← Фикх ханбали

Фикх ханбали · id 30058

مسلك الراغب لشرح دليل الطالب - ت الهزاني وإدريس

إبراهيم العوفي الصالحي

Полный текст (1 279 стр.). Показаны 1016–1055 · переход к 1021.

стр. 1016

إقطاعَ تمليكٍ (١) صحَّ ذلكَ، وكذَا لو بيعَتْ من غيرِ حاكمٍ وحكمَ بصحتهِ حاكمٌ يراهُ صحَّ. قالَهُ الموفقُ وغيرُه (٢). ولا يصحُّ بيعُ منازلِ مكة؛ لأنَّها فُتِحَتْ عَنوةً، ولا الحرم كلِّه (٣). ولا تباعُ المناسكُ، ولا يصحُّ إجارتُها أيضًا (٤)، لما وردَ من حديثِ ابن شَعيبٍ (٥). فإن سكنَ بمكةَ بأجرةٍ لم يأثَمْ بدفعِها (٦). صححَه في "الإنصافِ" (٧). ولا يُملكُ ماءٌ عِدٌّ -بكَسرِ العَينِ المهملةِ، وتشديدِ الدَّالِ (٨) - (٩)، كمياهِ عَينٍ ونَقْعِ بئرِ؛

стр. 1017

لحديثِ: "المُسْلِمُونَ شُرَكَاءُ فِي ثَلَاثٍ: فِي المَاءِ وَالْكَلَأِ وَالنَّارِ" (١). ويصحُّ بيعُ ما في معدنٍ جارٍ (٢)، كقَارٍ (٣)، ومِلْح. ولا يصحُّ بيعُ نابتٍ من كلأٍ وشوكٍ ونحوِ ذلكَ (٤)، ولكنَ مشتَرِيهَا أحقُّ بهَا (٥)، ومنْ أخذَه يجوزُ ملكُه (٦). ونحلُ ربِّ الأرضِ أحقُّ بهِ (٧). ويجوزُ أن يجتَنِيَ نحلًا، ويأخذَ كلأً منْ أرضِ غيرِه بإذنِه، ويحرمُ منعُه منهُ (٨). (الْخَامِسُ) منَ الشروطِ: (الْقُدْرَةُ عَلَى تَسْلِيْمِهِ) حالَ العقدِ (٩)؛ (فَلَا يَصِحُّ بَيْعُ) العبدِ (الآبِقِ، وَ) لَا بيعُ الدابةِ (الشَّارِدِ) منَ الدوابِّ، ولا جعلُهُما

стр. 1018

ثمنًا (١). (وَلَوْ) كانَ البيعُ (لِقَادِرٍ عَلَى تَحْصِيْلِهِما) (٢)؛ لنهيهِ ﷺ عنْ شراءِ العبدِ الآبقِ (٣). ولا يصحُّ بيعُ طيرٍ في الهواءِ، ولَو ألِفَ الرجوعَ، ولا سمكٍ في لجةِ ماءٍ (٤). فإنْ كانَ الطيرُ في مكانٍ مغْلَقٍ عليهِ، والسمكُ في ماءٍ صافٍ يشاهدُه، والماءُ غيرُ متصلٍ بنهَرٍ [و] يمكنُ أخذُه منه -ولو طالَ زمنُ أخذِه- صحَّ بيعُه (٥). فإنْ عجزَ عن تحصيلِه فلهُ الفسخُ (٦). (السَّادِسُ) من الشروطِ: (مَعْرِفَةُ) البائعِ والمشتري (الثَّمَنَ وَالمثْمَنَ) (٧)؛ لأنَّ جهَالَةَ المبيعِ عذرٌ (٨). (إِمَّا بِالْوَصْفِ) مما يكفي فيه الوصفُ (٩)، كالسلمِ. ويجوزُ تقديمُه على العقدِ. (أَوْ بِالمُشَاهَدَةِ) فيما يحتاجُ لمشاهدةِ جميعِه، أو بعضِه إذا كانَ يدلُّ على بقيتِه (١٠). (حَالَ الْعَقْدِ) -متعلقٌ بالمعرفةِ- (أَوْ قَبْلَهُ) أي: قبلَ

стр. 1019

العقدِ (بـ) ــــــزمنٍ (يسيرٍ) لا يمكنُ التغيُّرُ فيه (١). وما عُرفَ بلمسِه أو شمِّه أو ذوقِه فكرؤيتِه (٢). وينفسخُ العقدُ بتلفٍ قبل قبضٍ (٣). وإن اختلفَا في صفةٍ، أو تغيرَّ فالقولُ قولُ المشتري بيمينِه (٤). ولو باعَ بغلًا فبانَ فرسًا لم يصحِّ (٥)؛ للجهلِ بالمبيعِ. ويصحُّ بيعُ الأعمى بالصفةِ فيما يصحُّ السَّلمُ فيهِ، وكذا شراؤُه (٦)، وله خيارُ الخُلفِ في الصفةِ (٧). ويصحُّ بيعُه وشراؤُه فيما يمكنُه معرفتُه، كشمٍّ ولمسٍ وذَوقٍ (٨). ولا يصحُّ بيعُ حملٍ دونَ أمِّه، ولا تعيينُه مع أمِّه (٩)، وإنما الحملُ تبعًا (١٠) لأمِّه إذا أبيعَتْ -كما يأتي في خيارِ الشرطِ-. ولا يصحُّ بيعُ لبنٍ في ضَرع، ولا بيضٍ في طيرٍ، ولا مسكٍ في الفأر (١١) -أي: نافجتُه (١٢)، وهو وعاؤُه (١٣) - (١٤)؛ لأنه مجهولٌ.

стр. 1020

ولا لؤلؤٍ في صدفٍ (١). واختارَ في "الهدايةِ" صحتَه (٢)؛ لأنها وعاءٌ لهُ. وكذا نوىً في تمرٍ، وصوفٍ على ظهرٍ (٣)؛ للنهيِ عنه (٤)، ما لم يكنْ تبعًا للحيوانِ في بيعِه (٥). ولا بيعُ ما قد تحملُ هذهِ الشجرةُ أو الحيوانُ (٦). ولَا يصحُّ بيعُ مستورٍ في الأرضِ ظاهرٍ ورقُه -كلِفْتٍ (٧)، وفِجلٍ، وجزرٍ، وقُلْقَاسٍ (٨)، وبصلٍ، ونحوِه- قبلَ قلعِه ومشاهدتِه (٩)؛ لجهالةِ ما يرادُ منهُ. ولا يصحُّ بيعُ ثوب مطويٍ (١٠). قال في "شرح المنتهى" للمصنف: "مَا لم يُرَ منهُ ما يدُلُّ على بقيَّتِه" (١١). ويَملكُ ردَّه بالعيبِ (١٢)،

стр. 1021

ولا يصحُّ بيعُ ثوبٍ نُسِجَ بعضُه على أن ينسَجَ بقيتُه (١). ولا يصحُّ بيع العطاءِ قبلَ قبضِه -والعطاءُ: هو قسطُهُ منَ الديوانِ (٢) -، ولا يصحُّ بيعُ رقعةٍ بهِ (٣). ولا يصحُّ بيعُ عبدٍ غيرِ معينٍ من عبيدٍ، وكذا شجرٍ من بستانٍ، وشاةٍ منْ قطيعٍ، ونحوِه (٤). ويصحُّ بيعُ أمةٍ حاملةٍ بحُرٍّ (٥)، ويصحُّ بيعُ جَوزٍ ونحوِه في قشرِه تبعًا له، وكذا حبٌّ مشتدٌّ في سنبلِه (٦). ويصحُّ بيعُ قَفيزٍ (٧) من صُبرَةٍ (٨) تساوَتْ أجزاؤُها وزادَتْ عن قفيزٍ، وكذا رِطلٌ (٩) من دنٍّ (١٠)

стр. 1022

ونحوِه (١). ويصحُّ بيعُ صبرةٍ جُزافًا مع جهلِهما أو علمِهما (٢)؛ لحديثِ ابن عمرَ: "كنَا نَشتَرِي الطَّعامَ منَ الرُّكبَانِ جُزَافًا، فنهانَا رسُولُ اللهِ ﷺ أنْ نبيعَه حتى ننقُلَهُ من مكانِه". متفق عليه (٣). وإن علمَ بائعٌ أو مشترٍ وحدَه حرُمَ، ولكلٍّ منهُما الفسخُ (٤). ومن باعَ دارًا وأرَى المشتريَ حدودَها صحَّ البيعُ، وكذا جزءًا مشَاعًا منها (٥). (تتمة: يصحُّ البيعُ بوزنِ صنجةٍ (٦) مجهولةٍ لا يعلمَان وزنَها، وبكيلٍ لا يعلمَانِ ما يسَعُ، ولو كان بموضعٍ فيه ذلكَ معلومًا (٧). ولو باعَ سرًّا بثمنٍ ثم جهرًا بأكثرَ، فكَنكاحٍ (٨). قال في "المنتهى": "والأصحُّ: قولُ المنقِّحِ في "التنقيحِ": "الأظهرُ أن

