← Фикх ханбали

Фикх ханбали · id 30058

مسلك الراغب لشرح دليل الطالب - ت الهزاني وإدريس

إبراهيم العوفي الصالحي

Полный текст (1 279 стр.). Показаны 806–845 · переход к 811.

стр. 806

(أَبْيَضَيْنِ)؛ لأن في الحديث. "الْبَسُوا الثِّيَابَ البِيْضَ؛ فَإِنَّهَا أَطْيَبُ وَأَطْهَرُ". رواه أحمد (١) عن سَمُرَة (٢). (نَظِيْفَيْنِ) (٣)؛ لأن في حديث جابر: "إِنَّ اللهَ يُحِبُّ النَّاسِكَ النَّظِيْفَ" (٤). رواه الخطيب (٥). ويسنُّ أن يكونا جديدَينِ (٦). (وَالتَّلْبِيَةِ) (٧) (مِنْ حِيْنِ) أن يتلبَّسَ بـ (ـــــالإِحْرَامِ إِلَى) عند (أَوَّلِ الرَّمْي) من جمرة العقبة (٨)؛ لقول جابر: "فأهَلَّ رسولُ الله ﷺ بِالتَّوحِيدِ "لَبَّيْكَ اللَّهُمَّ لَبَّيْك، لَبَّيْكَ لَا شَرِيْكَ لَكَ لَبَّيْكَ، إِنَّ الحَمْدَ وَالنِّعْمَةَ لَكَ وَالمُلْكَ لَا شَرِيْكَ لَكَ". الحديث متفق عليه (٩).

стр. 807

(فَمْنَ تَرَكَ رُكْنًا) منْ أركانِ الحج أو العمرةِ (لَمْ يَتِمَّ حَجُّهُ) ولا عمرتُه (إِلَّا بِهِ) (١). (وَمَنْ تَرَكَ وَاجِبًا) من واجباتِ الحج أو العمرةِ، سواء كانَ سهوًا أو جهلًا (فَعَلَيْهِ دَمٌ) شاةٌ (٢)؛ لتركهِ الواجبَ، (وَحَجُّهُ صَحِيْحٌ)، وكذا عمرتُه (٣). (وَمَنْ تَرَكَ مَسْنُونًا) ولو عمدًا (فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ) (٤). قال في "الفصول" (٥) وغيرِه: "ولم يشرَعِ الدمُ عنْها - أي: عن السُّنَّة -" (٦). تتمة: من ترك طوافَ الإفاضةِ رجعَ إلى مكة معتمرًا، فأتى به (٧)؛ لأنَّهُ على بقيَّةِ إحرامه. فإنْ وطِئَ أحرمَ من التنعيمِ، على حديث ابن عباس (٨)، وعليه دم (٩). (فصل) (وَشُرُوطُ صِحَّةِ الطَّوَافِ أَحَدَ عَشَرَ) شرطًا (النِّيَّةُ، وَالإِسْلَامُ، وَالعَقْلُ) (١٠)، فهذه الثلاثة كسائر العبادات. (وَ) الرابع: (دُخُولُ وَقْتِهِ) أي: وقتِ الطواف

стр. 808

المقيدِ (١)، كطواف الحج فإنه بعد الوقوف من بعد نصف ليلة النحر، -كما تقدم (٢) -، وطوافِ العمرة بعد التلبسِ بالإحرام. (وَ) الخامس: (سَتْرُ العَوْرَةِ) (٣)؛ لما ورد من حديث أبي هريرة: "لَا يَحُجُّ مُشْرِكٌ، وَلَا يَطُوفُ بِالْبَيْتِ عُرْيَان". متفق عليه (٤). (وَ) السادس: (اجْتِنَابُ النَّجَاسَةِ) (٥) قال شيخنا في شرح "الإقناع": "وظاهره حتى للطفل" (٦)؛ لِحديث: "الطَوَافُ بِالبَيْتِ صَلَاةٌ إِلا أَنَّكُمْ تَتَكَلَّمُونَ فِيْهِ" (٧). (وَ) السابعُ: (الطَّهَارَةُ مِنَ الحَدَثَـ) ـينِ (٨)؛ لأنه صلاة. ولا تشترطُ لطفلٍ دون التمييز (٩)؛ لعدم إمكانها منه. (وَ) الثامن: (تَكْمِيْلُ السَّبْعِ) (١٠)، فلو قَطعَ من السبع شيئًا بطل الطواف (١١). (وَ) التاسع: (جَعْلُ) جميعِ (البَيْتِ) الشَّريف (عَنْ يَسَارِهِ) في طوافه (١٢)، فلا يطوف على جدار الحِجْر (١٣)، ولا على شَاذَرْوانِ (١٤)

стр. 809

الكعبة (١)؛ لأن النبي ﷺ لما قدم مكة أتى الحَجَرَ فاستلمه، ثم مشى على يمينه، فرمل ثلاثًا، ومشى أربعًا. رواه مسلم عن جابر (٢). فلو نكَّس لم يصح (٣). (وَ) العاشر: (كَوْنُهُ) يطوف (مَاشِيًا، مَعَ القُدْرَةِ) على المشي (٤)، فلا يصح الطواف راكبًا، ولا محمولًا لغير عذر (٥). (وَ) الحادي عشر: (المُوَالَاةُ) (٦)، وهو: أن لا يفرق بين الطَّوفَاتِ بقطعِ طويل (٧). (فَيَسْتَأْنِفُهُ) أي: الطواف (لِحَدَثٍ) حصلَ (فِيْهِ) أي: في الطواف بعد الطهارة (٨). (وَكَذَا) يستأنفُ الطوافَ (لِقَطْعِ طَويلٍ) حصل بين الطوفات (٩). (وَإِنْ) كان القطعُ (يَسِيْرًا) - ولو في أثناء شوطٍ - بنَى لبقية طوافه من الحجر الأسودِ، ولغَى ما طافه من بعض الشوطِ (١٠). (أَوْ) كان القطعُ عندما (أُقِيْمَتِ الصَّلَاةُ) المكتوبةُ (١١)؛ لحديث: "إِذَا أُقِيْمَتِ الصَّلَاةُ فَلَا صَلَاةَ إِلَّا المَكْتُوبَةُ" (١٢). (أَوْ) عندما (حَضَرَتِ)

стр. 810

الـ (ـــــــجَنَارةُ) (١)؛ لأنها تفوتُ بالاشتغال عنها (صَلَّى) أي: المكتوبةَ أو الجنازةَ، (وَ) بعد الصلاة (بَنَى) لبقية طوافه (مِنَ عِنْدِ الحَجَرِ الأَسْوَدِ) (٢). ويشترط: أن يكون الطواف في المسجد، فلا يصح خارجه (٣)، وأن يبتدئ بالطواف من الحَجَر الأسود (٤)؛ لفعله ﷺ من حديث جابر: "لما قدمَ مكة أتَى إلى الحَجَرِ واستَلَمهُ" (٥). (وَسُنَنُهُ) أي: سننُ الطوافِ: (اسْتِلَامُ) أي: مسح (الركنِ اليَمَانِي بِيَدِهِ اليُمْنَى) (٦)، لحديث ابن عمر: "كان رسُولُ الله ﷺ لا يدعُ أنْ يستلمَ الركنَ اليمَانيَّ وَالحَجَرِ فِي طَوَافِهِ". قال نافع (٧): وكان ابن عمر يفعله. رواه أبو داود (٨). وقوله في الحديث: "لا يدَعُ" أي: لا يترك. (وَكَذَا) استلامُ (الحَجَرِ

