← Фикх ханбали

Фикх ханбали · id 30058

مسلك الراغب لشرح دليل الطالب - ت الهزاني وإدريس

إبراهيم العوفي الصالحي

Полный текст (1 279 стр.). Показаны 841–880 · переход к 846.

стр. 841

يرمي واحدَةً بعدَ واحدَةٍ، فلو رمى دفعةً فتعدُّ واحدةً، ثم يُتِمُّ عليها، ويؤدَّب فاعلُه (١). ويشترطُ علمُ الحصولِ بالمرمَى (٢)، فلو رماهَا فوقعَتْ خارجَهُ، ثم تدحرجَتْ فِيهِ، أو وقعَتْ على ثوبِ إنسانٍ ثم صارَتْ فيهِ ولو بنفض غيره أجزأتْهُ (٣)، وقيل: لا تجزئْ (٤). ولو رمَى حصاةً فالتقطَهَا طائرٌ، أو ذهبَ بها الريحُ قبل وقوعِها بالمرمَى لم تجزئْهُ (٥). وعُلِمَ أنَّ المرمَى مجتمعُ الحصَا، لَا الشاخصُ نفسُه (٦). ووقتُ الرمي من نصفِ ليلةِ النَّحرِ، فإن غربَتِ الشمسُ ولم يرْمِهَا فيرميهَا بعدَ الزوَالِ منَ الغدِ (٧). ويسنُّ أن يستبطنَ الوادي في رميِهِ، ويستقبلَ القبلةَ ويرمِي على حاجِبهِ الأيمَنِ، رافعًا يُمنَاهُ إلى أن يرَى بياضَ إبطِهِ (٨). ولا يقفُ عندَها بعدَ الرَّمْيِ (٩)؛ لضيق المكانِ. وله رميُها من فوقِهَا (١٠). ويقطعُ التلبيةَ بأولِ الرمْيِ (١١). ثمَّ ينحرُ هدْيًا معهُ، واجبًا كانَ أو تطَوُّعًا (١٢). ثمَّ يحلقُ رأسَهُ مستقبلًا القبلةَ - ندبًا -، مع البداءةِ بشقِّهِ الأيمنِ (١٣)، أو يقصرُ من جميعِ شعرِ رأسِه قدرَ

стр. 842

أُنْمُلَةٍ (١) فأقلَّ، لا من كلِّ شعرةٍ بعينِها (٢)، والمرأةُ تقصرُ كذلكَ (٣). والعبدُ يقصِّرُ، ولا يحلقُ إلا بإذنِ سيِّدِه (٤)؛ لأنهُ يُنقِصُ قيمتَه. ويسنُّ لمنْ حلقَ قصُّ أظفارٍ، وتنظيفُ شعرِ شاربٍ، ونحوِه (٥). وسُنَّ إمرارُ الموسَى على من عَدِمَ الشعرَ (٦). ثمَّ قد حلَّ لهُ كل شيءٍ إلا النساءَ: من وطْءٍ، ومُباشَرةٍ، وقُبلةٍ، ولمسٍ بشهوةٍ، وعقدِ نكاحٍ (٧)؛ للخبرِ (٨). وهذا هو التحلل الأول، لأنه يحصلُ بفعلِ اثنينِ من ثلاثة: من رميٍ وحلق أو تقصير، أو من رميٍ وطوافِ إفاضةٍ، أو حلقٍ وطوافِ إفاضةٍ (٩).

стр. 843

ويحصلُ التحللُ الثاني بفعل الثالثِ مع السعيِ (١). فإن تركَ الحلقَ أو التقصيرَ لزمَهُ دمٌ (٢)؛ لتركه نسكًا واجبًا، ولا شيءَ عليهِ إن أخَّرهُ عن أيامِ منًى (٣)، وكذا لا شيءَ عليهِ لو قدَّمَ الحلقَ على الرمي أو علَى النحرِ (٤)، أو نحرَ أو طافَ للإفاضةِ قبلَ رميِهِ جمرةَ العقبةِ (٥)، ولو كان عَامدًا (٦)؛ لإطلاق الخبر (٧). لكن يُكرَه للعامد ذلك (٨). ثم يخطب الامام أو نائبُه يومَ النحرِ بمنًى خطبةً (٩) يفتَتِحُها بالتكبيرِ، يعلِّمُهم فيها: النحرَ، والإفاضةَ، والرميَ (١٠). ثمَّ يُفيضُ إلى مكة، فيطوفُ مفرِدٌ وقارنٌ لم يدخُلَا مكة قبلَ وقُوفِهِما طوافَ القُدُومِ - نصًا (١١) -، برَمَلٍ واضطباعٍ، ثمَّ يطوفُ

стр. 844

للزيارةِ (١)، وكذا يطوفُ متمتِّعٌ لِقدُومِه، لكنْ بلا رمَلٍ ولا اضطباعٍ؛ لما تقدم ذلكَ منهُ في طوافِ عمرتِه، ثمَّ يطوفُ للزيارةِ (٢) - نصًا - (٣)، لحديث عائشة: "فَطَافَ الذِينَ أهلُّوا بِالعُمْرَة، وبَينَ الصَّفَا والمرْوَةِ، ثم حَلَقَ، ثم طافَ طَوَافًا آخرَ بعدَ أنْ رجَعُوا مِنْ منًى لحجِّهمْ، وأمَّا الَّذينَ جمَعُوا الحجَّ والعُمْرَة فإِنَّما طَافُوا طَوافًا واحِدًا" (٤)، فحمَلَ الإمامُ أحمد على أنَّ طوافَهم لحجِّهم هو طوافُ القدُومِ، ولأنه مشروعٌ فلَا يسقُطُ بطوافِ الزيارةِ كتحيَّةِ المسجدِ عندَ دخولِه قبلَ التلبسِ بالفرضِ. واختار ذلكَ الخرقيُّ (٥)، وأكثرُ الأصحابِ، وردَّهُ الموفقُ، وقال: "لا أعْلَمُ أحَدًا وافَقَ أبا عبدِ الله عَلَى هذَا الطَّوافِ، بلِ المشْرُوعُ طوافٌ واحِدٌ للزيَارةِ، كمنْ دخَلَ المسجِدَ وأُقيمَتِ الصَّلاةُ، وحدِيثُ عائشةَ دليلُ هذَا فلَمْ تذكُر طوافًا آخر، ولو كانَ الذي ذكرَتْهُ طوافَ القدُوم لكانَتْ قد أخَلَّتْ بذكرِ الركنِ الَّذي لا يتِمُّ الحجُّ إلا بِهِ وذكرَتْ مَا يُستَغْنَى عنه" (٦). واختارَه الشيخُ تقيُّ الدينِ (٧)، وصححه ابن رجب (٨).

