرم بمجرد الطلاق الثلاث وإباحتها تفتقر إلى شرطين: عقد وإصابة (١). فإن قيل: وقد يتساويان فيشرط في الحظر ما يشترط في الإباحة. يدل عليه: أن تحريم الربيبة (٢) يحصل بالعقد على الأم وإصابتها كما يحصل إباحة الزوجة بعقد وإصابة (٣). قيل: تحريم المصاهرة ينقسم منه ما يحرم بنفس العقد وهو تحريم أمهات النساء وحليلة الابن، ومنه ما يشترط فيه الدخول وهو الربيبة، فأما التحريم الحاصل بالطلاق فإنه يحصل بمجرد الطلاق لا غير، فكان إلحاق مسألتنا بذلك أولى على أن تحريم الربيبة لا يشترط فيه العقد؛ لأنَّه لو وطي امرأة من غير عقد حرمت بنتها (٤). ١٧٥ - ٢٠ مسألة: إذا حلف يقصد قطع المن عنه، وقال والله لا شربت لك الماء فإنه متى انتفع بشي من ماله بأكل أو شرب أو عارية أو ركوب أو غير ذلك حنث نص عليه في مواضع فقال في رواية أبي طالب اذهب في الأيمان إلى النية وما أراد وسبب اليمين كيف حلف عليه (٥). وقال في رواية الأثرم (٦): إذا حلف لا يأكل من هذه الشجرة فإن أراد أن لا يمن عليه فلو بيع واشترى بثمنه غيره كان عليه (٧).

стр. 1004

وكذلك نقل أبو طالب عنه إذا حلف لا يلبس من غزلها في غضب منت عليه فلا يلبس ولا يبيعه ليشتري بثمنه ثوبًا؛ لأنَّه إنما يلبس بثمن غزلها (١)، وبهذا قال مالك (٢). قال أبو حنيفة (٣) والشافعي (٤): لا يحنث إلا بما تضمنه لفظ يمينه وهو الماء. دليلنا: أن المفهوم من هذه اليمين أن الحالف قصد بيمينه قطع المن عنه، وهذا معلوم في العادة، وأنَّه يحلف على شيء ويقصد زيادة عليه وذلك لا يحصل إلا بالامتناع مما ذكرنا والقصد معتبر في اليمين (٥). يدل عليه: ما قالوه إذا حلف لا آكلت الرؤوس فإنه يحمل بالقصد والعرف على رؤوس الأنعام كذلك هاهنا (٦)، وكذلك قالوا: لو حلف الخليفة لا بعت الطعام فباع وكيله حنث هو ولو كان الحالف غير الخليفة لم يحنث؛ لأن العرف في الخليفة إنه لا يلي ذلك بنفسه (٧)، وكذلك إذا حلف لا شربت من دجله فغرف وشرب حنث؛ لأن تقديره في العرف لا شربت من مائها (٨)، وكذلك لو قال: لا أكلت من هذه النخلة والكرمة (٩). فأكل من ثمرتها حنث؛ لأن هذا تقديره في العرف ولو أكل من خشبها لم يحنث وإن كان هو الحقيقة؛ لأن العرف غيره (١٠).

стр. 1005

فإن قيل: فعندكم أنه إذا حلف لا أكلت الرؤوس فإنه يحنث بأكل جميعها ولا يختص ببعضها (١). قيل: نحن ألزمناكم هذا على أصولكم فأما على أصولنا فإننا نعتبر العرف في التعميم لا في التخصيص، ولهذا قال أحمد في رواية محمد ابن أبي حرب الجراجراي (٢) إذا قال: والله لا صدت في هذا النهر لظلم رآه فزال الظلم يفي بنذره (٣)، وإنما لم يخص يمينه ببعض الرؤوس؛ لأنا لو اعتبرنا القصد في الرؤوس أطرحنا الحقيقة في بقيتها وإذا اعتبرنا العرف في غيرها، فلم نطرح الحقيقة؛ لأنا نقول يحنث بأكل الخبز وشرب الماء فهو كما لو حلف لا شربت من هذا النهر فغرف وشرب حنث؛ لأنَّه لو كرع بفيه لم يحنث وهذا جواب معتمد (٤). وقد قيل: إن ذلك عرف قائم في الفعل وهو يختلف باختلاف المواضع واختلاف أهلها فلهذا لم يعتبر به وليس كذلك فيما اختلفنا فيه؛ لأن هذا عرف قائم في التخاطب وهو غير مختلف باختلاف المواضع وأهلها فلهذا اعتبرناه وليس يمتنع أن نعم به ولا نخصص كالقياس نعمم به النص ويراد به علي حكمه ولا نخصص به النص. فإن قيل: إنما خصصنا اليمين برؤوس الأنعام؛ لأن هناك عرفًا قائمًا في الاسم وليس كذلك هاهنا؛ لأن هذا العرف في الفعل فلا يعتبر به (٥). قيل: العرف في الحضري إذا قال: لا دخلت بيتا أنه قصد البيوت المبنية، وقد قال الشافعي: لو دخل بيتًا من شعر حنث فلم يعتبر العرف في الاسم وعلى أن العرف في الفعل معتبر في اليمين (٦)، ولهذا قال الشافعي لو حلف لا شربت من دجلة فغرف منها وشرب

