← Фикх ханбали

Фикх ханбали · id 30058

مسلك الراغب لشرح دليل الطالب - ت الهزاني وإدريس

إبراهيم العوفي الصالحي

Полный текст (1 279 стр.). Показаны 736–775 · переход к 741.

стр. 736

و (لَا) يحرمُ قتلُ (الْبَرَاغِيْثِ)، والقُرادِ (١)، والدَّلمِ (٢)، والبقِّ (٣)، والبعوضِ (٤)؛ لأنَّ ابنَ عمرَ قرَدَ بعيرَه بالسُّقْيَا (٥) (٦). (بَلْ يُسَنُّ قَتْلُ

стр. 737

كُلِّ مُؤْذٍ)، غيرَ آدميٍّ، (مُطْلَقًا) (١) أي: سواءٌ كانَ فِي الحلِّ، أو الحرمِ (٢)؛ لحديثِ عائشةَ: "أمَرَ رسولُ الله ﷺ بقَتلِ خَمسِ فَوَاسقَ في الحرمِ: "الحِدَاءةِ (٣)، والغُرَابِ، والفَأرةِ، والعَقرَبِ، وَالكَلبِ العَقُورِ". متفقٌ عليه (٤). وفِي بعضِ ألفاظِ الحديثِ: "الحيةِ" بدلَ: "العَقرَبِ" (٥). [وفي معناهُ -يعني: معنَى الحديثِ-: كلُّ مؤذٍ] (٦). ومَا يباحُ أكلُه من الغِربانِ -وهو غرابُ الزرعِ- لا يجوزُ قتلُه (٧)؛ لأنهُ منَ الصيدِ. قالَ فِي "المستوعبِ": "دخَلَ فيهِ الطَّبُّوعُ (٨) ". وأمَّا الآدميُّ غيرُ الحربي، فلا يحلُّ قتلُه إلا

стр. 738

بإحدَى ثلاثٍ (١): الزانِي المحصَنِ، والمرتدِّ، وما كانَ للقصاصِ (٢). تتمةٌ: يباحُ لمحرم وغيرِه -لا بالحرمِ-، صيدُ ما يعيشُ في الماءِ (٣)، كسمكٍ، ولو كانَ ممَّن يعيشُ في "البرِّ (٤)، كسلحفاةٍ، وسرطانٍ (٥). (السَّادِسُ: عَقْدُ النِّكَاحِ)، فيحرمُ (٦)، (وَلَا يَصِحُّ) تزوخه، ولا تزويجُه (٧)؛ لمَا رواهُ مسلمٌ عن عثمانَ (٨) مرفوعًا: "لَا يَنْكِحُ المُحْرِمُ، وَلَا يُنْكِح، وَلَا يَخطُبُ" (٩). إلَّا في حقِّ النبيِّ ﷺ ، فليسَ بمحظورٍ (١٠)؛ لأنهُ تزوجَ ميمونةَ (١١)

стр. 739

وهوَ محرمٌ (١). ولَا فديةَ فيهِ (٢)؛ لأنهُ عقدٌ فاسدٌ. وسواءٌ كانَ الإحرامُ صحيحًا أو فاسدًا (٣). تتمةٌ: متَى أحرمَ الإمامُ الأعظمُ، أو نائبُه، امتنعَت مباشرتُه للنكاحِ لنفسِه، أو لغيرِه، بالولايةِ العامةِ، ولا (٤) بالخاصةِ لأقاربِه (٥). ولا تمتنعُ مباشرةُ نوابِه للنكاحِ بالولايةِ العامةِ بإحرامِ الإمام (٦). وتكرَهُ خِطبةُ مُحرمٍ (٧)؛ للحديثِ (٨)، كما يكرهُ خُطبةُ -بضمِّ الخاءِ- عقدِ النكاحِ، وحضورُه، وشهادتُه فيهِ (٩). ولا تكرهُ رجعةُ المحرمِ لمطلَّقتِه الرجعيةِ (١٠)، ولا شراءُ أمةٍ لوطءٍ (١١). (السَّابع: الوَطْءُ فِي الفَرْجِ) الموجبُ للغُسلِ (١٢)؛ لقولِه تعالى: ﴿فَمَنْ فَرَضَ

стр. 740

فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلَا رَفَثَ﴾ [البقرة: ١٩٧]، قالَ ابنُ عباسٍ: "هو الجماع" (١)؛ لقولِه تعالَى: (أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ﴾ (البقرة: ١٨٧). والوطءُ يفسدُ النسكَ قبلَ التحللِ الأولِ، ولو بعدَ الوقوفِ بعرفةَ (٢)؛ لأنَّ بعضَ الصحابةِ قضَوا بفسادِ الحجِّ، ولم يستفصلُوا (٣). وحديثُ: "مَنْ وَقَفَ بعرفةَ فَقَد تَمَّ حَجُّه" (٤)، أي: قارَبَه، وأمِنَ

стр. 741

فواتَه. ولا فرقَ بينَ العامدِ، والناسِي، والجاهلِ، والمكرَهِ، وغيرِه (١). ويجبُ بهِ بدنةٌ (٢)؛ لقولِ ابنِ عباس: "اهْدِ نَاقةً" (٣). ولا يفسُدُ الإحرامُ بشيءٍ مِن المحظوراتِ غيرَ الجماعِ (٤). وعلَى مَن وَطِئَ ووُطِئَ المضيُّ في فاسِدِه (٥)؛ لأنه لا يخرجُ منهُ بالوطءِ. وحكمُ هذَا الاحرامِ الفاسدِ كالإحرامِ الصحيحِ؛ فيفعلُ ما كانَ يفعلُه قبلُ، منْ وقوفٍ وغيرِه، ويتجنبُ ما يتجنبُه قبلَ الفسادِ، من وطءٍ وغيرِه (٦). ويلزمُه الفديةُ إنْ فعلَ محظورًا بعدَه (٧). لما روَى الدارقطنيُّ (٨) عن عمرِو بن شعيبٍ (٩)، عنْ

