← Фикх ханбали

Фикх ханбали · id 30058

مسلك الراغب لشرح دليل الطالب - ت الهزاني وإدريس

إبراهيم العوفي الصالحي

Полный текст (1 279 стр.). Показаны 771–810 · переход к 776.

стр. 771

صيدِ الحرمِ (حُكْمُ صَيْدِ الإِحْرَامِ) … التحريم، ووجوب … (١)، وإجزاء الصومِ (٢)، وتملكه (٣)، وضمانه بالدلالةِ ونحوِها، سواءٌ كانَ الدالُّ في الحلِّ أو الحرمِ (٤)، خلافًا للقاضي (٥). إلا القملَ فإنه لا يحرمُ، ولا يكرهُ قتلُه في الحرم (٦). فعليهِ في صيدِ البرِّ مَا على المحرمِ في مثلِه إن كانَ مثليًا، أو قيمتِه إن كانَ غيرَ مثلي (٧). ويحرمُ صيدُ البحرِ في الحرمِ (٨)؛ لعمومِ الخبرِ (٩)، ولا جزاءَ فيهِ (١٠). (وَيَحْرُمُ قَطْعُ شَجَرِهِ) أي: شجرُ حرمِ مكة الذي لم يزرعهُ آدميٌّ (١١)؛ لحديثِ: "وَلَا يُعْضَدُ شَجَرُهَا" (١٢)

стр. 772

(وَ) يحرمُ قطعُ (حَشِيْشِهِ) (١) الأخضرَين (٢)؛ لقولِه ﷺ : "وَلَا يُحَشُّ حَشِيْشُهَا" (٣)، حتَّى الشوك، ولو ضرَّ (٤)؛ لعمومِ الخبرِ مِن قولِه: "وَلَا يُخْتَلَى شَوْكُهَا" (٥)، وحتَّى السواك، ونحوه، والورق (٦)؛ للعمومِ أيضًا. إلا اليابسَ مِن شجرٍ، وحشيشٍ (٧)، وإلا الإذخرَ (٨)؛ للخبرِ، وإلا ما قلعَهُ غيرُ الآدميِّ (٩)، أو ما انكسرَ (١٠)، وإلا الكمْأَةَ (١١)، والفَقْعَ (١٢)؛

стр. 773

لعدمِ دخولِهما في الشجرِ والحشيشِ (١) (٢). وإلا الثمرةَ (٣)؛ لأنها تُخلَف، وإلا ما زرعَهُ آدمي من بَقلٍ (٤)، ورياحينَ، وزروعٍ (٥)، وشجرٍ غُرِسَ مِن غيرِ شجرِ الحرمِ (٦)، وإلا الورقَ الساقطَ (٧). ويجوزُ رعيُ حشيشِ الحرم (٨). وفي تعليقاتِ القاضي (٩): "إن أَدخلَها للرعيِ ضمِنَ، وإلا إن كانَ لحاجةٍ فلا" (١٠). وإذا قَطعَ الآدميُّ ما يحرمُ قطعُه حرمَ انتفاعُه، وانتفاعُ غيرِه به (١١).

стр. 774

(فَتُضْمَنُ الشَّجَرَةُ الصَّغِيْرَةُ) عُرفًا بشاةٍ (١). (وَمَا فَوْقَهَا) مِن متوسطةٍ وكبيرةٍ (بِبَقَرةٍ) (٢)؛ لما رُويَ عنِ ابنِ عباس: "في الدَّوحَةِ بقرَةٌ، وفي الجزْلَةِ شَاةٌ" (٣). والدَّوحةُ: الشجرةُ العظيمةُ (٤)، والجَزْلَةُ: الشجرةُ الصغيرةُ (٥). (ويُضْمَنُ الحَشِيشُ بِقِيْمَتِهِ) (٦)، نصَّ عليهِ (٧)، لأنَّ الأصلَ وجوبُ القيمةِ. ويُفعلُ بالقيمةِ كمَا سبقَ (٨)؛ لقضاءِ الصحابةِ، فبقيَ ما عداهُ على مقتضَى الأصلِ. ويُضمَنُ الغصنُ بما

стр. 775

نقصَ (١)، وإنِ استُخلِفَ الغصنُ والحشيشُ سقطَ الضمانُ (٢). ويُضمَنُ النقصُ إن نبتَتْ ناقصَةً (٣). وإن قلعَ شجرًا من الحرمِ فغرسَهُ في الحلِّ لزمَه ردّه (٤)، فإنْ تعذرَ ردُّها، أو يبِسَتْ، أو ردَّهَا فيبِستْ، أو قلعَهَا من الحرم ثم غرسها في الحرم فيبست، ضمِنها (٥). فإنْ قلعَهَا غيرُه من الحلِّ بعد أن غرسَها هو، ضمِنَها قالعُهَا (٦)، بخلافِ من نفَّر صيدًا فخرجَ إلى الحلِّ فقتلَه غيرُه لم يضمنه، [والضمان على من نفَّره] (٧)؛ لتفويتِهِ حرمتَه بإخراجِه. وكذا يَضمنُ من أخرج صيدًا إلى الحلِّ، فقتلَه غيره، ما لم يردُّهُ إلى الحرمِ (٨). والفرق: أنَّ الشجرَ لا ينتقِلُ بنفْسِه، ولا تزولُ حرمتُه بإخراجِه، ولهذا وجبَ على مخرجِه ردُّه، فكان جزاؤه على متلفِه، والصيدُ تارةً يكون في الحرم، وتارةً يكون في الحلِّ، فمن نفَّره فقد فوَّت حرمتَهُ بإخراجه، فلزمه جزاؤه (٩). ويُضمَنُ غصنٌ خارجَ الحرمِ، إذا كان أصلُه بالحرمِ، أو كان بعض أصله بالحل (١٠)؛ لتبعيته لأصله. ويخيرُ مَن وجبَ عليهِ جزاءُ صيدِ الحرمِ وشجرِه وحشيشِه بينَ ذبحِ الجزاءِ وتفرقتِه، أو إطلاقِه لمساكينِ الحرمِ مذبوحًا، وبين تقويم الجزاء بدراهم، ويفعلُ بالثمنِ كجزاء الصيد، بأن يشتريَ بهِ طعامًا يجزئ في فطرةٍ، فيطعمُه للمساكين، كلُّ مسكين مدُّ برٍّ، أو نصفُ صاعٍ