стр. 1023

الثمنَ هو الثاني إن كانَ في مدةِ خيارِ المجلسِ، وإن لم يكنْ في مدةِ خيارِ المجلسِ، فالثمنُ الأولُ" (١)، كما في "الإقناع": "الثمنُ ما عقدَا به سرًّا" (٢). ولَا يصحُّ بمثلِ ما باعَ به زيدًا، أو بما اشتراهُ إن لم يعلمانِه (٣). ولا يصحُّ بثمنٍ معلومٍ وشيءٍ محرمٍ (٤) -كرطلِ خمرٍ، ونحوه-، ولا كما يبيعُ الناسُ، ولا بما ينقطعُ به السعرُ (٥). ولا يصحُّ بقِرشٍ ونحوِه، والقِرشُ مختلفٌ بالبلد (٦). فإن لم يكنْ إلا واحدٌ، أو غلبَ أحدُهما صحَّ وصرِفَ إليهِ (٧)؛ عملًا بالظاهر. ولا يصحُّ بعشرةٍ نقدًا وعشرينَ نسيئةً (٨)؛ للنهيِ عن بيعتينِ في بيعةٍ) (٩). (السَّابعُ) من الشروطِ: (أَنْ يَكُونَ) المبيعُ (مُنَجَّزًا) في الحال، (لَا مُعَلَّقًا) بزمَنٍ - (كَبِعْتُكَ إِذَا جَاءَ رَأْسُ الشَّهْرِ- أَوْ) معلَّقًا برضًا- كـ (ـــــــإنْ رَضِيَ زَيْدٌ -)؛ فإنه لا يصحُّ (١٠). (وَيَصِحُّ) قولُ بائع: (بِعْتُ، وَ) قولُ مشترٍ): (قَبلْتُ إنْ شَاءَ اللهُ تَعَالَى) (١١). (و) منْ صورِ بيعِ تفريقِ الصفقةِ: (مَنْ بَاعَ) شيئًا (مَعْلُومًا) -كعبدٍ-،

стр. 1024

(وَ) شيئًا (مَجْهُولًا) -كثوب غيرِ معينٍ-، (لَمْ يَتَعَذَّرْ عِلْمُهُ) في ثمنِ المعلومِ (صَحَّ) البيعُ (فِي المَعْلُومِ بِقْسْطِهِ) منَ الثمنِ، وبطلَ في المجهولِ (١). (وإِنْ تَعَذَّرَ مَعْرِفَةُ المَجْهُولِ وَلَمْ يُبَيِّنْ ثَمَنَ المَعْلُومِ فَـ) ـــــــالبيعُ (بَاطِلٌ) (٢)؛ لأنَّ المجهولَ لا يصحُّ بيعُه؛ لجهالتِه، والمعلومُ مجهولُ الثمنِ. فإن بينَ ثمنَ كلِّ منهُما صحَّ في المعلومِ بثمنِه (٣). ومن يملكُ بعضَ شيءٍ مشاعًا فباعَ الجميعَ، صحَّ بيعُ ما يملكُ بقسطِه، ولمشترٍ الخيارُ إنْ لم يعلمْ، وله الأرشُ (٤) -إن أمسكَ- فيما يُنقِصه تفريقٌ (٥). وإن باعَ قنَّه ونحوَه مع قنِّ غيرِه بإذنِه، صحَّ فيهِما وقُسِّطَ الثمنُ على قدرِ قيمتِهما (٦). وإن باعَه بلا إذنٍ صحَّ في قنِّه بقسطِهِ من الثمنِ (٧). وإن جمعَ في عقدٍ بينَ بيعٍ وإجارةٍ، أو نكاحٍ ونحوِه بعوضٍ واحدٍ صحَّا، وقُسِّطَ العوضُ عليهِما (٨)؛ ليعرفَ عوضُ كلٍّ منهُما. فَصْلٌ في موانعِ صحةِ البيع (يَحْرُمُ، وَلَا يَصِحُّ بَيْعٌ وَ) لو قلَّ، وكذا (شِرَاءٌ فِي المَسْجِدِ) (٩)، (وَلَا)

стр. 1025

يصحُّ أيضًا بيعٌ ولا شراءٌ (مِمَّنْ تَلْزَمُهُ) صلاةُ (الْجُمُعَةَ) (١). ولو كانَ أحدَ المتعاقدينِ والآخرُ لا تلزمُه. وفي حق من لا تلزمُه مكروهٌ (٢). والنهيُ عن البيعِ والشراءِ: (بَعْدَ) الشروعِ في (نِدَائِهَا) الثاني (٣)، وهوَ الأذانُ (الَّذِي عِنْدَ الْمِنْبَرِ) (٤) عقبَ جلوسِ الخطيبِ عليهِ؛ لقوله تعالى: ﴿إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ﴾ (الجمعة: ٩)، فنهى عنِ البيعِ بعدَ النداءِ، وأُلحِقَ به الشراءُ؛ لأنهُ أحدُ شقَّي العقدِ، فكانَ كالشقِّ الآخرِ. تتمة: الحرمةُ وعدمُ الصحَةِ ما لم تدعُ الضرورةُ أو الحاجةُ إليهِ، كمضطرٍ إلى طعامٍ أو شراب إذا وجدَه يباعُ، أو كعريانٍ وجدَ سترةً تباعُ، أو كعادمِ ماءٍ وجدَ ماءً يُباعُ للطهارةِ، وككفنٍ ومؤنةِ تجهيزٍ لميتٍ خِيفَ فسادُه بتأخيرِه، وكشراءِ مركوبٍ لعاجزٍ، وشراءِ قائدٍ لضريرٍ لم يجِدْ من يقتدْهُ، ونحوِ ذلكَ من كلِّ ما دعَت إليهِ الضرورةُ أو الحاجةُ، فيجوز شراؤُه (٥)؛ دفعًا للضرورةِ والحاجةِ. وخصُّوا النداءَ بالثانِي؛ لأنَّه هو الذي كانَ في زمنِه ﷺ فتعلقَ الحكمُ به. وأما النداءُ الأولُ فحدَثَ في زمنِ أميرِ المؤمنينَ عثمانَ بنِ عفانَ -رضيَ اللهُ تعالى عنهُ- (٦). قال المنقِّحُ: "أو قبلَه" أي: يحرمُ البيعُ والشراءُ قبلَ النداءِ الثانِي "لمَن منزلُه بعيدٌ، بحيثُ أنه يدركُها" انتهى (٧). فلو كانَ أحدُ المتعاقدَين يلزمُه والآخرُ لا يلزمُه

стр. 1026

-كالعبدِ والمرأةِ- فباعَا أو شريَا ممن تلزمُه بعد ندائِها لم يصحَّ (١). قال الموفقُ (٢) والشارحُ (٣): "وحرُمَ على المخاطَبِ بها، وكُرِهَ للآخرِ". وكذا إذا وُجدَ الإيجابُ قبلَ النداءِ والقبولُ بعدَه، أو عكسَه (٤). قال شيخُنا في "حاشيته على المنتهى": "قلت: لو وُجدَ الإيجابُ قبلَ النداءِ ممن تلزمُه والقبولُ بعدَه ممن لا تلزمُه فالبيعُ صحيحٌ؛ لعدمٍ إثمِ واحدٍ منهما" (٥). ويستمرُّ التحريمُ وعدمُ الصحةِ إلى انقضاءِ الصلاةِ (٦). ولو كان بالبلَدِ جامعَينِ فأكثرَ -تصحُّ الجمعةُ فيهمْ باعتبارِ كثرةِ المصلينَ لضيقِ واحدٍ أو أكثرَ- اعتُبِرَ أسبقُهم نداءً (٧). صححَّه في "الفصولِ" (٨). قالَ الفهامةُ الشيخُ مرعِي (٩) في كتابِه "غايةِ المنتهى" (١٠): "ويتَّجهُ هذَا في حقِّ من يريدُ الصلاةَ مع إمامِه" (١١). فرعٌ: النهيُّ عن البيعِ والشراءِ وقتَ النداءِ، هل هوَ خاصٌّ بوقتِ الوجوبِ، أو عامٌّ بوقتِ الوجوبِ والجوازِ؟ لأنه تقدمَ في بابِ صلاةِ الجمعةِ أنَّ وقتَ صلاةِ الجمعةِ يدخلُ مِن وقتِ صلاةِ العيدِ وهوَ: من ارتفاعِ الشمسِ قيدَ رمحٍ -وهو وقتُ

стр. 1027

جوازٍ -، ويستمرُّ وقتُ الجوازِ إلى زوالِ الشمسِ، فإذا زالتِ الشمسُ فهوَ وقتُ وجوبٍ (١). وكذا لو صلَّى جماعةٌ في وقتِ الجوازِ وآخرونَ في وقتِ الوجوبِ، فهَل يمتنعُ البيعُ والشراءُ عندَ نداءِ الصلاةِ الأُولى إلى انقضائِها، أم عندَ نداءِ الصلاةِ الثانيةِ، أو في حقِّ من يريدُ الصلاةَ مع إمامِه -على ما وجَّهَه الشيخُ مرعي-؟ فتأمل (٢)!. ويحرمُ أيضًا الاشتغالُ بسائرِ الصناعاتِ منَ الشروع في النداءِ الثانِي، أو منَ الوقتِ الذي إذا سعَى فيهِ أدركَها من كانَ منزلُه بعيدٌ (٣). (وَكَذَا) يحرمُ ولا يصحُّ البيعُ والشراءُ (لَوْ تَضَايَقَ وَقْتُ) صلاةِ (المَكْتُوبَةِ)، وبقيَ منَ الوقتِ قدرَ ما يسعُها (٤). قالَ في "الإنصافِ": "قلْتُ: ويحتملُ أن يحرمَ إذا فاتتْهُ الجماعةُ بذلكَ، وتعذرَ عليهِ جماعةٌ أخرَى حيثُ قلْنَا بوجوبِها". انتهى (٥). فإن لم يؤذِّنْ للجمعةِ حرُمَ وامتنعَ صحةُ البيعِ والشراءِ إذا تضايقَ وقتُها (٦). ويصحُّ مَن وجبَتْ عليهِ صلاةُ الجمعةِ أن يُمضيَ وقتَ النداءِ بيعَ خيارٍ أو يفسخَه (٧). ويصحُّ مع الحرمةِ تعاطي سائرَ العقودِ