стр. 845

وطوافُ الزيارةِ ركنٌ -كما تقدم- (١)؛ فلا يتمُّ الحجُّ إلا بهِ (٢)، إجماعًا (٣). وتقدمَ (٤) أنَّ وقتَهُ من نصفِ ليلةِ النحْرِ من وقفَ بعرفةَ قبلُ، وإلَّا فوقتُه بعدَ الوقوفِ؛ فلَا يعتدُّ بهِ قبلَه. والأفضلُ فعلُه يومُ النحرِ (٥)، وإن أخَّرهُ عن أيامِ منًى جازَ، ولا شيء عليه في تأخيره (٦). ثمَّ يسعَى متمتّعٌ لحجّه كسعيِه المتقدم لعمرتِه (٧). والمفردُ والقارنُ يسعَى كل منهُما إن لم يكونَا سعَيَا بعدَ طوافِ القدُومِ (٨)؛ لأنه لا يعَادُ؛ فإنَّه لا يستحبُّ التطوعُ به (٩)؛ كسائرِ الأنسَاكِ. ويستحبُّ التطيبُ عندَ الإحلال (١٠). ثمَّ يشربُ من ماءِ زمزم لِمَا أحبَّ (١١)، ويتضلع منه، ويرشُّ على بدنه وثوبه؛ لحديث محمَّدِ بن عبدِ الرحمنِ بن أبي بكر قال: "كنتُ جَالسًا عندَ ابنِ عباس، فجاءَهُ رجل فقال: منْ أينَ جئتَ؟ قال: منْ زمزَمَ. قال: فشَرِبْتَ منْهَا كما ينبَغِي؟ قال: فَكَيفَ؟ قال: إذَا شرِبْتَ منْهَا فاسْتَقبِلِ القِبْلَةَ، واذكُرِ اسمَ الله، وتنفسْ ثَلاثًا منْ زمزَمَ، وتضلعْ منْهَا، فإذا فَرَغْتَ منْها، فاحمد الله؛ فإن رسولَ الله ﷺ قال: "آيَةُ مَا بَيْنَنَا وَبَيْنَ المُنَافِقِيْنَ أَنَّهُمْ لَا يَتَضَلَّعُونَ مِنْ زَمْزَمَ". رواه ابن ماجه (١٢). ويدعُو عندَ شربِه وفق ما تقدم (١٣).

стр. 846

(فصل) ثمَّ من أفاضَ إلى مكة يرجعُ بعدَ الطوافِ والسعيِ إلى منًى (١)، فيصلي بها ظهرَ يومِ النَّحرِ (٢)، ويبيتُ بها وجوبًا (٣)؛ لحديث ابن عباس قال: "لمْ يُرخِّص النبيُّ ﷺ لأَحَدٍ يَبِيتُ بِمَكةَ إلَّا لِلعَبَّاسِ لِأَجلِ سِقَايَتِه". رواه ابن ماجه (٤). ويرمِي الجمراتِ الثلاثَ بمنىً أيامَ التشريقِ - إن لم يتعجَّلْ - كلَّ يومٍ بعدَ الزوالِ نهارًا (٥)، غيرَ السُّقاةِ والرعَاةِ؛ لأنَّ لهمُ الرمْيَ ليلًا ونهارًا، ولو في ليلة واحدة، أو يومٍ واحدٍ (٦). فمن رمَى غيرُهم في ليلٍ أو قبلَ الزوالِ نهارًا لم يجزئْهُ ذلكَ (٧). ويمتدّ الرميُ منْ بعدِ الزوالِ إلى الغُروبِ، وهو آخرُ وقتِ اليومِ (٨). ويستحبُّ الرميُ قبلَ صلاةِ الظُّهرِ (٩)، ثم يصلي الظهرَ مع الإمامِ في مسجد الخَيفِ (١٠) بمنى، استحبابًا (١١). فيبدأُ في الرمي بالجمرةِ الأُولى - وهي تَلي مسجدَ الخَيفِ -، فيجعلُهَا عن يساره، ويرمِيها بسبعِ حصَياتٍ (١٢)، ثمَّ يتقدمُ عنها قليلًا فيقفُ يدعُو رافعًا يدَيهِ، ويطيلُ (١٣)، ثم يأتي

стр. 847

الوسطَى، فيجعلُها عن يمينِه، ويرمِيهَا بسبعِ حصَياتٍ (١)، ويقفُ عندَها، فيدعُو، ويطيلُ (٢)، ثم يأتي جمرةَ العقبةِ، ويجعلُها عن يمِينه، ويستبطنُ الوادي -كما تقدم (٣) -، ويرمِيها بسبعِ حصَياتٍ (٤)، ولا يقفُ عندَهَا (٥)؛ لضيقِ المكانِ. ويستقبلُ القبلةَ في جميعِ رميِه (٦). ويشترط ترتيبُها كما ذُكِر (٧)؛ لأنه ﷺ رماهَا كذلك (٨)؛ فلو نكَّس لم يجزئْهُ الرميُ (٩)، كما لو أخلَّ بحصاةٍ من السبعَةِ لمْ يجزِئْهُ (١٠)؛ فلو كان الإخلالُ من الأولى لم يصحَّ رميُ الثانيةِ، فيكملُ الأولى، ثمَّ يرمِي الثَّانيةَ، وكذا الثالثةُ (١١)، وإن جهلَ محلَّ الإخلالِ بنى علَى اليقِينِ (١٢). ثم يرمِي في اليومِ الثَّانِي الثلاثَ جمراتٍ، مرتَّبةً (كما) (١٣) ذُكر. ثمَّ في اليوم الثالثِ كذلكَ (١٤). وإنْ أخرَ الرَّميَ كلَّهُ مع رمي يومِ النَّحرِ إلى آخرِ أيامِ التشريقِ فرماهُ بعدَ الزوالِ أجزأَهُ (١٥)؛ لأنَّ أيام الرميِ كلَّها بمثابةِ يومٍ واحدٍ، لكن تفوتُه الفضِيلةُ (١٦). ويجبُ

стр. 848

عليهِ أن يرتبَ رميَ الأيامِ، أولَ يومٍ، ثمَّ ما يليه، وهكذا، بالنيةِ (١). وإن أخرَ الرمي كلَّه أو بعضَه عن أيامِ التشريقِ فعليه دمٌ (٢)، ولا يقضي الرميَ بعدَ فواتِ وقتِه، وكذا فواتِ بيتوتَةِ ليالِي منىً (٣)؛ لاستقرارِ الفِدَاءِ الواجبِ فيه؛ لقول ابن عباس: "مَنْ ترَكَ نُسُكًا أَو نسِيَهُ فإِنَّهُ يُهرِيْقُ دمًا" (٤). قال شيخُنا في "شرحه على الإقناع"؛ "وعُلِم منهُ أنه لو تركَ دونَ ليلةٍ فلا شيء علَيهِ، وظاهر ولَو أكثرَها" (٥). وفي تركِ حصاةٍ ما فِي إزالَةِ شعرةٍ، طعامُ مسكينٍ، وفي ترك حصاتَينِ ما في إزالة شعرتَينِ (٦). ولا مبيتَ على سُقاةٍ، ورُعاةٍ (٧)، وهم: سقاةُ زمزم، على ما في "المطلع" (٨) و"المبدع" (٩) و"المستوعب" (١٠)، لحديث ابن عمر: "أن العَبَّاسَ استَأذنَ النَبيَّ ﷺ أن يَبِيتَ بمَكَّةَ لَيَالِي مِنىً منْ أجْلِ سِقَايتِهِ، فَأَذِنَ لَهُ". متفق عليه (١١)، ولحديث مالك: "رخَّصَ رسُولُ الله ﷺ لرُعاةِ الإِبِلِ في البَيْتُوتةِ أنْ يرمُوا يومَ النَّحْرَ، ثمَّ يجْمَعُوا رَمْيَ يَومَينِ

стр. 849

بَعْدَ يومِ النَحْرِ فَيَرْمُونَهُ فِي أَحَدِهِمَا". قال مالك: ظننتُ أنه قال: "فِي أَوَّلِ يَوْمٍ منْهُما ثمَّ يَرْمُونَ يَوْمَ النَّفْرِ". رواه الترمذي (١). فإن غربَتِ الشمْسُ والسُّقاة والرُّعاةُ بمنىً لزمَ الرُّعاةَ فقط المبيتُ (٢)؛ لانقضَاءِ وقتِ الرَّعْيِ وهوَ النَّهارُ، ولا يلزمُ السُّقاةَ مبيتٌ؛ لأنهم يسقُونَ بالليلِ. وأصحابُ الأعذارِ حكمُهمْ حكْمُ الأصحَّاءِ في وجوبِ المبيتِ بمنىً (٣). وجزمَ الموفقُ (٤)، والشارحُ (٥) وابن تميمٍ (٦) أنَّ أهلَ الأعذَارِ من غيرِ