стр. 1006

حنث؛ لأن مطلق العرف في ذلك أن يعرف (١)، وكذلك لو حلف السلطان لا بعت فوكل حنث؛ لأن هذا هو العرف في حقه كذلك هاهنا (٢). فإن قيل: إذا خصصناه بالعرف حملناه على ما يصلح له الاسم فجاز ذلك وإذا عممناه حملناه على ما لا يصلح الاسم له إذا كان مفهوم الخطاب يدل عليه كألفاظ صاحب الشريعة فإنه قال تعالى: ﴿فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ﴾ [الإسراء: ٢٣]، فهم من إطلاقه تحريم الضرب والشتم وإن كان اسم التأفيف لا يصلح لذلك وكذلك إذا حلف لا شربت من دجلة ولا هذه الشاة ولا من هذه النخلة فغرف منها وحلب منها ولقط حنث وإن لم تتناوله اليمين حقيقة وعلى أن الاسم صالح له من جهة المعنى في عرف التخاطب (٣) وعلى أن أبا حنيفة قد قال: إذا حلف لا يضربها فنتف شعرها أو خنقها أو حلف لا يشم البنفسج فشم دهنه حنث في جميع ذلك (٤) والاسم معدوم، وأيضًا فإن الحقيقة قد تترك في اليمين للمجاز المتعارف لأجل مقصود الحالف .. بدليل: أنه لو حلف لا شربت من دجلة فغرف وشرب حنث للعرف وإن كان الحقيقة الكرع (٥)، وكذلك لو حلف لا أكلت من هذه النخلة والكرمة فلقط من ثمرتها أو لا شربت من هذه الشاة فحلب لبنها في إناء وشربه حنث ويحصل الثمرة والماء واللبن مضمرًا (٦) وأيضًا فإن المطلق من كلام الآدميين محمول على المعهود في الشرع (٧) يدل عليه: النذور كلها تحمل على مقتضى الشرع فإذا نذر أن يضحي بشاة حمل

стр. 1007

على ما يجزي في الأضحية (١) وكذلك إذا نذر صيامًا أو صلاة حمل على أصولها في الفروض فأقل الصلاة ركعتان وأقل الصوم يومان (٢)، كذلك يجب أن يحمل مطلق اليمين على المعهود في الشرع وقد ثبت أن ألفاظ صاحب الشريعة يعتبر فيها المعاني وهو قوله تعالى: ﴿فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ﴾ [الإسراء: ٢٣]، يفهم منه ما لا يصلح له الاسم وهو الضرب والشتم كذلك في كلام الآدميين (٣). فإن قيل: ألفاظ صاحب الشرع تتعلق بالمعاني ولا يقتصر على الألفاظ فيها فجاز التعميم فيها وحمل اللفظ على ما يتناوله معنى الكلام وإن لم يتناوله لفظه وليس كذلك الإيمان؛ لأن الاعتبار فيها باللفظ دون المعنى. بدليل: إن صاحب الشرع لو قال لا تأكلوا السكر؛ لأنَّه حلو حرم جميع الحلاوات لوجود المعنى فيها، ولو حلف فقال: والله لا أكلت السكر؛ لأنَّه حلو لم يحنث بأكل ما عداه (٤). قيل: قد ذهب جماعة من الفقهاء إلى أن نص صاحب الشريعة على حكم بمعنى لا يجب رد غيره إليه إلا بدليل فعلى هذا لا فرق بينهما، ومنهم من قال: يجب رد غيره إليه وهو أشبه بقولنا. وكان الفرق بينهما من وجهين: أحدهما: أن صاحب الشريعة لا يجوز عليه المناقضة وغيره يجوز عليه المناقضة. والثاني: أن صاحب الشريعة قد أمرنا بالقياس فإذا نص على العلة وجب القياس عليها وغيره لم يأمرنا بذلك فلو قال لنا قائل: قيسوا كلامي بعضه على بعض ثمّ قال: والله لا أكلت السكر؛ لأنَّه حلوا شركه فيه كل حلو (٥).

