← Фикх ханбали

Фикх ханбали · id 30058

مسلك الراغب لشرح دليل الطالب - ت الهزاني وإدريس

إبراهيم العوفي الصالحي

Полный текст (1 279 стр.). Показаны 1121–1160 · переход к 1126.

стр. 1121

والدَّبْسِ (١)، ونحوِه مما مستهُ النارُ (٢)، لأنَّ عملَ النارِ فيهِ معلومٌ عادةً، يمكنُ ضبطُه بالنَّشافِ والرطوبة، أشبهَ المجففَ بالشمسِ. الشرطُ (الثَّانِي) منْ شروطِ السلمِ: (ذِكْرُ جِنْسِهِ) أي: جنسِ المسلَم، كَبُرٍّ، أو شعيرٍ، أو عدسٍ ونحوِه (٣). (وَنَوْعِه، بِالصِّفَاتِ الَّتِي يَخْتَلِفُ بِهَا الثَّمَنُ) غالبًا (٤)، كالبُرِّ مثلًا، فإنْ كانَ مِصريًّا فبِأَن يعينَ نوعَه من: صعيديٍّ، وبَحيريٍّ، وبلديٍّ، ونحوِه، ومنَ البلحِ: … (٥) لدُّمُرْدَاشِي (٦)، وشرقاويٍّ، وبُرُلُّسِيٍّ (٧)، وقطاوي، ونحوِه، وذكرُ قدرِ حَبٍّ، (٨) كصغارٍ أو كبارٍ، ومتطاولةٍ أو مدوَّرةٍ؛ وذكرُ لونٍ إن أختلفَ به ثمنُه (٩)؛ وذكر بلدِهِ (١٠)؛ وذكرُ مدةِ حداثتِه وجودتِه، وضدِّهما (١١)، وذكرُ سِنِّ حيوانٍ (١٢)، وفي الرقيقِ كرُومِيٍّ، أو حبشيٍّ، أو زنجيٍّ (١٣)؛ وذكوريةٍ وأنوثةٍ (١٤)، إلا في نحوِ دجاجٍ (١٥)، وغيرِ ذلكَ منْ كلِّ نوعٍ من

стр. 1122

أنواعِ السلَم، مما لا يتعذرُ وصفُه. وما يتعذرُ وصفُه فلا يجبُ استقصاؤُه (١)؛ لأنَّ استقصاءَ جميعِ الصفاتِ ليستْ بمطلوبةٍ، لتعذرهِ فيها. ولا مَا لا يختلفُ به الثمنُ (٢)؛ لعدمِ الاحتياجِ إليهِ. ولا يصحُّ أن يشترطَ الأردَى، أو الأجودَ (٣)؛ لعدمِ انحصارِه؛ لإمكانِ وجودِ أردى أو أجودَ منهُ. ويصحُّ شرطُ جيدٍ ورديءٍ، ويجزئُ ما صدَقَ عليهِ أنه جيدٌ أو رديءٌ، فينزلُ الوصفُ على أقلِّ درجةٍ (٤). (وَيَجُوزُ) للمسلَمِ لهُ (أَنْ يَاْخُذَ دُونَ مَا وُصِفَ لَهُ) (٥)؛ لأنَّ الحقَّ لهُ، وقد رضيَ بدونه. (وَ) لهُ أن يأخذَ (مِنْ غَيرِ نَوْعِهِ)، كمعزٍ عنْ ضأنٍ، وجواميسَ عن بقرٍ، (مِنْ جِنْسِهِ) (٦)؛ لأنهَا كالشيءِ الواحدِ؛ لتحريمِ التفاضلِ بينهُما. وإن دفعَ أجودَ مما أسلمَ فيه من نوعِه يلزمُ أخذُه (٧)؛ لأنهُ زادَه نفعًا. وعُلمَ منه: أنهُ لا يلزمُه أخذُه من غير نوعِه، ولو أجودَ منهُ (٨)، كضأنٍ عن معزٍ. وإن كانَ من غيرِ جنسِه - كلحمِ بقرٍ عن ضأنٍ - لم يجُزْ، ولو رضِيَا عليهِ (٩)؛ لحديثِ: "مَنْ أَسْلَمَ فِي شَيْءٍ فَلَا يَصْرِفْهُ إِلَى غَيرِهِ" رواهُ أبو داودَ (١٠)، ولأنهُ بَيعٌ، بخلافِ غيرِ نوعِه من

стр. 1123

جنسِه، فإنهُ قضاءٌ للحقِّ. وإن دفعَ إليهِ أجودَ مِنْ جنسِه، مما وقعَ عليهِ العقدُ، وطلبَ منهُ شيئًا نظيرَ الجودة، لم يصحَّ (١). وإنْ أحضرَ لهُ بزيادةٍ عنِ القَدر، وقالَ: خذْهُ وزِدْنِي درهمًا، صحَّ (٢)؛ لأنَّ الدرهمَ في مقابلةِ الزيادةِ. وإنْ وجدَ به عيبًا، فلهُ أرشُهُ أو ردُّه (٣). الشرطُ (الثَّالِثُ) مِن شُروطِ السلم: (مَعْرِفَةُ قَدْرِهِ) أي: قدرِ المسلمِ فيهِ (٤)؛ لحديثِ: "مَنْ أَسْلَفَ فِي شَيْءٍ فَلْيُسْلِفهُ فِي كَيلٍ مَعْلُومِ وَوَزْنٍ مَعْلُومٍ إِلَى أَجَلٍ مَعْلُومٍ" متفق عليهِ (٥). (بمِعْيَارِهِ الشَّرْعِي) منْ كيلٍ في مكيَلٍ، ووزنٍ في موزونٍ، وذرعٍ في مذروع، وعرفٍ (٦) في معدودٍ (٧). (فَلَا يَصِحُّ) السلمُ (فِي مَكِيلٍ وَزْنًا، وَلَا فِي مَوْزُونٍ كَيلًا) (٨)؛ لأنهُ قدَّرَه بغيرِ ما هوَ مقدرٌ بهِ. وعنِ الإمامِ في روايةِ

стр. 1124

المروذيِّ (١): يصحُّ (٢)؛ لأنَّ الغرضَ معرفةُ قدرِه وإمكانُ تسليمِه منْ غيرِ تنازع، فبأيِّ قدرٍ قدرَه جازَ. اختارَه الموفقُ وغيرُه (٣). ولا بدَّ أن يكونَ المكيالُ والصنجَةُ والذراعُ معلومًا عندَ عامةِ الناسِ (٤)؛ لأنه إذا كانَ مجهولًا تعذرَ الاستيفاءُ بهِ عندَ التلفِ. الشرطُ (الرَّابعُ) من شروطِ السلمِ: (أَنْ يَكُونَ) السلمُ (فِي الذِّمَّةِ إِلَى أَجَلٍ مَعْلُومٍ) (٥) لقولِه ﵊: "وَأَجَلِ مَعْلُومٍ". (لَهُ) أي: الأجلِ المعلومِ (وَقْعٌ فِي الْعَادَة، كَشَهْرٍ)، قال في "الكَافي": "أو نصفِه، ونحوِه" (٦). (وَنَحْوِهِ)، كشهرَينِ (٧). ويصحُّ السلمُ في جنسَينِ - كأرزٍ، وعسلٍ - إلى أجلٍ واحدٍ إن بيَّنَ ثمنَ كلِّ جنسٍ (٨). ويصحُّ في جنسٍ واحدٍ إلى أجلَين، كبعضِه في رجبٍ، وبعضِه في رمضانَ، إن بينَ قِسطَ كلّ أجلٍ (٩). ويصحُّ السلمُ في لحمٍ، وخبزٍ، ونحوِهما، يوجدُ كل يومٍ جزءًا معلومًا (١٠)، سواءٌ بينَ ثمنَ كلِّ قسطٍ، أو لَا (١١)؛

стр. 1125

لدعاءِ الحاجةِ إليهِ. وإنْ حصلَ إلى أجلٍ معلوم - كرجبٍ، أو فيه، أو إليهِ -، صحَّ، وحلَّ بأوله (١). تتمةٌ: يقبلُ قولُ مسلَمٍ إليهِ في قدرِ الأجلِ (٢)؛ لأنَّ الأصلَ بقاءُ الأجلِ. وفي مضيه، وفي مكانِ التسليم، بيمينِهِ (٣). وإنِ اختلفَا في أداءِ المسلَمِ فيه، فقولُ المسلِمِ بيمينِه (٤)؛ لأنهُ منكرٌ القبضَ، والأصلُ عدمُه. فإن اختلفَا في قبضِ الثمنِ فقولُ المسلَمِ إليهِ بيمينِه (٥). وإن اختلفَا في القبضِ في المجلسِ قبلَ التفرقِ أو بعدَه، فقولُ مَن يدَّعِي القبضَ في المجلسِ (٦)؛ لأنهُ يدَّعي الصحةَ، والظاهرُ في العقودِ الصحةُ. ومن أتَى بسلمٍ أو غيرِه قبلَ حلولِه، ولا ضررَ عليهِ في قبضِه - من خوفٍ، أو مؤنةِ حملٍ، أو قِدمٍ، أو حداثةٍ -، لزمَهُ قبضُه (٧)، نصًا (٨). فإنْ كانَ فيهِ ضررٌ - كالأطعمةِ والحبوبِ -، أو الزمنُ مخوفًا، فلمْ (٩) يلزمْهُ قبضُه قبلَ محِلِّهِ - بكسرِ الحاء - (١٠). وإن أحضرَه في محلِّه، أو بعدَه، لزمَه قبضُه مطلقًا (١١). الشرطُ (الْخَامِسُ) [مِن شروطِ السلم]: (أَنْ يَكُونَ) المسلَمُ فيهِ (مِمَّا يُوجَدُ غَالِبًا) [في محلِّه - بكسر الحاءِ -] (عِنْدَ حُلُولِ الْأَجَلِ) (١٢)، سواءٌ كانَ موجودًا حالَ العقد، أو معدومًا (١٣). فإنْ كانَ إلى أجلٍ، لم يمكِن وجودُه فيه، فلا

