← Фикх ханбали

Фикх ханбали · id 30058

مسلك الراغب لشرح دليل الطالب - ت الهزاني وإدريس

إبراهيم العوفي الصالحي

Полный текст (1 279 стр.). Показаны 981–1020 · переход к 986.

стр. 981

بالإنجيلِ- كالفَرَنجِ، ويقال لهم بنُوا الأصفرِ، والأشبَهُ أنها مؤكدة (١) نسبة إلى فَرَنْجَة -بفتحِ أولِه وثانيهِ وسكونِ ثالثه-، وهي جزيرةٌ من جزائرِ البحرِ، والنسبةُ إليهَا فَرَنْجِي (٢). قالَه في "المبدعِ" (٣). والصابئينَ (٤)، والرومِ (٥)، والأرمنِ (٦)، وكلِّ من انتسبَ لدين عيسَى ﵊ (٧) (أَوْ لِمَنْ لَه شُبْهَةُ كتَابٍ؛ كَالْمجُوسِ) (٨)، فإنه يُروى: أنه كانَ لهم كتابٌ ورُفِعَ (٩). فإنَّ (أميرَ المؤمنينَ عمرَ بنَ

стр. 982

الخطابِ -رضيَ الله تعالى) عنه- لم رضيَ (١) بأخذِهَا منهُم حتَى شهدَ عندَه سيدُنا عبدُ الرحمنِ بن عوفٍ (٢) -رضيَ اللهُ تعالى عنه-: "أنَّ النبي ﷺ أخذَها من مجوسِ هجَر". رواه البخاري (٣). ولم تنهضْ في إباحةِ نسائِهِم وحلِّ ذبائحِهم؛ لأنه لا يكونُ إلا ممنْ يكن أبواهُ كتابيَّان (٤). وما عداهُم فلا يقبلُ منهم إلا الإسلامُ أو القتلُ (٥)؛ لحديثِ: "أُمِرْتُ أَنْ أقاتِلَ النَّاسَ حَتَّى يَشْهَدُوا أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا الله" (٦) خُصَّ منه أهلُ الكتابِ ومن ألحِقَ بهمْ، كما تقدمَ، وبقيَ من عداهُم على الأصلِ. وأما أهلُ صحفِ إبراهيمَ وشيثٍ وزبورِ داودَ، فلا تقبلُ منهم الجزيةُ (٧)، لأنهم غيرُ أولئكَ، ولأن هذهِ لم تكنْ فيها شرائع، إنما هيَ مواعظُ وأمثالٌ. كذلكَ وصفَ النبيُّ ﷺ صحفَ إبراهيمَ وزبورَ داودَ -عليهما الصلاةُ والسلام- في حديث أبي ذرٍّ (٨).

стр. 983

(وَيَجِبُ عَلَى الإمَامِ) أو نائبِه (عَقْدُهَا) أي: عقدُ الذمة (١)؛ لأن ذلكَ متعلقٌ بنظرِ الإمامِ؛ لعلمِه بجهةِ المصلحةِ. (حَيْثُ) أنه يَـ (ـــــأمن مَكْرَهُمْ) (٢)؛ لأنه إن خافَ غائلتَهم (٣) من تمكينِهم الضررُ علينَا، فلا يجوزُ عقدُها. وصفةُ عقدِها: "أقررتُكم بجزيةٍ واستسلامٍ" -أي: انقيادٍ-، أو هم يبذلُون الجزيةَ فيقولُ: "أقررتُكم على ذلكَ" ونحوهما (٤) (٥). ولا يعتبرُ ذكرُ قدرِ الجزيةِ في العقدِ (٦). (وَالْتَزَمُوا) أي: أهلُ عقدِ الذمةِ (لَنَا) أي: معشرَ الإسلامِ (أَرْبَعَةَ أَحْكَام) أي: أربعةَ شروطٍ: (أَحَدُهَا) أي: أحدُ الأحكامِ: (أَنْ يُعطُوا الجِزْيَةَ) (٧). الجزيةُ: مأخوذةٌ من الجزاءِ (٨). وهو: "مالٌ يؤخذُ من أهلِ الذمةِ، (عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ) أي: على وجهِ الذلةِ والامتهانِ. في كلِّ عامٍ؛ بدلًا عن

стр. 984

قتلِهم، ولأجلِ إقامتِهم بدارِنا" (١)؛ لقولِه تعالى: ﴿حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾ (التوبة: ٢٩). (الثَّانِي) من الأحكام: (أَن) أهل الذمةِ (لَا يَذْكُرُوا دِيْنَ الاسْلَامِ إِلا بِخَيْرٍ)، ولا يذكرُوه بسوءٍ (٢). (الثَّالِثُ) من الأحكامِ: (أَنْ لَا يَفْعَلُوا مَا فِيْهِ ضَرَرٌ عَلَى المُسْلِمِيْنَ) من غِشٍّ، وتدليسٍ، وسبٍّ، وشتم، ونحوٍ ذلكَ (٣). (الرَّابعُ) من الأحكامِ (أنْ تَجْرِيَ عَلَيْهِمْ أَحْكَامُ الإسْلَام فِي) ضمانِ (نَفْسِ)؛ فمَن قتلَ أو قطعَ طرَفًا أُخذَ بموجبِ ذلكَ؛ كالمسلمِ. (وَ) في ضمانِ (مَالٍ) أتلفَه لغيرِه. (وَ) في تعرُّضٍ لـ (ــــعِرْضٍ) بقذفٍ أو سبٍّ ونحوِه، فيقامُ عليهِ ما يقامُ على المسلم في ذلك (٤). (وَ) في (إِقَامَةِ حَدٍّ) عليهمْ (فِيْمَا يُحَرِّمُونَهُ) في ملَّتِهم، (كَالزِّنَا) والسرقةِ. (لَا) أي: لا يقامُ عليهمُ الحدُّ (فِيْمَا يُحِلُّونَه كَـ) شربِ (الخَمْرِ) والنكاحِ المحرَّم (٥). قال الشيخُ تقيُّ الدينِ ابنُ تيمية: "واليهوديُّ إذا تزوجَ ببنتِ أخيهِ أو بنتِ أختِه، كان ولدُه منهَا يلحقُه، ويرثُه، باتفاقِ المسلمينَ؛ لأنه وطءُ شبهةٍ؛ لاعتقادِهم حلَّه" (٦). (وَلَا تُؤْخَذُ الْجِزْيَةُ مِنِ امْرَأَةٍ، وَ) … (٧) (خُنْثَى) مشكلٍ. فإن بانَ ذكوريتُه أُخِذَ للمستقبلِ دونَ الماضي (٨). (وَ) لا منْ (صَبِيٍّ)؛ لأنَّ الجزيةَ بدلُ القتلِ، وهما لا يُقتَلانِ. (وَ) لا منْ (مَجْنُونٍ، وَ) لا منْ (قِنٍّ، وَ) لا منْ (زَمِنٍ، وَ) لا منْ (أَعْمَى، وَ) لا منْ (شَيْخٍ فَانٍ، وَ) لا منْ (رَاهِبٍ بِصَوْمَعَةٍ) (٩)؛ لأنهم لا يُقتَلونَ.