стр. 776

من غيره (١). وما لا مثلَ لهُ -كقيمةِ الحشيش- يخير فيها؛ كجزاء الصيد الذي لا مثل له، حكمُ ما سبق قريبًا (٢). تتمة: يكرهُ إخراجُ ترابِ الحرمِ، وحجارتِه إلى الحلِّ (٣)، نصَّ عليهِ الإمامُ؛ لأنهُ قالَ: "لَا يُخرَجُ من ترابِ الحرمِ ولا يُدخلُ مِن الحِلِّ، وهوَ قولَ (٤) ابن عمرَ، وابن عباسٍ (٥). ولا يُخرَجُ مِن حجارةِ مكةَ إلى الحلِّ. والخروجُ أشدُّ" -يعني: أشدُّ كراهةً-. قالَ الإمامُ أحمدُ: "فإن أرادَ أنْ يستشفيَ بطيبِ الكعبةِ لم يأخذْ منهُ شيئًا، ويلزقُ عليها طيبًا من عندِه ثمَّ يأخذُه" (٦). قال في "المنتهى": "لا وضع الحصا في المساجد"، أي: لا يكرَه. "ويحرُم إخراج ترابها وطينها" (٧). انتهى. ولا يكره إخراج ماء زمزم (٨)،

стр. 777

ولا حملُه إلى البلاد (١)؛ لأنه يُستَخلَف؛ كالثمرة. قال الإمام أحمد: "أخرجَه كعبٌ (٢) " (٣). انتهى. ورويَ عن عائشةَ: أنهَا كانَت تحملُ من ماءِ رْمزمَ، وتخبرُ أنَّ رسول الله ﷺ كان يحمله. رواه الترمذي (٤)، وقال: "حسن غريب" (٥) (٦).

стр. 778

فصلٌ مكة أفضلُ منَ المدينةِ (١)؛ لحديثِ عبدِ الله بنِ عَدِيِّ بنِ الحَمْرَاء (٢): أنهُ سمعَ النبيَّ ﷺ يقولُ - وهوَ واقفٌ بِالحزْوَرَة (٣) في سُوقِ مكة -: "وَاللهِ إِنَّكِ لَخَيْرُ أَرْضِ الله، وَأَحَبُّ أَرْضِ الله إِلى الله، وَلَولَا أَنِّي أُخْرِجْتُ مِنْكِ مَا خَرَجْتُ" رواه أحمد، والترمذيُّ، وقالَ: "حسنٌ صحيح" (٤)، ولمضاعفةِ الصَّلاةِ فيهِ أكثرُ (٥). وأما حديثُ: "المَدِيْنَةُ خَيْرٌ مِنْ مَكَّةَ" (٦)، فلم يصحَّ، وعلَى فرضِ صحتِه فيُحتملُ علَى ما قبلَ الفتحِ

стр. 779

ونحوِه. وحديثُ: "اللَّهُمَّ إِنَّهُمْ أَخْرَجُونِي مِنْ أَحَبِّ البِقَاعِ إِلَيَّ، فَأَسْكِنِّي فِي أَحَبِّ البِقَاعِ إِلَيْكَ" (١) يُردُّ أيضًا: بأنه لا يُعرَفُ، وعلى تقديرِ صحتِه فمعناهُ: أحبُّ البقاع إليكَ بعدَ مكة. وتُستحبُّ المجاورةُ بمكةَ (٢)؛ لأفضليتِها. وجزمَ في "المغنِي"، وغيرِه: بأن فضلَ مكة أفضلُ، وأنَّ المجاورةَ بالمدينةِ أفضلُ (٣)، وذكرَ قولَ الإمامِ أحمد: "المقَامُ بالمدينةِ أحب إليَّ من المقامِ بمكةَ لمنْ قويَ عليهَا؛ لأنها مهاجَرُ المسلمِينَ" (٤) (٥). وأمَّا نفسُ ترابِ تربتِه ﷺ (٦)، فلَيسَ هوَ أفضلُ منَ الكعبةِ، بلِ

стр. 780

الكعبةُ أفضلُ منهُ. قالَ في الفنون (١): "الكعبةُ أفضلُ من مجردِ الحجرةِ (٢)، فأمَّا والنبيُّ ﷺ فيهَا، فلا والله، ولا العرشُ، وحملتُه، والجنةُ، لأنَّ بالحجرةِ جسدًا لو وُزِنَ بهِ لرَجَحَ" (٣). قالَ في "الفروعِ": "قدْ دلَّ كلامُ الإمامِ أحمد، والأصحابِ، على أنَّ التربةَ على الخلافِ" (٤). قالَ في "الإقناع": "ولا يُعرَفُ أحدٌ من العلماءِ فضَّلَ ترابَ القبرِ الشريفِ على الكعبةِ، إلا القاضي عياضَ (٥)، ولم يسبقْهُ أحدٌ إليهِ، ولا وافقهُ أحدٌ قظُ عليهِ" (٦). هذَا معنَى كلامِ الشيخِ تقيِّ الدينِ (٧)، وقالَ: "المجاورةُ بمكانٍ يكثرُ فيه إيمانُه وتقواهُ أفضلُ حيثُ كانَ" (٨).

стр. 781

تنبيهٌ: وحدُّ الحرمِ المكيِّ: من طريقِ المدينةِ: ثلاثةُ أميالٍ، عندَ "بُيوتِ السُّقيَا" (١)، وهي دونَ التنعيمِ (٢)، ويعرفُ الآنَ بـ "مساجدَ عائشةَ" (٣). وحدُّه من طريقِ اليمنِ: سبعةُ أميالٍ، عندَ "أضَاءَةِ لِبْن" (٤) - "أضَاةِ" بضادٍ معجمةٍ، و"لِبْن" بكسرِ اللامِ، وسكونِ الباءِ الموحدةِ - (٥). وحدُّه مِن طريقِ - العراقِ (٦): سبعةُ أميالٍ

стр. 782

أيضًا، علَى "ثَنِيَّة خَل" (١) - بخاءٍ معجمةٍ مفتوحةٍ، ولامٍ مشددةٍ (٢)، كما ضبطَه صاحبُ "الإقناع" (٣). وفي "المنتهَى" (٤) تبعًا لغيرِه (٥): "رِجْل" بكسرِ الراءِ، وسكونِ الجيمِ -، وهو جبلٌ بالمَقْطَعِ - بقافٍ ساكنةٍ، وطاءٍ مفتوحة (٦)، كما ضبطَه صاحبُ "الإقناع" (٧). وَ (في) (٨) "المنتهَى" تبعًا لغيرِه (٩): "بالمنْقَطِع" بنونٍ قبلَ القافِ -. وحدُّه من الجِعْرَانة (١٠) - بسكونِ العينِ -: تسعةُ أميالٍ، في "شِعبِ عبدِ الله بنِ