стр. 1126

يصحُّ السلمُ (١). وإن أسلمَ إلى وقتٍ يوجدُ فيه تمامًا، فانقطعَ، وتحققَ بقاؤُه، لزمَ تحصيلُه (٢). فإن تعذرَ أو بعضُه خيِّرَ مسلمٌ بينَ صبرٍ إلى وجودِه، أو فسخٍ فيمَا تعذرَ، ويرجعُ برأسِ مالٍ، أو عوضِه - إن عُدِمَ - بمثلِ مثليٍّ، وقيمةِ متقومٍ (٣). الشرطُ (السَّادِسُ) من شروطِ السلم: (مَعْرِفَةُ قَدْرِ رَأْسِ مَالِ السَّلَمِ)، ومعرفةُ صفتِه (٤). (وَ) يشترطُ (انْضِبَاطُهُ) أَي: رأسِ السلمِ بصفةٍ (٥). فائدةٌ: وما لم يمكنْ وزنُه بميزانٍ - كالأحجارِ الكبارِ - فيجعلُ الأحجارَ في سفينةٍ، وينظرُ إلى أيِّ موضعٍ يغوصُ في الماء، فيعلِّمُ، ثمَّ يرفعُ ويحطُّ مكانَه رملٌ أو أحجارٌ صغارٌ، إلى أن يبلغَ الماءُ الموضعَ الذي كانَ بلغَه، ثم يوزنُ، فما بلغَ فهو زنةُ ذلكَ الشيءِ. (فَلَا تَكْفِي مُشَاهَدَتُه) أي: رأسِ مالِ السلم، كما لو عقدَاه على صُبرةٍ لا يعلمَانِ قدرَها ووصفَها (٦). (وَلَا يَصِحُّ) السلمُ (بِمَا لَا يَنْضَبِطُ)، كجوهرٍ، وكتبٍ، ونحوِهِ (٧). ويردُّ ما قبضَ منْ ذلكَ إن وُجدَ؛ لفسادِ العقد، وإن لم يوجدْ ما قُبضَ، فقيمتُه (٨). فإن اختلفَا في القيمة، فقولُ مسلَمٍ إليهِ بيمينِه (٩). فإن قالَ مسلمٌ إليهِ: لا أعرفُ قيمتَه، فعليهِ قيمةُ مسلَمٍ فيهِ مؤجلهٌ بأجلٍ المسلَمِ (١٠). الشرطُ (السَّابعُ) منْ شروطِ السلمِ: (أَنْ يُقْبِضَهُ) رأسَ مالِ السلمِ (قَبْلَ

стр. 1127

التَّفَرُّقِ مِنْ مَجْلِسِ الْعَقْدِ)، تفرقًا يبطِلُ خيارَ مجلسٍ (١)؛ لئلا يصيرَ بيعَ دينٍ بدينٍ. وكالقبضِ: ما كانَ بيدِ المسلَمِ إليهِ أمانةً للمسلِم، أو غصبًا، ونحوَه، فيصحُّ جعلُه رأسَ مالِ سلمٍ (٢)، لَا جعلَ ما في ذمةٍ؛ لأنه يكونُ بيعَ دينٍ بدينٍ، فلا يصحُّ (٣). (وَلَا يُشْتَرَطُ) في السلمِ (ذِكْرُ مَكَانِ الوَفَاءِ) (٤)؛ لأنهُ لم يَرِدْ في الحديث، وهو كباقِي البيوعِ؛ (لِأَنَّهُ يَجِبُ) الوفاءُ (مَكَانَ الْعَقْدِ) أي: عقدِ السلمِ إذا كانَ محلَّ إقامةٍ (٥) (مَا لَمْ يَـ) ـكُنِ الـ (ـعَقْدُ بِبَرِّيَّةٍ، وَنَحْوِهَا)، كسفينةٍ، أو دارِ حربٍ، أو جبلٍ غيرِ مسكونٍ؛ لأنهُ لا يمكنُ التسليمُ في ذلكَ المكانِ. (فَيُشْتَرَطُ) حينَ ذاكَ تعيينُ مكانٍ للوفاءِ (٦). فإن دفعَ السلمَ في غيرِ محلِّ ما وقعَ عليهِ العقدُ، من غيرِ أجرةِ حملٍ، وتراضيَا، جازَ (٧). ومعَ الأجرةِ لا يصحُّ، ولو تراضيَا عليهِ (٨)؛ لأنهُ اعتياضٌ عن بعضِ السلمِ. (وَلَا يَصِحُّ أَخْذُ رَهْنٍ، أَوْ كَفِيلٍ بِمُسْلَمٍ فِيهِ) (٩)؛ لما رُويَتْ كراهتُه عن عليٍّ، وابنِ عباس، وابنِ عمرَ (١٠)،

стр. 1128

ولا يصحُّ اعتياضٌ عنِ السلمِ (١)، ولا بيعُه (٢)، ولا بيعُ رأسِ مالِه الموجودِ بعدَ فسخِ عقدٍ، إذا كانَ قبلَ قبضِه، ولو لمن هوَ عليهِ (٣). ولا تصحُّ حوالةٌ به، ولا عليهِ (٤)؛ لما وردَ من نهيِهِ ﷺ عنْ بيعِ الطعامِ قبلَ قبضِه (٥)، ولأنهُ مبيعٌ لم يدخلْ في ضمانِه، فلم يجُزْ بيعُه قبلَ قبضِه؛ كالمكيل، ولحديثِ: "مَنْ أَسْلَمَ فِي شَيءٍ فَلَا يَصْرِفْهُ إِلَى غَيرِهِ" (٦). تتمةٌ: تصحُّ الإقالةُ في سلمٍ، وفي بعضِه (٧). ومن لهُ سلمٌ، وعليهِ سلمٌ من جنسِه، فقالَ لغريمِه: اقبضْه لنفسِكَ، لم يصحَّ (٨)؛ لأنهُ حوالةٌ بهِ. ويصحُّ إن قالَ: اقبضْه لِي، ثمَّ لكَ (٩). وتصحُّ هبةُ كلِّ دينٍ لمدينٍ فقطْ (١٠)؛ لأنهُ إسقاطٌ، فهُوَ ممتنعٌ لغيرِ مَن هوَ عليهِ. ويصحُّ بيعُ دينٍ مستقرٍّ، من ثمنٍ وقرضٍ، وأجرةٍ استوفَى نفعَها، ونحوِه، لمدينٍ فقطْ (١١)، بشرطِ قبضِ عوضِه قبلَ التفرق منَ المجلسِ (١٢). وعدمُ

стр. 1129

صحةِ بيعِ الدينِ لغيرِ مَن هوَ عليهِ (١)؛ لعدمِ القدرةِ على تسليمِه، أشبهَ الرقيقَ الآبقَ. ولا يصحُّ بيعُ غيرِ مستقرٍّ، كدَينِ كتابةٍ، وأَجرةٍ قبلَ استيفاءِ نفعِها (٢). ومنْ استحقَّ على غريمِه مثلَ ما لهُ عليه، قدْرًا، وصفةً، حالَّين، أو مؤجلَينِ أجلًا واحدًا، تساقطَا؛ لاستوائِهما، أو سقطَ الأقلُّ منَ الأكثرِ إن تفاوتَا (٣). هذَا إذا كانَ أحدُ الدَّينَينِ أو همَا غيرَ سلمِ (٤)، أو كانَ لم يتعلقْ بِهِ حقٌّ؛ كرهنٍ بِيعَ لربِّ الدينِ ليقضى به دين آخره (٥)، فإنهُ لَا يقاصصُ بذلكَ؛ لتعلقِ حقِّ الغيرِ بهِ. وكذا عينٌ لمفلسٍ تعلقَ بهِ غرماؤُه (٦) ومَن دفعَ دينًا [فنوَى بهِ وفاءَ دينِه، برئَ]، وإلَّا فمتبرعٌ (٧)؛ لعدمِ النية، وما ذكرُوه في الأصولِ - أن ردَّ الأمانةِ وقضاءَ الدينِ واجبٌ لا يقفُ على النيةِّ (٨) - أي: نيةُ التقربِ (٩). وتكفي نيةُ حاكمِ في وفائِه قهرًا، من مديونٍ لامتناعِه، أو معَ غيبتِه (١٠)؛ لقيامِه مقامَه. ومن عليهِ دينٌ لا يعلَمُ به ربُّه، وجبَ عليهِ إعلامُه بهِ (١١). (وَإِنْ تَعَذَّرَ حُصُولُهُ) أي: حصولُ المسلَم، أو تعذرَ بعضُه بأن لم يوجدْ، (خُيِّرَ رَبُّ السَّلَم) فيهِ (بَينَ) أن يَـ (ـصْبِرَ) لحصولِه، فيطـ (ـا) لِبَ به، (وَ) بينَ أنْ يَـ (ـفْسَخَ) العقدَ؛ لعدمِه فيما تعذرَ حصولُه (١٢). (وَيَرْجِعَ بِـ) ـمَا

стр. 1130

دفعَه من (رَأْسِ مَالِه، أَوْ) أنْ يرجعَ بِـ (ـبَدَلِهِ إِنْ تَعَذَّرَ) وجودُ رأسِ مالِه، بمثلِ مثليٍّ، أو قيمةِ متقوِّم (١). (وَمَنْ أَرَادَ قَضَاءَ دَينٍ عَنْ غَيرِه، فَأَبَى رَبُّهُ) أي: ربُّ الدينِ (قَبُولُهُ، لمْ يُلْزَمْ) ربُّ الدينِ (بِقَبُولِهِ) أي: بقبولِ الدينِ (٢). * * *

стр. 1131

(بَابُ الْقَرْضِ) بفتحِ القاف، وحكيَ كسرُها، مصدرُ قرَضَ الشيءَ يقرِضُه - بكسرِ الراءِ - إذا قطعَه، ومنهُ: المقراضُ. والقرضُ: اسمُ مصدرٍ، بمعنَى الاقتراضِ (١). وشرعًا: "دفعُ مَالٍ إرفَاقًا لمنْ ينتَفعُ بهِ ويرُدُّ بدلَهُ" (٢). وأجمعُوا على جوازِه (٣)؛ لفعلِه ﵊ (٤). وهو منَ المرافقِ المندوبِ إليها للمقرضِ (٥) - والمِرفقُ: ما ارتفقْتَ به وانتفعْتَ (٦) -؛ لحديثِ ابنِ مسعودٍ مرفوعًا: "مَا مِنْ مُسْلِمِ يُقْرِضُ مُسْلِمًا قَرْضًا مَرَّتَينِ إِلَّا كَانَ كَصَدَقَةِ مَرَّةٍ" رواهُ ابنُ ماجه (٧)؛ لأنَّ فيهِ تفريجًا، وقضاءً لحاجةِ أخيهِ المسلمِ.

