← Фикх ханбали

Фикх ханбали · id 30058

مسلك الراغب لشرح دليل الطالب - ت الهزاني وإدريس

إبراهيم العوفي الصالحي

Полный текст (1 279 стр.). Показаны 1156–1195 · переход к 1161.

стр. 1156

(دَلَّالٍ) إذا كانَ (بِجُعْلٍ إذَا ادَّعَى الرَّدَّ) لما قبضَهُ. (وَ) إذا كانَ الدلالُ (بِلَا جُعْلٍ، قُبِلَ قَوْلُهُ بِيَمِينِهِ) (١)؛ لأنهُ أمينٌ. * * *

стр. 1157

(بَابُ الضَّمَانِ وَالْكَفَالَةِ) الضمانُ مشتقٌ من الضمِّ (١). ورُدَّ: بأنَّ لامَ الكلمةِ في الضمِّ ميمٌ، وفي الضمانِ نونٌ. وأجيبَ: بأنهُ من الاشتقاقِ الأكبرِ (٢)، وهو المشاركةُ في أكثرِ الأصول، معَ ملاحظةِ المعنَى. وقالَ القاضي: "مشتقٌ منَ التَّضمِينِ؛ لأنَّ ذمةَ الضامنِ تتضمنُ الحقَّ" (٣). وقالَ ابن عقيل: "منَ الضِّمْن، فذمَّةُ الضامنِ في ضمنِ ذمةِ المضمونِ عنهُ؛ لأنهُ زيادةٌ وثيقةٌ" (٤). وهو جائزٌ إجماعًا (٥)؛ لقولِه تعالى: ﴿وَلِمَنْ جَاءَ بِهِ حِمْلُ بَعِيرٍ وَأَنَا بِهِ زَعِيمٌ﴾ [يوسف: ٧٢]. قالَ ابنُ عباسٍ: "الزعيمُ: الكفيلُ" (٦)

стр. 1158

ولقولِه ﵊: "الزَّعِيمُ غَارِمٌ" رواهُ الترمذي (١). وشرعًا: "التِزامُ مَن يصِحُّ تبرعُهُ، ولَو مفلسٌ (٢) "؛ لالتزامِه في ذمتِهِ؛ لأنَّ الحجرَ عليهِ في مالِه، "أو قنٌّ، أو مكاتبٌ بإذنِ سيدِهمَا" (٣)؛ لأنَّ الحجرَ عليهما لحقِّه، فبإذنِه ينفكُّ الحجرُ؛ كسائرِ تصرفاتِهما. ويؤخذُ ما ضمنَه قنٌّ بإذنِ سيدِه من سيدِه (٤)؛ لتعلقِه بذمتِه. والالتزامُ بـ"ما يجبُ على آخرَ" - من ثمنٍ، وقرضٍ، وقيمةِ متلفٍ - (٥)، "معَ بقاءِ ما وجبَ على مضمونٍ عنهُ" (٦)، فلا يسقطُ ذلكَ عنهُ بالضمانِ (٧)؛ لحديثِ: "نَفْسُ المُؤْمِنِ مُعَلَّقَةٌ بِدَينِهِ حَتَّى يُقْضَى عَنْهُ" (٨)، وقولِه في حديثِ أبِي قتادةَ: "الْآنَ بَرَّدْتَ جِلْدَتُهُ" حينَ أخبرَه بقضاءِ دينِ صاحبِه (٩). ومَا ضمنَه مريضٌ في مرضِ موتٍ

стр. 1159

مخوفٍ أُخِذَ من ثلثِه (١). (يَصِحَّانِ) أي: الضمانُ والكفالةُ (تَنْجِيزًا) أي: منجزًا فِي الحالِ (٢). (وَ) يصحانِ (تَعْلِيقًا) أي: معلَّقًا على شيءٍ، كأنَا كفيلٌ عندَ قدومِ الحاجِّ (٣). (وَ) يصحانِ (تَوْقِيتًا) أي: مؤقتًا، كأنا كفيلٌ بدينِه شهرًا، ونحوَه (٤). ويبرأُ كفيلٌ إن لمْ يطالبْه بإحضارِه فيهِ (٥). (مِمَّنْ) متعلقٌ بـ"يصِحَّان" (يَصِحُّ تَبُرُّعُهُ) أي: المكلفُ الذي هوَ جائزُ التصرفِ (٦)، فلا يصحُّ من صغيرٍ، ولا مجنونٍ، ولا سفيهٍ (٧). وإن ادعَى ضامنٌ صِغَرًا، أو جنونًا، [أو سفَهًا]، ونحوَه حالَ الضمان، وأنكرَه المضمونُ لهُ قُبِلَ قولُ المنكرِ (٨)؛ لأنهُ يدعِي سلامةَ العقدِ. ويحصلُ الالتزامُ بلفظِ: أنا ضمينٌ، وكفيلٌ، وقَبيلٌ، وحَميلٌ، وصَبيرٌ، وزَعِيمٌ (٩)، وبلفظِ: ضمنْتُ دينَكَ، أو تحملتُهُ، أو عندي أَو عليَّ ما لَكَ عندَه (١٠). وكبِعْهُ، أو زوِّجْهُ، وعليَّ الثمنُ أو المهرُ (١١). ومن قالَ لآخرَ: اضمَنْ، أو اكفَل عن

стр. 1160

فلانٍ، ففعلَ، لزمَ المباشرَ دونَ الَامرِ (١). ويصحُّ ضمانُ الأخرسِ بإشارةٍ مفهومةٍ (٢). ولا يثبتُ ضمانُ الأخرسِ بكتابتِه منفردةً عنْ إشارتِه المفهومةِ في خصوصِ ذلكَ (٣). ومَن لا تُفهمُ إشارتُه فلا يصحُّ ضمانُه، وفِي حكمِ الضمانِ سائرُ تصرفاتِه، فلا يصحُّ إلا بإشارةٍ مفهومةٍ منهُ (٤). ولا يعتبرُ لصحةِ الضمانِ رضا المضمونِ لهُ (٥)؛ لأنَّ أبَا قتادةَ ضمنَ الميتَ بغيرِ رضَا المضمونِ لهُ، وأقرهُ الشارعُ ﷺ . ولا يعتبرُ أيضًا رضَا المضمونِ عنهُ (٦)؛ لحديثِ أبي قتادةَ، ولأنهُ لو قضَى الدينَ عنهُ بغيرِ إذنِه ولا رضَاهُ صحَّ، فكذَا إذا ضمنَ عنهُ. ولَا يعتبرُ أيضًا للضامِن أن يعرفَ المضمونَ لهُ، والمضمونَ عنهُ (٧)؛ لأنهُ لا يعتبرُ رضاهُما، فكذَا معرفتُهما. ولا يعتبرُ أيضًا كونُ الحقِّ معلومًا للضامنِ (٨)، ولا كونُه واجبًا، حيثُ يكونُ مآلُه إلى العلمِ والوجوب، فيصحُّ مَا لم يجبْ إذا آلَ إلى الوجوبِ (٩)؛ لقولِه تعالى: ﴿وَلِمَنْ جَاءَ بِهِ حِمْلُ بَعِيرٍ وَأَنَا بِهِ زَعِيمٌ﴾ [يوسف: ٧٢]، فدلتِ الآيةُ على ضمانِ حِملِ البعير، معَ أنهُ لم يكنْ وجبَ؛ فيصحُّ إنْ قالَ: ضمنتُ لكَ ما تداينُه، وما تقومُ عليهِ البينةُ، وما يتعينُ عليهِ (١٠) - وهذهِ منَ الأمثلةِ المجهولةِ -. ومنهُ: ضمانُ ما يلزمُ التجارَ في الأسواق، من دينٍ، وما يقبضُه من عينٍ مضمونةٍ (١١). واختارَ شيخُ الإسلامِ ابنُ تيميةَ صحةَ

стр. 1161

ضمانِ حارسٍ، ونحوِه (١). ويصحُّ ضمانُ تجارِ حربٍ في بلدٍ كانُوا أو فِي بحرٍ (٢). قالَ الإمامُ أحمد (٣): "الطائفةُ الممتنعةُ منْ أهلِ الحربِ التِي ينصُرُ بعضُهَا بَعضًا تجرِي مجرَى الشخصِ الواحِدِ في معَاهدِتِهم. وإذَا شُورِطُوا عَلى أن تجارَهُم يدخُلونَ دارَ الإسْلامِ بشرطِ أنْ لا يأخذُوا للمُسلِمينَ شيئًا، وما أخذُوه كانُوا ضامِنينَ لهُ، والمضمونُ يؤخذُ مِن أموالِ التجارِ جازَ ذلكَ، ويجبُ على وليِّ الأمرِ إذَا أخذُوا مالًا للتجارِ المسلمِينَ أن يطَالبَهم بما ضمنُوه ويحبسَهُم على ذلكَ؛ كالحقوقِ الواجبةِ" (٤). (وَلرَبِّ الْحَقِّ مُطَالَبَةُ الضَّامِنِ وَالمَضْمُونِ مَعًا)؛ لثبوتِ الحقِّ في ذمتِهِما (٥). (أَوْ) لهُ مطالبةُ (أَيِّهِمَا شَاءَ) مِن ضامنٍ، أو مضمونٍ عنهُ (٦)؛ لحديثِ: "الزَّعِيمُ غَارِمٌ" رواهُ أبُو داودَ (٧). ولصاحبِ الدينِ مطالبتُهما فِي الحياةِ والموتِ (٨). فإنْ قيلَ: الشيءُ الواحدُ لا يشغلُ محلَّين؟ أجيبَ: بأنَّ اشتغالَه على سبيلِ التعلقِ والاستيثاقِ؛ كتعلقِ دينِ الرهنِ بهِ وبذمةِ الراهنِ. ولا يحلُّ دينٌ مؤجلٌ بموتِ مضمونٍ عنهُ، ولا بموتِ ضامنٍ (٩). وليسَ لربِّ الدينِ مطالبتُه بذلكَ إلا بعدَ حلولِ الأجلِ (١٠). (لَكِنْ) استدراكٌ من قولِهِ: "يصحان توقيتًا" (لَوْ ضَمِنَ) الضامنُ (دَينًا) حَالًّا إِلَى أَجَلٍ مَعْلُومٍ)، كأَن ضمنَ الدينَ الحالَّ إلى شهرٍ ونحوِه، وكذَا لو كانَ الدينُ مؤجلًا