стр. 783

خَالِدٍ" (١) (٢). وحدُّه من طريقِ جُدَّة: عشرةُ أميالٍ، عندَ "مُنقَطَعِ الأَعْشَاشِ" (٣) (٤). وحدُّه من طريقِ الطائفِ على عرفاتٍ: من بطْنِ عُرَنَة (٥)، أحدَ عشرَ ميلًا (٦). فصلٌ وَيحرُمُ صيدُ المدِينَةِ وقطعُ شجَرِهَا، وحشيشِها (٧)؛ لحديثِ عامرِ بنِ سعدٍ (٨)،

стр. 784

عن أبيهِ (١) مرفوعًا: "إِنِّي أُحَرِّمُ مَا بَيْنَ لابَتَيِ المَدِيْنَةِ أَنْ يُقْطَعَ عِضَاضُهَا (٢)، أَوْ يُقْتَلَ صَيْدُهَا". رواهُ مسلمٌ (٣)، ولحديثِ: "إِنَّ إِبْرَاهِيْمَ حَرَّمَ مكة وَدَعَا لِأَهْلِهَا. وَإِنِّي حَزَمْتُ المدِيْنَةَ كمَا حَرَّمَ إِبْرَاهِيْمُ مكة، وَدَعَوْتُ فِي صَاعِهَا وَمُذَهَا بِمِثْلَي مَا دَعَا إِبْرَاهِيْمُ لِأَهْلِ مكة". متفق عليه (٤)، ولحديثِ أنسٍ (٥): قالَ رسُولُ الله ﷺ : "المَدِيْنَةُ حَرَمٌ مِنْ كَذَا إِلَى كَذَا، لَا يُقْطَعُ شَجَرُهَا". متفقٌ عليه (٦)، ولحديثِ مسلمٍ: "لَا يُخْتَلَى خَلَاهَا، فَمَنْ فَعَلَ ذَلِكَ فَعَلَيْهِ لَعْنَةُ اللهِ وَالمَلَائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِيْنَ" (٧). و"المدينةُ": من الدِّينِ، بمعنَى الطاعةِ، أو بمعنى المِلكِ؛ لأنهُ دين أهلِهَا، أي: مِلكُهم، يقالُ: فلانٌ في دينِ

стр. 785

فلانٍ، أي: مِلكِه وطاعتِه (١). وتسمَّى أيضًا "طابةُ" و"طَيبةُ". والأَولَى: أن لا تسمَّى "يثربَ"؛ لما فيهِ من التثريبِ، وهو التغييرُ والاستقصاءُ في اللومِ (٢). وما وقعَ في القرآنِ العزيزِ فهوَ حكايةٌ لمقالِ المنافقينَ. و"يثربُ" في الاسمِ: اسمٌ لرجلٍ من العمالقةِ بنَى المدينةَ، فسميَتْ بهِ (٣)، وقيلَ: اسمُ أرضِها. ذكرَهُ في حاشيةِ "الإقناع" (٤). فلو صادَ بينَ حرمِ المدينةِ صيدًا، فذبحَه، صحَّت تذكيتُه. جزمَ بهِ في "الإقناع" (٥). قالَ القاضي: "تحريمُ صيدِها يدلُّ علَى أنهُ لا يصحُّ ذكاتُه" (٦). ويجوز أخذُ ما تدعُو الحاجةُ - إليهِ مِن شجرِها (٧) لرحلِ البعيرِ - وهو أصغرُ من القَتبِ -، وللقتبِ، وعوارضِه (٨)، ولآلةِ الحرثِ (٩)، وآلةِ الحدادِ (١٠)، والحصَّادِ، ونحوِه،

стр. 786

والعارضَةِ لسقْفِ المَحْمَل (١)، والمسانِدِ من القائمتين التي تُنصَبُ البكرةُ عليهما، والعارضةُ بينَ القائمتينِ والمسندِ (٢)؛ لحديثِ أحمد، عن جابرِ بن عبدِ الله: أنَّ النبيَّ ﷺ لما حَرَّم المدينةَ قالُوا: إنَا أصحابُ عملٍ وأصحابُ نضْحٍ (٣)، وإنا لا نستطيعُ أرضًا غيرَ أرضِنَا، فرخِّصْ لَنا! فقالَ: "القَائِمَتَانِ، والوِسَادَةُ (٤)، وَالعَارِضَةُ، وَالمسْنَدُ، فَأَمّا غَيْرُ ذَلِكَ فَلَا يُعْضَدُ، وَلَا يُخْبَطُ (٥) مِنْهَا شَيءٌ" (٦). والمسندُ: عودُ

стр. 787

البكرةِ. ويجوزُ أخذُ ما تدعُو الحاجةُ إليهِ مِن حشيشِها للعلفِ (١)؛ لحديثِ عليٍّ مرفوعًا: "المَدِيْنَةُ حَرَامٌ مَا بَيْنَ عِيرٍ إِلَى ثَوْرٍ لَا يُخْتَلَى خَلَالُهَا (٢)، وَلَا يُنَفَّرُ صَيْدُهَا، وَلَا يَصْلُحُ أَنْ تُقْطَعَ مِنْهَا شَجَرَةٌ إِلَّا أَنْ يَعْلِفَ رَجُلٌ بَعِيرَهُ" (٣). رواهُ أبو داودَ (٤) - و"عِيرٌ" و"ثَوْرٌ" جبلانِ بالمدينةِ -. ومنْ أدخلَ إلى المدينةِ صيدًا فلهُ إمساكُه، وذبحُه (٥)، نصَّ عليهِ (٦)؛ لقولِ أنسٍ (٧). ولا جزاءَ في صيدِها، وشجرِها، وحشيشِها (٨). قالَ الإمامُ