стр. 1132

(يَصِحُّ) القرضُ (بِكُلِّ عَينٍ يَصِحُّ بَيعُهَا) مِن مكيلٍ، وجوهرٍ، وحيوانٍ، وغيرِه (١). (إِلَّا بَنِي آدَمَ) فلَا يصحُّ قرضُه (٢)؛ لأنهُ لم يُنقلْ قرضُهم، ولا هوَ من المرافقِ. ولا يصحُّ قرضُ منفعةٍ (٣). (وَيُشْتَرَطُ) في القرضِ (عِلْمُ قَدْرِهِ) بمقدارٍ معروفٍ (٤). (وَ) يشترطُ معرفةُ (وَصْفِهِ) (٥)؛ ليتمكنَ من ردِّه. (وَ) يشترطُ (كَوْنُ المُقْرِضِ يَصِحُّ تَبَرُّعُهُ) (٦) فلا يقرضُ وليُّ يتيم منْ مالِ اليتيم، ولا ناظرُ وقفٍ من مالِ الوقفِ. ومنْ شأنِه: أن يصادفَ ذمةً، بأنْ يكونَ في ذمةٍ معينةٍ (٧)؛ (فائدةٌ: إنْ قالَ مقرِضٌ لمقترضٍ: ملَّكْتُكَ، ولا قرينةَ على ردّ بدلِه، فهبةٌ) (٨) فلا يصحُّ قرضٌ لجهةٍ - كمسجدٍ، وقنطرةٍ، ونحوِ ذلكَ - مما لا ذمةَ لهُ (٩). قالَه ابنُ نصرِ الله في "حواشِي الفروعِ" (١٠). لكنْ يأتِي أنه يصحُّ اقتراضُ ناظرِ الوقفِ عليه، والإمامِ على بيتِ المالِ. (وَيَتِمُّ الْعَقْدُ) أي: عقدُ القرضِ (بِالْقَبُولِ) (١١). (وَيَمْلِكُ) ما اقترضَ بقبضٍ (١٢). (وَيَلْزَمُ) العقدُ (بِالْقَبْضِ) فَلَا يَمْلِكُ المُقْرِضُ اسْتِرْجَاعَهُ) (١٣) للزومِهِ

стр. 1133

مِن جهتِه، إلا إِن حُجرَ على مقترِضٍ لفلَسٍ، فيَملكُ مقترضٌ الرجوعَ فيهِ إنْ وجدَه (١)؛ لحديثِ: "مَنْ أَدْرَكَ مَتَاعَهُ بِعَينِهِ" (٢). وللمقترضِ أن يشتريَ بالقرضِ من مقرضِه (٣). (وَيَثْبُتُ لَهُ) أي: للمقرضِ طلبُ (الْبَدَلِ حَالًا) أي: في الحالِ (٤). (فَإِنْ كَانَ) القرضُ (مُتَقَوَّمًا فَـ) ـلَهُ (قِيمَتُهُ وَقْتَ الْقَرْضِ. وَإِنْ كَانَ الْقَرْضَ مِثْلِيًّا فَـ) ـلهُ (مِثْلُهُ) (٥). وإنْ شرطَ مقرضٌ الردَّ بعينِه لمْ يصحَّ (٦). ويجبُ على مقرضٍ قبولُ قرضٍ مثليٍّ رُدَّ بعينِه (٧)، (مَا لَمْ يَكُنِ) المردودُ بعينِه (مَعِيبًا) بعيبٍ عندَ المقترض، كحنطةٍ ابتلَّتْ أو تسوسَتْ (٨)؛ لما فيهِ منَ الضررِ. بخلافِ متقوَّمٍ رُدَّ بعينِه، فلا يلزمُه قبولُه (٩)؛ لأنَّ الواجبَ لهُ قيمتُه. (وَ) ما لم يكنِ (ا) لمردُ (و) دُ بعينِه (فُلُوسًا، وَنَحْوَهَا) - كدراهمَ مكسرةٍ -، (فَيُحَرِّمُهَا) أىِ: يمنعُ الناسَ منَ المقابلةِ بها (السُّلْطَانُ، فَلَهُ) أي: فَللمقرِضِ (الْقِيمَةُ) عنِ الفلوسِ والدراهمِ المكسرةِ وقتَ القرضِ (١٠)، سواءٌ نقصَت قيمتُها قليلًا أو كثيرًا؛ لأنه كالعيب، فلا يلزمُه قبولُها. وسواءٌ كانتْ باقيةً أو استهلكَها (١١)، وتكونُ القيمةُ من غيرِ جنسِ الدراهمِ (١٢). وكذَا المغشوشةُ إذا حرمَها السلطانُ (١٣). ويجبُ على مقترضٍ ردُّ مثلِ فلوسٍ اقترضَها، غَلَتْ، أو رخصَتْ، أو كسدَت (١٤)؛ لأنها مثليةٌ. ويجبُ ردُّ مثلِ

стр. 1134

مكيلٍ وموزونٍ (١). فإنْ أُعوِزَ - أي: عزَّ المثلُ - فلم يوجدْ، فعليهِ قيمتُه يومَ إعوازِه (٢)؛ لأنهُ يومُ ثبوتِها في الذمةِ. ويجبُ ردُّ قيمةِ غيرِ مكيلٍ وموزونٍ (٣)؛ لأنهُ لا مثلَ لهُ، فضُمنَ بقيمتِهِ. فجوهرٌ، ونحوُه يومُ قبضٍ (٤)؛ لاختلافِ قيمتِه في الزمنِ اليسيرِ؛ لكثرةِ الراغبِ وقلتِه. وغيرُ الجوهرِ - كمعدودٍ ومذروعٍ - يومُ قرضٍ (٥). (وَيَجُوزُ شَرْطُ رَهْنٍ، وَضَمِينٍ فِيهِ) أي: في القرضِ (٦). (وَيَجُوزُ قَرْضُ المَاءِ كَيلًا، وَ) قرضُ (الْخَبْزِ وَالْخَمِيرِ عَدَدًا، وَرَدُّهُ عَدَدًا بِلَا قَصْدِ زِيَادَةٍ) (٧)؛ لحديثِ عائشةِ قالَت: قلْتُ: يا رسُولَ الله، الجِيرَانُ يَستَقْرِضُونَ الخبزَ وَالخمِيرَ وَيرُدُّونَ زِيَادةً وَنقصَانًا؟ فقالَ: "لَا بَأْسَ إِنَّمَا ذَلِكَ مِنْ مَرَافِقِ النَّاسِ لَا يُرَادُ بِهِ الْفَضْلُ" (٨). رواهُ أبو بكرٍ في الشافِي (٩)، ويثبتُ البدلُ في ذمةِ المقترضِ حالًا، ولو

стр. 1135

معَ تأجيلِه (١)؛ لأنهُ وعدٌ لا يلزمُ الوفاءُ بهِ. وكذَا كلُّ دينٍ حالٍ أو مؤجلٍ حلَّ فلا يصحُّ تأجيلُه (٢). (وَكُلُّ قَرْضٍ جَرَّ نَفْع (٣) فَحَرَامٌ) (٤). (كَأَنْ) شرطَ المقرضُ على المقترضِ أنْ (يُسْكِنَهُ دَارَهُ، أَوْ يُعِيرَهُ دَابَّتَهُ، أَوْ يَقْضِيَهُ خَيرًا مِنْهُ). وعدمُ جوازه، لأنَّ القرضَ عقدُ إرفاقٍ وقربةٍ، فإذَا شرطَ فيهِ الزيادةَ أخرجَه عن موضوعِه. ولا فرقَ بينَ الزيادةِ في القدرِ والصفةِ (٥)، مثل أن يقرضَه مكسرةً فيقضيَه صحاحًا، ونحوِ ذلكَ، كأنْ يبيعَه شيئًا فيرخصَهُ له، أو يعملَ له عملًا، أو أنْ ينتفعَ بالرهن، أو أنْ يسكنَه عقارًا بزيادةٍ، أو أنْ يبيعَه شيئًا أكثرَ من قيمتِه، أو أنْ يستعملَه في صنعةٍ ويعطيهُ أنقصَ من أجرةِ مثلِه، ونحوِه من كلِّ ما فيهِ جرُّ منفعةٍ (٦). وكذَا إنْ شرطَ أن يقضيَه في بلدٍ أخرَى، وفي "المغني" و"الشرحِ": إنْ لم يكنْ لحملِه مؤنةٌ جازَ، وإلا حرمَ (٧). (وَإِنْ فَعَلَ ذَلِكَ) كلَّه (بلَا شَرْطٍ، أَوْ قَضَى) المقترضُ (خَيرًا مِنْهُ بِلَا مُوَاطَأَةٍ) بينهُما في ذلك (جَازَ) (٨)، أو عُلمَتْ زيادتُه لشهرةِ سخائِه وكرمِه، جازَ