стр. 1008

فإن قيل: لو كان هذا جاريًا مجرى ألفاظ صاحب الشريعة لوجب أن يخصص به كما خصصت بألفاظ صاحب الشريعة فيقول: إذا حلف لا أكلت الرؤوس أن يحمل يمينه على رؤوس الأنعام؛ لأن العرف إن هذه مقصودة باليمين ولما لم يخصص به لم يعمم به ألا ترى أن ألفاظ صاحب الشريعة لما صح أن يخصص بها نحو قوله: اقتلوا المشركين يجوز أن يخصص بدليل: جاز أن يعمم بها نحو قوله ﷺ : "لا تبيعوا البر بالبر" (١)، عممنا هذا بالدليل واستنبطنا معناه فألحقنا به كل مطعوم أو كل مكيل (٢). قيل: إنما لم يخصص به؛ لأن ذلك عرف قائم في الفعل وهو يختلف باختلاف المواضع وعممنا به؛ لأن ذلك عرف قائم في وضع اللغة فأما ألفاظ صاحب الشريعة فإن العموم يختص اللفظ وكذلك الخصوص فلهذا عممنا بها وخصصنا وعلى أنا قد بينا أنه لا يمتنع أن يعمم به ولا يخصص به كالقياس مع النص وأيضًا فإن دلالة الحال تؤثر في حكم الكلام. بدليل: أن اللفظة الواحدة تحمل على المدح تارة وعلى الذم أخرى لما يقارنها من دلالة الحال ألا ترى أنك تقول للمستحق للمدح يا فاضل فيفهم منه المدح ولو كانت الحال حال ذم فقلت يا فاضل فهم منه الذم والصيغة واحدة لكن لدلالة الحال حصل الفرق بينهما (٣). ويبين صحة: هذا قوله تعالى: ﴿وَاسْتَفْزِزْ مَنِ اسْتَطَعْتَ مِنْهُمْ بِصَوْتِكَ﴾ [الإسراء: ٦٤]. وقوله: ﴿فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ﴾ [الكهف: ٢٩].

стр. 1009

وقوله: ﴿اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ﴾ [فصلت: ٤٠]، لفظة لفظ الأمر وهو نهاية في الزجر، ولهذا المعنى قال أصحابنا وأصحاب أبي حنيفة إذا سألته الطلاق فقال لها: أنت خلية وقع الطلاق وإن لم ينوه لدلالة الحال (١) وزاد أصحاب أبي حنيفة فقالوا: لو قالت له أريد أن أخرج فقال لها: لا تخرجين، فقالت: أريد أن أخرج فقال: إن خرجت فأنت طالق حمل على ذلك الخروج بعينه (٢)، وكذلك لو قال له تغد عندي فقال لا أتغدى، فقال: تغد عندي فقال: إن تغديت فامرأتي طالقة حمل على ذلك الغداء بعينه اعتبارًا بدلالة الحال (٣)، وكذلك قال الجميع لو قال لامرأته: خلعتك ثم قال: أردت به الطلاق صدق (٤)، ولو خلعها على ألف درهم وقال: أردت به الطلاق لم يصدق لدلالة الحال وهو ذكر العوض (٥)، كذلك هاهنا دلالة الحال تدل على أن من حلف لا شربت لك الماء عند المنة عليه بالطعام أنه قصد الامتناع فيجب أن يحمل عليه (٦) ولهذا المعنى أوجب أصحابنا حد القذف بالتعريض (٧) وللمخالف على هذه الطريقة أسولة (٨) قد ذكرتها في كتاب الطلاق في مسألة سؤالها الطلاق وجوابه بالكناية من غير نية معها وقد سبق الجواب عنها بما فيه كفاية (٩)، ولأن دلالة الحال تؤثر في حكم الأفعال، وتستباح بها الدماء ألا ترى أن من قصد رجلًا بسيف والحال تدل على اللعب والمزح لم يجز له قتله وإن دلت الحال على الجد جاز له قتله ولو هجم على داره غيره وظاهره الصلاح لم يجز له قتله وإن كان ذاعرًا جاز له قتله ليدفعه عن جريمة فإذا أثرت دلالة الحال في الأفعال وإباحة القتل فلن يؤثر في الألفاظ والكلام أولى.