стр. 1162

إلى شهرٍ، فضمنَه إلى شهرين، (صَحَّ) الضمانُ (١). (وَلَمْ) يكنْ لربِّ الدينِ أنْ (يُطَالِبَ الضَّامِنَ قَبْلَ مُضِيِّهِ) أي: مضيِّ الأجلِ المعلومِ الذي أجَّلهُ الضامنُ (٢)؛ لما رواهُ ابنُ ماجه عنِ ابنِ عباس مرفوعًا (٣). ولصاحبِ الدينِ مطالبةُ المديونِ في الحالِّ (٤)، دونَ الضامنِ الذي ضمِنَ بالتأجيلِ. ويصحُّ الضمانُ في بعضِ الدينِ (٥)، كما لو كانَ الدينُ عشرةً، فضمنَ خمسةً، فيطالبُ الضامنُ بالخمسةِ (٦). وإنْ ضمنَ الدينَ المؤجلَ حالًا لمْ يلزمْهُ أداؤُه قبلَ حلولِ أجلِه (٧)؛ لأنهُ فرعُ المضمونِ عنهُ، فلا يلزمْه ما لا يلزمُ المضمونَ عنهُ، كما أنَّ المضمونَ لو ألزمَ نفسَه بتعجيلِ المؤجلِ لم يلزمْهُ تعجيلُه. وإنْ عجلَه ضامنٌ لم يرجعْ علَى المضمونِ قبلَ حلولِ الأجلِ (٨). (وَيَصِحُّ ضَمَانُ) العهدة، وهوَ ضمانُ (عُهْدَةِ الثَّمَنِ وَالمُثْمَنِ) (٩). وألفاظُ ضمانِ العهدةِ: ضمنتُ عهدتَه، أو ثمنَه، أو دَرَكَهُ، أو يقولُ الضامنُ للمشتري:

стр. 1163

ضمنتُ خلاصَكَ منهُ، أو متى خرجَ المبيعُ مستحقًّا فقَد ضمنتُ لكَ الثمنَ (١). وعُهدةُ المبيعِ لغة: الصكُّ، يكتبُ فيه الابتياعُ (٢). واصطلاحًا (٣): "ضمانُ الثمنِ عن بائعٍ لمشترٍ"؛ بأنْ يضمنَ ضامنٌ عنِ البائعِ الثمنَ - ولو قبلَ قبضِه؛ لأنهُ يؤولُ إلى الوجوب -، إن ظهرَ المبيعُ مستحَقًا لغيرِ بائعٍ، أو رُدَّ المبيعُ على بائعٍ بعيبٍ، أو غيرِه، أَو يضمنُ أَرشَهُ إن اختارَ مشترٍ إمساكًا معَ عيبٍ. وضمانُ المثمنِ بأنْ يضمنَ المثمنَ عنِ المشتري لبائعٍ، إن ظهرَ الثمنُ مستحَقًا لغيرِ مشترٍ، أو رُدَّ الثمنُ بعيبٍ، أو يضمنُ أَرشَه إن اختارَه بائعٌ. فضمانُ العهدةِ للمشترِي والبائعِ في الموضعَين هو ضمانُ الثمنِ أو جزءٍ منه لأحدِهما عنِ الآخرِ (٤). ولو بنَى مشترٍ بناءً في مبيعٍ، فبانَ المبيعُ مستحَقًا للغير، فالأنقاضُ للمشتري (٥)؛ لجريانِها في ملكِه. ويرجعُ بقيمةِ تالفٍ من ثمنِ جَصٍّ، وطينٍ، ورمادٍ، وأجرةِ بَنَّاءِينَ، ونحوِهمْ علَى بائعٍ (٦)؛ لأنه غرَّه، وكذَا أجرةُ مبيعٍ مدةَ وضعِ يدِ مشترٍ (٧). ويدخلُ في ذلكَ (٨) ضمانُ العهدةُ، فيرجعُ مشترٍ بذلكَ على ضامنِها (٩)؛ لأنه من دَركِ المبيعِ. (وَ) يصحُّ ضمانُ عينٍ مضمونةٍ، كَـ (ـالمَقْبُوضِ

стр. 1164

عَلَى وَجْهِ السَّوْمِ) للبيعِ ليريَه أهلَه، سواءٌ قطعَ ثمنَه أو لَا (١). وكذَا ولدُه (٢)؛ لأنهُ يتبعُه في الضمانِ. وإنْ أخذَه ليريَه أهلَه، بلَا مساومةٍ ولا قطع ثمنٍ، فغيرُ مضمونٍ (٣). والمقبوضُ على وجهِ السومِ في حكمِ المقبوضِ بعقدٍ فاسدٍ؛ لأنهُ قبضه على وجهِ البدلِ والعوضِ. لكنْ في الإجارةِ ينبغِي ضمانُ المنفعة، لا العينِ (٤). (وَ) مِن ضمانِ (الْـ) ـأَ (عْيَـ) ـا (نِ المَضْمُونَة، كَالْغَصْبِ وَالْعَارِيَةِ) (٥)؛ لأنَّ هذِه الأعيانَ يضمنُها مَن هي بيدِه لو تلفَتْ، فصحَّ ضمانُها؛ كعُهدةِ المبيعِ. ولا ضمانَ على مَن أخذَه ليريَه أهلَه بلا مساومةٍ ولا قطعِ ثمنٍ (٦)؛ لأنه لا سَومَ فيه، فلا يصحُّ ضمانُه. ومعنى ضمانِ غصب ونحوِه: ضمانُ استنقاذِه، والتزامُ تحصيلِه، أو قيمتِه، عند تلفِه، فهو كعهدة المبيعِ (٧). (وَلَا يَصِحُّ ضَمَانُ غَيرِ) العينِ (المَضْمُونَةِ) منْ أعيانِ الأمانات (٨)، (كَالْوَدِيعَة، وَنَحْوِهَا)، كالعينِ المؤجرة، ومالِ الشركة، والمضاربة، والعينِ المدفوعةِ إلى الخياط، أو إِلى القصَّار، وعينٍ أو ثمنٍ بيدِ وكيلٍ في بيعٍ أو شراءٍ (٩)؛ لأنَّها غيرُ مضمونةٍ على صاحبِ اليد، فكذَا على ضامنِه، إلَّا أن يضمنَ التعدِّي فيهَا

стр. 1165

فيصحُّ ضمانُها (١)؛ كالغصبِ. فعلَى هذا: لا يصحُّ ضمانُ الدلَّالِينَ فيما يُعطَونه لبيعِه، إلا أن يضمنَ تعدِّيهم فيه، أو هربِهم به، ونحوِه، فيصحُّ. (وَلَا) يصحُّ ضمانُ (دَينِ الْكِتَابَةِ) (٢)؛ لأنهُ لا يؤولُ للوجوبِ. (وَلَا) يصحُّ ضمانُ (بَعْضِ دَينٍ لَمْ يُقَدَّرْ) (٣) لجهالتِه حالًا ومآلًا، ولَا يصحُّ ضمانُ، ولا كفالةُ جزيةِ مَن هيَ عليه، ولو بعدَ وجوبِها بتمام الحولِ (٤)؛ لفواتِ صغارِ المضمونِ عنه. وإن شُرِطَ خيارٌ في ضمانٍ أو كفالةٍ فَسدَا (٥)؛ بمنافاتِه لهما. فرعٌ: وإنْ قالَ جائزُ التصرفِ لآخرَ: ألْقِ متاعَك فِي البحر، أو فِي النار، ونحوِه، وعلَيَّ ضمانُه، صحَّ، وضمنَه (٦). ويجبُ إلقاءُ متاعٍ بسفينةٍ أو مكانِ حرقٍ ونحوِه إن خِيفَ تلفُ معصومٍ بسببِه (٧). فإن ألقَى بعضُهم متاعَه في البحرِ لتخِفَّ السفينةُ، لم يرجِعْ به على أحدٍ (٨). وكذَا لو قالَ إنسانٌ لآخرَ: ألقِ متاعَكَ، فألقاهُ، لم يرجعْ عليهِ (٩)؛ لأنه لم يُكرِهْهُ على ذلكَ، ولا ضمنَه لَهُ. وإن ألقَى متاعَ غيرِه بغيرِ إذنِ ربِّه منَ السفينةِ ليخفِفَها، ضمنَه (١٠). وإن سقطَ عليهِ متاعُ غيرِه فخشيَ أن يهلكَه، فدفعَه، فوقعَ في الماءِ ونحوِه لم يضمنْه (١١). (وَإِنْ قَضَى الضَّامِنُ مَا عَلَى المَدِينِ) منَ الدين، أو أحالَ الضامنُ ربَّ الدينِ (وَنَوَى الرُّجُوعَ عَلَيهِ) أي: على المدينِ بما دفعهُ لربِّ الدين، (رَجَعَ) بهِ عليه، بالأقلِّ مما قضاهُ الضامنُ (١٢). ولو كانَ ما قضاهُ قيمةَ عرضٍ عوضهُ الضامنُ لربِّ

стр. 1166

الدين، كما لو كانَ الدينُ عشرةً، فوفَّاهُ ثمانيةً، أو عوَّضهُ عنهُ عرضًا قيمتُه ثمانيةً، ونحوَ ذلكَ، أو بالعكس، رجعَ بالثمانيةِ فقطْ (١)؛ لأنه لا يرجعُ إلا بما غرمَه في الأقلِّ أو قيمةِ العرَضِ. والزائدُ لا يرجعُ به عليهِ؛ لأنه متبرع بشيءٍ لم يكنْ بذمةِ المضمونِ. (وَلَوْ لَمْ يَأْذَنْ لَهُ المَدِينُ) أي: المضمونُ عنهُ (فِي الضَّمَانِ وَالْقَضَاءِ) (٢). ومنْ لمْ ينْوِ رجوعًا حالَ القضاء، فمتبرعٌ ليسَ لهُ الرجوعُ ولا المطالبةُ بهِ (٣). (وَكَذَا) في الرجوعِ وعدمِه (كُلُّ مَنْ أَدَّى) مِن كفيلٍ، ومؤدٍّ، (عَنْ غَيرِهِ دَينًا وَاجِبًا)، فيرجعُ إنْ نوى الرجوعَ، وإلَّا فلَا (٤). ولا يرجعُ من أدَّى (٥) عن غيرِه زكاةً، أو كفارةً (٦)؛ لافتقارِ النيةِ ممَّنْ هي عليهِ. وإِن ضمنَ الضامنُ آخرَ فلضامنِ الضامنِ أن يرجعَ على ضامنِ الأصل، وضَامنُ الأصلِ يرجعُ على الأصيلِ المضمونِ عنهُ (٧). (وَإِنْ بَرِئَ المَدْيُونُ) بوفاءٍ، أو إبراءٍ، أو حوالةٍ، (بَرِئَ ضَامِنُهُ) - ضامنًا واحدًا كانَ، أو أكثرَ - من مبلغِ الضمانِ (٨). (وَلَا عَكْسَ) أي: لا يبرأُ مضمونٌ ببراءةِ ضامنِه (٩)؛ لعدمِ تبعيتِه لهُ. وإن تعددَ ضامنٌ لم يبرأْ أحدُهم بإبراءِ غيرِه، سواءٌ ضمنَ كلُّ واحدٍ منهم جميعَ الدَّين، أو جزءًا منهُ (١٠). ولو ضمنَ ذميُّ لذميٍّ عن ذميٍّ خمرًا، فأسلمَ مضمونٌ لهُ، أو أسلمَ مضمونٌ عنهُ، برئَ، وكذا الضامنُ (١١)؛ لأنَّ