стр. 985

ويؤخذُ من راهبٍ بصومعةٍ ما زادَ على بُلْغَتِه (١). والرهبانُ الذين يتَّجرُونَ، حكمُهم حكمُ من تؤخذُ منه الجزيةُ (٢). ولا تؤخذُ من فقيرٍ غيرِ معتَملٍ يعجز عنها (٣). والغنيُّ من عدَّه الناسُ غنيًا عُرفًا (٤). ومتى بذلُوا الجزيةَ لزمَ قَبولُها (٥). وتجبُ على معتَقٍ، ولو لمسلمٍ (٦)، وعلى مبعَّضٍ بحسابِه (٧). ومن صارَ أهلًا للجزيةِ -بأنْ عقلَ المجنونُ، أو بلغَ الصغيرُ، أو عتقَ القنُّ، أو استغنى الفقيرُ- بأثناءِ حولٍ، أخِذَ منه إذا تمَّ الحولُ بقسطِه (٨). ومن كانُ يجنُّ تارةً ويَفيقُ أخرى لُفِّقَتْ إفاقتُه، فإذا بلغَتْ إفاقتُه حولًا أخذِتْ منه الجزيةُ (٩). ولا تسقطُ إن ماتَ، أو جُنَّ، أو عمِيَ بعدَ الحولِ (١٠)، وفي أثنائِه تسقطُ (١١). (وَمَنْ أَسْلَمَ مِنْهُمْ) أي: من أهلِ الذمَّةِ (بَعْدَ الْحَوْلِ سَقَطَتْ عَنْهُ الْجِزْيَةُ) (١٢)؛ لأنها عقوبةٌ سببُها الكفرُ، فسقطَت بالإسلامِ؛ لقولِه تعالى: ﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ﴾ (الأنفال: ٣٨)، ولقولِه ﷺ : "الإسْلَامُ يَجُبُّ مَا قَبْلَهُ" (١٣)، وعن ابنِ

стр. 986

عباس: "لَيْسَ عَلَى المُسْلِمِ جِزيَةٌ". رواه الترمذي (١). ويُمتَهنونَ عندَ أخذِ الجزيةِ، ويُطالُ وقوفُهم حتى يألَموا، وتُجزُّ أيديهم وجوبًا، وتؤخذُ منهمْ وهم قيامٌ والآخذُ جالسٌ (٢)؛ لقولِه تعالى: ﴿حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾ (التوبة: ٢٩). ولا يُقبلُ منهم إرسالُها مع أحدٍ، ولا بحوالةٍ (٣). تتمة: لا تؤخذُ الجزيةُ من نصارى العربِ ويهودِهم ومجوسِهم (٤)، من بني تغلبَ بنِ وائلٍ من ولدِ ربيعةَ بنِ نزارٍ (٥)، فإنهمُ انتقلُوا في الجاهليةِ إلى النصرانيةِ، فدعاهُم أميرُ المؤمنينَ سيدُنا عمرُ بنُ الخطابِ إلى الجزيةِ، فأبَوا، وقال: خذْ منا كمَا يأخذُ بعضُكم من بعضٍ باسمِ الصدقةِ. فقال: "لَا آخذُ من مشركٍ صدقةٌ". فلحقَ بعضُهم بالرومِ. فقال النعمانُ بن زرقة (٦): يا أميرَ المؤمنينَ إنَّ القومَ لهم بأسٌ

стр. 987

وشدةٌ، خذْ منهمُ الجزيةَ باسمِ الصدقةِ. فبعثَ أميرُ المؤمنينَ في طلبِهم، وردَّهُم، وضعَّفَ عليهمُ الزكاة (١). قال في "المبدع": "الأَولى أن يُقال: ويؤخذُ عوضُ الجزيةِ منهم" (٢). انتهى؛ لأنَّ الزكاةَ لا تؤخذُ من كافرٍ. وتؤخذُ من مالِ نسائِهم وصغارِهم ومجانينِهم وعُميانِهم ونحوهِم ممن لم تؤخذْ منهُ الجزيةُ (٣)، ولا تؤخذْ منهم جزيةٌ وإن بذلُوها (٤)؛ لأن أميرَ المؤمنينَ عقدَ الذمةَ على ذلكَ، وعقدُ الذمةِ مؤبدٌ ليس لأحدٍ نقضُه. فَصلٌ (وَيَحْرُمُ قَتْلُ أَهْلِ الذِّمَّةِ، وَأَخْذُ مَالِهِمْ) بعدَ إعطاءِ الجزيةِ (٥). (وَيَجِبُ عَلَى الإمَامِ حِفْظُهُمْ) منَ العدوِّ، (وَمَنْعِ مَنْ يُؤْذِيْهِمْ) منْ أخذِ مالِهم وظلمِهم (٦)؛ لأنهم بذلُوا الجزيةَ على ذلكَ، ما لم يكونُوا بدارِ حربٍ (٧) (وَيُمْنَعُونَ) أي: أهلُ الذمةِ (مِنْ رُكُوبِ الخَيْلِ) (٨)؛ لأنَّ الخيولَ معدَّةٌ للغزوِ، والمقصودُ إذلالُهم. وإطلاقُ الخيلِ يدخلُ فيه البغالُ (٩). قال شيخُنا في "شرحِه على الإقناع": "قلتُ: ولعلَّ المرادَ: إذا لم ترَدْ للغزوِ، أو لأنها إذًا كالخيلِ" (١٠). (وَ) يُمنعونَ من

стр. 988

(حَمْلِ السِّلَاحِ) ومنَ الرميِ بالنبلِ أو اللعبِ بالرمح والدبُّوسِ (١)؛ لأن في ذلكَ معونةً لهم علينَا. (وَ) يُمنعُونَ من (إِحْدَاثِ الْكَنَائِسِ) (٢) والبيَعِ في دارِ الإسلامِ، ومن بناءِ صومَعةٍ لراهبٍ، ومن مجمَعٍ لصلاةٍ (٣). (وَ) يمنعونَ (مِنْ) ترميمِ و (بِنَاءِ مَما انْهَدَمَ مِنْهَا) أي: منَ الكنائسِ ونحوِها (٤). (وَ) يُمنعونَ (مِنْ إِظْهَارِ المُنْكَرِ) كنكاحِ المحارمِ (٥)، (وَ) من إظهارِ (الْعِيْدِ، وَ) إظهارِ (الصَّلِيب) (٦)؛ لأن ذلكَ في شروطهِم لعبدِ الرحمنِ بن غَنْمٍ (٧) الذي أرسلُوها إليهِ (٨)، (وَ) من إظهارِ

стр. 989

(ضَرْبِ النَّاقُوسِ) (١). (وَ) يمنعونَ من (الْجَهْرِ بِـ) ـــــقراءةِ (كِتَابِهِمْ) (٢). (وَ) يُمنعونَ (مِنْ) إظهارِ (الأكلِ وَالشُّرْبِ) بـ (ــــنَهَارِ رَمَضَانَ) (٣). (وَ) يُمنعونَ مِنْ) إظهارِ (شُرْبِ الْخَمْرِ، وَأَكْلِ الْخِنْزِيْرِ) (٤)؛ لما فيهِ من الأذيةِ لنا، فإن فعلوا … (٥). وإن صولحُوا على أنَّ البلادَ لهُم وعليهمُ الجزيةُ أو الخراجُ، لم يمنعُوا شيئًا من ذلكَ (٦). (وَيُمْنَعُونَ مِنْ قِرَاءَةِ الْقُرْآنِ، (وَ) يُمنعونَ منْ (شِرَاءِ المُصْحَفِ،

стр. 990

وَ) منْ شراءِ (كُتُبِ الْفِقْهِ، وَ) كتبِ (الْحَدِيْثِ) (١)، (وَ) يُمنعونَ (مِنْ تَعْلِيَةِ الْبِنَاءِ عَلَى) بناءِ (المُسْلِمِيْنَ)، ولو كانَ مشترَكًا بينَ مسلم وذميٍّ، ولو رضيَ المسلمُ بذلكَ (٢)؛ لقولِه ﷺ : "الاسْلَامُ يَعْلُو وَلَا يُعْلَى عَلَيْهِ" (٣). ولا يضرُّ مساواةُ بناءِ المسلمِ (٤). ويجبُ نقضُ ما زادَ، ويضمنُ ما تلفَ منْ بناءِ جارِه المسلمِ بهِ (٥). ولا يهدَمُ بناءٌ عالٍ ملكُوه من مسلمٍ، ولا يعادُ عاليًا لو انهدمَ (٦). ولا ينقَضُ بناؤُهم إنْ بنَى مسلم دارًا عندَهم دونَ بنائِهم (٧). ويمنعونَ من دخولِ مكة المشرفةِ (٨)؛ لقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلَا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا﴾ (التوبة: ٢٨). والمرادُ بالمسجدِ: الحرمُ. ولا يمنعونَ منَ المدينةِ المنورةِ (٩). والمنعُ لكبيرِهم، وصغيرِهم، ومجنونهم، ورسولِهم (١٠). ويعزرُ مَن دخلَه عالمًا (١١). والإمامُ يخرجُ للرسولِ إن

