← Фикх ханбали

Фикх ханбали · id 30058

مسلك الراغب لشرح دليل الطالب - ت الهزاني وإدريس

إبراهيم العوفي الصالحي

Полный текст (1 279 стр.). Показаны 1191–1230 · переход к 1196.

стр. 1191

منهُ (١). قالَ الشيخُ تقيُّ الدينِ ﵀: "بخِلافِ طبخٍ، وخَبزٍ فيه - أي: في ملكِه - فليسَ للجارِ منعُه منهُ؛ لدُعاءِ الحاجةِ إليه، وللضرورةِ" (٢). وكذَا يحرمُ على الجارِ حفرُ بئرٍ ينقطعُ بها ماءُ بئرِ جارِه، وإشعالُ نارٍ يتعدَّى إليه، ونحوُ ذلكَ مما يؤذيهِ (٣) وإن كانَ هذا الذي يحصلُ منه الضررُ للجارِ - من حمامٍ ورحىً وغيرِهما - سابقًا على ملكِ الجار، مثل من لهُ في ملكِه مدبغةٌ، أو تنورٌ، ونحوُهما، فأحيَا إنسانٌ إلى جانبِه مَواتًا، أو بنَى بجانبِه دارًا، أو نحوَه، أو اشترَى دارًا بجانبِه، بحيثُ أنَّ صاحبَ الملكِ المحدَثِ يتضررُ بالمدبغةِ والتنورِ ونحوِهما، لم يلزمْ صاحبُهما إزالتَه (٤)؛ لأنهُ لم يحدثْ بملكِه، وإنما كانَ موجودًا. تتمةٌ: وقالَ شيخُ الإِسلامِ - الشيخُ تقيُّ الدينِ ابنُ تيميةَ -: "ومَن كانَتْ لهُ مسَاحةٌ يُلقَى فيهَا الترابُ والحيوانُ الميتُ، وتضررَ الجيرانُ بذلكَ، فإنهُ يجبُ على صاحبِها أَن يدفعَ ضررَ الجيران، إما بعمارتِها، أو بإعطائِها لمن يعمرُها، أو بمنعِ أن يلقَى فيها ما يضرُّ بالجيرانِ" (٥). (وَيَحْرُمُ) على الجارِ (التَّصَرُّفُ في جِدَارِ جَارٍ) ولو (مُشْتَرَكـ) ـًا،

стр. 1192

(بِفَتْحِ رَوْزَنَةٍ) والرَّوزَنةُ: الكُوَّةُ - بفتح الكافِ وضمِّها -، وهيَ الخرقُ في الحائطِ (١)، (أَوْ) بفتحِ (طَاقٍ) والطاقُ: مَا عُطِفَ من البنيانِ (٢)، (أَوْ) بأن يحدِثَ عليهِ سترةً، أو أن يحدثَ عليهِ حائطًا، أو خُصًّا (٣) يحجزُه بينَ السطحَين، إلا بإذنِ صاحبِه، أو شريكِه (٤). وإن صالحَه عن ذلكَ بعوضٍ جازَ (٥). ويحرمُ التصرفُ أيضًا في جدارِ الجارِ بـ (ـضرْب وَتَدٍ، وَنَحْوِهِ)، كمِسمارٍ، ورفٍّ، وغيرِه. (إِلَّا) إن كانَ ذلكَ (بإذْنه (فيجوزُ (٦). (وَكَذَا) يحرمُ التصرفِ في جدارِ جارِه بـ (ـوضْعِ خَشَب) عليه، (إِلَّا أَنْ لَا يُمْكِنَ) الـ (ـتسْقِيفُ إِلَّا بِهِ) (٧). (وَيُجْبِرُ) الحاكمُ (الجارَ إِنْ أَبَى) وضعَ الخشبِ - الذِي لا يمكنُ التسقيفُ إلا بهِ - على وضعِه (٨)؛ لأنهُ حقٌّ عليهِ؛ لحديثِ أبي هريرةَ مرفوعًا: "لَا يَمْنَعَن جَارٌ جَارَهُ أَنْ يَضَعَ خَشَبَةً عَلَى جِدَاره"، ثمَّ يقولُ أبو هريرةَ (٩): مَا لي أرَاكُمْ عنهَا مُعرِضينَ؟! والله لأرمِينَّ بهَا بينَ أكتَافِكمْ. متفقٌ عليهِ (١٠). ومعناه: لأضعنَّ هذه السُّنَّةَ بينَ أكتافكُم، ولأحملنَّكُم على

стр. 1193

العملِ بها. وقيلَ معناه: لأضعنَّ جذوعَ الجيرانِ على أكتافِكُم، مبالغةً. ولو كانَ الحائطُ ليتيمٍ، أو مجنونٍ، أو وقفٍ، ونحوِه (١). ما لم يتضررْ بوضعِ الخشبِ عليه، فلا يوضعُ بغيرِ إذنِ ربِّه مطلقًا (٢). وإن صالحَه عنه بشيءٍ جازَ. قالَه في "الإنصافِ" (٣). وقيل: لم يجُزْ؛ لأنه أخذُ عوضٍ على ما يجبُ عليهِ بذلُه (٤). وإن خيفَ سقوطُ الجدارِ بعدَ وضعِه، لزمَ إزالتُه (٥)؛ لأنه يضرُّ بالمالك، وكذا حكمُ جدارِ مسجدٍ (٦). ولو أرادَ الجارُ أن يغرسَ شجرةً يسرِي عروقُه، كشجرةِ الجُمَّيز، فإنَّ سريانَ العروقِ تضرُّ الحائطَ، وتتلِفُه، فيُمنَعُ الجارُ من ذلكَ (٧)، ولجارِه قلعُها إن غرسَها (٨). وإذا حصلَ في هواء، أو أرضِ ما يملكُه، أو بعضِه، ولو بمنفعةٍ، أو بعضِها غصنُ شجرِ غيرِه، أو عرقُه، لزم ربُّه إزالتُه، بردِّه إلى ناحيةٍ أخرى، أو قطعِه (٩). ويضمنُ ما تلفَ به، بعدَ إعلامِ ربِّه بإزالتِه (١٠). فإنْ أبَى فلربّ الأرضِ قطعُه، حيثُ لا يزولُ إلا بهِ (١١). وقالَ الأصحابُ: بلَا حكمِ (١٢) حاكمٍ (١٣). ولا تحرمُ عليهِ في هذهِ

стр. 1194

الحالةِ. وعُلمَ منه: أنه لا يجبرُ مالكُه على إزالتِه، وهوَ الصحيحُ (١)؛ لأنَّ حصولَه فيهِ ليسَ بفعلِه. تتمةٌ: متى وَجدَ فيما آل إليهِ بوجهٍ شرعي، مِن وضعِ خشب، أو بناءٍ، أو مسيلِ مائِه، أو جناحٍ، أو ساباطٍ (٢) في حقِّ غيرِه، أو ماءٍ يجري سطحُه على سطحِ غيرِه، ولم يعلَمْ سبببَه، فهو حقٌّ لهُ (٣)؛ لأنَّ الظاهرَ وضعُه بحقٍّ، من صلحٍ، أو غيرِه، خصوصًا معَ تطاولِ الأزمنةِ. فإنِ اختلفَا فقول صاحبِ ذلكَ معَ يمينِه (٤)؛ عملًا بالظاهرِ. ولمن وَجدَ ذلكَ أخذُ عوضٍ بصلحٍ على إزالتِه، أو على عدمِ إعادتِه إن كانَ زال (٥). ويلزمُ أعلَى الجارَينِ بناءُ سترةٍ تمنعُ مشارفةَ الأسفلِ (٦). فإنِ استويا في العلوِّ اشتركَا في السترةِ (٧). ويُجبرُ من امتنعَ معَ الحاجةِ إلى السترةِ (٨). ولا يلزمُ الأعلى سدُّ طاقتِه، إذا لم يُنظَرْ منهَا ما يحرمُ نظرُه من جهةِ جارِه (٩). (فائدةٌ: لمالكِ البناءِ تعليةُ بنائِه، ولَو أفضَى إلى سدِّ الفضاءِ عَن جارِهِ. قالَه الشيخُ تقيُّ الدينِ (١٠)، مِن "حاشيةِ المنتهَى") (١١). (وَلَهُ) أي: للجارِ (أَنْ يُسْنِدَ قُمَاشَهُ) إلى حائطِ جَاره، وغيره، من غيرِ إذنهِ (١٢)، (وَ) لهُ أن (يَجلِسَ في ظِل حَائِطِ غَيرِهِ)، من غيرِ إذنِهِ (١٣) (وَ) لهُ أن (يَنظُرَ في ضَوءٍ) في

стр. 1195

(سِرَاجِهِ) أي: سراجِ غيره، (مِن غَيرِ إِذنِهِ) (١)، لمشقةِ التحرزِ من ذلكَ، وعدم الضررِ. (وحَرُمَ) على الإنسانِ (أَن يَتَصَرَّفَ في طَرِيقٍ نَافِذٍ بِمَا يَضُرٌ المَارَّ) في الطريقِ (٢)؛ (كإِخرَاج دُكَّانٍ، وَدَكَّةٍ) - بفتحِ الدالِ: وهيَ مِسْطَبةٌ - بكسرِ الميمِ - للجلوسِ عليهَاَ (٣)، ولو كانَ الطريقُ واسعًا، ولو بإذنِ إمامٍ، أو نائبِه (٤)؛ لأنَّ في ذلكَ تضييق علَى كلِّ حالٍ، وضرر (٥)، (وَجَناَحِ) وهوَ الرُّوشَنُ، على أطرافِ خشبٍ أو حجر، مدفونةٍ في الحائطِ (٦)، (وَسَاباطٍ) وهو سقيفةٌ على جدارين، تحتهَا طريقٌ (٧)، (ومِيزَابٍ. ويَضمَنُ مَا تَلِفَ بِهِ) أي: بمَا ذكرَ (٨). ويجوزُ إخراجُ جناحٍ، وساباطٍ، بإذنَ الإِمام، أو نائبهِ (٩)؛ لأنهُ نائبُ المسلمينَ، فإذنهُ كإذنِهم، ولحديثِ الإمامِ أحمد: "أنَّ عمرَ اجتازَ على دارِ العباس، وقد نصبَ ميزابًا إلى الطريق، فقلعُه، فقالَ: تقلعُه وقدْ نصبَه رسولُ الله ﷺ باب بيدهِ؟ فقالَ: وَالله لا تنصبُه إلا علَى ظهرِي، فانحنَى حتى صعدَ على ظهرِه

