← Фикх ханбали

Фикх ханбали · id 30058

مسلك الراغب لشرح دليل الطالب - ت الهزاني وإدريس

إبراهيم العوفي الصالحي

Полный текст (1 279 стр.). Показаны 701–740 · переход к 706.

стр. 701

ويسنُّ لمنْ يريدُ الإحرامَ لبسُ إزارٍ (١) ورداءٍ: أبيضَين، نظيفينِ، جديدَين، أو غسيلَينِ (٢)، ونعلَينِ (٣)؛ لحديثِ: "وَلْيُحْرِمْ أَحَدُكُمْ فِي إزارِ وَرِدَاءٍ وَنَعْلَيْنِ" رواهُ أحمد (٤). -والنعلانِ: التاسومة (٥) ولا يجوزُ لبسُ سَرمُوزَةٍ (٦) ونحوِها (٧) -. بعدَ تجردِ ذكرٍ منْ مخيطٍ (٨)؛ لأنهُ ﷺ تجردَ لإهلالِه (٩). ويجوزُ للمحرمِ التلحفُ بالمخيطِ، والتردِّيِ به (١٠)؛ لأنهُ ليسَ بلُبسٍ. وسُنَّ أن يحرمَ عقيبَ صلاةِ فرضٍ أو

стр. 702

نفلٍ (١)، ولا يركعُ النفلَ وقتَ نهيٍ (٢). وسُنَّ أنْ يعيِّنَ النسكَ (٣)، ويَلفُظَ بهِ (٤)، ويشترطَ (٥)، كما يأتي (٦). (وَيُخيَّرُ مَنْ يُرِيْدُ الإِحْرَامَ بَيْنَ) ثلاثةِ أشياءٍ (٧). بينَ (أَنْ يَنْوِي) بإحرامِه (التَّمَتُّعَ) لحديثِ عائشةِ قالتْ: خرجْنَا معَ النبيِّ ﷺ فقالَ: "مَنْ أَرَادَ مِنْكُمْ أَنْ يُهِلَّ بِحَجٍّ وَعُمْرَةٍ فَلْيَفْعَلْ، وَمَنْ أَرَادَ أَنْ يُهِل بِعُمْرَةٍ فَلْيُهِلَّ" قالت: وَأهلَّ بالحجِّ، وَأَهلَّ به نَاسٌ معَهُ، وَأهلَّ نَاسٌ بِالعُمرةِ والحَجِّ، وَأهلَّ نَاسٌ بِالعمرَةِ، وكُنتُ فِيمَنْ أَهلَّ بِعُمرَةٍ. متفقٌ عليه (٨). (وَهُوَ) أي: التمتعُ (أَفْضَلُ) عندَ الإمامِ أحمد (٩)، في قول ابنِ عمرَ (١٠) (١١)، وابنِ عباس (١٢)، وعَائشَةَ (١٣)، ونصَّ عليهِ الإمامُ في روايةِ

стр. 703

صالحٍ (١). قالَ: "لأنهُ آخرُ مَا أمرَ بهِ النَّبيُّ ﷺ " (٢). ففِي "الصحيحينِ": أنهُ ﷺ أمرَ أصحَابَه لما طَافُوا وسَعَوا أن يجعَلُوهَا عمرَةً إلَّا مَنْ سَاقَ هَديًا (٣)، وثبتَ علَى إحرامِه؛ لسَوْقِه الهديَ (٤)، وتأسَّفَ بقولِه: "لَوِ اسْتَقْبَلْتُ مِنْ أَمْرِيْ مَا اسْتَدْبَرْتُ مَا سُقْتُ الهَدْيَ وَلَأَحْلَلْتُ مَعَكُمْ" (٥)، ولا يَنقلُ أصحابَه إلا إلى الأفضلِ، ولا يتأسفُ إلا عليهِ. ومَا أجيبَ بهِ عنهُ- منْ أنهُ؛ لاعتقادِهم عدمَ جوازِ العمرةِ في أشهرِ الحجِّ مردودٌ بأنهم لم يعتقدُوه. ثمَّ لو كانَ كذلكَ لم يخصَّ به منْ لم يسُقِ الهديَ؛ لأنهم سواءٌ في الاعتقادِ. ثمَّ لو كانَ كذلكَ لمْ يتأسفْ هو؛ لأنهُ يعتقدُ جوازَ العمرةِ في أشهرِ الحجِّ، وجَعلَ العلةَ فيه سَوقَ الهديِ. ولما في التمتعِ من اليسير والسهولةِ، معَ كمالِ أفعالِ النسكَينِ (٦). (أَوْ) منْ أن (يَنْوِيَ الإِفْرَادَ)؛ لأنَّ فيهِ

стр. 704

كمالَ أفعالِ النسكَينِ. (أَوْ) من (١) أن ينويَ (القِرَانَ)؛ لأنَّ النبيَّ ﷺ حجَّ قارنًا (٢). (فَـ) ـــصفةُ (التَّمتُّعِ: هُوَ أَنْ يُحرِمَ بِالعُمْرَةِ فِي أَشْهُرِ الحَجِّ)، قالَ الأصحابُ: "وَيفرُغَ منهَا" (٣). وفي "المستوعِب" (٤): "ويتحللُ" (٥)؛ لأنهُ لو أحرمَ بالحجِّ قبلَ التحللِ منَ العمرةِ لكانَ قارنًا، واجتماعُ النسكينِ -أي: القرانِ والتمتعِ- ممتنعٌ. (ثُمَّ بَعْدَ فَرَاغِهِ مِنْهَا) أي: منَ العمرةِ (يُحرِمُ بِالحجِّ) في عامِه، منْ مكة (٦)، أو قريبِها (٧)، أو بعيدٍ منهَا (٨). (وَ) صفةُ (الإِفْرَادِ: هُوَ أَنْ يُحرِمَ) ابتداءً (٩) (بِالحَجِّ، ثُمَّ بَعْدَ فَرَاغِهِ مِنْهُ) أي: منَ الحجّ (يُحْرِمُ بِالعُمْرَةِ) (١٠). (وَ) صفةُ حجِّ (القِرَانِ: هُوَ أَنْ يُحرِمَ بِالْحَجِّ وَالعُمْرَةِ مَعًا) (١١)،