стр. 850

الرُّعاةِ - كالمرضى، ومنْ لهُ مالٌ يخافُ ضياعَهُ، ونحوِه - (١) حكمُهم حكمُ الرُّعاةِ في تركِ البَيتُوتةِ (٢). ومنْ كانَ مريضًا أو مجنُونًا أو لَهُ عذرٌ جازَ لهُ أن يستنيبَ منْ يرمِي عنْهُ (٣)، والأولَى أن يشهدَ الرميَ إنْ قدِرَ (٤)، ويستحَبُّ أن يضَعَ الحصَا في يدِ النَّائب (٥)؛ ليكونَ لهُ عَملٌ. ولَو أُغمِي على المستَنيب لم تنقطَع النيابةُ بالإغمَاء (٦). ويستحبُّ للإمامِ أو نائبِه أن يخطُبَ خطبةً في اليومِ الثَّاني من أيَّامِ التشرِيق بعدَ الزوَالِ يعلِّمُهمْ فِيهَا حكمَ التَّعجيلِ والتأخيرِ والتودِيعِ (٧)؛ لحديثِ سرَاء بنتِ نبْهانَ (٨) قالت: "خطبَنا رسُولُ الله ﷺ يومَ الرُّؤوسِ (٩) فقال: "أَيُّ يَوْمٍ هَذَا؟ " قلنا: اللهُ

стр. 851

وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ. قال: "ألَيْسَ أَوْسَطَ أَيَّامِ التشريقِ؟ " رواه أبو داود (١)، ولأن بالناسِ حاجة إلى تعلِيمِ ما ذُكرَ. ولكلِّ حاجٍّ - ولوْ أرادَ الإقامَةَ بمكَّةَ - التعجيلُ إن أرادَهُ (٢)؛ لقولِه تعالى: ﴿فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ وَمَنْ تَأَخَّرَ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ﴾ (البقرة: ٢٠٣) قال عطَاء (٣): "هي للناس عامةٌ" (٤) - يعني: أهلُ مكة وغيرهم -، ولحديثِ: "أَيّامُ مِنًى ثَلَاثَةٌ فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ وَمَنْ تَأَخَّرَ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ" رواه أبو داود (٥). إلَّا الإمامَ المقيمَ للمناسكِ، فليسَ لهُ التعجيلُ (٦)، لأجلِ منْ يتأخَّرُ من الناسِ. فمنْ أرادَ - غيرَ الإمامِ - أنْ يتعجَّلَ في باقِي أيَّامِ التشريقِ خرجَ منْ منىً قبلَ الغُروبِ (٧)،

стр. 852

[وإنْ غربَتْ وهُو بهَا لزمَهُ المبيتُ والرميُ منَ الغدِ بعدَ الزَّوالِ (١)]، ولا يضرُّ رجُوعُه إلى منىً (٢)؛ لحصولِ الرخصَةِ (٣). وليسَ على مُتعجِّلٍ في اليومِ الثالثِ رميُ ولا مبيتُ الليلةِ الثالثةِ (٤). ويدفِنُ متعجّلٌ حصاةَ اليومِ الثالثِ (٥)، زاد بعضهم: "يدفنُه في المرمى" (٦). وفي منسَكِ ابن الزَّاغوني: "أو يرمي بهنَّ كفعلِه في اللواتي قبلَهنَّ" (٧). فصل إِذا أرادَ الحاجُّ أو غيرُه الخروجَ من مكة - سواء كانَ بالحرم، أو خارجَه - إلى محلِّ قصدِهِ (٨)، لم يخرجْ حتَّى يودِّع البيتَ الشرِيفَ بالطواف (٩)؛ لحديث: "أُمِرَ النَّاسُ أَنْ يَكُونَ آخِرُ عَهْدِهِمْ بِالبَيْتِ" (١٠)، وفي حديثِ أبي داود: "حَتَّى يَكُونَ آخِرُ عَهْدِهِ الطَّوافَ بِالبَيْتِ" (١١). ويسمَّى: "طوافُ الصَّدْرِ". فإذا تمَّ الطوافُ صلَّى ركعتَينِ (١٢) خلفَ المقامِ -كما تقدم - (١٣)، ...........................

стр. 853

وأتى الحَطِيمَ (١) - وهو تحت الميزابِ - فيدعو (٢)، ثمَّ يأتِي زمزَمَ فيشربُ منهَا (٣)، ثمَّ يستلمُ الحجرَ، ويقبِّلُه (٤)، ثمَّ يأتي الملْتَزَمَ (٥) - وهو أربعةُ أذرعٍ بين الركنِ الَّذي به الحجرُ الأسودُ وباب الكعبةِ (٦) - ملصِقًا به جميعَ بدنِهِ - من وجهٍ وصدرٍ وذراعَيهِ وكفَّيهِ مبسوطتين - (٧)، لحديثِ عمرِو بن شعيبٍ، عن أبيه، عن جدِّه قال: "طفْتُ معَ عبدِ الله، فلمَّا جَاءَ دُبُرَ الكَعْبَةِ قلت: أَلَا تَتَعَوَّذُ؟ قال: نَعُوذُ بِالله منَ النَّارِ، ثمَّ مضَى حتَّى اسْتَلَمَ الحَجَرَ فقَامَ بَينَ الركنِ وَالبَابِ فَوَضعَ صَدرَهُ وَذِرَاعَيْهِ وَكَفَّيْهِ وَبَسَطَهُمَا بَسْطًا، وقال: هَكَذَا رَأَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَفْعَلُ". رواه أبو داود (٨). ويدعُو بما

стр. 854

أحبَّ من خيرَيِ الدُّنيا وَالآخرةِ (١)، ومنه: "اللَّهُمَّ هَذَا بَيْتُكَ وَأَنَا عَبْدُكَ وَابْنُ عَبْدِكَ وَابْنُ أَمَتِكَ، حَمَلْتَنِي عَلَى مَا سَخَّرْتَ لِي مِنْ خَلْقِكَ وَسَيَّرْتَنِي فِي بِلَادِكَ حتَّى بَلَّغْتَنِي بِنِعْمَتِكَ إِلَى بَيْتِكَ وَأَعَنْتَنِي عَلَى أَدَاءِ نُسُكُي، فَإِنْ كُنْتَ رَضِيْتَ عَنِّي فَازْدَدْ عَنِّي رِضًا، وَإِلَّا فَمُنَّ الآنَ قَبْلَ أَنْ تَنْأَى عَنْ بَيْتِكَ دَارِي، وَهَذَا أَوَانُ انْصرَافِي إِنْ أَذِنْتَ لِي غَيْرَ مُسْتَبْدِلٍ عَنْ بَيْتِكَ دَارِي وَلَا رَاغِبِ عَنْكَ وَلَا عَنْ بَيْتِكَ، اللَّهُمَّ فَأصْحِبْنِي العَافِيَةَ فِي بَدَنِي، وَالصِّحَّةَ فِي جِسْمِي، وَالْعِصمَةَ فِي دِينِي، وَأَحْسِنْ مُنْقَلَبِي، وَارْزُقْنِي طَاعَتَكَ مَا أَبْقَيتَنِي، وَاجْمَعْ لِي بَيْنَ خَيْرَيِ الدّنْيَا وَالآخِرَةِ إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَئٍ قَدِيْرٌ" (٢). ويدعُو بعدُ بما أحبَّ، ويصلِّي على النبيِّ ﷺ (٣). - قولُه: "فَمُنَ الآنَ" بضمِّ الميمِ، وتشديدِ النونِ فعلُ أمرٍ من "مَنَّ يمُنُّ" للدعاء. ويجوز كسرُ الميم على أنَّها حرف جرٍّ لابتداء الغاية، و"الآن": الوقتُ -. ثم يأتي الحطِيمَ، فيدعو، تم يشربُ من ماء زمزم، ويستلمُ الحجرَ، ويقبِّلُه، ثم يخرج (٤). قال الإمام أحمد: "فإذَا ولَّى لا يقفُ، ولَا يَلتَفِتُ، فإذَا التفَتَ رجعَ فودَّع" (٥)، أي: استحبابًا؛ لعدمِ الدليلِ برجوبه. وأمَّا من ودَّعَ ثم اشتغلَ بغيرِ شدِّ رحلٍ وقضاءِ حاجَةٍ في طريقِه أو شراءِ زادٍ له أو شَيءٍ لنفسِهِ أعادَ طواف الوداعِ وجوبًا، وكذا من