стр. 1136

ذلكَ (١)؛ لأن النبيَّ ﷺ استَسْلفَ بَكْرًا فَرَدَّ خَيرًا منهُ، وقَالَ: "خَيرُكُمْ أَحْسَنُكُمْ قَضَاءً" متفقٌ عليهِ من حديثِ أبي رافعٍ (٢). وإن فعلَ مقترضٌ ذلكَ قبلَ الوفاء، ولم ينوِ مقترضٌ احتسابَه من دينِه، أو لم ينوِ مَكافأتَه، لم يجُزْ (٣)، إلا إنْ جرَتْ عادةٌ بينهُما بهِ قبلَ قرضٍ (٤)؛ لحديثِ أنسٍ مرفوعًا: "إِذَا أَقْرَضَ أَحَدُكُمْ فَأُهْدِيَ إِلَيهِ أَوْ حَمَلَهُ عَلَى الدَّابَّةِ فَلَا يَرْكبْهَا وَلَا يَقْبَلْهُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ جَرَى بَينَهُ وَبَينَهُ قَبْلَ ذَلِكَ" رواهُ ابنُ ماجه، وفي إسنادهِ كلامٌ (٥). وكذا كلُّ غريمٍ حكمُه كالمقترضِ (٦). فإن استضافَه مقترضٌ حسبَ له مقرضٌ ما أكلَ (٧). وأمَّا في دعواتِ الوليمةِ ونحوِها، فلا يضرُّ ذلكَ، فهو كغيرِه (٨). (وَمَتَى بَذَلَ المُقْتَرِضُ) أوِ الغاصبُ (مَا عَلَيهِ بِغَيرِ بَلَدِ الْقَرْضِ) أو الغصبِ (وَلَا مَؤُنَةَ لِحَمْلِهِ لَزِمَ رَبُّهُ) أي: ربُّ القرضِ (قَبُولُ) أخذِ (هِ) إذا كانَ ذلكَ (مَعَ أَمْنِ الْبَلَدِ وَالطَّرِيقِ) (٩)؛ لعدمِ الضررِ عليهِ. وكذَا ثمنٌ، وأجرةٌ، ونحوُهما.

стр. 1137

فإن كانَ لحملِه مؤنةٌ أو البلدُ والطريقُ غيرُ آمنٍ، لم يلزمْهُ قبولُه (١). وإن طالبَ ربُّ قرضٍ أو غصبٍ ببدلِه ببلدٍ آخرَ، لزمَه دفعُ المثل، إذا كانَ لا مؤنةَ لحملِه (٢). فإن كانَ لحملِه مؤنةٌ، وقيمتُه في بلدِ القرضِ أو الغصبِ أنقصَ منْ قيمةِ بلدِ الطلب، فلا يلزمُ المقترضَ أو الغاصبَ إلا قيمتُه في بلدِ القرضِ أو الغصبِ فقطْ، وليسَ لهُ الطلبُ بالمثلِ (٣). * * *

стр. 1138

(بَابُ الرَّهْنِ) هوَ لغةً: الثبوتُ والدوامُ. يقال: ماءٌ راهنٌ، أي: راكدٌ، ونعمةٌ راهنةٌ، أي: راكدةٌ (١). وقيلَ: هوَ الحبسُ؛ لقولِه تعالى: ﴿كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ (٣٨)﴾ [المدثر]؛ أَي: محبوسةٌ (٢). وشرعًا: "توثِقةُ دَينٍ، غيرِ سلمِ ودَينِ كتابةٍ، بعينٍ، لا دَينٍ ولا منفعةٍ، يمكنُ أخذُ الدَّينِ كلّه أو بعضهِ منَ العينِ أوَ من ثمنِها" (٣). ويصحُّ زيادةُ الرهن، بأنْ يرهنَ رهنًا على دينٍ، ثمَّ يرهنَه آخرَ (٤). ولا يصحُّ زيادةُ دينٍ، بأنِ استدانَ منهُ مائةً ورهنَه عليهِ رهنًا، ثمَّ استدانَ آخرَ، وجعلَ الرهنَ على الثانِي … (٥) (٦)؛ لأنهُ رهنٌ مرهونٌ، مَا لمْ يكنْ قبلَ قبضِ الرهن، فيصحُّ (٧). ويصحُّ أن يكونَ الرهنُ مِن غيرِ مَن يكونُ عليهِ الدَّينُ؛ فيجوزُ أن يرهَنَ الإنسانُ مالَ نفسِه على دينِ غيرِه، ولو كانَ بغيرِ رضا المدينِ (٨)، كما يجوزُ أن يضمنَهُ بغيرِ رضا المضمونِ. ولا يصحُّ الرهنُ بدونِ إيجابٍ وقبولٍ، أو ما يدلُّ عليهِما (٩). (يَصِحُّ) الرهنُ (بِشُرُوطٍ خَمْسَةٍ)، أحدُهَا: (كَوْنُهُ) أي: الرهنِ

стр. 1139

(مُنَجَّزًا)، لا معلَّقًا (١). (وَ) الثاني: (كَوْنُهُ مَعَ الْحَقِّ) أي: معَ الدَّين، لا قبلَه (٢)؛ لأنَّ الرهنَ تابعٌ لهُ، فلم يتقدَّمْه. ويصحُّ (أَوْ بَعْدَهُ) أي: بعدَ الدينِ (٣)، بالإجماعِ (٤). ولا يجوزُ قبلَه، لأنه وثيقةٌ بحقٍّ، فلم يجزْ فعلُه قبلَ ثبوتِه. (وَ) الثالثُ: (كَوْنُهُ مِمَّنْ يَصِحُّ بَيعُهُ)، وتبرعُه، مِن جائزِ التصرفِ (٥). (وَ) الرابعُ: (كَوْنُهُ مُلْكُ) الرا (هِـ) ـن (٦) (٧)، ولو لمنافعِه بإجارةٍ، أو للانتفاعِ بهِ بعاريةٍ، بإذنِ ربهمَا (٨)، لكنْ ينبغِي أن يذكرَ لهما القدرَ الذي يرهنُ عليه، وصفتَه، ومدتَه (٩)؛ دفعًا لتغريرهِمَا. فمتَى أعلمَ ربَّهُما بشيءٍ من ذلكَ، ثمَّ خالفَ ورهنَه بغيرِه، لم يصحَّ الرهنُ (١٠). فإنْ أذِنَ المؤجرُ أو المعيرُ أن يرهنَ العينَ على قدرٍ معينٍ، فرهنَه على أكثرَ، صحَّ فيما أذِنَ لهُ، وبطلَ في الزائدِ (١١). فإن رهنَه على دونِ ذلكَ صحَّ (١٢). ويملكانِ - ربُّهما - الرجوعَ فيهِما قبلَ إقباضِه (١٣). لكنْ لا يملكُ المؤجرُ الرجوعَ في الإجارةِ إلا بعدَ انقضاءِ مدةِ التواجرِ (١٤)، فإن بيعَ رهنٌ فيهِما، رجعَ

стр. 1140

مؤجرٌ ومعيرٌ بمثلِ مثلِيٍّ، والأكثرِ من قيمةِ متقوَّمِ (١)؛ لأنهُ إن بيعَ بأقلَّ من قيمتِه، ضمنَ راهنٌ نقصَه، وإن بيعَ بأكثرَ فقيمتُه كلُّه لمالكِهِ. (وَ) الخامسُ: (كَوْنُهُ) أي: الرهن (مَعْلُومًا جِنْسُهُ وَقَدْرُهُ وَصِفَتُهُ) (٢)؛ لأنهُ عقدٌ على مالٍ، فاشترطَ العلمُ بهِ. (وَكُلُّ مَا صَحَّ بَيعُهُ) منَ الأعيان، ولو كانَ نقدًا، أو مؤجرًا، أو معارًا، أو شركةً مشاعًا، (صَحَّ رَهْنُهُ) (٣)، ولو على ثمنِه (٤). وتصحُّ (٥) رهنُ ما يسرعُ فسادُه - كفاكهةٍ رطبةٍ، وبطيخ -، ولو رهنَه على مؤجلٍ (٦). ويباعُ بإذنِ ربِّه، أو يبيعُه حاكمٌ إن لم يأذنْ ربُّهُ، ويجعلُ ثمنَه مكانَه رهنًا (٧). غيرَ كيلٍ وموزونٍ ومعدودٍ ومذروعٍ، وما بيعَ بصفةٍ أو رؤيةٍ متقدمةٍ قبلَ قبضِه (٨)؛ لأنه لم يصحَّ بيعُه، فلا يصحُّ رهنُه. ومَن رهنَ قِنًّا مسلمًا على دَينِ كافرٍ، وشرطَ أن يكونَ بِيدِ مسلمٍ عَدلٍ، صحَّ (٩). وإن لم يشترطْ ذلكَ لم يصحَّ (١٠)؛ لأنَّ الرهنَ لا ينتقلُ الملكُ فيهِ إلى الكافر، بخلافِ البيعِ. وكذا كتبُ حديثٍ، وتفسيرٍ (١١). (إِلَّا المُصْحَفَ)، فلا يصحُّ رهنُه، ولو لمسلم (١٢). (وَمَا لَا يَصِحُّ بَيعُهُ) كَحُرٍّ، وأمِّ ولدٍ، ووَقفٍ، وآبقٍ، ومجهولٍ، ونحوِه، (لَا يَصِحُّ رَهْنُهُ) (١٣)؛ لعدمِ استيفاءِ الدينِ من ثمنِهِ. (إِلَّا) رهنُ (الثَّمَرَةِ قَبْلَ بُدُوِّ صَلَاحِهَا) بلا شرطِ قطعٍ، فيصحُّ (١٤). (وَ) إلَّا رهنُ (الزَّرْعِ قَبْلَ اشْتِدَادِ