стр. 1010

نقل المروذي عن أحمد في رجل حلف على ابنه أن لا يعطيه شيئًا في الحج فأفتى أن يهب له ما شاء بعد انقضاء حجه فغضب وقال: هذا قول ردي (١) وهذا يؤكد مسألة الخلاف في اعتبار السبب لأنَّه قصد أن لا يصله بشيء من ماله. واحتج المخالف: بأن قوله: لا شربت لك الماء لا يتناول الامتناع من أكل طعامه لا حقيقة ولا مجازًا فلو حنثناه بذلك لكنا قد حنثناه بما لا يتناوله اللفظ فلم يجز كما لو حلف لا لبست ثوبًا فركب دابة (٢). والجواب: أنه لا يمتنع أن يتناوله اللفظ حقيقة ولا مجازا ولكن يتناوله الحكم لوجود دلالة الحال كما قلنا في قوله تعالى: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَانًا فَلَا يُسْرِفْ فِي الْقَتْلِ إِنَّهُ كَانَ مَنْصُورًا﴾ [الإسراء: ٣٣]، وكما قلنا في الخليفة: إذا حلف لا بعت طعامًا فوكل غيره فيه وعلى أنه لا اعتبار عندك بما يتناوله اللفظ (٣). بدليل: الرؤوس يطرح اللفظ فيها وأما إذا حلف لا لبست ثوبًا فركب دابة فإنما لم يحنث؛ لأن دلالة الحال لم تدل على المنع ولا وجد منه القصد إلى ذلك وهذا بخلافه (٤). واحتج: بأن اللفظ لم يتناول وإنما قصده بقلبه فلو حنثناه بذلك حنثناه بالنية دون اللفظ فهو كما لو نوى ذلك ولم يلفظ به (٥). والجواب: أنا لم نحنثه بمجرد النية وإنما حنثناه بلفظ يضمن ذلك ودل عليه كما فعلنا ذلك في المسائل التي ذكرناها (٦).

стр. 1011

واحتج: بأنه قد ثبت من أصلنا وأصلكم أن الاعتبار في ألفاظ صاحب الشريعة باللفظ دون السبب كذلك يجب أن نقول في مسألتنا كذلك (١). والجواب: أنا لم نقصر اللفظ على سببه؛ لأن في قصره على سببه تخصيصًا له واللفظ إنما يخص بما يعارضه وينافيه دون ما يماثله ويساويه والسبب على مثال اللفظ فلا يجوز تخصيصه فأما في مسألتنا فليس في اعتبار السبب تخصيصًا للفظ بل فيه تعميم له على اللفظ فلا فرق بينهما في التحقيق (٢). واحتج: بأنه لو كان السبب معتبرًا لوجب أن لا تسقطه النية، وقد ثبت أنه لو اجتمع النية والسبب قدمت النية (٣). والجواب عنه: من وجهين: أحدهما: أن السبب ليس بآكد من اللفظ وقد ثبت أن النية تقضي على اللفظ فلو قال: أنت طالق وقال: نويت من عقال دين، فيما بينه وبين الله تعالى، فأولى أن يؤثر في السبب (٤) والثاني: أن اعتبار النية في اليمين مجمع عليه واعتبار السبب مختلف فيه فكان تقديم المجمع عليه أولى من المختلف فيه (٥). واحتج: بأن لو حملناه على ما قلتم لكان فيه إثبات شرط ليس في لفظه؛ لأنَّه يصير بمنزلة قوله إن انتفعت من مالك، ولا يجوز إثبات شرط ليس في اللفظ ما أمكن استعماله (٦). والجواب: أنه يبطل به إذا قال: لا شربت من دجلة أو من بئر أو من شاة أو لا أكلت من هذه النخلة فإنهم يثبتون شرطًا ليس في لفظه؛ لأنَّه يصير بمنزلة من قال: لا شربت من ماء دجلة وماء البئر وثمرة النخلة ولبن الشاة، ومعلوم أن جميع ذلك مجاز وليس بحقيقة (٧).