стр. 855

أقامَ بعدَه (١)؛ ليكونَ آخرُ عهدِه بالبيت. ومن أخَّرَ طوافَ الزيارةِ أو القدومِ فطافَه عند الخروجِ أجزأه عن الودَاع (٢)، لا عكسُه (٣). ومنْ خرجَ قبلَ الودَاعِ لزمَه الرجوعُ - وجوبًا - بلا إحرَامٍ إن لم يبْعُدْ (٤)، وإلا فبالإحرَام، ويحرمُ بعمرةٍ (٥). فإن شقَّ - ولو لم يبلغْ المسافةَ قصرٍ (٦) - فعليهِ دمٌ بلا رجُوعٍ (٧)، فإن رجعَ من دونِ المسافَةِ فلا دمَ عليه (٨)، بخلافِ من بلغَ مسافةَ (القصر) ورجَعَ عليه دمٌ (٩)؛ لأنه استقرَّ عليهِ ببلُوغِهِ مسَافةَ القصرِ وترْكِ طوافِ الودَاع، سواء كانَ ذلكَ عمدًا، أو خطأً، أو نسيانًا (١٠). ولا وداعَ على حائضٍ ونفساءَ (١١)، إلا أن تطهُرَ قبلَ مفارقةِ بُنيانِ مكة فيلزمُهَا العَودُ (١٢). فإن لم تعدْ لعذرٍ أو غيرِه فعليها دمٌ (١٣). ويستحبُّ للحائضِ أو النفساءَ أن تقفَ على بابِ المسجدِ الحرام، وتدعُوَا بالدعاءِ المتقدِّم (١٤).

стр. 856

فصل إذَا فرغَ الحاجُّ منَ الحجِّ (وَ) ما يـ (ــــــــتَـ) ـــــعلَّقُ به، ومن طوافِ الوداع، (سُنَّ) له (زِيَارُة قَبْرِ النَّبِيَّ ﷺ وَقَبْرِ صَاحِبَيْهِ) هما: أبُو بكرٍ الصدّيقُ (١)، وعمرُ بنُ الخطَّابِ (رِضْوَانُ اللهِ تَعَالَى عَلَيْهِمَا) وعلَى الصحابةِ - أجمعينَ (٢)؛ لحديثِ الدارقطني عن ابن عمر، قال: قال رسول الله ﷺ : "مَنْ حَجَّ فَزَارَ قَبْرِي بَعْدَ وَفَاتِي فَكَأَنَّمَا زَارَنِي فِي حَيَاتِي"، وفي رواية: "مَنْ زَارَ قَبْرِي وَجَبَتْ لَهُ شَفَاعَتِي" (٣)، وعن أبي هريرَة مرفوعًا: "مَا مِنْ أَحَدٍ يُسَلِّمُ عَلَيَّ عِنْدَ قَبْرِي إِلَّا رَدَّ اللهُ

стр. 857

عَلَيَّ رُوحِي حَتَّى أَرُدَّ عَلَيْهِ¬ السَّلَامَ" (١). تنبيهٌ: قالَ ابنُ نصرِ الله (٢): "لازمُ استحبابِ زيارَةِ قبرِه ﵊ استحبَابُ شدِّ الرِّحالِ إليهَا؛ لأنَّ زيارتَهُ ﷺ للحاجِّ بعدَ حجِّهِ لا تمكِنُ بدونِ شدِّ الرَّحلِ، فهذَا كالتصريحِ باستحبابِ شدِّ الرحلِ لزيارته ﵊" (٣).

стр. 858

ويسنُّ للمتوجِّهِ إلى زيارَتِه ﷺ أن يكثرَ من الاستغفارِ في طريقِه، ومن قراءةِ القرآنِ، ومن التهليلِ، والتسبِيحِ، والتحْمِيدِ، والتكبيرِ، ومن الصلاةِ على النبيِّ ﷺ البشيرِ النذيرِ كصلاةِ التشهدِ. فعندَ دخولِ المدينةِ المنورةِ يسن أن يغتسلَ، وأن يتطيبَ في بدنِهِ وثيابِهِ، ويلبسَ أفخرَ ثسِابِهِ، ثم يقدُمُهَا بسكينةٍ ووقارٍ (١)، ويقول عند دخولِه: "بِسْمِ الله، وَعَلَى مِلَّةِ رسُولِ الله ﷺ ، ﴿رَبِّ أَدْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْقٍ وَأَخْرِجْنِي مُخْرَجَ صِدْقٍ وَاجْعَلْ لِي مِنْ لَدُنْكَ سُلْطَانًا نَصِيرًا﴾ (الإسراء: ٨٠) " (٢). ويستحبُّ أن يستحضرَ بقلبِه أنها البلدةُ التي اختارهَا الله تعالَى لأعظمِ خلقِهِ وأفضلِ صفوتهِ، وأنه استوطَنَها له وأظهرَ لهُ دينَه فيهَا، وأن يعلمَ أنها موطئُ أقدامِه الشريفةِ، فحينئذٍ لا يطؤُه إلا متأدِّبًا. ويكرهُ الركوبُ في أزقَّتِها (٣) لغير عذرٍ (٤)؛ لما فيه من (إساءة) الأدبِ. فإذا وصلَ المسجدَ النبويَّ المطهرَ المصطَفوِيَّ قدَّمَ رجْلَهُ اليمنى عند دخولِه (٥)،

стр. 859

وقالَ: "بِسْمِ الله، وَالسَّلَامُ عَلَى رَسُولِ الله ﷺ اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي ذَنْبِي وَافْتَحْ لِي أَبْوَابَ رَحْمَتِكَ" (١). وينوِي الاعتكافَ مدةَ لُبثِه (٢). ثمَّ يصلي تحيةَ المسجدِ ركعتين لجانبِ المنبرِ (٣)، تجاهَ صندوقِ المصاحفِ، جاعلًا عمودَ المنبرِ حذْوَ منكبِهِ الأيمن، مستقبلًا الساريةَ التي تجاهَ الصُّندوقِ، ويجعلُ الدائرةَ التي بقبلَةِ المسجدِ بينَ عينَيه؛ لأن النَّبي ﷺ كانَ يؤمُّ الناسَ في هذا المكانِ (٤). ثم بعدَ الصَّلاةِ يخرجُ من بابِ المقصورَةِ (٥)، من الجهةِ القبليَّةِ إلى القبرِ الشريفِ المطهرِ المُنيفِ متأدِّبًا. وما أحسنَ ما قيلَ في التأدبِ بحضرته ﷺ :

стр. 860

......... … قِفْ وَقْفَةَ الذُّلِّ وَالإِطْرَاقِ ذَا أَدَب فَعِنْدَ حَضرَتِهِ يُسْتَلْزَمُ الأَدَبُ (١) ويكونُ وقوفُه مقابلةَ وجهِهِ ﷺ مستقبلًا جدارَ الحجرَةِ والمسمارَ الفضةَ في الرخامةِ الحمراءِ (٢) نحوَ أربعةِ أذرعٍ من الساريةِ بزاويةِ المقصورةِ، ويجعلُ القنديلَ على رأسِهِ (٣) مستدبرًا القبلةَ (٤) ويقول: "السَّلامُ عَليكَ يا رسُولَ الله" (٥). ولا بأسَ إن