стр. 1196

فنصبَه" (١). [هذا] إذا كانَ بلَا ضررٍ، بحيثُ يمكنُ عبورُ محملٍ من تحتِه (٢). وإلَّا لمْ يجزْ وضعُه، ولا إذنهُ فيهِ (٣) (٤). فإن كانَ الطريقُ منخفضًا وقتَ وضعهِ ثمَّ ارتفعَ لطولِ الزمن، فحصلَ بهِ ضرر، وجبَت إزالتهُ. ذكرهُ شيخُ الإِسلامِ الشيخُ تقيُّ الدينِ (٥). (وَيَحرُمُ التَّصَرُّفُ بذَلِكَ) أي: كمَا ذكر (فِي مُلْكِ غَيرِه، أَوْ) في (هَوَاءِ) غيرِ (هِ)، (أَوْ) في (دَرْبِ غَيرِ نَافِذٍ)، أو بفتحِ باب في ظهرِ دارٍ في الدرب لأجلِ الاستطراقِ (٦)، (إِلَّا بَإِذْنِ) مالكِه، إن كانَ في ملكِ غيرِه، أو بإذنِ (أَهْلِهِ) أي: أهلِ الدربِ (٧). ويجوزُ فتحُه لغيرِ استطراقٍ، كَلِضوءٍ، ونحوِه (٨). ويجوزُ فتحُه بغيرِ إذنٍ، إذا كانَ في دربٍ نافذٍ، ولو لاستطراقٍ (٩)؛ لأنَّ الحقَّ فيهِ لجميعِ المسلمينَ، وهو منهمْ. ويجوزُ الصلحُ بعوضٍ على إخراجِ دُكانٍ، ودَكةٍ، وجَناحٍ، وسَابَاطٍ، وفتحِ بابٍ في ملكِ غيره، أو هوائِه، إذا كانَ بإذنِه (١٠)، بشرطِ أن يكونَ ما

стр. 1197

يخرجُه معلومَ المقدارِ في الخروجِ والعلوِّ (١). ولا يجوزُ أن يحقرَ في الطريقِ النافذِ بئرًا لنفسِه، ولو لمجمعِ ماءِ مطرٍ، ولو بلا ضررٍ (٢). وإن أرادَ حفرَها للمسلمينَ لنفعِهم في طريقٍ ضيقٍ، أو في ممرِّ الناس، بحيثُ يخاف السقوطَ فيهَا، أو بحيثُ يضيقُ عليهِم ممرُّهم، لم يجزْ (٣). وإن حفرَها في زاويةٍ من طريقٍ واسعٍ، وجعلَ عليهَا ما يمنعُ الوقوعَ فيهَا، جازَ (٤)؛ لأنَّ في ذلكَ مصلحةً للمسلمينَ. ويجوزُ نقلُ باب دارٍ في دربٍ غيرِ نافذٍ، مِن آخرِ الدربِ إلى أولِه (٥)، بلَا ضررٍ (٦). فإنْ حصلَ به ضررٌ كأن (٧) فتحَه في مقابلةِ بابِ غيرِه ونحوِه، مُنعَ منهُ (٨). ولا يجوزُ نقلُه من أولِه إلى داخلِ منهُ إلا بإذنِ مَنْ فوقَه (٩). ومعَ الإذنِ فلا رجوعَ فيهِ بعدَ فتحِه، ويكونُ إعارةً إن أذنُوا (١٠). قالَ في "شرحِ المنتهى": "قلتُ: لكن ليسَ للآذنِ الرجوعُ بعدَ فتحِ الداخلِ وسدِّ الأولِ" (١١). ومن خرقَ بين دارينِ متلاصقينِ له، باباهُما في دربَينِ مشتركَين، واستطرقَ إلى كل منهما، جازَ (١٢). (وَيُجْبَرُ الشَّرِيكُ عَلَى الْعَمَارَةِ) في [العينِ المشتركةِ … (١٣)، ودلاوبٍ … (١٣)، وناعورةٍ … (١٣)] مما يحتاجُ إليه، - أي: للعمارةٍ -

стр. 1198

(مَعَ شَرِيكِهِ) (١)، كما يجبرُ على نقضِه معهُ عندَ خوفِ سقوطِه (٢)، (في المُلْكِ وَالْوَقْفِ) (٣). فإن أبَى الشريكُ، أخَذَ الحاكمُ من مالِه، إن كانَ نقدًا، أو باعَ من عُروضِه، وأنفقَ بقدرِ حصتِه (٤). فإن تعذرَ، اقترضَ الحاكمُ عليهِ (٥). فإن بنَى الشريكُ بإذنِ شريكِه، أو بإذنِ الحاكم، أو بدونِ إذنِهما، بنيةِ الرجوع، رجعَ بما أصرفَه على قدرِ حصتِه (٦). وإن بناهُ لنفسِه بآلتِه، فهوَ بينهُما (٧). وإن بنَاه بآلةٍ من عندِه، فهو لهُ خاصةً (٨). فإن أرادَ نقضَه، فلهُ ذلكَ (٩)، إلا أن يدفعَ إليهِ شريكُه نصفَ قيمتِه، فلا يكونُ له نقضُه (١٠). ولو أرادَ غيرُ البانِي نقضَه، أو إجبارَ بانيهِ على نقضِه، لم يكنْ لهُ ذلكَ (١١). (وَإِنْ هَدَمَ الشَّرِيكُ) ما كانَ بينهُما شركةً منَ (البِنَاءِ) مِن غيرِ إذنِ شريكِه، (وَكانَ) البناءُ (مَخُوفَ سُقُوطِهِ) أي: آيلٌ إلى السقوط، (فَلَا شَيءٍ عَلَيهِ) لشريكِه فيما هدمَهُ (١٢)، لما فيهِ منَ المصلحةِ. قالَ شيخُنا في "شرحِه على الإقناع": "قياسُ ما سبقَ - أي: في رجوعِ الشريكِ بما عمَّرَه على شريكِهِ - يرجعُ - يعني: على

стр. 1199

شريكِه - بما يقابلُ حصتَه من أجرةِ الهدم، إن نوَى الرجوعَ". انتهى (١). كما لو انهدمَ المشترَكُ بنفسِه. (وَإِلَّا) أي: وإن لم يكنِ البناءُ مخوفَ السقوط، (لَزِمَتهُ) أي: لزمَ الشريكَ (إِعَادَتُهُ) أي: إعادةُ البناءِ كما كانَ (٢)؛ لتعديهِ بغيرِ مسوغٍ شرعيٍّ. وإن كانَ السفلُ لواحدٍ، والعلو لآخرَ، فالسقفُ بينهُما … (٣) لا يختصُّ بصاحبِ العلوِّ (٤). وإنِ انهدمَ سفلٌ لإنسانٍ، وعلوٌ لغيرِه، انفردَ صاحبُ السفلِ ببنائِه، وأجبرَ على بنائه (٥)؛ ليتمكنَ صاحبُ العلوِّ منَ الانتفاعِ بهِ. وإن كانَ على العلوِّ طبقةٌ ثالثةٌ، فصاحبُ الوسطِ معَ من فوقَه كمَنْ تحتَه معهُ [في] (٦) حكمِ ما ذكرَ (٧). (وَإِنْ أَهْمَلَ) أحدُ الـ (ـشرِيكـ) ـينِ (بِنَاءَ حَائِطِ بُسْتَانٍ اتَّفَقَا) الشريكانِ (عَلَيهِ) - أي: على بنائِه - إلى أن أتلفَ من ثمرةِ البستان، (فَمَا تَلِفَ مِنْ ثَمَرَتِهِ) أي: من ثمرةِ البستانِ (بِسَبَبِ إِهْمَالِه) أي: إهمالِ شريكِه، (ضَمِنَ) الشريكُ المهملُ ما تلفَ مِن (حِصَّةِ شَرِيكِهِ). قالَهُ الشيخُ (٨)؛ لتلفِه بسببِه. تتمة: لو [طلبَ] (٩) أحدٌ منَ الشريكَينِ بناءَ حائطٍ بينَ مُلكَيهِما، لم يجبرِ الممتنعُ منهما (١٠)، ويبنِي الطالبُ في ملكِه إن شاءَ (١١). وإذا اختلفَ المتصالحانِ في قدرِ الصلح، ولا بينةَ لواحدٍ منهمَا بطلَ الصلحُ، وعادَ إلى أصلِ الخصومةِ. قاله في "المستوعبِ" (١٢).

стр. 1200

(كِتَابُ الحَجْرِ) للمفلسِ وغيرِه (وَهُوَ) - بفتحِ الحاءِ، وكسرِها - لغةً: الضيقُ والمنعُ. ومنهُ سميَ الحرامُ، والعقلُ حِجْرًا، قالَ تعالى: ﴿وَيَقُولُونَ حِجْرًا مَحْجُورًا﴾ (الفرقان: ٢٢)، أي: حرامًا محرَّمًا. وسميَ العقلُ حِجرًا؛ لأنه يمنعُ صاحبَه منَ ارتكابِ ما يقبحُ وتضرُّ عاقبتُه (١). وشرعًا: (مَنْعُ المَالِكِ مِنَ التَّصَرُّفِ في مَالِهِ) (٢). قولُه: "منعُ مَالكٍ": مشَى على عبارةِ "المنتهَى" (٣)، قالَ شيخُنا في "حاشِيتِه على المنتهى": "لَو غيَّرَ بدلَ (مالكٍ) بـ (إنسانٍ) كـ "المنقِّح" (٤)، و"الإقناعِ" (٥)، لكانَ أولَى؛ لأن القِنَّ من المحجورِ عليهِم، وهوَ لا مالَ لهُ" (٦). والمنعُ سواءٌ كانَ من قِبلِ الشرع، - كالصغير، والمجنون، والسفيهِ -، أو مِن قبلِ الحاكم، - كمنعِ المشترِي من التصرفِ في مالِه حتى يقضيَ الثمنَ الحالَّ - (٧) (٨).