стр. 705

(أَوْ يُحْرِمَ بِالعُمْرَةِ) ابتداءً، (ثُمَّ يُدْخِلَ الحَجَّ عَلَيْهَا) (١) أي: على العمرةِ، ويكونُ إدخالُ الحجِّ على العمرةِ (قَبْلَ الشُّرُوعِ فِي طَوَافِهَا) (٢). ويصحُّ إدخالُ الحجِّ على العمرةِ ممَّنْ معهُ هديٌ، ولَو بعدَ سعيِ العمرةِ (٣). (فَإِنْ أَحْرَمَ) من يريدُ الحجِّ (بِهِ) أي: بالحجِّ، (ثُمَّ) بعدَه أحرمَ (بِهَا) أي: بالعمرةِ، (لَمْ تَصِحَّ) العمرةُ (٤)؛ لأنهُ لم يردْ بهِ أثرٌ. تتمةٌ: يجبُ على المتمتعِ دمٌ (٥). ويجبُ أيضًا على القارنِ دمٌ (٦)؛ لأنه ترفَّهَ بسقوطِ أحدِ السَّفرَينِ؛ كالمتمتعِ. وهوَ دمُ نسكٍ، لا دمُ جبرانٍ (٧)؛ (إذْ لَا نقصَ في التمتعِ … ) (٨)، بشرطِ أن لَا يكونا من حاضرِي المسجدِ الحرامِ (٩)؛ لقولِه تعالَى: ﴿ذَلِكَ لِمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ [البقرة: ١٩٦] وهذَا في التمتعِ، والقرانُ قِيسَ عليهِ. وهم: أهلُ مكة، وأهلُ الحرمِ، ومَن هوَ مِنَ الحرمِ دونَ مسافةِ قصرٍ (١٠). والأفقيُّ -أي: الذي لم يكنْ من أهلِ مكة- إذَا استوطنَ مكة فحاضرٌ، لا دمَ عليهِ (١١). ومَن دخلَ مكة -ولو كانَ ناويًا الإقامةَ بها-، فعليهِ دمٌ (١٢)، وكذَا المكيُّ

стр. 706

إذا كانَ استوطنَ بلدًا بعيدًا مسافةَ قصرٍ فأكثرَ عنِ الحرمِ، ثمَّ عادَ إليهَا -ولو نوَى الإقامةَ بهَا-، متمتعًا كانَ أو قارنًا، لزمَه دمٌ (١). ويشترطُ في وجوبِ دمِ التمتعِ وحدَه ستةُ شروطٍ: أحدُها: أن يحرمَ بالعمرةِ في أشهرِ الحجِّ (٢). الثائْي: أن يحجَّ من عامِه (٣). الثالثُ: أن لا يسافرَ بينهُما مسافةَ قصرٍ. فإنْ سافرَ، ثمَّ أحرمَ بالحجِّ، فلا دمَ عليهِ (٤). الرابعُ: أن يَحِلَّ منَ العمرةِ قبلَ إحرامِه بالحجِّ (٥). وإلا -بأن أدخلَ الحجَّ على العمرةِ- صارَ قارنًا، فيلزمُه دمُ قرانٍ (٦). الخامسُ: أن يحرمَ بالعمرةِ من ميقاتٍ، أو مسافةِ قصرٍ فأكثرَ منْ مكة (٧). فإنْ أحرمَ بالعمرةِ من دونِ الميقاتِ، فلا دمَ عليهِ (٨). السادسُ: أن ينويَ التمتعَ عندَ ابتداءِ العمرةِ، أو في أثناءِ العمرةِ (٩). ويجبُ دمُ التمتعِ والقرانِ بطلوعِ فجرِ يومِ النحرِ (١٠). ولا يسقطُ دمُ تمتعٍ وقرانٍ بفسادِ نسكِهما (١١)، ولا بفواتِ الحجِّ (١٢). وإذا قضى (١٣) القارنُ قارنًا، لزمَه دمَانِ؛

стр. 707

دم لقرانِه الأولِ، ودمٌ لقرانِه الثانِي (١). وإن قضَى القارنُ مفرِدًا، لم يلزمْه شيءٌ لقرانِه الأولِ (٢) … (٣)، ويحرمُ بعمرةٍ منْ أبعدِ ميقاتَيه الذي أحرمَ منهُما قارنًا أو مفرِدًا، إن تفاوتَا الميقات (٤) إذا فرغَ من حجِّه (٥). وإن قضَى القارنُ متمتعًا، أحرمَ بالحجِّ من أبعدِ ميقاتَيهِ، إذا فرغَ من العمرةِ (٦). ويُسنُّ لمفردٍ وقارنٍ فَسخُ نيتهِما بحجٍّ؛ للحديثِ السابقِ (٧)، وينويَانِ بإحرامِهما ذلكَ عمرةً مفردةً (٨). فمنْ كان منهُما قد طافَ وسعَى، قَصَّرَ، وحَلَّ من إحرامِه. ومن لمْ يكنْ طافَ وسعَى، فيطوفُ ويسعَى، ويقصرُ، ويحلُّ. فإذا حَلَّا من العمرةِ أحرمَا بالحجِّ؛ ليصيرَا متمتعَينِ (٩). ما لم يكونَا ساقَا هديًا (١٠)، أو وقفَا بعرفةَ (١١)؛ فإن

стр. 708

ساقَاه، أو وقفَا بعرفةَ، لم يصحَّ الفسخُ. وإن ساقَ الهديَ متمتعًا، لم يكنْ له أن يَحِلَّ من عمرتِهِ؛ فيحرمُ بحجٍّ بعدَ طوافٍ وسعي لعمرةٍ، قبلَ تحلُّلٍ بحلقٍ (١)؛ لحديثِ ابنِ عمرَ: تمتَّعَ الناسُ معَ النبيِّ ﷺ بالعُمرهِ إلى الحجِّ، فقال: "مَنْ كانَ مَعَهُ هَدْيٌ فَإِنَّهُ لَا يَحِل مِنْ شَيءٍ حَرُمَ عَلَيْهِ حَتَّى يَقْضِيَ حَجَّهُ" (٢). فإذا ذبحَ الهديَ يومَ النحرِ حلَّ منَ الحجِّ والعمرةِ (٣). والمرأةُ المتمتعةُ إنْ حاضَت، أو نفِسَتْ قبلَ طوافِ العمرةِ، لم يكنْ لهَا في خولُ الحرم للطوافِ (٤). فإن خشيَتْ فواتَ الحجِّ، أحرمَتْ بالحجِّ وصارَتْ قَارنةً (٥)، نصَّ عليهِ (٦)؛ لحديثِ أمِّ المؤمنينَ عائشةَ: (أنها) (٧) كانتْ متمتعةً، فحاضَتْ، فقالَ لها النبيُّ ﷺ : "أَهِلِّي بِالْحَجِّ" (٨). ولمْ تقضِ طوافَ القدومِ (٩). وكذَا من كانَ متمتعًا وخافَ فواتَ الحجِّ، يحرمُ بالحجِّ ليصيرَ قارنًا (١٠). ويجبُ على قارنٍ وقَفَ بعرفَة زمنَهُ قبلَ طوافٍ وسعيٍ دمُ قرانٍ. وتسقطُ العمرةُ عنِ القارنِ (١١)، أي: تندرجُ أفعالُها في أفعالِ الحجِّ؛ لحديثِ ابنِ عمرَ مرفوعًا: "مَنْ أَحْرَمَ بِالحَجِّ وَالعُمْرَةِ أَجْزَأَهُ طَوَافٌ