стр. 742

أبيهِ (١): "أنَّ رجُلًا أتَى عبدَ الله بنَ عمروٍ (٢) فسألَهُ عَن مُحرمٍ وقعَ بامرأةٍ؟ فأشارَ إلى عبدِ الله بنِ عمرَ، فقالَ: اذهَبْ إلى ذلكَ، واسألْه. قالَ شعيبٌ: فلم يعرفْهُ الرجلُ، فذهبتُ معهُ، فسألَ ابنَ عمرَ، فقالَ: "بَطلَ حَجُّكَ". فقالَ الرجلُ: أفأَقعُدُ؟ قالَ: "لَا، بَل تَخرُجُ معَ النَّاسِ، وتَصنعُ ما يَصنَعونَ، فإذَا أدركْتَ قابلًا فحُجَّ واهْدِ". فرجعَ إلى عبدِ الله بنِ عمروٍ، فأخبرَهُ ثم قالَ: اذهَب إلى ابنِ عباس، فاسألْه. فقالَ شعيبٌ: فذهبْتُ معه، فسألَه، فقالَ لهُ مثلُ ما قالَ ابنُ عمرَ. فرجعَ إلى عبدِ الله بنِ عمروٍ فأخبرَه، ثم قالَ: ما تقولُ أنت؟ قالَ: "أقولُ مثلَ ما قَالَا" (٣). رواهُ الأثرمُ (٤). وزادَ: "وحُلَّ إذا حَلُّوا، فإذَا كَانَ العامُ المقبِلُ فاحجُجْ أنتَ وامرَأتُكَ، واهْدِيَا هديًا، فإن لم تجِدَا فصُومَا ثلاثَةَ أيامٍ في الحجِّ وسَبعةً إذا رَجَعتُما" (٥). إن كانَ المفسِدُ نسكَه مكلفًا (٦)؛ لأنهُ لا عذرَ لهُ في التأخيرِ. وإنْ لم يكنْ مكلفًا، بَل بلغَ بعدَ انقضاءِ الحِجَّةِ الفاسدةِ، قضى ذلكَ (٧)

стр. 743

فَورًا، -ولو نذرًا، أو نفلًا- (١)، بعد أن يحجَّ حِجَّةَ الإسلامِ إنْ كانَ ما حجَّها (٢)، حيثُ (٣) لا عَذر في التأخيرِ. قالَ في الفروعِ: "والمرادُ -أيْ: في النفلِ-: وجوبُ إتمامِه، لا وجوبُه في نفسِه؛ لقولِهم: إنهُ تطوعٌ؛ فيثابُ عليهِ ثوابَ النَّفل" (٤). ويصحُّ قضاءُ الرقيقِ في رقِّه إذا كانَ مكلفًا (٥). ويُحرمُ مَن أفسدَ نسكَه مِن حيثُ أحرمَ أولًا، إن كانَ إحرامُه بهِ قبلَ الميقاتِ (٦)؛ لأنَّ القضاءَ يحكِي الأداءَ. ومَن لم يكنْ إحرامُه الذي أفسدَه قبلَ الميقاتِ، وإنما أحرمَ منهُ، أو مِن دويه إلى مكة، فإنه يحرِمُ منَ الميقاتِ (٧)؛ لأنهُ لا يجوزُ مجاوزتُه بلا إحرامٍ. ومَن أفسدَ حجَّ القضاءِ بالوطءِ فيهِ قبلَ التحللِ الأولِ، قضَى الواجبَ (٨)، ولا يلزمُه أن يقضيَ القضاءَ (٩). ومَنْ طاوعَتْ على الوطءِ فنفقةُ القضاءِ عليهَا (١٠). ونفقةُ قضاءِ مكرَهةٍ على الوطءِ على المكرِه (١١).

стр. 744

قالَ شيخُنا في "شرحِه على المنتهَى" (١): "وقياسُه: لوِ استدخَلَتْ ذكرَ نائمٍ، فعليهَا نفقةُ قضائِه" (٢). والوطءُ بعدَ التحللِ الأولِ لا يُفسدُ النسكَ (٣)؛ لقولِ ابنِ عباس في رجل أصابَ أهلَه قبلَ أن يفيضَ يومَ النحرِ: "ينحَرَانِ جَزُورًا بينَهمَا، وليسَ عليهِ الحجُّ منَ القَابلِ" (٤). رواهُ مالكٌ (٥)، ولا يُعرَفُ له مخالفٌ في الصحابةِ. وإنما يفسِدُ الإحرامَ (٦)؛ فعليه لِفسادِ الإحرامِ شاةٌ (٧)، ويمضِي للحلِّ، فيحرمُ منهُ؛ ليطوفَ للزيارةِ محرِمًا، ثم يسعَى إن لم يكنْ سعَى لحجِّه، ثم قد تحللَ (٨). والوطءُ في العمرةِ كالوطءِ في الحجِّ (٩)، فيفسدُها قبلَ تمامِ السعي وقبلَ الحلقِ، لا بعدَ تمامِ السعي (١٠)؛ لأنهُ بعدَ التحللِ الأولِ. وعليهِ لوطَئِه في العمرةِ شاةٌ (١١)؛ لنقصِ حُرمةِ إحرامِها عنِ الحجِّ؛ لنقصِ أركانِها، ودخولِها فيه -أي: في الحجِّ- إذا جامَعَتْهُ.

стр. 745

سواءٌ وطِئَ قبلَ تمام السعي، أو بعدَه قبلَ الحلقِ (١). ولا فديةَ علَى مكرَهةٍ في وطءٍ في حجٍّ، أو عمرةٍ (٢)؛ لحدَيثِ: "وَعَمَّا اسْتُكْرِهُوا عَلَيْهِ" (٣)، ومثلُها: النائمةُ (٤). ولا يلزمُ الواطئَ أن يَفدِيَ عنهَا (٥). (وَدَوَاعِيْه) -أي: دواعِي (٦) الوطءِ، مِن قُبلةٍ، أو لمسٍ، ونحوِه- حرامٌ (٧). فإنْ أنزلَ بذلكَ فعليهِ بدنةٌ (٨). (وَ) كذَا (المُبَاشَرَةُ دُونَ الفَرْجِ) (٩)، (والاسْتِمْنَاءُ) (١٠). ولم يَفسُدِ النسكُ (١١)؛ لأنهُ لم يرِدْ فيه نصٌّ ولا إجماع، ولا يصحُّ قياسُه على الوطءِ في الفرجِ؛ لأنَّ نوعَه يوجبُ الحدَّ. (وَفِي جَمِيعِ المَحْظُورَاتِ) المتقدم ذكرُهَا (الفِدْيَةُ)، كما بينَّا كلَّ شيءٍ في محلِّه. (إِلَّا قَتْلَ القَمْلِ، وَعَقْدَ النَّكَاحِ) فيحرمُ فعلُه، ولا فديةَ فيهِ، كما تقدمَ (١٢). (وَفِي البَيْضِ) -أي: بيضِ الصيدِ- قيمتُه مكانَه (١٣) (وَ) في (الجَرَادِ) أيضًا (قِيمْتُه مَكَانُه) (١٤)؛ لأنهُ طيرٌ بريٌّ. وعنِ الإمامِ (١٥): يتصدقُ عنِ الجرادةِ بتمرةٍ (١٦)