стр. 811

الأَسْوَدِ) (١) (٢)؛ لقول جابر: "إن رسولَ الله ﷺ لمَّا قدِمَ مكة أتَى الحَجَرِ فاسْتَلَمَه .. " الحديث. رواهُ مُسلِم (٣). (وَتَقْبِيْلُهُ) أي: يُسن تقبيل الحجر الأسود من غير صوت يظهر للقُبلَة (٤)؛ لحديث ابن عمر: "أن النبي ﷺ استقبلَ الحجَرَ، ووضَعَ شفَتَيْهِ علَيه يبْكِي طويلًا، ثم التفتَ فإذَا هو بِعُمَرَ يبكي، فقال: "يَا عمرُ، هَاهُنَا تُسْكَبُ العَبَرَاتُ". رواه ابن ماجه (٥). فإن شقَّ تقبيلُه استلمَهُ، وقبَّلَ يده (٦)؛ لما روي عن ابن عباس: "أن النبي ﷺ استلَمَهُ وقبَّلَ يدَهُ" (٧). فإن شقَّ استلمَهُ بِشَيء وقبَّلَه (٨)؛ روي عن ابن عباس موقوفًا (٩).

стр. 812

ويُسنُّ أن يسجد عليه (١)؛ فعلَهُ ابن عمر، وابن عباس (٢). (والدُّعَاءُ) فيهِ (٣) - على ما يأتي في صفة الحج (٤) - (وَالذكْرُ) فيه (٥) - على ما يأتي أيضًا (٦) -. (وَالدُّنُوُّ مِنَ البَيْتِ) أي: القربُ منه (٧). ولكن إن لم يمكنْهُ الدنُوُّ معَ الرَّمَل كان تقديمُ الرَّمَلِ

стр. 813

أولى (١)؛ لأن المحافظةَ على فضيلةٍ تتعلقُ بذاتِ العبادةِ أهمُّ من فضيلةٍ تتعلق بمكانها. (والرَّكْعَتَانِ بَعْدَهُ) أي: بعدَ الطوافِ (٢). والأفضل كونهما خلف المقام (٣)؛ لفعله ﵊ من حديث جابر، وفيه: "ثُمَّ تقدَّمَ إِلى مقامِ إِبرَاهِيمِ فقَرَأَ: ﴿وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى﴾ (البقرة: ١٢٥)، فجعلَ المقَامَ بينَه وبينَ البَيْتَ فصلَّى ركعتين .. " الحديث. رواه مسلم (٤). (فصلٌ) (وَشُرُوطُ صِحَّةِ السَّعْي ثَمَانِيَةٌ): (النِّيَّةُ، وَالإِسْلَامُ، وَالعَقْلُ)، فهذه الثلاثةُ كسائرِ العباداتِ، كما تقدم. (وَ) الرابعُ: (المُوَالَاةُ) (٥)؛ قياسًا على الطواف. قاله القاضي (٦). (وَ) الخامس: (المَشْيُ مَعَ القُدْرَةِ) (٧)؛ كالطوافِ، فلا يصح راكبًا، ولا محمولًا لغير عذر. (وَ) السادسُ: (كَوْنُهُ) أي: السعي (بَعْدَ طَوَافِ) نُسُكٍ (٨)، (وَلَوْ) كانَ الطوافُ (مَسْنُونًا؛ كَطَوَافِ القُدُومِ) (٩)؛ لأن النبي ﷺ سَعى

стр. 814

بعدَ الطوافِ وقال: "لِتَأْخُذُوا عَنِّي مَنَاسِكَكُمْ" (١). فلَو سعَى بعدَ طوَافِهِ ثمَّ عَلِمَ أن طوافَه كانَ بلا طهارةٍ أعَادَ السَّعْيَ (٢). ولا يسن أن يسعى بعد كلِّ طواف (٣) (وَ) السابع: (تَكْمِيْلُ السَّبْعِ) (٤)، فلو نقصَ عن السَّبعِ لم يُعتَدَّ به (٥). (وَ) الثامن: (اسْتِيْعَابُ مَا بَيْنَ الصَّفَا وَالمَرْوَةِ) (٦)، فيلصِقُ عقِبَه بأصلِهِما في ابتدِائِه بكل منهما، ويلصقُ أيضًا أصابعَه بما يُقبِلُ إليه من كل منهما (٧). والراكبُ يفعل ذلك بدابَّتِه (٨). فمن ترك شيئًا مما بينهما لم يجزئْهُ سعيُه (٩). (وَإِنْ بَدَأَهُ بِالمَرْوةِ) في سَعيه (لَمْ يعتدَّ بِذَلِكَ الشَّوْطِ) (١٠)؛ لمخالفته لفعله ﷺ (١١)، ولمخالفته لقوله ﵊: "خُذُوا عَنِّي مَنَاسِكَكُمْ" (١٢). (وَسُنَنُهُ) أي: سنن السَّعْيِ: (الطَّهَارَةُ) من الحدثَين (١٣)، ومن النجاسة في بدنِه، وثوبِه (١٤). (وَسَتْرُ عَوْرَتهِ) (١٥) فَلَو سعى عُريانًا، أو محدِثًا أجزأه، لكنَّ سترَ العورةِ واجبٌ مطلقًا (١٦). (وَالمُوَالَاةُ بَيْنَهُ) أي: بين السعي