стр. 709

وَاحِدٌ وَسَعْيٌ وَاحِدٌ عَنْهُمَا حَتَّى يَحِلَّ مِنْهُمَا" (١). (وَمَنْ أَحْرَمَ وَأَطْلَقَ) الإحرامَ فلَمْ يعيِّن نسكًا (صَحَّ) إحرامُه (٢)، (وَ) له (صَرَفَهُ) أي: الإحرام (لما شَاءَ) منَ الأنساكِ (٣). (وَمَا عَمِلَ) منْ طوافٍ وغيرِه (قَبْلَ) صرفِه لحجٍّ أو عمرةٍ، (فَلَغْوٌ) لا يُعتد به (٤). (لَكِنَّ السُّنَّةَ لِمَنْ أَرَادَ نُسُكًا) من تمتعٍ، أو إفرادٍ، أو قرانٍ، (أَنْ يُعَيِّنَهُ) عندَ إحرامِه (٥). (وَ) يسنُّ (أَنْ يَشْتَرِطَ) عندَ نيةِ الإحرامِ (٦)، (فَيَقُولُ: "اللَّهُمَّ إِنِّي أُرِيْدُ النُّسُكَ الفُلَانِي، فَيَسِّرْهُ لِي، وَتَقَبَّلْهُ مِنِّي. وَإِنْ حَبَسَنِيْ حَابِسٌ فَمَحِلِّي حَيْثُ حَبَسْتَنيْ")، فإنه متى حُبِسَ بمرضٍ أو عذرٍ ونحوِه، فله التحللُ (٧)؛ لحديثِ بِنتِ الزبيرِ (٨): "حُجِّي وَاشْتَرِطيْ وَقُوْلِي: "اللَّهُمَّ

стр. 710

مَحِلِّي حَيْثُ حَبَسْتَني"" متفقٌ عليه (١). زادَ النسائيُّ (٢): "فَإِنَّ لَكِ عَلى رَبِّكِ مَا اسْتَثْنَيْتِ" (٣). فإذَا تحللَ فلا شيءَ عليهِ (٤). قالَ في "المستوعبِ" وغيرِه: "إلَّا أن يكونَ معَهُ هديٌ فيلزمُهُ نحرُه" (٥). ولو شرطَ عندَ إحرامِه أنهُ يحلُّ متى شاءَ، أو أنه إن أفسدَ نسكَه لم يقضِهْ لم يصح الشرطُ (٦). وإن نوَى الاشتراطَ من غيرِ تلفظٍ لم يُفِدْ (٧)؛ لقولِه ﷺ لضُبَاعَةَ: "قُولِي مَحِلِّي مِنَ الأَرْضِ حَيْثُ حَبَسْتَني" (٨)، والقولُ لا يكونُ إلا باللسانِ. تتمة: منْ أحرمَ بما أحرمَ به فلانٌ، أو بمثلِ ما أحرمَ به فلانٌ، وعلمَ بهِ قبلَ إحرامِه، أو بعدَه انعقدَ إحرامُه بمثلِه (٩)؛ لحديثِ جابرٍ (١٠): أنَّ عَليًّا (١١) قدِمَ منَ اليمنِ، فَقَال له النبيُّ ﷺ : "بِمَ أَهْلَلْتَ؟ " فقالَ: بِمَا أهَلَّ بهِ النبِيُّ ﷺ قالَ: "فَاهْدِ، وَامْكُثْ حَرَامًا" (١٢). فإن تبينَ أنَّ فلانًا أطلقَ، فللثانِي صرفُه إلى ما شاءَ (١٣). وإن جهلَ إحرامَه، فلهُ أن يجعلَه عمرةً (١٤)؛ لصحةِ فسخِ الإفرادِ والقرانِ إليهَا. ولو شكَّ

стр. 711

الثاني، هل أحرمَ الأولُ؟ فكمَا لو لم يحرمْ؛ لأنَّ الأصلَ عدمُه، فينعقدُ إحرامُه مطلَقًا، فيصرفُه لما شاءَ (١). ولو كانَ إحرامُ الأولِ فاسدًا -بأنْ وطِئَ فيهِ-، فكنذرِه عبادةً فاسدةً، فينعقدُ إحرامُ الثانِي بمثلِه، حيثُ ما أحرمَ به الأولُ معلومٌ (٢). ومنْ أحرمَ بنسكٍ ونسيَهُ، أو بنذرٍ ونسيَه، قبلَ أن يطوفَ، صرفَهُ إلى عمرةٍ وغيرِها (٣). لكنْ يستحبُّ أنْ يصرفَه للعمرةِ (٤). فإن صرفَهُ إلى قرانٍ أو إفرادٍ، صحَّ حجًا فقطْ (٥)؛ لاحتمالِ أنْ يكونَ المنسيُّ حجًا، فلا يصحُّ إدخالُ عمرةٍ عليهِ، فلا تسقطُ بالشكِّ. ولا دمَ عليهِ (٦). ويصحُّ إنْ صرفَه إلى تمتعِ (٧)؛ لأنه كفسخِ حجٍّ إلى عمرةٍ. لكنْ إن لم يكنْ وقفَ بعرفةَ، ولمْ يكنْ ساقَ هديًا (٨)؛ لأنَّ غايتَه أن يكونَ أحرمَ قارِنًا أو مفرِدًا. ولهما الفسخُ -كَما تقدمَ (٩) -. ويلزمُه دمُ متعةٍ بشروطِه (١٠). وإن نسيَ ما أحرمَ بهِ، أو نسيَ نذرَه بعدَ الطوافِ، ولا هديَ معهُ، يتعينُ صرفُه إلى العمرةِ (١١)؛ لامتناعِ إدخالِ الحجِّ عليهَا إذًا لمنْ لا هديَ معهُ. فإنْ حلقَ بعدَ سعيِه معَ بقاءِ وقتِ الوقوفِ، يحرمُ بحجٍّ، ويتفُه (١٢)، وعليه للحلقِ دمٌ، إن تبينَ أنه كانَ حاجًا (١٣)، وإن