стр. 1167

المضمونَ لهُ ليسَ لهُ مطالبتُه بالخمر، ولا المضمونُ عنهُ يطالبُ به، ولَا الضامنُ. وإنْ أسلمَ ضامنٌ برئَ وحدَه (١)؛ لأنه تبعٌ، فلا يبرأُ الأصيلُ ببراءتِهِ. ولا يصحُّ أنَّ أحدَ الضامنَينِ يضمنُ الآخرَ (٢)؛ لثبوتِ الحقِّ في ذمتِهِ بضمانِه الأصلَ، فهو أصلٌ، فلا يصحُّ أن يصيرَ فرعًا. بخلافِ الكفالةِ فيصحُّ (٣)؛ لأنها ببدنِه، لا بما في ذمتِه. (وَلَوْ ضَمِنَ اثْنَانِ وَاحِدًا) عليهِ دينٌ لآخرَ، (وَقَالَ كُلُّ) واحدٍ من الضامنَينِ: (ضَمِنْتُ لَكَ الدَّينَ، كَانَ لِرَبِّهِ) أي: ربِّ الدينِ المضمونِ لهُ (طَلَبُ كُلِّ وَاحِدٍ) منهُما، أو هما معًا، أو هما، والمديونِ معًا (بالدَّينِ كُلِّهِ) (٤)؛ لأنَّ ضمانَ كلِّ واحدٍ منهُما بالدينِ صادقٌ بجميعِه. (وَإِنْ قَالَا) الضامنانِ: (ضَمِنَّا لَكَ الدَّينَ، فَـ) ـيكونُ (بَينَهُمَا بِالْحِصَصِ) (٥) فإنْ أطلقَا كانَ بينهُما نصفين، فيطالبُ كلُّ واحدٍ منهُما بنصفِ الدينِ. وإِن عينَ كلُّ واحدٍ منهُما حصةً طولبَ بها (٦). تتمةٌ: يصحُّ ضمانُ الجعلِ في الجعالة، والجعلِ في المسابقة، وفي المناضلة، ولو قبلَ العملِ (٧)؛ لأنه يؤولُ إلى اللزومِ. ولا يصحُّ ضمانُ العملِ منهمْ (٨)؛ لأنه لا يؤولُ إلى اللزومِ. ويصحُّ ضمانُ نفقةِ الزوجة، ماضيًا كانَ أو مستقبلًا (٩). ويلزمُ الضامنَ ما يلزمُ الزوجَ منَ النفقة، ولو زادَت على نفقةِ المعسرِ (١٠). وقالَ القاضي: "إذَا ضَمنَ النفَقةَ المسْتَقبَلةَ لزِمَه نفقةُ المعسِرِ؛ لأنَّ الزيادةَ تسقطُ بالإعسَارِ" (١١).

стр. 1168

تنبيهٌ: قالَ شيخُ الإسلامِ الشيخُ تقيُّ الدينِ ابنُ تيميةَ - تغمدَه اللهُ تعالَى برحمَتِه -: "لو تغيبَ مَضمُونٌ قَادرٌ علَى الوفَاءِ - كما قَيَّدَه في محلٍّ، وقَد أطلقَه في آخرَ - عنهُ - أي: عنِ الضامنِ -، فأمسَكَ الضَّامِنَ، وغرِمَ شيئًا بسببِ ذلكَ، أو أنفقَ شيئًا في الحبس، رجعَ الضامنُ بهِ - أي: بما غرِمَهُ، أو بما أنفقَهُ في الحبسِ - على المضمونِ عنهُ" (١). قالَ في "الإنصافِ": "وهُوَ الصوابُ الذي لا يُعدَلُ عنه" (٢). انتهى، لأنهُ تسببَ في غرمِه. لكنْ قالَ في شرحِ "المنتهَى": "إذَا ضمنَه بإذنِه، وإلا فلَمْ يتسببْ في ظلمِه" (٣). (فَصْلٌ) (وَالْكَفَالَةُ) مصدرُ كَفَلَ، كَفْلًا، مَكفُولًا، وكَفَالَةً، وَكَفَلْتُهُ، وَكَفَلْتُ عنهُ: تحمَّلْتُ (٤). وهيَ صحيحةٌ (٥)؛ لقولِه تعالى: ﴿قَالَ لَنْ أُرْسِلَهُ مَعَكُمْ حَتَّى تُؤْتُونِ مَوْثِقًا مِنَ اللَّهِ لَتَأْتُنَّنِي بِهِ إِلَّا أَنْ يُحَاطَ بِكُمْ﴾ [يوسف: ٦٦] (وَهِيَ) أي: الكفالةُ: (أَنْ يَلْتَزِمَ) الرشيدُ، ولو مفلِسًا (بِإِحْضَارِ بَدَنِ) إنسانٍ (٦)، مِـ (ـمَّنْ عَلَيهِ حَقٌّ مَالِيٌّ إِلَى رَبِّهِ) (٧) حاضرًا كانَ المكفولُ أو غائبًا، وسواءٌ كانَ بإذنِه، أو بغيرِ إذنِهِ (٨)، وسواءٌ علمَ الكفيلُ بقدرِ دينِ المكفول، أو جهلَهُ (٩). ولو كانَ المكفولُ بهِ صبيًّا، أو مجنونًا، ولو بغيرِ إذنِ وليِّهما (١٠)؛ لأنهُ قد يلزمُ إحضارُهما إلى مجلسِ الحكمِ للشهادةِ عليهِما، ونحوِهما.

стр. 1169

وتنعقدُ بألفاظِ الضمانِ كلِّها، كأنَا ضمينٌ ببدنِه، أو زعيمٌ به (١). وإِن ضمنَ معرفةَ إنسانٍ أُخذَ بهِ (٢)، فكأنهُ قالَ: ضمنتُ لكَ حضورَهُ متى أردتَ، فصارَ كقولِه: تكفَّلْتُ ببدنِه. فإنْ لمْ يعرِفْه ضامنُ المعرفةِ ضمنَ ما عليهِ. ولا تصحُّ كفالةُ الوالدِ لولدِه إذا كفلَ له أحدٌ (٣)؛ لأنَّ الولدَ لا تُسمعُ له دعوى على والدِه بغيرِ النفقةِ الواجبةِ. (وَيُعْتَبَرُ) في الكفالةِ (رِضَا الْكَفِيلِ) (٤)؛ لأنه لا يلزمُه الحقُّ ابتداءً إلا برضَاه. (لَا) أي: لا يعتبرُ رضَا (المَكْفُولِ) بهِ؛ كالضمانِ (٥). (وَلَا) رضَا (المَكْفُولِ لَهُ) (٦)؛ لأنهُ وثيقةٌ [بهِ؛ كالضمانِ. وتصحُّ الكفالةُ بالأعيانِ؛ كالغُصوبِ]، والعواريِّ (٧). ولا يصحُّ بالأماناتِ - كالوديعة، والشركة، والمضاربةِ -، إلا إن كفلَه بشرطِ التعدّي فيها، فيصحُّ؛ كالضمانِ (٨). تتمةٌ: لو قالَ إنسانٌ لآخرَ: اضمَنْ فلانًا، أو اكفَلهُ، ففعلَ، ألزمَ المباشرُ للضمانِ أو الكفالة، دونَ الآمرِ (٩)؛ لأنَّ الأمرَ للإرشاد، والفاعلُ فعلَ باختيارِ نفسِه.

стр. 1170

(وَمَتَى سَلَّمَ الْكَفِيلُ المَكْفُولَ) بهِ (لِرَبِّ الْحَقِّ) أي: المكفولِ لهُ، وقد حلَّ أجلُ الكفالةِ إن كانَ مؤجلًا (١)، (بِمَحَلِّ الْعَقْدِ) أي: عقدِ الكفالةِ (٢) - ما لم يكنْ عيَّنَ الكفيلُ تسليمَه بمحلٍّ، فيسلمُه فيه وفاءً بالشرطِ (٣) -، بعدَ حلولِ أجلِ الكفالةِ، أو قبلَهُ، إن لم يكنْ ضررٌ على المكفولِ لهُ في تسليمِه لهُ (٤)، (أَوْ) أنَّ المكفولَ عنهُ متى (سَلَّمَ المَكْفُولُ) بهِ (نَفْسَهُ) في محلِّ التسليمِ والأجلِ (٥)، (أَوْ مَاتَ) أي: المكفولُ بهِ سواءٌ توانَى الكفيلُ فِي التسليمِ أو لا (٦)، أو تلفتِ العينُ المضمونةُ التِي تكفلَ ببدنِ مَن هيَ عليهِ بفعلِ الله تعالَى قبلَ طلبٍ (٧)، (بَرِئَ الْكَفِيلُ) فِي هذهِ الصورِ. وعُلمَ مما ذُكرَ - مِن تلفِ العينِ بفعلِ اللهِ تَعالَى - أنهُ لا يضمنُ بتلفِها بعدَ طلبِه بها، ولا بتلفِها بفعلِ آدميٍّ، ولا بغصبِها (٨). ولا يبرأُ كفيلٌ إن ماتَ هوَ، أو ماتَ مكفولٌ لهُ (٩). فإن أحضرَ الكفيلُ المكفولَ به، وامتنعَ المكفولُ من تسليمِهِ بلا ضررٍ في تسليمِهِ (١٠) - كأنْ كانَ الثمنُ مؤجلًا ونحوَه، وليس ثَمَّ يدٌ حائلةٌ ظالمةٌ. فإن كانَت،