стр. 861

زادَ غيرَ السلامِ منْ غيرِ رفعِ صوتٍ (١)؛ لقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ وَلَا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ أَنْ تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ وَأَنْتُمْ لَا تَشْعُرُونَ (٢)﴾ (الحجرات: ٢)؛ لأن حرمتَهُ ميتًا كحرمته حيًا. وإن حمَّده أحدٌ سلامًا قال: "سلَامٌ علَيكَ مِنْ فُلانٍ" (٢)، ثم يسألُ لنفسِهِ وأهلِه وإخوانِه والمسلمينَ الشفاعةَ. ثمَّ ينحرفُ قليلًا، ويستقبلُ القبلةَ، ويجعلُ الحجرةَ عن يسارِه يسيرًا؛ كيلا يستدبرَه ﷺ ويدعُو بما أحب (٣)، ومنه: "اللَّهُمَّ إنِّي أَتَيْتُ قَبْرَ نَبيِّكَ مُحَمَّدٍ ﷺ مُتقَرِّبًا إِلَيْكَ بزِيَارَتهِ، مُتَوسِّلًا إِليْكَ بِهِ (٤)، وَأنْتَ قلْتَ وَقَولُكَ الحَقَّ، وَلَا تُخْلِفُ

стр. 862

المِيْعَادَ: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جَاءُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوَّابًا رَحِيمًا﴾ (النساء: ٦٤) وقدْ جِئْتُكَ مُستَغفِرًا منْ ذَنْبِي مُستَشْفِعًا بِكَ إِلى رَبِّي، فَأَسْأَلُكَ يَا رَبِّ أَنْ تُوجِبَ ليَ المغْفِرَةَ كَما أَوْجَبْتَهَا لِمَنْ أَتَاهُ فِي حيَاتِهِ، اللَّهُمَّ اجْعَلْهَا زِيَارَةً مقْبُولَةً، وَسَعْيًا مَشْكُورًا، وَعَمَلًا مُتَقَبَّلًا مبرُورًا، تُدْخِلْنَا بِهِ جَنَّتَكَ، وَتُسْبغْ عَلَيْنَا رَحْمَتَكَ، اللَّهُمَّ اجْعَلْ سَيِّدَنَا مُحَمَّدًا ﷺ أَوَّلَ الشَّافِعِينَ، وأنْجَحَ السَّائِلِينَ، وَأكْرَمَ الأَوَّلِينَ والآخِرِينَ، اللَّهَمَّ كَمَا آمَنَا بِهِ وَلَمْ نَرَهْ، وَصَدَّقْنَا بِهِ ولَمْ نَلْقَهْ فَأَدْخِلْنَا مُدْخَلَه، وَاحْشُرْنَا مُحشَرَهُ، وَأَوْرِدْنَا حَوْضهُ، وَاسْقِنَا بِكَأْسِهِ مَشْرَبًا سَائِغًا هَنِيئًا لَا نَظْمَأُ بَعْدَهُ أبَدًا" (١). ثمَّ يتقدمُ علَى يمينِه قليلًا منْ موضعِ سلامِهِ قدرَ ذراعٍ فيُسلِّمُ علَى خلِيفةِ رسُولِ الله ﷺ أبي بكرٍ الصديقِ - رضيَ الله تعَالَى عنه - فيقول: "السَّلَامُ عليكَ يا خلِيفَةَ رسُولِ الله، يا أبا بكرٍ الصديقِ" - رضي الله تعَالَى عنهُ -، ثم بعدَه يتقدمُ على يمينِه قليلًا قدرَ ذراعٍ أيضًا، فيسلِّمُ على عمرَ بن الخطابِ - رضيَ الله تعالَى عنه - فيقول: "السَّلَامُ عليكَ يا عمرَ الفاروق" (٢) إلى غير ذلك. وقدْ بيَّنْتُ ما وردَ من أنواع السلامِ، وما وردَ من الأدعيةِ، وما وردَ في فضلِ الحجِّ، والطوافِ، والسعي، والحلقِ، والوقوفِ بعرفةَ وغيرِه، وما ورد في الحجرِ الأسودِ والركنِ [اليماني] وَالبيتِ الشرِيفِ، والمقامِ، وفضلِ صلاةِ الحرمِ، وتضاعُفِ الصلاةِ على اختلافِ الروايات، وفي تضاعفِ السيئاتِ على الخلافِ، والأدعيةِ، والتحفُّظِ عند النومِ، وفضلِ التلبيةِ، وغيرِ ذلك في كتابي "بُغْيَةُ المُتَتَبِّعِ فِي شَرْحِ مَتْنِ المنَاسِكِ رَوْضِ المُرْبع" (٣)، والمتن أيضًا للفقيرِ، ونقلتُ فيه من جملةِ كتبٍ من الكتبِ المعتمدَةِ المتعلقةِ بهذَا المقَامِ، وسلكتُ فيهِ أحسنَ نظَامٍ. فإنْ أردتَ الإحاطَةَ وقصدْتَ الإفادةَ، فعليكَ به.

стр. 863

واعلمْ أنه لا يَمَسُّ قبرَ النبي ﷺ ، ولَا يتمسَّحُ بهِ، ولا يقبِّلُه (١)، ولا الحائطَ، ولا يلصقُ به صدرَه (٢)، فإن فعلَ ذلك كُرِهَ (٣)؛ لما فيه منْ إساءةِ الأدبِ، وهو بدعَةٌ لم يفعلْهُ أحدٌ من السَّلَفِ ولا من تبِعَهُم من الخلفِ (٤). ويكرهُ رفعُ الصوتِ عندَ الحجرةِ الشريفةِ (٥)؛ لما فيه من إساءةِ الأدبِ ولما تقدَّمَ من الآيةِ. قال الشيخ تقي الدين: "ويحرُمُ طوافُهُ بغَيرِ البيتِ العتيقِ اتفاقًا" (٦)، وقال: "واتفَقُوا - يعني: العُلَمَاءَ - أنهُ لا يقَبِّلُهُ، وَلَا يتَمَسَّحُ بِهِ، فإنَهُ منَ الشّرْكِ الأَصْغَرِ (٧) "، وقال: "والشِّرْكُ لَا يغْفِرُهُ الله وَلَوْ كَانَ أصغَرَ" (٨). قال ابن عقيل وابن الجوزي: "يكرَهُ قصدُ القبورِ للدُّعَاءِ" (٩). وقال الشيخ (١٠): "يكرَهُ وقوفُه عندَهَا لَهُ - أي:

стр. 864

للدعاء -" (١). (وَتُسْتَحَبُّ الصَّلَاةُ بِمَسْجدِهِ ﷺ ) (٢) (وَهِيَ بِآلفِ صَلَاةٍ، وَ) الصلاةُ (فِي المَسْجِدِ الحَرَامِ بِمِائَةِ آلف) صلاةٍ (وَفِي المَسْجِدِ الأقصَى بِخَمْسِمِائَةِ) صلاةٍ (٣). وحسناتُ الحرمِ المكيِّ في المضاعفَةِ كصلاتِه (٤)؛ لما رويَ عن ابن عباسٍ مرفوعًا: "مَنْ حَجَّ مِنْ مكة مَاشِيًا حَتَّى يَرْجِعَ إِلَى مكة كَتَبَ اللهُ لَهُ بِكُل خُطْوَةٍ سَبْعَمِائَةِ حَسَنَةٍ مِنْ حَسَنَاتِ الحَرَمِ". قيل له: ومَا حسنَاتُ الحرَمِ؟ قال: "بِكُلِّ حَسَنَةٍ مِائَةُ أَلْفِ حَسَنَةٍ" (٥). وتعظَّمُ