стр. 712

لم يتبينْ فعليهِ دمُ متعةٍ (١). وإن خالفَ ما سبقَ؛ بأن صرفَه معَ نسيانِه بعدَ طوافٍ، ولا هديَ معهُ إلى حجٍّ أو قرانٍ، يتحللُ بفعلِ حجٍّ، ولم يجزيهِ (٢) ما فعلَه من طوافٍ عنْ واحدٍ منهُما (٣). ولا دمَ عليهِ، ولا قضاءَ (٤)؛ للشكِّ في سببِ الحجِّ والعمرةِ. ومن معهُ هديٌ وطافَ، ثمَّ نسيَ ما أحرمَ بهِ، صرفَه إلى الحجِّ، وجوبًا، وأجزأَه عن حجةِ الإسلامِ (٥). تنبيهٌ: تسنُّ التلبيةُ عقبَ الإحرامِ (٦)، حتى عنْ أخرسٍ، ومريضٍ (٧). زادَ بعضُهم: "ومجنُونٍ ومغمًى عليهِ" (٨). وزادَ بعضُهم: "ونائمٍ" (٩)؛ لقولِ جابرٍ: أهلَّ رسُولُ اللهِ ﷺ بالتوحيدِ "لَبَّيْكَ اللَّهُمَّ لَبَّيْكَ، لَبَّيْكَ لَا شَرِيْكَ لَكَ لَبَّيْكَ، إِنَّ الحَمْدَ وَالنِّعْمَةَ لَكَ وَالملْكَ، لَا شَرِيْكَ [لَكَ] (١٠) " الحديث. متفقٌ عليهِ (١١). والتلبيةُ مأخوذةٌ من: ألبَّ بالمكانِ، إذا لزمَه، كأنه قالَ: أنا مقيمٌ على طاعتِك وأمرِكَ (١٢). وكُرِّرَتْ؛

стр. 713

لإرادةِ: إقامةٍ بعدَ إقامةٍ، ومعناهُ: التكثيرُ (١). ولا تستحبُّ الزيادةُ عليهَا (٢). وتتأكدُ التلبيةُ إذا علَا نشَزًا (٣) -بالتحرِيكِ: محَلّا عاليًا-، أو هبطَ واديًا (٤)، أو صلَّى مكتوبةً (٥)، أو أقبلَ ليلٌ، أو نهارٌ (٦)، أو التقتِ الرفاقُ (٧)، أو سمعَ ملبيًا (٨)، أو أتَى محظورًا ناسِيًا (٩)، أو ركبَ دابةً، أو نزلَ عنها (١٠)، أو رأى البيتَ (١١)؛ لحديثِ جابرٍ (١٢). وسُنَّ جهرُ ذكرٍ بها في البراري، وعرفاتٍ، والحرمِ، ومكةَ (١٣)، غيرَ مساجدِ الحلِّ وأمصارِه (١٤)، وفي غيرِ طوافِ القدومِ، والسعيِ بعدَه (١٥). ويُسنُّ الدعاءُ، والصلاةُ على النبيِّ ﷺ بعدَها (١٦). ولا يسنُّ تكرارُها في حالةٍ واحدةٍ (١٧).

стр. 714

ويكرهُ للأنثى جهرٌ بها بأكثرَ مما تُسمِعُ رَفيقَتَها (١). ولا يكرهُ التلبيةُ لحلالٍ (٢). * * *

стр. 715

(بَابُ مَحظُورَاتِ) أي: ممنوعاتِ (الإِحرَامِ) وهي: ما يَحرُمُ على المحرمِ فعلُه بسبب الإحرامِ (١) (وَهِيَ سَبْعَةُ أَشْيَاءٍ: أَحَدُهَا: تَعَمُّدُ لُبْسِ المَخِيْطِ) (٢) في بدنٍ أو بعضِه (٣)، وهوَ: ما عُملَ على قدرِ ملبوسٍ عليهِ (٤)، ولو دِرعًا منسوجًا (٥)، أو لِبْدًا معقودًا (٦)، ونحوَه. (حَتَى الخُفَّيْنِ) (٧) أو

стр. 716

أحدِهما، ونحوِهما؛ لأنهُما منَ اللبسِ. وكالقفازينِ (١) لليدينِ، كما يُعملُ للبُزاةِ (٢). قالَ القاضي (٣) وغيرُه: "ولو كانَ المخيطُ غيرَ معتادٍ لُبسُه، كجَوربٍ (٤) وخفٍّ لَبِسَهُ في يدِه، أو لَبِسَه في رأسِه" (٥)؟؛ لحديثِ ابنِ عمرٍ: سُئلَ رسولُ اللهِ ﷺ ما يَلبسُ المحرمُ منَ الثيابِ؟ فقالَ: "لَا يَلْبَسُ القُمُصَ (٦)، وَلَا العِمَامَةَ (٧)، وَلَا البُرْنُسَ (٨)، وَلَا

стр. 717

السَّرَاوِيْلَ (١)، وَلَا ثَوْبًا مَسَّهُ زَعْفَرَان أَو وَرْسٌ (٢)، وَلَا الخُفَّينِ، إِلَّا أَنْ لا يَجِدَ نَعْلَيْنِ فَلْيَقْطَعْهُمَا أَسْفَلَ مِنَ الكَعْبَيْنِ (٣) " متفق عليهِ (٤). فإنْ لم يجدْ إزارًا لبسَ سراويلَ (٥)؛ لقولِ ابن عِباسٍ: سمعتُ رسولَ اللهِ ﷺ يخطبُ بعرفاتٍ يقولُ: "لُبْسُ السَّرَاوِيْلِ لِمَنْ لَا يَجِدِ الإِزَارَ، وَالخفَّانِ لِمَنْ لمْ يَجِدِ النَّعْلَيْنِ" متفق عليهِ (٦). ويحرمُ قطعُ الخفينِ (٧)؛ لأنَّ حديثَ ابنِ عباس المذكورَ ليسَ فيهِ قطعُ الخفينِ، وقالَ أبو الشعثاءِ (٨) لابنِ عباس: لم يقلْ "لِيقْطَعْهُمَا"؟ قالَ: "لا". رواهُ أحمد (٩)، ولقولِ على: "قطعُ

стр. 718

الخفَّينِ فَسَاد" (١)، وأيضًا: فيهِ إضاعةُ مالٍ، وهوَ منهي عنهُ، وقد جُوِّزَ لُبسُ السراويلِ لمن لم يجدِ الإزارَ من غيرِ فتقٍ (٢). ويجابُ عن قولِ المخالفِ -بأنَّ المقيدَ (٣) يقضي على المطلقِ (٤) -: محلُّهُ: إذا لم يمكنْ تأويلُه. وعنهُ: يقطعُهما (٥). قالَ الموفقُ وغيرهُ: "فالأَولى قطعُهما؛ عملًا بالحديثِ الصحيحِ (٦) " (٧). تتمةٌ: ولا يَعقدُ المحرمُ عليهِ رداءً ولا غيرَهُ، ولا يَخُلُّه بنحوِ شوكةٍ، ولا يززُهُ في عروةٍ (٨)،