стр. 1141

حَبِّهِ) بلا شرطِ قطعٍ، فيصحُّ (١)؛ لأنَّ النهيَ عنْ بيعِهما لعدمِ أمنِ العاهة، وبتقديرِ تلفِهما لا يفوتُ حقُّ المرتهنِ منَ الدَّينِ؛ لتعلقِه بذمةِ الراهنِ. (وَ) إلَّا رهنُ (القنِّ) ذكرًا أو أنثَى … (٢) (دُوْنَ رَحِمِهِ المُحَرَّمِ)، كولدٍ، ووالدٍ، وأخِ (٣)؛ لأنَّ تحريمَ بيعِه وحدَه؛ للتفريقِ بينَ ذي الرحمِ المحرم، وهوَ مفقودٌ هنَا؛ لأنهُ إذَا استحقَّ بيعَ الرهن، يباعُ هوَ ورحمُه المحرَّمُ (٤)، ويستوفِي ربُّ الدينِ من ثمنِ الرهنِ بما خصَّهُ (٥)، كأنْ كانَت قيمةُ أمِّ الولدِ المرهونةِ إذا بِيعَتْ معَ ولدِها مائةٌ، وقيمةُ ولدِها خمسونَ، الجملةُ: مائةٌ وخمسونَ، فيستوفِي المائةَ ثمنَ الرهنِ في مقابلةِ دَينِه، إن كانَ دينُه مائةً. فإن زادَ عن دينِه فللراهن، وإن نقصَ فباقيهِ بذمةِ الراهنِ يطلبُهُ منهُ (٦). فائدةُ: قالَ في "الفائقِ" (٧) - عندَ قولِه: "يصحُّ أخذُ الرهنِ على عينٍ مضمونةٍ، كالمغصوب، والعواريِّ، والمقبوضِ على وجهِ السَّوم، والمقبوضِ بعقدٍ فاسدٍ" -: "قلتُ: وعليهِ يخرجُ الرهنُ على عواريِّ الكتبِ الموقوفة، ونحوِها، كالأسلحة، والدروعِ الموقوفةِ على الغزاةِ". انتهى (٨). قالَ شيخُنا في "شرحِه على الإقناع": "إنْ قلْنَا: هُما مضمونةٌ، صحَّ، وإلَّا، فلَا. ويأتي في العاريةِ أنَّها غيرُ مضمونةٍ، فلا يصحُّ أخذُ الرهنِ عليهَا". قالَ: "وعُلِمَ من ذلكَ: أنهُ يصحُّ أخذُ الرهنِ للوقف، فيصحُّ الضمانُ أيضًا لجهةِ الوقفِ؛ لأن ما صحَّ رهنُه صحَّ ضمانُه" (٩). (وَلَا يَصِحُّ رَهْنُ مَالِ الْيَتِيمِ للْفَاسِقِ) (١٠)؛ لأنهُ تعريضٌ به للهلاك، فربما يجحدُه أو يفرطُ فيه،

стр. 1142

فيضيعُ. فإن شرطَ جعلَه بيدِ عدلٍ، جازَ رهنُه (١). (فَصْلٌ) (وَلِلرَّاهِنِ الرُّجُوعُ فِي الرَّهْنِ) أي: يفسخُ الرهنَ (٢)؛ لعدمِ لزومِه بدونِ القبضِ. فإن تصرفَ الراهنُ فيهِ بنحوِ بيعٍ أو عِتقٍ، بطلَ (٣). ولا يجبرُ راهنٌ علَى إقباضِهِ إن امتنعَ، لعدمِ لزومِه، ويبقَى الدينُ بغيرِ رهنٍ (٤). لكنْ إن شرطَ البائعُ الرهنَ في عقدِ بيعٍ، وامتنعَ المشتري منْ إقباضِه، فللبائعِ الفسخُ (٥). ولا يبطلُ بنحوِ إجارةٍ أو تدبيرٍ (٦)؛ لأن، لا يمنعُ منَ البيعِ. هذَا (مَا لَمْ يَقْبِضْهُ المُرْتَهِنُ) (٧)؛ لقولِه تعالى: ﴿فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ﴾ (البقرة: ٢٨٣). (فَإِنْ قَبَضَهُ) المرتهنُ (لَزِمَ) الرهنُ فِي حقِّ الراهنِ فقطْ (٨)، لأنَّ الحظَّ فيهِ لغيرِه، فلزمَ من جهتِه، فلا رجوعَ للراهنِ فيه. فإنْ جُنَّ راهنٌ قبلَ إقباضِه اعتبرَ فيهِ إذنُ حاكمٍ (٩). (وَلَا يَصِحُّ تَصَرُّفُهُ) أي: تصرفُ الراهنِ (فِيهِ) أي: في البيع، إذا كانَ (بِلَا إِذْنِ المُرْتَهِنِ) (١٠). (إِلَّا) إذَا تصرفَ فيهِ (بِالْعِتْقِ)، فيصحُّ العتقُ، سواءٌ كانَ الراهنُ موسرًا أو

стр. 1143

معسرًا (١)، نصًّا (٢)؛ لأنه مبنيٌّ على السرايةِ والتغليب. لكنْ يحرُمُ العتقُ بلَا إذنِ المرتهنِ (٣)؛ لإبطالِه حقَّه من عينِ الرهنِ. (وَعَلَيهِ) أَي: على الراهنِ الموسر، أو المعسرِ إذا أيسرَ (٤) (قِيمَةُ) الر (هـ) ـن (مَكَانَهُ، تَكُونُ رَهْنًا) عوضًا عنِ الرهنِ (٥). ولراهنٍ انتفاعٌ برهنٍ بإذنِ مرتهنٍ (٦)، ولهُ وطءُ أمتِه المرهونةِ إذا شرطَ وطئَها، أو بإذنِ مرتهنٍ (٧). فإنْ لم يكنْ إذنٌ ولَا (٨) شرطٌ، حرُمَ ذلكَ منهُ (٩). (وَكَسْبُ الرَّهْنِ) إذَا حصلَ فيهِ كسبٌ، (وَ) كذَا (نَمَاؤُهُ) [المتصلُ والمنفصلُ، كالسِّمَن، وتعلمِ الصنعة، والولد، والصوف، ونحوِه، وأرشُ جنايةٍ، (رَهْنٌ) (١٠). وإن وطئَ راهنٌ مرهونَةً بغيرِ إذنِ مرتهنٍ، ولمْ تحبلْ فعليهِ أرشُ بكارةٍ فقط (١١)، فإن بانت حاملًا منه … (١٢)]. (وَهُوَ) أي: الرهنُ (أَمَانَةٌ بِيَدِ المُرْتَهِنِ) (١٣) أو بيدِ مَن اتفقَا على إبقائِه عندَ جائزِ التصرفِ (١٤)، ولو كانَ قبلَ عقدٍ

стр. 1144

عليهِ، وكذا بعدَ وفاءِ دينٍ (١). (لَا يَضْمَنُهُ) المرتهنُ ولا مَن هوَ عندَه (إِلَّا بَالتَّفْرِيطِ)، أوِ التعدي عليهِ (٢)؛ كسائرِ الأماناتِ. (وَ) إن ادعَـ (ـي) المرتهنُ تلفَ الرهنِ بحادثٍ ظاهرٍ؛ كنهبٍ، وحريقٍ، وقامَت بينةٌ بهِ قُبِلَ (٣). فإنْ أنكرَ الراهنُ التلفَ بهِ، حلفَ أنهُ تلِفَ به، وبرِئَ (٤). وإنْ لم تقُمْ بينةٌ بالحادثِ الظاهرِ لم يقبلْ قولُه (٥)؛ لأنَّ الأصلَ عدمُه؛ لأنهُ لا تعذَّرُ إقامةِ البينةِ عليهِ. وإنِ ادَّعى تلفَه بسببٍ خفيٍّ - كسرقةٍ، ونحوِها -، أو لم يعيِّن سببًا (قُبِلَ قَوْلُهُ بِيَمِينِهِ فِي تَلَفِهِ) (٦). (وَ) كذَا يقبلُ قولُه بيمينِه في (أَنَّهُ لَمْ يُفَرِّطْ) فِي الرَّهْنِ (٧). ولَا يسقطُ الدينُ بتلفِ الرهنِ (٨)، ولا يلزمُ الراهنَ أن يرهنَ مكانَ ما تلفَ من الرهنِ (٩). (وَإِنْ تَلِفَ بِعْضُ الرَّهْن، فَبَاقِيهِ رَهْنٌ بِجَمِيعِ الْحَقِّ) (١٠)؛ لتعلقِ الحقِّ كلِّهِ بجميع أجزاءِ الرهنِ. (وَلَا يَنْفَكُّ مِنْهُ) أي: منَ الرهنِ (شَيءٌ حَتَّى يَقْضِيَ الدَّينَ كُلَّهُ) (١١)؛ لتعلقِ حقِّ الوثيقةِ به، فيصيرُ محبوسًا بكلّ جزءٍ منهُ، ولو ممَّا ينقسمُ إجبارًا (١٢)، أو قضَى أحد الوارثِين حصتَه من دينِ مورِّثِه، فلَا يملكُ أخذَ حصتِه منهُ (١٣). تنبيه: منْ كانَ عليهِ دينٌ، فبعضُ الدينِ عليهِ رهنٌ أو كفيلٌ، وبعضُه من غيرِ