стр. 1201

(وَهُوَ) أي: الحجرُ (نوْعَانِ). النوعُ (الأوَّلُ): الحجرُ (لِحَقِّ) أي: لحظِّ (الْغَير، كَالْحَجْرِ عَلَى مُفْلِسٍ)، لحقِّ الغرماءِ (١) - فالمفلسُ عندَ الفقهاءِ: مَن دينُه أكثرُ من مالِه (٢) -، (وَ) على (رَاهِنٍ)، لحقِّ المرتهِنِ في الرهنِ بعدَ لزومِه (٣). (وَ) على (مَرِيضٍ) مرضَ موتٍ مخوفًا، فيما زادَ على الثلث، لحقِّ الورثةِ (٤)، (وَ) علَى (قِنٍّ، وَ) على (مُكَاتَبٍ)، لحقِّ سيدِه (٥)، (وَ) على (مُرْتَدٍّ)، لحقِّ المسلمينَ؛ لأنَّ تركتَه فيءٌ (٦)، (وَ) على (مُشْتَرٍ) في شقصِ مشفوع، اشتراه (بَعْدَ طَلَبِ الشَّفِيعِ) لهُ - على القولِ بأنه لا يملكُه بالطلبِ -، لحقِّ الشفيعِ (٧). النوعُ (الثَّانِي): الحجرُ (لِحَظِّ نَفْسِه، كـ) حجرٍ (عَلَى صَغِيرٍ، وَمَجْنُونٍ، وَسَفِيهٍ)؛ لأنَّ مصلحةَ الحجرِ عائدةٌ عليهِم، لا تتعداهُم. والحجرُ عليهمْ عامٌّ في أموالِهم، وذممِهم. وكذَا شيخٌ كبيرٌ إذا اختلَّ عقلُه حُجرَ عليه، بمنزلةِ الجنونِ؛ لعجزِه عنِ التصرفِ في مالِه (٨). ونقلَ المروذيُّ: أنْ يحجرَ الابنُ علي الأبِ إذا أسرفَ، بأن يضعَه في الفساد، وشراءِ المغنيات، ونحوِه (٩). (وَلَا يُطَالَبُ المَدِينُ، وَلَا يُحْجَرُ

стр. 1202

عَلَيهِ بِدَيْنٍ لَمْ يَحِلَّ" (١)؛ لأنهُ لا يلزمُه أداؤُه قبلَ حلولِه. (لَكِنْ لَوْ أَرَادَ) المديونُ (سَفَرًا) وأطلقَه الأكثرُ (٢)، وقيدَه الموفقُ، والشارحُ، وجماعةٌ: إذا كانَ (طَوِيلًا) (٣)، قال في "الإنصافِ": "ولعلَّه أولَى" (٤). - والطويلُ: ما كانَ فوقَ مسافةِ القصرِ -، (فَلِغَرِيمِهِ) أي: لربِّ الدينِ (مَنْعُهُ) منَ السفرِ (حَتَّى يُوَثِّقَهُ بِرَهْنٍ يُحْرِزُ) الدينَ - أي: يفِي بهِ - (أَوْ) يوثقَه بِـ (ـكَفِيلٍ مَلِيءٍ) أي: قادرٍ على وفاءِ الدينِ (٥)؛ [لأنَّ في تأخيرِه ضرر (٦) علَى ربِّ الدين، وقدومُه منَ السفرِ عندَ حلول حقِّه غيرُ متيقَّنٍ، ولا ظاهرٌ]. وهذَا السفرُ إذا كانَ غيرَ سفرِ جهادٍ متعينٍ لاستنفارِ الإمامِ لهُ، ونحوِه، فلا يمتنعُ منَ السفرِ لهُ (٧). فلو أرادَ المدينُ وضامنُه معًا السفرَ، فللغريمِ منعُهما، أو منعُ أيِّهما شاءَ (٨). وإنْ أرادَ المدينُ سفرًا، وهو عاجزٌ عن وفاءِ

стр. 1203

دَينِه، فلغريمِه منعُه، حتى يقيمَ كفيلًا. قالَه الشيخُ تقيُّ الدينِ (١)؛ لأنهُ قد يوسِرُ في سفرِه، فلا يتمكنُ ربُّ الدينِ طلبَه بإحضارِه. ومَن دينُه حالًا (٢)، وهو قادرٌ على وفائِه، وطلبَه المدينُ، فسافرَ قبلَ وفائِه، لم يجُزْ له أن يترخصَ بقصرٍ، ولا فطرٍ، ولا أكلِ ميتةٍ (٣)؛ لأنه عاصٍ بسفرِه. (وَلَا يَحِلُّ دَين مُؤَجَّلٌ بِجُنُونٍ) (٤)، (وَلَا بِمَوتٍ، إِنْ وَثَّقَ وَرَثَتُه بِمَا تَقَدَّمَ) (٥) مِن رهنٍ يحرِزُ، أو كفيلٍ مليءٍ. ويحرمُ مطالبةُ مَن عليهِ دينٌ مؤجلٌ قبلَ حلولِ أجلِه، ولا يحجرُ عليهِ (٦). (وَيَجِبُ عَلَى مَدِينٍ قَادِرٍ وَفَاءُ دَينٍ حَالً فَوْرًا، بِطَلَب رَبِّهِ) أي: ربِّ الدينِ (٧)؛ لقولِه ﵊: "مَطْلُ الْغَنِي ظُلْمٌ" (٨)، وبالطلبِ يتحققُ المطلُ، وبعدمِ الطلبِ لم يجبِ الفورُ. ولا يحجرُ على مَن لهُ مالٌ يفِي بدينِه (٩)، ولو كانَ عليهِ دينٌ مؤجل غيرُه لا يفِي بهِ (١٠)؛ لأنَّ المؤجلَ لا يطالَبُ بهِ قبلَ حلولِه. ويُمهلُ المدينُ بقدرِ بيع سلعتِه، إذا طلبَ ذلكَ ليوفيهِ منهَا، وكذلكَ يُمهلُ بقدرِ إمكانِ اقتراضٍ، ونحوِه (١١)؛ لأنهُ ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ [البقرة: ٢٨٦]. فإنْ خافَ هربَه احتاطَ بملازمتِه، أو كفيلٍ (١٢). وإن طلبَ المدينُ أن يرسُمَ عليهِ (١٣) حتى يفعلَ ذلكَ، وجبَتْ إجابتُه إليه، ولم يجزْ منعُه من ذلكَ

стр. 1204

بحبسِه (١)، وكذَا إذا طلبَ محبوسٌ ذلكَ (٢). (وَإِنْ مَطَلَهُ المَدِينُ حَتَّى شَكَاهُ) ربُّ الدينِ، (وَجَبَ عَلَى الْحَاكِمِ أَمْرُهُ بِوَفَائِه" (٣). (فَإنْ أَبَى) المدينُ الوفاءَ (حَبَسَهُ) الحاكمُ (٤)، لحديثِ عمرو بنِ الشريدِ (٥)، عن أَبيهِ (٦)، مرفوعًا: "ليُّ الْوَاجِدِ ظُلْمٌ يُحِلُّ عِرْضَهُ وَعُقُوْبَتَهُ". رواهُ أحمد (٧). قالَ أحمد: "قالَ وكيعٌ (٨): عِرضُه شكواهُ، وعقوبتُه حبسُه" (٩). قالَ في

стр. 1205

"المغني": "إذا امتَنعَ الموسِرُ مِن قضاءِ الدَّين، فلِغريمِه ملازمتُه، ومطالبتُه، والإغلاظُ عليهِ بالقول، فيقولُ: يا ظالمُ، يا معتدي، ونحوُه، للخبر، وحديثِ: "إِنَّ لِصَاحِبِ الْحَقِّ مَقَالًا (١) " (٢) " (٣). تنبيهٌ: قالَ الشيخُ تقيُّ الدينِ ابنُ تيميةَ: "وَلَا يجبُ حبسُه في مَكانٍ معَينٍ، بلِ المقصُودُ: منعُه منَ التصرف، حتَّى يؤديَ الحقَّ، فيحبسُ، ولو في دارِ نفسِه، بحيثُ لا يمكَّنُ منَ الخروج" (٤). (وَلَا يُخْرِجُهُ) منَ الحبسِ (حَتَّى يَتَبَيَّنَ أَمْرُهُ) أي: حالُه (٥). (فَإِنْ كانَ) تبينَ حالُه بأنهُ (ذُو عُسْرَةٍ، وَجَبَتْ تَخْلِيَتُهُ) أي: إطلاقُه (٦)، (وَحَرُمَتْ مُطَالَبَتُهُ) وملازمتُه، (وَالْحَجْرُ عَلَيهِ مَا دَامَ مُعْسِرًا) (٧)؛ لقولِه تعالَى: ﴿وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ (البقرة: ٢٨٠) (٨)، ولقولِه ﷺ لغرماءِ الذِي كثُرَ دينُه: "خُذُوا مَا وَجَدْتُّمْ، وَلَيسَ لَكُمْ إِلَّا ذَلِكَ" (٩). فإنْ أصرَّ المليءُ على الحبس، ولم يقضِه دينَه، باعَ الحاكمُ مالَه، وقضَى منه

стр. 1206

دينَه (١)؛ لأنَّ النبيَّ ﷺ حجَرَ على مُعاذٍ (٢) مالَه، وباعَه في دينٍ كانَ عليهِ (٣). رواهُ الحاكمُ (٤)، قال صاحبُ "الفصولِ" (٥) وغيرُه: "إِذَا أصرَّ علَى الحبس، وصبرَ عليه، ضربَه الحاكمُ" (٦). وقالَ أيضًا: "فَإِن أبَى عزرَه، ويكررُ حبسَه وتعزيرَه، حتَّى يقضيَه" (٧). قال شيخُ الإِسلامِ ابنُ تيميةَ: "في كلّ يومٍ لا يُزادُ على أكثرِ التعزير، وهوَ عشرُ ضربَاتٍ، إن قيلَ بتقديرِه - أي: بتقديرِ التعزيرِ - " (٨). وجزمَ بمعنَى ذلكَ في "المنتهَى" (٩). وإنْ ادَّعى المدينُ الإعسارَ (١٠)، فأنكرَه المدعَى، وسألَ الحاكمَ تفتيشَه، وجبَت إجابتُه (١١). فإنْ صدقَه المدعَى لم يُحبَسْ، ووجبَ إنظارُه إلى ميسرةٍ (١٢). وإن ادَّعى المدينُ الإعسارَ، ولم يصدقْه

стр. 1207

غريمُه (١)، وأقامَ بينةً بقدرتِه (٢)، أو حلفَ أنهُ لا يعلمُ عسرَه، أو أنه موسرٌ، أو ذو مالٍ، حُبِسَ (٣). فإنْ لمْ يحلفْ حلفَ المدينُ أنهُ معسرٌ، وخُلِّيَ سبيلُه (٤)، إن لم يُقِم المدينُ بينة بإعسارِه (٥). وتسمعُ بينةُ الإعسارِ قبلَ حبسِه، وبعدَه (٦) فإنْ قامَت بينة بمالٍ معين للمدين، فأنكرَ، قضِي منه دينُه (٧). وكذَا لو قالَ: هوَ لزيدٍ، ولمْ يصدقْه … (٨). فإن صدقَه زيدٌ، فهوَ لهُ معَ حلِفِه (٩)؛ لاحتمالِ المواطأةِ.