стр. 1171

لمْ يبرأِ الكفيلُ (١) -، برئَ الكفيلُ (٢)، ولو لمْ يُشهِدْ على امتناعِه (٣). وقالَ القاضي: "يرفعُه إلى الحاكمِ فيسَلمُه إليه، فإن لمْ يجدْه أشهَدَ" (٤). قالَ الشيخُ - يعني: شيخَ الإسلام، الشيخَ تقيَّ الدينِ ابنَ تيميةَ - رحمَهُ اللهُ تعالَى -: "إِنْ كانَ المكفُولُ فِي حبسِ الشرع، فسلمَهُ إليهِ فيه، برئَ إن كانَ يمكِّنُه الحاكمُ منَ الإخراجِ ليحَاكمَ غريمَه، ثمَّ يردُّه إلى الحبسِ". انتهى (٥). وإن كانَ المكفولُ محبوسًا عندَ غيرِ حاكمِ الشرع، لم يلزمِ الكفيلَ تسليمُ المكفولِ عنهُ في هذهِ الحالةِ (٦)؛ لأنَّ هذَا الحبسَ يمنعُ ربَّ الدينِ استيفاءَ حقَّه، فلا أثرَ لتسليمِه. وإنِ اشترطَ كفيلٌ البراءةَ منَ المالِ إن تعذرَ إحضارُه عليه، فلا يضمن المالَ الذي على المكفولِ عنهُ (٧)؛ لحديثِ: "المُسْلِمُونَ عَلَى شُرُوطِهِمْ" (٨). تنبيهٌ: لو قالَ الكفيلُ في الكفالةِ: إن عجزتُ - أو متى عجزتُ - عنْ إحضارِه كانَ عليَّ القيامُ بما أقرَّ به، قالَ العلامةُ ابنُ نصرِ الله: "لمْ يبرأْ بموتِ المكفول، ويلزمُه ما عليهِ" (٩). (وَإِنْ) كانَ المكفولُ بهِ غائبًا غَيبةً تُعلمُ، غيرَ منقطعةٍ، بموضعٍ معلومٍ، أُمهلَ الكفيلُ بقدرِ ما يمضِي إلى محلِّ المكفولِ به، ويحضرُه منهُ (١٠). وسواءٌ كانتِ المسافةُ قريبةً أم بعيدةً. وان لم تُعلَمْ في الغيبةِ خبرُه، لزمهُ

стр. 1172

الدينُ من غيرِ إمهالٍ (١). فإنْ (تَعَذَّرَ (٢) إِحْضَارُ المَكْفُولِ) معَ حياتِه، ولم يحضرْه، إما لتوانِيه، أو لهربِه، أو لاختفائِه، أو لامتناعِه، أو لأحدٍ منعَه عنهُ، كذي سلطانٍ، ونحوِه، أو لغيرِ ذلكَ، (ضَمِنَ) أي: ألزمَ بِـ (ـجَمِيعِ مَا عَلَيهِ) منَ الدينِ (٣)؛ لعُمومِ قولِه ﷺ : "الزَّعِيمُ غَارِمٌ" (٤). تتمةٌ: السجانُ كالكفيل، فيغرمُ إن هربَ منه المحبوسُ، أو عجزَ عن إحضارِه (٥). قالَ العلامةُ ابنُ نصرِ الله: "الأَظهرُ: أنهُ كالوكيلِ بجُعلٍ في حفظِ الغريم، وكذَا رسُولُ الشرعِ ونحوُه" (٦). فإنْ هربَ غريمٌ منهُ فعليهِ إحضارُه، أو يغرمُ ما عليهِ. هذَا على القولِ الأولِ. وعلَى الثانِي إن كانَ بتفريطٍ لزمَه إحضارُه فقطْ. وإلَّا فلَا. (وَمَنْ كَفَلَهُ اثْنَانِ) فأكثرُ، (فَسَلَّمَهُ أَحَدُهُمَا) أي: أحدُ الاثنان، أو أحدُ الأكثر، (لَمْ يَبْرَأِ الآخَرُ) - أي: الذي لمْ يسلمْهُ - منَ الكفالةِ (٧) (وَإِنْ سَلَّمَ) المضمونُ عنهُ للمضمونِ لهُ (نَفْسَهُ، بَرِئا) [أي:] (٨) الكفيلُ، واحدًا كانَ أو أكثرَ (٩). تتمةٌ: لو كفلَ جزءًا شائعًا، كثلث، أو ربعِ مَن عليهِ الحقُّ، أو كفلَ عضوًا منهُ ظاهرًا؛ كرأسٍ، ويدٍ، أو باطنًا؛ كقلبٍ، وكبدٍ، صحتِ الكفالةُ، ويلزمُه إحضارُه (١٠)؛ لأنه لا يمكنُ إحضارُه إلا بإحضارِ الكلِّ.

стр. 1173

(بَابُ الحَوَالَةِ) بفتحِ الحاءِ وكسرِها، مشتقةٌ منَ التحولِ؛ لأنها تحولُ الحقِّ من ذمةٍ إلى ذمةٍ أخرى (١). وهي ثابتةٌ بالإجماعِ (٢)؛ لحديثِ أبي هريرةَ مرفوعًا: "مَطْلُ الْغَنِيِّ ظُلْمٌ وَمَنْ أُحِيلَ عَلَى مَلِيءٍ فَلْيَتْبَعْ" (٣). وفِي لفظٍ: "وَمَنْ أُحِيلَ بِحَقِّهِ عَلَى مَلِيءٍ فَلْيَحْتَلْ" (٤). وهيَ عقدُ إرفاقٍ منفردٍ بنفسِه، ليسَ محمولًا على غيرِه (٥). ولا خيارَ فيهَا (٦). وليسَتْ بيعًا (٧)، و (إلا) (٨) جازَت بلفظِه. وهي: "انتقالُ مالٍ من ذمةِ المحيلِ إلى ذمةِ المحالِ عليهِ" (٩)، بحيثُ لا رجوعَ للمحتالِ علَى المحيلِ بحالٍ، إذا اجتمعَت شروطُها. ويصحُّ بلفظِ الحوالة، أو بمعناهَا الخاصِّ؛ كأَتْبَعْتُكَ بِدَينِك على زيدٍ، ونحوِه (١٠).

стр. 1174

(وَشُرُوْطُهَا) أي: شروطُ الحوالةِ (خَمْسَةُ) شروطٍ. (أَحَدُهَا: اتِّفَاقُ الدَّينَينِ فِي الْجِنْسِ) (١)، كأن يحيلَ مَن عليهِ ذهبٌ بذهبٍ، أو فضةٌ بفضةٍ، فلو أحالَ من عليهِ ذهبٌ بفضةٍ، أو بالعكس، لم يصحَّ (٢)؛ للتخالفِ. (وَ) اتفاقُ الدينينِ في (الصِّفَةِ) (٣)، فلو أحالَ مَن عليهِ دراهمٌ صحاحٌ بمكسرةٍ، ونحوِه، لم يصحَّ (٤)؛ للتخالفِ. (وَ) اتفاقُ الدينَينِ في (الْحُلُولِ) بأنْ يكونَا حالَّينِ (٥)، فلا تصحُّ إن كانَ أحدُهما حالًّا والآخرُ مؤجلًا (٦). (وَ) في (الْأَجَلِ) بأنْ يكونَا مؤجلَينِ أجلًا واحدًا (٧)، فلا تصحُّ إذا كانَ أجلُ أحدِهما يخالفُ الآخرَ (٨)، فلو كانَا حالَّينِ فشرطَ المحتالُ تأخيرَه، أو بعضَه إلى أجلٍ معلومٍ لم تصحَّ (٩). (الثَّانِي) منَ الشروطِ: (عِلْمُ قَدْرِ كُلٍّ مِنَ الدَّينَينِ) باتفاقِ قدرِهما (١٠)، فلا تصحُّ الحوالةُ بعشَرةٍ على خمسةٍ، ولا عكسِهِ (١١)، وتصحُّ حوالةُ الخمسةِ منَ العشرةِ على الخمسة، وبالخمسةِ على خمسةٍ من العشرةِ (١٢). ولا يضرُّ اختلافُ سبَبيِ الدين، بأن كانَ أحدُهما عن قرضٍ والآخرُ ثمنُ مبيعٍ (١٣). (الثَّالِثُ) منَ الشروطِ: (اسْتِقْرَارُ المَالِ المُحَالِ عَلَيهِ)، كبدلِ قرضٍ، وثمنِ مبيعٍ بعدَ لزومِ بيعٍ (١٤)، فلا تصحُّ الحوالةُ على المسلَمِ فيه، ولا عَلى رأسِ مالِ سلمٍ

стр. 1175

بعدَ فسخِ السلم، أو عَلى صداقٍ قبلَ دخولٍ، أو مالِ كتابةٍ (١)؛ لعدمِ استقرارِهما. وتصحُّ على صداقٍ بعدَ دخولٍ (٢)، ونحوِه. (لَا) أي: لا يشترطُ استقرارُ المالِ (المُحَالِ بِهِ) (٣). وتصحُّ إنْ أحالَ مكاتَبٌ سيدَه بمالِ كتابةٍ (٤)، أو أحالَ زوجٌ امرأتَه بصداقِها - ولو قبلَ دخولٍ - على مالٍ مستقرٍ (٥)، وكذَا حوالةٌ بجعلٍ قبل عملٍ (٦)؛ لأنَّ الحوالةَ بهِ بمنزلةِ وفائِه، ويصحُّ الوفاءُ قبلَ الاستقرارِ. ولا تصحُّ الحوالةُ بجزيةٍ (٧)؛ لفواتِ الصغَارِ عنِ المُحيل، ولا حوالةُ ولدٍ على أبيهِ (٨). (الرَّابعُ) منَ الشروطِ: (كَوْنُه) أي: المحالِ بهِ (يَصِحُّ السَّلَمُ فِيهِ) من مثليٍّ - كمكيلٍ، وموزونٍ -، ومِن غيرِ المثليِّ - كمعدودٍ، ومذروعٍ -، ينضبطانِ بالصفةِ (٩). ولا تصحُّ فيما لا يصحُّ السلمُ فيه، كالجوهرِ (١٠). فائدةٌ: قالَ شيخُ الإسلامِ الشيخُ تقيُّ الدينِ ابنُ تيميةَ: "الحوالةُ على مالِه في الديوانِ إذنٌ في الاستيفاءِ فقطْ" انتهى (١١). ومثلُه: الحوالةُ على مالِه في الوقفِ (١٢). وللمحتالِ إذَن الرجوعُ