стр. 865

السيئاتُ بِهِ (١). ويسَنُّ أن يأتي مسجدَ قُبَاء (٢) - بضم القاف - فيصلي فيهِ (٣)، ويزورُ البقيعَ (٤) ومَن فيهِ من الصحَابةِ والتابعِين والعُلماءِ والصالحِين، ويزورُ ويسلِّمُ علَى أهلِ البقيع عُمُومًا مع كثرَةِ الاستغْفَارِ لهُم ولسائرِ المؤمنين (٥). ويسحبُّ أن يزورَ جبلَ أُحدٍ (٦)، ويصلِيَ فِي وادِيه (٧)، ويزورَ به عمَّ النبي ﷺ الحمزةَ (٨) - رضي الله

стр. 866

تعالى عنه -، ثم مصعبَ بن عمير (١)، ثم بقيةَ الشهداءِ، ويتلو قوله تعالى: ﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا (٢٣)﴾ (الأحزاب). ويستحبُّ أن يصليَ في كل مسجدٍ صلَّى فيهِ رسولُ الله ﷺ (٢)، وأن يزورَ، ويصليَ في الآثار التي له (٣) ولأصحابِهِ - رضي الله تعالى عنهم أجمعين - (٤). فإذا أرادَ الخروجَ من المدينةِ المشرفةِ رجعَ إلى المسجدِ النبوي وصلَّى فيهِ ركعتَينِ، وعادَ إلى قبر النبي ﷺ فوح، وأعاد الدعاء (٥). قاله في "المستوعب" (٦)، قال: "ويعزمُ علَى أن لا يعودَ إلى ما كانَ علَيهِ قبلَ حجِّهِ مِنْ عَملٍ لا يُرضِي" (٧).

стр. 867

ويسنُّ أن يقولَ عند منصرفِه من حجِّه متوجِّهًا إلى بلده: "لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيْكَ لَهُ، لَهُ المُلْكُ وَلَهُ الحَمْدُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيْرٍ، آيبُونَ تَائِبُونَ لِرَبِّنَا حَامِدُونَ، صَدَقَ اللهُ وَعْدَهُ وَنَصَرَ عَبْدَهُ وَهَزَمَ الأَحْزَابَ وَحْدَهُ" (١). ولا بأسَ أن يقالَ للحاجِّ: "تقبلَ الله منْكَ نسُكَكَ وَأعظَمَ أجرَكَ، وأخْلَفَ نفَقَتَك" (٢). وينبغي طلب الدعاءِ من الحاجّ (٣)؛ لأن دعاءَهُ مستجابٌ، كما وردَ في الخبر (٤)، قال في "المستوعب": "وكانُوا يغتَنِمُونَ أدعيةَ الحاجِّ قبلَ أن يتلطَّخُوا بالذنُوبِ" (٥)، وفي الحديث: "اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِلْحَاجِّ وَبمَنْ اسْتَغْفَرَ لَهُ الحَاجُّ" (٦). فصلٌ في صفة العمرةِ من كانَ في الحرمِ وأرادَ العمرةَ خرجَ إلى الحلِّ فأحرمَ من أدنَاه، والإحرامُ من التنعيمِ أفضلُ، ومنْ كانَ خارجَ الحرمِ دونَ الميقاتِ أحرمَ من دُوَيْرَةَ

стр. 868

أهلِه (١). وتباحُ العمرةُ كلَّ وقتٍ (٢). ولا بأسَ أن يعتمرَ في السنةِ مِرارًا (٣)، ويكرهُ الإكثارُ منْهَا والموالاةُ بينَها (٤). وهيَ في غيرِ أشهرِ الحجِّ أفضلُ (٥). وأفضلُها: في رمضان (٦)، ويستحبُّ تكرارُها فيه (٧)؛ لأنها تعدلُ حجَّةً كما في الخبرِ (٨). والعمرةُ تسمَّى: "حجًا أصغَرَ". وإن أحرمَ من الحرمِ حرُمَ عليهِ؛ لتركِه ميقاتَه، لكنْ ينعقدُ إحرامُه، وعليهِ دمٌ؛ لتركِهِ الواجبَ (٩). ثم يطوفُ لعمرتِهِ، ويسعى، ثمَّ يحلقُ أو يقصرُ، ثمَّ قد حلَّ (١٠)، ولا يحلُّ قبلَ ذلكَ (١١). وتجزئُ عمرةُ القارِنِ (١٢)، والعمرةُ من التنعيمِ عن عمرةِ الإسلامِ (١٣). * * *

стр. 869

(بَابُ الفَوَاتِ وَالإِحْصَارِ) الفواتُ: مصدرُ فات يفوت فواتًا، وهو سبقٌ لا يدرَكُ، وهو أخصُّ من السبق (١). والإحصَارُ: مصدرُ أحصَرَه، أي: حبسَهُ، فهو: الحبس، أي: المنعُ (٢). (مَنْ طَلَعَ عَلَيْهِ فَجْرُ يَوْمِ النَّحْرِ وَلَمْ يَقِفْ بعرفةَ) فِي وقتِه ولو (لِعُذْرِ حَصْرٍ أَوْ غَيْرِهِ، فَاتَهُ الحَجُّ) ذلكَ العامُ (٣)؛ لانقضاءِ زمنِ الوقوفِ؛ لقول جابر: "لَا يَفُوتُ الحَجُّ حَتَّى يطلُعَ الفجْرُ منْ ليلَةِ جَمْعٍ". رواه الأثرم (٤)، ولحديث: "الحَجُّ عرفةَ فَمَنْ جَاءَ قَبْلَ صَلَاةِ الفَجْرِ لَيْلَةَ جَمْعٍ فَقَدْ تَمَّ حَجُّهُ" (٥)، فإنه يدلُّ على فواتِ الحجِّ بخروجِ ليلةِ جمع، وسقطَ عنه توابعُ الوقوفِ كمبيتٍ بمزدلفةَ، ومنىً، ورمي جمارٍ (٦) (وَانْقَلَبَ إِحْرَامُهُ) بالحجِّ - إن لم يختر البقاءَ عليه ليحجَّ من العام القابلِ بذلكَ الإحرام (٧) - (عُمْرَةً) (٨)، (وَلَا تُجْزِئُ) هذه العمرةُ المنقلِبة (عَنْ عُمْرَةِ الإِسْلَامِ) (٩) نصًا (١٠)؛ لوجوبِها؛

стр. 870

كمنذورةٍ (١). فائدة: إن قيل: لو أحرمَ بعمرةِ نفلٍ أو منذورةٍ وعليه عمرةُ الإسلامِ أجزأتْ عنهُما، فلِمَ لمْ يكنْ هذه مثلُ ذلكَ؛ قال شيخنا - رَحمهُ الله تعالى -: "قلت: لأنه في الأولَى نوى العمرةَ، والتعيينُ ليس بشرطٍ فيها كالحج، وأما هنا فلَمْ ينوِ العمرةَ أصلًا في ابتداءِ إحرامِه" - من "حاشيتِهِ على المنتهى" - (٢). (فَيَتَحَلَّلُ بِهَا) أي: بالعمرةِ، فيطوفُ ويسعَى للعمرةِ، ويحلقُ أو يقصرُ (٣)، (وَعَلَيْهِ) أي: على من فاتَه الحجُّ إن لم يكن اشترطَ في ابتداءِ إحرامِه -كما تقدم (٤) - (دَمٌ) (٥)، (وَعَلَيْهِ القَضَاءُ فِي العَام القَابِلِ) عما فاتَه من الحجِّ (٦)، ولو كان الحج الفائتُ نفلًا (٧)، خلافًا للإقناع (٨)؛ لحديثِ ابن عباس: "مَنْ فَاتَهُ عَرَفَاتُ فَقَدْ فَاتَهُ الحَجُّ وَلْيَتَحَلَّلْ بِعُمْرَةٍ وَعَلَيْهِ الحَجُّ مِنْ قَابِلٍ" (٩)، وعمومُه شامل للفرضِ والنفلِ، والحجُّ يلزمُ بالشروعِ فيه، بخلافِ سائرِ التطوعاتِ. وإذا حلَّ القارنُ للفوتِ فيلزمُه قضاءُ النسكَينِ -