стр. 815

(وَبَيْنَ الطَّوَافِ) بحيث لا يفرِّق بينهما طويلًا (١). (وَسُنَّ أَنْ يَشْرَبَ مِنْ مَاءِ زَمْزَمَ لِمَا) يريده ممـ (ـــــــــا) يُـ (ــــــــحِبُّ) (٢)، ويتضلَّعَ (٣)؛ لحديث محمد بن عبد الرحمن بن أبي بكر (٤) قال: "كنتُ جالسًا عند ابن عبَّاسٍ، فجاءه رجُلٌ فقالْ مِن أينَ جئتَ؟ قَال: من زَمْزَم. قال: فشربْتَ منْهَا كما ينبَغِي؟ قال: فكَيْف؟ قال: إذا شَربْتَ مِنهَا فَاستقبلِ الكعبَةَ، واذكُرِ اسْمَ الله، وتَنَفَّسْ ثلَاثًا، مِن زَمزَمَ، وتضلَّع مِنهَا، فإذا فَرَغْتَ منْهَا فاحمدِ الله؛ فإن رسُول الله ﷺ قال: "آيَةُ مَا بَيْنَنَا وَبَيْنَ المُنَافِقِيْنَ أَنَّهُمْ لَا يَتَضَلَّعُونَ مِنْ زَمْزَمَ". رواه ابن ماجه (٥). وزاد في "التبصرة" (٦): (وَيَرُشُّ عَلَى بَدَنِه وَثَوْبِهِ، وَيَقُولُ: "بِسْمِ اللهِ، اللَّهُمَّ اجْعَلْهُ لَنَا عِلْمًا نَافِعًا، وَرِزْقًا وَاسِعًا، (٧) وشَبَعًا، وَشِفَاءً مِنْ كُلِّ دَاءٍ، وَاغْسِل بِهِ قَلْبِي، وَامْلأْهُ مِنْ خَشْيَتِكَ) (٨). زاد بعضهم: "وحكمتِكَ" (٩). روي عن عكرمة (١٠) قال: "كان ابن

стр. 816

عباس إذا شربَ من ماءِ زمزمَ قال: "اللَّهُمَّ إني أسألُكَ عِلما نَافِعًا وَرِزْقًا واسِعا وشِفَاءً منْ كلِّ دَاء". رواه الدارقطني (١). وهذا الدعاء شامل لخيري الدنيا والآخرة. تنبيه: يسنُّ أن يدخلَ البيتَ حافيًا بلا خُفٍّ، ولا نعل، ولا سلاحٍ (٢)، ويكبرَ، (ويدعوَ) في نواحِيه (٣)، ويصليَ فيهِ ركعتين (٤)؛ كصلاته ﷺ فيه بين العَامودَين (٥)، ويكثرَ النظر (٦)؛ لأنه عبادة. ولا بأس عدم الدخول (٧).

стр. 817

باب في دخولِ مكة وتسمى "بكة" (١) و"أم القرى" (٢). يسَنُّ الاغتسالُ لدخولها (٣)، ولو لحائض ونفساء (٤). ويدخلُها نهارًا (٥)، قال في "الفروع": "وقيل: ليلًا، وإنما كره ليلًا خوفًا من السُّرَّاقِ" (٦). ويكون الدخول من ثنية كَدَاء (٧) - بفتح الكاف، ممدودة - (٨) وأن يخرجَ من ثنيَّة كُدىً (٩) - بضم الكاف، مع

стр. 818

القصر - (١). وسُنَّ أن يدخل المسجد من باب "بني شيبة" (٢). فإذا رأى البيتَ رفعَ يدَيهِ (٣) نصًا (٤)، وكبَّر (٥)، وقال: "اللَّهُمَّ أَنْتَ السَّلَامُ وَمِنْكَ السَّلَامُ (٦) حَيِّنَا رَبَّنَا بِالسَّلَامِ" (٧) (٨)،

стр. 819

"اللَّهُمَّ زِدْ هذَا البَيْتَ تَعْظِيمًا، وَتَشْرِيْفًا، وَتَكْرِيْمًا، وَمَهَابَةً، وَبِرًّا، وَزِدْ مَنْ عَظَّمَهُ وَشَرَّفَهُ مِمَّنْ حَجَّهُ وَاعْتَمَرَهُ تَعْظِيْمًا، وَتَشْرِيْفًا، وَتَكْرِيْمًا، وَمَهَابَةً، وَبِرًّا" (١)، "الحَمْدُ لله رّبِّ العَالَمِيْنَ كَثِيْرًا كَمَا هُوَ أَهْلُهُ، وَكَمَا يَنْبَغِي لِكَرِيْمِ وَجْهِهِ وَعِزِّ جَلَالِهِ، وَالْحَمْدُ لله الَّذِي بَلَّغَنِي بَيْتَهُ وَرَآنِي لِذَلِكَ أَهْلًا، وَالْحَمْدُ لله عَلَى كُلِّ حَالٍ. اللَّهُمَّ إِنَّكَ دَعَوْتَ إِلَى حَجِّ بَيْتِكَ الْحَرَامِ، وَقَدْ جِئْتُكَ لِذَلِكَ، اللَّهُمَّ تَقَبَّلْ مِنِّي وَأَصْلِحْ لِي شَأْنِي كُلَّهُ، لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ" (٢). يرفع بذلك صوتَه إن كان ذَكرًا (٣)، وإن زادَ في الدُّعاءِ حسُنَ (٤). ثمَّ يطوفُ متمتعٌ لعمرتِه، ومفردٌ وقارِنٌ لقدومِهما (٥)، وطوافهما هذا (٦) يسمى:

стр. 820

"طواف الورود" وهو تحيةُ الكعبةِ. وتحيةُ المسجدِ الحرامِ الصلاةُ، وتجزئ عنها الركعتانِ بعدَ الطوافِ (١). والمرأة الأَولى أن تؤخرَه إلى الليل، إن أمِنَت الحيضَ أو النفاسَ (٢)، ولا تزاحم الرِّجالَ لتستلم الحجر، لكن تشيرُ إليه (٣). ويسن الاضطباعُ في جميع الأسبوعِ - لغيرِ حاملِ معذورٍ - في ردائه (٤)، وهو: جعلُ وسطِ الرداءِ تحتَ عاتقِهِ الأيمنِ، وطرفَيهِ على عاتقه الأيسر -كما تقدم - (٥). ويبتدئ الطوافَ من الحجرِ الأسودِ، فيحاذيهِ أو بعضَهُ بجميع بدَنِه (٦)، فإن لم يفعلْ أو بدَأَ بدونِهِ لم يعتد بالشوط (٧). ثم يستلمُهُ بيدِه اليُمنَى، ويقبِّلُه، ويسجدُ عليه، فإن شقَ استلمَهُ بيده وقبَّلها، فإن شقَّ فبشَيءٍ، وقبَّله (٨)، فإن شقَّ أشار إليهِ بيده، أو بشيءٍ، ولم يقبلْهُ (٩). واستقبله بوجهه (١٠)، وقال: "بِسْمِ اللهِ، وَالله أَكْبَرُ" (١١)، "اللَّهُمَّ

стр. 821

إِيْمَانًا بِكَ، وَتَصْدِيْقًا بِكِتَابكَ، وَوَفَاءً بِعَهْدِكَ، وَاتِّبَاعًا لِسُنَّةِ نَبِيِّكَ مُحَمَّدٍ ﷺ " (١)، ويقُولُ ذلكَ كُلَّمَا اسنَلَمَهُ (٢). وزاد جماعة (٣): "اللهُ أَكْبَرُ، اللهُ أَكْبَرُ، لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، (والله) (٤) أَكْبَرُ، اللهُ أَكْبَرُ، وَللهِ الحَمْدُ" (٥). فإن لم يكن الحَجَرُ موجُودًا (٦) - والعياذ