стр. 719

ولا يغرِزهُ في إزارهِ (١). فإن فعلَ أثِمَ، وفدَى (٢). إلَّا إزارَهُ، فلهُ عقدهُ (٣)؛ لحاجتِه منْ سترِ عورةٍ ونحوِ ذلكَ. وإلَّا: مِنْطَقةً (٤)، وهِمْيَانًا (٥) فيهما نفقةٌ (٦)؛ لقولِ عائشةَ: "أَوْثقْ علَيكَ نَفقَتَك" (٧). وذلكَ معَ حاجةٍ لعقدٍ (٨). ويتقلدُ بسيفٍ لحاجةٍ (٩). ولَا يجوزُ حملُ السلاحِ بمكةَ لغيرِ حاجةٍ (١٠). ولهُ حملُ الجِرابِ (١١) في عنقِه، وكذا

стр. 720

حملُ قِربةِ الماءِ (١)، لا في صدرهِ (٢)، نصًا (٣). ولهُ أن يتَّزرَ بقميصٍ، ويلتحفَ ويرتدي بهِ (٤). [ولهُ شدُّ وسطهِ بمِندِيلٍ (٥)، وحبلٍ، ونحوِهما، من غيرِ عقدٍ، فيدخلُ بعضَها في بعضهِ (٦)]. تنبيهٌ: إنْ لبسَ خنثى مشكلٌ مخيطًا، وغطَّى وجهَهُ، أو غطَّى وجهَهُ ورأسهُ، فدى (٧). ولا يفدي الخنثى المشكلُ إن لبسَ المخيطَ ولم يغظ وجهَهُ، أو غطَّى وجهَهُ وجسدَه بلا لبسِ مخيطٍ (٨)؛ للشكِّ في ذكوريتِهِ وأنثيَّتهِ. (الثَّانِي: تَعَمُّدُ تَغْطِيَةِ الرَّأْسِ مِنَ الرَّجُلِ) (٩)، إجماعًا (١٠)؛ لنهيهِ ﵊ المحرمَ عن لبسِ العمائمِ (١١). والأذنانِ وبياضُهما فوقَهما (١٢) من الرأسِ (١٣) -كما تقدَّم فَي الوضوءِ-. ولو بقِرْطَاسٍ (١٤) عليهِ دواءٌ -ولو لعذرٍ-، أو

стр. 721

تغطيتِه ولو بحِنَّاء (١)، أو عصْبِه بسَيْرٍ (٢)، أو تغطيتهِ (وَلَوْ بطِيْنٍ) (٣)، (أَوْ) (تغطيتهِ ولو) بِـ (ـــاسْتِظْلَالٍ بِمَحْمِلٍ) وهودَح (٤)، ومَحارةٍ (٥)، وثوبٍ، راكبًا كان أَو ماشيًا (٦). فإنْ فعلَ شيئًا من ذلكَ لغيرِ عذرٍ حرُمَ، وفدى (٧)، وأمَّا لعذرٍ فلا يحرُمُ، ويفدِي (٨). ولا يحرُمُ ولا يفدي إن حملَ المحرِمُ على رأسهِ شيئًا، كطبقٍ، ومِكْتلٍ،

стр. 722

أو نصَبَ بجانبهِ أو بمقابلتهِ شيئًا يستظلُّ بهِ كالحائطِ، أو استظلَّ بخيمةٍ، أو شجرةٍ، ولو طرحَ شيئًا على الشجرةِ يستظلُّ تحتَها، أو ببيتٍ (١)؛ لحديثِ جابرٍ في حجةِ الوداعِ: "وَأَمر بِقبَّةٍ من شَعَر فضُرِبت له بنَمرةَ فنزلَها" (٢). ولا شيءَ على المحرم الذكرِ إن غطَّى وجههُ (٣). (وَ) تحرمُ (تَغْطِيَةُ الوَجْهِ مِنَ الأنثَى)، وتفدي إن فعلتهُ (٤)؛ لأنَّ المرأةَ إحرامَها في وجهِها؛ لحديثِ: "لَا تَنْتَقِبُ المَرْأةُ وَلَا تَلْبَسُ القُفَّازَيْنِ" رواه البخاري (٥). (لَكِنْ تَسْدُلُ) أي: تضعُ الثوبَ فوقَ رأسِها، وترخِيه (عَلَى وَجْهِهَا لِـ) أجلِ (الحَاجَةِ)، كمرورِ الرجالِ الأجانبِ قريبًا منهَا، ثمَّ بعدَ المرورِ تكشفُه (٦). ولا يضرُّ مسُّ المسدولِ بشرةَ وجهِها (٧)، خلافًا للقاضي (٨). ويحرمُ على المرأةِ ما يحرمُ على الذكرِ من فعلِ المحظوراتِ، وتفدي إن فعلَتْ (٩)، غيرَ لباسٍ، وتظليلٍ بمحملٍ (١٠)؛ لأنها عورةٌ. وكُرِه اكتحالُهما بإثمدٍ (١١)

стр. 723

لزينةٍ (١)؛ لما روَتْه عائشةُ (٢). ويباحُ لهما لُبسُ معصفرٍ وغيرِه منَ الأصباغِ (٣). لكنْ يكرهُ للرجلِ لبسُ المعصفرِ (٤). ولها نظرٌ في مرآةٍ لحاجةٍ (٥)، وكرهَ لزينةٍ (٦). ويجتنبانِ الرفثَ -وهوَ: الجماعُ (٧) -، والفسوقُ- وهوَ: السبابُ، وقيلَ: المعاصي-، والجدالُ- وهو: المراءُ (٨) - (٩). ويسن قلةُ كلامِهما، إلا فيما

стр. 724

ينفعُ (١)؛ للأخبارِ (٢). (الثَّالِثُ: قَصْدُ شَمِّ الطِّيْبِ) (٣) إجماعًا (٤)، كشَمِّ: مِسكٍ (٥)، وعنبرٍ (٦)، وكافورٍ (٧)، وماءِ وردٍ (٨)، وزَعفرانٍ (٩)، ووَرسٍ - وهو: نباتٌ أصفرُ، كالسمسمِ

стр. 725

باليمنِ، تتخذُ منهُ الحمرةُ للوجهِ (١) -، وتبَخُّرٍ (٢) بعودٍ (٣)، ونحوِه. وكشَمِّ: وردٍ، وبنفسجٍ (٤)، وياسمينٍ (٥)، وبانٍ (٦)، وزنبقٍ (٧). فإن قصد شمَّ ذلكَ حرُمَ،

