← Фикх ханбали

Фикх ханбали · id 30058

مسلك الراغب لشرح دليل الطالب - ت الهزاني وإدريس

إبراهيم العوفي الصالحي

Полный текст (1 279 стр.). Показаны 876–915 · переход к 881.

стр. 876

"الإنصافِ" (١)، مع أنه في الإحرامِ قال: "قد قيل: إنه يمكنُ أداءُ حجَّتينِ في عام" (٢)، وما ها هنا من حكاية الإجماع التي سلَّمها القاضي - حيث لم يردَّها - يمنعُه" (٣). * * *

стр. 877

(بَابُ الأُضْحِيَةِ) والعقيقةِ ولم يذكر المصنفُ الهديَ لأنهُ في حكمِ الأضحيَةِ. والهديُ: "ما يهدَى للحرمِ من نَعَمٍ وغيرِها" (١). وقال ابن المنَجَّا (٢): "ما يذبَح بمنى، سمي بذلك؛ لأنه يهدَى إلى الله تعالى" (٣). يسنُّ من أتى مكة أن يهدِي هديًا (٤)؛ لفعله ﵊ (٥) وكان ﷺ يبعثُ بالهديِ إلى مكة وهو مقيمٌ بالمدينةِ (٦)، وأهدَى في حَجةِ الوداع مائةَ بدنةٍ (٧). والأضحيةُ - بضم الهمزة وكسرِها، وتخفيفِ الياء وتشديدِها، واحدةُ الأضاحِي، ويقال: ضَحِيَّة (٨) -: "ما يُذبَح من إبلٍ وبقرٍ وغنمٍ، أهليةٍ لا وحشيةٍ، ولا

стр. 878

ما تولد منها أيامَ النحر بسبب العيدِ، لا لنحو بيعٍ تقربًا إلى الله تعالى". (وَهِيَ) أي: الأُضحية (سُنَّةٌ مُؤَكَّدَةٌ) (١) لمسلمٍ تامِّ الملكِ (٢)، وأجمع المسلمونَ على مشروعيتها (٣)؛ لقوله تعالى: ﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ (٢)) (الكوثر: ٢)، قال جمعٌ من المفسرينَ: "المرادُ: التضحيةُ بعد صلاةِ العيدِ" (٤)، ولحديث ابن عباسٍ: أنَّ النبيَّ ﷺ قال: "ثَلَاثٌ كُتِبَتْ عَلَيَّ وَهُنَّ لَكُمْ تَطُوُّعٌ"، وفي رواية: "الْوِتْرُ وَالنَّحْرُ وَرَكعَتَا الفَجْرِ" رواه الدارقطنيُّ (٥)، ولقوله ﷺ : "مَنْ أَرَادَ أَنْ يُضَحِّيَ فَدَخَلَ العَشْرُ فَلَا يَأْخُذْ مِنْ شَعَرِهِ وَلَا بَشَرَتِهِ شِيْئًا" رواه مسلم (٦)، فعلّقَه على الإرادةِ، والواجبُ لا يعلق عليها. ورُوي: "أنه ﷺ ضحَّى بكَبشَينِ أَملَحَينِ أَقرَنَينِ (٧) ذَبحَهما بِيدِه وَسمَّى وكبَّر ووضعَ

стр. 879

رِجلَه عَلَى صفَاحِهِما (١) ". متفق عليه (٢). ويصحُّ ذبحَ أضحيةٍ عن ميتٍ كحيٍّ (٣). ولا يضحَّى عما في البطنِ (٤)؛ لأنه لا يَثبتُ لهُ أحكامُ الدنيا إلا في الإرثِ والوصيةِ، لكن يقالُ ما ذكرَ في الفطرةِ -أنه يسنُّ إخراجُ الفطرَةِ عنه- (٥). إلا أن يقال: ذلك لفعل عثمانَ (٦)، ولأن التعبدَ من زكاةِ الفطرِ الطهرُ، وما هُنا على الأصل. ذكره شيخُنا في "شرحه" (٧). (وَتَجِبُ) أي: الأضحيةُ (بِالنَّذْرِ) (٨)، (وَ) بتعيينه (بِقَوْلِهِ: "هَذه أُضْحِيَةٌ" أَوْ) بقولِه: "هذَا الهدْيُ أو هذهِ (للهِ) " ونحوِه، كـ: "لِلهِ عليَّ ذبحُه" (٩)؛ لاقتضائِه الإيجابَ، فترتبَ عليه مقتضَاه. ويتعين هديٌ بتقليدِه (١٠) النعلَ، والعُرَى (١١)، وآذانَ القِرَبِ (١٢)، بنيةِ كونه هديًا، أو بإشعارِه