стр. 746

(وَفِي) إز (الَـ) ـةِ (شَعْرَةٍ) واحدةٍ، (أَوْ) بعضها من أيِّ مكانٍ كانَ منَ (ا) لبدَنِ [إطعامُ مسكينٍ واحدٍ]، وفي تقـ (ـلِـ) ـيمِ (ظُفْر) واحدٍ، أو بعضه (إِطْعَامُ مِسْكِينٍ) واحدٍ أيضًا (١). (وَفِي إ) زا (لـ) ـةِ شعرتينِ (اثْنَينِ)، أو تقليمِ ظفرينِ اثنينِ، (إِطْعَامُ) مسكينَينِ (اثنَيْنِ) (٢). (وَفِيْمَا زَادَ) عن شعرتَينِ، أو ظفرَينِ، (فِدْيَةٌ) شاةٌ، أو صيامُ ثلاثةِ أيامِ، أو إطعام ستةِ مساكينٍ، كما يأتِي (٣). (وَالضَّرُورَاتُ) مما يُضطَّرُ إليهِ (تُبِيْحُ لِلمُحْرِمِ) فعلَ (المَحْظُورَاتِ) (٤). (وَيَفْدِي) إن فعلَ محظورًا (٥)؛ لقولِه تعالَى: ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ﴾ [البقرة: ١٩٦]، ولحديثِ كعبِ بنِ عُجرَةَ (٦)؛ لأنهُ لمَّا احتاجَ إلى حلقِ رأسِه أباحَه لهُ الشارعُ، وأوجبَ عليهِ الفديةَ. وأُلحِقَ بالحلقِ باقي المحظوراتِ. ومَن ببدنِه شيءٌ لا يحبُّ أن يُطَّلعَ عليهِ، لَبِس، وفدَى (٧)، نصًّا (٨). * * *

стр. 747

(بَابُ الفِدْيَةِ) وبيانِ أقسامِها وأحكامِها. وهي مصدرُ فَدَى يفدِي فِدًى (١). (وَهِيَ) أي: الفديةُ: (مَا يَجِبُ بِسَبَبِ الإِحْرَام) منْ دمِ تمتعٍ، أو قرانٍ، وما وجبَ لتركِ واجب، أو إحصارٍ، أو لفعلِ محظورٍ، (أَو) ما يجبُ بسببِ (الحَرَمِ) المكيِّ، كالواجبِ في صيدِه ونباتِه (٢). ويجوزُ تقديمُها على فعلِ المحظورِ بعدَ وجودِ العذرِ المبيحِ لفعلِ المحظورِ (٣). (وَهِيَ) أي: الفديةُ (قِسْمَانِ): الـ (ـقِسْمُ) الأولُ: ما يجبُ (عَلَى التَّخْيِيْرِ (٤). وَ) الـ (ـقِسْمُ) الثانِي: ما يجبُ (عَلَى التَّرْتِيْبِ. فَـ) ـالـ (ـقِسْمُ) الأولُ الذي يجبُ على (التَّخْيِيرِ) هُو نوعانِ، (كَـ) ـما يتبينُ لكَ. النوعُ الأولُ: (فِدْيةُ اللُّبْسِ، وَالطيْبِ، وَتَغْطِيَةِ الرَّأْسِ) منْ ذكرٍ، والوجهِ من أنثَى (٥)، (وَإِزَالَةِ أَكْثَرَ مِنْ شَعْرَتَيْنِ)، كثلاثٍ فأكثرَ، (أَوْ) أكثرَ مِن (ظُفْرَيْنِ)

стр. 748

كثلاثٍ فأكثرَ (١)، (وَالإِمْنَاءِ) أي: إنزالِ المنيِّ، (بِنَظْرَةٍ) واحدةٍ (٢)، (وَالمُبَاشَرَةِ) دونَ الفرجِ (بِغَيْرِ إِنْزَالِ مَنِيٍّ) (٣)؛ (يُخَيَّرُ) فيهِ المخرِجُ (بَيْنَ ذَبْح شَاةٍ، أَوْ صِيَامِ ثَلَاثَةِ أثَلامٍ، أَوْ إِطْعَام سِتَةِ مَسَاكِيْنٍ) (٤) (لِكُل مِسْكِينٍ) منهُم (مُدُّ (٥) بُرٍّ، أَوْ نِصْفُ صَاعِ (٦) مِنْ غَيْرِهِ) (٧)، كتمرٍ، وشعيرٍ، وزبيب، وأقِطٍ (٨)؛ لقولِه تعالَى: ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ﴾ [البقرة: ١٩٦]، ولحديثِ كعبِ بنِ عُجرَةَ: "لَعَلَّكَ آذاكَ هَوَامُّ رَأْسِكَ"؟ قالَ: نعَم يا رسُولَ اللهِ، فقالَ: "احْلِقْ رَأْسَكَ، وَصُمْ ثَلَاثةَ أَيِّامٍ، أَوْ أَطْعِمْ سِتَّةَ مَسَاكِيْنٍ، أَوِ انْسُكْ شَاةً" متفق عليه (٩). وفي لفظٍ: "أَوْ أَطْعِمْ سِتَةَ مَسَاكِينٍ لِكُلِّ مِسْكِينٍ نِصْفُ صَاعِ

стр. 749

تَمْرٍ" (١). ولفظةُ "أو" في الآيةِ والخبرِ دالة على وجوبِ الفديةِ على التخييرِ. ومدلولُ الآيَةِ والخبرِ علَى حلقِ الرأسِ، فقيسَ عليهِ تقليمُ الأظفارِ، واللبسِ، والطيب؛ لأنه يحرمُ في الإحرامِ لأجلِ التَّرفهِ، فأشبهَ حلقَ الرأسِ. وغيرُ المعذورِ ثبتَ الحكمُ فيهِ بطريقِ التنبيهِ (٢)، تبعًا له. النوعُ الثاني: (وَ) هوَ (مِنَ التَّخْيِيرِ: جَزَاءُ الصَّيدِ) (٣). (يُخَيَّرُ فِيهِ) مَن وجبَ عليهِ (بَينَ) ذبحِ (المِثْلِ مِنَ النَّعَم) أيَّ وقتٍ شاءَ، وإعطائِه لفقراءِ الحرمِ (٤). ولا يَجزِي أن يتصدقَ بهِ حيًا (٥). (أَوْ) بينَ (تَقْوِيمِ المِثْلِ) بدراهمَ (٦) (بِمَحَلِّ التَّلَفِ) أي: بالموضعِ الذي تلفَ فيهِ، أو بقربِ موضعِ التلفِ (٧)، (وَيَشْتَرِي بِقِيْمَتِهِ) أي: قيمةِ المثلِ (٨) (طَعَامًا يُجزِئ) إخراجُه (فِي الفِطْرَةِ) والكفارةِ ونحوِه. والمجزئُ: البزُ، والشعيرُ، والتمرُ، والزبيبُ، والأقطُ (٩). ولهُ أن يخرجَ مِن طعامٍ عندَه يملكُه يعدلُ الطعامَ (١٠). ولا يجوزُ أن يتصدقَ بدراهمَ (١١)؛ لأنهُ ليسَ منَ المذكوراتِ في الآيةِ. (فَيُطْعِمُ كُلَّ مِسْكِينٍ مُدَّ بُرٍّ، أَوْ