стр. 822

بالله تعالى - وقَفَ مُقَابلًا لمكَانِه (١). ثمَّ يجعل البيت على يساره؛ لفعله ﷺ (٢)، وليقرُبَ جانبُه الأيسرُ - الذي هو مقر القلبِ - إلى البيتِ. ثم يمرُّ على الركنِ الشامِيِّ، والعرَاقيِّ (٣)، ثم على الركنِ اليماني، فإذا مرَّ بِهِ استلمه من غَيرِ تقبيلٍ (٤). ويطوف سبعًا، يرمُلُ في الثلاثة الأُوَلِ منْهَا ماشٍ، غيرُ: حاملِ معذورٍ (٥)، ونساءٍ (٦)، ومُحرِمٌ من مكة أو قربِها (٧). وهو: إسراعُ المشي، معَ تقاربِ الخُطا. والرَّمَلُ أولى من الدنو من البيت بدونه لعدم تمكنه (٨)، فإن لمَ يمكنْهُ الرمَلُ طافَ حسبَ إمكَانِه (٩)، ويرمُلُ إن وجَدَ فُرجَةً ما دامَ في الثَّلَاثَةِ الأُوَل (١٠). وتأخيرُ الطواف لهُما (١١) أو لأحدٍ منهما أَولَى من تقديمِه (١٢). ثم يمشي الأربعَةَ أشواطٍ بلا

стр. 823

رمَل، ولا يقْضِي رمَلٌ فَاتَه (١). وكُلَّما حاذى الحجرَ الأسودَ والركنَ اليماني استلمَهُما، وإن شقَّ أشار إليهما -كما مرَّ- (٢). ويقولُ كلما حَاذى الحجَرَ الأسوَدَ: "الله أكبر" فقط (٣)، من غير إجهارٍ بها. ويقول بين الركن اليماني والحجر الأسود: "رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ" (٤). ويقول في بقية طوافه: "اللَّهُمَّ اجْعَلْهُ حَجًّا مَبْرُورًا، وَسَعْيًا مَشْكُورًا، وَذَنْبًا مَغْفُورًا. رَبِّ اغْفِرْ وَارْحَمْ، وَاهْدِنِي السَّبِيْلَ الأَقْوَمَ، وَتَجَاوَزْ عَمَّا تَعْلَمْ، وَأَنْتَ الأَعَزُّ وَالأَكْرَمُ" (٥). ويصلِّي على النبي ﷺ (٦).

стр. 824

ويجوزُ الطوافُ والسعيُ راكبًا لعذر، ولا يجزئ لغير عذر (١). وإن نوى الطوافَ المحمولُ عن نفسِهِ، ونواهُ عنْهُ الحَاملُ وقعَ عن المحمول (٢)، وكذَا عكسُهُ (٣)، وإن نَوى كلٌّ منهما عن نفْسِه وقع عنه (٤)، وإن نوى كلٌّ منهُما عنِ الآخرِ لم يصحَّ (٥). ويجزئُ الطوافُ بالمسجدِ من وراء حائلٍ (٦)، لا خارجَ المسجدِ (٧)، ولا منكَّسًا - بأن يجعلَ البيتَ عن يمينِهِ -، أو على جدَارِ الحِجْرِ، أو شاذَرْوَانِ الكعبةِ - بفتح الذَّالِ المعجمة، وهو من الكعبةِ، لأنه منَ البيتِ (٨) -. ولا يضرُّ مسُّ الشاذَرْوانِ، ولا وضْعُ يدِهِ عليه (٩). وعند الشيخ - يعني: الشيخَ تقيَّ الدين ابن تيمية -: الشاذَرْوانُ ليسَ من الكعبةِ (١٠). ولا يصح إن طاف بثوب نجسٍ، أو ببدَنِه نجاسةٌ، أو ببُقعتِهِ. وكذا عُريَانٌ، ومحدِثٌ، ولو سهوًا، أو لعذرٍ. وإن أحدثَ في طوافِهِ، أو قطعَهُ في أثنائِهِ، أو قطعَهُ قطعًا طويلًا ابتدأ. لا إن أقيمتْ صلاةٌ، أو حضرتْ جنازةٌ صلَّى، وبنى من الحَجَر -كما تقدم - (١١). وإن شكَّ في عددِ الأشْواطِ بنَى على اليقين (١٢). ثم بعدَ

стр. 825

تمام الطوافِ صلَّى ركعتَين، والأفضل كونهما خلف المقام -كما تقدم (١)، يقرأ في الأولى - بعد الفاتحة -: (قُلْ يَاأَيُّهَا الْكَافِرُونَ (١)﴾ (الكافرون)، وفي الثانية - بعد الفاتحة -: (قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (١)﴾ (الإخلاص) (٢). وتكفي عنهما صلاةٌ مكتوبةٌ، أو سُنَّة راتبةٌ (٣). ويسنُّ عَودٌ بعد الصلاةِ إلى الحَجَرِ، فيستلمُه (٤)، نصًا (٥)؛ لفعله ﵊ (٦). ويسن الإكثار من الطواف كل وقت (٧). فرع: إذا فرَغَ المتمتعُ، ثم علِمَ أنه كان أحدُ طوافَيه على غيرِ طهارةٍ، وجهلَهُ لزمَهُ الأشدُّ، وهو جعلُ الطوافِ - الذي بلا طهارةٍ - للعمرةِ، فلا يحلُّ من العمرةِ بالحلقِ؛ لفساد الطوافِ؛ فيلزمُه دمٌ للحلْقِ، ويكونُ قد أدخلَ الحجَّ على العمرةِ فيصيرُ قارنًا، ويجزئُهُ الطوافُ الثاني عن الحج والعمرة. قال شيخنا في شرحَيه: "قلتُ: الذي يظهرُ لُزُومُ إعادةِ الطوافِ، لاحتمالِ أن يكون المتروكُ فيه الطهارةُ هو طوافُ الحجِّ، فلا يبرأُ بيقينٍ إلا بإعادتِهِ" (٨). ويؤيدُ قولَ شيخِنا ما قالَهُ في "الإقناع": "ولَو قدَّرْنَاه - أي: الطواف بلا طهارةٍ - منَ الحجّ لزمَهُ إعادةُ الطواف؛ لوقوعِه غير صحيح" (٩). انتهى. ويلزمُه إعادةُ السَّعْيِ على التقديرينِ (١٠)؛ لوقوعِهِ بعدَ طوافٍ غيرِ