стр. 871

الحجِّ والعمرةِ - (١)، ولا يتعين عليهِ القضاءُ قارنا (٢)، ويلزمُه دمانِ، لقرانه وفواته (٣). قالهُ في "الشرحِ" (٤). (لكِنْ لَوْ صُدَّ) الحاجُّ (عَنِ الوُقُوفِ) بعرفةَ (فَتَحَلَّلَ قَبْلَ فَوَاتِ) الوقوفِ (٥) (فَلَا قَضَاءَ) عليه (٦)؛ لظاهرِ الآية (٧)؛ لأنَّ قلبَ الحجِّ إلى العمرةِ مباحٌ (٨) بلا حصرٍ، فمَعَهُ أولى. فإن كانَ قد طافَ وسعَى للقدومِ ثمَّ أُحصِرَ أو مرِضَ (أو) (٩) فاتَهُ الحجّ، تحللَ بطوافٍ وسعيِ آخرَينِ (١٠)؛ لأن الأُولى لم يقصدْ بهما طوافَ العمرةِ ولا سعيَها، وليسَ عليه أن يجَددَ إحرامًا في الأصح (١١). قالَهُ في "شرحِ المنتهى" للمصنِّف (١٢).

стр. 872

(وَمَنْ حُصِرَ عَنِ البَيْتِ - وَلَوْ) كانَ (بَعْدَ الوُقُوفِ) بعرفةَ - (ذَبَحَ هَدْيًا) وجوبًا (بِنِيَّةِ التَّحَلُّلِ) (١)؛ لقولِه تعالى: ﴿فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾ (البقرة: ١٩٦)، ولأنه ﵊ أمر أصحابَه حين حُصِروا في الحُدَيْبِيَةِ أن ينحرُوا ويحلِقُوا ويحِلُّوا (٢). وسواء كانَ الحصرُ عامًّا بالحجاجِ أو خاصًّا بَفردٍ أو أفرادٍ (٣). (فَإِنْ لَمْ يَجدْ) هديًا (صَامَ عَشَرَةَ أَيَّامِ بِنِيَّةِ) الـ (ـــــتحَلُّل)؛ قياسًا على المتمتع، (وَقَدْ حَلَّ) من إحرامِه (٤). قال في "الإقناع": "وحلْقٌ أو تقصيرٌ" (٥)؛ يعني: وجوبًا (٦). قدَّمه في "الرعاية" (٧)، واختاره القاضي في "التعليق" (٨)، وقدَّم في "المحرر" (٩) و"شرح ابن رَزِين" (١٠): عدمَ الوجوبِ، وهو ظاهرُ كلامِ

стр. 873

الخِرَقي (١)، و"المنتهى" (٢)؛ لعدمِ ذكرِه في الآية، ولأنه مباحٌ ليس بنسُكٍ خارجَ الحرم؛ لأنه من توابعِ الوقوفِ كالرمي. ولا إطعامَ في الإحصارِ (٣)؛ لعدمِ ورودِه. ولو نوى المحصَرُ التحللَ قبل الذَّبحِ - إن وجدَه - أو الصومِ - إن عدِمَ الهديَ - لم يحل (٤)؛ لفقدِ شرطه، وهو الذبحُ أو الصومُ بالنيةِ. واعتبرت النيةُ في المحصَر دونَ غيرِه؛ لأن من أتى بأفعالِ النُّسُكِ أتى بما عليهِ فحلَّ بإكمالِه، فلم يحتجْ إلى نيةٍ، بخلافِ المحصرِ، فإنَّه يريدُ الخروجَ من العبادَةِ قبل إكمالِها فافتقَرَ إلى نيةٍ. ويلزمُ من تحللَ قبلَ الذبحِ أو الصومِ دمٌ لتحلُّلِه (٥)، ويلزمُه دم أيضًا لكل ما يفعلُه من محظورٍ بعدَ تحلُّلِه (٦). جزمَ به في "المنتهى" (٧) تبعًا للمنقحِ (٨). قال في "الإنصاف": "وهذَا المذهبُ، وعليهِ أكثرُ الأصحابِ، وقيل: لا يلزمه دمٌ لذلك جزمَ به في المغني، والشرحِ" (٩). (وَمَنْ حُصِرَ عَنْ طَوَافِ الإفَاضَةِ فَقَطْ وَقَدْ رَمَى وَحَلَقَ لَمْ يَتَحَلَّلْ حَتَّى يَطُوفَ)

стр. 874

للإفاضةِ، ويسعَى إن لم يكن سعى (١). وكذا لو أُحصِرَ عن السعْيِ فقط (٢). (وَمنْ أحصرَ بمرضٍ، أو بذهابِ نفقةٍ، أو ضلَّ الطريقَ بقِيَ محرِمًا حتى يقدِرَ على البيتِ (٣)؛ لأنه لا يستفيدُ بالإحلالِ الانتقالَ من حالٍ إلى حالٍ خيرٍ منها، ولا التحلُّلَ من الأذى الذي به، بخلاف العدوِّ، ولأنه ﵊ لما دخلَ على ضُباعة بنت الزبير وقالت: إني أرِيدُ الحجَّ شاكيةً! قال: "حُجِّي وَاشْتَرِطى أَنَّ مَحِلِّيَ حَيْثُ حَبَسْتَنِي" (٤)] ((وَمَنْ) ا ((شْـ) ـتَـ (ــرَطَ فِي ابْتِدَاءِ إِحْرَامِهِ) فقال: " (إِنْ) حَبسنِي حابسٌ فَـ (ـــــمحِلِّي حَيْثُ حَبَسْتَنِي" أَوْ) شرطَ في ابتداءِ إحرامِه فـ ((ــــــقالَ: "إِنْ مَرِضْتُ أَوْ عَجزْتُ أَوْ ذَهَبَتْ نَفَقَتِي عَلَى أَنْ أَحِدٍ" كَانَ لَهُ أَنْ يَتَحَلَّلَ) إذا وُجِد الشرطُ (مَتَى شَاءَ مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ) أي: من غير أن يلزمَه دم (٥)، لحديثِ ضباعة بنت الزبير السابق، وقولِه ﷺ لها: "فَإنَّ لَكِ عَلَى رَبِّكِ مَا اشْتَرَطْتِ" (٦). (وَلَا قَضَاءَ عَلَيْهِ) (٧)، لظاهرِ حديث ضُباعة، ولأَنه شرطٌ صحيحٌ فكان على ما شرَطَ. لكن إن تحللَ ولم يكن حجَّ حجة الإسلامِ قبلُ فوجوبُها باقٍ لعدمِ ما يسقطُه. تتمة: من حُبِسَ بحقٍ، أو بدينٍ حالٍّ وهو قادرٌ على أدائِه فليس له التحلُّلُ (٨)؛