стр. 1012

فصل فإن حلف لا لبست هذا الثوب أو لا أكلت هذا الطعام فباعه واشترى بثمنه ثوبًا أو طعامًا حنث إذا كان قصده قطع المنة ذكره الخرقي في مختصره (١)، ونص عليه في رواية أبي طالب إذا حلف على امرأته أن لا يلبس من غزلها فإن كان في غضب منت عليه فلا يلبس ولا يبيعه ليشتري بثمنه ثوبًا يلبسه؛ لأنَّه إنما يلبس بثمن غزلها (٢). وكذلك نقل الأثرم: إذا حلف لا يأكل من هذه الشجرة فإن أراد المن عليه فلو بيع واشترى بثمنه غيره كان عليه خلافًا لأكثرهم في قولهم لا يحنث (٣). دليلنا: أن ما كان معصية لصاحب الشريعة كان حنثًا للحالف، وقد ثبت أنه لو قال صاحب الشريعة لليهود حرمت عليكم الشحوم فباعوها وأكلوا أثمناها كان معصية. وقد دل على ذلك: قول النبي ﷺ : "لعن الله اليهود حرمت عليهم الشحوم فباعوها وأكلوا أثمانها" (٤) (٥). فإن قيل: التحريم هناك تناول الأعيان فأما الأثمان فعلمناها بدليل (٦). قيل: الدليل الذي علمنا أنه تحريم أعيان الشحوم هو الذي ثبت به تحريم الأثمان وهو قوله تعالى: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا كُلَّ ذِي ظُفُرٍ وَمِنَ الْبَقَرِ وَالْغَنَمِ حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ شُحُومَهُمَا إِلَّا مَا حَمَلَتْ ظُهُورُهُمَا أَوِ الْحَوَايَا أَوْ مَا اخْتَلَطَ بِعَظْمٍ ذَلِكَ جَزَيْنَاهُمْ بِبَغْيِهِمْ وَإِنَّا لَصَادِقُونَ﴾ [الأنعام: ١٤٦] الآية. فعدلوا عن الأعيان إلى أثمانها فقال النبي ﷺ : "حرمت

стр. 1013

عليهم الشحوم فباعوها، إن الله إذا حرم شيئًا حرم ثمنه" (١)، ولا يعرف معنى أوجب التحريم إلا الآية وعنها كنى النبي ﷺ (٢). فإن قيل: التحريم هناك تناول أفعالنا في الخمر وفي الشحوم؛ لأن الأعيان فعل له (٣). قيل: إنما تناول أفعالنا على صفة مخصوصة وهي الأكل والشرب من الوجه الذي بينا ثم تعدى ذلك إلى الأثمان وإن شئت قلت بأن المطلق من كلام الآدميين محمول على المعهود في الشرع من الوجه الذي ذكرنا فيما قبل (٤) ثم ثبت في الشرع أن الأعيان المحرمة تتبعها أثمانها في حكم التحريم كذلك الأعيان التي يتعلق الحنث بتناولها يجب أن يتبعها أثمانها في حكم الحنث (٥) وأيضًا فإن هذه المسألة مبنية على الأصل الذي تقدم وإن الأسباب معتبرة في الأثمان ومعلوم أنه إذا حلف لا يلبس هذا الثوب يقصد قطع منتها أنه لم يقصد عين الثوب خاصة، وإنما قصد منع الانتفاع بما عليه فيه منة من الجهة التي حلف عليها فيجب أن يصير ذلك كالمنطوق به كما قالوا فيه إذا حلف لا أكلت الرؤوس كان مقصورًا على رؤوس الأنعام ويحصل كأنه خصَّ يمينه بذلك (٦). ويدل عليه: أيضًا ما قدمنا أن الاعتبار بالمقصود دون الاسم. بدليل: لو حلف لا شربت من هذا النهر فغرف وشرب منه حنث؛ لأن مقصوده الماء دون الشرب بفيه وإن كان الحقيقة هو الكرع (٧) وكذلك لا شربت من هذه الشاة ولا أكلت من هذه النخلة فحلب وشرب أو لقط وأكل حنث ولا يسمي ذلك أكلًا منها