стр. 1176

ومطالبةُ مُحيلِه (١). (الخَامِسُ) منَ الشروطِ: يعتبرُ (رِضَا المُحِيلِ) (٢)؛ لأنَّ الحقَّ عليهِ. (لَا) أي: [لا] (٣) يعتبرُ رضَا (المُحْتَالِ)؛ لأنَّ للمحيلِ أَن يستوفيَ حقَّهُ بنفسِهِ وبوكيلِه، وقَدْ أقامَ المحتالَ مقامَ نفسِه في القبض، فلزمَ المحالَ عليهِ الدفعُ إليه، (إِنْ كَانَ المُحَالُ عَلَيهِ مَلِيئًا) (٤). (وَ) المليءُ (هُوَ: مَنْ لَهُ قُدْرَةٌ عَلَى الْوَفَاءِ) أي: لهُ مالٌ يفِي منهُ، (وَلَيسَ) يكونُ المحالُ عليهِ (مُمَاطِلًا)، بل يكونُ باذلًا للحقِّ، (وَيُمْكِنُ حُضُورُهُ إِلَى مَجْلِسِ الْحُكِمْ) أي: مجلسِ القضاءِ (٥). وقالَ فِي "المنتهى": "والمَليءُ: القادرُ بمالِه، وقولِه، وبدنِهِ" (٦)، نصًّا. وفسرَ الإمامُ أحمد - رضيَ اللهُ تعالَى عنهُ - الملاءةَ بقولِه: "هوَ أنْ يكونَ قادرًا بمالِه"، أي: له مالٌ، "وقولِه"، أي: أن لَا يكونَ مماطلًا، "وبدنِه"، أي: إمكانِ حضورِه إلى مجلسِ الحكمِ (٧). (فَمَتَى تَوَفَّرَتْ) أي: وُجدَت هذهِ (الشُّرُوطُ) الخمسةُ (بَرِئَ المُحِيلُ مِنَ الدَّينِ) الذي عليهِ (بِمُجَرَّدِ الْحَوَالَةِ) (٨)؛ لأنهُ يجبُ على مَن أحيلَ على مليءٍ أنْ يحتالَ؛ لظاهرِ حديثِ أبي هريرةَ المتقدمِ. فإنِ امتنعَ المحتالُ على اتِّبَاعِ المحيلِ

стр. 1177

عليه، أجبرهُ الحاكمُ على قبولِها (١). ولو (أفلَسَ المُحَالُ عَلَيهِ)، أو جحدَ الدينَ (بَعْدَ ذَلِكَ) أي: بعدَ الحوالةِ المتوفرةِ الشروطِ المذكورة، (أَوْ مَاتَ) أي: ولو ماتَ المحتالُ عليهِ بعدَ ذلكَ (٢)، فيتبعُ ميراثَه. (وَمَتَى لَمْ تَتَوَفَّرِ الشُّرُوطُ) الخمسةُ، فاختلَّتْ أو اختلَّ واحدٌ منهَا، (لَمْ تَصِحَّ الحَوَالَةُ)، ولربِّ الدينِ اتِّباعُ المديونِ المحيل، ومطالبتُه بدينِه، (وَتَكُونُ) هذهِ الحوالةُ (وَكالَةً) في قبضِ مَا عليهِ إن تبعَه وطالبَه (٣). ومن أحالَ من لَا دينَ عليهِ على مديونٍ لهُ، فهيَ وكالةٌ في الطلبِ والقبضِ منهُ (٤) (٥). وإنْ ظنَّ المحتالَ عليهِ مليئًا، أو جهلَهُ، فبانَ مفلسًا، رجعَ بدينِه على المحيلِ (٦). ولا يرجعُ إنْ رضيَ بالحوالةِ علَى من ظنَّهُ مليئًا أو جهلَه، ولمْ يشترطِ الملاءَة (٧)؛ لتفريطِه بتركِ اشتراطِها. فإنِ اشترطَها، فبانَ المحالُ عليهِ معسرًا، رجعَ على المحيلِ (٨). قال شيخُنا في "شرحِه على المنتهَى": "ويؤخَذُ منهُ صحةُ هذَا الشَّرطِ؛ لمَا فيهِ منَ المصلحةِ" (٩).

стр. 1178

تنبيهٌ: ومتَى صحتِ الحوالةُ، وتراضَى المحتالُ والمحالُ عليهِ بخيرٍ منَ الدين، أو بدونه، أو بتعجيلِه إن كانَ مؤجلًا، أو بتأجيلِه إن كان حالًا، أو بأخذِ عوضِه، جازَ ذلكَ (١)؛ لأنَّ الحقَّ لهما. لكن إنْ جرَى بينَ العوضَينِ ربا نسيئةٍ، بأن عوَّضهُ عن موزونٍ موزونًا، ونحوِه، اشترطَ فيهِ القبضُ قبلَ التفرقِ (٢). وإنْ أحالَ رجلًا زيدٌ (٣) على عمروٍ، فعمروٌ أحال زيدًا علَى بكرٍ، صحَّ ما ذكرَ (٤)؛ لأنهُ حوالةٌ بدينٍ على دينٍ ثابتٍ. وهكذَا تصحُّ الحوالةُ إذا أحالَ بكرٌ زيدًا علَى عمروٍ، إذا ثبتَ له في ذمتِه حقٌّ، فلا يضرُّ تكرارُ المحالِ والمحيلِ (٥). وإن أحالَ مشترٍ البائعَ بثمنِ ما اشتراهُ على مَن له عليهِ دينٌ، أو أنَّ البائعَ أحالَ من لهُ عليه دينٌ علَى المشتري بالثمن، فبانَ البيعُ مستحَقًّا للغير، أو العبدُ حرًّا، أو الخلُّ خمرًا، ونحوُه، بطلَ، ولا حوالةَ (٦)؛ لبطلانِه. وإنْ فسخَ المبيعَ بتقايلٍ، أو بردٍّ لعيبٍ، لم تبطلِ الحوالةُ (٧)، ولِمَن أحيلَ الرجوعُ على من أحالَه (٨)، وللبائعِ أن يحيلَ المشتري عَلى مَن أحالَه المشترِي عليهِ في الصورةِ الأولَى، وللمشترِي أن يحيلَ المحتالَ عليهِ على البائعِ في الثانيةِ (٩). تتمةٌ: إذًا اختلفَ المحيلُ والمحتالُ، فقالَ المحيلُ: أحلْتُكَ، قالَ: بلْ وكَّلْتَنِي، أوْ بالعكس، فالقولُ قولُ مدَّعِي الوكالةِ (١٠). وإن اتفقَا على: أحَلْتُكَ، أو

стр. 1179

أحَلْتُكَ بِدَينِي، وادَّعَى أحدُهما إرادةَ الوكالة، صدِّقَ (١). وإن اتفقَا على أحَلتُكَ بدَينِكَ، فقولُ مدعِي الحوالةِ (٢). وإذَا طالبَ ربُّ الدينِ المدينَ، فقالَ: أحلتَ فلانًا الغائبَ، وأنكرَ ربُّ المال، قُبلَ قولُه مع يمينِه، ويُعملُ بالبينةِ (٣). * * *

стр. 1180

(بَابُ الصُّلحِ) وحكمِ الجوارِ والجوارُ - بكسرِ الجيمِ - وهو لغةً: قطعُ المنازعةِ (١). وشَرعًا: "معاقدةٌ يتوصلُ بهَا إلى إصلاحٍ، أو موافقةٍ بينَ متخاصمَينِ" (٢). وهوَ جائزٌ بالإجماعِ (٣)؛ لقولِه تعالَى: ﴿وَالصُّلْحُ خَيرٌ﴾ [النساء: ١٢٨]، ولقولِه تعالى: ﴿فَأَصْلِحُوا بَينَ أَخَوَيكُمْ﴾ [الحجرات: ١٠]، ولقولِه تعالى: ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَينَهُمَا [الحجرات: ٩]، ولحديثِ أبي هريرةَ مرفوعًا: "الصُّلْحُ جَائِزٌ بَينَ المُسْلِمِينَ إِلَّا صلْحًا حَرَّمَ حَلَالًا أَوْ أَحَلَّ حَرَامًا". رواه أبو داودَ (٤). والصلحُ من أكبرِ العقودِ فائدةً؛ لما فيهِ من قطعِ النزاعِ والشقاق، وأبيحَ فيه الكذبُ. والصلحُ خمسةُ أنواعٍ، أحدُها: يكونُ بينَ المسلمينَ وأهلِ حربٍ. وتقدمَت أقسامُه في الجهادِ. والثاني: بينَ أهلِ

стр. 1181

عدلٍ وأهلِ بغيٍ. ويأتِي في قتالِ أهلِ البغيِ. والثالثُ: بينَ زوجينِ خيفَ شقاقٌ بينهُما، أو خافتَ الزوجةُ إعراضَ الزوجِ عنهَا. ويأتي في عشرةِ النساءِ. والرابعُ: بينَ متخاصمَين في غيرِ مالٍ. والخامسُ: بينَ متخاصمَينِ في مالٍ. والصلحُ في الأموالِ على قسمينِ: قسمٌ على إقرارٍ، وقسمٌ على إنكارٍ. وَ (يَصِحُّ) الصلحُ (مِمَّنْ يَصِحُّ تَبَرُّعُهُ) مِن جائزِ التصرفِ (١). وأمَّا من لم يصحَّ تبرعُه - كالمكاتب، والقنِّ المأذونِ لهما في التجارة، ووليِّ الصغيرِ والسفيه، وناظرِ الوقفِ -، فلا يصحُّ (٢)؛ لأنهُ تبرعٌ، وهم لا يملكونَه. إلا إِن أنكرَ مَن عليهِ الحقُّ، ولا بينةَ لمن يدعيه، مِن المكاتَبِ والوليِّ ونحوِ ذلكَ، فيصحُّ الصلحُ (٣)؛ لما فيهِ منَ الحظِّ والمصلحةِ؛ لاستيفاءِ البعضِ عندَ العجزِ عنِ استيفاءِ الكلِّ؛ لأنهُ أولَى من التركِ. فيصحُّ (مَعَ الإقْرَارِ) أي: معَ إقرارِ مَن عليهِ الحقُّ بالحقِّ. (وَ) في صحُّ معَ (الإنْكَارِ) أي: معَ إنكارِ مَن عليهِ الحقُّ (٤). (فَإذَا أَقرَّ) المدَّعَى عليهِ (لِلْمُدَّعي بدَينٍ) معلومٍ في ذمتِه، (أَوْ) أقرَّ بِـ (ـعَينِ) بيدِه، (ثُمَّ صَالَحَهُ) المقَرُّ لهُ (عَلَى) وضعِ (بَعْضِ الدَّينِ) المقَرِّ به، (أَوْ) علَى (بَعْضِ الْعَينِ) المدَّعاةِ بهَا؛ كنصفٍ، أو ثلثٍ، ونحوِ ذلكَ، (فَهُوَ) أي: فيكونُ ذلكَ (هِبَةً)؛ لوجودِ الإقرارِ بما ادُّعِي به، فَـ (ـيَصِحُّ) ذلكَ (٥)؛ لأنَّ الإنسانَ لا يُمنعُ من إسقاطِ حقِّه، كما لا يُمنعُ من استيفائِه؛ لأنه ﷺ كلَّمَ غرماءَ جابرٍ ليضعُوا عنهُ (٦). ويصحُّ