стр. 991

جاءَه (١). ويُخرَجُ من دخلَه، ولو ميتًا، وينبَشُ قبرُه، ما لم يَبْلُ (٢). ويمنعونَ من الإقامةِ بالحجازِ (٣)، كالمدينةِ، واليمامةِ (٤)، والينبعَ (٥). ولا يدخلُونها إلا بإذنِ الإمامِ (٦). ولا يقيمُونَ لتجارةٍ أكثرَ من ثلاثةِ أيام (٧)، ويوكلُون في دينٍ مؤجلٍ (٨)، وإن كان حالًّا وُفِّيَ، فإن تعذرَ جازَتْ إقامتُهم لهُ (٩). وسمي الحجازُ حجازًا؛ لأنه حجزَ بين تهامة (١٠) ونجدٍ (١١)، وليس لكافرٍ دخولُ مسجدٍ، ولو أذِنَ له

стр. 992

مسلمٌ (١)، وصححَ في "الشرحِ" وغيرِه: أنه يجوزُ الدخولُ بإذنِ مسلمٍ (٢)؛ لأنه ﵊ قدِمَ عليه وفدُ أهلِ الطائفِ، فأنزلهمُ المسجدَ قبلَ إسلامِهم (٣). وأجيبَ عنه وعن نظائره: بأنَّه كان بالمسلمينَ حاجةٌ، وغير ذلكَ منَ الأجوبةِ. ويجوزُ استئجارُ كافرٍ لبناءِ مسجدٍ (٤). (وَيَلْزَمُهُمُ التمْيِيْزُ عَنَّا) -معشرَ الإسلامِ-، فيشترطُه الإمامُ عليهم (٥)؛ لاشتراطِ أهلِ الجزيرةِ على أنفسهِم ذلك والمراد … (٦). فيكون التمييزُ في

стр. 993

شعورِهم، بحلقِ مقَادِمِ (١) رؤُوسِهمْ، بأن يَجزُّوا نوَاصِيهمْ مقدارَ الربعِ منَ الرأسِ، ولا يجعلُونَه كعادةِ الأشرافِ (٢)، وأنْ لَا يفرِقُوا شعورُهم، بل تكونُ جُمةً (٣)، لأن التفريقَ من سُنَّةِ المسلمينَ (٤). ويمنعونَ من التكنِّي بكنَى المسلمينَ"؛ كـ"أبي القاسِمِ"، وبألقابِهم، كـ"فخرِ الدين" ونحوِه، ولا يُمنعونَ من التكنِّي بالكليةِ (٥). ويلزمُهم التمييزُ عنا في الركوبِ، بأن يركبُوا عَرضًا على الأُكُفّ (٦) -جمعُ إكافٍ وهو البَرْذَعَةُ (٧) -. ويلزمُهم أيضًا التمييزُ عنا (بِلُبْسِهِمْ) كثوبٍ عَسَلي ليهودِيٍّ، وفَاخِتِيٍّ -وهو ما يُضربُ إلى السوادِ (٨) - لنصرانيٍّ، وذلكَ في ثوبٍ واحدٍ، لا في جميعِ الثياب (٩)؛ لحصولِ المقصودِ بواحدٍ منهَا. والمرأةُ بالخفينِ مختلفَيِ اللونِ -كأبيضَ وأَحمرَ ونحوِهما-، إن خرجَتْ بخُفٍّ (١٠). ويلزمُهم التمييزُ في شدِّ خِرَقٍ زُرْقٍ أو

стр. 994

صفْرٍ ونحوِهَا بقَلانِسِهِم (١) وعَمائِمِهمْ، مخالِفةٍ للونِها (٢)، وشدِّ زُنَّارٍ (٣) فوقَ ثيابِ نصرانيٍّ وتحتَ ثيابِ نصرانيةٍ (٤). ولا يُمنعونَ فاخرَ الثيابِ، ولا العمائمَ، والطَّيْلَسَانَ (٥) (٦)؛ لحصولِ التمييزِ بالغِيارِ (٧) المذكورِ من اللباسِ والزُّنِّارِ، ويلزمُهم لدخولِ حمَّامِنا جُلْجُلٌ (٨) أو طَوقٌ من رصاصٍ أو حديدٍ برقابِهم، أو خاتمٌ من ذلكَ برقابِهم، لا من ذهبِ ونحوه (٩). ويلزمهم تمييزُ قبورِهم عن قبورِنا، وينبغي مباعدةُ مقابرِهم عن مقابرِنا (١٠). وظاهرُه: وجوبًا، كما صرحَ به في "الإقناع" (١١). وإن تحاكمُوا إلينَا فلنا أنْ نحكمَ بينهُم أو نتركَهم (١٢)؛ لقولِه تعالى: ﴿فَإِنْ جَاءُوكَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ﴾ (المائدة: ٤٢). وإن اتَّجرَ إلينا حربيٌّ أخِذَ منه العشرُ، وإن كانَ ذميًا أخذَ منه نصفُ العشرِ (١٣)؛ لفعلِ عمرَ -رضيَ الله تعالى

стр. 995

(عنه) (١) - (٢)، مرةً في السنةِ فقط (٣)، ولا تعشَّرُ أموالُ المسلمينَ بوجهٍ من الوجوهِ، ويحرمُ أخذُه (٤)، وكذا الكُلَفُ التي ضربَها الملوكُ على الناسِ بغيرِ طريقٍ شرعيٍّ، إجماعًا (٥). قال القاضي: "لَا يسُوغُ فيهَا اجْتِهَادٌ" (٦). (ويكرهُ لَنَا التَّشَبُّهُ بِهِمْ) في اللبسِ ونحوِه (٧)؛ لأنه منهيُّ عنه (٨) إجماعًا (٩). ويجبُ عقوبةُ فاعلِه (١٠). (وَيَحْرُمُ الْقِيَامُ لَهُمْ) أي: لأهلِ

стр. 996

الذمةِ (١)؛ لأنه تعظيمٌ لهم. (وَ) يحرمُ (تَصْدِيْرُهُمْ فِي المَجَالِسِ) (٢)؛ لأنه في معنى تعظيمِهم. ولمبتدعٍ، كرافضيٍّ (٣). قال شيخُنا في "شرحِه على الإقناع": "قلتُ: ويكرهُ -يعني: القيامَ والتصديرَ في المجالسِ- لمن يُسنُّ هجرُه، كمجاهرٍ بمعصيتِه؛ كعيادتِه" (٤). ولا يُوقَّرُونَ كما يوقَّرُ المسلمُ (٥). (وَ) يحرمُ (بَدَاءَتُهُمْ بِالسَّلَامِ) (٦) لحديثِ أبي هريرةَ مرفوعًا: "لَا تَبْدَؤُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى بِالسَّلَامِ، فَإِذَا لَقِيْتُمْ أَحَدَهُمْ فِي الطَّرِيْقِ فَاضْطَرُّوهُمْ إِلَى أَضْيَقِهَا" رواه الترمذي (٧). فإنْ كانَ معهُم مسلمٌ نوى بسلامِه المسلمَ (٨). (وَ) يحرمُ بَداءتُهم (بِـ: "كيْفَ أَصْبَحْتَ" أَوْ) بـ: "كَيفَ (أَمْسَيْتَ") أَ (وْ: "كيْفَ أَنْتَ" أَوْ:) "كيفَ (حَالُكَ") (٩) نصَّ عليه الإمامُ. قال في روايةِ أبي داودَ: "هذا عندِي أكبرُ من السلامِ" (١٠). وقالَ الشيخُ تقيُّ الدينِ ابنُ تيميةَ: يجوزُ أن يقالَ لهُ: "أهْلًا وسَهْلًا، وكيفَ أَصبَحْتَ ونحوَه" (١١). ويجوز أن يقالَ للذمي: "أكرَمَكَ اللهُ، وهدَاكَ اللهُ" -يعني: بالإسلَامِ- (١٢)، وأن يقالَ:

стр. 997

"أطالَ اللهُ بقاءَك وأكثَرَ مالَكَ وولدَكَ" قاصدًا بذلكَ كثرةَ الجزيةِ (١). وإن أرادَ المسلمُ أن يكتبَ للكافرِ كتابًا كتبَ فيه: "سَلامٌ عَلى منِ اتَّبعَ الهُدَى" (٢). (وَتَحْرُمُ تَهْنِئَتُهُمْ وَتَعْزِيَتُهُمْ وَعِيَادَةُ) مرضَا (هُمْ) وشهادةُ أعيادِهم (٣). والنهيُ عن ذلك؛ لأنه في معنَى النهي عن السلام في حديثِ أبي هريرةَ المتقدم. (وَمَنْ سَلَّمَ عَلَى ذِمِّيٍّ) يظنُّه مسلمًا (ثُمَّ عَلِمَهُ) ذمِّيًا (سُنَّ) للمسلمِ (قَوْلُهُ) للذميِّ: ("رُدَّ عَلَى سَلَامِي") (٤)؛ لما رويَ عن ابنِ عمرَ: أنه مرَّ على رجلٍ فسلَّمَ عليه فقيلَ له: إنه كافر. فقال: "رُدَّ عليَّ ما سَلَّمْتُ عليكَ" فردَّ عليه. فقال: "أَكثَرَ اللهُ مالَكَ ووَلدَكَ" ثمَّ التفتَ إلى أصحابِه فقال: "أكثَرَ للْجزْيةِ" (٥). (وَإنْ سَلَّمَ الذِّمِّيُّ على المسلمِ (لَزِمَ) المسلمَ (رَدُّهُ، فَيُقَالُ) في ردِّه: ("وَعَلَيْكُمْ") أو: "عليكم" بلا واو، وبالواو أولى (٦)؛ لحديثِ الإمام أحمد عن أنسٍ، قال: "نُهِينَا -أوْ أُمرْنَا- أنْ لا نزيدَ أهْلَ الذّمةِ عَلى وَعلَيكُمْ" (٧). (وَإِنْ شَمَّتَ كَافِرٌ مُسْلِمًا أَجَابَهُ)

стр. 998

المسلمُ العاطسُ بقولِه: "يهدِيكَ اللهُ" (١)، وكذا إنْ عطسَ الذميُّ (٢)؛ لحديثِ أبي موسى: أنَّ اليهودَ كانُوا يتعَاطَسُونَ عندَ النبِيِّ ﷺ رجاءَ أن يقولَ لهم: "يرحَمكُمُ اللهُ" فكانَ يقولُ: "يَهْدِيكُمُ اللهُ وَيُصْلِحُ بَالَكُمْ" رواه أحمد (٣). (وَتُكْرَهُ مُصَافَحَتُهُ) أي: مصافحةُ الذميِّ (٤)، نصًّا (٥). ويكرهُ التعرضُ لما يوجِبُ المودَّة بينهُما (٦)؛ لعمومِ قولِه تعالى: ﴿لَا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ) الآية (المجادلة: ٢٢). تتمة: وإنْ تهوَّدَ نصرانيٌّ أو تنصرَ يهوديٌّ لم يقَرَّ؛ لأنه انتقلَ إلى دينٍ باطلٍ أقرَّ ببطلانِه، أشبهَ المرتدَّ، فلم يقرَّ عليهِ، ولم يُقبلْ منه إلا الإسلامُ، أو الرجوعُ إلى دينِه الأولِ (٧). فإن أبَاهُما هدِّدَ وضربَ وحُبسَ حتى يُسلِمَ أو يرجعَ إلى دينِه، ولا يقتل (٨)؛ لأنه أُقرَّ علمِه أولًا فيقرَّ عليهِ ثانيًا، ولأنَّهُ لم يخرُجْ عن دينِ أهلِ الكتابِ. وإن انتقلَا أو انتقلَ مجوسيٌّ إلى غيرِ دينِ أهلِ الكتابِ لم يقرَّ؛ لأنهُ أدنَى منْ دينِه،

стр. 999

أشبهَ المسلمَ إذا ارتدَّ، ولم يقبلْ منهُ إلا الإسلامُ (١)، نصًا (٢). فإنْ أبَى الإسلامَ قتلَ بعد استِتَابتِه ثلاثةَ أيامٍ (٣). وإن انتقلَ غيرُ كتابي ولو مجوسيًا إلى دينِ أهلِ الكتابِ أقِرَّ (٤). وإن تزندَقَ ذميٌّ لم يُقتلْ (٥). وإن كذَّب نصرانيٌّ بموسَى ﵇ خرجَ من دينِه، ولم يقرَّ على غيرِ الإسلامِ (٦). فإن أبَاهُ قُتِلَ بعدَ الاستتابةِ ثلاثةَ أيامٍ (٧). ولَا يخرجُ يهوديٌّ من دينِه إن كذَّب بعيسَى ﵊ (٨)؛ لأنه ليسَ فيه تكذيبٌ لنبيهِ موسى ﵊. فَصْلٌ في نقضِ العهدِ (وَ) مَا يتعلقُ به فَـ (ـمَنْ أَبَى مِنْ أَهْلِ الذِّمَّةِ بَذْلَ جِزْيَةٍ، أَوْ أَبَى الصَّغَارَ، أَوْ أَبَى الْتِزَامَ حُكْمِنَا) سواءٌ شرطَ عليهمْ ذلكَ أو لَا، ولو لم يحكمْ عليه بهَا حاكمُنا (٩)؛ لقولِه تعالى: ﴿حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾ (التوبة: ٢٩) قيلَ: الصغارُ التزامُ أحكامِنا (١٠). أو قاتلَنا منفردًا، أو معَ أهلِ حربٍ (١١)، أو لحقَ بدارِ حربٍ مقيمًا، لا لتجارةٍ ونحوِها (١٢)، (أَوْ زَنَا بِمُسْلِمَةٍ) (١٣)

стр. 1000

نصًا (١)؛ لما رويَ عن أميرِ المؤمنينَ عمرَ: أنه رُفِعَ إليهِ رجلٌ أرادَ استِكرَاهَ امرأةٍ مسلمةٍ على الزنَا، فقالَ: "مَا عَلى هذَا صَالحْنَاكُمْ"، فأمرَ به فصُلِبَ في بيتِ المقدسِ (٢). قال في "الإقناع": "وَلا يُعتبَرُ فيهِ أداءُ الشهادَةِ على الوَجهِ المعتَبرِ في المسْلمِ، بل يكْفِي استفَاضَةُ ذلكَ وِإشهَارُه. قالَهُ الشيخُ تقيُّ الدينِ ابنُ تيميةَ" (٣). قال في "المبدع": "وفِيهِ شيءٌ" (٤). (أَوْ أَصَابَهَا) أي: المسلمةَ (بِـ) ــــــاسمِ (نِكَاحِ) (٥). قال شيخُنا في "شرحه على الإقناع": "وقيَاسُ الزنَا اللوَاطُ بالمسلِمِ عَلى مَا ذكرَهُ الشيخُ السَّرَّاجُ البُلْقِينِي الشَّافعِي (٦) " (٧). (أَوْ) تعدَّى بـ (ـــــــقَطْعِ الطَّرِيْقِ)، أو التجسسِ للكفارِ، أو آوى جاسُوسًا (٨). (أَوْ ذَكَرَ اللهَ تَعَالَى، أَوْ) ذكرَ كتابَه، أو ذكرَ (رَسولَهُ) ﷺ ، أو ذكرَ دينَ الإسلامِ (بِسَوْءٍ) ونحوِه (٩). قيلَ لابنِ عمرَ: إنَّ راهبًا يشتُمُ رسولَ الله ﷺ فقال: "لَوْ سمعتُهُ لقتَلْتُه، إنَّا لم نُعْطِ