стр. 1028

منْ نكاحٍ، وإجارةٍ، وصلحٍ، وقرضٍ، ورهنٍ، ونحو ذلكَ (١)؛ لأن نهيَ الآيةِ وردَ في البيعِ فقط، فلا يتناولُ غيرَه. ويحرمُ أيضًا مساومةٌ ومناداةٌ ونحوُهما في وقتِ النداءِ الثانِي (٢). ويكرهُ شربُ ماءٍ بثمنِ حاضرٍ أو في الذمةِ بعدَ النداءِ الثانِي (٣). (وَلَا) يصحُّ (بَيْعُ الْعِنَبِ) والزبيب ونحوِه، (أَوِ الْعَصِيْرِ) المتخذِ من ذلكَ (لمَ) ـنْ يَـ (يتَّخِذُهُ) أي: يتخذُ ذلكَ (خَمْرًا) ولو ذميًا (٤)؛ لأنهم مخاطبونَ بفروعِ الشريعةِ. ولا يصحُّ بيعُ مأكولٍ ومشروب ومشمومٍ لمن يشربُ عليهِ خمرًا، أو قدحًا لمن يشربُ بهِ (٥). (وَلَا) يصحُّ (بَيْعُ الْبَيْضِ وَالجَوْزِ وَنَحْوِهِمَا) كبُندِقٍ (لِلْقِمَارِ) أي: لأجلِ القِمار (٦). ولا يجوزُ شراءُ البيضِ والجوزِ المكتسبِ منَ القمارِ، ولا أكلُه (٧)؛ لعدمِ انتقالِه لملكِ المكتسِب. (وَلَا) يصحُّ (بَيْعُ السِّلَاحِ) والترسِ والدرعِ (فِي الْفِتْنَةِ) بينَ (ا) لمسلمينَ (٨). (وَ) لا يصحُّ بيعُ السلاحِ أيضًا (لِأَهْلِ الْحَرْبِ أَوْ) لِـ (ـقُطَّاعِ الطَرِيْقِ) إذَا علمِ البائعُ ذلكَ، من مشتريهِ، ولو بقرائنَ (٩)؛ لقولِه تعالى: ﴿وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾ (المائدة: ٢). ويصحُّ بيعُ السلاحِ لقتالِ البغاةِ وقطاعِ الطريقِ (١٠).

стр. 1029

(وَلَا) يصحُّ (بَيْعُ قِنٍّ مُسْلِم لِكَافِرٍ)، ولو كانَ الكافرُ وكيلًا في شرائِه (١)؛ لقولِه تعالى: ﴿وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا﴾ (النساء: ١٤١) إذا كانَ (لَا يَعْتِقُ) القنُّ المسلمُ (عَلَيْهِ) أي: علَى مشتريه الكافرِ؛ لأنَّ من يعتقُ عليهِ -كأبيه، وابنه، وأخيه- يصحُّ بيعُه ويعتقُ عليهِ في الحالِ (٢). وإنْ أسلمَ عبدٌ ذميٌّ (أو عبدٌ مستأمنٌ ذكرًا أو أنثى وهوَ بيدِه)، أو أسلمَ وهوَ بيدِ مشتريه وردَّه على بائعِه، أو ردَّ البائعُ الثمنَ لعيبٍ ظهرَ بهِ، أُجبِرَ على إزالةِ ملكِه عنه بنحوِ بيعٍ أو هبةٍ أو عتقٍ (٣). ولا تكفي كتابةٌ في إزالةِ ملكٍ؛ لأنها لا تزيلُ ملكَ اليدِ عنهُ، بل يبقَى إلى الأداءِ. ولا يكفِي أيضًا بيعٌ بشرطِ خيارٍ؛ لعدمِ انقطاعِ علقةِ الملكيةِ عنه (٤). ويدخلُ العبدُ المسلمُ في ملكِ الكافرِ ابتداءً بـ: الإرثِ من قريبٍ أو زوجتِه أو مولىً، وباسترجاعِه بإفلاسِ المشتري بفسخِ بيعٍ، وكذَا إذا رجعَ الأبُ في هبتِه العبدَ لولدِه بعدَ إسلامِ العبدِ، أو رُدَّ لغبنٍ أو تدليَسٍ أو خيارِ مجلسٍ، أو فُسخَ في مدةِ خيارِ شرطٍ بعدَ إسلامِه (٥)، فعندَ ذلك يجبرُ على إزالةِ ملكِه عنه كما تقدمَ. (وَلَا) يصحُّ (بَيْعُ بَيْعٍ عَلَى بَيْعِ مُسْلِم) زمنَ الخيارَينِ (٦)؛ لحديثِ: "لَا يَبعْ بَعْضُكُمْ عَلَى بَيْعِ بَعْضٍ" (٧)، (كَقَوْلِهِ لِمَنِ اشَتَرَى شَيْئًا بِعَشَرَةٍ:) أنا (أُعْطِيْكَ مِثْلَهُ

стр. 1030

بِتِسْعَةٍ) (١)، (وَلَا) يصحُّ (شِرَاءٌ عَلَيْهِ) أي: على شراءِ المسلم (٢)؛ (كَقَوْلِهِ لِمَنْ بَاعَ شَيْئًا بتِسْعَةٍ: عِنْدِي فِيْهِ عَشْرَةٌ، وَأَمَّا السَّوْمُ عَلَى سَوْمِ المُسْلِمِ) فيحرمُ (مَعَ الرِّضَا الصَّرِيحِ) منْ بائعٍ (٣)؛ لحديثِ أبي هريرةَ -رضيَ اللهُ تعالى عنهُ- مرفوعًا: "لَا يَسُمِ الرَّجُلُ عَلَى سَوْمِ أَخِيْهِ". رواهُ مسلمٌ (٤). فإن لم يصرِّحْ بالرضَا لم يحرمْ (٥)؛ لأنَّ المسلمينَ لم يزَالوا يتبايعُونَ في أسواقِهم بالمزايدَةِ، فالمزايدَةُ في المناداةِ جائزةٌ إجماعًا (٦). ويصحُّ بيعُ ما سُومَ على سومِ أخيه معَ الحرمةِ (٧)؛ لأن النهيَ ما وردَ إلا عنِ السومِ، والسومُ خارجٌ عن البيعِ. (وَ) أما (بَيْعُ المُصْحَفِ) فحرامٌ، ويصحُّ العقدُ، كما في "المنتهى" تبعًا "للتنقيح" (٨)، خلافًا "للإقناع" (٩)؛ لأنه مشَى على عدمِ صحةِ العقدِ. وكذا إجارتُه ورهنُه (١٠)؛ لما فيه من الابتذالِ وتركِ تعظيمِه. قال الإمامُ أحمد: "لا نَعلَمُ في بَيعِ المصحَفِ رخصَةٌ" (١١). قال ابنُ عمرَ: "وَدِدْتُ أنَّ الأيدِي تقطَعُ في

стр. 1031

بَيْعِهَا" (١)، ولأن تعظيمَه واجبٌ. ولا يكرهُ شراؤُه، ولا إبدالُه لمسلمٍ بمصحفٍ آخرَ (٢)، ولو مع دراهمٍ منهما أو منْ أحدِهما. قالَه صاحبُ المنتهى في "شرحِه" (٣). ويجوزُ نَسخُه بأجرةٍ، وهبتُه، ووقفُه ووصيةٌ بهِ (٤). ولا يصحُّ بيعُه لكافرٍ (٥). وإن ملكَه بإرثٍ أو غيرِه- وفي "غايةِ المنتهى": "ويتجه كنسخٍ واستيلاءِ- ألزِمَ بإزالةِ يدِه عنه (٦). (وَ) بيع (الْأَمَةِ الَّتي يَطَؤُهَا) مالكُها (قَبْلَ استِبْرَائِهَا فَحَرَامٌ) (٧)، (وَيَصِحُّ الْعَقْدُ) في جميع ذلك (٨). (وَلَا) يملكُ، ولَا (يَصِحُّ التَّصَرُّفُ فِي المَقْبُوضِ) الذي صدرَ فيهِ البيعُ (بعَقْدٍ فَاسِدٍ)، (وَيَضْمَنُـ) ـهُ (هُوَ) أي: المقبوضُ بعقدٍ فاسدٍ (٩)، (وَ) يضمنُ (زَيَادَتُهُ) أي: نماؤُه المتصلُ والمنفصلُ (١٠)؛ (كمَغْصُوبِ) أي: كما يُضمَنُ المغصوبُ معَ زيادتِه، وكمؤاجرةِ مثلِه مدةَ بقائِه في يدِه، انتفعَ به أو لا. وإن نقصَ ضمنَ نقصَه (١١). وإن تلفَ فعليهِ قيمتُه يومَ تلِفَ ببلدِ قبضِه فيه، إن كانَ متقوَّمًا، وإلا