стр. 726

وفدى (١). (وَمَسُّ مَا يَعْلَقُ) بالممسوسِ، كماءِ وردٍ، ونحوِه، حرُمَ، وفدَى (٢). ويحرُمُ ويفدي أيضًا إن قصدَ شمَّ دهنٍ مطيَّبٍ (٣). ولا إثمَ ولا فديةَ إن شمَّ محرمٌ شيئًا من ذلكَ بلا قصدٍ (٤)، كمَنْ دخلَ سوقًا، أو الكعبةَ للتبركِ، ومشتري الطيبِ لنحوِ تجارةٍ. ولهُ حملُه وتقليبُه، ولو ظهرَ ريحُه (٥)؛ لعسرِ التحرزِ منهُ. لكنْ يكونُ ذلكَ من غيرِ مسٍّ. فإن مسَّ حرمَ وفدى (٦). ولا حرمةَ ولا فديةَ، إن مسَّ المحرمُ من الطيبِ ما لا يعلقُ بالممسوسِ -كقطع عنبرٍ، وكافورٍ، وعودٍ - (٧). أو شمَّ -ولو قصدًا-: فواكهَ- كتفاحٍ، وأُتْرُجٍّ (٨)، ونحوِه- (٩)، أو نباتَ صحراءٍ - كشِيحٍ، وخزامىً، ونحوِه- (١٠)، أو حناءً (١١)، وعُصفر (١٢)،

стр. 727

أو ريحان فارسي (١)، ونَمَّام (٢)، ونَرجس (٣)، ونِسرين (٤)، ونحوَ ذلك (٥)؛ لأنَّ كلَّه ليسَ بطيبٍ. أوِ ادَّهنَ بدهنٍ غيرِ مطيَّبٍ في رأسِه أو بدنِه (٦)؛ لأنه ﷺ فعلَه (٧).

стр. 728

(وَ) يحرمُ على المحرم (اسْتِعْمَالُه) أي: استعمالُ الطيب (فِي أَكْلٍ، أَو شُرْبٍ، بِحَيْثُ يَظْهَرُ طَعْمُهُ) أي: طعمُ الطيبِ، (أَو ريحُهُ) في الأكلِ أو الشربِ، ويفدِي (١). ويلزمُ مَن قَصَدَ شمَّ الطيبِ، وكذا مَن مسَّه، إزالتُه في الحالِ (٢). (فَمَنْ لَبِسَ، أَو تَطَيَّبَ، أَو غَطَّى رَأْسَهُ، نَاسِيًا، أَو جَاهِلًا، أَو مُكْرَهًا، فَلَا شَيْءَ عَلَيْه) منَ الفديةِ (٣). (وَمَتَى زَالَ عُذْرُهُ) من تذكُّرِ الناسي، أو عِلْمِ الجاهلِ، أو زوالِ الإِكراه (لَزِمَهُ إزَالَـ) ـتُـ (ـهُ فِي الحَالِ) من غيرِ تراخٍ (٤). (وَإِلَّا) أي: وإن لم يُزِلْهُ في الحالِ (فَدَى) لذلكَ (٥). (الرَّابعُ): (إِزَالَةُ) محرمٍ (الشَّعْرَ مِنَ البَدَنِ)، حتى (وَلَو مِنَ الأَنْفِ) بلا عذرٍ (٦)؛ لقولِه تعالى: ﴿وَلَا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ﴾ [البقرة: ١٩٦]، وألحِق بالحلقِ: القطعُ، والنتفُ، ونحوُه. وألحقَ بالرأسِ سائرُ البدنِ. فإنْ كانَ للمحرمِ عذرٌ من: مرضٍ، أو قملٍ (٧)، أو قروحٍ، أو صداعٍ، أو شدةِ حرٍّ لكثرتِه، مما يتضررُ بإبقاءِ الشعرِ، أزالَه وفدَى (٨)؛ لقولِه تعالى: ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ﴾ الآيةُ [البقرة: ١٩٦]. (وَتَقْلِيمُ) محرمٍ بلا عذرٍ (الأَظْفَارَ) من يدٍ،

стр. 729

أو رجلٍ (١) أصيلةٍ، أو زائدةٍ (٢). وكذا قصٌّ (٣)، ونحوُه (٤)، لأنهُ يحصلُ به الرفاهيةُ، فأشبهَ إزالةَ الشعرِ. فإن قلَّمَه لعذرٍ لم يحرُمْ، ويفدي (٥). ومنْ كانَ بعينِه شعرٌ، أو انكسرَ ظفرٌ فأزالَهما، أو أزالَ جلدةً عليهَا شعرٌ، أو قطعَ أنمُلَةً بظفرٍ، ولو لغيرِ عذرٍ، فلا فديةَ عليهِ (٦)؛ لأنه زالَ تبعًا في جميعِ ذلكَ. ومنْ حُلِق رأسُه، أو قُلِّم ظفرُه، أو طُيِّبَ بإذنِه، أو سكتَ ولم ينْهَ الحالقَ، أو حلقَ رأسَ نفسِه بيدِه مكرهًا، فعليهِ الفديةُ (٧). وإن فُعلَ ذلكَ به مكرهًا، أو وهوَ نائمٌ، فالفديةُ على الفاعلِ (٨). وفي كلامِ بعضِ الأصحابِ: "أوْ ألبَسَه غيرُه، فكالحالقِ" (٩)، أي: فيما ذُكرَ من التفصيلِ في حكمِ الحالقِ. ولا فديةَ على محرمٍ أزالَ شعرَ غيرِ محريمٍ، أو قلمَ ظفرَه، أو طيَّبَه منْ غيرِ مباشرة ولا قصدِ شمٍّ (١٠)، أو ألبسَه مخيطًا، أو غطَّى رأسَه (١١). وإذَا مشطَ شعرَه، أو خلَّله، و [بانَ بالمشطِ شعرٌ]

стр. 730

علمَ أنه بسببِه فدَى (١). وإن كانَ الشعرُ ميتًا، فسقطَ، فلا شيءَ عليهِ (٢)، وتستحبُّ الفديةُ معَ الشكِّ (٣). (الخَامِسُ: قَتْلُ)، أو ذبحُ (صَيْدِ: البَرِّ، الوَحْشِيِّ، المَأْكُولِ) (٤)، والمتولِّدِ منهُ، ومن غيره (٥)، إجماعًا (٦)؛ لقولِه تعالَى: ﴿لَا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ﴾ [المائدة: ٩٥]، وكذا اصطيادُه (٧)؛ لقولِه تعالى: ﴿وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ مَا دُمْتُمْ حُرُمًا﴾ [المائدة: ٩٦]. والاعتبارُ في الوحشيِّ والأهليِّ بأصله (٨)؛ فالحمامُ، والإوزُّ (٩)، وحشيُّ الأصلِ، فلا اعتبارَ بتأفُلِه. ويحرمُ، ويجبُ الجزاءَ بـ (ـالدَّلَالَةِ (١٠)، وَالإِعَانَةِ عَلَى قَتْلِه)، أو ذبحِه، أو اصطيادِه، ولو بمناولةِ آلةٍ (١١)؛ لحديثِ أبِي قتادةَ (١٢) لمَّا صادَ الحمارَ الوحشيَّ وأصحابُه محرمونَ، قالَ النبيُّ ﷺ : "أَشَارَ إلَيْهِ إِنْسَانٌ مِنْكُمْ أَوْ أَمَرَهُ بِشَيْءٍ؟ " قالوا: لا (١٣). وفيه: "أبصَرُوا حِمارًا وحْشِيًا فَلَم يدُلُّوني. فَالْتَفُتُ فأَبصرتُه،