стр. 880

بنيته (١). (وإذا تعيَّنتْ هدْيًا أو أضحِيَة لم يجزْ بيعُها ولا هبتُهَا (٢)؛ لتعلقِ حقِّ الله تعالى بهَا؛ كالمنذورِ عتقُه نذرَ تبرُّرٍ، إلا أن يبدِلَها بخيرٍ منها (٣)، وكذا لو نقلَ الملكَ فيها وشَرى خيرًا منها، جازَ (٤)، نصًا (٥)، واختاره الأكثر (٦)؛ لأن المقصودَ نفعُ الفقراءِ، وهو حاصلٌ بالبدل. ويجزُّ صوفَها وشعرَها ووبرَها إن كان جزُّه أنفعَ لها، ويتصدق به (٧)، وإن كان بقاؤُه أنفعَ لها لم يجُزْ جزُّه (٨)، ولا يشربُ من لبنِهَا إلا ما فضَل عن ولدِها (٩)]. (وَالأفضَلُ) في الهديِ والأضحيَةِ (الإبِلُ، فَالْبَقَرُ) إن أخرجَ كاملًا، (فَالغَنَمُ) (١٠)؛ لحديثِ أبي هريرةَ مرفوعًا: "مَن اغتَسَلَ يَوْمَ الجُمُعَةِ غُسْلَ الجَنَابَةِ ثُمَّ رَاحَ فِي السَّاعَةِ الأولَى فكأنَّما قرَّبَ بدنةً، ومنْ راحَ في الساعةِ الثانيةِ فكأنَّما قربَ بقرةً، ومن راحَ في الساعةِ الثالثةِ فكأنَّما قربَ كبشًا أمْلحَ، ومن راحَ في الساعةِ الرابعةِ فكأنما قربَ، دجاجةً، ومن راحَ في الساعةِ الخامسةِ فكأنَّما قربَ بيضةً". متفق عليه (١١)، ولأن البُدنَ أكثرُ ثمنًا ولَحمًا وأنفعُ للفقراءِ وقال "الموفق":

стр. 881

"الكبشُ في الأضحيةِ أفضلُ النَّعَم؛ لأنها أضحيةُ النبي ﷺ " (١). والأفضلُ من كلِّ جنسٍ أسمنُ، ثمَّ أغلى ثمنًا (٢)؛ لقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ﴾ (الحج: ٣٢) قال ابن عباس: "تعظيمُها: استسمانُها واستحسانُها" (٣). وأفضلُ الألوانِ الأشهبُ (٤) -وهو الأملحُ، وهو الأبيضُ النقيُّ البياضِ، أو ما فيهِ بياضٌ وسوادٌ وبياضُه أكثرُ من سوادِه (٥) -، فأصفر، فأسود (٦)؛ لقوله ﷺ : "دَمُ عَفْرَاء (٧) أَذْكَى عِنْدَ اللهِ مِنْ دَمِ سَوْدَاوَيْنِ". رواه أحمد (٨). وجَذعُ الضأن أفضلُ من ثنيِّ