стр. 826

معتدٍّ به. وإن كان وَطِئَ المتمتعُ بعدَ حِلهِ من العمرةِ وفَرَضَ أنه كانَ طافَ بلَا طَهَارةٍ (١)، حكمْنَا بأنه أدخلَ حجًا على عمرةٍ فاسدة، فلا يصحُّ إدخالُ الحجِّ علَيْهَا، ويلغُو ما فعلَهُ من أفعال الحج، ويتحللُ بطوافِه - الذي نواهُ لحجِّه - من عمرتِهِ الفاسدة، وعليه دمان، دمٌ للحلقِ، ودمٌ للوطءِ في عمرتِهِ، ولا يحصلُ له حجٌّ ولا عمرة. ولو قَدَّرَ الطوافَ بلا طَهارةٍ من الحجِّ لم يلزمْهُ أكثرَ منْ إعادةِ الطوافِ والسعي للحجِّ، ويحصل له الحج والعمرةُ (٢)؛ لحصول الوطء زمن الإحلال. (فصل) ثم يخرجُ للسَّعْي من باب الصفا (٣) فيرقى الصفا؛ ليرى البيتَ، فيستقبلُه، ويكبر ثلاثًا (٤)، ويقول ثلاثًا: "الحَمدُ لله عَلَى مَا هَدَانَا، لَا إِلَهَ إِلا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيْكَ لَهُ، (لَهُ) (٥) المُلْكُ وَلَهُ الحَمْدُ، يُحْيِي وَيُمِيْتُ، وَهُوَ حَيٌّ لَا يَمُوتُ، بِيَدِهِ الخَيْرُ، وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيْرٌ، وَلَا إِلَهَ إِلَّا الله وَحْدَهُ لَا شَرِيْكَ لَهُ، صَدَقَ وَعْدَهُ، وَنَصَرَ عَبْدَهُ، وَهَزَمَ الأَحْزَابَ وَحْدَهُ" (٦). قال في "الإقناع": "ويقول: "اللَّهُمَّ اعْصِمْنِيْ بِدِيْنِكَ،

стр. 827

وَطَوَاعِيَتِكَ، وَطَوَاعِيَةِ رَسُولِكَ، اللَّهُمَّ جَنِّبْنِي حُدُودَكَ، اللَّهُمَّ اجْعَلْنِي مِمَّنْ يُحِبُّكَ، وَيُحِبُّ مَلَائِكَتَكَ، وَأَنْبِيَاءَكَ، وَرُسُلَكَ، وَعِبَادَكَ الصَّالِحِيْنَ، اللَّهُمَّ حَبِّبْنِي إِلَيْكَ، وَإِلَى مَلَائِكَتِكَ، وَإِلَى رُسُلِكَ، وَإِلَى عِبَادَكَ الصَّالِحِيْنَ، اللَّهُمَّ يَسِّرْ لِي اليُسْرَى، وَجَنِّبْنِي العُسْرَى، وَاغْفِرْ لِي فِي الآخِرَةِ وَالأُولَى، وَاجْعَلْنِي مِنَ أَئِمَّةِ المُتَّقِيْنَ، وَاجْعَلْنِي مِنْ وَرَثَةِ جَنَّةِ النَّعِيْمِ، وَاغْفِرْ لِي خَطِيْئَتِي يَوْمَ الدِّيْنِ، اللَّهُمَّ قُلْتَ: (ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ (غافر: ٦٠) وَإنَّكَ لَا تُخْلِفُ المِيْعَادَ، اللَّهُمَّ إِذْ هَدَيْتَنِي لِلإِسْلَامِ، فَلَا تَنْزَعْنِي مِنْهُ وَلَا تَنْزِعْهُ مِنِّي حَتَّى تَتَوَفَّانِي عَلَى الإِسْلَامِ، اللَّهُمَّ لَا تُقَدِّمْنِي لِلْعَذَابِ، وَلَا تُؤَخِّرْنِي لِسُوْءِ الفِتَنِ"" (١). هذا دعاءُ ابنِ عمرَ (٢). ويدعو بما أحبَّ.

стр. 828

ثمَّ ينزلُ منَ الصَّفَا، فيمشِي حَتَّى يبقَى بينَه وبينَ العَلَم (١) ستةُ أذْرُعٍ (٢)، فيسعَى ماشٍ سعْيًا شديدًا ندبًا (٣) إلى الميلِ الأَخضرِ (٤)، ثمَّ يمشِي حتَّى يرقَى المروةَ - ندبًا (٥) -، فيستقبلُ القبلةَ، ويقولُ ما قالَهُ على الصَّفَا (٦). ويجبُ استيعابُ ما بينَ الصفا والمروةِ، فيلصِقُ عقِبَهُ بأصْلِهِما (٧). ثمَّ ينزلُ، فيمشِي في موضعِ مشيِهِ، ويسعَى في موضعِ سعيِه إلى الصفا، يفعلُه سبعًا، ذهابُه سعيةٌ، ورجوعُه أخرى (٨). فإنْ بدأَ بالمروةِ لم يحتسب الشوطُ (٩). ويكثرُ من الدعاءِ والذكرِ بين سعيه (١٠)، ومنه: "رَبِّ اغْفِرْ وَارْحَمْ، وَاعْفُ عَمَّا تَعْلَمْ، وَأَنْتَ الأَعَزُّ الأَكرَمُ" (١١). ويسنُّ أن يكونَ

стр. 829

السعيُ عقِبَ الطوافِ، ويشترطُ تقدمُ الطوافِ عليهِ، ولو كان مسنونًا -كما تقدم (١). والمرأَةُ لا ترقَى الصَّفَا، ولا المروةَ، ولا تسعَى شديدًا (٢)، لأنها عورةٌ. والسَّعيُ على غير طهارةٍ مكروهٌ (٣). ويسنُّ مبادرةُ معتمرٍ بالحجِّ والسعْيِ (٤). فإذا فرَغَ منَ السعي: فإنْ كانَ متمتِّعًا وَلم يكنْ معهُ هديٌ حَلَقَ أو قصَّرَ - ولو كان رأسُه ملبَّدًا (٥) - (٦)، والأفضلُ هنا التقصيرُ (٧)، ليتوفرَ الحلقُ للحجّ. وبتَمامِ ذلك يتحللُ لإتمامِ مناسكِ عمرتِه. فإن كان المتمتعُ معه هديٌ فلا يحلقُ ولا يقصرُ، ولا يتحللُ، ويبقى على إحرامِه (٨)، ويُدخِلُ الحجَّ على العمرةِ، فيحرمُ بالحجِّ بعدَ طوافِهِ

стр. 830

وسعيِه لعمرتِه، ثمَّ يَحِلُّ يومَ النحرِ بعد نحرِ الهديِ الذي معَهُ، وبعد فراغِه من أفعالِ الحجِّ (١). وأما إنْ كانَ المعتمرُ غيرَ متمتعٍ، فيَحِلُّ بعدَ الطوافِ والسعي والحلقِ أو التقصيرِ، ولو كان معه هديٌ، سواءٌ كانَ في أشهرِ الحجِّ أو في غيرهَا (٢). ومن كانَ متمتِّعًا أو معتمِرًا قطعَ التلبيةَ إذا شرعَ في الطوافِ (٣)، نصًا (٤). ولا بأس بالتلبيةِ في طوافِ القدومِ سرًّا (٥). * * *