стр. 731

ثمَّ ركبتُ، ونسيتُ السوطَ أو الرمحَ. فقلتُ لهم: ناوِلُوني. فقالُوا: لَا والله، لَا نُعِينُكَ علَيهِ بِشَيءٍ؛ إنَّا محرِمُونَ، فَتناولْتُه فأَخذْتُه، ثُمَّ أتيتُ الحِمارَ مِنْ وراءِ أَكمةٍ فعقَرْتُه، فأتيتُ بهِ أصحَابي. فقالَ بعضُهم: كلُوا. وقَالَ بعضُهم: لَا تَأْكُلُوا. فأتيتُ النبيَّ ﷺ فسَأَلتُه، فقالَ: "كُلُوهُ، وَهُوَ حَلَال". متفقٌ عليهِ (١). ولا يحرمُ دلالةٌ علَى طيبٍ، ولباسٍ، ولا فداءَ فيهِ (٢). (وَ) يضمنُ (إِفْسَادَ بَيْضِ) الصيدِ -ولو بنقلٍ- بقيمتِـ (ـهِ) مكانَه (٣). وإن كانَ البيضُ مَذِرًا (٤)، أو فيه فرخٌ ميْتٌ، لم يضمَنْ (٥). إلا بيضَ النعامِ فيضمنُه (٦)؛ لأنَّ لقشرِه قيمةً. وإنْ كسَرَ بيضةً، فخرجَ منها فرخٌ، فعاشَ، فلا شيءَ فيهِ (٧). وكذا يضمَنُ حلبَ لبنِ الصيدِ بقيمتِه مكانَه (٨). تتمةٌ: لو جنَت دابةٌ يتصرفُ فيهَا محرمٌ، سواءٌ كانَ راكبًا أو سائقًا، أو قائدًا، فيضمنُ ما أتلفتْهُ بيدِها وفمِها (٩)، لا ما نفحَتْه (١٠) برجلِها (١١). وإن انفلَتَتْ، لم يضمنْ ما أتلفَتْه (١٢)

стр. 732

وإن دلَّ عليهِ محرِمٌ، وقتلَه محرمًا (١) آخرُ، فجزاؤُه بينهُما (٢). ويحرمُ على المحرمِ أكلُ ما صادَه، أو دلَّ، أو أعانَ عليهِ، أو أشارَ إليهِ (٣)، وكذا ما ذُبِحَ، أو صيدَ لأجلِه (٤). ويلزمُه بأكلِه الجزاءُ (٥). وما حرُمَ على المحرمِ بدلالةٍ، أو إعانةٍ، أو إشارةٍ إليه، أو ذُبحَ أو صيدَ لأجله، لا يحرمُ على محرمٍ غيرِهِ، كما لا يحرمُ على حلالٍ (٦). وإنْ أمسكَ المحرمُ صيدًا حتَى تحللَ من إحرامِه، لزمَه إرسالُه (٧). ولا يملكُ محرمٌ صيدًا -بشراءٍ، أو هبةٍ، ونحوِ ذلك- مِلكًا متجدَّدًا (٨)، بغيرِ إرثٍ (٩)؛ لأنه يملكُه بالإرثِ لعدمِ الفعلِ منهُ فيهِ. وإنْ أمسكَه محرمًا، أو حلالًا بالحرمِ، فذبحَه المُحرمُ -ولو بعدَ حلِّه-، أو ذبحَه ممسكُه بالحرمِ، ولو بعدَ إخراجِه منَ الحرمِ إلى الحلِّ، ضمِنَه (١٠). وما ذُبحَ منَ الصيدِ على وجهِ ما ذُكِرَ (١١) لغيرِ حاجةِ أكلِه، فميتةٌ (١٢)،

стр. 733

نصًّا (١). ومفهومُ عبارةِ "المنتهَى": أنهُ إذا كانَ لحاجةِ أكلِه (٢)، فمذكىً (٣)، وقالَه في الفروعِ توجيهًا (٤)، وقالَ القاضي: "ميتةٌ" (٥). وإن ذَبحَ محِلٌّ صيدَ حرمٍ لغيرِ حاجةٍ، فميتةٌ (٦). ومَن أحرمَ وبملكِهِ صيدٌ، لم يَزُلْ ملكُه عنهُ، ولا يدُه الحكميةُ (٧) (٨). فإن تلفَ، فلا ضمانَ عليهِ معَ ذلكَ (٩)؛ لأنهُ لم يوجدْ منهُ سببٌ في تلفِه. ولهُ التصرفُ فيهِ بالبيعِ والهبةِ (١٠). ومَن أدخلَ الصيدَ -مِن مُحرِمٍ وحلالٍ - الحرمَ المكى، لزمَه إرسالُه (١١). وكذا لَو أحرمَ وهوَ بيدِه المشاهدةِ -كمَن كانَ الصيدُ في: قبضتِه، أو رحلِه، أو خيمتِه، أو قفصِه، أو مربوطًا بحبلٍ معَهُ، ونحوِه (١٢) - لزمَه إرسالُه (١٣). وهوَ باقٍ علَى ملكِه؛ فيردُّه آخذُه،