стр. 1032

فمثلُه (١). وإن كانَت أمةً ووطئِها، فلا حدَّ عليهِ، وعليهِ مهرٌ مثلي، وأرشُ بكارتِها (٢)، فلا يندرجُ في مهرِها، بخلافِ الحرةِ، والولدُ حرٌّ؛ للشبهةِ، وعليه قيمتُه يومَ وضعِه (٣). وإن سقطَ الولدُ ميتًا بغيرِ جنايةٍ لم يضمنْهُ، وعليه ضمانُ نقصِ الولادةِ (٤). وإن ملكَها الواطئُ بعدُ لم تصِرْ أمَّ ولدٍ (٥). تتمة: إذا باعَ من لم يُرِد تسليمَ المبيعِ أو ثمنِه، صحَّ البيعُ، وأجبرَ على التسليمِ. وإنْ قدِمَ بادٍ -أي: مسافرٌ - بلدًا (٦) ليسَ من أهلِها، لبيعِ سلعتِه بسعرِ يومِهَا، جاهِلًا بسعرِ اليومِ، فقصدَه -أي: أتاه- حاضرٌ عارفٌ بالسعرِ ليكونَ له سمسارًا ليبيعَها له للغيرِ، وكانَ بالناسِ إليهَا حاجةٌ (٧)، حرُمَ مباشرَةُ الحاضرِ لهُ في ذلكَ، ولم يصحَّ البيعُ (٨)؛ لحديثِ مسلمٍ عن جابرٍ مرفوعًا: "لَا يَبعْ حَاضِرٌ لِبَادٍ، دَعُوا النَّاسَ يَرْزُقُ اللهُ بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ" (٩)، وحديما ابنِ عباس: "نهَى النبيُّ ﷺ أن نَتَلقَّى الرُّكبَانَ، وأنْ يَبيعَ حَاضرٌ لِبَادٍ. قيلَ لابنِ عباس: مَا قولُهُ حاضرٌ لبادٍ؟ قال: لَا يَكُونُ له سِمْسَارًا (١٠) ". متفق عليه (١١). ولأنه متى تُركَ البادي يبيعُ سلعتَه اشتراها الناسُ برخصٍ ووسَّعَ عليهم، وإذا تولَّى الحاضرُ بيعَها امتنعَ منه إلا بسعرِ البلدِ، فيضيِّقُ

стр. 1033

عليهم. ولو رضيَ أهلُ البلدِ بذلك (١)، لعمومِ الخبرِ. فإن فُقِدَ شيءٌ مما ذكِرَ -بأن كانَ القادمُ من أهلِ البلدِ، أو بعثَ بها للحاضرِ، أو قدمَ البادي لا ليبيعَ السلعةَ، أو ليبيعَها لا بسعرِ الوقتِ، أو ليبيعَها به ولكنْ لا يجهلُه، أو يجهلُه ولم يقصدْه الحاضرُ العارفُ، أو قصدَه ولم يكنْ بالناسِ إليها حاجةٌ- امتنعتِ الحرمةُ (و)، (٢) صحَّ البيعُ (٣)، كما يصحُّ شراءُ الحاضرِ من البائعِ (٤) منْ غيرِ سمسارٍ (٥)؛ لأنَّ النهيَ لم يتناولْه لفظًا ولا معنًى؛ لأنَّ في شرائِه له ليسَ فيه توسعةٌ على الناسِ ولا تضييقٌ. ويجبُ على من استخبرَ عارفًا بسعرٍ أن يخبِرَ بسعرِ ما جهِلَه المستخبِرُ (٦)؛ لوجوب النصحِ عليهِ. ومنْ خافَ ضيعةَ مالِه بنهبِ أو سرقةٍ أو غصب أو غرمٍ ونحوِه إذا كانَ بيدِه، أو خافَ أن يؤخذَ منه ظلمًا، فبًاعَه، صحَّ البيعُ له (٧)، لعدم الإكراهِ. ومن استولَى على ملكِ غيرِه بلا حق كغصبِ، أو أنكرَه حتى يبيعَه لهُ، أَو منعَه الغيرُ عنهُ حتى يبيعَه إياهُ، ففعلَ، لم يصحَّ البَيعُ (٨). ومنْ أودعَ شهادةً خوفًا على ضياعِ مالِه بأنَّه يبيعُه (أو يتبرعُ به) لفلانٍ خوفًا وتقيةً، ففعلَ، عملَ بإيداعِ الشهادةِ، واستخلصَ المالَ (٩). ومن قالَ لآخر: اشترنِي من فلانٍ؛ فإنِّي عبدُه، فظهرَ حرًّا، فإن أخذَ القائلُ شيئًا استُخلصَ منه، وإلا لم يلزمْه ما أخذَه البائعُ، ويطالبُ البائعُ بما أخذَه، وأُدِّبَ

стр. 1034

القائلُ والبائعُ (١). وإن كانتِ القائلةُ أمةً ووطئِها المشترِي حُدَّتْ؛ لكونها حرةً، وأقرَّتْ عَلى ذلكَ، ولا مهرَ لها، ويلحَقُ الولدُ بمشترٍ (٢)؛ لأنهُ وطءُ شبهةٍ. ومن باعَ شيئًا بثمنٍ نسيئةٍ أو بثمنٍ حالٍ لم يقبَضْ، ثم إن البائعَ اشتراهُ بنقدٍ أو نسيئةٍ من جنسِ الأولِ بأقلَّ مما باعَه، حرُمَ ولم يصحَّ الشراءُ (٣). ولا يصحُّ العقدُ الأولُ إن قصدَ به الشراءَ ثانيًا (٤)؛ لأنه وسيلةٌ إلى الربَا وتسمَّى هذهِ: "مسألةُ العِينَةِ"، وعكسُها كذلكَ. وإن اشترَاه أبوهُ، أو ابنُه، أو وكيلُه، ونحوه صحَّ، ما لم يكن حيلةً (٥). تنبيه: قالَ شيخُ الإسلامِ -الشيخُ تقيُّ الدينِ ابنُ تيميةَ-: "ويَحرُمُ علَى صاحِبِ الدَّينِ أنْ يمتَنِعَ منْ انتظارِ المعسِرِ حتَّى يقلِبَ عليهِ الدَّينَ (٦). ومتَى قالَ للمعسرِ: إمَّا أن تقلبَ وإمَّا أن تقُومَ معِي إلى الحاكِمِ وخَافَ أن يحبِسَهُ الحاكِمُ -لعدَمِ ثبوتِ إعسَارِه عندَه وهُو معسِرٌ- فقَلَبَ على هذَا الوَجْهِ كانتْ هذِه المقَابَلَةُ حرَامًا غيرَ لازِمَةٍ باتّفَاقِ المسلمِينَ؛ فإنَّ الغرِيمَ مُكرَهٌ عليهَا بِغيرِ حَقٍّ. ومَنْ نَسبَ جَوازَ القَلْبِ على المعْسِرِ بِحِيلَةٍ مِنَ الحِيلِ إِلى مذْهَبِ بعْضِ الأَئِمَّةِ فقدْ أخْطَأَ في ذلكَ وغَلطَ، وإنما تَنازَعَ الناسُ في المعَامَلاتِ الاختيَارِيَّةِ مثلِ التَّورُّقِ والعِينَةِ". انتهى (٧). وهذا ظاهرٌ.

стр. 1035

والتِّورُّقُ هو: لو احتاجَ إنسانٌ إلى نقدٍ فاشترى ما يساوِي مائةً بمائةٍ وخمسينَ، فلا بأسَ (١)، نصًا (٢). وإن باعَ إنسانٌ ما يجرِي فيه الرِّبا -كالمكيلِ والموزونِ- بثمنٍ نسيئةً، ثمَّ اشترَى المشتري بثمنِه الَّذي في ذمتِه قبلَ قبضه من جنسِه مكيلًا أو موزُونًا، أو اشترى بالثمنِ المذكورِ ما لا يجوزُ بيعُه بالمبيعِ، حرُمَ ولم يصحَّ (٣). فإن اشترَاه بثمن آخرَ وسلَّمَه إليهِ، ثم أخذَه وفاءً، أولم يسلِّمْه واشترَاه في ذمتِه وقاصَصَهُ به جازَ (٤). ويحرمُ التسعيرُ على الناسِ (٥)؛ لحديثِ أنسٍ قال: غَلا السِّعْرُ على عهدِ رسُولِ الله ﷺ ، فقالُوا: يا رسُولَ الله، غَلا السِّعْرُ، فسَعّرْ لنا. فقالَ: "إِنَّ اللهَ هُوَ المُسَعِّرُ القَابِضُ البَاسِطُ الرَّزَّاقُ، إِنِّي لَأَرْجُو أَنْ أَلْقَى اللهَ وَلَيْسَ أَحَدٌ يَطْلُبُنِي بِمَظْلَمَةٍ فِي دَمٍ وَلَا مَالٍ". رواهُ أبو داود (٦). ويكرهُ المشترَى بذلكَ السعرِ (٧). وإن هدَّدَ