стр. 1208

تتمةٌ: لو مطلَ المدينُ ربَّ الحق حتى شكَاهُ، فما غرمَه بسببِه علَى المماطلِ (١). وفِي "الرعايةِ": "لَو أحضرَ مُدعىً به، ولم يثبُت للمدعِي، لزمَ المدعِي مؤنةُ إحضارِه، ومؤنةُ ردِّهِ إلى موضعِه؛ لأنهُ ألجأَه لذلكَ بغيرِ حقٍّ. وإلا - بأنْ أثبتَه على المنكرِ - لزمَه مؤنةُ حضورِ المدعِي، ومؤنةُ ردِّه إلى موضعِه" (٢)؛ لحديثِ: "عَلَى الْيَدِ مَا أَخَذَتْ حَتَّى تُؤَدِّيَهُ" (٣). وإن غرمَ شخصٌ بسببِ كذبٍ عليهِ عندَ وليِّ الأمر، أو بإغراءٍ، أو بدلالةٍ عليه، رجعَ الغارمُ على المتسببِ بما غرمَ (٤). (وَإِنْ سَأَل غُرَماءٌ) كلُّهم أو بعضهم (٥) (مَنْ لَهُ مالٌ لَا يَفِي) أي: لا يقومُ المال الذِي معهُ بوفاءِ دينِه (الْحَاكِمَ الْحَجْرَ عَلَيهِ لَزِمَهُ) أي: الحاكمَ (إِجَابَتُهُمْ) للحجرِ عليهِ (٦)؛ لحديثِ معاذٍ السابقِ (٧). فإنِ ادعَى المدينُ تلفَ مالِه، أو نفادَه، فإنْ صدقَه ربُّ الدينِ لم يحبسْ. وإنْ لمْ يصدقْهُ، وأقامَ بينةً بقدرته، أو حلفَ ربُّ الدينِ أنهُ لا يعلمُ عسرتَه، أو أنه موسرٌ، أو ذو مالٍ، ونحوُه، حبسَ. فإن لم يحلفْ حلفَ المدينُ، وخلِّيَ سبيلُه (٨). فإن شهدَت بينةٌ بنفادِ مالِه، أو تلفِه، حلفَ معهَا أنه لا مالك له في الباطن، وخلِّيَ سبيلُه (٩). (وَسُنَّ) للحاكمِ (إِظْهَارُ حَجْرِ) المدينِ (لِفَلَسٍ)، وإظهارُ حجرٍ لسفهٍ (١٠)؛ ليعلمَ الناسُ حالَهما؛ ليُتجنَّبَ معاملتُهما.

стр. 1209

ويستحبُّ الإشهادُ على حجرِهما (١)؛ لينتشرَ ذلكَ؛ لأنهُ ربمَا يعزَلُ الحاكمُ، أو يموتُ، فيثبتُ الحجرُ بعدَه عندَ آخرٍ، فلَا يحتاجُ إليهِ ثانيًا. وإذا حبسَتِ الزوجةُ زوجَها لم يسقطْ من حقوقِه عليهَا شيءٌ، فلهُ إلزامُها بملازمةِ بيتِه، وأن لا تُدخِلَه أحدًا إلا بإذنِه. وإذا طلبَ منها الاستمتاعَ في الحبسِ فعليهَا أنْ توفيهِ ذلكَ. قالهُ الشيخُ تقيُّ الدينِ (٢). تنبيهٌ: كلُّ ما فعلَه المفلسُ في مالِه قبلَ الحجرِ عليهِ من بيعٍ، أو هبةٍ، أو عتقٍ، أو إقرارٍ، أو قضاءِ بعضِ الغرماء، وغيرِ ذلكَ، فهوَ نافذٌ، ولو استغرقَ جميعَ مالِه (٣)، مع أنهُ يحرمُ على المدينِ التصرفُ بما يضرُّ غريمَه (٤). ويحرمُ على المعسرِ أن ينكرَ أن لا حقَّ للمدعِي عندَه، وأن يحلفَ، ولو وارَى في اليمينِ (٥). قالَ في "الإنصاف": "لو قيلَ بجوازِه إذا تحققَ ظلمُ ربِّ الدينِ لهُ - بحبسِه، أو منعِه منَ القيامِ على عيالِهِ - لكانَ له وجهٌ" (٦). انتهى. (فصلٌ) (وَبفَائِدَةِ الْحَجْرِ) علَى المفلسِ (أَحْكَامٌ) أربعٌ. (أَحَدُهَا: تَعَلُّقُ حَقَ الْغُرَمَاءِ بِالمَالِ) الذي بيدِ المفلسِ (٧)، (فَلَا يَصِحُّ تَصَرُّفُهُ فِيهِ) أي: في مالِه بعدَ الحجرِ عليهِ (بِشَيءٍ) مِن بيعٍ، أو صدقةٍ، أو غيرِهِ (٨)، (وَلَوْ بِالْعِتْقِ) (٩). حتى مَا يتجددُ له بعدَ الحجرِ عليهِ بإرثٍ، أو هبةٍ، أو أَرشِ جنايةٍ، ونحوِه (١٠). إلا بتدبيرٍ، أو

стр. 1210

وصيةٍ (١)؛ لكونِهما لا يخرجانِ إلا بعدَ موتٍ مِن ثلثِ مالِه - إذا كانَ لهُ مالٌ -، بعدَ وفاءِ دينِه. فإنْ كانَ المفلسُ صانعًا - كالقصَّار، والحايكِ - في يدِه متاعٌ، فأقرَّ به لأربابِه، لم يقبلْ إقرارُه (٢)؛ لأنه متهمٌ، وتباعُ العينُ التي في يدِه، وتقسمُ بينَ الغرماء، وتكونُ قيمتُها واجبةً على المفلس، إذا قدرَ عليهَا بعدَ فكِّ الحجرِ عنهُ (٣). (وَإِنْ تَصَرَّفَ) المفلسُ المحجورُ عليهِ (في ذِمَّتِهِ بِشِرَاءٍ)، أو ضمانٍ، (أَوْ إِقْرَارٍ، صَحَّ) تصرفُه فيهِ (٤)، (وَطُولِبَ بِهِ بَعْدَ فَكِّ الْحَجْرِ عَنْهُ) (٥)؛ لأنَّ الحجرَ متعلق بمالِه لحقِّ الغرماء، ولم يكنْ متعلِّقًا لحقِّ الغرماءِ الذِي بذمتِه. سواء علمَ مَن عاملَه بعدَ الحجرِ أنه محجورٌ عليه، أم لَا (٦). بخلافِ السفيه، ونحوِه، فيؤاخذُ بالتصرفِ فيما ذكرَ (٧). وإِن توجهَ على المفلسِ يمينٌ لإنكارِه عما ادُّعِيَ بهِ عليه، فنكلَ، فقُضيَ عليه، فكإقرارِه، يلزمُ في حقِّه، فيتبعُ بهِ بعدَ فكِّ الحجرِ عنهُ، فلا يشاركُ الغرماءَ (٨)؛ للتهمةِ. بخلافِ ما ثبتَ عليه ببينةٍ، فيشاركُ الغرماءَ في مالِه المحجورِ عليهِ (٩). ويشاركُ الغرماءَ مَن جنَى عليهِ جنايةً موجبةً للمال، أو كانَتِ الجنايةُ موجبةً للقصاصِ - كالعمدِ -، فعفَى صاحبُها إلى مالٍ (١٠). وإن جنَى عبدُه قُدِّمَ المجنيُّ عليهِ بثمنِ العبدِ على الغرماءِ (١١). (الثَّانِي) منَ الأحكامِ المتعلقةِ بالحجرِ: (أَنَّ مَنْ وَجَدَ عَينَ مَا بَاعَهُ

стр. 1211

أَوْ أَقْرَضَهُ)، ولَو كانَ ما باعَه بعدَ الحجرِ عليهِ غيرَ عالمٍ بالحجرِ عليهِ (١)، لعدمِ تقصيرِه. أو ما أسلمَ مِن رأسِ مالِ سلمٍ، ونحوِه، عندَ من حُجِرَ عليهِ لفلسٍ (٢)، (فَهُوَ) أي: واجدُ عينِ مالِه (أَحَقُّ بِهَا) (٣)، لحديثِ أبي هريرةَ: أنَّ النبي ﷺ قالَ: "مَنْ أَدْرَكَ مَتَاعَهُ بِعَينِهِ عِنْدَ إِنْسَانٍ أفلَسَ فَهُوَ أَحَقُّ بِهِ" متفقٌ عليهِ (٤). وهوَ بالخيارِ بينَ أخذِها، وبينَ أن يشاركَ الغرماءَ (٥). سواءٌ كانتِ السلعةُ مساويةً لثمنِها، أو لَا (٦). ولو بعدَ خروجِها من يدِ المفلس، وعَودِها إليهِ بفسخٍ، أو شراءٍ، أو إرثٍ، أو هبةٍ، أو وصيهٍ (٧). فلَو أنَّ المفلسَ اشترَى سلعةً، وباعَها، واشتراهَا، فهيَ لأحدِ البائعَينِ بقرعةٍ (٨). فإن تركَ أحدُهما، فللثانِي أخذُها بلا قرعةٍ (٩). ويشترطُ لملكِ الرجوعِ سـ (ـبْـ) ـعةُ (شُرُ) و (طٍ). أحدُها: (كَوْنُهُ) أي: من يملكُ الرجوعَ (لَا يَعْلَمُ بِالْحَجْرِ) علَى المفلسِ (١٠). (وَ) الثانِي: مِن الأحكامِ المتعلقةِ بالحجرِ (١١): (أَنْ