стр. 831

بابُ صفَةِ الحجِّ والعُمرةِ، وما يتعلَّقُ بذلك يسنُّ لمُحِلٍّ بمكةَ وقربِها، ولمتمتِّعٍ حَلَّ من عمرتِه الإحرامُ بالحجِّ يومَ الترويةِ (١)، وهو: اليوم الثامنُ من ذي الحِجَّةِ، سمي بالتروية؛ لتروِّيهِمْ بالماءِ (٢). والمتمتعُ الَّذي لم يجدْ هدْيًا يسنُّ لهُ أنْ يحرمَ يومَ السَّابعِ منْ ذي الحِجَّةِ (٣)؛ لأجلِ صيامِه؛ ليكونَ آخرُ الثلاثةِ أيَّام في إحرامِ الحجِّ. ويسنُّ أن يفعلَ عندَ إحرامِهِ بالحجِّ ما ذكرَ ببابِ الإحرامِ - من غُسلٍ، وتطيُّب، وغيرِه - (٤)، وأن يكونَ بعدَ طوافي، وصلاةِ ركعتَينِ (٥)، ولا يطوفُ بعدَه لوداعِهِ (٦)، نصًا (٧). والأفضلُ أن يحرمَ منَ المسجدِ من تحتِ الميزابِ (٨)، ويجوز منْ غيرِه (٩). ثمَّ يَخرجُ يومَ الثَّامنِ إلى منَى قبلَ الزوالِ ندبًا، فيصلِي بها الظهرَ معَ الإمامِ، ثمَّ يبيتُ إلى أن يصليَ الفجرَ مع الإمامِ (١٠)، وإن كان يومَ جمعةٍ وتأخرَ لبَعدِ الزَّوالِ وجبَ عليه صلاةُ

стр. 832

الجمعَةِ، فلا يخرجُ قبلَ صلاتِها (١). فإذا طلعتِ الشمسُ سارَ إلى نمرةَ - موضعٌ بعرفةَ (٢) - وأقام إلى الزوالِ (٣)، يخطبُ بها إمامٌ أو نائبُه - ندبًا - خطبةً قصيرةً، يفتَتِحُها بالتَّكبيرِ، يعلِّمُهم فيها الوقوفَ، ووقتَه، والدفعَ منه، والمبيتَ بمزدلفةَ، وغيرَ ذلكَ (٤). ثمَّ يصلِّي الظهرَ والعصرَ جمعًا من يباحُ لهُ الجمعُ (٥)، بأذان وإقامتين (٦)؛ لفعلِه ﷺ (٧). ثمَّ يأتي عرفةَ للموقف (٨)، ويغتسلُ لهُ استحبابًا (٩)، ويقفُ مستقبلَ القبلَةِ، راكبًا، ندبًا (١٠)؛ لفعلِه ﷺ (١١)، وفي "الانتصار" و"مفرداتِ أبي يعلَى الصغيرِ" (١٢): أفضليةُ المشيِ في

стр. 833

الحجِّ على الركوبِ (١). وهو ظاهرُ كلام ابنِ الجوزي (٢) في مثير عزم الساكن (٣). ويكثرُ من الدعاءِ، والاستغفارِ، والافتقارِ، ويلِحُّ في الدعاءِ - بأن يكرِّرَ الدعاءَ ثلاثًا -، ولا يستبطئُ الإجابةَ (٤)، ويكثر من قول": "لَا إِلَهَ إِلا الله وَحْدَهُ لَا شَرِيْكَ لَهُ، لَهُ المُلْكُ وَلَهُ الحَمْدُ، يُحْيِي وَيُمِيْتُ، وَهُوَ حَيٌّ لَا يَمْوتُ، بِيَدِهِ الخَيْرُ، وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيْرٌ، اللَّهُمَّ اجْعَلْ فِي قَلْبِي نُوْرًا، وَفِي بَصَرِي نُوْرًا، وَفِي سَمْعِي نُوْرًا، وَيَسِّرْ لِي أَمْرِيْ" (٥). ويدعُو بما أحبَّ؛ لحديث: "أَفْضَلُ الدُّعَاءِ يَوْمُ عرفةَ، وَأَفْضَلُ مَما قُلْتُ أَنَا وَالنَّبِيُّونَ مِنْ قَبْلِي لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيْكَ لَهُ". رواه مالكٌ في "الموطأ" (٦).

стр. 834

وروى الترمذيُّ عن عمرِو بن شعيبٍ، عن أبيهٍ، عن جدِّه قال: "كَانَ أكْثَرُ دعاءِ النَّبِي ﷺ يومَ عرَفَة: لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيْكَ لَهُ، لَهُ المُلْكُ وَلَهُ الحَمْدُ، بِيَدِهِ الخَيْرُ، وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيْرٌ" (١). ووقت الوقوف منْ طلوعِ فجرِ يومِ عرفةَ إلى طلوعِ فجرِ يوم النَّحر -كما تقدم- (٢)، وحكى الشيخ تقِي (الدِّين) (٣) وغيرُه: منْ زوالِ يومِ عرفةَ إلى (٤) فجرِ يومِ النَّحر (٥). فمن فاتَهُ ذلكَ فاتَه الحَجّ (٦). ويستحبُّ أن يقفَ طاهرًا من الحدثين، ومن نجَاسةِ بدنٍ، وثوبِ (٧). ويصح وقوفُ الحائضِ والنفساءِ (٨). ومن وقفَ بعرفةَ نهارًا ودفعِ قبلَ الَغروبِ ولم يرجعْ ويقف ليلًا فعليه دمٌ؛ لتركه الواجبَ، بخلاف واقفٍ ليلًا فقط ليسَ عليه دم (٩). ووقفةُ الجمُعةِ لها مزيةٌ على غيرِهَا (١٠)؛ لاجتماع فضلِ يومِ الجمُعةِ ويومِ عرفة. ولهذا اشتهرَ وصفُ حجِّها بـ "الأكبر"؛ لأنها موافقةٌ لحِجَّةِ وداعِ النبي ﷺ . أخرجَ رُزَينٌ (١١) مرفوعًا: "يَوْمُ الجُمُعَةِ أَفْضَلُ الأَيَّامِ إِلا يَوْمُ عرفةَ، وَإِنْ وَافَقَ يَوْمَ

стр. 835

الجُمُعَةَ فَهُوَ أَفْضَلُ مِنْ سَبْعِينَ حِجَّةً فِي غَيْرِ يَوْمِ جُمُعَةٍ" (١). ذكره ابن جمَاعةَ (٢) في مناسكِه (٣)، والكازروبي (٤) في تفسيره المعروف بـ "الأخوَيْنِ" (٥)، والشيخُ نورُ الدِّينِ