стр. 1036

المشتري مَن خالفَ التسعيرَ حرُمَ ولم يصحَّ البيعُ (١)؛ لأنَّ الوعيد إكرَاهٌ. ويحرُم قوله لبائعٍ: بِعْ كالناسِ (٢). فرعٌ: يحرمُ الاحتكارُ في قوتِ الآدميِّ فقط (٣). والاحتكارُ: أن يشتريَ القوتَ للتجارةِ ويحبسَه ليَقِلَّ، فيغلُوا (٤). وبالحرمينِ أشدُّ تحريمًا (٥). وفي "الرعايةِ الكبرى" وغيرها: "أنَّ من جلبَ شيئًا، أو استغلَّهُ مِن ملكِه، أو مما استأجرَه، أو اشترى شيئًا زمنَ الرخصِ ولم يضيِّقْ على الناسِ إذًا، أو اشترَاه من بلدٍ كبيرٍ -كبغدَاد (٦) والبصرة ونحوِهما- فله حبسُه حتى يغلُو، فليسَ بمحتكِرٍ، نصًا (٧). وتركُ الادخارِ لذلكَ أولَى" (٨). قال في "تصحيحِ الفروع" -بعدَ ذكرِه ذلكَ-: "قلتُ: إنْ أرَادَ بفعلِ ذلكَ وتأخيرِه الكسبَ فقط كُرِهَ، وإن أرادَهُ للتكسُّبِ ونفعِ الناسِ عندَ الحاجةِ إليهِ لم يكرَهُ" (٩). ويجبرُ المحتكِرُ على بيعِه كبيعِ الناسِ، فإن أبَى وخيفَ التلفُ فرَّقَه الإمامُ، ويردُّون مثلَه عندَ زوالِ الحاجةِ (١٠). وكذا سلاحٌ احتيجَ إليه (١١).

стр. 1037

ولا يكرَهُ ادخارُ قوتٍ لأهلِه ودوابِّه سنةً وسنتَينِ (١)، نصًا (٢). وروي أنه ﷺ ادَّخَرَ قوتَ أهلِهِ سنةً (٣).

стр. 1038

(بَابُ الشُّرُوطِ فِي الْبَيْعِ) أي: ما يشترِطُ أحدُ المتعاقدينِ على الآخرِ. (وَهِيَ) أي: الشروطُ. والشروطُ: جمعُ شرطٍ. والشرطُ معناهُ لغةً: العلامة (١). واصطلاحًا: "ما يلزَمُ من عدمِهِ العدمُ، ولا يلزمُ منْ وجودِه وجودٌ ولا عدمٌ لذاتِه" (٢). والمرادُ بالشرطِ هنا: إلزامُ أحدِ المتبايعَين الآخرَ بسببِ العقدِ ما له فيهِ منفعةٌ (٣). وذلكَ (قِسْمَانِ): القسمُ الأولُ: (صَحِيْحٌ لَازِمٌ) يعتبرُ في صلبِ العقدِ، أو بعدَه في مدةِ خيارِ المجلسِ (٤). (وَ) القسمُ الثاني: (فَاسِدٌ مُبْطِلٌ لِلْبَيْعِ). (فَـ) ـالشرطُ (الصَّحِيْحُ: كَشِرْطِ تَأْجِيْلِ الثَّمَنِ أَوْ) تأجيلِ (بَعْضِهِ) إلى أجلٍ معينٍ، أو نقدِ الثمنِ معَ غيبةِ المبيعِ المنقولِ عن البلدِ، ولو كانَ البلدُ بعيدًا (٥). (أَوْ) شرْطُ (رَهْنٍ) معينٍ، ويصحُّ شرطُ رهنِ المبيعِ نفسِه على الثمنِ (٦). (أَوْ) شرْطُ (ضَمِيْنٍ مُعَيَّنٍ)، وكذا شرطُ كفيلِ بدنِ مشترٍ معيَّنٍ (٧). فإن لم يكنْ معين. . . بطلَ الشرطُ و. . (٨) المبيع (٩) (أَوْ شَرْطُ صِفَةٍ فِي المَبِيْعِ كَـ) ـكونِ (الْعَبْدِ كَاتِبًا،

стр. 1039

أَوْ صَانِعًا)، أو فحلًا، أو خصيًا (١)، (أَوْ مُسْلِمًا)، أو غيرَ ذلكَ منَ الصفاتِ، (وَ) كونِ (الْأَمَةِ بِكْرًا، أَوْ تَحِيْضُ)، أَ (وْ) كونِ (الدَّابَّةِ هِمْلَاجَةً) - بكسرِ الهَاءِ، أي: السهلهِ السريعةِ المشي (٢) - (أَوْ) كونِها (لَبُونًا) أي: ذاتَ لبنٍ أو غزيرةَ اللبنِ، (أَوْ) كونِها (حَامِلًا)، أَ (وْ) كونِ (الْفَهْدِ أَوْ الْبَازِي صَيُودًا) أي: يعلمُ الصيدَ، أو الطيرَ صيوتًا، أو يبيضُ، أو الأرضَ خراجُها كذا (٣). (فَإِنْ وُجِدَ المَشْرُوطُ لَزِمَ البَيْعُ) (٤)؛ لأنَّ في اشتراطِ هذه الصفاتِ قصدًا صحِيحًا، وتختلفُ الرغباتُ باختلافِها، فلو لم يصحَّ اشتراطُ ذلكَ لفاتَتِ الحكمةُ التي لأجلِها شرعَ البيعُ. يؤيدهُ: قولُه ﷺ : "المُسْلِمُونَ عِنْدَ شُرُوطِهِمْ" (٥). (وَإِلَّا) أَيْ: وإن لم يوجدِ الشرطُ، (فَلِلْمُشْتَرِيْ الْفَسْخُ) أي: فسخُ المبيعِ إن اختارَه، (أَوْ أَرْشُ فَقْدِ الصِّفَةِ)

стр. 1040

المشروطةِ إن اختارَه (١)؛ لأنه مخيرٌ بينَ الفسخِ وبينَ أخذِ أرشِ النقصِ. فإن تعذرَ الردُّ تعينَ له الأرشُ (٢). وإن شرطَ أنَّ الطيرَ يوقظُه للصلاةِ، أو أنَّ البهيمةَ تحلبُ كلَّ يومٍ كذا، أو أنَّ الكبشَ مناطحًا (٣)، أو الغناءَ أو الزنَا في الرقيق، لم يصحَّ الشرطُ (٤)؛ لأن هذهِ الشروطَ منها ما لا يمكنُ الوفاءُ بهِ، ومنه ما هو محرمٌ فهوَ ممنوعُ الوفاءِ شرعًا. وإنْ شرطَ الرقيقَ كافرًا فبانَ مسلمًا، أو الأمةَ ثيبةً فبانتْ بكرًا، فلا فسخَ (٥)؛ لأنه ظهرَ أعلى وزادَه خيرًا منَ الشرطِ. وإن شرط الأمةَ حاملًا صحَّ البيعُ، فإنْ بانتْ لا حملَ بها فلا فسخَ (٦)؛ لأن الحملَ في الإماءِ عيبٌ. ولو أخبرَ بائعٌ مشترٍ بصفةٍ في المبيعِ يرغبُ فيهَا المشتري، فصدَّقَه المشتري بلا شرطٍ، فلا خيارَ لهُ (٧). ذكرَه أبو الخطابِ (٨). (وَيصِحُّ أَنْ يَشْتَرِطَ البَائِعُ عَلَى المُشْتَرِي مَنْفَعَةَ مَا بَاعَهُ)، غيرَ وطءٍ ودواعيهِ (٩)، (مُدَّةً مَعْلُومَةً، كَسُكْنَى الدَّارِ) المبيعةِ (شَهْرًا وَحُمْلَانِ الدَّابَّةِ إِلَى مَحَلٍّ مُعَيَّنٍ) (١٠)؛ لما روى جابرٌ أنه كانَ يسيرُ على جملٍ قد أعيَا، فضربَه النبيُّ ﷺ فسارَ سَيرًا لم يَسِرْ مِثلَه. فقَالَ: "بِعْنِيْهِ". فبعتُه، واستثنَيتُ حُملَانَه إلَى أهلِي. متفق عليه (١١). وهذا ما فيهِ إلا تأخيرُ تسليمِه مدةً معلومةً، كما لو باعَه أمةً مزوَّجةً، أو

стр. 1041

دارًا مؤجرةً، (عالمًا بذلكَ، وإلا فلهُ الخيارُ فيهِما) (١). وخبرُ: "أنه ﷺ نهى عن بيعٍ وشرطٍ" (٢) أنكرَه الإمامُ أحمد، وقال: "لا نعرِفُهُ مَرويًا في مسندٍ" (٣). ونفقةُ المبيعِ -المستثنَى- مدةَ الاستثناءِ على البائعِ (٤). (وَ) يصحُّ (أَنْ يَشْتَرِطَ المشْتَرِي عَلَى البَائِعِ حَمْلَ مَا بَاعَهُ) له، كحطب، (أَوْ) أن يشترطَ (تَكْسِيْرَهُ، أَوْ) أنْ يشترطَ (خِيَاطَتَهُ) أي: خياطةَ ما يخاطُ، (أَوْ) أن يشترطَ (تَفْصِيْلَهُ)، أو حصادَ زرعِ مبيعٍ، ونحو ذلكَ (٥). وإن جمعَ بينَ شرطينِ، ولو صحيحَينِ -كحملِ حطبِ وتكَسيرِهَ-، لم يصحَّ البيعُ (٦)؛ لحديثِ عبدِ الله بنِ عمرَ، عنِ النبيِّ ﷺ أنه قًال: "لَا يَحِلُّ سَلَفٌ وَبَيْعٌ، وَلَا شَرْطَانِ فِي بَيْعٍ، وَلَا بَيْعُ مَا لَيْسَ عِنْدَكَ" رواه أبو داود (٧). إلا أن يكونَ الشرطانِ من مقتضَاه