стр. 1212

يَكُونَ المُفْلِسُ حَيًّا) (١)، لما وردَ في حديثِ ابن هشامٍ (٢): إلى أن قالَ النبي ﷺ : "وَإنْ مَاتَ المُشْتَرِي فَصَاحِبُ المَتَاعِ أُسْوَةُ الْغُرَمَاءِ". رواهُ أبو داودَ مرسلًا (٣). (وَ) الثالثُ: (أَنْ يَكُونَ عِوضُ الْعَينِ كلُّهُ بَاقِيًا في ذِمَّتِه) أي: ذمةِ المفلسِ (٤)، لما في الرجوعِ في قِسطِ باقِي العوضِ منَ التشقيص، وإضرارِ المفلسِ والغرماء، لكونِه لا يرغبُ فيهِ كالرغبةِ في الكاملِ. هذَا إن كانتِ السلعةُ عينًا واحدةً في مبيعٍ. فإن كانتْ عينينِ؛ كعبدَين، أو ثوبَين، ونحوِهما، فتلفَتْ واحدةٌ منهما، أو رهنَها، وبقيَ الأخرَى، رجعَ فيها، فيأخذُها بقسطِها منَ الثمنِ (٥). (وَ) الرابعُ مِن الأحكامِ المتعلقةِ بالحَجرِ (٦): (أَنْ تَكُونَ) السلعةُ (كلُّهَا في مُلْكِهِ) أي: ملكِ المفلسِ (٧)، فلا رجوعَ إن تلفَ بعضُها، أو بيعَ، أو وُقِفَ، ونحوَه (٨)؛ لأن البائعَ ونحوَه لمْ يدركْ متاعَه، وإنما أدركَ بعضَه. (وَ) الخامسُ مِن الأحكامِ المتعلقةِ بالحجرِ (٩): (أَنْ تَكُونَ)

стр. 1213

السلعةُ (بِحَالِهَا لَمْ تَتَغَيَّرْ صِفَتُهَا) أي: بأن لم تنقصْ ماليتُها، بذهابِ صفتِها (بِمَا يُزيلُ اسْمَهَا)، ولَو معَ بقائِها (١)، كنسيجٍ غُزِل، ودقيقٍ خُبِزَ، وزيتٍ عُمِلَ صابونًا، وقَطعِ ثوبِ قميصًا، ونَجْرِ خشبٍ أبوابًا، ونحوِه، وكالبكرِ إذا وطئَتْ، وكالقنِّ إذا جُرحَ. فإذَاَ وجدَ تغيرُ الصفةِ فلَا رجوعَ (٢)؛ لذهابِ جزءٍ منَ العينِ لهُ بدلٌ، وهوَ المهرُ، أو الأرشُ. بخلافِ وطءِ الثيبِ بلا حملٍ (٣)، أو حملَتْ وولدَت، فهوَ زيادةٌ منفصلةٌ، يملكُ به الأخذَ (٤)، وبخلافِ هزالٍ، ونسيانِ صنعةٍ (٥). وكذَا إن صبغَ الثوبَ، أو قصرَه، أو لتَّ السويقَ (٦) بزيتٍ، لم يمنعِ الرجوعِ (٧). ما لم ينقصْ ذلكَ به (٨)، فإن نقصَ بهِ سقطَ الرجوع؛ لأنه ناقصَ بفعلِه، فأشبهَ إتلافَ البعضِ. وقطعَ بهِ في "التنقيحِ" (٩)، و"المنتهى" (١٠). ورَدَّ هذَا التعليلَ في "المغني": بأنَّ هذَا النقصَ نقصُ صفةٍ، فلا يمنعُ الرجوعَ، كنسيانِ صنعةٍ، وهزال عبدٍ (١١). وقال المجدُ: "هو الأصحُّ" (١٢) - أي: الرجوعُ -، وجزمَ به في "المبدعِ" (١٣). وإنْ زادَتِ القيمةُ بما ذكرَ

стр. 1214

من الصبغِ ونحوِه، فالزيادةُ في ذلكَ للمفلس، فيكونُ في ذلكَ شريكًا معَ صاحبِه (١). (وَلَمْ تَزِدْ زِيَادَةً مُتَّصِلَةً)، كسِمنٍ، وكِبرٍ، وتعلمِ صنعةٍ، وقرآنٍ، وكتابةٍ، وحَملٍ (٢). لا إن وَلدَت، فهوَ زيادةٌ منفصلةٌ لم تزول (٣) صفتُها بهِ (٤). فإنْ وُجدَ شيءٌ منْ ذلكَ مَنعَ الرجوعَ؛ لأنَّ الحديثَ محمولٌ على مَن وجدَ متاعَه على صفةٍ ليسَ بزائدٍ، لقولِه ﷺ : "مَنْ أَدْرَكَ مَتَاعَهُ بِعَينِهِ عِنْدَ إِنْسَانٍ أفلَسَ فَهُوَ أَحَقُّ بِهِ" (٥)، (وَ) السادسُ: أن تكونَ العينُ (لَمْ تَخْتَلِطْ بِغَيرِ مُتَمَيِّزٍ) أي: بما لا يتميزُ منهُ - كزيتٍ بزيتٍ، أو قمحٍ بقمحٍ، ونحوِه -، فلا رجوعَ فيهِ (٦). وقولُه ﷺ : "مَنْ أَدْرَكَ مَتَاعَهُ بِعَينِهِ"، أي: قدِرَ عليَه، وتمكنَ مِن أخذِه. (وَ) السابعُ: أن تكونَ العينُ (لَمْ يَتَعَلَّقْ بِها حَقٌّ لِلْغَيرِ) مِن شفعةٍ، أو جنايةٍ، ونحوِه (٧). (فَمَتَى وُجِدَ شَيءٌ مِنْ ذَلِكَ) أي: مما ذكرَ منَ الشروطِ (امْتَنَعَ الرُّجُوعُ) (٨)؛ لأنهُ فسخٌ بعيب حادثٍ، فلم يملِكِ الرجوعَ فيه. وإنْ كانَ الثمنُ مؤجلًا، فتُوقفُ العينُ للبائعِ إلى الحلول، فيختارُ الفسخَ، أو التركَ (٩). فإذا كمُلتِ الشروطُ المذكورةُ أخذَ من وَجدَ عينَ متاعِه. ولو حكمَ حاكم بأنه أسوةُ الغرماء، قالَ الإمامُ أحمد: "لَو أنَّ حَاكمًا حكمَ أنه أسوةُ الغرماء، ثم رُفِعَ إلى رجلٍ يرَى العملَ بالحديث، جازَ لهُ

стр. 1215

نقضُ حكمِه". ذكرَه في "المغني" (١)، والشرحِ (٢). ولا تفتقرُ إلى التسليمِ، فلو رجعَ في عبدٍ أبِقَ، صحَّ، ولو لم يقدرْ على أخذِه، أو تلفَ، فعَليهِ (٣). وإن بان تلفُها حينَ استرجاعِه، بطلَ الرجوعُ (٤). (الثَّالِثُ) مِن الأحكامِ المتعلقةِ بالحجرِ: أنهُ (يَلْزَمُ الحَاكِمَ قَسْمُ مَالِهِ) (أي:) (٥) مالِ المفلسِ المحجورِ عليهِ (الَّذِي مِنْ جِنْسِ الدِّينِ) (٦)؛ لأنهُ لا احتياجَ لبيعِه حيثُ كانَ من جنسِ الدينِ. (وَ) في لزمُه (بَيعُ مَا لَيسَ مِنْ جِنْسِهِ) (٧)؛ للاحتياجِ إلى بيعِه. (وَيَقْسِمُهُ) أي: يقسمُ ثمن مَا بِيعَ (عَلَى الْغُرَمَاءِ بِـ) ـالمحاصَّةِ علَى (قَدْرِ دُيُونِهِمْ) (٨)؛ لأنه ﷺ لما حَجرَ على معاذٍ باعَ مالَه في دينِه، وقسمَ ثمنَه بينَ غرمائِه (٩). ويكونُ ذلكَ على الفورِ (١٠)؛ لأنَّ في تأخيرِه مطل وظلم (١١) لأربابِ الديونِ. ومَن دينُه غيرُ جنسِ الأثمانِ الموجودة، ورضيَ الأخذَ مِن الموجود، جازَ، حيثُ لا محظورَ في الاعتياضِ (١٢). فإن امتنعَ، اشتُريَ له بحصتِه منَ الثمنِ منْ جنسِ دينِه (١٣)؛ لوجوبِه. فإنْ أرادَ الغريمُ أخذَ دينِه منَ الموجودِ الذِي من غيرِ جنسِ دينِه، فامتنعَ المفلسُ، فللمفلسِ ذلكَ، وعليهِ أنْ يدفعَ لهُ من جنسِ دينِه (١٤)؛ لأنهُ الأصلُ الواجبُ. ولا يحتاجُ لحاكمٍ استئذانُ مفلسٍ في بيعٍ (١٥). ويستحبُّ لي إحضارُه، أو

стр. 1216

وكيلُه، وإحضارُ الغرماءِ (١). ويستحبُّ بيعُ كلِّ شيءٍ في سوقِه (٢)، بشرطِ البيعِ بثمنِ المثل في وقتِه، أو أكثرَ (٣)، وبدونه لم يجزْ (٤). وإن زادَ في السلعةِ أحدٌ في مدةِ الخيار، لزمَ أمينُ الحاكمِ الفسخَ (٥). فإن كانتِ الزيادةُ بعدَ لزومِ البيعِ استحبَّ سؤالُ المشتري الإقالةَ، واستحِبَّ للمشتري الإجابةُ (٦). وتقدمَ في البيعِ أنه يحرمُ البيعُ على بيعِ المسلم، والشراءُ على شرائِه؛ فهذه الصورةُ إما مستثناة؛ للحاجة، أو محمولةٌ على ما إذا أرادَ غيرُ عالمٍ بعقدِ البيعِ. (وَلَا يَلْزَمُهُمْ) أي: لا يلزمُ الغرماءَ أصحابَ الديونِ (بيانُ أَنْ لَا غَرِيمَ) للمفلسِ (سِوَاهُمْ) (٧). بخلافِ الورثة، يلزمُهم أن يبيِّنُوا أن لا وارثَ سواهُم (٨). ذكرَه في "الترغيبِ"، و"الفصولِ" (٩)، وغيرِهما. (ثُمَّ إِنْ ظَهَرَ) بعدَ القَسم (رَبُّ مَالٍ) علَى المفلسِ (رَجَعَ) ربُّ المالِ (عَلَى كُلِّ غَرِيم) ممَّن أَخذَ دينَه (بِقِسْطِهِ) أي: بقدرِ ما يلزمُه من دينِ ما ظهرَ للغريمِ الآخرِ (١٠). (وَيَجِبُ) على الحاكمِ (أَنْ يَتْرُكَ) أي: (لِـ) ـلمفلسِ من مالِـ (ـهِ ما يحتاجُه مِنْ مَسْكَنٍ، وَخَادِمٍ) صالحَين لمثلِه، فلا يباعُ ذلكَ (١١)، كلِباسِه وقوتِه. وقولُه ﵊: "خُذُوا مَما وَجَدْتُمْ" قضيةُ عينٍ، يحتملُ أنه لم يكنْ فيما وجدُوه مسكنٌ ولا خادمٌ. إن لم يكونَا عَينَ مالِ الغرماء، فيؤخذُ (١٢)؛ لما تقدمَ. ويُشترَى للمفلس