стр. 1182

(بِلَفْظِهَا) أي: بلفظِ الهبة، وَ (لَا) يصحُّ (بِلَفْظِ الصُّلْحِ) (١)؛ لأنه هضمٌ للحقِّ. ويشترطُ للهبةِ شروطُها، من كونِه جائزَ التصرف، والعلمِ بالموهوب، ونحوِه (٢). وإن وضعَ ربُّ دينٍ بعضَ الدينِ الحالّ، وأجَّلَ باقِيه، صحَّ الإسقاطُ فقطْ؛ لأنهُ أسقطَ عن طيبِ نفسِه، ولا مانعَ من صحتِه، ولم يصحَّ التأجيلُ (٣)؛ لأنَّ الحالَّ لا يؤجلُ. وكذا لو صالحَه عن مائةٍ صحاح، بخمسينَ مُكسَّرةً، فهو إبراءٌ من الخمسين، ووعدٌ في الأخرَى (٤). ما لم يقعْ بلفَظِ الصلح، فلا يصحُّ (٥). وإن صالحَ عنِ المؤجلِ ببعضِه حالًا لم يصحَّ (٦)، في غيرِ كتابةٍ (٧). (وَإِنْ صَالَحَهُ) المدعَى عليهِ (عَلَى عَينٍ غَيرِ المُدَّعَاةِ) بهَا، (فَهُوَ بَيعٌ) للعينِ الذي وقعَ الصلحُ عليهَا (٨)، فَـ (ـيَصِحُّ بِلَفْظِ الصُّلْح) (٩)؛ لأنها معاوضةٌ، بخلافِ ما قبلَه؛ لأنَّ المعاوضةَ عنِ شيءٍ ببعضِه محظورةٌ. (وَتَثْبُتُ فِيهِ) أي: في هذَا الصلحِ (أَحْكَامُ الْبَيعِ) المتقدمِ ذكرُه في كتاب البيع، منَ العلمِ به، والقدرةِ على تسليمِه، والتقابضِ بالمجلسِ إن جرَى بينهما رَبًا (١٠) (فَلَوْ صَالَحَهُ) المدعَى عليه (عَنِ) الـ (ـعَينِ) الذِي ادعَى بهِ عليه، وأقرَّ له بهَا، (بعَينٍ) غيرِها، (وَاتَّفَقَا) أي: العينُ المدَّعَى بها والعينُ الذي وقعَ الصلحُ عليهَا (في علَّةِ الرِّبا)،

стр. 1183

بأن أقرَّ لهُ بدينارٍ، فصالحهُ عنهُ عوضًا عن ذلكَ بعشرةِ دراهمَ مثلًا، أو عكسِه، فهوَ صرفٌ، صحَّ (١)، لكنِ (اشْتُرِطَ) فيهِ (قَبْضُ الْعِوَضِ في المَجْلِسِ) قبلَ التفرقِ منهُ (٢). ويحرمُ الصلحُ عنِ الدينِ بجنسِه - إذا كانَ مثليًّا، كمكيلٍ بمكيلٍ، أو موزونٍ بموزونٍ -، بأكثرَ أو أقلَّ منهُ، على سبيلِ المعاوضةِ (٣)؛ لأنه ربًا، لا على سبيلِ الإبراءِ والهبةِ (٤). (وَ) لو صالحَهُ عنْ دينٍ (بِشَيءٍ في الذِّمَّةِ)، بأن صالحَه عن دينارٍ في ذمتِه بإردَبِّ (٥) قمحٍ، أو نحوِه في الذمة، (يَبْطُلُ) ذلكَ (بالتَّفَرُّقِ) منَ المجلسِ (قَبْلَ الْقَبْضِ) لذلكَ الشيءِ (٦)؛ لأنهُ يصيرُ بيعَ دينٍ بدينٍ. (وَإِنْ صَالَحَ عَنْ عَيبِ في المَبِيع) بشيءٍ مِن عينٍ - كدينارٍ -، أو منفعةٍ - كسكنَى دارٍ شهرًا، ونحوَه -، (صَحَّ) (٧). (فَلَوْ) حصلَ الصلحُ على عيبٍ في المبيع، فَـ (ـزالَ العَيبُ سَرِيعًا) بلا كلفةٍ، ولا تعطيلِ نفعٍ على مشترٍ - كمريضٍ عُوفيَ ونحوِه -، رجعَ بما دفعَه (٨). وكذَ (ا) لـ (ـو) صالحَ على عيبٍ، فظهرَ أنهُ (لَمْ يَكُنْ) معيبًا (رَجَعَ بِمَا دَفَعَهُ)

стр. 1184

عنِ العيبِ (١)؛ لعدمِ استحقاقِه ذلكَ. وإذا صالحَ مكلفًا ليقرَّ لهُ بالعبودية، أو امرأةً لتقر لهُ بالزوجيةِ بعوضٍ، لم يصحَّ الصلحُ (٢)؛ لعدمِ جوازِه؛ لأنهُ صلحٌ يحل حرامًا؛ لما وردَ لما في الحديثِ من قولِه ﷺ : "الصُّلْحُ جَائِزٌ بَينَ المُسْلِمِينَ إِلَّا صُلْحًا حَرَّمَ حَلَالًا أَوْ أَحَلَّ حَرَامًا". رواهُ الترمذيُّ (٣). (وَيَصِحُّ الصُّلْحُ عَمَّا) كانَ مجهولًا (تَعَذَّرَ عِلْمُهُ، مِنْ دَينٍ)، كمَن بينهُما معاملةٌ وحسابٌ مضى عليهِ زمنٌ، (أَوْ) عما تعذرَ علمُه من (عَينٍ) (٤)، كقفيزِ حنطةٍ، وقفيزِ شعيرٍ اختلطَا وطحنَا، بمالٍ معلومٍ، حالٍّ أو نسيئةٍ (٥)؛ لقولِه ﷺ لرجلَينِ اختصَما في مَوارِيثَ دُرسَتْ: "اِسْتَهِمَا وَتَوَخَّيَا الْحَقَّ، وَلْيُحَلِّلْ أَحَدُكمَا صَاحِبَهُ". رواهُ أحمد (٦). ولا يصحُّ الصلحُ بشيءٍ مجهولٍ (٧)؛ لأنَّ الجهلَ بهِ يمنعُه، فلا بدَّ أن يكونَ معلومًا؛ لوجوبِ تسليمِه. فإن لم يتعذرْ علمُ المجهولِ - كتركةٍ باقيةٍ، صالحَ الورثةُ

стр. 1185

الزوجةَ عن حصتِها منهَا، مع الجهلِ بهَا -، قالَ في "المنتهى": "فكَبرَاءةٍ من مجهولٍ" (١)، جزمَ به في "التنقيحِ" (٢)، وقدمهُ في "الفروعِ" (٣). وظاهرُ كلامِه في "الإنصافِ": أنَّ الصحيحَ المنعُ، لعدم الحاجةِ إليهِ (٤)، وقطعَ به في "الإقناع" (٥). قالَ في "الفروعِ": "وهوَ ظَاهرُ نُصُوصِه" (٦). (وَ) مَن قالَ لغريمِه: (أَقِرَّ لي بدَينِي، وَأُعْطِيكَ مِنْهُ)، أوْ قالَ: خُذ منهُ (كَذَا) أي: عشرةً مثلًا، (فَأقَرَّ) لهُ، (لَزِمَهُ) أي: المقِرَّ ما أقرَّ بهِ منَ الدينِ (٧)؛ لأنهُ لا عذرَ لمن أقر، (وَلَمْ) يصحَّ الصلحُ (٨)، لوجوبِ الإقرارِ عليهِ بما عليهِ منَ الحقِّ، فلم يُبَحْ له العوضُ عما يجبُ عليهِ. ولا (يَلْزَمُهُ) أي: ربَّ الدينِ (أَنْ يُعْطِيَهُ) بما أوعدَ بإعطائِه (٩)؛ لعدمِ وجوبِه عليهِ. تتمةٌ: إذا أقرَّ إنسانٌ لآخرَ ببيتٍ، فصالحَه على بعضِه، لم يصحَّ الصلحُ (١٠)؛ لأنه صالحَهُ على بعضِ حقِّه. وكذا لو صالحَهُ على أن يسكنَه سنةً، أو على أن يبتنيَ

стр. 1186

له بعلوِّه بنيانًا، لم يصحَّ (١). فإنْ أسكنَه، فله إخراجُه متى شاءَ؛ لأنه متبرع له بالسكنَى. وكذَا لو بنَى نزعَه منهُ متى شاءَ (٢). فإنْ فعلَ ذلكَ على سبيلِ المصالحةِ معتقدًا أنهُ وجبَ عليهِ بالصلح، رجعَ عليهِ بأجرةِ ما سكنَ، وأجرةِ ما كانَ في يدِه منَ الدارِ (٣). ويُجبَرُ على نقضِ ما بنَى، وتلزمُه أجرةُ ما بنَى عليهِ مدةَ تصرفِه فيهِ بعقدٍ فاسدٍ (٤). ولكنْ لمن بنَى أخذُ آلةِ بنائِه (٥)؛ لأنها في ملكِه. وإن صالحتِ المرأةُ عما أقرَّتْ بهِ بتزويجِه نفسَها، صحَّ الصلحُ والنكاحُ، وكانَ ما أقرَّتْ به صداقًا لها (٦). (فَصلٌ) (وإذَا أَنْكَرَ) المدعَى عليه (دَعْوَى المُدَّعي، أَوْ) أنَّ المدعَى عليهِ (سَكَتَ، وَهُوَ يَجْهَلُهُ) أي: يجهلُ ما ادَّعى بهِ (٧) (ثُمَّ صَالَحَهُ) عَلى مالٍ، (صَحَّ الصُّلْحُ) في قول أكثرِ العلماءِ (٨)؛ لعمومِ ما سبقَ (٩). (وَكَانَ) ما تركَه، أو ما دفعَه (إِبْرَاءً في حَقِّهِ) أي: في حقِّ المدعَى عليهِ (١٠)؛ لأنَّ التركَ أو الدفعَ إليهِ افتداءً ليمينِه، (وَبَيعًا في حَقِّ المُدَّعِي) فيما وقعَ عليهِ الصلحُ (١١). (وَمَنْ عَلِمَ بِكَذِبِ