стр. 1042

-كاشتراطِ حلولِ الثمنِ، مع تصرفِ كلٍّ منهما فيما يصيرُ إليهِ-، فإنه يصحُّ بلا خلافٍ (١)، أو يكونَا منْ مصلحتِه؛ - كاشتراطِ رهنٍ وضمينٍ -، فيصحُّ (٢). (فَصْلٌ: وَ) الشرطُ (الفَاسِدُ) على ثلاثةِ أنواعٍ: أحدُهَما: وهوَ (المُبْطِلُ) للعقدِ منْ أصلِه. يحرمُ اشتراطُه (٣)، (كَشَرْطِ بَيْعٍ آخَرَ)، بأن يقولَ: بعْنِي (٤)، أو بعتكَ كذَا على شرطِ بيعِ كذا. (أَوْ) كشرطِ (سَلَفٍ) معَ البيعِ. والسلفُ: السلمُ. (أَوْ قَرْضٍ، أَوْ إِجَارَةٍ، أَوْ شَرِكَةٍ، أَوْ صَرْفٍ لِلثَّمَنِ) (٥). (وَهُوَ) (أي) (٦): الشرطُ الفاسدُ المشروطُ عندَ عقدِ المبيعِ المبطلِ للبيعِ المسمَّى (٧) (بَيْعَتَانِ فِي بَيْعَةٍ المَنْهِيُّ عَنْهُ) في الحديثِ (٨). والنهيُ يقتضي الفسادَ. قالهُ الإمامُ أحمد (٩). وقالَ ابنُ مسعودٍ: "صفْقَتَانِ فِي صَفقَةٍ ربَا" (١٠)، ولأنه شرطُ عقدٍ في عقدٍ، فلم يصحَّ. (وَكَذَا كُلُّ مَا كَانَ فِي مَعْنَى ذَلِكَ) أيَ: الشرطِ

стр. 1043

الفاسدِ المبطلِ للعقدِ (مِثْلَ) أن يقول في عقدِ المبيع: بشرطِ (أَنْ تُزَوِّجَني ابْنَتَكَ، أَوْ) أن يقول: بشرطِ أن (أُزَوِّجَكَ ابْنَتِي، أَوْ) أن (تُنْفِقَ عَلَى عَبْدِي، أَوْ) تنفقَ على (دَابِّتِي) (١). (وَمَنْ بَاعَ مَا يُذْرَعُ عَلَى أَنَّهُ) أي: الذي يذرعُ (عَشَرَةُ) أذرعٍ، (فَـ) ـعندَ ذرعِه (بَانَ) أنه (أكْثَرُ) من عشرةِ أذرعٍ، (أَوْ) بانَ أنه (أقَلُّ) من عشرةِ أذرعٍ (صَحَّ الْبَيْعُ) في ذلكَ، (وَلكُلٍّ) منَ البائعِ والمشتري (الْفَسْخُ)، إن أرادَا ذلكَ، أو أحدُهما (٢). النوع الثاني من الشروط الفاسدة -لكن يصحُّ العقدُ معها-: وهو ما ينافِي مقتضَى العقدِ، نحوَ: أن يشترطَ أن لا خسارةَ عليهِ في المبيعِ، أو أنهُ متى نفقَ المبيعُ وإلا ردَّهُ، أو شرطَ أن لا يبيعَ المبيعَ، ولا يهبَه، ولا يعتقَه، ولا يقفَه، أو شرطَ أن يفعلَ (٣) شيئًا مما ذكرَ، فالبيعُ صحيحٌ، والشرطُ باطلٌ (٤)، لحديثِ عائشةَ في قصةِ بريرةَ (٥)، قالتْ عائشةُ: جَاءتنِي بَرِيرَةُ، فقالَت: كاتبتُ أهلِي عَلى تِسعِ أوَاقٍ، كلَّ عَامٍ أوقيةً فأعينينِي. فقلْتُ: إنَّ أحبَّ أهلُكِ أن أعدَّها لهُم وَيكُونُ ولاؤُكِ لي فعلْتُ. فذهبَتْ برِيرَةُ إلى أهلِها، فقالَت لهمْ، فأبَوا علَيهَا. فجاءَتْ من عندِهم ورسول الله ﷺ جالسٌ، فقالَت: إنِّي عرضْتُ ذلكَ علَيهِم فأبَوا إلَّا أنْ يكُونَ لهمُ الولاءُ. فسمِعَ النبيُّ ﷺ ، فأخبرَتْ عائِشةُ النبيَّ ﷺ فقالَ: "خُذِيْهَا وَاشْتَرِطِي لَهُمُ الوَلَاءَ؛ فَإِنَّما

стр. 1044

الْوَلَاءُ لِمَنْ أَعْتَقَ" ففعَلَتْ عائشَةُ. وفي الحديثِ: أنه ﷺ قامَ في الناسِ وحمدَ اللهَ وأثنَى عليهِ، ثمَّ قالَ: "أمَّا بَعْدُ، مَا بَالُ رِجَالٍ يَشْتَرِطُونَ شُرُوطًا لَيْسَتْ فِي كِتَابِ اللهِ؟! مَا كَانَ مِنْ شَرْطٍ لَيْسَ فِي كِتَابِ اللهِ فَهُوَ بَاطِلٌ، وَإِنْ كَانَ مِائَةَ شَرْطٍ، قَضَاءُ اللهِ أَحَقُّ، وَدِيْنُ اللهِ أَوْثَقُ، وَإِنَّمَا الْوَلَاءُ لِمَنْ أَعْتَقَ". متفق عليه (١). فأبطلَ الشرطَ ولم يبطلِ العقدَ. فإن قيلَ: كيفَ أمرَهَا النبيُّ ﷺ بأمرٍ لا يقبلُونَه منهَا وهوَ فاسدٌ؟ أجيبَ عنه: بأنهُ ليسَ أمرًا حقيقةً، بلْ بمعنَى التسويةِ، كقولِه تعالَى: (فَاصْبِرُوا أَوْ لَا تَصْبِرُوا﴾ (الطور: ١٦)، والتقديرُ: اشترِطِي لهُم أوْ لَا تشترِطي. بدليلِ قولِه عقبَه: "فَإنَّما الْوَلَاءُ لِمَنْ أَعْتَقَ". إلَّا شرطَ العتقِ، فيصحُّ أن يشترطَه بائعٌ على مشترٍ (٢)؛ لحديثِ بريرةَ المذكورِ. ويجبرُ مشترٍ عليهِ إن أبَاهُ، فإنْ أصرَّ عتَقَهُ حاكمٌ قهرًا عليهِ (٣)؛ لأنه عِتقٌ مستَحقٌّ عليهِ؛ لكونِه قربةً التزمَها كالنذرِ. وإنْ شرطَ رهنًا فاسدًا -كخمرٍ، ونحوِه-، أو خيارًا، أو أجلًا مجهولَين، أو تأخيرَ تسليمِ مبيعٍ بلَا انتفاعٍ به، أو أنَّ الأمةَ لا تحملُ صحَّ (٤) البيعُ وبطلَ الشرطُ (٥). ومن فاتَه غرضُه لفسادِ شرطِه، له الفسخُ -علِمَ الحكمَ بذلكَ أو جهلَه-، أو أخذُ أرشِ نقصِ الثمنِ (٦). ومنْ قالَ لغريمِه: بعنِي هذَا الشيءَ علَى أن أقضيكَ منهُ دينَكَ، صحَّ وبطلَ الشرطُ (٧)، والبائعُ مخيرٌ بينَ الفسخِ أو أخذِ أرشِ النقصِ إن ثَمَّ نقصٌ (٨). النوعُ الثالثُ منَ الشروطِ الفاسدةِ التي لا ينعقدُ معها البيعُ: أن يشترطَ البائعُ

стр. 1045

شرطًا يعلَّقُ عليهِ البيعُ؛ كقولِكَ: بعتُكَ إن جِئتَنِي بكَذَا، أو رضِيَ بهِ فلَانٌ (١)، أو يقُولَ الراهنُ للمرتهنِ: إنْ لم أدفعْ لكَ حقَّكَ عندَ استحقاقِ أجلِه، وإلَّا فالرهنُ لكَ مبيعًا بالدَّينِ، فلا يصحُّ البيعُ فيهِما (٢). ويصحُّ: بعْتُ إن شاءَ اللهُ، وقبلْتُ إن شاءَ اللهُ (٣). ويصحُّ بيعُ العَرَبُونِ (٤) وإجارتُه (٥). قالَ الإمامُ أحمد: "لا بأس به، وفعلَه أميرُ المؤمنينَ عمرَ بنَ الخطابِ -رضيَ اللهُ تعالَى عنهُ-" (٦). وهو: دفعُ بعضِ ثمنٍ أو بعضِ أجرةِ إجارةٍ بعدَ العقدِ فيهِما ويقولُ: إنْ لمَ آخُذِ المبيعَ أو أجِئْكَ ببَاقِي الثمَنِ، وإلَّا فالعَرَبونُ لكَ (٧). فإن تمَّ البيعُ فما دفعَه من الثمنِ، وإلَّا فالعربونُ للبائعِ كما شرطَا (٨)؛ لما رُويَ عن نافعِ بنِ عبدِ الحارثِ (٩): أنه اشترَى لعمرَ دارَ السجنِ من صفوانَ بنِ أميةَ (١٠)،