стр. 875

لأنه ليس بمعذورٍ. فإن كان عاجزًا عن أدائِهِ فحُبِسَ بغير حق، فله التحللُ (١)؛ لما مرَّ. ويقضِي عبدٌ مكلفٌ حيثُ وجبَ عليه القضاءُ - بأن كانَ نذرًا أو فاتَه الحج في رقِّه -، كحُرٍّ (٢). ويقضي صغيرٌ في فواتٍ وإحصارٍ؛ كبالغٍ. ولا يصح قضاؤُه حيث وجبَ إلا بعد البلوغِ (٣)، كما لو فسدَ نسُكُه بالوطءِ. فائدة - من "حاشية الإقناع" -: في قوله (٤): "فله أن يقضي في ذلك العام": "هكذا في "الإنصافِ" (٥) وغيرِه. - قال شيخُنا (٦) -: ولعلَّ المرادَ أن يجبَ لوجوبِ القضاءِ على الفورِ -كما تقدمَ -، وإنما قالوه في مقابلةِ المنعِ. قالَ الموفقُ والشارحُ وجماعةٌ: "وليس يتصورُ القضاءُ في العامِ الذي أفسدَ فيه الحجُّ في غير هذه المسألة" (٧)، وقيل للقاضي: لو جاز طوافُه في النصفِ الأخيرِ - أي: من ليلة النحر لصحَّ أداءُ حجتينِ في عامٍ، ولا يجوز إجماعًا؛ لأنه يرمِي ويطوفُ ويسعَى فيهِ، ثمَّ يحرمُ بحجةٍ أخرى ويقفُ بعرفةَ قبل الفجرِ ويمضِي فيها، ويلزمُكم أن تقولُوا به؛ لأنه إذا تحللَ من إحرامِه فلا معنى لمنعِه؟! فقال القاضي: لا يجوزُ، وقد نقل أبو طالبٍ (٨) فيمنْ أحرمَ بحجتَين لا يكون إهلالًا بشيئين؛ لأن الرجمَ عملٌ واجبٌ بالإحرامِ السابقِ، فلا يجوز - معَ بقائه - أن يحرمَ بغيرِه". انتهى (٩). اقتصر عليه في

стр. 876

"الإنصافِ" (١)، مع أنه في الإحرامِ قال: "قد قيل: إنه يمكنُ أداءُ حجَّتينِ في عام" (٢)، وما ها هنا من حكاية الإجماع التي سلَّمها القاضي - حيث لم يردَّها - يمنعُه" (٣). * * *

стр. 877

(بَابُ الأُضْحِيَةِ) والعقيقةِ ولم يذكر المصنفُ الهديَ لأنهُ في حكمِ الأضحيَةِ. والهديُ: "ما يهدَى للحرمِ من نَعَمٍ وغيرِها" (١). وقال ابن المنَجَّا (٢): "ما يذبَح بمنى، سمي بذلك؛ لأنه يهدَى إلى الله تعالى" (٣). يسنُّ من أتى مكة أن يهدِي هديًا (٤)؛ لفعله ﵊ (٥) وكان ﷺ يبعثُ بالهديِ إلى مكة وهو مقيمٌ بالمدينةِ (٦)، وأهدَى في حَجةِ الوداع مائةَ بدنةٍ (٧). والأضحيةُ - بضم الهمزة وكسرِها، وتخفيفِ الياء وتشديدِها، واحدةُ الأضاحِي، ويقال: ضَحِيَّة (٨) -: "ما يُذبَح من إبلٍ وبقرٍ وغنمٍ، أهليةٍ لا وحشيةٍ، ولا

стр. 878

ما تولد منها أيامَ النحر بسبب العيدِ، لا لنحو بيعٍ تقربًا إلى الله تعالى". (وَهِيَ) أي: الأُضحية (سُنَّةٌ مُؤَكَّدَةٌ) (١) لمسلمٍ تامِّ الملكِ (٢)، وأجمع المسلمونَ على مشروعيتها (٣)؛ لقوله تعالى: ﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ (٢)) (الكوثر: ٢)، قال جمعٌ من المفسرينَ: "المرادُ: التضحيةُ بعد صلاةِ العيدِ" (٤)، ولحديث ابن عباسٍ: أنَّ النبيَّ ﷺ قال: "ثَلَاثٌ كُتِبَتْ عَلَيَّ وَهُنَّ لَكُمْ تَطُوُّعٌ"، وفي رواية: "الْوِتْرُ وَالنَّحْرُ وَرَكعَتَا الفَجْرِ" رواه الدارقطنيُّ (٥)، ولقوله ﷺ : "مَنْ أَرَادَ أَنْ يُضَحِّيَ فَدَخَلَ العَشْرُ فَلَا يَأْخُذْ مِنْ شَعَرِهِ وَلَا بَشَرَتِهِ شِيْئًا" رواه مسلم (٦)، فعلّقَه على الإرادةِ، والواجبُ لا يعلق عليها. ورُوي: "أنه ﷺ ضحَّى بكَبشَينِ أَملَحَينِ أَقرَنَينِ (٧) ذَبحَهما بِيدِه وَسمَّى وكبَّر ووضعَ

стр. 879

رِجلَه عَلَى صفَاحِهِما (١) ". متفق عليه (٢). ويصحُّ ذبحَ أضحيةٍ عن ميتٍ كحيٍّ (٣). ولا يضحَّى عما في البطنِ (٤)؛ لأنه لا يَثبتُ لهُ أحكامُ الدنيا إلا في الإرثِ والوصيةِ، لكن يقالُ ما ذكرَ في الفطرةِ -أنه يسنُّ إخراجُ الفطرَةِ عنه- (٥). إلا أن يقال: ذلك لفعل عثمانَ (٦)، ولأن التعبدَ من زكاةِ الفطرِ الطهرُ، وما هُنا على الأصل. ذكره شيخُنا في "شرحه" (٧). (وَتَجِبُ) أي: الأضحيةُ (بِالنَّذْرِ) (٨)، (وَ) بتعيينه (بِقَوْلِهِ: "هَذه أُضْحِيَةٌ" أَوْ) بقولِه: "هذَا الهدْيُ أو هذهِ (للهِ) " ونحوِه، كـ: "لِلهِ عليَّ ذبحُه" (٩)؛ لاقتضائِه الإيجابَ، فترتبَ عليه مقتضَاه. ويتعين هديٌ بتقليدِه (١٠) النعلَ، والعُرَى (١١)، وآذانَ القِرَبِ (١٢)، بنيةِ كونه هديًا، أو بإشعارِه

стр. 880

بنيته (١). (وإذا تعيَّنتْ هدْيًا أو أضحِيَة لم يجزْ بيعُها ولا هبتُهَا (٢)؛ لتعلقِ حقِّ الله تعالى بهَا؛ كالمنذورِ عتقُه نذرَ تبرُّرٍ، إلا أن يبدِلَها بخيرٍ منها (٣)، وكذا لو نقلَ الملكَ فيها وشَرى خيرًا منها، جازَ (٤)، نصًا (٥)، واختاره الأكثر (٦)؛ لأن المقصودَ نفعُ الفقراءِ، وهو حاصلٌ بالبدل. ويجزُّ صوفَها وشعرَها ووبرَها إن كان جزُّه أنفعَ لها، ويتصدق به (٧)، وإن كان بقاؤُه أنفعَ لها لم يجُزْ جزُّه (٨)، ولا يشربُ من لبنِهَا إلا ما فضَل عن ولدِها (٩)]. (وَالأفضَلُ) في الهديِ والأضحيَةِ (الإبِلُ، فَالْبَقَرُ) إن أخرجَ كاملًا، (فَالغَنَمُ) (١٠)؛ لحديثِ أبي هريرةَ مرفوعًا: "مَن اغتَسَلَ يَوْمَ الجُمُعَةِ غُسْلَ الجَنَابَةِ ثُمَّ رَاحَ فِي السَّاعَةِ الأولَى فكأنَّما قرَّبَ بدنةً، ومنْ راحَ في الساعةِ الثانيةِ فكأنَّما قربَ بقرةً، ومن راحَ في الساعةِ الثالثةِ فكأنَّما قربَ كبشًا أمْلحَ، ومن راحَ في الساعةِ الرابعةِ فكأنما قربَ، دجاجةً، ومن راحَ في الساعةِ الخامسةِ فكأنَّما قربَ بيضةً". متفق عليه (١١)، ولأن البُدنَ أكثرُ ثمنًا ولَحمًا وأنفعُ للفقراءِ وقال "الموفق":
следующие страницы →