стр. 750

نِصْفَ صَاعِ مِنْ غَيْرِهِ) وهوَ الشعيرُ ونحؤه (١). (أَوْ) بينَ أن (يَصُومَ عَنْ طَعَامِ كُلِّ مِسْكِينٍ يَوْمًا) (٢)؛ لقولِه تعالَى: ﴿وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّدًا فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ أَوْ كَفَّارَةٌ طَعَامُ مَسَاكِينَ أَوْ عَدْلُ ذَلِكَ صِيَامًا﴾ [المائدة: ٩٥]. وإن بقيَ دونَ إطعام مسكينٍ، صامَ عنهُ يومًا كاملًا (٣)؛ لأنَّ الصومَ لا يتبعضُ. ولا يجبُ تتابعُ الصومِ (٤). ولا يجوزُ أن يصومَ عن بعضِ الجزاءِ، ويطعمَ عنْ بعضِه (٥)، نصًّا (٦)؛ لأنهُ كفارةٌ واحدةٌ كباقِي الكفاراتِ. وإنْ كانَ الصيدُ ممَّا لا مثلَ لهُ خُيرَ بينَ أن يشتريَ بقيمتِه طعامًا ويطعمَه لمساكينِ الحرمِ، وبينَ أن يصومَ عن كلِّ طعام مسكينٍ يومًا (٧). (وَ) الـ (ـقِسْمُ) الثاني منَ الفديةِ: ما يجبُ على (التَّرْتِيْبِ). وهوَ ثلاثةُ أنواعٍ (٨): النوعُ الأولُ: (كَدَمِ المتْعَةِ وَالْقِرَانِ)، فيجبُ هديٌ؛ لقولِه تعالَى: ﴿فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾ [البقرة: ١٩٦] وقيسَ عليهِ القارنُ -كما تقدمَ (٩) - (وَ) كالدمِ لـ (ـتَرْكِ الوَاجِب) منَ المناسكِ منْ واجباتِ الحجِّ أو العمرةِ (١٠). (وَ) كالدم لـ (ـلإِحْصَارِ) ونحوِه (١١)؛ لقولِه تعالَى: (فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾ [البقرة: ١٩٦]، ينحرُه بنيةِ التحللِ مكانَ الإحصارِ. (وَ) كالدمِ لحصولِ

стр. 751

(الوَطْءِ، وَنَحْوِهِ) (١)، أي: نحوِ الوطءِ، منَ الإنزالِ بالمباشرةِ دونَ الفرجِ، أو الإنزالِ بالاستمناءِ، أو بتقبيلٍ، أولمسٍ لشهوةٍ، أو تكرارِ نظر (٢). (فَيَجِبُ عَلى مُتَمَتِّعٍ، وَقَارِنٍ، وَتَارِكِ وَاجِبٍ) مِن مناسكِ الحجِّ عن وقتِه، (دَمٌ) شاةٌ -كما تقدمَ (٣) -. وكذا علَى من أخرَ الهديَ عنْ أيامِ النحرِ لغيرِ عذرٍ دمٌ (٤). (فَإِنْ عَدِمَهُ) أي: الدمَ موضعَه (أَوْ) عدِمَ (ثَمَنَهُ، صَامَ ثَلَاثَةَ أيَّامٍ فِي الحَجِّ) (٥) قيلَ معناهُ: في أشهرِ الحجِّ (٦). وقيلَ مغناهُ: في وقتِ الحجِّ (٧)؛ لأنهُ لَا بدَّ مِن إضمارٍ؛ لأن الحجَّ أفعالٌ لا يُصامُ فيهَا. (وَالأَفْضَلُ كَوْنُ آخِرِهَا) أي: آخرِ الثلاثةِ أيامٍ (يَومَ عرفةَ) (٨) نصَّ عليه (٩)، فيصومُ يومَ عرفةَ استحبابًا؛ لموضعِ الحاجةِ، فيقدِّمُ الإحرامَ بالحجّ قبلَ يومِ التَّرويةِ (١٠)؛ ليصومَ الثلاثةَ أيامٍ في إحرامِ الحجِّ. ويجوزُ لهُ تقديمُ صوم الثلاثةِ أيامٍ قبلَ إحرامِه بالحجِّ، بعدَ أن يحرمَ بالعمرةِ (١١)؛ لأنَّ إحرامَ العمرةِ أَحدُ إحرامَي التمتعِ، فجازَ الصومُ فيهِ، ولجوازِ تقديمِ الواجبِ على وقتِ وجوبِه إذَا وُجِدَ سببُ الوجوبِ، وسببُ الوجوبِ هنَا: إحرامُه بالعمرةِ في أشهرِ الحجِّ؛ كتقديمِ الكفارةِ على الحنثِ بعدَ اليمينِ.

стр. 752

ووقتُ وجوبِ صومِ الثلاثةِ أيامٍ وقتُ وجوبِ الهديِ (١). وهوَ: طلوعُ فجرِ يومِ النحرِ -على ما تقدمَ-؛ لأنها بدلُ الهديِ. (وَيَصِحُّ) صومُ الثلاثةِ أيامٍ فِي (أَيَّامِ التشريقِ) (٢)، لقولِ ابنِ عمرَ، وعائشةَ: "لم يرخَّصْ في أيامِ التشريقِ إلَّا لمنْ لَم يجدِ الهَدْيَ" رواهُ البخاري (٣)، ولأنَّ اللهَ تعالَى أمرَ بصيامِ الأيامِ الثلاثةِ في الحجِّ، ولم يبقَ منَ الحجِّ إلا هذهِ الأيامُ، فتعينَ فيها الصومُ. ولا دمَ عليهِ (٤)؛ لأنه صامَها في الحجِّ. وسمِّيتْ هذهِ الأيامُ بِـ "التشريقِ" (٥)، وتسمَّى أيضًا بـ "أيام منى"، أضيفَ ذلكَ إليها؛ لإقامةِ الحاجِّ فيهَا بهَا. (وَ) يصومُ (سَبْعَةَ) أيامٍ (إِذَا رَجَعَ إِلَى أَهْلِهِ) (٦)؛ للآيةِ. ولا يصحُّ صومُ السبعةِ أيامٍ بعدَ الإحرامِ بالحجِّ قبلَ فراغِه مِن أفعالِه (٧)؛ لأنهُم قالُوا: المرادُ بقولِه تعالَى: (إِذَا رَجَعْتُمْ)؛ يعني: مِن عملِ الحجِّ (٨)؛ لأنهُ المذكورُ؛ كرميِ الجمارِ. ولا يصحُّ صومُها في أيامِ منًى (٩)؛ لبقاءِ أعمالِ الحجِّ. ولا يصحُّ بعدَ أيامِ منًى قبلَ طوافِ الزيارةِ (١٠). قالَ شيخُنا: "وكذا بعدَ طوافِ الزيارةِ، وقبلَ السعيِ" (١١)