стр. 1046

فإنْ رضيَ عمرُ وإلَّا فلَه كذا وكذَا (١). قالَ الأثرمُ: قلتُ لأحمد: تذْهبُ إليهِ؟ قال: "أيَّ شيءٍ أقولُ؟ هذا عمرُ". وضعَّفَ حديثَ ابنِ ماجه (٢) الذي نهَى النبيُّ ﷺ عن بيعِ العربونِ (٣)، فإنْ دفعَ العربونَ قبلَ العقدِ وقالَ: لا تعقِدْ مع غيرِي، وإنْ لم آخذْ فهوَ لكَ، فإنْ أخذَ المبيعَ بعدَه بعقدٍ فيحتسبُه من الثمنِ، وإلا رجعَ به. وليسَ هو للبائعِ (٤)؛ لأنه بغيرِ عوضٍ فلا يصحُّ أن يجعلَه عوضًا عن إنظارِه وتأخيرِه لأجلِه، لأنه لا تجوزُ المعاوضةُ عنه. ومن قالَ لقنِّه: إن بعتُكَ فأنتَ حرٌّ، وباعَه، عتقَ عليهِ، ولم ينتقلْ ملكٌ فيهِ لمشترٍ (٥). وإن قالَ المشتري: إن اشتريتُه منكَ فهوَ حرٌّ و. . (٦) بعدَ قولِ البائعِ: إن بعتُه فهوَ حرٌّ عتقَ على البائعِ فقط، ولم يعتقْ على المشتري (٧)؛ لتقدمِ عتقِه على البائعِ، وعدمِ انتقالِ الملكِ، كما تقدمَ. وإن قالَ شخصٌ - من غيرِ تقدمِ قولِ بائعٍ -: إن اشتريتُه فهوَ حرٌّ، فإن اشترَاهُ عتقَ عليهِ (٨). ومنْ شرطَ على مشترٍ البراءةَ من كلِّ عيبٍ -بأن قالَ: هذا فيهِ عيوبٌ، ولم يعيِّنْها-، أو شرطَ البائعُ البراءةَ من عيبِ كذَا إنَّ كانَ بهِ، لم يبرأ البائعُ بذلكَ (٩)،

стр. 1047

فللمشتري الفسخُ بعيب لم يعلمْه حالَ العقدِ (١). فإن سمَّاهُ بائعٌ لمشترٍ، برئَ البائعُ منهُ (٢)؛ لدخولِه عليهِ، أو إن كانَ المشتري أبرأَ من عيبٍ كذَا، أو من كلِّ عيبٍ بعدَ العقدِ، برئَ منه البائعُ (٣)؛ لإسقاطِه بعدَ ثبوتِه له كالشفعةِ. وإن قالَ بائعٌ: بعتُكَ على أن تنقدَنِي الثمنَ يومَ كذَا، صوإن لم تنقدْني فلا بيعَ، صحَّ البيعُ، وللبائعِ الفسخُ إن لم ينقدْه في المدةِ المشروطةِ (٤). ولو قالَ المشتري: اشتريتُ على أنْ تسلمَني المبيعَ يومَ كذَا، فإن تسلمْنِي وإلا لي الفسخُ، صحَّ، وله الفسخُ إن فاتَ شرطُه (٥).

стр. 1048

(بَابُ الْخِيَارِ) - اسمُ مصدر اختَارَ، يختَارُ، اختِيَارًا (١) -. والخيارِ في البيعِ، والتصرفِ في المبيعِ قبلَ قبضِه، ومَا يحصلُ به قبضُه. وهو: "طلبُ خيرِ أمرَينِ منْ فسخِ عقدٍ أو إمضائِه" (٢). (وَأَقْسَامُ) الخيارِ علَى ما (هُـ) ـنَا بحسبِ أسبابِهِ (سَبْعَةٌ). (أَحَدُهَما: خِيَارُ المَجْلِسِ) - بكسرِ اللامِ: موضعُ الجلوسِ (٣) -، وهو هنا: مكانُ التبايعِ. فيثبتُ ذلكَ في البيعِ للمتعاقدينِ، ولو لم يشترطْهُ العاقدُ (٤)، (مَا لم يتفرقَا البيِّعانِ)؛ لحديثِ: "الْبَيِّعَانِ بِالْخِيَارِ مَا لَمْ يَتَفَرَّقَا" متفقٌ عليه. وحملُه على أنهُما بالخيارِ قبلَ العقدِ غيرُ صحيحٍ؛ لرواية: "إِذَا تَبَايَعَ الرَّجُلَانِ فَكُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بِالْخِيَارِ" (٥). ويثبتُ الخيارُ في الصلحِ الَّذي بمعنى البيعِ - كالذي على مالٍ - (٦)، وفي الإجارةِ على عينٍ أو نفعٍ في الذمةِ-. . . (٧) كخياطةٍ، أو بناءٍ، ونحوِه- (٨)، وفي الهبةِ إذا شرطَ فيها الواهبُ عوضًا معلومًا (٩)، أو قسمةِ تراضٍ (١٠)، غيرِ كتابةِ رقيقٍ،

стр. 1049

وغيرِ تولِّي طرفَي عقدٍ بولايةٍ أو وكالةٍ (١)، وغيرِ شراءِ من يعتقُ عليهِ، فلا يثبتُ الخيارُ للمشتري. فهلْ يثبتُ للبائع؟ قيل: لا يثبت (٢)، قال المنقِّحُ في تصحيحِ "الفروعِ": "وهوَ قويٌّ؛ مراعاةً للعتق" (٣). وقيل: يثبت له (٤). قاله في "الرعاية" (٥). قال المنقحُ: "وهوَ ظاهرُ كلامِ صاحبِ الفروعِ" (٦). وغيرِ قسمةِ إجبارٍ، وغيرِ حوالةٍ، وإقالةٍ، وأخذِ بشفعةٍ، ووصيةٍ قبل موتِه، فلا يثبتُ الخيارُ في هذهِ الصورِ (٧). ويثبتُ الخيارُ فيما كانَ القبضُ شرط (٨) لصحتِه، كصرفٍ، وسلمٍ، وربويٍّ بجنسِه (٩)، كبيعِ مكيلٍ بمكيلٍ، أو موزونٍ بموزونٍ، ولو كانَ العينُ من غيرِ جنسِه؛ لأنَّ المرادَ بالجنسِ المجانسُ لهُ في الكيلِ أو الوزنِ فقط.

стр. 1050

ويبقى خيارُ المجلسِ (مِنْ حِيْنِ الْعَقْدِ إِلَى أَنْ يَتَفَرَّقَا) منَ المجلسِ عرفًا بأبدانِهما من مكانِ التبايعِ (١)، فإنْ كانَا في مكانٍ واسعٍ كصحراءٍ، فبأن يمشيَ أحدُهما مستدبرًا لصاحبِه خطواتٍ. . . (٢) إلى بيتٍ أو إلى نحو صفةٍ، وإن كانَا في دارٍ صغيرةٍ، فبصعودِ أحدِهما السطحَ، أو خروجهِ منهَا، وإن كانَا في سفينةٍ كبيرةٍ، فبصعودِ أحدِهما أعلاهَا إن كانَا أسفلَ، أو بالعكسِ إنْ كانَا أعلَى، وإن كانتْ صغيرةً فبخروجِ أحدِهما منهَا. ولا يعدُّ تفرقًا إذَا حجزَ بينَهما نحوُ حائطٍ، أو نامَا، أو قامَا معًا من غيرِ تفرُّقٍ (٣). وذلكَ إذا كانَ (مِنْ غَيْرِ إِكْرَاهٍ) في التفريقِ، فإن أُكرِهَا أو أحدُهُما، فالخيارُ باقٍ بينَهما (٤)، وكذا (لو) (٥) تفرقَا فزع (٦) من مخوفٍ، أو منْ سيلٍ (٧). ثمَّ يستمرُّ الخيارُ إلى أن يتفرقَا من مجلسٍ. . . (٨) (مَا لَمْ) (٩) يشترِطَا، أو أحدُهما قبلَ العقدِ (عَلَى أَنْ لَا خِيَارَ بَيْنَهُما، أَوْ يُسْقِطَاهُ) أي: المتعاقدانِ (بَعْدَ الْعَقْدِ) (١٠). (وَإِنْ أَسْقَطَهُ) أي: الخيارَ (أَحَدُهُمَا) أي: أحدُ المتعاقدَينِ (بَقِيَ خِيَارُ الْآخَرِ) (١١). (وَيَنْقَطِعُ الْخِيَارُ بِمَوْتِ أَحَدِهِمَا) (١٢)، لأنَّها أعظمُ الفرقتينِ. و (لَا) ينقطعُ