стр. 788

أحمد: "لم يبلُغْنا أنَّ النبيَّ ﷺ ، ولا أحدًا من أصحابِه حكمُوا فيه بجزاءٍ؛ لأنه يجوزُ في خولُها بغيرِ إحرامٍ، ولا تصلحُ لأداءِ نسكٍ، ولا لذبحِ الهدايَا" (١). تنبيهٌ: حدُّ حرمِها ما بينَ "جبلِ ثورٍ (٢) " إلى "جَبلِ عِيرٍ (٣) " (٤)؛ لحديثِ عليٍّ المتقدمِ: "حَرَمُ المَدِيْنَةِ مَا بَيْنَ ثَوْرٍ إِلَى عِيرٍ". متفق عليه. وهوَ: ما بينَ لابتَيهَا (٥)؛ لحديثِ أبي هريرةَ (٦): قال رسول الله ﷺ : "مَا بَيْنَ لَابَتَيْهَا حَرَامٌ". متفق عليهِ (٧). واللابةُ: الحرةُ، أي: أرضٌ تركبُها حِجارة سُودٌ (٨). وقَدْرُه:

стр. 789

بريدٌ (١) في بريدٍ (٢)، نصًّا (٣)، وجعلَ النبيُّ ﷺ حولَ المدينةِ اثنَي عشرَ ميلًا حمىً. رواهُ مسلمٌ عن أبِي هريرةَ (٤). والحِمَى: المكانُ الممنوعُ منَ الرعيِ (٥). (وَيُجزِئُ) في الفديةِ، وفي جزاءِ الصيدِ، وفي النذرِ، (عَنِ البَدَنَةِ بَقَرَةٌ) (٦)؛ لقولِ جابرٍ: "كُنَّا ننحَرُ البدَنةَ عَن سَبعَةٍ" فقيلَ لهُ: والبقرةُ؟ فقالَ: "وَهَلْ هِيَ إلا مِنَ البُدنِ". رواهُ مسلمٌ (٧). (كَعَكْسِهِ) أي: كما أنَّ البدنةَ تجزئُ عنِ البقرةِ (٨)، (وَيُجْزِئُ) عن كلِّ واحدةٍ منهما سَبعُ شياهٍ (٩). و (عَنْ سَبْعِ شِيَاهٍ بَدَنَةٌ أَوْ بَقَرَة) (١٠)،

стр. 790

سواءٌ وجدَ الشياهَ، أو عدمَها (١)؛ لأنَّ أصحابَ رسولِ الله ﷺ كانُوا يتمتعونَ، فيذبحونَ البقرةَ عن سبعةٍ، قالَ جابرٌ: "أمرَنا رسُولُ الله ﷺ أن نشتركَ فِي الإِبلِ والبَقرِ كلَّ سَبعَةٍ منَّا فِي بَدَنةٍ". رواهُ مسلمٌ (٢). وذكرَ جماعةٌ: أنَّ البدَنةَ لا يجزئُ عنِ البَقرةِ، ولا عن سَبع شيَاهٍ (٣). (وَالمُرَادُ بِالدَّمِ الوَاجِبِ) المطلقِ غيرِ المقيدِ، وهوَ: (مَا يُجْزِئُ فِي الَأُضْحِيَةِ) (٤). فإن قُيِّدَ بنحرِ بدنَةٍ، أو بقرةٍ تَقَيَّد. والمجزئُ في الأُضحيةِ: (جَذْعُ ضَأْنٍ) فإن له ستةُ أشهرٍ (٥)، (أَوْ ثَنِيُّ مَعْزٍ) له سنةٌ (٦)، (أَوْ سُبُعُ بَدَنَةٍ، أَوْ) سُبُع (بَقَرَةٍ) (٧)؛ لقولِه تعالَى: ﴿فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾ [البقرة: ١٩٦]، قالَ ابنُ عباسٍ:

стр. 791

"شاة، أو شِركٌ في دمٍ" (١)، وقولِه تعالى: ﴿فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ﴾ [البقرة: ١٩٦]، فسَّرَ ﵊ النسكَ في حديثِ كعب بنِ عُجرَةَ بذبحِ شاةٍ، وقيسَ على مَا في الآيتَينِ - مِن دم (٢) التمتع، ومِن دمِ تغطيةِ (٣) الرأسِ - الباقي من فديةِ الطيبِ، واللبسِ، ونحوِه. (فَإِنْ ذَبَحَ) مَن وجبَ عليه الدمُ المطلقُ (إِحْدَاهُمَا) أي: البدنةَ، أو البقرةَ، عن الدم المطلقِ (فَـ) ـهو (أَفْضَلُ) (٤)؛ لأنها أوفرُ لحمًا، وأنفعُ للفقراءِ. (وَتَجِبُ كُلَّهَا) أي: البدنةُ أو البقرةُ (٥)؛ لأنه اختارَ الأعلى لأداءِ فرضِه، فكانَ كلّه واجبًا. تتمةٌ: كلُّ هديٍ أو إطعامٍ يتعلقُ بحرم أو إحرامٍ - كجزاءِ صيدٍ، ومَا وجبَ من فديةٍ لتركِ وَاجبٍ، أو لفواتِ حجٍّ، أو وجبَ بفعلِ محظورٍ (٦) - يكونُ ذبحُه في الحرمِ (٧)، وكذا هديُ تمتعٍ، وقِران، ومنذورٍ (٨). أما الهديُ؛ فلقَولِه تعالى: ﴿ثُمَّ مَحِلُّهَا إِلَى الْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾ [الحج: ٣٣]. وأما جزاءُ الصيدِ، فلقولِه تعالى: ﴿هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ﴾ [المائدة: ٩٥]. وأما ما وجبَ لتركِ واجبٍ، أو فواتِ حجٍّ؛ فلأنهُ هديٌ وجبَ لتركِ نسكٍ، أشبهَ دمَ القرانِ. والإطعامُ في معنَى الهديِ؛ يلزمُ ذبحُه في الحرم. ويجزئُه الذبحُ في جميعِ الحرمِ (٩)، ورويَ عن جابرٍ مرفوعًا: "كُلُّ فِجَاجِ مكة طرِيقٌ وَمَنْحَرٌ". رواهُ أحمد (١٠). ورواهُ مسلمٌ بلفظ:

стр. 792

"مِنًى (١) كُلُّهَا مَنْحَرٌ" (٢)، وإنما أرادَ: الحرمَ؛ لأنه كلُّه طريقٌ إليهَا. والفجُّ: الطريقُ. قالَ الإمامُ أحمد: "مكة ومنىً واحدٌ" (٣). ويلزمُ تفرقةُ لحمِه في الحرمِ، أو إطلاقُه بعد ذبحِه لمساكينِ الحرمِ من المسلمينَ (٤)، إن قدرَ على إيصالِه إليهِم بنفسِه، أو بمن يرسلُه معهُ (٥)؛ لأن المقصودَ من ذبحِه بالحرمِ: التوسعةُ عليهِم، ولا يحصلُ ذلكَ بإعطاءِ غيرِهم. وكذا الإطعامُ (٦). قالَ ابنُ عباسٍ: "الهديُ والإطعامُ بمكةَ" (٧)، ولِأنَّه ينفعهم؛ كالهديِ. ومساكينُ الحرمِ: مَن كانَ مقيمًا به، أو واردًا إليه، مِن حافي وغيرِه، مفَن لهُ أخذُ زكاةٍ لحاجةٍ (٨)، ولو بانَ