стр. 753

والاختيارُ: أن يصومَها إذا رجعَ إلى أهلِه (١)؛ لحديثِ ابنِ عمرَ: أنَّ النبيَّ ﷺ قالَ: "فَمْنْ لَمْ يَجِدْ فَلْيَصُمْ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ فِي الحَجِّ وَسَبْعةً إِذَا رَجَعَ إِلَى أَهْلِهِ". متفقٌ عليه (٢). وإنْ لمْ يصمِ الثلاثةَ أيامٍ في الحجِّ -ولو لعذرٍ- صامَ بعدَ ذلكَ عشرةَ أيامٍ كاملةً (٣)؛ استدراكًا للواجبِ، وعليهِ دمٌ؛ لتأخيرِه الواجبَ عن وقتِه (٤). ولا يجبُ تتابعٌ، ولا تفريقٌ في صوم الثلاثةِ أيامٍ، ولا في صومِ السبعةِ أيامٍ، ولا بينَ الثلاثةِ والسبعةِ، إذا قضَى الثلاثةَ أيَامٍ أو صَامَها أيامَ منى (٥)؛ لأنَّ الأمرَ وردَ بهَا مطلقًا، وذلكَ لا يقتضِي جمعًا، ولا تفريقًا. ومتَى وجبَ صومٌ لعجزٍ عنِ الهديِ وقتَ الوجوبِ، وشرعَ فيه، أو لم يشرعْ، ثمَّ قدِرَ على الهديِ، لم يلزمْهُ الانتقالُ إليهِ (٦)؛ اعتبارًا بوقتِ الوجوبِ؛ كسائرِ الكفاراتِ. وإن شاءَ انتقلَ عنِ الصومِ إلى الهديِ؛ لأنهُ الأصلُ. وإنْ صامَ قبلَ الوجوبِ، ثمَّ قدِرَ على الهديِ وقتَ الوجوبِ، فصرَّحَ ابنُ الزاغُونِي بأنه لا يجزئهُ الصومُ (٧)، وإطلاقُ الأكثرينَ يخالفُه (٨)، وفي كلامِ بعضِهم تصريحٌ بهِ. قالَه في القواعدِ (٩)، في القاعدةِ الخامسةِ (١٠)، واقتصرَ عليهِ في الإنصافِ (١١).

стр. 754

(وَيجِبُ عَلَى مُحْصَرٍ دَمٌ، فَإنْ لَمْ يَجدْ) هـ، أي: الدمَ (صَامَ عَشَرَةَ أَيَّامٍ) بنِيَّةِ التَّحَلُّلِ (١)؛ قياسًا على دمِ المتمتعِ، (ثُمَّ حَلَّ). وليسَ لهُ التحللُ قبلَ الذبحِ أو الصومِ (٢). (وَيَجِبُ عَلَى مَنْ وَطِئَ فِي الحَجِّ قَبْلَ التَّحَلُّلِ الْأَوَّلِ، أَوْ أَنْزَلَ مَنِيًّا بِمُبَاشَرَةٍ) دونَ الوطءِ، (أَوْ) أنزلَ منيًا (بِاسْتِمْنَاءٍ، أَوْ) أنزلَ (بِتَقْبِيْلٍ، أَوْ) أنزلَ بـ (ـلَمْسٍ لِشَهْوةٍ) (٣)، (أَوْ) أنزلَ بـ (ـتِكْرَارِ نَظَرٍ، بَدَنَةٌ) (٤). (فَإِنْ لَمْ يَجِدْهَا) أي: البدنةَ (صَامَ عَشَرَةً، ثَلَاثةً (٥) فِي الحَجِّ، وَسَبْعَةً إِذَا رَجَعَ) أي: فرغَ من أفعالِ الحجِّ (٦)؛ كدمِ المتعةِ؛ لأنَّ الصحابةَ قضَت بهِ (٧)، ولم يظهرْ لهُم مخالفٌ، فكانَ إجماعًا. (وَ) يجبُ (فِي العُمْرَةِ إِذَا أفسَدَهَا) بالوطءِ (قَبْلَ تَمَامِ السَّعْيِ) الفِديةُ، (شَاةٌ) (٨). وكذا يلزمُ مَن أمذَى بالمباشرةِ دونَ الفرجِ، أو أمذَى بتكرارِ النظرِ، أو بالتقبيلِ، أو باللمسِ لشهوةٍ (٩)، أو بالمباشرةِ دونَ الفرجِ، ولم يُنزِلْ (١٠)، أو أمنَى بنظرةٍ (١١)، الفديةُ، شاةٌ. حكمُ ذلكَ حكمُ فديةِ الأذَى؛ لما فيهِ منَ الترفهِ. والمرأةُ المطاوعةُ كالرجلِ في جميعِ ما ذكرَ (١٢). لَا: المكرهةُ والنائمةُ؛ لقولِه- عليهِ الصلاةُ

стр. 755

والسلامُ-: "عُفِيَ لِأُمَّتِي عَنِ الْخَطَاِ وَالنِّسْيَانِ وَمَا اسْتُكْرِهُوا عَلَيْهِ" (١). وَلا يجبُ على الواطئِ أن يفديَ عنهَا (٢). (وَالتَّحَلُّلُ الاوَّلُ يَحْصُلُ بِأ) مرينِ ا (ثْنَيْنِ مِنْ) ثَلَاثَةٍ: إمَّا بـ (ـرَمْيِ) جمارٍ (وَحَلْقٍ)، أَ (وْ) رميِ جمارٍ و (طَوَافٍ)، أو حلقٍ وطوافٍ (٣). (وَ) بعدَ هذَا التحللِ (الأولِ) (يَحِلُّ لَهُ كُلَّ شَيءٍ) منَ الطيب، واللبسِ، وأخذِ الشعرِ، والظفرِ، ونحوِه منَ المحظوراتِ (٤). (إِلَّا النِّسَاءَ) أَي: إلا الوطءَ (٥). (وَ) التحللُ (الثَّانِي يَحْصُلُ بِمَا بَقِيَ) منَ الثلاثةِ (مَعَ السَّعْيِ، إِنْ لَمْ يَكُنْ سَعَى قَبْلُ) أي: قبلَ التحللِ الأولِ (٦). تتمة: ومنَ الدماءِ الواجبةِ: الدمُ لفواتِ الحجِّ، إنْ لم يكنِ اشترطَ في ابتداءِ إحرامِهِ بقولِه: "إنْ حبَسنِي حَابِسٌ فمَحِلِّي حيَثُ حَبستَني" (٧). وكذَا مَن وطئَ بعدَ التحللِ الأولِ قبلَ التحللِ الثاني، يلزمُه دمٌ (٨). فإن لم يجدْ صامَ عشرةَ أيامٍ (٩). لكنْ