стр. 1014

ولا شربًا منها (١) كذلك إذا حلف لا لبس هذا الثوب يقصد قطع المنة فلم يقصد عينه وإنما قصد منع نفسه من الانتفاع من مال المحلوف عليه وذهب المخالف إلى أن هذا لا يتناوله اسم ثوب فلا يحنث كما لو لم يقصد قطع المنة (٢). والجواب: أنه لم يوجد مقصود الحالف وهاهنا وجد مقصوده (٣). ١٧٦ - ٢١ مسألة: إذا قال: والله لا أكلت هذا الرغيف فأكل بعضه أو لأشربت ماء هذا الكوز فشرب بعضه أو لا لبست من غزل فلانة فلبس ثوبًا فيه من غزلها أو لا دخلت هذه الدار فأدخل يده أو رجله حنث في أصح الروايتين (٤)، قال في رواية مهنَّا (٥): في رجل قال لامرأته: أنت طالق إن لبستُ ثوبًا من غزلك فلبس ثوبًا فيه من غزلها أقل من الثلث أخشى أن يكون قد حنث (٦). وقال أيضًا في رواية أبي طالب فيمن حلف: لا يدخل الدار أو البيت فأدخل يده أو رأسه أو رجله فكأنه قد دخل (٧) وهو اختيار الخرقي؛ لأنَّه قال: ولو حلف لا يشرب ماء هذا الإناء فشرب بعضه حنث إلا أن يكون أراد أن يشربه كله (٨)، وقال أيضًا: ولو حلف أن لا يدخل دارًا فأدخل يده أو رجله أو رأسه أو شيئًا منه حنث ولو حلف أن يدخل لم يبر حتى يدخل جميعه (٩)، وبهذا قال مالك (١٠). وفيه رواية أخرى لا يحنث حتى يأكل جميع الرغيف ويشرب جميع الماء ويدخل

стр. 1015

بجميع بدنه ويلبس ثوبًا جميعه من غزلها ص عليه في رواية أبي الحرث (١) فيمن حلف لا يلبس من غزل امرأته فنسج ثوبًا من غزلها، وفيه من غزل غيرها لم يحنث، وقال أيضًا في رواية صالح في رجل قال لامرأته إن دخلت بيت أخيها فهي طالق كأني أميل إلى أن لا تطلق حتى تدخل كلها (٢)، واختار أبو بكر من أصحابنا في الدخول لا يحنث إلا بدخول جميعه وفي الأكل يحنث بأكل بعضه، وقال أبو حنيفة (٣) والشافعي (٤): لا يحنث إلا بأكل جميعه ولبس جميعه وشرب جميعه. وجه الرواية الأولى أنه لفظ مقصود به المنع من فعل فوجب أن يتعلق المنع بالجملة والأبعاض (٥). أصله: النهي وذلك أن الحالف يقصد منع نفسه كما أن الناهي يقصد منع غيره، ولأن المطلق من كلام الآدميين محمول على المعهود في الشرع، وقد ثبت أن النهي في الشرع عن فعل شيء يتناول الجملة والأبعاض كذلك ما تضمن المنع من كلام الآدميين يجب أن يكون كذلك وبيان هذا أن الله تعالى قال: ﴿وَلَا جُنُبًا إِلَّا عَابِرِي سَبِيلٍ﴾ [النساء: ٤٣]. وقال تعالى: ﴿فَلَا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا﴾ [التوبة: ٢٨]، لما كان نهيًا عن الدخول تضمن الجملة والبعض وكذلك قوله تعالى: ﴿وَلَا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ﴾ [البقرة: ١٩٦] يتضمن الجملة والبعض وكذلك تحريم الخمر يتناول القليل والكثير وكذلك أكل مال اليتيم فإن شئت قلت ما كان معصية لصاحب الشريعة كان حنثًا للحالف وقد ثبت أنه لو قال صاحب الشريعة: لا تأكلوا هذا الرغيف فإنه يحرم جميعه وكل جزء منه كذلك في الحالف (٦).