стр. 1001

الأمَانَ عَلَى هذَا" (١). ولأنَّ في ذلكَ ضررًا على المسلمينَ، أشبهَ الامتناعَ منَ الصغَارِ. ومَن سمعَ المؤذنَ يؤذنُ فقالَ لهُ: كذَبْتَ، قال الإمامُ أحمد: "يقتلُ" (٢). (أَوْ تَعَدَّى) أي: الذميُّ (عَلَى) الـ (ـــــــمُسْلِمِ بِقَتْلٍ، أَوْ فَتَنَهُ عَنْ دِيْنِهِ) (٣)؛ لأنه ضررٌ يعمُّ المسلمينَ، أشبهَ ما لو قاتلَهم (انْتَقَضَ عَهْدُهُ) أي: عهدُ مَن حصلَ منه ما ذُكرَ (٤). (وَيُخَيَّرُ الإمَامُ فِيْهِ) أي: في منتقضِ العهدِ (كـ) ــــــما يُخيرُ في (الْأَسِيْرِ) الحربيِّ بينَ قتلٍ، أو رِقِّ، أو مَنٍّ، أو فداء (٥)، كما تقدم (٦)؛ لأنه بقيَ لا أمانَ له. (وَمَالُهُ فَئءٌ) في الأصحِّ. قالَه في "الإنصاف" (٧). وقالَ العلامةُ أبو بكرٍ (٨): "مالُه لورثتِه" (٩). ومشى عليهِ صاحبُ "المنتهَى" في بابِ الأمانِ (١٠). (وَلَا يَنْتَقِضُ عَهْدُ نِسَائِهِ وَأَوْلَادِهِ) بنقص.

стр. 1002

عهدِه (١)؛ لوجودِ النقضِ منهُ دونَهم. وأما من حملَتْ بهِ أمُّه وولدَتْه بعدَ النقضِ فإنه يُسترَقُّ ويُسبَى (٢). (فَإِنْ أَسْلَمَ) منتقضُ العهدِ (حَرُمَ قَتْلُهُ) (٣)، (وَلَوْ سَبَّ النَّبِيَّ ﷺ (٤)؛ لعمومِ قولِه تعالى: ﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ﴾ (الأنفال: ٣٨)، وقولِه ﷺ : "الإسْلَامُ يَجُبُّ مَا قَبْلَهُ" (٥). تتمة: إنْ أظهرَ الذميُّ منكرًا، أو رفعَ صوتَه بكتابِه، أو ركِبَ الخيلَ، أو فعلَ شيئًا مما تقدمَ من الذي يُمنَعونَ فعلَه، لم ينتقضْ عهدُه بذلكَ (٦)؛ لأنَّ العقدَ لا يقتضِيه، ولا ضررَ على المسلمينَ فيهِ، وإنما يؤدَّبُ لارتكابِه المحرَّمَ (٧). وقالَ الشيخُ تقيُّ الدينِ ابنُ تيميةَ: "إن جهرَ الذميُّ بينَ المسلمينَ بأنْ قالَ: المسيح هو الله تعالى -تعالى اللهُ عما يقولُ الظالمونَ علوًا كبيرًا- عُوقبَ على ذلكَ، إما بقتلٍ، أو بما دونَه،

стр. 1003

لا إنْ قالَه سرًّا" (١). وإن قالَ ذميٌّ: هؤلاءِ المسلمينَ الكلابُ أبناءُ الكلابِ، إن أرادَ طائفةً معينةً منَ المسلمينَ عوقبَ على ذلكَ عقوبةً تزجرُه وأمثالُه عنِ العودِ لذلكَ، وينتقضُ عهدُه، ويجبُ قتلُه إن أرادَ بذلكَ عمومَ المسلمينَ (٢). تنبيه: لا يأذنُ المسلمُ لزوجتِه الذميةِ أو أمَتِه أن تخرجَ إلى عيدٍ أو إلى بيعةٍ، ويمنعُها منْ ذلك (٣)، ولا أن يشتريَ للنصرانيةِ زُنَّارًا، ولا تُمنعْ هيَ منْ شرائِه (٤). فائدةٌ: قالَ ابنُ هُبَيرَة: رويَ عنِ الإمامِ أحمد بنِ حنبلَ: أنهُ كانَ إذا رأَى يهُوديًا أوْ نصرانيًا غمَّضَ عينيهِ، ويقولُ: "لَا تأخذُوا عَنِّي هذَا، فإنِّي لمْ أجِدْهُ عنْ أحدٍ ممَنْ تقدَّمَ، ولكنِّي لَا أستطيعُ أرَى مَن كذَبَ عَلى اللهِ تعالى" (٥). * * *

стр. 1004

(كِتَابُ البَيْعِ) قدَّمهُ على الأنكحةِ وما بعدَها؛ لشدةِ الحاجةِ إليه؛ لأنه لا غنَى للإنسانٍ عن مأكولٍ ومشروبٍ ولباسٍ، فإنَّ المكلَّفَ لا يخلُو غالبًا من بيعٍ وشراءٍ، فيجبُ معرفةُ الحكمِ فيهِ قبلَ التلبُّس به. وهوَ جائزٌ بالإجماعِ (١)، لقولِه تعالى: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾ (البقرة: ٢٧٥)، ولحديثِ: "الْبَيِّعَانِ بِالْخِيَارِ مَا لَمْ يَتَفَرَّقَا". متفق عليه (٢)، والحكمةُ تقتضِيهِ؛ لتعلقِ حاجةِ الإنسانِ بما في يدِ صاحبِه، ولا يبذلُه بغيرِ عوضٍ غالبًا، ففِي تجويزِ البيعِ وُصُولٌ لغرضِه ودفع حاجتِه. وهُوفي اللُّغةِ: أخذُ شيءٍ، وإعطاءُ شيءٍ. قالهُ الفهَامةُ الوزِيرُ ابنُ هُبَيرَةَ (٣). مأخوذٌ من الباعِ (٤)؛ لأنَّ كلَّ واحدٍ من المتبايعَينِ يمُدُّ باعَه للأخذِ والعطاءِ (٥). أو منَ المبايَعةِ -وهي: المصافحةُ-؛ لأنَّ كلَّ واحدٍ يصافِحُ صاحبَه عندَ البيعِ (٦)، ولذلكَ سميَ البيعُ

стр. 1005

صفقةً (١). وأركانُه ثلاثةٌ: العاقدُ، والمعقودُ عليهِ، والصيغةُ المعقودُ بها (٢). وشرعًا: "مُبادَلةُ عينٍ ماليةٍ ولَو في الذمَّةِ أو منفعةٍ مباحةٍ مطلقًا غيرَ ربًا وقرضٍ بقولٍ أو معاطاةٍ" (٣). (وَيَنْعَقِدُ) يعني: البيعَ حقيقةً (٤)، (لَا هَزْلًا) بلا قصْدٍ لحقيقتِه (٥)، ولا تلجئَةٍ وأمانةٍ، -وهما: إظهارُ البيعِ صورةً للاحتياجِ إليهِ لدفعِ ظالمِ، ولا يرادُ به باطنًا- فلا يصحُّ ذلكَ، ولولمْ يذكرَاه في العقدِ؛ لدلالةِ الحالِ عليهِ. والعقدُ باطلٌ (٦)، … (٧). ويقبلُ قولُ بائعٍ في ذلكَ مع يمينِهِ بقرينةٍ دالةٍ، وإن لمْ تكنْ قرينةٌ فلا يُقبلُ إلا ببينةٍ (٨). (بِالْقوْلِ) متعلِّقٌ بـ "ينعقدُ" (الدَّالِّ عَلَى الْبَيْعِ وَالشِّرَاءِ) (٩)، كبِعْتُكَ، أو ملَّكْتُكَ، ونحوِه. ويقولُ مشترٍ: ابتعْتُ، أو قبلْتُ، ونحوَه. ويصحُّ تقدمُ قبولٍ علَى إيجابٍ (١٠) بلفظِ أمرٍ، كقولِ مشترٍ: بعْنِي هذَا