стр. 756

لا يمكنُ في الفواتِ صومُ ثلاثةِ أيامٍ قبلَ يومِ النحرِ؛ لأنَّ الفواتَ إنما يكونُ بطلوعِ فجرِ يوم النحرِ قبلَ الوقوفِ. والخطأُ في كلِّ ما ذُكرَ (١) كالعمدِ في حكم الفديةِ (٢). ولا شيءَ علَى من فكِّرَ فأنزلَ (٣)؛ لحديثِ: "عُفِيَ لِأُمَّتِي عَنِ الخَطَأِ وَالنِّسْيانِ وَمَا حَدَّثَتْ بِهَا أَنْفُسَهَا مَا لَمْ تَعْمَلْ بِهِ أَوْ تتَكَلَّمْ" متفقٌ عليهِ (٤). ولا يقاسُ علَى تكرارِ النظرِ؛ لأنهُ دونَه في استدعاءِ الشهوةِ وإفضائِه إلى الإنزالِ. فصلٌ في جزَاءِ الصَّيد تفصيلًا وهوَ: "ما يُستحَقُّ بدلُه علَى متلفِه -بفعلٍ، أو سببٍ- من مثلِه، ومقاربِه، وشبَهِه -ولو أدنَى مشابهة-، أو مِن قيمةِ ما لا مثلَ لهُ" (٥). ويجتمعُ على متلِفِ الصيدِ الضمانُ

стр. 757

-إذا كانَ مملوكًا، بقيمتِه لمالكِه-، وجزاؤُه لمساكينِ الحرمِ (١)؛ لأنه حيوانٌ مضمونٌ كالكفارةِ، فجازَ اجتماعُهما فيهِ؛ كالصيد. والصيدُ ضربانِ: أحدُهما: ما لهُ مثلٌ، أي: شبيهٌ من النعمِ خِلْقةً، لا قيمةً. فيجبُ فيهِ مثلُه (٢)؛ لقولِه تعالى: ﴿فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ﴾ [المائدة: ٩٥]. وهذَا الذِي لهُ مثلٌ نوعانِ: أحدُهما: ما قضَت فيهِ منَ الصحابةِ، ففيهِ ما قضَت بهِ منَ الصحابةِ (٣)، وقَد قالَ ﷺ : "أَصْحَابِي كَالنُّجُومِ بِأيِّهِمُ اقْتَدَيْتُمْ اهْتَدَيْتُمْ" (٤)، وقالَ ﵊: "عَلَيْكُمْ بِسُنَّتِي وَسُنَّةِ الخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ المَهْدِيِّينَ عَضُّوا عَلَيْهَا بِالنَّوَاجِذِ" رواهُ أحمد (٥)، ولأنهم أقربُ إلى الصوابِ، وأعرفُ بمواقعِ الخطابِ، فكان حكمُهم حجةً

стр. 758

على غيرِهم؛ كالعالمِ معَ العاميِّ. قالَ المصنفُ -رحمهُ اللهُ تعالَى-: (وَالصَّيْدُ الَّذِي لَهُ مِثْلٌ مِنَ النَّعَمِ: كَالنَّعَامَةِ، وَفِيْهَا) أي: النعامةِ (بَدَنَةٌ) (١)، حكمَ بهِ عمرُ (٢)، وبعضُ الصحابةِ (٣)؛ لأنهَا تشبهُ البعيرَ في خلقِه، فكانَ مِثلًا لها. (وَفِي حِمَارِ الوَحْشِ) بقرَةٌ (٤)، قضى به عمرُ وغيرُه (٥). (وَ) في (بَقَرِهِ) أي: بقرِ الوحشِ (٦)

стр. 759

(بَقَرَةٌ) (١)، قضَى به ابنُ مسعودٍ (٢)، وغيرُه (٣). وفي وَعِلٍ -بفتحِ الواوِ والعين، وبكسرِ العَينِ، وسكونِها- وهوَ تيسُ الجبلِ (٤). قالهُ في "القاموسِ" (٥). وفي الصحاحِ: "هو الأَرْوَى (٦) " (٧). يُروى عنِ ابنِ عمرَ: إنه قالَ: "فِي الأَرْوَى بقرَةٌ" (٨).

стр. 760

وفي إِيَّلٍ بقرةٌ (١) وهو ذكرُ الأوعالِ (٢). قالَه في "الإنصافِ" (٣)؛ لقولِ ابنِ عباس (٤). وفي تَيْتَلٍ (٥) بقرةٌ (٦)، قالَ الجوهريُّ (٧): "هوَ الوعلُ المسنُّ" (٨)؛ لما رُويَ عنِ ابنِ عمرَ (٩). (وَفِي الضَّبْعِ (١٠) كَبْشٌ) (١١) وهوَ: فحلُ

стр. 761

الضأنِ (١)؛ لحكمِه ﷺ بذلكَ (٢). (وَفِي الغَزَالِ شَاة) (٣)؛ لما رويَ عن عليٍّ، وابنِ عمرَ (٤). (وَفِي الوَبْرِ) -بسكونِ الباءِ: الذكرُ. والأنثى: الَوبْرَةُ- وهي دُوَيبَةٌ (٥) كَحلَاءِ (٦)، دود السِّنَّور (٧)،

стр. 762

لا ذنَبَ لها (١)، جدْيٌ (٢). (وَ) في (الضَّبِّ جَدْيٌ) (٣) وهو من ذكرِ المعزِ (٤) (لَهُ نِصْفُ سَنَةٍ) قضَى به عمرُ (٥). (وَفِي اليَرْبُوعِ) (٦) (جَفْرَةٌ) (٧) منَ المعزِ (٨) (لَهَا أَرْبَعَةُ أَشْهُرٍ) قضَى به عمرُ، وغيرُه (٩). (وَفِي

стр. 763

الأَرْنَبِ عَنَاقٌ) (١) أنثَى المعزِ (٢) أصغرُ منَ (٣) الجفرةِ (٤) قضَى به عمرُ (٥). (وَفِي) واحدةِ (الحَمَامِ وَهُوَ: كُلُّ مَا عَبَّ المَاءَ) أي: وضعَ منقارَه فيهِ (٦)

стр. 764

وَكَرَعَ (١) كما تكرعُ الشاةُ، ولا يأخذُ قطرة قطرةً، كالدَّجاجِ والعصافيرِ، وَهَدَرَ، أي: صوَّتَ (٢)، (كَالقَطَا) (٣)، (وَالوَرَشِ) (٤)، (وَالفَوَاخِتِ) (٥)، والقَمَارِي (٦)، ونحوه (شَاةٌ) أي: جزاؤه شاة (٧).