стр. 1016

فإن قيل: نواهي صاحب الشريعة يقتضي التحريم فلهذا تناولت الجملة والبعض وليس كذلك هاهنا؛ لأن هذه يمين معلقة بشرط ولم يوجد الشرط. قيل: قد وجد شرطها؛ لأن الحالف قصد التحريم والمنع من المحلوف عليه وقد بينا أن المطلق من كلام الآدميين محمول على المعهود في الشرع من الوجه الذي بينا على أن علة الأصل تبطل بنهي صاحب الشريعة عن حمل النجاسة في الصلاة والعمل فيها ولم يتناول جميع ذلك؛ لأن القليل من ذلك معفو عنه وطريقة أخرى وهو أن بعض المحلوف عليه لو أفرده باليمين وحنث فيه وجبت الكفارة فإذا ضمه إلى غيره وفعله وجبت الكفارة كما لو قال: والله لا كلمت زيدًا ولا عمرًا فكلم أحدهما حنث كذلك هاهنا (١). فإن قيل: لنا في هذه المسألة قولان: أحدهما لا يحنث حتى يكلمهما جميعًا فلا فرق بينهما. قيل: إذا لم يسلم دللنا عليه وقلنا قد يقصد الحالف في العادة الامتناع من خطاب كل واحد منهما على الانفراد؛ لأن كل واحد منهما قد يعاد أو الإيمان على قصد الحالف. بدليل: الرؤوس والشرب من النهر وغير ذلك (٢). فإن قيل: نسلم لكم هذا ولكن الفرق بينهما أن هناك يمينين فلهذا حنث بكلام كل واحد منهما على الانفراد وليس كذلك هاهنا؛ لأنها يمين واحدة ولم يوجد شرطها (٣). قيل: ليس كذلك بل هناك يمين واحدة علقها على جملتين فهو بمثابة قوله والله لا أكلت هذين الرغيفين، وقد ثبت أن هناك يمينًا واحدة كذلك في زيد وعمرو. والذي يدل على أنها يمين واحدة: أنه إذا كلم أحدهما يحنث ثمّ كلم الآخر لم يلزمه حنث ثاني ولا كفارة ثانية، ولأنها بمثابة قوله لزوجته: أنت طالق إن دخلت الدار وكلمت زيدًا فدخلت الدار لم يقع الطلاق عندهم؛ لأنها يمين واحدة علقها بشرطين وقد وجد

стр. 1017

أحدهما وأيضًا لو حلف لابتُ عند فلان فمكث حتى مضى معظم الليل ثم خرج حنث وإن لم يكمل جميع الليل (١). فإن قيل: إنما حنث هناك لأن اسم البيتوتة تقع على ذلك ولا يقع عليه اسم أكل الرغيف وداخل الدار (٢). قيل: وكذلك لا يقع على الجنب أنه داخل المسجد إذا أدخل يده أو رجله وكذلك الكافر إذا أدخل يده ومع هذا فهو ممنوع كذلك هاهنا (٣). فإن قيل: معظم الليل في حكم جميعه. بدليل: جواز الدفع من المزدلفة. قيل: وكذلك بعض الجملة في حكم الجملة. بدليل: لفظ صاحب الشريعة وعلى أنه كان يجب أن يحنث بأكل معظم الرغيف؛ لأن معظمه في حكم جميعه وأيضًا فإن أبا بكر الرازي ذكر في أحكام القرآن إذا قال: والله لا أكلت هذا الطعام فأكل منه جزءًا لم يحنث ولو قال: حرمت على نفسي هذا الطعام فأكل منه جزاءً حنث والتحريم عندنا وعندهم يمين كذلك هاهنا (٤). فإن قيل: إنما حنث هناك؛ لأن اللفظ يقتضي التحريم وهاهنا هي يمين معلقة بشرط وما وجد شرطها (٥). قيل: لا فرق بينهما وذلك أن لفظة التحريم لا تقتضي تحريم الطعام كما أن اسم الله تعالى لا يقتضي تحريمه ولا فرق بينهما وإنما وجبت عليه الكفارة؛ لأنَّه حالف وربما