стр. 1006

بكذَا. فيقول: بعْتُكَهُ بهِ، ونحوَه (١). أو بلفظٍ ماضِ مجردٍ عنِ استفهامٍ، كاشتريْتُ منكَ كذَا بكذَا، أو ابتعْتُه ونحوَه، فيقولُ: بعتُكً (٢). وكذا لا يصحُّ (٣) ماضيًا (٤) مثلَ: أبِعْتَنِي، أو مضارعًا مثلَ: أتَبِيعُنِي، ونحوَه (٥). ويعتبرُ القبولِ بأن يكونَ على وِفقِ الإيجابِ في قدْرِ الثمَنِ؛ فلو قالَ: بعْتُكَ بعشرةٍ، فقال: اشتريْتُ بثمانيةٍ لم يصحَّ. وأن يكونَ على وِفْقِهِ في: النقْدِ، والصِّفَةِ، والحُلولِ، والأجَلِ (٦). ويصحُّ البيعُ بتراخِي أحدِ الإيجابِ أو القبولِ عن الآخرِ ما دامَ البيِّعانِ بالمجلسِ، ولم يتشاغَلا بما يقطعُ البيعَ عرفًا (٧). نقلَ شيخُنا في "حاشيتِه على الإقناع" في قولِه: "وإن كانَ غائبًا عن المجلسِ … إلخ": "فيصحُّ تراخِي القبولِ معِ غَيبةِ المشترِي، لأنه لا يدلُّ على الإعراضِ عنِ الإيجابِ، بخلافِ ما لو كان حاضرًا". قال شيخُنا: "ولمْ أرَ المسألةَ هنا في "الفروعِ"، ولا "المبدعِ"، ولا "الإنصافِ"، ولا غيرِها". وقال: "يأتِي في الإِقَالَةِ كلامٌ في "المبدع" من أنهُ يشترطُ في البيعِ أن يكونَ المتبايعانِ بالمجلسِ. لكنَّها تؤخذُ من روايةِ أبي طالبٍ في النكاحِ، قال في رجلٍ يمشي إليهِ قومٌ فقال: زوِّجْ فلانًا. فقالُوا (٨): قد زوجْتُهُ علَى ألفٍ.

стр. 1007

فرجعُوا إلى الزوجِ، فأخبرُوه. فقالَ: قدْ قبلْتُ. هلْ يكونُ نكاحًا؟ قال: نعَمْ (١). قال الشيخُ تقيُّ الدينِ: "ويجوزُ أن يقالَ: إن كانَ العاقدُ الآخرُ حاضرًا اعتُبِرَ قبولُه في المجلسِ، وإن كانَ غائبًا جازَ تراخِي القبولِ عنِ المجلسِ" (٢) " (٣). ويقبلُ (٤): بعْنِي كذَا، أو: اشتريْتُ كذَا، فقال البائعُ: باركَ اللهُ لكَ فيهِ، أو: هوَ مبارَكٌ عليكَ، صحَّ البيعُ (٥). ولو قالَ: بعْتُكَ إن شاءَ اللهُ، فقالَ: قبلْتُ إن شاءَ اللهُ، صحَّ. وكذَا لو حصلَتِ الإشارَةُ (٦) من أحدِهِما (٧). وإن كانَ المشتري غائبًا عنِ المجلسِ، فكاتبَهُ أو راسلَهُ أنِّي بعتُكَ أو بعْتُ فلانًا بكذَا، فلما بلغَ المشتري قبِلَ، صحَّ (٨)، خلافًا لظاهرِ كلامِ أكثرِ الأصحابِ. ذكرَهُ شيخُنا في "شرحِه على الإقناع" (٩). (وَ) ينعقدُ بيعُ (المُعَاطَاةِ)، فيصحُّ بها في القليلِ والكثيرِ (١٠). نصَّ عليهِ (١١)؛ لعمومِ الأدلةِ، ولأنَّ اللهَ تعالى أحل البيعَ ولم يبيِّنْ كيفيَّتَه، فوجبَ الرجوعُ فيهِ إلى العرفِ، ولم ينقلْ عن النبيِّ ﷺ ولا عن أصحابِه استعمالُ إيجابٍ وقبولٍ في بيعٍ، ولم يزَلِ المسلمونَ في أسواقِهم وبيَاعاتِهم على ذلكَ. وبيعُ المعاطاةِ:

стр. 1008

(كـ) ـــــــقولِك (١): (أَعْطِنِي بِهَذَا) -اسمُ إشارةٍ للثمنِ- (خُبْزًا، فَيُعْطِيْهِ مَا يُرْضِيْهِ). أو يقولَ البائعُ: خذْ هذَا بكذَا، فيأخذُه (٢). وكذا كلُّ ما دلَّ على المعاطَاةِ. وكذا ما وَضَعَ ثمنَه وأخَذَهُ عادةً؛ كحُزَم البقل (٣). قال في "المبدعِ" (٤) و"شرحِ المنتهى" للمصنِّف (٥): "وظاهرُه: ولَو لم يكنْ المالِكُ حاضِرًا". وعُلِمَ من قولِه: "عادة" أنَّ ما لا ينضَبِطُ ثمنُه عادةً كالأقمشةِ ونحوِها لا ينعقدُ البيعُ فيه بذلكَ. ويعتبرُ في صحةِ المعاطَاةِ: معاقبةُ القبضِ (٦)، وكذا: هبةٌ، وهديةٌ، وصدقةٌ (٧)، وتجهيزُ ابنةٍ، أو غيرِها بجَهَازٍ إلى بيتِ زوجِها تمليكٌ لهَا (٨). وبه قالَ شيخُ الإسلامِ الشيخُ تقيُّ الدينِ ابنُ تيميةَ (٩). ولا بأس بذوقِ المبيعِ عندَ الشراءِ (١٠)، نصًا (١١). ونقلَ حربٌ (١٢) عن الإمامِ: معَ الإذن (١٣). (وَشُرُوطُهُ:) أي: شروطُ البيعِ (سَبْعَةُ) أشياءٍ. (أَحَدُهَا) أي: أحدُ الشروطِ: (الرِّضَا) بالبيعِ والشراءِ منهما (١٤)؛ لحديثِ: "إِنَّمَا الْبَيْعُ عَنْ تَرَاضٍ" (١٥)

стр. 1009

رواه ابن حبان (١). (فَلَا يَصِحُّ بَيْعُ المُكْرَهِ)، سواء كانَ الإكراهُ منهُما، أو منْ أحدِهما (٢). (هذا إذَا كانَ إكراهُ البيعِ (بِغيْرِ حَقٍّ) (٣). وأمَّا ما كانَ بحقٍّ (٤) -كحاكم أَكرَهَ على بيع مالٍ لوفاءِ دَينٍ-، فصحيحٌ (٥). ومن أُكِرَهَ على وزنِ مالٍ فباعَ مُلكَهُ بسببِه، صحَّ (٦)؛ لأنه غيرُ مكرهٍ عليهِ. ومن قالَ لآخر: اشترِني منْ فلانٍ فإنِّي عبدُه، أو قال شخصٌ: اشترِ منْ فلانٍ عبدَه هذَا -حضرَ البائعُ أو غابَ- فاشترى، فبانَ حرًّا، فلا عهدَةَ على القائلِ فيهما (٧)، لوجودِ الإقرارِ دونَ الضمانِ، ويؤدَّبُ القائلُ والبائعُ، ويَردُ ما أَخذَ (٨). (الثانِي) منَ الشروطِ: (الرُّشْدُ)، أن يكونَ البائعُ والمشتري جائزَ التصرفِ (٩). وهوَ: الحرُّ، البالغُ، العاقلُ، الرشيدُ (١٠). (فَلَا يَصِحُّ بَيْعُ) ولا شراءُ (المُمَيِّزِ وَالسَّفِيْهِ، مَا لَمْ يَأْذَنْ وَليُّهَما)، ولو في الكثيرِ (١١)؛ لقولِه تعالى: ﴿وَابْتَلُوا الْيَتَامَى﴾ (النساء: ٦)، أي: اختَبرُوهم. ويحرمُ الإذنُ بلَا مصلحةٍ (١٢). ولَا يصحُّ من