стр. 765

والنوعُ الثاني: ما لم تقضِ فيهِ الصحابةُ، وله مثلٌ من النعمِ، فيرجعُ فيهِ إلى قولِ عَدْلينِ (١)؛ لقولِه تعالى: ﴿يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ [المائدة: ٩٥] خبيرَين (٢)، فيحكُمان فيه بأشبه الأشياء به من حيث الخِلْقة، لا القيمة، كقضاء الصحابة. ويجوز أن يكون أحدُهما -أي: العَدْلين- القاتلَ، أو هما -أي: القاتلَين- (٣)، فيحكمان على أنفسهما بالمثل؛ لعموم الآية. قال ابن عقيل: "إنَّما يحكمُ القاتلُ إذا قتلَه خطأً، أو لحاجةِ أكله، أو قتلَه جاهلًا بتحرِيمِه" (٤). قال المنقح (٥): "ما ذكره ابن عقيل قوي، ولعلَّه مرادُ الأصحابِ؛ لأنَّ (٦) قتلَ العَدلِ ينافي العدَالةَ" (٧). ويُضمنُ: الصحيحُ، والكبيرُ، والصغيرُ، والمعيبُ من جنس عيبِه، والحاملُ، والحائلُ (٨)، بمثلِه (٩). ويجوزُ فداءُ ذكرٍ بأنثى، وعكسِه (١٠)، وإن فدى بأنثى كان أفضل (١١).

стр. 766

تتمةٌ: إن جنَى على حاملٍ فألقَت جنينَها ميتًا، ضمنَ نقصَ الأمِّ فقطْ (١)، كما لو جرحَها. وإن ألقتْهُ حيًا لوقتٍ يعيشُ لمثلِه، ثمَّ ماتَ، ففيهِ جزاؤُه (٢). وإن كانَ لوقتٍ لا يعيشُ لمثلِه، فكالميتِ (٣)، جزمَ بهِ في "الشرحِ" (٤)، و"المغنِي" (٥). ويجوزُ فداءُ أعورِ عينٍ يمنَى بأعورِ عينٍ يسرى (٦). وكذا عرَجٌ، ونحوه (٧). (و) الضربُ الثاني: (مَا لَا مِثْلَ لَهُ) منَ النِّعم، وهوَ باقي الطيرِ، (كالإِوَزِّ، والحُبَارَى) (٨)، (والحَجَلِ) (٩)،

стр. 767

(وَالكُرْكِي) (١)، (فَـ) ـيجبُ (فِيهِ قِيْمَتُهُ مَكَانَهُ) أي: محلَّ إتلافِه (٢). تتمةٌ: إن أتلفَ جزءًا من صيدٍ، واندملَ، والصيدُ ممتنعٌ -أي: من قاصِدِه-، وله مثلٌ من النعمِ، ضمنَ الجزءَ بمثلِه لحمًا من مثلِه منَ النعمِ (٣). ومَا لا مثلَ له يضمنُ ما نقصَ مِن قيمته (٤). وإن نفَّر صيدًا فتلفَ بشيءٍ ولو بآفة سماوية، أو نضَ في حالِ نفورِه، ضمنَه (٥). لَا إن تلفَ بعدَ نفورِه في مكانِه بعد أَمْنه (٦). وإن رمَى صيدًا فأصابَه، ثم سقطَ على آخرَ، فماتَا، ضمنَهما (٧). فلو مشَى المجروحُ قليلًا، ثم سقطَ على آخرَ، ضمنَ المجروحَ فقط (٨). وإن جرحَهُ جرحًا غير مُوحٍ [- معنى الموحي: الذي] لا تبقى معه الحياة غالبًا (٩) -، فغابَ ولم يُعلَم خبرُه، فعليهِ ما نقصه (١٠)، فيقوَّمُ صحيحًا وجريحًا غيرَ مندمِلٍ، ثم يُخرَجُ بقسطِه من مثلِه إن كان مثليًا، وإلا ما نقصَه، كما تقدمَ (١١). وكذَا إن وجدَه ميتًا، ولم يَعلَم موتَه بجُرحِه (١٢).

стр. 768

وإن وقعَ في ماءٍ، أو ترذَى مِن علوٍّ، فماتَ، ضمنَه (١). وإن اندملَ الجرحُ، وصارَ الصيدُ غيرَ ممتنعٍ، فعليهِ جزاءُ جميعِه (٢). أو جرحَه جرحًا موحيًا، فعليهِ جزاءُ جميعِه (٣). وكل مَما يُضمنُ به الآدميُّ يضمنُ به الصيدُ في الإحرامِ، والحرمِ، من مباشرةٍ، أو سببٍ -كدِلالةٍ، وإشارةٍ، وإعارةٍ (٤) -. وكذلكَ ما جنَت دابتُه بيدِها، أو في فعَها (٥)، فأتلفَت صيدًا، فالضمانُ على راكبِها، أو قائدِها، أو سائقِها المتصرفِ فيهَا (٦). وما جنَتْه برجلِها، فلا ضمانَ عليهِ (٧). وكذَا إذا انفلتَتْ وأتلفَت (٨). وإن نصبَ المحرمُ شبكَةً، أو حفرَ حُفيرةً بغيرِ حق -كغصبٍ-، أو بطريقٍ، فوقعَ صيدٌ، ضمنه (٩). لَا إن فعلَه غيرَ محرِمٍ، فوقعَ فيه وهوَ محرمٌ، لم يضمنْه (١٠). وإن نتفَ ريشَه أو شعرَه، أو وبرَهُ، فعادَ، فلا شيءَ عليهِ (١١). فإن صارَ به غيرَ ممتنعٍ، فكالمجروحِ (١٢). فإن غابَ ولم يَعلَمْ خبرَه، فعليهِ ما نقصَه (١٣). وإنِ اشتركَ جماعةٌ في قتلِ صيدٍ -ولو بعضُهم متسببًا-، فعليهِم جزاءٌ واحدٌ (١٤). ولو كفَّرُوا بالصومِ فكفارةٌ واحدةٌ (١٥). وكذَا

стр. 769

إن فعلَه حلالٌ ومحرمٌ، إن وقعَ فعلُهما معًا (١)، فإن جرحَهُ أحدُهُما، وقتلَه الآخرُ، فعلى الجارحِ ما نقصَه، وعلى القاتلِ جزاؤُه مجروحًا (٢). تنبيهٌ: لا شيء في الثعلب (٣)؛ لأنه مفترس. وكذا كل مفترس (٤). (فَصْلٌ) (وَيَحْرُمُ صَيْدُ حَرَمِ مكةَ) على الحلالِ والمحرمِ (٥) -كما يأتي في المتنِ (٦) - إجماعًا (٧)، ولو كانَ صغيرًا، أو كافرًا (٨)؛ لما رويَ عنِ ابنِ عباس مرفوعًا، أنهُ قالَ