стр. 1187

نَفْسِهِ) فيمَا وقعَ عليهِ الصلحُ، (فَالصُّلْحُ في حَقِّ) مَن علمِ بكذبِ نفسِه باطلٌ (١). (وَما أَخَذَهُ فِـ) ـي ذلكَ على وجهِ الصلحِ (حَرَامٌ)، يجبُ عليهِ ردُّهُ (٢)؛ لأنهُ مِن أكلِ المالِ بالباطلِ. ولَا يجوزُ للشاهدِ أن يشهدَ به إن علمَ ظلمَه (٣)؛ لما فيهِ منَ الإعانةِ علَى الباطلِ. وإِن صالحَ المنكرَ بشيءٍ، ثمَّ أقامَ مدَّعٍ بينةً أنَّ المنكرَ كانَ أقرَّ قبلَ الصلحِ بالملك، لم تسمعْ، ولو شهدَت بأصلِ الملك، ولم يُنقَضِ الصلحُ (٤). (وَمَنْ قَالَ: صَالِحْنِي عَنِ المُلْكِ الَّذِي تَدَّعِيه، لَمْ يَكُنْ مُقِرًّا) بهِ (٥). (وَإِنْ صَالَحَ أَجْنَبِيٌّ عَنِ مُنْكِرٍ لِلدَّعْوَى، صَحَّ الصُّلْحُ) (٦)، سواءٌ (أَذِنَ) المنكرُ للدعوَى (لَهُ) أي: للأجنبيِّ [في الصلحِ] (أَوْ لَـ) ـمْ يـ (ـأ) ذنْ لهُ فيهِ (٧). (لَكِنْ) استدراكٌ من قولِه: "وإِنْ صالحَ أجنَبيٌّ" (لَا يَرْجِعُ) الأجنبيُّ (عَلَيهِ) أي: علَى المنكرِ بما دفعَه (بِدُونِ إِذْنِه) أي: إذنِ المنكرِ (٨). (وَمَنْ صَالَحَ عَنْ دَارٍ، أَوْ نَحْوِهَا) - ككتاب، وحيوانٍ -، بعوضٍ، (فَبَانَ الْعِوَضُ مُسْتَحَقًّا) لغيرِ المصالِح، أو بانَ القنُّ المصًالَحُ عليهِ حرًّا، (رَجَعَ بِالدَّارِ) المصالَح عنهَا - وكذَا الصلحُ -، إن كانَت باقيةً، أو ببدلِها إن تلفَت (٩). هذَا إذًا كانَ الصلحُ (مَعَ الإقْرَارِ) (١٠)؛ لأنهُ بيعٌ حقيقةً، وقد تبينَ فسادُه. (وَ) رجعَ المدعِي (بالدَّعْوَى) أي: إلَى ما كانَ يدَّعيهِ قبلَ الصلحِ. هذَا إذا كانَ الصلحُ (مَعَ الإنْكَارِ) (١١)؛ لتبيّنِ فسادِ الصلحِ. (وَلَا يَصِحُّ الصُلْحُ) بعوضٍ (عَنْ خِيَارٍ) في بيعٍ، أو إجارةٍ، (أَوْ) عنْ

стр. 1188

(شُفْعَةٍ، أَوْ) عنْ (حَدِّ قَذْفٍ) (١)؛ لأنها لم تشرعْ لاستفادةِ مالٍ، بل الخيارُ؛ للنظرِ في الحظِّ، والشفعةُ؛ لإزالةِ ضررِ الشركة، وحدُّ القذفِ؛ للزجرِ عنِ الوقوعِ في أعراضِ الناسِ. (وَتَسْقُطُ جَمِيعُهَا) أي: الخيارُ، والشفعةُ، وحدُّ القذف، بالصلح (٢)؛ لأنهُ رضًا بتركِها. (وَلَا) يصحُّ أن يصالحَ (شَارِبًا) لخمرٍ، (أَوْ سَارِقًا لِيُطْلِقَهُ، أَوْ) لئلَّا يرفعَه للسلطانِ (٣)؛ لأنه لا يصحُّ أخذُ العوضِ في مقابلتِه. ولا يصحُّ أن يصالحَ (شَاهِدًا لِيَكْتُمَ شَهَادَتَهُ)؛ لتحريم كتمانِها؛ علَى أن لا يشهدَ عليهِ بحقِّ الله، أو آدميٍّ، أو على أن لا يشهدَ عليهِ بزورٍ (٤)؛ لأنه صلحٌ على حرامٍ. تتمةٌ: ويصحُّ صلحٌ معَ إقرارٍ، أو معَ إنكارٍ، عن كلِّ ما يجوزُ أخذُ العوضِ عنهُ، سواءٌ كانَ مما يجوزُ بيعُه - كعينٍ، ودينٍ -، أو لا؛ - كقِصاصٍ بأخذِ ديةٍ، ولو بلغَ دياتٍ، وكعَيبِ مبيعٍ - (٥). (فَصْلٌ) (وَيحْرُمُ عَلى الشَّخْصِ أَنْ يُجْرِيَ مَاءً في أَرْضِ غَيرِه، أَوْ سَطْح) غيرِ (هِ)، ولو تضررَ الشخصُ بتركِه، (بِلَا إِذْنِه) أي: إذنِ ربِّ الأرضِ أوَ السطحِ (٦)؛ لتضررِه، أو تضررِ أرضِه. (وَيَصِحُّ الصُلْحُ عَلَى ذَلِكَ) أي: علَى إجرائِه الماءَ في أرضِ غيرِه، أو سطحِه، (بِعِوَضٍ) (٧)؛ لأنهُ إما بيعٌ، أو إجارةٌ، فمعَ بقاء ملكِه إجارةٌ، وإلا فبيعٌ. ويعتبرُ لصحةِ الإجارةِ: علمُ قدرِ الماءِ بسَاقيةٍ - أي: قناةٍ -، أو علمُ ماءِ مطرٍ برؤيةٍ، أو ما يزولُ عنهُ بمساحةٍ (٨)، وتقديرُ ما يجرِي فيهِ

стр. 1189

الماءُ (١). لا علمُ عمقِه، ولا مدتِه (٢)؛ للحاجةِ. وإنِ اشترَى موضعًا في حائطٍ يفتحُه بابًا، أو بقعةٍ يحفرُها بئرًا، بشرطِ كونِ ذلكَ معلومًا، أو اشترَى عُلْوَ بيتٍ يبني عليهِ بنيانًا موصوفًا، أو ليضعَ عليهِ خشبًا موصوفًا - قالَ في "المبدعِ": "وظاهِرُه: أنهُ لا يجوزُ أن يحدثَ ذلكَ على الوقفِ. قالَ في "الاختياراتِ": "وليسَ لأحدٍ أن يبنيَ على الوقفِ ما يضرُّه، اتفاقًا، وكذَا إن لم يضرَّهُ عندَ الجمهورِ" (٣) " (٤) -، فإذَا وقعَ الصلحُ على ما ذكرَ كانَ الصلحُ صلحًا مؤبدًا، ولو كانَ إجارةً، مدةً معلومةً (٥). قالَ في "المنتهَى": "وإذَا مَضَتْ - أي: مدةُ الإجارةِ - بقيَ البناءُ، ولهُ أجرةُ المثلِ" (٦). ومتَى زالَ البنيانُ أو الخشبُ، فلهُ إعادتُه؛ لأنهُ استحقَّ إبقاءَه بعوضٍ، سواءٌ زالَ لسقوطِه، أو لسقوطِ الحائط، أو لغيرِ ذلكَ (٧). ويرجعُ بأجرةِ مدةِ زوالِه عنِ البيتِ - في أثناءِ مدةِ الإجارةِ - سقوطًا لا يعودُ. قالهُ في "المغني" (٨). ولربِّ البيتِ الصلحُ على إزالةِ العلوِ عنِ البيت، أو الصلحُ على عدمِ عَودِه بعدَ أن انهدمَ (٩). [قالَ شيخُنا في "شرحِه على المنتهَى"، وفي "حاشيتِه على الإقناع": "قلتُ: وعَلى قياسِه: الحكُورُ المشهُورةُ في الأوقاف، فليسَ لجهَةِ الوقفِ إلا أجرةُ المثل، كما هوَ العرفُ فيهَا" (١٠)].

стр. 1190

(وَمَنْ لَهُ حَقُّ مَاءٍ يَجْرِي عَلَى سَطْحِ جَارِه، لَمْ يَجُزْ لِجَارِهِ تَعْلِيَةُ سَطْحِهِ لِيَمْنَعَ جَرْيَ الماءِ) علَى سطحِه (١)؛ لأنهُ إبطالٌ لحقِّ جارِه. وكذَا ليسَ له تعليتُه ليكثرَ ضررُ جارِه (٢)، ولو كثرَ ضررُه بجريانِ الماءِ على سطحِهِ (٣)؛ لأنَّ الضررَ لا يُزال بالضررِ. فعَن عائشةَ - رضيَ اللهُ تعالَى عنهَا - قالَت: قَال ﵊: "مَا زَالَ جِبْرِيلُ يُوْصِيني بِالْجَارِ حَتَّى ظنَنْتُ أَنَّهُ سَيُوَرِّثُهُ" (٤). (وَحَرُمَ عَلَى الْجَارِ أَنْ يُحْدِثَ بِمُلْكِهِ مَا يَضُرُّ بِجَارِهِ" (٥)، (كحَمَّام) (٦) يتأذَّى جارُه بدخانِه، أو ينضرُّ حائطُه بمائِه، ومثلُه مطبخُ سُكرٍ، (وَكنِيفٍ) (٧)، أو بالوعةٍ، لتأذِّي جارَه بريحِه، أو يصلَ إلى بئرِهِ. فإنِ ادعَى فسادَ بئرٍ بكَنِيفٍ، أو بالوعةٍ، اختُبِرَ بالنفط، فيُلقَى فيهَا، فإنْ ظهرَ طعمُه أو ريحُه بالماء، نُقلِتَا إن لم يمكِن إصلاحُهما بنحوِ بناءٍ، أو غيرِه (٨). هذَا إذا كانتِ البئرُ أقدمَ منهَا (٩). مِن "حاشيةِ المنتهَى" (١٠). (وَ) أن يُحدِثَ (رَحًى) يهتزُّ بها حيطانُه، (وَتَنُّورًا) يتعدَّى دخانُه إليه، وكذا دكانَ حِدادةٍ، وقِصَارةٍ، يتأذَّى بدَقِّه بهزِّ الحيطان، لحديثِ: "لَا ضَرَرَ وَلَا ضِرَارَ" (١١)، وهذا إضرارٌ بجارِه. (وَلَهُ) أي: للجارِ (مَنْعُهُ مِنْ ذَلِكَ) الذِي يتضررُ