стр. 1217

بدلُهما، أو يُتركُ له من مالِه بدلُهما (١). فإنْ تعددَتِ الدورُ والخدمُ، تركَ له بقدرِ الحاجة، وبيعَ باقِيه، وكذَا لو كانتِ الدارُ واسعةً عن سكنَى مثلِه، بيعَ واشترِيَ سكنُ مثلِه، ورُدَّ الفضلُ على الغرماء، وكذَا خادمٌ نفيسٌ، يباعُ، ويؤخذُ دونُه، ويردُّ الفضلُ على الغرماء، وكذا ثيابٌ رفيعةٌ ليسَت لبسَ مثلِه، بيعَت، وأُخِذَ لبسُ مثلِه، ورُدَّ الفضلُ على الغرماءِ (٢). (وَ) في تركُ الحاكمُ للمفلسِ (مَا) أي: شيئًا من مالِه (يَتَّجِرُ بِهِ) لمؤنتِه، ومؤنةِ عيالِه (٣). وفي "الموجزِ" (٤) و"التبصرةِ" (٥): وفرسٌ يحتاجُ ركوبَها (٦). (وَ) في تركُ الحاكمُ لهُ (آلَةَ حِرْفَةٍ)، فلا تباعُ (٧)؛ لدعاءِ الحاجةِ إليها. (وَيَجِبُ) على الحاكمِ أن يُجرِيَ (لَهُ) أي: للمفلس، (وَلعِيَالِهِ)؛ كزوجةٍ، وخادم، وقريبٍ تجبُ نفقتُه عليه، المعروفَ (٨)، وهوَ: (أَدْنَى نَفَقَةُ مِثْلِهِمْ مِنْ مَأْكَلٍ، وَمَشْرَبٍ، وَكِسْوَةٍ) مِن مالِه، إلى أن يفرغَ من قسمِه بينَ غرمائِه (٩)، إن لم يكنْ له كسبٌ يفِي بالنفقةِ (١٠). فإن كانَ كسبُه دونَ النفقةِ كمِّلَت مِن مالِه (١١). ويجهَّزُ إن ماتَ، أو مَن تلزمُه مؤنتُه - غيرَ زوجةٍ - مِن مالِه التجهيزَ الشرعيَّ (١٢)، مما كانَ يلبسُ في حياتِه،

стр. 1218

مِن ملبوسِ مثلِه في الجُمعِ والأعيادِ. والزوجةُ مِن مالِها في خمسةِ أثوابٍ (١). وفِي "الرعايةِ": يكفَّنُ في ثوبٍ واحدٍ (٢)؛ اقتصارًا على الواجبِ. تتمةٌ: إِن تلفَ شيءٌ من مالِه تحتَ يدِ أمينِ حاكمٍ، أو مودِعٍ، من غيرِ تعدٍّ ولا تفريطٍ، فمِن ضمانِ مفلسٍ (٣). ويُباعُ بنقدِ البلدِ (٤). ويُصرفُ منَ الثمنِ مما يحتاجُ إلى صرفِه على البيعِ (٥)، إن لمْ يوجدْ متبرعٌ بما يحتاجُه المبيعُ، من دلَّالٍ، ونحوِه (٦). وكذَا في مالِ التركةِ (٧)؛ لأنه مقدمٌ على الديونِ. وإن كانَ في الغرماءِ مَن له دينٌ مؤجلٌ لم يحلَّ، فلا يوقَفُ له شيءٌ منَ المالِ (٨). فإن قسمَ قبلَ الحلول، فلا رجوعَ له على الغرماءِ (٩). وإن كانَ حلَّ قبلَ القسمِ شاركهُم (١٠). وإن حلَّ بعدَ قسمِ البعضِ شاركَهُم فيما بقيَ منَ المالك، فيعطَى الذِي لم يقسَمْ (١١). ومن ماتَ وعليهِ دينٌ مؤجلٌ لم يحلَّ بموتِه، إذا وثقَ الورثةُ أو غيرُهم، برهنٍ، أو كفيلٍ مليءٍ، مِن أقلِّ الأمرَين، من قيمةِ التركة، أو الدينِ (١٢)، كما لا تحلُّ الديونُ التِي لهُ بموتِه. فيختصُّ أربابُ الديونِ الحالةِ بالمالك، ويتقاسمونَه، ولَا يُترَكُ للمؤجلِ شيءٌ، ولا يرجعُ ربُّه على الغرماءِ بعدَ حلولِه فيما تقاسمُونَه (١٣). فإن تعذرَ التوثيقُ؛ لعدم وارثٍ، أو غيرِه بأنْ كانَ وارثًا (١٤)، لكن لم يوثِّقْ، حل الدينُ (١٥)؛ لغلبةِ الضرر، فيأخذه ربُّه كلُّه إنِ اتسعتِ التركةُ له، أو يحاصِصْ به الغرماءَ.

стр. 1219

تنبيهٌ: ويقدمُ صاحبُ رهنٍ لازمٍ (١)، فيختصُّ بثمنِه إن كانَ قدرَ دينِه، وإلا ردَّ ما زادَ على الغرماءِ (٢). ويقدمُ من له عينُ مالٍ، بشروطِه المتقدمةِ (٣)، ثمَّ من لهُ عينٌ مؤجرةٌ عندَه، أو عينًا مستأجرَها من مفلسٍ (٤). ثمَّ يقسمُ الباقي على قدرِ ديونِ من بَقِيَ منَ الغرماءِ (٥). وإن بقيَ على المفلسِ بقيةٌ من دَينٍ، أُجبرَ المحترِفُ على التكسب، وعلى إيجارِ نفسِه فيما يليقُ بمثلِه منَ الصنائعِ (٦)؛ لقضاءِ ما بقيَ عليه، معَ بقاءِ الحجرِ عليهِ إلى الوفاءِ. ويجبرُ على إيجارِ موقوفٍ عليهِ (٧)، وإيجارِ أمَّ ولدٍ إن استغنِيَ عنها (٨). ولا يجبرُ على قبولِ هبةٍ، وصدقةٍ، ووصيةٍ (٩)؛ لما فيهِ منَ المنةِ. ولا على تزويجِ أمِّ ولدٍ لوفاءِ دينِه من مهرِها (١٠). وظاهرُه: ولو لم يكُن يطؤُها؛ لما فيهِ منْ تحريمِه عليهَا بالنكاح، وتعلقِ حقِّ الزوجِ فيهَا. ولا ينفكُّ الحجرُ عنِ المفلسِ إلا بحكمِ حاكمٍ، إن بقيَ عليهِ شيءٌ (١١)، وإلا انفكَّ (١٢). فإذَا انفكَّ عنهُ، فليسَ لأحدٍ مطالبتُه حتى يملكَ مالًا (١٣). فإن ادَّعَوا

стр. 1220

- الغرماءُ - عقبَ ذلكَ بأنَّ له مالًا، لم يقبلْ إلا ببينةٍ (١). فإن ادعَوا بعدَ مدةٍ، وبيَّنوا سببَه، سألَه الحاكمُ، فإن أنكرَ، فقولُه مع يمينِه (٢). وإن أقرَّ وقالَ: هو لفلانٍ، وصدقَه المقَرُّ لهُ، حلفَ المقَرُّ لهُ (٣)، وإلا أعيدَ عليهِ الحجرُ إن طلبَ الغرماءُ (٤). فإن انفكَّ عنهُ، فلزمَتْهُ ديونٌ أخرَى، وحُجِرَ عليه، شاركُوا - غرماءُ الحجرِ الأولَ - غرماءَ الحجرِ الثانِي في مالِه الموجودِ (٥). (الرَّابع) منَ الأحكامِ المتعلقةِ بالحَجرِ: (انْقِطَاعُ الطَّلَبِ عَنْهُ) أي: عنِ المفلس (٦)؛ لما تقدمَ من قولِه تعالَى: ﴿وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيسَرَةٍ﴾ [البقرة: ٢٨٠] ولقولِه ﵊ لغرماءِ معاذٍ: "خُذُوا مَما وَجَدْتم ثم لَيسَ لَكُمْ إِلَّا ذَلِكَ" (٧). (فَمَنْ بَاعَهُ) أي: باعَ المفلسَ شيئًا، (أَوْ أَقْرَضَهُ شَيئًا، عَالِمًا بِحَجْرِه، لَمْ يَمْلِكْ طَلَبَهُ) أي: مطالبتَه ببدلِه (٨) (حَتَّى يَنْفَكَّ عَنْهُ الْحَجْرُ) (٩)؛

стр. 1221

لأنه مفرطٌ بمعاملتِه لهُ. لكنْ إن وجدَا أعيانَ مالِهما، فلهمَا أخذُها (١). فائدةٌ: إذا ماتَ المديونُ انتقلَ مالُه لورثتِه (٢)؛ لأنَّ الدينَ لا يمنعُ انتقالَ المالِ إليهمْ. ويتعلقُ حقُّ الغرماءِ بجميعِ التركةِ (٣). فصلٌ في أحكامِ المحجورِ عليهِ لحظِّ نفسِهِ المتقدمِ ذكره (وَ) هوَ الصبيُّ، والمجنونُ، والسفيهُ (٤). قالَ المصنفُ: (مَنْ دَفَعَ مَالَهُ) بعقدٍ، أو لَا (إِلَى صَغِيرٍ) وهو: من لم يبلغْ، من ذكرٍ، أو أنثَى (٥)، (أَوْ) إلى (مَجْنُونٍ، أَوْ) إلَى (سَفِيهٍ، فَأتلَفَهُ) واحدٌ منهمْ، علمَ الدافعُ بحجرِه أو لَا (٦)، (لَمْ يَضْمَنْهُ) (٧)؛ لقولِه تعالَى: ﴿وَلَا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِيَامًا﴾ (النساء: ٥). فإنْ تلفَ بعضُه، رجعَ فيما بقيَ (٨). وإن أتلفُوا ما لم يُدفعْ إليهِم، ضمنُوه (٩)؛ لأنهُ لا تفريطَ منَ المالكِ فيهِ. ولا يصحُّ تصرفُهم في أموالِهم، ولا في ذممِهم، قبلَ الإذنِ (١٠). (وَمَنْ أَخَذَ مِنْ أَحَدِهِمْ) أي: من صبيٍّ، أو مجنونٍ، أو سفيهٍ، (مَالًا ضَمِنَهُ)، ولو بإعطاءٍ من أحدِهم، (حَتَّى يَأخذَهُ وَليُّهُ) أي: وليُّ المأخوذِ منهُ (١١). (لَا إِنْ أَخَذَهُ) الإنسانُ ممَّنْ ذكِرَ (لِـ) أَجلِ مَا (يَحْفَظُهُ) لهُ، (وَتَلِفَ) بيدِه،