стр. 836

عَلي الزَّيَّادي (١) في حاشيته (٢). وَحَديث: "إِذَا كَانَ يَوْمُ عرفةَ يَوْمَ جُمُعَةٍ غَفَرَ اللهُ لِجَمِيْعِ أَهْلِ المَوْقِفِ" (٣)، قد يُستَشْكَلُ بأنهُ قد وردَ مثلُ هذا الحديثِ في مُطلقِ الحجِّ؟ " قال العلماءُ: "يمكِنُ حملُ هذا الحديثِ علَى مغفرةِ الله لهمْ بلَا واسِطَةٍ، وحَمْلُ غيرهِ علَى أنهُ يهَبُ قومًا لقَوم". ذكره الكازرؤبي (٤)، وهو معنى كلام ابن جماعة في مناسكه عن أبيه (٥). فصل ثم يدفعُ بعدَ الغروبِ بسكينةٍ مستغفرًا إلى مزدلفةَ منْ طريقِ المأزِمَين (٦)، مع إمامٍ أو نائبِهِ (٧)، ويكرهُ قبلَ الإمامِ (٨)، يسرعُ في المشيِ عندَ وجودِ الفُرجَةِ (٩). فإذا

стр. 837

بلغَهَا جَمَعَ بينَ المغربِ والعشَاءِ قبلَ حطِّ رحلِهِ - استحبابًا - بأذانٍ وإقامتَينِ، ولا يَتطوَّعُ بينَهُما (١). ثم يبيتُ بهَا حتى يصلِّي الفجرَ (٢)، وإنْ جاءَ مزدَلِفَةَ بعدَ الفجرِ فعليه دمٌ (٣)؛ لتركهِ الواجبَ. وإن دفعَ - غيرُ رعاةٍ وسُقاةٍ - قبلَ نصفِ اللَّيلِ فعليهِ دمٌ إن لم يعُد إليهَا قبلَ الفجرِ (٤). فإذا أصبحَ صلى الصبْحَ بغَلَسٍ (٥) أولَ وقتِهَا (٦)، ثمَّ يأْتي المشعَرَ الحرَامَ (٧)، فيرقَى عليه معَ الإمكانِ، وإلا وقفَ عندَه (٨)، ويحمَدُ اللهَ تعَالى، ويهلِّلُهُ، ويكبرُه، ويدعُو (٩)، ويقول: "اللَّهُمَّ كَمَا وَقَّفْتَنَا فِيْهِ وَأَرَيْتَنَا إِيَّاهُ فَوَفِّقْنَا لِذِكْرِكَ كَمَا هَدَيْتَنَا، وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا كَمَا وَعَدْتَنَا بِقَوْلِكَ - وَقَوْلُكَ الحَقُّ -: ﴿فَإِذَا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفَاتٍ فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ وَاذْكُرُوهُ كَمَا هَدَاكُمْ وَإِنْ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الضَّالِّينَ (١٩٨) ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ وَاسْتَغْفِرُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (١٩٩)﴾ [البقرة] (١٠). ثُمَّ لَا يزالُ يدعُو إلى أنْ يُسْفِرَ جِدًّا (١١).

стр. 838

(فصل) ثمَّ يدفعُ قبلَ طلوعِ الشمسِ إلى مِنَى بسكينةٍ (١) فإذَا بلغَ وادِي محسِّرٍ أسرعَ قدرَ رميةِ حجَرٍ (٢)، لفعله ﷺ (٣). ويكونُ ملبِّيًا إلى أنْ يرميَ جمرَةَ العقبةِ (٤). ويأخذُ حصَى الجمارِ سبعينَ حصاةً، من حيثُ شاءَ (٥)، أكبرُ منَ الحمُّصِ، ودونَ البُندُقِ (٦)، كحصى الخذْفِ (٧). ويكرهُ أخذُه منْ: منَى (٨)، ومنْ سائرِ الحرَمِ (٩)،

стр. 839

ومنَ الحَشِّ (١) - وهو محلُّ قضاءِ الحاجةِ (٢) -، وكرِهَ أيضًا تكسيرُه (٣). ولا يُسنُّ غسلُه (٤). وتجزئُ معَ الكراهَةِ حصاةٌ متنجِّسةٌ، فإن غسلَها زالتْ (٥). وتجزئُ الحصاةُ من: مِسَنٍّ (٦)، وبِرَامٍ (٧)، ومَرمَر (٨)، وكِدَّان (٩) (١٠). ولا تجزئُ صغيرةٌ جدًّا، ولا كبيرةٌ (١١)؛ لظاهرِ

стр. 840

الخبرِ (١)، ولا ما رُمِي بالجمرةِ (٢)؛ لأنها استُعمِلَتْ في عبادةٍ، ولا بغيرِ الحصا - كجَوهَرٍ، وفضَّةٍ ونحوهما - (٣). فإذا وصل منى - وحدُّهَا: من وادِي مُحَسِّر (٤)، إلى جمرَةِ العَقَبَةِ (٥) - بدأَ بها فرمَاها بسبع حصَياتٍ (٦). ويسنُّ أن يرميَهَا راكبًا (٧)، بعدَ طلوعِ الشمسِ (٨). فإنْ رمَى بعدَ نصفِ ليلَةِ النحرِ أجزأَهُ (٩). ويشترط الرمي، فلا يجزئ الوضع (١٠). ويشترطُ أن

стр. 841

يرمي واحدَةً بعدَ واحدَةٍ، فلو رمى دفعةً فتعدُّ واحدةً، ثم يُتِمُّ عليها، ويؤدَّب فاعلُه (١). ويشترطُ علمُ الحصولِ بالمرمَى (٢)، فلو رماهَا فوقعَتْ خارجَهُ، ثم تدحرجَتْ فِيهِ، أو وقعَتْ على ثوبِ إنسانٍ ثم صارَتْ فيهِ ولو بنفض غيره أجزأتْهُ (٣)، وقيل: لا تجزئْ (٤). ولو رمَى حصاةً فالتقطَهَا طائرٌ، أو ذهبَ بها الريحُ قبل وقوعِها بالمرمَى لم تجزئْهُ (٥). وعُلِمَ أنَّ المرمَى مجتمعُ الحصَا، لَا الشاخصُ نفسُه (٦). ووقتُ الرمي من نصفِ ليلةِ النَّحرِ، فإن غربَتِ الشمسُ ولم يرْمِهَا فيرميهَا بعدَ الزوَالِ منَ الغدِ (٧). ويسنُّ أن يستبطنَ الوادي في رميِهِ، ويستقبلَ القبلةَ ويرمِي على حاجِبهِ الأيمَنِ، رافعًا يُمنَاهُ إلى أن يرَى بياضَ إبطِهِ (٨). ولا يقفُ عندَها بعدَ الرَّمْيِ (٩)؛ لضيق المكانِ. وله رميُها من فوقِهَا (١٠). ويقطعُ التلبيةَ بأولِ الرمْيِ (١١). ثمَّ ينحرُ هدْيًا معهُ، واجبًا كانَ أو تطَوُّعًا (١٢). ثمَّ يحلقُ رأسَهُ مستقبلًا القبلةَ - ندبًا -، مع البداءةِ بشقِّهِ الأيمنِ (١٣)، أو يقصرُ من جميعِ شعرِ رأسِه قدرَ