стр. 1145

شيءٍ، فقضَى بعضَ الدينِ الذي عليه، وقعَ القضاءُ عما نواهُ قاضٍ لدينهِ (١)؛ لأنَّ التعيينَ لهُ، فينصرفُ إليه، ويقبلُ قولُه في نيتِهِ (٢)؛ لأنها لا تعلمُ إلا منهُ. وكذا حكمُ من أسقطَ عن مدينِه بعضَ دينِه، فيكونُ عما نواهُ (٣). فإن أطلقَ قاضٍ، أو مسقطٌ، صرفَه إلى أيهِما شاءَ (٤)؛ لملكِه ذلكَ. وإن رُهِنَ رهنٌ عندَ اثنين، فوُفِّي أحدُهما، انفكَّ نصيبُه (٥). وكذَا لو رهنَاه اثنانِ فوفَّاهُ أحدُهما (٦). تتمةٌ: لا يمنعُ الراهنُ من إصلاحِ الرهن، ودفعِ الفسادِ والضررِ عنهُ، من سقيِ شجرٍ، وتلقيح، ومداواةٍ، وفصدٍ، وتشريطٍ (٧)، وبيطرةِ (٨) بهائمٍ (٩). ويمنعُ الراهنُ من قطعِ سلعةٍ (١٠) فيهَا خطرٌ (١١)؛ للخوفِ عليهِ من قطعِها. بخلًافِ ما لو كانَ به أكلةٌ فإنه يُخافُ من تركِها (١٢). ويمنعُ من ختانِه (١٣)، إلا معَ دينٍ مؤجلٍ يبرأُ المختونُ قبلَ حلولِ أجلِه، والزمانُ معتدلٌ لا يُخشَى عليه فيهِ (١٤). ولمرتهنٍ مداواةُ ماشيةٍ

стр. 1146

لمصلحتِه (١). ولهُ الرجوعُ فيما أصرفَه على ذلكَ إن نوى الرجوعَ، وإلا فمتبرعٌ (٢). (وَإِذَا حَلَّ أَجَلُ الدَّينِ) المؤجل، (وَكَانَ (٣) قَدْ شَرَطَ لِلْمُرْتَهِنِ أَنَّهُ إِنْ لَمْ يَأْتِهِ بِحَقِّهِ عِنْدَ الْحُلُولِ) أي: حلولِ الأجل، إن كانَ مؤجلًا، (وَإِلَّا فَـ) ـيكونُ (الرَّهْنُ لَهُ) أي: للمرتهنِ (٤)، (لَمْ يَصِحَّ الشَّرْطُ) (٥)؛ لفسادِه، (بَلْ يَلْزَمُ) المدينَ (الْوَفَاءُ) أي: وفاءُ دينِه، (أَوْ) أنَّ الراهنَ (يَأْذَنُ لِلْمُرْتَهِنِ فِي بَيع الرَّهْن، أَوْ) أنَّ الراهنَ (يَبِيعُهُ هُوَ بِنَفْسِهِ لِيُوَفِّيهِ) منهُ (حَقَّهُ) (٦). (فَإنْ أَبَى) الراهنُ وفاءَ الدين، أو الإذنَ للمرتهنِ في بيعِه، أو أبى أن يبيعَه هوَ بنفسِه، (حَبَسَـ) ـهُ الحاكمُ، (أَوْ عَزَّرَ) هُ على ذلكَ (٧). (فَإِذَا أَصَرَّ) بعدَ الحبسِ والتعزيرِ (بَاعَهُ الحَاكِمُ) قهرًا عليه، ووفَّى ربَّ الدينِ (٨) حقَّهُ من ثمنِهِ (٩). وحكمُ الغائبِ حكمُ الممتنعِ منَ الوفاءِ؛ فيبيعُ الحاكمُ عليهِ الرهنَ، ويوفي منهُ (١٠)؛ لأنَّ لهُ النظرَ في حالِ الغائبِ. كما قطعَ بهِ في "التنقيحِ" (١١). فائدةٌ: لو قالَ مشترٍ: رهنتُكَ عبديَ الذي بيدِكَ بألفٍ، فقالَ: بلْ بعتنِيهِ بها، أو

стр. 1147

قالَ: بعتكَهُ بها، فقالَ: بلْ رهنتَنيهِ بها، حلفَ كلٌّ منهمَا على نفيِ ما ادُّعِيَ … (١)، ويأخذُ راهنٌ رهنَه، … (٢) الألفُ بلا رهنٍ (٣). وإنْ أرسلَ زيدٌ عمرًا برهنٍ؛ ليرهنَه عندَ بكرٍ، فرهنَه على عشرينَ، وأقبضَها لهُ، فأنكرَ زيدٌ - ربُّ الرهنِ - قبضَ العشرينَ، وقالَ: ما أرسلتُه ليرهنَه إلا علَى عشرةٍ؛ فإن صدَّقَ عمروٌ - الرسولُ - بكرًا (٤) على قبضِ العشرينَ، قُبلَ قولُ زيدٍ - الراهنِ - بيمينِه: أنهُ ما أرسلَه إلا ليرهنَه على عشرةٍ، ولم يقبِضْ سواهَا (٥). فإنْ حلفَ برِئ منَ العشرةِ الثانية، ويغرمُها الرسولُ للمرتهِنِ (٦). وإن صدَّقَ عمروٌ - الرسولُ - زيدًا - الراهنَ - حلفَ عمروٌ الرسولُ أنهُ ما رهنَه إلا بعشرةٍ، ولا قبضَ إلا عشرةً (٧). ولا يمينَ على راهنٍ (٨)؛ لأن الدعوَى على غيرِهِ. وبحلفِ عمروٍ برئَا معًا (٩)، وإن نكلَ عمروٌ غرِمَ العشرةَ المختلفَ فيهَا، ولا يرجعُ بها على أحدٍ (١٠). وإن عدمَ الرسولَ أو تعذرَ … (١١) نحوِ أسرٍ أو مرضٍ، حلفَ الراهنُ أنه ما أذنَ لهُ في رهنِه إلا بعشرةٍ، ولا قبضَ أكثرَ منهَا (١٢). ويبقَى الرهنُ بهَا (١٣).

стр. 1148

تتمةٌ: إنْ أذنَ مرتهنٌ لراهنٍ في بيعِ الرهن، فلهُ ثلاثةُ أحوالٍ، أحدُها: أن يأذنَ لهُ في البيعِ بشرطِ أن يجعلَ ثمنَه رهنًا مكانَه لصحةِ (١) البيعِ (٢). الثانِي: الإذنُ في البيعِ بعدَ حلولِ الدين، فيصحُّ البيعُ، ويبطلُ الرهنُ في عينِه، ويصيرُ الثمنُ رهنًا (٣)؛ لأنهُ بدلُ الرهنِ لأخذِ الدينِ الحالِّ منهُ. هان كانَ الرهنُ المذكورُ المبتاعُ على دينٍ حلَّ بعضُه وبقيَ أجلُ بعضه، فمَا بقيَ من ثمنِ الرهنِ بعدَ وفاءِ ما حلَّ رهنٌ على الباقِي المؤجلِ (٤). والثالثُ: إذا كانَ الإذنُ في بيعِ الرهنِ مطلقًا، بأنْ لمْ يكنِ الدينُ حلَّ، ولم يَشترِطْ أن يكونَ ثمنُه رهنًا، فيبطلُ الرهنُ بالبيعِ (٥)؛ لخروجِه من ملكِ الراهنِ بإذنِ المرتهن، ولا يكونُ ثمنُه رهنًا مكانَه (٦)؛ لعدمِ اشتراطِه، ولعدم حلولِ الدينِ. قالَ في "الفروع": "وبدُونِهِما - أي: الحُلول، أو شَرطِ جعلِ ثمنِه رهنًا مكانَهُ - يبطلُ الرهنُ" (٧). ومشَى عليه القاضي (٨)، وقالَ في "الكافِي": "الثانِي: أن يبيعَه - يعني: المرتهِن - قبلَ حلولِ الدينِ بإذنٍ مطلقٍ، فيبطلُ الرهنُ، ويسقطُ حقُّ المرتهنِ منَ الوثيقةِ؛ لأنه تصرفَ في عينِ الرهنِ تصرفًا لَا يستحقُّه المرتهنُ، فأبطلَه؛ كالعتقِ" (٩). وكذا في "المغني" (١٠). وعبارةُ "الإقناع" (١١) توهِمُ بطلانَ البيعِ. قالَ

стр. 1149

شيخُنا: "وليسَ كذلِكَ" (١)؛ لما تقررَ ذكرُه. وإذا رهنَ أرضًا، أو دارًا، أو بستانًا، أو طاحونًا، تبعَه في الرهنِ ما يتبعُ المبيعَ في البيع، من شجرٍ وغيرِه (٢). وما لا يتبعُ في البيعِ فلا يتبعُ في الرهنِ (٣). وإذَا أذنَ الراهنُ للمرتهنِ في بيعِ الرهن، وعيَّنَ له نقدًا، تعينَ (٤)، وإلَّا فيبيعُ بنقدِ البلدِ (٥). فإن كانَ بالبلدِ نقودٌ، باعَ بأغلبِها رواجًا (٦). فإنْ تساوَتْ باعَ بجنسِ الدينِ (٧). فإنْ لم يكنْ في البلدِ جنسُ الدينِ باعَ بما يراهُ أصلحَ (٨). (فَصْلٌ) (وَلِلْمُرْتَهِنِ رُكُوبُ) الدابةِ (الـ) ـمَـ (ـرْهُـ) ـو (نَـ) ـة، (وَ) لهُ (حَلْبُ) الحيوانِ المر (ـهـ) ـون، ولو أمةٍ مرضعة بأنْ يسترضعَ بقدرِ نفقتِها (٩). (بِقَدْرِ نَفَقَتِهِ) (١٠)، نصًّا (١١)، متحريًا للعدلِ (١٢) (بِلَا إِذْنِ الرَّاهِن، وَلَوْ) كانَ (حَاضِرًا) (١٣) لحديثِ أبي هريرةَ: أنَّ النبيَّ ﷺ قالَ: "الظَّهْرُ يُرْكَبُ بِنَفَقَتِهِ إِذَا كَانَ مَرْهُونًا، وَلَبَنُ الدُّرِّ يُشْرَبُ بِنَفَقَتِهِ إِذَا كَانَ مَرْهُونًا، وَعَلَى الَّذِي يَرْكَبُ وَيَشْرَبُ النَّفَقَةُ"