стр. 1051

الخيارُ (بِجُنُونِه) أي: جنونِ أحدِهما، (وَهُوَ) -أي: المجنونُ- باقٍ (عَلَى خِيَارِهِ إِذَا أَفَاقَ) منْ جنونِه (١). ولا ينتقلُ الخيارُ لوليِّه (٢)؛ لأنَّ الرغبةَ وعدمَها لا تُعلَم إلا منْه. ولو خرِسَ أحدُ المتعاقدَينِ قامتْ إشارتُه المفهومةُ مقامَ نطقِه (٣). قالَ شيخُنا في شرحِه على "الإقناع": "وكَذا كتابتُه" (٤). فإن لم تُفهَم إشارةُ الأخرسِ، أو جُنَّ، أو أغميَ عليهِ، قامَ أبوه أو وصيُّه أو الحاكمُ مقامَه (٥). قاله في "المغني" و"الشرحِ" (٦)، ولم يعلِّلْه بالسفيهِ، وهذا مبنيٌّ على قول (٧)، لأن في الحجر: "أنَّ من جُنَّ بعدَ البلوغِ والرشدِ لا ينظرُ في مالِه إلا الحاكمُ على الصحيح" (٨). ذكرهَا شيخُنا في حاشيتِه على "الإقناع" (٩). تتمة: إذا قلْنا: يثبتُ الخيارُ إذا أفاقَ فلعلَّهُ إلى أن يتفرقَا إذا اجتمعَا بعدَ الجنون؛ كالإكراهِ ونحوِه، على ما سبقَ. وإن قلنا: يقومُ وليُّه مقامَه فينبغي أن يثبتَ لوليِّه إلى أن يجتمعَ معَ العَاقدِ الآخرِ ثم يفارقُه. (وَتَحْرُمُ التَّفْرِقَةُ) منْ أحدِهما (مِنَ المَجْلِسِ) أي: مجلسِ العقدِ (خَشْيَةَ الاسْتِقَالَةِ) أي: خشيةَ أن

стр. 1052

يستقيلَ صاحبُه (١). القسمُ (الثَّانِي) من أقسام الخيارِ: (خِيَارُ الشَّرْطِ. وَهُوَ: أَنْ يَشْتَرِطَا) أي: المتعاقدانِ (أَوْ أَحَدُهُمَا الْخِيَارَ) في صلبِ العقدِ، أو يشترطَاهُ بعدَ العقدِ فِي زمنِ الخيارَين الَّذي هوَ خيارُ المجلسِ وخيارُ الشرطِ (٢)؛ لأنَّ مدةَ خيارِ الشرطِ حيثُ صدَر فهوَ بمنزلةِ حالِ العقدِ. (إِلَى مُدَّةٍ مَعْلُومَةٍ) كيومٍ، أو أكثرَ، أو أقلَّ، كإلى وقتٍ معلومٍ، كوقتِ الظهرِ أو العصرِ (٣)، ونحوِه. (فَيَصِحُّ) أي: الشرطُ (وَإِنْ طَالَتْ) مدةُ الخيارِ، ولو فوقَ ثلاثةِ أيامٍ (٤)؛ لحديثِ: "المُسْلِمُونَ عَلَى شُرُوطِهِمْ" (٥). قالَ الهمامُ صاحبُ المنتهَى في "شرحِه": "ولمْ يثبتْ ما رويَ عن عمرَ (٦) -أي: من تقديرِه بثلاثِ-، ورويَ عن أنسٍ خلافُه (٧) " (٨). وآخرُ مدةِ شرطِ

стр. 1053

الخيارِ غايتُها، كإلى غدٍ، فلا يدخلُ الغدُ في المدةِ (١)؛ لأنَّ (إلى) لانتهاءِ الغايةِ، فيسقطُ بأوله، وهو وقتُ طلوعِ الفجرِ. وابتداءُ المدةِ المعلومةِ منْ حينِ العقدِ، لا التفريقِ (٢). وإن كانَ الشرطُ بعدَ العقدِ زمنَ الخيارينِ فمنْ حينِ الشرطِ (٣). ولا يصحُّ إن اشترطَاه بعدَ لزومِه (٤). ويصحُّ الخيارُ فيمَا يفسدُ المعقودُ عليهِ قبلَ انقضاءِ مدةِ الخيارِ، كالطعامِ ونحوِه، فيباعُ بإذنِ الآخرِ، أو بإذنِ الحاكمِ إن امتنعَ، ويحفظُ ثمنُه إلى مضيِّ مدةِ الخيارِ (٥). وإنْ شرطَ الخيارَ حيلةً ليربحَ فيما أقرضَه حرمَ (٦)، نصًا (٧)، ولم يصحَّ البيعُ (٨)، كما لو (أبيعَ نحوُ دارٍ، وشرطَ الخيارَ إلى مدةٍ، وتكونُ منفعةُ الدارِ ربحًا في القرضِ، فبهذهِ الحيلةِ) تحرمُ، ولا يصحُّ. (وَلَكِنْ يَحْرُمُ تَصَرُّفُهُما) أي: تصرفُ البائعِ والمشتري (فِي الثَّمَنِ) المعينِ، أو الذِي في الذمةِ، (وَالمُثْمَنِ) المبتاعِ (فِي مُدَّةِ الْخِيَارِ) في خيارِ الشرطِ (٩)، سواء كانَ لهما، أو للبائعٍ وحدَه، أو لغيرِهِما -على شرطِ ما تقدمَ (١٠) بأن لا يكونَ للغيرِ وحدَه-، وإن كان للمشتري فقطْ فلهُ التصرفُ، ويبطلُ الخيارُ به (١١)، كما يأتي في المتنِ (١٢). تتمة: يكفِي المشتري استبراءَ الأمةِ مدةَ الخيارِ (١٣)؛ لحصولِه في ملكِه. ويثبتُ

стр. 1054

خيارُ الشرطِ في: بيعٍ، وصلحٍ، وإجارةٍ في ذمةٍ -كخياطةٍ وبناءٍ- (١)، ويثبتُ أيضًا في إجارةِ عينٍ مدةً لا تلي العقدَ في زمنِ الخيارِ (٢)، كما لو أجَّر شهرَ ربيعِ الآخرِ في شهرِ ربيعِ الأولِ، وشرطَ الخيارَ في أيامِ ربيعِ الأولِ إلى غايتِه. وأما لو شرطَه في أيامِ ربيعِ الآخرِ لا يصحُّ؛ لفواتِ بعضِ المنافعِ المعقودِ عليهَا، أو استيفائِها في مدةِ الخيارِ. ولا يصحُّ خيارُ الشرطِ في البيعِ الذِي قبضُه شرطٌ لصحتِه، كصرفٍ وسلمٍ وربويٍّ بربويٍّ (٣). ولا يصحُّ الخيارُ مجهولًا، كإلى الأبدِ، أو مدةً مجهولةً (٤)، أوَ إلى نزولِ المطرِ، ونحوِه. وكذا: متى شئتُ، أو شاءَ زيدٌ، أو قدمَ المسافرُ فلانٌ، فكلُّ ذلكَ لغوٌ، والبيعُ صحيحٌ (٥). ويصحُّ في قسمةِ تراضٍ، لا قسمةِ إجبارٍ (٦)، وإن شرطَ الخيارَ لزيدٍ من غيرِ أنْ يقولَ: "دُوني"، صحَّ (٧)، أو شرطَه لهُ ولزيدٍ، وزيدٌ وكيلٌ في ذلكَ عنهُ (٨)؛ لأنَّ الخيارَ. . . (٩). وإن شرطَه لزيدٍ وقالَ: "دوني" لم يصحَّ (١٠)؛ لأن الخيارَ شرعَ لتحصيلِ الحظِّ لكلِّ واحدٍ من المتعاقدينِ، فلا يصحُّ جعلُه لمن لا حظَّ لهُ. والوكيلُ إن شرطَه لموكلِه صحَّ (١١). وإن شرطَه لنفسِه دونَ موكلِه، أو شرطَه لأجنبيٍّ لم يصحَّ (١٢). وأما خيارُ المجلسِ فيصحُّ شرطُ الوكيلِ فيهِ (١٣)؛ لعدمِ حضورِ الموكِّلِ في المجلسِ. وإن شرطَا الخيارَ لأحدِهما دونَ

стр. 1055

الآخرِ (١)، أو لهُما متفاوتًا -كيومٍ لأحدِهما، ويومينِ للآخرِ-، صحَّ (٢). (وَيَنْتَقِلُ المِلْكُ) في المبيعِ للمشتري، وفي الثمنِ للبائعِ زمنَ الخيارَينِ (سواء كانَ لهما، أو لأحدِهمَا) (٣) (مِنْ حِيْنِ الْعَقْدِ) (٤)؛ لقولِه ﷺ : "مَنْ بَاعَ عَبْدًا وَلَهُ مَالٌ فَمَالُهُ لِلْبَائِعِ إِلَّا أَنْ يَشْتَرِطَهُ المُبْتَاعُ" رواه مسلم (٥). فجعلَ مالَ المبتاع باشتراطِه للمشتري، وهو عامٌّ في كل بيعٍ، فشملَ بيعَ الخيارِ. (فَمَا حَصَلَ فِي تِلْكَ المُدَّةِ) أي: مدةِ زمنِ الخيارَينِ (مِنَ النَّمَاءِ المُنْفَصِلِ) كثمرةٍ، وولدٍ، ولبنٍ، (فَلِلْمُنْتَقِلِ لَهُ) من بائعٍ ومشترٍ (٦). فما حصلَ من النماءِ المنفصلِ زمنَ الخيارِ في العينِ المبتاعةِ فللمشتري،. . . (٧) في الثمنِ فللبائعِ؛. . . (٨) نماءُ ملكِه الداخلِ في ضمانِه، ولو حصلَ ذلكَ بيد بائعٍ قبلَ قبضه للمشتري (٩)؛ لحديثِ: "الخَرَاجُ بِالضَّمَانِ" (١٠)،
следующие страницы →