стр. 882

معزٍ (١)، نصًا (٢). والأقرن أفضل (٣). وجَذَعٌ أو ثنيُّ معزٍ أفضلُ من سُبُعِ بدنةٍ، أو من سبعِ بقرةٍ (٤). وسبعُ شياهٍ أفضلُ من بدنةٍ أو بقرةٍ (٥)؛ لكثرةِ إراقة الدِّماءِ. والتعددُ في الجنسِ أفضلُ من المغالاة (٦). سئل الإمام أحمد: بدنتانِ بتِسْعَةٍ وبَدَنةُ بعشَرَةٍ؟ قال: "بدَنتَانِ أعجَبُ إليَّ" (٧). وذكرٌ كأنثى (٨)؛ لعموم قوله تعالى: ﴿لِيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ﴾ (الحج: ٣٤)، وقولِه تعالى: ﴿وَالْبُدْنَ جَعَلْنَاهَا لَكُمْ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ﴾ (الحج: ٣٦). (وَلَا تُجْزِئُ) الأضحيةُ ولا الهديُ (مِنْ غَيْرِ هَذِهِ الثلَاثَةِ) أصنافٍ (٩). (وَتُجْزِئُ الشَّاةُ عَنِ الوَاحِدِ وَعَنْ أَهْلِ بَيْتِهِ) مثل امرأتِه وأولادِه (وَعِيَالِهِ) مثل خدمِه (١٠)؛ لأن النبي ﷺ ذبَحَ كبشَينِ فقال: "بِسْمِ اللهِ، هَذَا عَنْ مُحَمَّدٍ وَأَهْلِ بَيْتِهِ"، وَقَرَّبَ الآخَرَ وقال: "بِسْمِ الله، اللَّهُمَّ هَذَا مِنْكَ وَلَكَ عَمَّنْ وَحْدَكَ مِنْ أُمَّتِي" (١١).

стр. 883

(وَتُجْزِئُ البَدَنَةُ وَالبَقَرَةُ عَنْ سَبْعَةٍ) (١)؛ لحديثِ جابرٍ قال: "نَحرْنَا بالحُدَيْبِيَةِ معَ النبي ﷺ البدنَةَ عنْ سبعَةٍ والبقَرَةَ عنْ سبعَةٍ". رواه مسلم (٢). وتعتبرُ نيتُهم عندَ الذبحِ (٣). وسواءٌ أرادَ جميعُهم القربةَ، أو بعضُهم أرادَ القربةَ والباقونَ اللحمَ (٤)، وكذا لو اختلفتْ جهاتُ القربةِ (٥) -كما لو أرادَ بعضُهمْ المتعةَ، وآخر القِرانَ، وآخر ترك الواجِب-، وكذا لو كانَ بعضُ الشركاءِ ذِمِّيًا (٦)، ولكلٍّ منهم ما نوى. وإن اشتركَ اثنانِ فأكثر إلى سبعةٍ وأوجبُوها لم يجزْ أن يشرِكُوا غيرَهُم (٧). وإن ذبحَها جماعةٌ عَلى أنهمْ سبعةٌ فبانُوا ثمانيةً ذبحوا شاةً وأجزأهم ذلك (٨). وإن اشتركَ اثنانِ في شاتينِ على الشُّيُوعِ (٩) جاز (١٠). (وَأَقلُّ) سنِّ (مَا يُجْزِئُ) في هديٍ واجبٍ

стр. 884

وأضحيةٍ (مِنَ الضأنِ) جَذَعٌ (١)، وهو (مَا لَهُ نِصْفُ سَنَةٍ) عن ستَةِ أشهرٍ كواملٍ (٢)؛ لحديث: "يُجْزِئُ الجَذَعُ مِنَ الضأنِ أُضْحِيَةً". رواه ابن ماجه (٣). ويُعرَفُ الجَذعُ بكونه أجْذَعَ بنومِ الصوفِ على ظهرِه (٤). (وَمِنَ المعزِ مَا لَهُ سَنَةٌ) كاملةٌ (٥). (وَمِنَ البَقَرِ وَالمجامُوسِ) (٦) -نوعٌ منهُ- ثنِي، وهو (مَا لَهُ سَنَتَانِ) كاملتَان (٧). (وَمِنَ الابِلِ مَا لَهُ خَمْسُ سِنِيْنَ) كوامِلَ (٨). (وَتُجْزِئُ) فِي الهدي والأضحيةِ (الجمَّاءُ) (٩) وهي الَّتي لم يخلَقْ لهَا قرنٌ (١٠).، (وَ) تجزئُ (البَتْرَاءُ) (١١) الَّذي (١٢) لَا ذنَبَ