стр. 1150

رواه البخاري (١). فإنْ فضلَ منَ اللبنِ شيءٌ بعدَ النفقة، باعهُ المأذونُ لهُ، من مرتهنٍ أو غيرِه (٢). وإنْ لمْ يؤذنْ فيهِ باعهُ حاكمٌ (٣). وإنْ لمْ يفِ الركوبُ أو اللبنُ بالنفقةِ رجعَ المرتهنُ على الراهنِ بالزائد، إن نوَى الرجوعَ (٤). وإنْ لمْ ينوِ كانَ متبرعًا، [و] (٥) لم يرجعْ بهِ (٦). وأمَّا غيرُ المركوبِ والمحلوب، فلا يجوزُ أن ينفقَ على العبدِ والأمةِ ويستخدمَهما بقدرِ النفقةِ (٧)، إلَّا إذا كانَ بإذنِ المالكِ. (وَلَهُ) أي: للمرتهنِ (الِانْتِفَاعُ بِهِ) أي: بالرهنِ (مَجَّانًا) أي: منْ غيرِ عوضٍ (بِإِذْنِ الرَّاهِنِ) (٨)، وله أيضًا أن يستأجرَه، وأن يستعيرَه منَ الراهن، ولا يخرجُ بذلكَ عنِ الرهنِ (٩)؛ لاستدامةِ القبضِ بيدِه، خلافًا للقاضي (١٠). (لَكِنْ يَصِيرُ) الرهنُ (مَضْمُونًا عَلَيهِ بِالِانْتِفَاعِ)، مجانًا كانَ، أو (١١) بعاريتِه (١٢)؛ لأنَّ

стр. 1151

العاريةَ أيضًا مضمونةٌ. وأما المؤجَّرُ فأمانةٌ، لا يُضمَنُ إلا بالتعدي أو التفريطِ (١)، فإنِ انتفعَ المرتهنُ بالرهنِ بغيرِ إذنِ الراهن، فعليهِ أجرتُه في ذمتِه (٢)؛ كالغاصبِ. فإنْ كانتْ من جنسِ الدين، سقطَ منهُ بقدرِها بالمقاصَّة، بشرطِهَا (٣). وإن تلفَ الرهنُ في هذهِ الحالةِ ضمنَه (٤)؛ لتعديه. (وَمَؤُنَةُ الرَّهْنِ) منْ طعامِه، وكسوتِه، ومسكنِه، وحافظِه، وكفنِه، إذا ماتَ وبقيةُ تجهيزِه بالمعروف، (وَأُجْرَةُ مَخْزَنِهِ) إن كانَ مخزونًا، (وَأُجْرَةُ رَدِّهِ) أي: ردِّ المرهونِ (مِنْ إِبَاقَةِ) الرقيق، (عَلَى مَالِكِهِ) (٥) وكذا أجرةُ سقيِه، وتلقيحُهُ، وزِبارُه - وهو قطعُ الأغصانِ الرديئةِ (٦) - وجذاذُه، ورعيُ ماشيتِه، وثمنُ دوائِه، وأجرةُ مداويه، وخاتنِه (٧)؛ لحديثِ أبي هريرةَ: أنَّ النبيَّ ﷺ قالَ: "لَا يَغْلَقُ الرَّهْنُ مِنْ صَاحِبِهِ الَّذِي رَهَنَهُ، لَهُ غُنْمُهُ وَعَلَيهِ غُرْمُهُ" (٨). رواهُ

стр. 1152

الشافعي (١). فإنِ امتنعَ راهنٌ أجبرَه حاكمٌ (٢). فإنْ لمْ يفعلْ أخذَه حاكمٌ من مالِه (٣). فإنْ لمْ يكنْ لهُ مالٌ، أو كانَ الراهنُ غائبًا، بِيعَ منَ الرهنِ بقدرِ الحاجةِ مما يجبُ عليهِ مِنَ المؤنةِ وغيرِها (٤)، خارجًا عن نحوِ مداواةٍ وختانٍ (٥). فإن خيفَ استغراقُ ثمنِ الرهنِ في الإنفاقِ ونحوِه، بيعَ كلُّهُ، وجُعلَ ثمنُه رهنًا مكانَه (٦). (وَإِنْ أَنْفَقَ المُرْتَهِنُ عَلَى الرَّهْنِ بِلَا إِذْنِ الرَّاهِن، مَعَ قُدْرَتِهِ عَلَى اسْتِئْذَانِهِ)؛ لوجودِه ونحوِه (فَمُتَبَرِّعٌ) به، ولو نوى الرجوعَ فيهِ (٧)، لتفريطِه في ذلكَ. وإنْ عجزَ عنِ استئذانِه؛ لتعذُّرِه من نحوِ غَيبةٍ، رجعَ المرتهنُ بما قامَ عنهُ منْ إنفاقِ الواجبِ بالأقلِّ مما أنفقَ من نفقةِ مثلِه، كما لو كانَ نفقةُ المثلِ خمسةً، فأنفقَ أربعةً، رجعَ بالأربعة، إن نوَى الرجوعَ، وإلا فمتبرعٌ (٨). ولو أنفقَ ستةً، وكانت نفقةُ المثلِ خمسةً، فليسَ لهُ الرجوعُ إلا بالخمسة، إن نوى الرجوعَ، وإلا فمتبرعٌ، والواحدُ الزائدُ تبرعٌ. ولا يشترطُ استئذانُ حاكم لتعذرِ استئذانِ مالكٍ (٩)، ولا إشهادٌ عليهِ بنيةِ الرجوع، … (١٠) قوله في نيةِ الرجوع (١١).

стр. 1153

فرعٌ: وكذَا حكمُ النفقةِ على وديعةٍ، وعاريةٍ، وجِمالٍ، وبغالٍ، وحميرٍ، إذا ذهبَ صاحبُها وتركَها في يد مُكتَرٍ، وأنفقَ عليهَا، يرجعُ إذا كانَ بنيةِ الرجوع، وإلا فمتبرعٌ (١). فإن عمَّرَ المرتهنُ ما انهدمَ من دارٍ مرهونةٍ بغيرِ إذنِ الراهن، ولو لتعذرِه، لمْ يرجعْ على الراهنِ به، ولو نوَى الرجوعَ (٢). لكن لهُ أن يأخذَ أعيانَ آلتِه التي بناهَا (٣)؛ لأنها عينُ مالِه، ولم تخرجْ عن ملكِه. وكذا مستأجرٌ، ومستعيرٌ ووديعٌ (٤). فرعٌ: للمرتهنِ بيعُ رهنٍ جهلَ ربَّه إن أَيِسَ من معرفتِه، وتصدقَ بثمنِه، بشرطِ ضمانِه لربِّه أو لورثتِه (٥). إذا عرفَهم خيرَهُم بينَ الإجزاء، أو يغرمُ لهمْ (٦). قالَ في "الاختياراتِ": "ولَيسَ لصاحبِه - إذا عُرِفَ - ردُّ المعَاوضَةِ؛ لثبوتِ الوِلَايةِ علَيهَا شرعًا" انتهى (٧). وظاهرُ كلامِه: بيعُه، ولو بلا إذنٍ. وهوَ مقتضَى كلامِ الحارثِ (٨) (٩)، وقدمَ في الرعايةِ الكبرى: ليسَ لهُ بيعُه بلا إذنِ

стр. 1154

حاكمٍ (١). ولَا يستوفِي المرتهنُ حقَّهُ من ثمنِ الرهنِ المبتاعِ (٢)، نصًّا (٣). وظاهرُه: ولو عجزَ عن إذنِ الحاكمِ (٤). وهوَ أحدُ وجهَينِ أطلقَهما في "الفروعِ" (٥). قالَ في تصحيحِ الفروعِ: "والصَّوابُ: أنَّ الحاكمَ إذا عُدمَ يجوزُ له أخذُ قدرِ حقِّه من ثمنِه" (٦). وعنِ الإمامِ: بلى، أي: لهُ أخذُ حقِّه من ثمنِه (٧). ولو باعَها الحاكمُ ووفَّاه جازَ (٨). وكذا حكمُ غصوبٍ وعوارٍ ونحوِها، بقيَت في يدِ من هيَ بيدِه، إذا أيِسَ أربابَها، فيدفعُها للحاكم، أو يبيعُها، ويتصدقُ بثمنِها، بشرطِ ضمانِها لأربابِها (٩). تتمة: إن جنَى قنٌّ مرهون، تعلقَ الأرشُ برقبتِه (١٠). فإن استغرقَه خُيِّرَ سيدُه بينَ فدائِه بالأقلِّ منَ الأرش، أو من قيمتِه (١١). وإن لم يستغرقْ أرشُ الجنايةِ رقبةَ القنِّ