стр. 1010

مميِّزٍ وسفيهٍ قبولُ هبةٍ ووصيةٍ ونحوِهما بلا إذنٍ (١). واختارَ الموفقُ والشارحُ وغيرُهما صحتَه بلا إذنٍ (٢)؛ كعبدٍ. ويقبلُ من مميِّزٍ هديةٌ أُرسلَ بها (٣). ويصحُّ تصرفُ صغيرٍ -ولَو دونَ تمييزٍ- ورقيقٍ، وسفيهٍ، في يسيرٍ بغيرِ إذنِ وليٍ وسيِّدٍ (٤). (الثَّالِثُ) منَ الشروطِ: (كَوْنُ المَبِيْعِ) والثمنِ (مَالًا) (٥) (٦)، وهو: ما يبَاحُ نفعُه مطلقًا، ومَا يباحُ اقتناؤُه بلا حاجةٍ (٧). بخلافِ ما لا نفعَ فيهِ -كالحشراتِ- وما فيهِ نفعٌ محرمٌ -كالخمرِ لدفعِ لقمةٍ غصَّ بهَا معَ عدمِ غيرِه-، وما لا يباحُ إلَّا عندَ الاضطرارِ (٨) -كالميتةِ-، وما لا يباحُ اقتناؤُه إلا لحاجةٍ -كالكلبِ-. ويصحُّ بيعُ البغلِ والحمارِ (٩)؛ لانتفاعِ الناسِ بهما، وتبايعِهما كلَّ عصرٍ من غيرِ نكيرٍ. وكذا نحلٌ منفردٌ عن كوَّارَاتِه (١٠)، ومعهَا فيهَا إذا شوهدَ داخلًا

стр. 1011

إليهَا (١). واقتصرَ عليهِ في "المنتهَى" (٢). وقولُ أبي الخطابِ (٣): "يكفِي رؤيتُه فيهَا بفَتحِ رأسِ الكوَّارَةِ" (٤). ولا يصحُّ بيعُ كوَّارَةٍ بما فيهَا منْ عسلٍ ونحلٍ؛ للجهالةِ. ويصحُّ بيعُ طيرٍ لقصدِ صوتِه (٥)، وبيعُ دودِ قزٍّ وبزرِه (٦)، وبيعُ هرٍّ (٧)، وعنه: لا يصحُّ بيعُه (٨)؛ لحديثِ جابرٍ (٩). وفيل (١٠)؛ لإباحةِ نفعِه واقتنائِه، أشبهَ البغلَ. وكذا ما يُصادُ (به) (١١)، وكذا ما يصادُ عليهِ من طيرٍ، كبُومَةٍ تُجعَلُ شَبَاشًا (١٢)

стр. 1012

- أي: تُخاطُ عينَاهَا وتُرْبطُ لنزولِ الطيرِ عليهَا (١) -، أو يصادُ عليهِ كديديانٍ (٢)، (وكذا) سباعِ طيرٍ لصيدٍ، كبازٍ وصقرٍ (٣)، وكذا ولدُهَا، وفرخُها، وبيضُها (٤). وسباعُ البهائمِ (التي) (٥) تصلُحُ (٦) للصيدِ؛ كفهدٍ (٧)؛ لأنه يُنتفَعُ به في الحالِ أو المآلِ. ويصحُّ بيعُ قرب لحفظٍ، وعَلَقٍ (٨) لمصِّ دمٍ (٩). ولبنِ آدميةٍ انفصلَ منها، ويكرهُ بيعُه (١٠)، نصًا (١١). ويصحُّ بيعُ قِنٍّ مرتَدٍّ، ومريضٍ، وجانٍ، وقاتل في محارَبةٍ (١٢)، وبيعُ سمكٍ وجرادٍ ميتةٍ، ونحوهِما (١٣). ولَا يصحُّ بيعُ ميتةٍ (١٤)، وكذَا روثٌ نجسٌ، ودهنٌ نجسٌ أو متنجِسٌ (١٥). ويجوزُ وقدُه في غيرِ مسجدٍ، ويجوزُ أن يُطلَى بها المراكبُ ونحوَه (١٦). ولا يصحُّ بيعُ

стр. 1013

كلبٍ، ولو كانَ مباحَ الاقتناءِ (١) -ككلبِ الصيدِ-، للنهيِ عن ثمنِ الكلبِ (٢). ويحرمُ اقتنَاءُ الكلبِ، إلا كلبًا لحراسةِ ماشيةٍ، أو صيدٍ، أو حرثٍ، غيرَ أسودٍ بهيمٍ، أو عقورٍ (٣). ولا يصحُّ بيعُ تِرْيَاقٍ فيه لحومُ حياتٍ (٤)، أو خمرٍ (٥)، وكذا معاجينٌ فيهَا محرمٌ، وكذا سمومٌ قاتلةٌ كالأفاعِي (٦). وأما غيرُه مما يمكنُ التداوِي بيسيرِه فيجوزُ بيعُه (٧)؛ لنفعِه المباحِ. وإنِ اجتمعَ من دخانِ النجاسةِ أو الشيءِ المتنجسِ شيءٌ فهوَ نجسٌ (٨)، فإن علقَ بشيءٍ طاهرٍ عُفِي عن يسيرِه (٩). (الرَّابعُ) من الشروطِ: (أَنْ يَكُونَ المَبِيْعُ مُلْكًا لِلْبَائِعِ)، وكذا ثمنٌ، ملكًا تامًا (١٠) وقتَ العقدِ (١١)، (أَوْ) أن يكونَ (مَأْذُونًا لَهُ فِي) بيعِـ (ــــــه وَقْتَ الْعَقْدِ)

стр. 1014

من مالكِه، أو من الشارعِ (١)، كوليِّ الصغيرِ ونحوِه، وكناظرِ الوقفِ (٢)، ولو لم يعلمِ المالكُ الملكَ بأنْ ظنَّه، وكذا لو لم يعلم المأذونُ لهُ بل ظنَّه صحَّ (٣). فإن لم يكنْ مأذونًا في بيعِه (فَلَا يَصِحُّ بَيْعُ الفُضُولِيِّ) ولا شراؤُه، ولا إجارتُه، ونحوُ ذلكَ (٤)، (وَلَوْ أُجِيْزَ) تصرفُه (بَعْدُ) أي: بعدَ البيعِ، ولو كانَ بحضرةِ المالكِ مع سكوتِه (٥). وأما لو اشترَى الفضوليُّ في ذمتِه ونوى الشراءَ لشخصٍ لم يسمِّه صحَّ، ثمَّ إن أجازَه كانَ لهُ منْ حينِ العقدِ، وإلا فلمشترٍ (٦). ولا يصحُّ بيعُ ما لا يملكُه بائعٌ أو أُذِنَ له فيهِ (٧)، إلا إنْ كانَ موصُوفًا بصفاتٍ معينةٍ، كبعتُكَ عبدي فلان، أو بوصفِه له بصفةِ سلمٍ (٨). ولا يصحُّ بيعُ ما فُتحَ عَنْوةً ولم يُقسَم، وكذا ما جَلى عنهَا أهلُها خوفًا منَّا، أو صولحُوا على أنهَا لهُم ولنَا الخراجُ (٩) -والذيْ فُتحَ عَنوةً ولم تُقسَم كالشامِ، والعراقِ، ومصرَ-؛ لأنَّ أميرَ المؤمنينَ عمرَ بنَ الخطابِ -رضيَ اللهُ تعالى عنهُ-