стр. 793

غَناؤُه (١) بعدَ دفعِه، ظانًا أنهُ فقيرٌ (٢)؛ كزكاةٍ. والأفضلُ: أن يذبَحَ ما وجبَ بحجٍّ بمنىً، وينحرَ ما وجبَ بعمرةٍ بالمروةِ (٣) (٤)، خروجًا من خلافِ الإمامِ مالكٍ ومن تبعَه (٥). وإن سلَّمَ الهديَ حيًّا لمساكينِ الحرم، فإن نحرُوه أجزأَ، وإلا استردَّه ونحرَه (٦)؛ لوجوب نحرِه. فإن أبَى أن يستردَّه، أَو عجزَ عن استردادِه منهُم ضمِنَه لمساكينِ الحرمِ (٧). ومن لزمَه هديٌ، فتعذَّرَ إيصالُه لمساكينِ الحرم بنفسِه، أو بمن يرسلُه معه، نحَرَه حيثُ قدرَ، ويفرِّقُه بمحلِّ مَنحرِه (٨)؛ لقولِه تعالَى: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ (البقرة: ٢٨٦). وفديةُ الأذَى عن حلقِ رأسٍ، وفديةِ طيبٍ، ولبسٍ، وتغطيةِ رأسٍ، وسائرِ ما وجبَ بفعلِ محظورٍ فعلَه خارجَ الحرمِ - ولو لغيرِ عذرٍ - يفرّقُها - مِن هديٍ وطعامٍ -

стр. 794

حيثُ وُجِدَ السببُ (١)، لأنَّ النبيَّ ﷺ أمرَ كعبَ بنَ عجرةَ بالفديةِ بالحُدَيْبِيَةِ (٢)، وهيَ مِن الحلِّ، واشتكَى الحسينُ ابنُ الإمامِ عليٍّ (٣) رأسَه، فحلقَه عليٌّ، ونحرَ عنهُ جَزُورًا بالسُّقْيَا. رواهُ مالكٌ (٤)، ولهُ تفرقتُها بالحرمِ؛ كسائرِ الهدايَا (٥). ووقتُ ذبحِ فديةِ الأذى، واللبسِ، ونحوِهما، حينَ فِعْلِه (٦)، وله الذبحُ قبلَه إذا أرادَ فعلَه لعذرٍ (٧). وكذلكَ ما وجبَ مِن الفديةِ لتركِ واجبٍ (٨). ودمُ الإحصار يخرجُه حيثُ أحصرَ، من حلٍّ أو حرمٍ (٩)، لقوله تعالى: ﴿وَصَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَالْهَدْيَ مَعْكُوفًا أَنْ يَبْلُغَ مَحِلَّهُ﴾ (الفتح: ٢٥). والصوم وحلق الرأس يجزئ بكل مكانٍ (١٠)؛ لقولِ ابنِ عباس: "الهديُ والإطعامُ بمكةَ، والصومُ حيثُ شَاء"، ولأنه لا يتعدى نفعُه لأحدٍ، فلا فائدةَ بتخصيصِه بالحرمِ، ولعدمِ الدليلِ علَيه.

стр. 795

(بَابُ أَرْكَانِ الحَجِّ وَوَاجِبَاتِهِ) أي: واجباتِ الحج. (أَرْكَانُ الحَجِّ أَرْبَعَةٌ). (الأوَّلُ) منْها: (الإحْرَامُ) (١) من الميقات المعتدِّ له (٢)، غيَر من أحرم متمتعًا؛ لأن المتمتعَ يحرمُ بالحج من موضعه. (وَهُوَ: مُجَرَّدُ النِّيَّةِ) أي: نيةُ النُّسكِ (٣)، وإن لم يتجرد من ثيابه المحَرَّمةِ على المحرمِ (٤)، (فَمَنْ تَرَكَهُ) أي: تركَ نيةَ الإِحرَامِ (لَمْ يَنْعَقِدْ حَجُّهُ) (٥)؛ لتركهِ الركنِ. (الثَّانِي: الوُقُوفُ بعرفةَ) (٦)؛ لحديث: "الحَجُّ عرفةَ، فَمَنْ جَاءَهُ قَبْلَ صَلَاةِ الفَجْرِ لَيْلَةَ جَمْع فَقَدْ تَمَّ حَجُّهُ". رواهُ أبُو دَاود (٧). (وَوَقْتُهُ) أي: وقتُ الوقوف بعرفة (مِنْ طُلُوعِ فَجْرِ يَوْم عرفةَ، إِلَى طُلُوعِ فَجْرِ يَوْم النَّحْرِ) (٨)؛ لما تقدمَ من الحديثِ المذكور - (فَمَنْ حَصَلَ فَي هَذَا الوَقْتِ بعرفةَ) ولَو (لَحْظَةً وَاحِدَةً وَ) كان (هُوَ) من (أَهْلِ) الوقوفِ - مسلمًا، عاقلًا، محرِمًا بالحج (٩) (وَلَوْ) كانَ

стр. 796

(مَارًّا) بها، (أَوْ نَائِمًا، أَوْ حَائِضًا، أَوْ جَاهِلًا) بـ (ـــــأَنهَا عَرَفَةُ صَحَّ حَجُّهُ) (١)، وأجزأَه عن حجة الإسلام إن كان حرًّا بالغًا، وإلا فنفل؛ لعموم قوله ﷺ : "وَقَدْ آسى عرفةَ قَبْلَ ذَلِكَ لَيْلًا أَوْ نَهَارًا" (٢) (لَا) أي: لا يصح الوقوف (إنْ كَانَ سَكْرَانًا، أَوْ مَجْنُونًا، أَوْ مُغْمَىً عَلَيْهِ) (٣) لعدم العقل، إلا أن يفيقوا وهُم بعرفة قبل خروج وقت الوقوف (٤). (وَلَوْ وَقَفَ النَّاسُ كُلُّهُمْ) أي: كل الحجيج، (أَوْ) وقفَ الحجيج (كُلُّهُمْ إِلَّا قَلِيْلٌ) منهم (فِي الْيَوْمِ الثَّامِنِ منْ ذي الحِجَّة (أَوْ) اليومِ (العَاشِرِ خَطَأً) لظنِّهم أنه يومُ عرفة (أَجْزَأَهُمْ) ذلك الوقوف (٥)، نصًا (٦)؛ لما رواه الدارقطني عن عبد العزيز بن جابر بن أسيد (٧) قال: قال رسول الله ﷺ : "يَوْمُ عرفةَ اليَوْمُ الَّذِي يُعَرِّفُ النَّاسُ فِيْهِ" (٨). ومن روايته أيضًا عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: "فِطْرُكُمْ يَوْمَ تُفْطِرُونَ، وَأَضْحَاكُمْ يَوْمَ تُضَحُّونَ" (٩). وإن أخطأ دون الأكثر فاتهم