стр. 842

أُنْمُلَةٍ (١) فأقلَّ، لا من كلِّ شعرةٍ بعينِها (٢)، والمرأةُ تقصرُ كذلكَ (٣). والعبدُ يقصِّرُ، ولا يحلقُ إلا بإذنِ سيِّدِه (٤)؛ لأنهُ يُنقِصُ قيمتَه. ويسنُّ لمنْ حلقَ قصُّ أظفارٍ، وتنظيفُ شعرِ شاربٍ، ونحوِه (٥). وسُنَّ إمرارُ الموسَى على من عَدِمَ الشعرَ (٦). ثمَّ قد حلَّ لهُ كل شيءٍ إلا النساءَ: من وطْءٍ، ومُباشَرةٍ، وقُبلةٍ، ولمسٍ بشهوةٍ، وعقدِ نكاحٍ (٧)؛ للخبرِ (٨). وهذا هو التحلل الأول، لأنه يحصلُ بفعلِ اثنينِ من ثلاثة: من رميٍ وحلق أو تقصير، أو من رميٍ وطوافِ إفاضةٍ، أو حلقٍ وطوافِ إفاضةٍ (٩).

стр. 843

ويحصلُ التحللُ الثاني بفعل الثالثِ مع السعيِ (١). فإن تركَ الحلقَ أو التقصيرَ لزمَهُ دمٌ (٢)؛ لتركه نسكًا واجبًا، ولا شيءَ عليهِ إن أخَّرهُ عن أيامِ منًى (٣)، وكذا لا شيءَ عليهِ لو قدَّمَ الحلقَ على الرمي أو علَى النحرِ (٤)، أو نحرَ أو طافَ للإفاضةِ قبلَ رميِهِ جمرةَ العقبةِ (٥)، ولو كان عَامدًا (٦)؛ لإطلاق الخبر (٧). لكن يُكرَه للعامد ذلك (٨). ثم يخطب الامام أو نائبُه يومَ النحرِ بمنًى خطبةً (٩) يفتَتِحُها بالتكبيرِ، يعلِّمُهم فيها: النحرَ، والإفاضةَ، والرميَ (١٠). ثمَّ يُفيضُ إلى مكة، فيطوفُ مفرِدٌ وقارنٌ لم يدخُلَا مكة قبلَ وقُوفِهِما طوافَ القُدُومِ - نصًا (١١) -، برَمَلٍ واضطباعٍ، ثمَّ يطوفُ

стр. 844

للزيارةِ (١)، وكذا يطوفُ متمتِّعٌ لِقدُومِه، لكنْ بلا رمَلٍ ولا اضطباعٍ؛ لما تقدم ذلكَ منهُ في طوافِ عمرتِه، ثمَّ يطوفُ للزيارةِ (٢) - نصًا - (٣)، لحديث عائشة: "فَطَافَ الذِينَ أهلُّوا بِالعُمْرَة، وبَينَ الصَّفَا والمرْوَةِ، ثم حَلَقَ، ثم طافَ طَوَافًا آخرَ بعدَ أنْ رجَعُوا مِنْ منًى لحجِّهمْ، وأمَّا الَّذينَ جمَعُوا الحجَّ والعُمْرَة فإِنَّما طَافُوا طَوافًا واحِدًا" (٤)، فحمَلَ الإمامُ أحمد على أنَّ طوافَهم لحجِّهم هو طوافُ القدُومِ، ولأنه مشروعٌ فلَا يسقُطُ بطوافِ الزيارةِ كتحيَّةِ المسجدِ عندَ دخولِه قبلَ التلبسِ بالفرضِ. واختار ذلكَ الخرقيُّ (٥)، وأكثرُ الأصحابِ، وردَّهُ الموفقُ، وقال: "لا أعْلَمُ أحَدًا وافَقَ أبا عبدِ الله عَلَى هذَا الطَّوافِ، بلِ المشْرُوعُ طوافٌ واحِدٌ للزيَارةِ، كمنْ دخَلَ المسجِدَ وأُقيمَتِ الصَّلاةُ، وحدِيثُ عائشةَ دليلُ هذَا فلَمْ تذكُر طوافًا آخر، ولو كانَ الذي ذكرَتْهُ طوافَ القدُوم لكانَتْ قد أخَلَّتْ بذكرِ الركنِ الَّذي لا يتِمُّ الحجُّ إلا بِهِ وذكرَتْ مَا يُستَغْنَى عنه" (٦). واختارَه الشيخُ تقيُّ الدينِ (٧)، وصححه ابن رجب (٨).

стр. 845

وطوافُ الزيارةِ ركنٌ -كما تقدم- (١)؛ فلا يتمُّ الحجُّ إلا بهِ (٢)، إجماعًا (٣). وتقدمَ (٤) أنَّ وقتَهُ من نصفِ ليلةِ النحْرِ من وقفَ بعرفةَ قبلُ، وإلَّا فوقتُه بعدَ الوقوفِ؛ فلَا يعتدُّ بهِ قبلَه. والأفضلُ فعلُه يومُ النحرِ (٥)، وإن أخَّرهُ عن أيامِ منًى جازَ، ولا شيء عليه في تأخيره (٦). ثمَّ يسعَى متمتّعٌ لحجّه كسعيِه المتقدم لعمرتِه (٧). والمفردُ والقارنُ يسعَى كل منهُما إن لم يكونَا سعَيَا بعدَ طوافِ القدُومِ (٨)؛ لأنه لا يعَادُ؛ فإنَّه لا يستحبُّ التطوعُ به (٩)؛ كسائرِ الأنسَاكِ. ويستحبُّ التطيبُ عندَ الإحلال (١٠). ثمَّ يشربُ من ماءِ زمزم لِمَا أحبَّ (١١)، ويتضلع منه، ويرشُّ على بدنه وثوبه؛ لحديث محمَّدِ بن عبدِ الرحمنِ بن أبي بكر قال: "كنتُ جَالسًا عندَ ابنِ عباس، فجاءَهُ رجل فقال: منْ أينَ جئتَ؟ قال: منْ زمزَمَ. قال: فشَرِبْتَ منْهَا كما ينبَغِي؟ قال: فَكَيفَ؟ قال: إذَا شرِبْتَ منْهَا فاسْتَقبِلِ القِبْلَةَ، واذكُرِ اسمَ الله، وتنفسْ ثَلاثًا منْ زمزَمَ، وتضلعْ منْهَا، فإذا فَرَغْتَ منْها، فاحمد الله؛ فإن رسولَ الله ﷺ قال: "آيَةُ مَا بَيْنَنَا وَبَيْنَ المُنَافِقِيْنَ أَنَّهُمْ لَا يَتَضَلَّعُونَ مِنْ زَمْزَمَ". رواه ابن ماجه (١٢). ويدعُو عندَ شربِه وفق ما تقدم (١٣).
следующие страницы →