стр. 1155

بِيعَ منهُ بقدرِه، وباقيهِ رهنٌ (١). فإن تعذرَ بَيعُ بعضِه بيعَ كلُّه، ودُفعَ منه أرشُ الجناية، وما بقي رهنٌ (٢). وإن فداهُ مرتهنٌ بإذنِ راهنٍ (رجعَ) (٣) إن نوَى الرجوعَ على الراهنِ (٤). (فَصْلٌ) (مَنْ قَبَضَ الْعَينَ لِحَظِّ نَفْسِه، كَمُرْتَهِنٍ) قبضَ عينَ الرهن، (وَأَجِيرٍ)، كخياطٍ، وحَيَّاكٍ، ونحوِهما، قبضَ العينَ للخياطة، أو الحياكة، (وَمُسْتَأْجِرٍ) قبضَ العينَ المؤجرةَ، (وَمُشْتَرٍ) قبضَ العينَ المبتاعةَ، (وَبَائِعٍ) قبضَ عينَ الثمن، (وَغَاصِبٍ) قبضَ العينَ المغصوبةَ، (وَمُلْتَقِطٍ) قبضَ عينَ اللقطة، (وَمُقْتَرِضٍ) قبضَ عينَ القرض، (وَمُضَارِبٍ) قبضَ شركةَ المضاربة، (وَادَّعَى) قابضُ العينِ ممنْ ذُكرَ (الرَّدَّ) أي: ردَّ الَعينِ (لِلْمَالِكِ) العينِ (٥). (فَأَنْكَرَ) المالكُ ردَّ (هَـ) ـا، أي: ردَّ العينِ المقبوضة، (لَمْ يُقْبَلْ) في ذلكَ (قَوْلُهُ) أي: قولُ مدعِي الردِّ. (إِلَّا) إذا كانَ بإقامةِ (بَيِّنَةٍ) في ردِّهَا. (وَكَذَا) لَا يُقبلُ قولُ (مُوْدَعٍ) في ردِّ وديعةٍ، (وَ) لَا قولُ (وَكِيلٍ) في ردِّ ما قبضَه بطريقِ وكالةٍ، (وَ) لا قولُ (وَصِيٍّ) فيما ردَّهُ بطريقِ وصايةٍ، إلا ببينةٍ. (وَ) كذا لا يقبلُ قولُ

стр. 1156

(دَلَّالٍ) إذا كانَ (بِجُعْلٍ إذَا ادَّعَى الرَّدَّ) لما قبضَهُ. (وَ) إذا كانَ الدلالُ (بِلَا جُعْلٍ، قُبِلَ قَوْلُهُ بِيَمِينِهِ) (١)؛ لأنهُ أمينٌ. * * *

стр. 1157

(بَابُ الضَّمَانِ وَالْكَفَالَةِ) الضمانُ مشتقٌ من الضمِّ (١). ورُدَّ: بأنَّ لامَ الكلمةِ في الضمِّ ميمٌ، وفي الضمانِ نونٌ. وأجيبَ: بأنهُ من الاشتقاقِ الأكبرِ (٢)، وهو المشاركةُ في أكثرِ الأصول، معَ ملاحظةِ المعنَى. وقالَ القاضي: "مشتقٌ منَ التَّضمِينِ؛ لأنَّ ذمةَ الضامنِ تتضمنُ الحقَّ" (٣). وقالَ ابن عقيل: "منَ الضِّمْن، فذمَّةُ الضامنِ في ضمنِ ذمةِ المضمونِ عنهُ؛ لأنهُ زيادةٌ وثيقةٌ" (٤). وهو جائزٌ إجماعًا (٥)؛ لقولِه تعالى: ﴿وَلِمَنْ جَاءَ بِهِ حِمْلُ بَعِيرٍ وَأَنَا بِهِ زَعِيمٌ﴾ [يوسف: ٧٢]. قالَ ابنُ عباسٍ: "الزعيمُ: الكفيلُ" (٦)

стр. 1158

ولقولِه ﵊: "الزَّعِيمُ غَارِمٌ" رواهُ الترمذي (١). وشرعًا: "التِزامُ مَن يصِحُّ تبرعُهُ، ولَو مفلسٌ (٢) "؛ لالتزامِه في ذمتِهِ؛ لأنَّ الحجرَ عليهِ في مالِه، "أو قنٌّ، أو مكاتبٌ بإذنِ سيدِهمَا" (٣)؛ لأنَّ الحجرَ عليهما لحقِّه، فبإذنِه ينفكُّ الحجرُ؛ كسائرِ تصرفاتِهما. ويؤخذُ ما ضمنَه قنٌّ بإذنِ سيدِه من سيدِه (٤)؛ لتعلقِه بذمتِه. والالتزامُ بـ"ما يجبُ على آخرَ" - من ثمنٍ، وقرضٍ، وقيمةِ متلفٍ - (٥)، "معَ بقاءِ ما وجبَ على مضمونٍ عنهُ" (٦)، فلا يسقطُ ذلكَ عنهُ بالضمانِ (٧)؛ لحديثِ: "نَفْسُ المُؤْمِنِ مُعَلَّقَةٌ بِدَينِهِ حَتَّى يُقْضَى عَنْهُ" (٨)، وقولِه في حديثِ أبِي قتادةَ: "الْآنَ بَرَّدْتَ جِلْدَتُهُ" حينَ أخبرَه بقضاءِ دينِ صاحبِه (٩). ومَا ضمنَه مريضٌ في مرضِ موتٍ

стр. 1159

مخوفٍ أُخِذَ من ثلثِه (١). (يَصِحَّانِ) أي: الضمانُ والكفالةُ (تَنْجِيزًا) أي: منجزًا فِي الحالِ (٢). (وَ) يصحانِ (تَعْلِيقًا) أي: معلَّقًا على شيءٍ، كأنَا كفيلٌ عندَ قدومِ الحاجِّ (٣). (وَ) يصحانِ (تَوْقِيتًا) أي: مؤقتًا، كأنا كفيلٌ بدينِه شهرًا، ونحوَه (٤). ويبرأُ كفيلٌ إن لمْ يطالبْه بإحضارِه فيهِ (٥). (مِمَّنْ) متعلقٌ بـ"يصِحَّان" (يَصِحُّ تَبُرُّعُهُ) أي: المكلفُ الذي هوَ جائزُ التصرفِ (٦)، فلا يصحُّ من صغيرٍ، ولا مجنونٍ، ولا سفيهٍ (٧). وإن ادعَى ضامنٌ صِغَرًا، أو جنونًا، [أو سفَهًا]، ونحوَه حالَ الضمان، وأنكرَه المضمونُ لهُ قُبِلَ قولُ المنكرِ (٨)؛ لأنهُ يدعِي سلامةَ العقدِ. ويحصلُ الالتزامُ بلفظِ: أنا ضمينٌ، وكفيلٌ، وقَبيلٌ، وحَميلٌ، وصَبيرٌ، وزَعِيمٌ (٩)، وبلفظِ: ضمنْتُ دينَكَ، أو تحملتُهُ، أو عندي أَو عليَّ ما لَكَ عندَه (١٠). وكبِعْهُ، أو زوِّجْهُ، وعليَّ الثمنُ أو المهرُ (١١). ومن قالَ لآخرَ: اضمَنْ، أو اكفَل عن

стр. 1160

فلانٍ، ففعلَ، لزمَ المباشرَ دونَ الَامرِ (١). ويصحُّ ضمانُ الأخرسِ بإشارةٍ مفهومةٍ (٢). ولا يثبتُ ضمانُ الأخرسِ بكتابتِه منفردةً عنْ إشارتِه المفهومةِ في خصوصِ ذلكَ (٣). ومَن لا تُفهمُ إشارتُه فلا يصحُّ ضمانُه، وفِي حكمِ الضمانِ سائرُ تصرفاتِه، فلا يصحُّ إلا بإشارةٍ مفهومةٍ منهُ (٤). ولا يعتبرُ لصحةِ الضمانِ رضا المضمونِ لهُ (٥)؛ لأنَّ أبَا قتادةَ ضمنَ الميتَ بغيرِ رضَا المضمونِ لهُ، وأقرهُ الشارعُ ﷺ . ولا يعتبرُ أيضًا رضَا المضمونِ عنهُ (٦)؛ لحديثِ أبي قتادةَ، ولأنهُ لو قضَى الدينَ عنهُ بغيرِ إذنِه ولا رضَاهُ صحَّ، فكذَا إذا ضمنَ عنهُ. ولَا يعتبرُ أيضًا للضامِن أن يعرفَ المضمونَ لهُ، والمضمونَ عنهُ (٧)؛ لأنهُ لا يعتبرُ رضاهُما، فكذَا معرفتُهما. ولا يعتبرُ أيضًا كونُ الحقِّ معلومًا للضامنِ (٨)، ولا كونُه واجبًا، حيثُ يكونُ مآلُه إلى العلمِ والوجوب، فيصحُّ مَا لم يجبْ إذا آلَ إلى الوجوبِ (٩)؛ لقولِه تعالى: ﴿وَلِمَنْ جَاءَ بِهِ حِمْلُ بَعِيرٍ وَأَنَا بِهِ زَعِيمٌ﴾ [يوسف: ٧٢]، فدلتِ الآيةُ على ضمانِ حِملِ البعير، معَ أنهُ لم يكنْ وجبَ؛ فيصحُّ إنْ قالَ: ضمنتُ لكَ ما تداينُه، وما تقومُ عليهِ البينةُ، وما يتعينُ عليهِ (١٠) - وهذهِ منَ الأمثلةِ المجهولةِ -. ومنهُ: ضمانُ ما يلزمُ التجارَ في الأسواق، من دينٍ، وما يقبضُه من عينٍ مضمونةٍ (١١). واختارَ شيخُ الإسلامِ ابنُ تيميةَ صحةَ
следующие страницы →