стр. 1015

وقفَها على المسلمينَ (١). ويصحُّ بيعُ المساكنِ التي وُجدَتْ بها حالَ الفتحِ، وما حدثَ بعدَ الفتحِ (٢)؛ لأنَّ الصحابةَ اقتطعُوا الخُطَطَ بالكوفةِ (٣) والبصرةِ (٤) زمنَ أميرِ المؤمنينَ عمرَ وبنَوها مساكنَ وتبايعُوها من غيرِ نكيرٍ، فكان كالإجماعِ. وقدَّمَ في "الفروعِ": عدمَ جوازِ بيعِ بناءٍ ليسَ منها (٥). وإن رأَى الإمامُ المصلحةَ في بيعِ شيءٍ منهَا مثلَ أرضٍ تحتاجُ إلى العمارةِ، ولا يعمرُها إلا من يشتريهَا، فباعَه أو أقطعَه

стр. 1016

إقطاعَ تمليكٍ (١) صحَّ ذلكَ، وكذَا لو بيعَتْ من غيرِ حاكمٍ وحكمَ بصحتهِ حاكمٌ يراهُ صحَّ. قالَهُ الموفقُ وغيرُه (٢). ولا يصحُّ بيعُ منازلِ مكة؛ لأنَّها فُتِحَتْ عَنوةً، ولا الحرم كلِّه (٣). ولا تباعُ المناسكُ، ولا يصحُّ إجارتُها أيضًا (٤)، لما وردَ من حديثِ ابن شَعيبٍ (٥). فإن سكنَ بمكةَ بأجرةٍ لم يأثَمْ بدفعِها (٦). صححَه في "الإنصافِ" (٧). ولا يُملكُ ماءٌ عِدٌّ -بكَسرِ العَينِ المهملةِ، وتشديدِ الدَّالِ (٨) - (٩)، كمياهِ عَينٍ ونَقْعِ بئرِ؛

стр. 1017

لحديثِ: "المُسْلِمُونَ شُرَكَاءُ فِي ثَلَاثٍ: فِي المَاءِ وَالْكَلَأِ وَالنَّارِ" (١). ويصحُّ بيعُ ما في معدنٍ جارٍ (٢)، كقَارٍ (٣)، ومِلْح. ولا يصحُّ بيعُ نابتٍ من كلأٍ وشوكٍ ونحوِ ذلكَ (٤)، ولكنَ مشتَرِيهَا أحقُّ بهَا (٥)، ومنْ أخذَه يجوزُ ملكُه (٦). ونحلُ ربِّ الأرضِ أحقُّ بهِ (٧). ويجوزُ أن يجتَنِيَ نحلًا، ويأخذَ كلأً منْ أرضِ غيرِه بإذنِه، ويحرمُ منعُه منهُ (٨). (الْخَامِسُ) منَ الشروطِ: (الْقُدْرَةُ عَلَى تَسْلِيْمِهِ) حالَ العقدِ (٩)؛ (فَلَا يَصِحُّ بَيْعُ) العبدِ (الآبِقِ، وَ) لَا بيعُ الدابةِ (الشَّارِدِ) منَ الدوابِّ، ولا جعلُهُما

стр. 1018

ثمنًا (١). (وَلَوْ) كانَ البيعُ (لِقَادِرٍ عَلَى تَحْصِيْلِهِما) (٢)؛ لنهيهِ ﷺ عنْ شراءِ العبدِ الآبقِ (٣). ولا يصحُّ بيعُ طيرٍ في الهواءِ، ولَو ألِفَ الرجوعَ، ولا سمكٍ في لجةِ ماءٍ (٤). فإنْ كانَ الطيرُ في مكانٍ مغْلَقٍ عليهِ، والسمكُ في ماءٍ صافٍ يشاهدُه، والماءُ غيرُ متصلٍ بنهَرٍ [و] يمكنُ أخذُه منه -ولو طالَ زمنُ أخذِه- صحَّ بيعُه (٥). فإنْ عجزَ عن تحصيلِه فلهُ الفسخُ (٦). (السَّادِسُ) من الشروطِ: (مَعْرِفَةُ) البائعِ والمشتري (الثَّمَنَ وَالمثْمَنَ) (٧)؛ لأنَّ جهَالَةَ المبيعِ عذرٌ (٨). (إِمَّا بِالْوَصْفِ) مما يكفي فيه الوصفُ (٩)، كالسلمِ. ويجوزُ تقديمُه على العقدِ. (أَوْ بِالمُشَاهَدَةِ) فيما يحتاجُ لمشاهدةِ جميعِه، أو بعضِه إذا كانَ يدلُّ على بقيتِه (١٠). (حَالَ الْعَقْدِ) -متعلقٌ بالمعرفةِ- (أَوْ قَبْلَهُ) أي: قبلَ

стр. 1019

العقدِ (بـ) ــــــزمنٍ (يسيرٍ) لا يمكنُ التغيُّرُ فيه (١). وما عُرفَ بلمسِه أو شمِّه أو ذوقِه فكرؤيتِه (٢). وينفسخُ العقدُ بتلفٍ قبل قبضٍ (٣). وإن اختلفَا في صفةٍ، أو تغيرَّ فالقولُ قولُ المشتري بيمينِه (٤). ولو باعَ بغلًا فبانَ فرسًا لم يصحِّ (٥)؛ للجهلِ بالمبيعِ. ويصحُّ بيعُ الأعمى بالصفةِ فيما يصحُّ السَّلمُ فيهِ، وكذا شراؤُه (٦)، وله خيارُ الخُلفِ في الصفةِ (٧). ويصحُّ بيعُه وشراؤُه فيما يمكنُه معرفتُه، كشمٍّ ولمسٍ وذَوقٍ (٨). ولا يصحُّ بيعُ حملٍ دونَ أمِّه، ولا تعيينُه مع أمِّه (٩)، وإنما الحملُ تبعًا (١٠) لأمِّه إذا أبيعَتْ -كما يأتي في خيارِ الشرطِ-. ولا يصحُّ بيعُ لبنٍ في ضَرع، ولا بيضٍ في طيرٍ، ولا مسكٍ في الفأر (١١) -أي: نافجتُه (١٢)، وهو وعاؤُه (١٣) - (١٤)؛ لأنه مجهولٌ.

стр. 1020

ولا لؤلؤٍ في صدفٍ (١). واختارَ في "الهدايةِ" صحتَه (٢)؛ لأنها وعاءٌ لهُ. وكذا نوىً في تمرٍ، وصوفٍ على ظهرٍ (٣)؛ للنهيِ عنه (٤)، ما لم يكنْ تبعًا للحيوانِ في بيعِه (٥). ولا بيعُ ما قد تحملُ هذهِ الشجرةُ أو الحيوانُ (٦). ولَا يصحُّ بيعُ مستورٍ في الأرضِ ظاهرٍ ورقُه -كلِفْتٍ (٧)، وفِجلٍ، وجزرٍ، وقُلْقَاسٍ (٨)، وبصلٍ، ونحوِه- قبلَ قلعِه ومشاهدتِه (٩)؛ لجهالةِ ما يرادُ منهُ. ولا يصحُّ بيعُ ثوب مطويٍ (١٠). قال في "شرح المنتهى" للمصنف: "مَا لم يُرَ منهُ ما يدُلُّ على بقيَّتِه" (١١). ويَملكُ ردَّه بالعيبِ (١٢)،
следующие страницы →