стр. 797

الحج (١)؛ لأنهم لم يقفُوا في وقتِه، وأما الأكثر فقد ألحق بالكُلِّ في مواضع (٢)، فكذا هنا، على ظاهر كلام الانتصار (٣) وغيره (٤). وفي "المقنع": "وإن أخطأَ بعضُهمْ فقدْ فاتَهمُ الحج" (٥)، قال في "الإنصاف": "هذا المذهب، وعليه الجمهور" (٦)، ولم يخالفْهُ في التنقيح (٧)، وجزَمَ بهِ في "الإقناع" (٨)، قال الشيخ تقي

стр. 798

-الدين ابن تيمية - رحمه الله تعالى -: "وهل هو يوم عرفة باطنًا؛ فيه خلافٌ في مذهب الإمام أحمد بناءً على أن الهلالَ اسمٌ لما يطلُعُ في السماءِ أو لما يراه الناس ويعلمونه؟ وفيه خلاف مشهورٌ في مذهب الإمام أحمد وغيره"، قال: "والثاني هو الصواب" (١). تنبيه: قال الشيخ تقي الدين: "لا يستحبُّ الوقوف مرتين، وهو بدعة (٢) لم يفعله السلف، فعُلم أنه لا خطأ". وقال: "فلو رآهُ طائفة قليلةٌ لم ينفردُوا بالوقوفِ، بل الوقوف مع الجمهور" (٣). قال في "الفروع": "ويتوجهُ وقوفٌ مرتين إن وقف بعضهم، لا سيما مَن رآه. وصرَّحَ جماعة: إن أخطؤوا لغَلَطٍ في العدد، أو في الرؤية، أو في الاجتهاد في الإغمام - أي: الغيم (٤) - أجزأه، وهو ظاهر كلام الإمام أحمد وغيره" (٥). (الثَّالِثُ: طَوَافُ الإِفَاضَةِ) (٦) سمي بالإفاضة، لأنه يُفعَلُ بعد الإفاضة من منى، ويسمَّى: "طوافُ الزيارة" أيضًا، وسمي بالزيارةِ؛ لأنه يأتي [مِن] منى فيزورُ

стр. 799

البيتَ، ولا يقيمُ بمكة، بل يرجعُ إلى منى. قالَ ابنُ عبد البرِّ (١): "هوَ من فرائضِ الحجِّ، لا خلافَ في ذلكَ بينَ العلماءِ" (٢)؛ لقولِه تعالَى: (وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾ (الحج: ٢٩). ويعيّنُه بِنيَّةٍ (٣). (وَأَوَّلُ وَقْتِهِ) أي: وقتُ طوافِ الإفاض (مِنْ) بعد (نِصْفِ لَيْلَةِ النَّحْرِ) (٤)؛ لما تقدم من حديث أبي داود (٥) (لِمَنْ وَقَفَ) بعرفةَ (٦)؛ لفعلِه ﷺ ذلك بعد الوقوفِ. (وَإِلَّا) أي: وإن لم يكُنْ وَقفَ (فَـ) ــــــوقتُه (بَعْدَ الوُقُوفِ) بعرفةَ، فإن فَعلَه قبله فلا يعتد به (٧). وفِعلُه يومَ النحر أفضل (٨)؛ لفعله ﷺ (٩). (وَلَا حَدَّ) أي: لا انتهاءَ (لآخِرِهِ) أي: آخرِ وقته (١٠). (الرَّابعُ: السَّعْيُ) (١١)؛ لحديث أبي هريرةَ: "أن النبيَّ ﷺ لمَّا فرغ من طوافه

стр. 800

أتى الصفا (١)، فعَلَا عليه .. " الحديث (٢). فيسعى (بَيْنَ الصَّفَا وَالمَرْوَةِ)؛ لأنه يجب استيعاب ما بينهما؛ لفعله ﵊ (٣). (وَوَاجِبَاتُهُ) أي: واجِبَات الحج (سَبْعَةٌ). الأول: الإحْرَامُ مِنَ المِيْقَاتِ (٤)، كما تقدم في باب الإحرام (٥). (وَ) الثاني: (الوُقُوفُ) بعرفةَ (إِلَى الغُرُوب) أي: غروبِ الشمس (٦)؛ لحديث: "مَنْ أَدْرَكَ عَرَفَاتٍ بِلَيْلٍ فَقَدْ أَدْرَكَ الحَجَّ" (٧). (لِمَنْ وَقَفَ نَهَارًا) ولم يقف ليلًا (٨). فعليه لعدم وقوفه ليلًا دمٌ (٩)؛ لتركه الواجبَ. بخلاف من وقفَ ليلًا فقط، فلا دم عليه (١٠). (وَ) الثالث: (المَبِيْتُ لَيْلَةَ النَّحْرِ بِمُزْدَلِفَةَ) (١١)، وسميت مزدلفة (١٢) من

стр. 801

الزَّلَفِ، وهو التقرب (١)؛ لأن الحاج يتقرَّب إليها. (إِلَى بَعْدَ نِصْفِ اللَّيْلِ) (٢)؛ لخبر ابن عباس (٣). (وَ) الرابع: (المَبِيْتُ بِمِنًى فِي لَيَالِي) أيامِ (التشريقِ) (٤)؛ لحديث ابن عباس قال: "لم يرخِّص النبيُّ ﷺ لأحدٍ يبيتُ بمكةَ إلا للعباس؛ لأجل سقايته" (٥). رواه ابن ماجه (٦). (وَ) الخامس: (رَمْي الجِمَارِ) (٧)؛ لقول جابر: "رأيت رسول الله ﷺ يرمي الجمرةَ ضحى يوم النَّحرِ، ورمى بعد ذلك بعدَ زوالِ الشمس" (٨)، وقد قال ﷺ : "لِتَأْخُذوا عَنِّي مَنَاسِككُمْ" (٩)