стр. 1191

منهُ (١). قالَ الشيخُ تقيُّ الدينِ ﵀: "بخِلافِ طبخٍ، وخَبزٍ فيه - أي: في ملكِه - فليسَ للجارِ منعُه منهُ؛ لدُعاءِ الحاجةِ إليه، وللضرورةِ" (٢). وكذَا يحرمُ على الجارِ حفرُ بئرٍ ينقطعُ بها ماءُ بئرِ جارِه، وإشعالُ نارٍ يتعدَّى إليه، ونحوُ ذلكَ مما يؤذيهِ (٣) وإن كانَ هذا الذي يحصلُ منه الضررُ للجارِ - من حمامٍ ورحىً وغيرِهما - سابقًا على ملكِ الجار، مثل من لهُ في ملكِه مدبغةٌ، أو تنورٌ، ونحوُهما، فأحيَا إنسانٌ إلى جانبِه مَواتًا، أو بنَى بجانبِه دارًا، أو نحوَه، أو اشترَى دارًا بجانبِه، بحيثُ أنَّ صاحبَ الملكِ المحدَثِ يتضررُ بالمدبغةِ والتنورِ ونحوِهما، لم يلزمْ صاحبُهما إزالتَه (٤)؛ لأنهُ لم يحدثْ بملكِه، وإنما كانَ موجودًا. تتمةٌ: وقالَ شيخُ الإِسلامِ - الشيخُ تقيُّ الدينِ ابنُ تيميةَ -: "ومَن كانَتْ لهُ مسَاحةٌ يُلقَى فيهَا الترابُ والحيوانُ الميتُ، وتضررَ الجيرانُ بذلكَ، فإنهُ يجبُ على صاحبِها أَن يدفعَ ضررَ الجيران، إما بعمارتِها، أو بإعطائِها لمن يعمرُها، أو بمنعِ أن يلقَى فيها ما يضرُّ بالجيرانِ" (٥). (وَيَحْرُمُ) على الجارِ (التَّصَرُّفُ في جِدَارِ جَارٍ) ولو (مُشْتَرَكـ) ـًا،

стр. 1192

(بِفَتْحِ رَوْزَنَةٍ) والرَّوزَنةُ: الكُوَّةُ - بفتح الكافِ وضمِّها -، وهيَ الخرقُ في الحائطِ (١)، (أَوْ) بفتحِ (طَاقٍ) والطاقُ: مَا عُطِفَ من البنيانِ (٢)، (أَوْ) بأن يحدِثَ عليهِ سترةً، أو أن يحدثَ عليهِ حائطًا، أو خُصًّا (٣) يحجزُه بينَ السطحَين، إلا بإذنِ صاحبِه، أو شريكِه (٤). وإن صالحَه عن ذلكَ بعوضٍ جازَ (٥). ويحرمُ التصرفُ أيضًا في جدارِ الجارِ بـ (ـضرْب وَتَدٍ، وَنَحْوِهِ)، كمِسمارٍ، ورفٍّ، وغيرِه. (إِلَّا) إن كانَ ذلكَ (بإذْنه (فيجوزُ (٦). (وَكَذَا) يحرمُ التصرفِ في جدارِ جارِه بـ (ـوضْعِ خَشَب) عليه، (إِلَّا أَنْ لَا يُمْكِنَ) الـ (ـتسْقِيفُ إِلَّا بِهِ) (٧). (وَيُجْبِرُ) الحاكمُ (الجارَ إِنْ أَبَى) وضعَ الخشبِ - الذِي لا يمكنُ التسقيفُ إلا بهِ - على وضعِه (٨)؛ لأنهُ حقٌّ عليهِ؛ لحديثِ أبي هريرةَ مرفوعًا: "لَا يَمْنَعَن جَارٌ جَارَهُ أَنْ يَضَعَ خَشَبَةً عَلَى جِدَاره"، ثمَّ يقولُ أبو هريرةَ (٩): مَا لي أرَاكُمْ عنهَا مُعرِضينَ؟! والله لأرمِينَّ بهَا بينَ أكتَافِكمْ. متفقٌ عليهِ (١٠). ومعناه: لأضعنَّ هذه السُّنَّةَ بينَ أكتافكُم، ولأحملنَّكُم على

стр. 1193

العملِ بها. وقيلَ معناه: لأضعنَّ جذوعَ الجيرانِ على أكتافِكُم، مبالغةً. ولو كانَ الحائطُ ليتيمٍ، أو مجنونٍ، أو وقفٍ، ونحوِه (١). ما لم يتضررْ بوضعِ الخشبِ عليه، فلا يوضعُ بغيرِ إذنِ ربِّه مطلقًا (٢). وإن صالحَه عنه بشيءٍ جازَ. قالَه في "الإنصافِ" (٣). وقيل: لم يجُزْ؛ لأنه أخذُ عوضٍ على ما يجبُ عليهِ بذلُه (٤). وإن خيفَ سقوطُ الجدارِ بعدَ وضعِه، لزمَ إزالتُه (٥)؛ لأنه يضرُّ بالمالك، وكذا حكمُ جدارِ مسجدٍ (٦). ولو أرادَ الجارُ أن يغرسَ شجرةً يسرِي عروقُه، كشجرةِ الجُمَّيز، فإنَّ سريانَ العروقِ تضرُّ الحائطَ، وتتلِفُه، فيُمنَعُ الجارُ من ذلكَ (٧)، ولجارِه قلعُها إن غرسَها (٨). وإذا حصلَ في هواء، أو أرضِ ما يملكُه، أو بعضِه، ولو بمنفعةٍ، أو بعضِها غصنُ شجرِ غيرِه، أو عرقُه، لزم ربُّه إزالتُه، بردِّه إلى ناحيةٍ أخرى، أو قطعِه (٩). ويضمنُ ما تلفَ به، بعدَ إعلامِ ربِّه بإزالتِه (١٠). فإنْ أبَى فلربّ الأرضِ قطعُه، حيثُ لا يزولُ إلا بهِ (١١). وقالَ الأصحابُ: بلَا حكمِ (١٢) حاكمٍ (١٣). ولا تحرمُ عليهِ في هذهِ

стр. 1194

الحالةِ. وعُلمَ منه: أنه لا يجبرُ مالكُه على إزالتِه، وهوَ الصحيحُ (١)؛ لأنَّ حصولَه فيهِ ليسَ بفعلِه. تتمةٌ: متى وَجدَ فيما آل إليهِ بوجهٍ شرعي، مِن وضعِ خشب، أو بناءٍ، أو مسيلِ مائِه، أو جناحٍ، أو ساباطٍ (٢) في حقِّ غيرِه، أو ماءٍ يجري سطحُه على سطحِ غيرِه، ولم يعلَمْ سبببَه، فهو حقٌّ لهُ (٣)؛ لأنَّ الظاهرَ وضعُه بحقٍّ، من صلحٍ، أو غيرِه، خصوصًا معَ تطاولِ الأزمنةِ. فإنِ اختلفَا فقول صاحبِ ذلكَ معَ يمينِه (٤)؛ عملًا بالظاهرِ. ولمن وَجدَ ذلكَ أخذُ عوضٍ بصلحٍ على إزالتِه، أو على عدمِ إعادتِه إن كانَ زال (٥). ويلزمُ أعلَى الجارَينِ بناءُ سترةٍ تمنعُ مشارفةَ الأسفلِ (٦). فإنِ استويا في العلوِّ اشتركَا في السترةِ (٧). ويُجبرُ من امتنعَ معَ الحاجةِ إلى السترةِ (٨). ولا يلزمُ الأعلى سدُّ طاقتِه، إذا لم يُنظَرْ منهَا ما يحرمُ نظرُه من جهةِ جارِه (٩). (فائدةٌ: لمالكِ البناءِ تعليةُ بنائِه، ولَو أفضَى إلى سدِّ الفضاءِ عَن جارِهِ. قالَه الشيخُ تقيُّ الدينِ (١٠)، مِن "حاشيةِ المنتهَى") (١١). (وَلَهُ) أي: للجارِ (أَنْ يُسْنِدَ قُمَاشَهُ) إلى حائطِ جَاره، وغيره، من غيرِ إذنهِ (١٢)، (وَ) لهُ أن (يَجلِسَ في ظِل حَائِطِ غَيرِهِ)، من غيرِ إذنِهِ (١٣) (وَ) لهُ أن (يَنظُرَ في ضَوءٍ) في

стр. 1195

(سِرَاجِهِ) أي: سراجِ غيره، (مِن غَيرِ إِذنِهِ) (١)، لمشقةِ التحرزِ من ذلكَ، وعدم الضررِ. (وحَرُمَ) على الإنسانِ (أَن يَتَصَرَّفَ في طَرِيقٍ نَافِذٍ بِمَا يَضُرٌ المَارَّ) في الطريقِ (٢)؛ (كإِخرَاج دُكَّانٍ، وَدَكَّةٍ) - بفتحِ الدالِ: وهيَ مِسْطَبةٌ - بكسرِ الميمِ - للجلوسِ عليهَاَ (٣)، ولو كانَ الطريقُ واسعًا، ولو بإذنِ إمامٍ، أو نائبِه (٤)؛ لأنَّ في ذلكَ تضييق علَى كلِّ حالٍ، وضرر (٥)، (وَجَناَحِ) وهوَ الرُّوشَنُ، على أطرافِ خشبٍ أو حجر، مدفونةٍ في الحائطِ (٦)، (وَسَاباطٍ) وهو سقيفةٌ على جدارين، تحتهَا طريقٌ (٧)، (ومِيزَابٍ. ويَضمَنُ مَا تَلِفَ بِهِ) أي: بمَا ذكرَ (٨). ويجوزُ إخراجُ جناحٍ، وساباطٍ، بإذنَ الإِمام، أو نائبهِ (٩)؛ لأنهُ نائبُ المسلمينَ، فإذنهُ كإذنِهم، ولحديثِ الإمامِ أحمد: "أنَّ عمرَ اجتازَ على دارِ العباس، وقد نصبَ ميزابًا إلى الطريق، فقلعُه، فقالَ: تقلعُه وقدْ نصبَه رسولُ الله ﷺ باب بيدهِ؟ فقالَ: وَالله لا تنصبُه إلا علَى ظهرِي، فانحنَى حتى صعدَ على ظهرِه
следующие страницы →