стр. 1222

(وَلَمْ يُفَرِّطْ) فيه، فلا ضمانَ عليهِ (١)، (كَمَنْ أَخَذَ مَغْصُوبًا) مِن غاصب (لِيَحْفَظَهُ لِرَبِّهِ)، فلا يضمنُه. ولا تصحُّ شركةُ السفيه، ولا حوالتُه، ولا الحوالةُ عليه، ولا ضمانُه، ولا كفالتُه (٢). (وَمـ) ـتى إِ (نْ بَلَغَ) الصغيرُ - ذكرًا كانَ، أو أنثَى، أو خنثى -، وكانَ (رَشِيدًا، أَوْ بَلَغَ) مَن كانَ (مَجْنُونًا، ثُمَّ عَقَلَ وَرَشَدَ، انْفَكَّ الْحَجْرُ عَنْهُ) (٣)، ولو بلا حُكم حاكمٍ (٤). نجلافِ السفيهِ المحجورِ عليهِ لسفهِه، فإنهُ لا ينفكُّ عنهُ إلا بحكمِ حاكمٍ (٥)؛ لأنه ثبتَ بحكمِه، فلا ينفكُّ إلا به، كحجرِ الفَلسِ. وقد يفرقُ بينَه وبينَ الحجرِ لفلسٍ - حيثُ قالُوا: ينفكُّ عنهُ الحجرُ بوفاءِ الدينِ بلا حاكمِ -: بأنَّ زوالَ السفهِ ونحوِه يحتاجُ إلى نظرٍ واجتهادٍ، فافتقرَ إلى الحاكم، بخلافِ أداءَ الدينِ. على أنَّ الدينَ - مستَحَقًّا - يبرهَنُ عليه، بخلافِ حجرِ السفيه، فإنه لحظِّ المحجورِ عليه، فتوقفَ على نظرِ الحاكمِ. (وَدُفِعَ إِلَيهِ مَالُهُ) (٦)، لقولِه تعالَى: ﴿فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُوا إِلَيهِمْ أَمْوَالَهُمْ﴾ (النساء: ٦). ويستحبُّ أن يكونَ الدفعُ بإذنِ حاكمٍ، وببينةٍ بالرُّشدِ وبالدفع (٧)؛ ليأمنَ تبعةَ ذلكَ. (لَا) أي: لا ينفكُّ الحجرُ عنهُ (قَبْلَ ذَلِكَ) أَي: قبلَ البلوغِ أو العقل، معَ الرشدِ (بِحَالٍ)، ولو صارَ شيخًا (٨). (وَ) في حصلُ (بُلُوغُ الذَّكَرِ) والأنثَى (بِثَلَاثَةِ أَشْيَاءٍ). أحدُها: ما ذكرَه بقولِه: (إِمَّا بِالامْنَاءِ) يقظةً بجماعٍ، أو منامًا باحتلامٍ، أو غيرِ ذلكَ (٩)؛ لقولِه تعالى: ﴿وَإِذَا بَلَغَ الْأَطْفَالُ مِنْكُمُ الْحُلُمَ فَلْيَسْتَأْذِنُوا﴾ [النور: ٥٩]. قالَ ابنُ المنذرِ: "أجمعُوا علَى أنَّ الفرائضَ والأحكامَ تجبُ علَى المحتَلمِ العَاقلِ" (١٠). الثانِي: ما

стр. 1223

ذكرَه بقولِه: (أَوْ بِتَمَامِ) أي: استكمالِ (خَمْسَ عَشَرَةَ سَنَةً) (١)؛ لما رواهُ ابنُ عمرَ قال: "عُرِضْتُ على النبيِّ ﷺ يومَ أُحُدٍ وأنَا ابنُ أربَعَ عشرةَ فلَم يُجِزنِي، وعُرضْتُ عليهِ وأنَا ابنُ خَمسَ عشرةَ سنَةً فَأجَازنِي". متفقٌ عليهِ (٢). وفي روايةِ البيهقِي (٣): "فلَم يُجِزْنِي، وَلم يرَني بلغْتُ" (٤). الثالثُ: ما ذكرَه بقولِه: (أَوْ بِنَبَاتِ شَعْرٍ خَشِنٍ حَوْلَ قُبُلِهِ) (٥)، دونَ نباتِ الشعرِ الزَّغِبِ الضعيفِ (٦)؛ لأنهُ ينبتُ للصغيرِ؛ لأنهُ ﵊ لما حَكَّم سعدَ بنَ معاذٍ في بنِي قريظَةَ (٧)، فحكمَ بقتلِ مقاتِلِهم، وسبيِ ذرارِيهِم، وأمرَ أن يُكشَفَ عن مُؤتَزَرِهِم، فمَن أنبتَ فهوَ منِ المقاتِلة، ومن لم ينبِتْ فهوَ من الذريةِ. فبلغَ ذلكَ النبيُّ ﷺ فقالَ: "لَقَدْ حَكَمَ بِحُكْمِ الله مِنْ فوقِ سَبْعَةِ أَرْقِعَةٍ (٨) ". متفقٌ عليهِ (٩).

стр. 1224

(وَ) يحصلُ (بُلُوغُ الأُنثَى بِذَلِكَ) أي: بما ذكرَ منَ الإمناء، وتمامَ الخمسَ عشرَ (١) سنةً، ونباتِ الشعرِ الخشِنِ حولَ القبلِ (٢). (وَ) تزيدُ الأنثى على الذكرِ (بِالْحَيْضِ) (٣)؛ لقولِه ﵊: "لَا يَقْبَلُ اللهُ صَلَاةَ حَائِضٍ إِلَّا بِخِمَارٍ". رواهُ الترمذي (٤). وإن حملَتْ فالحملُ دليلٌ على الإنزالِ (٥)، والمصنف

стр. 1225

اقتصرَ عنهُ بذكرِ الإمناءِ. وقدرُ أقلِّ مدةِ الحملِ - أي: الزمنِ الذي يحكَمُ ببلوغِها بهِ - ستةُ أشهرٍ مِن حينِ الوضعِ (١). ولا اعتبارَ بغِلظِ الصوت، وفرق (٢) الأنف، ونُهودِ الثدي (٣)، وشعرِ الإبط، ونحوِ ذلكَ (٤). (وَالرُّشْدُ هُوَ: إِصْلَاحُ المَالِ) بتنميتِه، بالتكسبِ بالبيعِ والشراء، ونحوِه (٥)، (وَصَوْنِهِ) أي: صونِ المالِ (عَـ) ـنْ صرفِه فـ (ـما لَا فَائِدَةَ فِيهِ) (٦)، كالقِمار، والغِناء، وكأَن يشتريَ نفطًا ليحرقَه لأجلِ التفرجِ عليه، وشراءِ المحرماتِ - كالخمر، وآلاتِ اللهوِ -؛ لأنَّ مَن صرفَ مالَه في ذلكَ عُدَّ سفيها. وليسَ الصدقةُ به، وصرفُه في جهةِ برٍّ - كغَزوٍ، وحجٍّ -، وفي مطعمٍ، ومشربٍ، وملبَسٍ، ومنكَحٍ لا يليقُ به، تبذيرًا (٧)؛ لأنه لا إسرافَ في الخيرِ. قال في "الاخَتياراتِ": "الإسرافُ: ما صرفَه في المحرمات، أو كانَ صرفُه في المباحِ يضرُّ بعيالِه، أو كانَ وحدَه ولم يثِقْ بإيمانِه، أو صرفَ في المباحِ قدرًا زائدًا على المصلحةِ" (٨). انتهى. وقالَ الشيخُ العلامةُ الشيخُ موسَى الحجَّاوِي - صاحبُ "الإقناع" - في "حاشيتِه" (٩): "الفرقُ بينَ الإسرافِ والتبذيرِ: أنَّ الإسرافَ: صرف الشيءِ فيما ينبغِي، زائدًا على ما ينبغِي. والتبذيرُ: صرف الشيءِ فيما لا ينبغِي" (١٠). ولا تعتبرُ العدالةُ في الرشدِ؛ فيُدفَعُ إليه