стр. 734

ويضمنُه قاتلُه بقيمتِه (١). فإن لم يتمكَّنْ مِن إرسالِه، وتلفَ، لم يضمَنْه (٢). ولَا ضمانَ على مرسلِه قهرًا عليهِ (٣). ومَن قتلَ صيدًا صائلًا دفعًا عن نفسِه لم يحلَّ، ولم يضمنْهُ (٤). ولا يحرمُ بحرمٍ، أو إحرامٍ، حيوانٌ أهليٌّ؛ كبهيمةِ أنعامٍ، ودجاجٍ، ونحوِه (٥). وقد كانَ ﷺ يذبح البُدنَ في إحرامِه في الحرمِ؛ تقربًا إلَى الله تعالَى (٦). (وَ) يحرُم، ويُضمَنُ (قَتْلُ الجَرَادِ) بمباشرةٍ، أو سبب (٧)، ولو بمشيٍ على مفترِشٍ بطريقٍ، وإن لم يكنْ لهُ طريقٌ غيرُه (٨)؛ لأنهُ أتلفَه لمنفعةِ نفسِه. ويأتِي بيان حكمِ الضمانِ في آخرِ البابِ في المتنِ (٩). وكذَا بيضٌ إذا أتلفَه لحاجةِ مشيٍ عليهِ (١٠). (وَ) يحرُم قتلُ (القَمْلِ)، وصئبانِه (١١)، مِن رأسٍ، أو بدنٍ، أو ثوبٍ، ولو برميِه (١٢)؛ لما فيهِ منَ الترفُّهِ بإزالتِه، أشبَهَ قطعَ الشعرِ. ولا ضمانَ فيهِ (١٣). وقالَ القاضي، وابن عقيل (١٤): "يجوزُ قَتلُ القَملِ مِن ظاهرِ الثَّوبِ، لا

стр. 735

مِن باطِنِه" (١). قالَ في الآداب: "يكرهُ قتلُ النملِ، إلا مِن أذيَّةٍ شدِيدةٍ، فإنه يجوزُ قتلُهنَّ، وقتلُ القملَ بغيرِ النارِ، ويكرهُ قتلُ الضفادِع. ذكرَه في "المستوعِب" (٢). وقالَ في "الرعايةِ": "لا يقتلُ بنارٍ نملٌ، ولا قملٌ، ولا بُرغُوثٌ (٣)، ولا غيرُها. ولا يقتلُ ضفدعٌ بحالٍ" (٤) ". قالَ (٥): "فظاهرُه: التحريمُ" (٦)، وصححَه في "تصحيحِ الفروعِ" (٧). وقالَ صاحبُ النظمِ (٨): "إلَّا (٩) أنهُ يحرمُ إحراقُ كلِّ ذِي روحٍ بالنار، وأنهُ يجوزُ إحراقُ ما يؤذِيه بلا كراهةٍ، إذا لم يزُل ضررُه دونَ مشقةٍ غالبةٍ إلا بالنارِ" (١٠).

стр. 736

و (لَا) يحرمُ قتلُ (الْبَرَاغِيْثِ)، والقُرادِ (١)، والدَّلمِ (٢)، والبقِّ (٣)، والبعوضِ (٤)؛ لأنَّ ابنَ عمرَ قرَدَ بعيرَه بالسُّقْيَا (٥) (٦). (بَلْ يُسَنُّ قَتْلُ

стр. 737

كُلِّ مُؤْذٍ)، غيرَ آدميٍّ، (مُطْلَقًا) (١) أي: سواءٌ كانَ فِي الحلِّ، أو الحرمِ (٢)؛ لحديثِ عائشةَ: "أمَرَ رسولُ الله ﷺ بقَتلِ خَمسِ فَوَاسقَ في الحرمِ: "الحِدَاءةِ (٣)، والغُرَابِ، والفَأرةِ، والعَقرَبِ، وَالكَلبِ العَقُورِ". متفقٌ عليه (٤). وفِي بعضِ ألفاظِ الحديثِ: "الحيةِ" بدلَ: "العَقرَبِ" (٥). [وفي معناهُ -يعني: معنَى الحديثِ-: كلُّ مؤذٍ] (٦). ومَا يباحُ أكلُه من الغِربانِ -وهو غرابُ الزرعِ- لا يجوزُ قتلُه (٧)؛ لأنهُ منَ الصيدِ. قالَ فِي "المستوعبِ": "دخَلَ فيهِ الطَّبُّوعُ (٨) ". وأمَّا الآدميُّ غيرُ الحربي، فلا يحلُّ قتلُه إلا

стр. 738

بإحدَى ثلاثٍ (١): الزانِي المحصَنِ، والمرتدِّ، وما كانَ للقصاصِ (٢). تتمةٌ: يباحُ لمحرم وغيرِه -لا بالحرمِ-، صيدُ ما يعيشُ في الماءِ (٣)، كسمكٍ، ولو كانَ ممَّن يعيشُ في "البرِّ (٤)، كسلحفاةٍ، وسرطانٍ (٥). (السَّادِسُ: عَقْدُ النِّكَاحِ)، فيحرمُ (٦)، (وَلَا يَصِحُّ) تزوخه، ولا تزويجُه (٧)؛ لمَا رواهُ مسلمٌ عن عثمانَ (٨) مرفوعًا: "لَا يَنْكِحُ المُحْرِمُ، وَلَا يُنْكِح، وَلَا يَخطُبُ" (٩). إلَّا في حقِّ النبيِّ ﷺ ، فليسَ بمحظورٍ (١٠)؛ لأنهُ تزوجَ ميمونةَ (١١)

стр. 739

وهوَ محرمٌ (١). ولَا فديةَ فيهِ (٢)؛ لأنهُ عقدٌ فاسدٌ. وسواءٌ كانَ الإحرامُ صحيحًا أو فاسدًا (٣). تتمةٌ: متَى أحرمَ الإمامُ الأعظمُ، أو نائبُه، امتنعَت مباشرتُه للنكاحِ لنفسِه، أو لغيرِه، بالولايةِ العامةِ، ولا (٤) بالخاصةِ لأقاربِه (٥). ولا تمتنعُ مباشرةُ نوابِه للنكاحِ بالولايةِ العامةِ بإحرامِ الإمام (٦). وتكرَهُ خِطبةُ مُحرمٍ (٧)؛ للحديثِ (٨)، كما يكرهُ خُطبةُ -بضمِّ الخاءِ- عقدِ النكاحِ، وحضورُه، وشهادتُه فيهِ (٩). ولا تكرهُ رجعةُ المحرمِ لمطلَّقتِه الرجعيةِ (١٠)، ولا شراءُ أمةٍ لوطءٍ (١١). (السَّابع: الوَطْءُ فِي الفَرْجِ) الموجبُ للغُسلِ (١٢)؛ لقولِه تعالى: ﴿فَمَنْ فَرَضَ

стр. 740

فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلَا رَفَثَ﴾ [البقرة: ١٩٧]، قالَ ابنُ عباسٍ: "هو الجماع" (١)؛ لقولِه تعالَى: (أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ﴾ (البقرة: ١٨٧). والوطءُ يفسدُ النسكَ قبلَ التحللِ الأولِ، ولو بعدَ الوقوفِ بعرفةَ (٢)؛ لأنَّ بعضَ الصحابةِ قضَوا بفسادِ الحجِّ، ولم يستفصلُوا (٣). وحديثُ: "مَنْ وَقَفَ بعرفةَ فَقَد تَمَّ حَجُّه" (٤)، أي: قارَبَه، وأمِنَ
следующие страницы →