стр. 802

(مُرَتَّبًا) (١)؛ لفعله ﷺ كذلك (٢). فلو نكَّس لم يحتسب إلا الأولى، ويعيدُ الأُخرَيين مرتَّبَتين. (و) السادس: (الحَلْقُ أَوِ التَّقْصِيرُ) (٣)؛ لقوله تعالى: ﴿مُحَلِّقِينَ رُءُوسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ﴾ (الفتح: ٢٧). الواو في (وَمُقَصِّرينَ) بمعنى (أو). والحلقُ أو التقصيرُ نسكٌ (٤)؛ للآية، ولقوله ﷺ : "فَيُقَصِّرُ ثُمَّ ليُحِلَّ" (٥)، ولو لم يكُنْ نُسُكًا لم يتوقف الحلُّ عليه. وهو عامٌّ في جميع شعر الرأس (٦). وقد حلق ﷺ جميعَ رأسه (٧)، فكان ذلك تفسيرًا لمطلق الأمر بالحلق أو التقصير. (وَ﴾ (السابع) (٨): ((طَوَافُ الوَدَاعِ) (٩)، سمىِ به؛ لتوديعه البيت الشريف؛ لحديث ابن عباس: "أُمِر الناسُ أن يكونَ آخرَ عهدِهمْ بالبيتِ، إلا أنه خفف عن المرأة الحائض". متفق عليه (١٠). وفي معناها: النفساء.

стр. 803

(وَ أَرْكَانُ العُمْرَةِ ثَلَاثةٌ): الأول: (الإِحْرَامُ) (١)، وهو مجرد النيةِ. (وَ) الثاني: (الطَّوَافُ) بالبيت الشريف (٢). (وَ) الثالث: (السَّعْيُ) بينَ الصفا إلى المروة (٣)؛ لفعله ﵊ بعد الطواف (٤). (وَوَاجِبَاتُهَا) أي: واجباتُ العمرةِ (شَيْئَانِ): أحدُهما: (الإِحْرَامُ بِهَا) أي: بالعمرةِ (مِنَ الحِلِّ) (٥)، فمنْ مرَّ بميقاتٍ أحرمَ منه؛ لأنه محل حلِّهِ. ومن كان مقيمًا بمكةَ فمنَ الحِلِّ. (وَ) الثاني: (الحَلْقُ) أي: حلقُ رأسِ ذكرٍ (أَوِ التَّقْصِيرُ) من جميع الرأسِ من ذكرٍ وأنثى (٦). (و المَسْنُونُ) من أفعال الحجِّ وأقوالِه: (كالمَبِيْتِ بِمِنًى لَيْلَةَ عرفةَ) (٧)؛ لقولِ جابرٍ: "وركبَ رسُولُ الله ﷺ إلى منىً، فصلَّى بهَا الظهرَ والعصرَ والمغربَ والعشاءَ والفجرَ، ثم مكثَ قليلًا حتى طلَعَتِ الشمسُ" (٨). (وَطَوَافِ القُدُومِ) (٩)؛ لقولِ عائشةَ: "أنَّ النبيَّ ﷺ حين قدمَ مكة

стр. 804

توضأَ، ثم طافَ بالبيت". متفق عليه (١). (وَالرَّمَلِ) (٢) وهو: إسراعُ المشي، مع تقارب الخطا (٣)؛ لحديث ابن عباس: "رملَ النبيُّ ﷺ في عمرتِهِ كلِّها وَفي حجِّه" (٤). وكان أصلُ الرمَلِ لإظهار الجلد للمشركين، فبقي الحكمُ بعدَ زوال علتِه. (فِي الثَّلَانةِ أَشْوَاطِ الْأُوَلِ مِنْهُ) أي: منَ الطواف (٥). (وَالاضْطِبَاعِ (٦) (٧) وهو: جعلُ وسطِ الرداءِ تحت عاتقِه الأيمنِ، وطرفيه على عاتقه الأيسر (٨). (فِيْهِ) أي: في أسبوع الطواف جميعه (٩)، روي عن ابن عباس: "أن رسول الله ﷺ وأصحابَه اعتمَرُوا من الجعرانةِ، فرَمَلُوا بالبيتِ، وجَعلُوا أرديَتَهم تحت آباطهم، ثم قذفُوها على عواتقِهِم اليسرى". رواه أبو داود (١٠). (وَتَجَرُّدِ الرَّجُلِ مِنَ

стр. 805

(المَخِيطِ) (١) بأن يخلع ما عليه من الثياب، (عِنْدَ الإِحْرَامِ) قبلَ أن يُحرِم (٢)؛ لأنه ﷺ تجرد لإهلاله. رواهُ الترمذي (٣). فإنْ أحرَمَ قبل التَّجرّدِ نزعَه في الحال على عادته، من غير تأْخِيرٍ (٤)، فإن أخَّرَه لزمَهُ الفدَى، كما تقدم (٥). (وَلُبْسِ إزارٍ وَرِدَاءٍ) (٦)؛ لما روى الإمام أحمد عن ابن عمر مرفوعًا: "لِيُحْرِمْ أَحَدُكُمْ فِي إزارٍ وَرِدَاءٍ وَنَعْلَيْنٍ" (٧). وذكر الحَلْوَاني (٨): "الأَولى إخراجُ كتفِهِ الأيمنِ من الرِّداء".

стр. 806

(أَبْيَضَيْنِ)؛ لأن في الحديث. "الْبَسُوا الثِّيَابَ البِيْضَ؛ فَإِنَّهَا أَطْيَبُ وَأَطْهَرُ". رواه أحمد (١) عن سَمُرَة (٢). (نَظِيْفَيْنِ) (٣)؛ لأن في حديث جابر: "إِنَّ اللهَ يُحِبُّ النَّاسِكَ النَّظِيْفَ" (٤). رواه الخطيب (٥). ويسنُّ أن يكونا جديدَينِ (٦). (وَالتَّلْبِيَةِ) (٧) (مِنْ حِيْنِ) أن يتلبَّسَ بـ (ـــــالإِحْرَامِ إِلَى) عند (أَوَّلِ الرَّمْي) من جمرة العقبة (٨)؛ لقول جابر: "فأهَلَّ رسولُ الله ﷺ بِالتَّوحِيدِ "لَبَّيْكَ اللَّهُمَّ لَبَّيْك، لَبَّيْكَ لَا شَرِيْكَ لَكَ لَبَّيْكَ، إِنَّ الحَمْدَ وَالنِّعْمَةَ لَكَ وَالمُلْكَ لَا شَرِيْكَ لَكَ". الحديث متفق عليه (٩).