стр. 1018

احتج أصحابنا بما روي أحمد في مسائل صالح قال نا أبو المغيرة (١) نا صفوان (٢) نا عبد الرحمن بن جبير بن نفير (٣) عن أبيه (٤) عن عوف بن مالك الأشجعي قال: "أتيت النبي ﷺ فسلمت عليه فقال: أدخل فقلت: كلي أم بعضي فقال: كلك" (٥) فدل على أن إدخال بعضه يسمى دخولًا (٦). فإن قيل: يحتمل أن يكون هذا على طريق المزاح (٧). قيل: حمل الكلام على ما يفيد أولى. واحتج المخالف: بما روي عن رسول الله ﷺ سئل عن آية من كتاب الله فقال: "لا أخرج من المسجد حتى أخبرك بها فلما أخرج رسول الله ﷺ إحدى رجليه أخبره بالآية

стр. 1019

قبل أن يخرج الرجل الأخرى" (١)، وهذا يدل على أنه ليس بخارج بخروج إحدى رجليه؛ لأن الأنبياء ﵈ لا يجوز منهم مخالفة الوعد (٢). والجواب أنه يحتمل أن يكون فعل ذلك ناسيًا. واحتج بأن النبي ﷺ كان يخرج رأسه وهو معتكف إلى امرأة من نسائه وهي في غير المسجد فترجله (٣) والمعتكف ممنوع من الخروج من المسجد ولم يقم إخراج بعضه جاري مجرى جميعه (٤). والجواب: أن المعتكف يخرج لحاجة الإنسان ولا يبطل اعتكافه ولو خرج الحالف لحاجة الإنسان حنث ولذلك قالوا: يخرج إلى المنارة (٥). واحتج: بأن اليمين إذا وقعت على جملة فإذا وجد بعضها فلم توجد الصفة فهو كما لو حلف أن يخرج من الدار أو يأكل الرغيف فأخرج بعضه أو أكل بعضه لم يبر كذلك هاهنا؛ لأن اليمين موضوعة على أن البر يتعلق بما يتعلق به الحنث (٦).

стр. 1020

والجواب: أن البر بمثابة الأمر من صاحب الشريعة والأمر يتناول اتحاد جميع المأمور به كقوله تعالى: ﴿لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ﴾ [الفتح: ٢٧]، يقتضي دخوله بجملته والحنث في مقابلة النهي من صاحب الشريعة والنهي يتناول الجملة والأبعاض كقوله تعالى: ﴿فَلَا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ﴾ [التوبة: ٢٨]. وقوله: ﴿وَلَا جُنُبًا إِلَّا عَابِرِي سَبِيلٍ﴾ [النساء: ٤٣] فإنه يقتضي المنع عن الدخول بالجملة والأبعاض. وجواب آخر: وهو أن البر طريقة الإباحة والحنث طريقة المنع والحظر فاعتبر في الإباحة أو في مما يعتبر في المنع كما قلنا في إباحة الزوجة لزوجها الأول يقف على شرطين زوج وإصابة والحظر يقع بشيء واحد وهو الطلاق الثلاث ولهم على هذا سؤال وقد تقدم وهو أن الحظر قد يعتبر فيه مثل ذلك وهو تحريم الربيبة يقف على العقد على الأم وعلى إصابتها وقد أجبنا عنه بأن تحريم الربيبة لا يشترط فيه العقد. بدليل: أنه لو وطي امرأة في غير عقد حرمت بنتها بالوطي (١). واحتج: بأن وجود بعض الصفة لا يوجب الحنث دليله: إذا علقه على فعل غيره مثل أن يقول: إن قدم زيد وعمرو فأنت طالق فقدم أحدهما أو قال إن مات زيد وعمر فمات أحدهما أو قال لعبده: إن دخلت الدار اليوم فأنت حرًا وقال: إن دخلت وأنت فقيه أو مكتسي فدخل من الغد أو دخل عريانًا أو جاهلًا لم يعتق وكذا لو قال لعبده: إن جئتني بعشرين دينارًا فأنت حر فجاءه بخمسة عشر لم يعتق، وقد نص أحمد على هذا في رواية مهنا وقد سأله عن رجل قال لغلامه: إذا أديت إلي عشرين عشرين دينارًا فأنت حر فأدى خمسة عشر دينارًا ثمّ مات المولى لا يكون حرًا هو مملوك فلم يحكم بعتقه بأداء بعض الدنانير وإن كنا نعلم أن الأداء صفة في عتقه (٢).
следующие страницы →