стр. 770

يومَ فتحِ مكة: "إِنَّ هَذَا البَلَدَ حَرَّمَهُ اللهُ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ فَهُوَ حَرَامٌ بِحُرْمَةِ اللهِ إِلَى يَوْمِ القِيَامَةِ، لَا يُخْتَلَى خَلَاهَا (١)، وَلَا يُعْضَدُ (٢) شَوْكُهَا، وَلَا يُنَفَّرُ صَيْدُهَا، وَلَا يُلْتَقِطُ لُقَطَتَهَا إِلَّا مَنْ عَرَّفَهَا". فقالَ العباسُ (٣): إِلا الإِذخِر (٤)؛ فإنَّهُ لِقَيْنهِم (٥) وبُيُوتِهم؟! فقال: "إِلَّا الإِذْخِر". متفقٌ عليه (٦). فائدةٌ: عُلِمَ من هذَا: أن مكة كانت حرامًا قبلَ خليلِ الله إبراهيمَ ﵊، وعليهِ أكثرُ العلماءِ، وقيلَ: إنما حرِّمَت بسؤالِ إبراهيمَ. وفي الصحيحينِ من غيرِ وجهٍ: "أَنَّ إِبْرَاهِيْمَ حَرَّمَهَا" (٧) أي: أظهرَ تحريمَها. (وَحُكْمُهُ) أي: حكمُ

стр. 771

صيدِ الحرمِ (حُكْمُ صَيْدِ الإِحْرَامِ) … التحريم، ووجوب … (١)، وإجزاء الصومِ (٢)، وتملكه (٣)، وضمانه بالدلالةِ ونحوِها، سواءٌ كانَ الدالُّ في الحلِّ أو الحرمِ (٤)، خلافًا للقاضي (٥). إلا القملَ فإنه لا يحرمُ، ولا يكرهُ قتلُه في الحرم (٦). فعليهِ في صيدِ البرِّ مَا على المحرمِ في مثلِه إن كانَ مثليًا، أو قيمتِه إن كانَ غيرَ مثلي (٧). ويحرمُ صيدُ البحرِ في الحرمِ (٨)؛ لعمومِ الخبرِ (٩)، ولا جزاءَ فيهِ (١٠). (وَيَحْرُمُ قَطْعُ شَجَرِهِ) أي: شجرُ حرمِ مكة الذي لم يزرعهُ آدميٌّ (١١)؛ لحديثِ: "وَلَا يُعْضَدُ شَجَرُهَا" (١٢)

стр. 772

(وَ) يحرمُ قطعُ (حَشِيْشِهِ) (١) الأخضرَين (٢)؛ لقولِه ﷺ : "وَلَا يُحَشُّ حَشِيْشُهَا" (٣)، حتَّى الشوك، ولو ضرَّ (٤)؛ لعمومِ الخبرِ مِن قولِه: "وَلَا يُخْتَلَى شَوْكُهَا" (٥)، وحتَّى السواك، ونحوه، والورق (٦)؛ للعمومِ أيضًا. إلا اليابسَ مِن شجرٍ، وحشيشٍ (٧)، وإلا الإذخرَ (٨)؛ للخبرِ، وإلا ما قلعَهُ غيرُ الآدميِّ (٩)، أو ما انكسرَ (١٠)، وإلا الكمْأَةَ (١١)، والفَقْعَ (١٢)؛

стр. 773

لعدمِ دخولِهما في الشجرِ والحشيشِ (١) (٢). وإلا الثمرةَ (٣)؛ لأنها تُخلَف، وإلا ما زرعَهُ آدمي من بَقلٍ (٤)، ورياحينَ، وزروعٍ (٥)، وشجرٍ غُرِسَ مِن غيرِ شجرِ الحرمِ (٦)، وإلا الورقَ الساقطَ (٧). ويجوزُ رعيُ حشيشِ الحرم (٨). وفي تعليقاتِ القاضي (٩): "إن أَدخلَها للرعيِ ضمِنَ، وإلا إن كانَ لحاجةٍ فلا" (١٠). وإذا قَطعَ الآدميُّ ما يحرمُ قطعُه حرمَ انتفاعُه، وانتفاعُ غيرِه به (١١).

стр. 774

(فَتُضْمَنُ الشَّجَرَةُ الصَّغِيْرَةُ) عُرفًا بشاةٍ (١). (وَمَا فَوْقَهَا) مِن متوسطةٍ وكبيرةٍ (بِبَقَرةٍ) (٢)؛ لما رُويَ عنِ ابنِ عباس: "في الدَّوحَةِ بقرَةٌ، وفي الجزْلَةِ شَاةٌ" (٣). والدَّوحةُ: الشجرةُ العظيمةُ (٤)، والجَزْلَةُ: الشجرةُ الصغيرةُ (٥). (ويُضْمَنُ الحَشِيشُ بِقِيْمَتِهِ) (٦)، نصَّ عليهِ (٧)، لأنَّ الأصلَ وجوبُ القيمةِ. ويُفعلُ بالقيمةِ كمَا سبقَ (٨)؛ لقضاءِ الصحابةِ، فبقيَ ما عداهُ على مقتضَى الأصلِ. ويُضمَنُ الغصنُ بما

стр. 775

نقصَ (١)، وإنِ استُخلِفَ الغصنُ والحشيشُ سقطَ الضمانُ (٢). ويُضمَنُ النقصُ إن نبتَتْ ناقصَةً (٣). وإن قلعَ شجرًا من الحرمِ فغرسَهُ في الحلِّ لزمَه ردّه (٤)، فإنْ تعذرَ ردُّها، أو يبِسَتْ، أو ردَّهَا فيبِستْ، أو قلعَهَا من الحرم ثم غرسها في الحرم فيبست، ضمِنها (٥). فإنْ قلعَهَا غيرُه من الحلِّ بعد أن غرسَها هو، ضمِنَها قالعُهَا (٦)، بخلافِ من نفَّر صيدًا فخرجَ إلى الحلِّ فقتلَه غيرُه لم يضمنه، [والضمان على من نفَّره] (٧)؛ لتفويتِهِ حرمتَه بإخراجِه. وكذا يَضمنُ من أخرج صيدًا إلى الحلِّ، فقتلَه غيره، ما لم يردُّهُ إلى الحرمِ (٨). والفرق: أنَّ الشجرَ لا ينتقِلُ بنفْسِه، ولا تزولُ حرمتُه بإخراجِه، ولهذا وجبَ على مخرجِه ردُّه، فكان جزاؤه على متلفِه، والصيدُ تارةً يكون في الحرم، وتارةً يكون في الحلِّ، فمن نفَّره فقد فوَّت حرمتَهُ بإخراجه، فلزمه جزاؤه (٩). ويُضمَنُ غصنٌ خارجَ الحرمِ، إذا كان أصلُه بالحرمِ، أو كان بعض أصله بالحل (١٠)؛ لتبعيته لأصله. ويخيرُ مَن وجبَ عليهِ جزاءُ صيدِ الحرمِ وشجرِه وحشيشِه بينَ ذبحِ الجزاءِ وتفرقتِه، أو إطلاقِه لمساكينِ الحرمِ مذبوحًا، وبين تقويم الجزاء بدراهم، ويفعلُ بالثمنِ كجزاء الصيد، بأن يشتريَ بهِ طعامًا يجزئ في فطرةٍ، فيطعمُه للمساكين، كلُّ مسكين مدُّ برٍّ، أو نصفُ صاعٍ
следующие страницы →