стр. 807

(فَمْنَ تَرَكَ رُكْنًا) منْ أركانِ الحج أو العمرةِ (لَمْ يَتِمَّ حَجُّهُ) ولا عمرتُه (إِلَّا بِهِ) (١). (وَمَنْ تَرَكَ وَاجِبًا) من واجباتِ الحج أو العمرةِ، سواء كانَ سهوًا أو جهلًا (فَعَلَيْهِ دَمٌ) شاةٌ (٢)؛ لتركهِ الواجبَ، (وَحَجُّهُ صَحِيْحٌ)، وكذا عمرتُه (٣). (وَمَنْ تَرَكَ مَسْنُونًا) ولو عمدًا (فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ) (٤). قال في "الفصول" (٥) وغيرِه: "ولم يشرَعِ الدمُ عنْها - أي: عن السُّنَّة -" (٦). تتمة: من ترك طوافَ الإفاضةِ رجعَ إلى مكة معتمرًا، فأتى به (٧)؛ لأنَّهُ على بقيَّةِ إحرامه. فإنْ وطِئَ أحرمَ من التنعيمِ، على حديث ابن عباس (٨)، وعليه دم (٩). (فصل) (وَشُرُوطُ صِحَّةِ الطَّوَافِ أَحَدَ عَشَرَ) شرطًا (النِّيَّةُ، وَالإِسْلَامُ، وَالعَقْلُ) (١٠)، فهذه الثلاثة كسائر العبادات. (وَ) الرابع: (دُخُولُ وَقْتِهِ) أي: وقتِ الطواف

стр. 808

المقيدِ (١)، كطواف الحج فإنه بعد الوقوف من بعد نصف ليلة النحر، -كما تقدم (٢) -، وطوافِ العمرة بعد التلبسِ بالإحرام. (وَ) الخامس: (سَتْرُ العَوْرَةِ) (٣)؛ لما ورد من حديث أبي هريرة: "لَا يَحُجُّ مُشْرِكٌ، وَلَا يَطُوفُ بِالْبَيْتِ عُرْيَان". متفق عليه (٤). (وَ) السادس: (اجْتِنَابُ النَّجَاسَةِ) (٥) قال شيخنا في شرح "الإقناع": "وظاهره حتى للطفل" (٦)؛ لِحديث: "الطَوَافُ بِالبَيْتِ صَلَاةٌ إِلا أَنَّكُمْ تَتَكَلَّمُونَ فِيْهِ" (٧). (وَ) السابعُ: (الطَّهَارَةُ مِنَ الحَدَثَـ) ـينِ (٨)؛ لأنه صلاة. ولا تشترطُ لطفلٍ دون التمييز (٩)؛ لعدم إمكانها منه. (وَ) الثامن: (تَكْمِيْلُ السَّبْعِ) (١٠)، فلو قَطعَ من السبع شيئًا بطل الطواف (١١). (وَ) التاسع: (جَعْلُ) جميعِ (البَيْتِ) الشَّريف (عَنْ يَسَارِهِ) في طوافه (١٢)، فلا يطوف على جدار الحِجْر (١٣)، ولا على شَاذَرْوانِ (١٤)

стр. 809

الكعبة (١)؛ لأن النبي ﷺ لما قدم مكة أتى الحَجَرَ فاستلمه، ثم مشى على يمينه، فرمل ثلاثًا، ومشى أربعًا. رواه مسلم عن جابر (٢). فلو نكَّس لم يصح (٣). (وَ) العاشر: (كَوْنُهُ) يطوف (مَاشِيًا، مَعَ القُدْرَةِ) على المشي (٤)، فلا يصح الطواف راكبًا، ولا محمولًا لغير عذر (٥). (وَ) الحادي عشر: (المُوَالَاةُ) (٦)، وهو: أن لا يفرق بين الطَّوفَاتِ بقطعِ طويل (٧). (فَيَسْتَأْنِفُهُ) أي: الطواف (لِحَدَثٍ) حصلَ (فِيْهِ) أي: في الطواف بعد الطهارة (٨). (وَكَذَا) يستأنفُ الطوافَ (لِقَطْعِ طَويلٍ) حصل بين الطوفات (٩). (وَإِنْ) كان القطعُ (يَسِيْرًا) - ولو في أثناء شوطٍ - بنَى لبقية طوافه من الحجر الأسودِ، ولغَى ما طافه من بعض الشوطِ (١٠). (أَوْ) كان القطعُ عندما (أُقِيْمَتِ الصَّلَاةُ) المكتوبةُ (١١)؛ لحديث: "إِذَا أُقِيْمَتِ الصَّلَاةُ فَلَا صَلَاةَ إِلَّا المَكْتُوبَةُ" (١٢). (أَوْ) عندما (حَضَرَتِ)

стр. 810

الـ (ـــــــجَنَارةُ) (١)؛ لأنها تفوتُ بالاشتغال عنها (صَلَّى) أي: المكتوبةَ أو الجنازةَ، (وَ) بعد الصلاة (بَنَى) لبقية طوافه (مِنَ عِنْدِ الحَجَرِ الأَسْوَدِ) (٢). ويشترط: أن يكون الطواف في المسجد، فلا يصح خارجه (٣)، وأن يبتدئ بالطواف من الحَجَر الأسود (٤)؛ لفعله ﷺ من حديث جابر: "لما قدمَ مكة أتَى إلى الحَجَرِ واستَلَمهُ" (٥). (وَسُنَنُهُ) أي: سننُ الطوافِ: (اسْتِلَامُ) أي: مسح (الركنِ اليَمَانِي بِيَدِهِ اليُمْنَى) (٦)، لحديث ابن عمر: "كان رسُولُ الله ﷺ لا يدعُ أنْ يستلمَ الركنَ اليمَانيَّ وَالحَجَرِ فِي طَوَافِهِ". قال نافع (٧): وكان ابن عمر يفعله. رواه أبو داود (٨). وقوله في الحديث: "لا يدَعُ" أي: لا يترك. (وَكَذَا) استلامُ (الحَجَرِ
следующие страницы →