стр. 1226

مالُه، ولو كانَ مفسِدًا لدينِهِ (١)، كمَن تركَ الصلاةَ، ومنعَ الزكاةَ، ونحوَ ذلكَ. ويستحبُّ التجارةُ بمالِ اليتيمِ (٢)؛ لقولِ عمرَ وغيرِه: "اتَّجِرُوا في أَمْوالِ اليتَامَى؛ لئَلَّا تأكلَها الصدَقةُ" (٣). تنبيهٌ: لا يُدفعُ إلى محجورٍ عليهِ لحظِّ نفسِه مالُه، ممَّن وُجدَت شروطُه، إلا بعدَ اختبارِه، بامتحانِه بما يليقُ به، ويُعلمُ رشدُه (٤). فإنْ كانَ من أولادِ التجارِ؛ بأَن يتكررَ منهُ البيعُ والشراءُ، فلا يُغبَنُ - غالبًا - غبنًا فاحشًا، ويحفظَ ما بيدِه من صرفِه فيما لا ينبغِي. وإن كانَ من أولادِ المزارعِ؛ بما يتعلقُ بالزراعة، والقيامِ علَى العمال، ونحوِ ذلكَ. وإن كانَ مِن أولادِ أهلِ الحِرَفِ؛ بما يتعلقُ بحرفتِه. ويختبرُ ابنُ الريِّس، والصدرِ الكبير، وابنِ الكاتبِ - الذينَ يُصانُ أمثالُهم عنِ الأسواقِ - بدفعِ النفقةِ إليه مدةً، فإن صرفَها في مصارفِها ومواقعِها، واستوفَى على وكيلِه فِيما وُكِّلَ فيه، واستقصَى عليه، دلَّ ذلكَ على رشدِه، فيُعطَى مالَه. قالَ شيخُ الإِسلامِ ابنُ تيميةَ: "وإنْ نُوزع في الرشد، فشهدَ شاهدَان، قُبِلَ؛ لأنهُ قد يعلَمُ بالاستفاضةِ. ومع عدمِها لهُ اليمينُ عَلى وليّه أنه لا يَعلمُ رشدَه" (٥). وتختبرُ الأنثَى بدفعِ كَتَّانٍ، أو قطنٍ؛ لغزلِه، وشراءِ ذلكَ، وبحفظِ الأطعمةِ من الهرِّ، وغيرِه. فإن وُجدَ ذلكَ فهي رشيدةٌ. ووقتُ اختبارِ الصغيرِ قبلَ البلوغِ (٦)؛ لقولِه تعالى: ﴿وَابْتَلُوا الْيَتَامَى﴾ (النساء: ٦) فبتسمِيَتِهم يتامَى دلَّ على أنهُ قبلَ البلوغ، ومَدَّ اختبارَهم إلى البلوغِ بلفظَ "حتَّى"، فدلَّ على أنه قبلَه، ولأن تأخيرَه إلى البلوغِ يفضِي

стр. 1227

إلى الحجرِ علَى البالغِ الرشيدِ؛ لكونِه ممتدًا حتَّى يختبَرَ ويُعلَمَ رشدُه. ولا يختبرُ إلا المراهقُ المميزُ، الذي يعرفُ اللبيعَ والشراءَ، والمصلحةَ والمفسدةَ (١). وما أبيعَ وما اشتريَ وقتَ الاختيارِ فصحيحٌ (٢)؛ لقولِه تعالى: ﴿وَابْتَلُوا الْيَتَامَى﴾ (النساء: ٦)، ولا يأمرُ بغيرِ الصحيحِ. فَصلٌ (وَ) تثبتُ (وِلَايَةُ المَمْلُوكِ) أي: الرقيق، ذكرًا أو أنثَى (لِمَالِكِهِ) أي: لسيدِه، (وَلَوْ) كانَ السيدُ (فَاسِقًا) غيرَ عدلٍ (٣). (وَ) تثبتُ (وِلَايَةُ الصَّغِيرِ) الذِي دونَ البلوغ، (وَالْبَالِغِ) الذِي (بـ) ـــه (سَفَهٌ، أَوْ) به (جُنُونُ لِأَبِيهِ) (٤)؛ لكمالِ شفقتِه، ولو كافرًا على ولدِه الكافرِ (٥). ولا ولايةَ لكافرٍ على ولدِه المسلمِ (٦)؛ لقولِه تعالى: ﴿وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا﴾ [النساء: ١٤١]. هذَا إذاَ كانَ الأبُ بالغًا. وأمَّا من كانَ دونَ البلوغ، فلا ولايةَ لهُ (٧). وصورتُه: إذَا ألحقَ الولدُ بابنِ عشرٍ، فأكثرَ، ولم يكنْ ثبتَ بلوغُه. (فَإِنْ لَمْ يَكُنْ) أبٌ، (فَوَصِيُّهُ) أي: وصيُّ الأبِ العدلِ الذِي اختارَه (٨)، ولو كانَ بجعلٍ وهناكَ متبرعٌ (٩)؛ لأنه نائبُ الأبِ؛ كوكيلِه فِي الحياةِ. (ثُمَّ) إن عُدِمَ وصيُّ الأب، ثبتتِ ا (لْـ) ــولايةُ في ذلكَ (لِحَاكِمٍ) (١٠)؛ لأنَّ الحاكمَ وليُّ مَن لا وليَّ لهُ، بعدَ انقطاعِها من جهةِ الأبِ.

стр. 1228

(فَإِنْ عُدِمَ الْحَاكِمُ) لفقدِه [ونحوِه]، (فَأَمِينٌ يَقُومُ مَقَامَهُ) أي: مقامَ الحاكمِ (١). سألَ الأثرمُ الإمامَ أحمد عنْ رجلٍ ماتَ، ولهُ ورثةٌ صغارٌ، كيفَ يصنعُ؟ فقالَ: "إنْ لمْ يكُن لهُم وصيٌّ، ولهُم أمٌّ مشفقةٌ، تُدفَعُ إليهَا" (٢). قالَ شيخُ الإسلامِ - الشيخُ تقيُّ الدينِ ابنُ تيميةَ -: "نقَل ابنُ الحكمِ (٣) فِيمَن عندَه مالٌ، فطالبَه الورَثةُ، فيخَافُ من أمرِه، ترَى أن يخبِرَ الحاكمَ ويدفعَه إليهِ؟ قالَ: أمَّا حكامُنا اليومَ هؤلاءِ فلَا أرَى أن يتقدَّمَ إلى أحدٍ منهمْ، ولا يَدفعُ إليهِ شيئًا (٤) " (٥). (وَشُرِطَ فِي الْوَلِيِّ) مِن أبٍ، أو وصيِّه، أو حاكمٍ، أو أمينٍ: (الرُّشْدُ) (٦)، كمَا تقدمَ تعريفُه: هوَ إصلاحُ المال، وصونُه عن صرفِه فيمَا لا فائدةَ فيهِ (٧). (وَ) شُرِطُ فيهِ أيضًا: (الْعَدَالةُ، وَلَوْ ظَاهِرًا) (٨). وكذلكَ تشترطُ - في الوليِّ الكافرِ على ابنِه الكافرِ - العدالةُ في دينِه، ولو ظاهرًا (٩). (وَالْجَدُّ) لا ولايةَ لهُ (١٠)؛ لأنه لا يدلِي بنفسِه، وإنما يدلِي بالأبِ. (وَالْأُمُّ، وَسَائِرُ الْعَصَبَاتِ لَا وِلَايَةَ

стр. 1229

لَهُمْ) (١)؛ لأنَّ المالَ محلُّ الخيانةِ. (إِلَّا) إذا كانَت ولايةُ مَن ذُكِرَ، أو غيرِهم منَ الأجانبِ (بالْوَصِيَّةِ) مِن قبلِ أبٍ، أو مِن قبلِ حاكمٍ نصبَه. (وَيَحْرُمُ عَلَى وَلِيِّ الصَّغِير، وَ) وليِّ (المَجْنُون، وَ) وليِّ (السَّفِيهِ أَنْ يَتَصَرَّفَ فِي مَالِهمْ إِلَّا بِمَا فِيهِ حَظٌّ وَمَصْلَحَةٌ) لجهتِهم (٢)؛ لقولِه تعالَى: ﴿وَلَا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ [الأنعام: ١٥٢، الإسراء: ٣٤] والمجنونُ والسفيهُ في معناهُ. ويجبُ على الوليِّ إخراجُ زكاةِ مالِ مُوليِّه، وفطرتِه، ومن تلزمُه مؤنتُه، من مالِ موليِّه (٣). تتمةٌ: فإنْ تبرعَ وليٌّ، أو باعَ بناقصٍ، أو اشترَى بزيادةٍ، أو زادَ على النفقةِ بالمعروف، ضمِنَ (٤). قالَ في "المبدعِ": "ومرادُه - واللهُ أعلمُ -: أنه يضمَنُ القدرَ الزائدَ على الواجب، لا مطلقًا (٥). ولو أفسدَ كِسوتَه ستَرَ عورتَه فقطْ (٦). ولا يصحُّ لوليٍّ أن يرتهِنَ، أو يشتريَ مِن مالِ موليِّه شيئًا لنفسِه (٧)، إلا الأبَ (٨). وللوليِّ السفرُ بمالِ موليِّه لتجارةٍ، ونحوِها، في مواضعَ آمنةٍ (٩). وما ربحَه الوليُّ بتجارةٍ، كفلَه لليتيمِ (١٠). ولا يدفعُه إلا للأمناء، لتجارةٍ، أو مضاربةٍ بجزءٍ منَ الربحِ (١١). ولَا يقترضُ وليٌّ ولا حاكمٌ منه لنفسِه شيئًا (١٢). وللوليِّ رهنُه عندَ ثقةٍ لحاجةٍ (١٣). ولهُ

стр. 1230

شراءُ عقارٍ، وعمارتُه بمَا فيهِ الحظُّ والمصلحةُ (١). وللوليِّ أن يدفعَ موليَّه لمن يُقرّئُه، ويكتِّبُه، ويعلمُهُ الأدبَ، والرمايةَ بالسهام، ويعلمُه الصناعةَ، إذا كانَت مصلحةٌ له (٢). وأجرةُ ذلكَ مِن مالِ مُوليِّه (٣)؛ لأنهُ مِن مصلحتِه. وكذا مداواتُه (٤). بلا إذنِ حاكمٍ في جميعِ ذلكَ (٥). ولهُ بيعُ عقارِ موليِّه لمصلحةٍ (٦). والشيخُ الكبيرُ إذا اختلَّ عقلُه حُجِرَ عليه، بمنزلةِ الجنونِ (٧)؛ لعجزِه. ولا يصحُّ تزويجُ محجورٍ عليه، إلا بإذنِ وليِّه، إن لم يكنِ السفيهُ محتاجًا إليهِ (٨)، وإلا، صحَّ (٩)؛ لأنه مصلحةٌ. ويتقيدُ بمهرِ المثلِ (١٠). ويستحبُّ للوليِّ شراءُ أضحيةِ موسرٍ (١١)، نصًّا (١٢). وحملَه في "المغني" على يتيمٍ يعقلُها (١٣)؛ لأنه يومُ سرورٍ وفرحٍ، فيحصلَ بذلكَ جبرٌ لقلبِه، وإلحاقُه بمن لهُ أبٌ؛ كالثيابِ الحسنة، معَ استحبابِ التوسعةِ فِي هذَا اليومِ. ولهُ شراءُ لُعَبِ غيرِ مصوَّرةٍ لصغيرةٍ، من مالِها (١٤)؛ للتمرنِ. وله تجهيزُها إذا زوَّجَها، أو كانت مزوَّجةً، بما يليقُ بهَا، من لباسٍ، وحليٍّ، وفُرُشٍ، على عادتِهنَّ في ذلكَ البلدِ (١٥).
следующие страницы →