стр. 885

لها خِلْقَةً أو مقطُوعًا (١)، (والخَصِيُّ) (٢) مَا قُطِعَ خصيتَاهُ أو سُلَّتَا (٣)، ومرضوضُ (٤) الخصيتين (٥)؛ لأن بذهابِ الخصيتَينِ يطيبُ اللحمُ ويسمنُ. (وَ) تجزئُ (الحَامِلُ) في ظاهرِ كلامِ الإمامِ والأصحَابِ (٦). (وَ) تجزئُ (مَا خُلِقَ بِلَا أُذُنٍ) (٧). (وَ) تجزئُ (مَا ذَهَبَ نِصْفُ إِلْيَتِهِ) فـ (ـــــأ) قل (٨)، (وَ) ما ذهبَ نصفُ (أُذُنِهِ) فأقلُّ (٩) (وتجزئُ التي بعينِها بياضٌ لا يمنعُ النظرَ) (١٠). و (لا) تجزئُ في الهديِ والأضحيةِ العوراءُ الـ (بَيِّنَةُ العَوَرِ) (١١)، وهيَ (الَّتِي انْخَسَفَ عَيْنُهَا)؛ للخبرِ (١٢). (وَلَا) تجزئُ (العمياءُ (١٣)، وإن لم يكن عماهَا بين) (١٤) كـ (قائِمَةِ العَيْنَيْنِ مَعَ ذَهَابِ إِبْصَارِهِمَا) (١٥)؛ لأنَّ النهيَ عن العوراءِ تنبيهًا (١٦) على النهيِ عنِ

стр. 886

العمياءِ. (ولا) تجزئُ الـ (ــــعجْفَاءُ) التي لَا تُنْقِي (١) -بضمِّ التَّاِء، وسكونِ النُّونِ، وكسرِ القافِ: من أنقَتِ الإبلُ إذا سمِنَتْ وصار فيها نِقْيٌ، وهو مخُّ العظْم وشحْمُ العَينِ من السمن (٢) قاله في المطلع (٣) -، (وَهِيَ) أي: العجفاءُ (الهَزِيْلَة الَّتِي لَا مُخَّ فِيْهَا (٤). وَلَا) تجزئ الـ (ــــــعرْجَاءُ) التي (لَا تُطِيْقُ مَشْيًا مَعَ صَحِيْحَةٍ) (٥)، (وَلَا بَيِّنَةُ المَرَضِ) (٦)؛ لحديث البراءِ بنِ عازِبٍ (٧) قال: قامَ فينَا رسُولُ الله ﷺ فقال: "أَرْبَعٌ لَا تَجُوزُ فِي الأَضَاحِي: العَوْرَاءُ البَيِّنُ عَوَرُهَا، وَالمَرِيْضَةُ البَيِّنُ مَرَضُهَا، وَالعَرْجَاءُ البَيِّنُ ظَلْعُهَا، وَالعَجْفَاءُ التِي لَا تُنْقِي" رواه أبو داود (٨). فإن كانَ على عينِها بيَاضٌ ولم تذهبِ العَينُ أجزأتْ (٩)؛ لأنَّ عورَها ليسَ بين (١٠)، ولا ينقصُ به لحمُها.

стр. 887

ولا تجزئُ جَدَّاءٌ (١) -وهي الجَذْبَاء التي شابَ ونشفَ ضرعُها (٢) -؛ لأنها في معنى العجفاءِ، بل أَولى. (وَلَا) تجزئُ الـ (ــــــهتْمَاءُ) (٣) (-وَهِيَ الَّتِي ذَهَبَتْ ثَنَايَاهَا مِنْ أَصْلِهَا-) (٤). (وَلَا) تجزئُ الـ (ـــــــعصْمَاءُ) (٥) (-وَهِيَ الَّتِي انْكَسَرَ غِلَافُ قَرْنِهَا) (٦)، قاله في "المستوعبِ" (٧)، و"التلخيص" (٨) -. (وَلَا) يجزئُ (خَصيٌّ

стр. 888

مَجْبُوبٌ) (١) نصًا (٢)، والخَصي المجبوبُ: الّذي قطعَت خُصْيتَاه، أو سُلَّتَا أو رُضَّتَا مع ذكَرِه. (وَلَا) يجزئُ (عَضْبَاءٌ) (٣) (- وَهِيَ مَا ذَهَبَ أكثَرُ أُذُنِهَا أَوْ) ذهبَ أكثرُ (قَرْنِهَا-) (٤)؛ لحديث عَلِي قال: "نَهى النَّبي ﷺ أَنْ يُضَحَّى بأعْضَبَ الأُذُنِ وَالقَرْنِ". قال قَتَادَة (٥): فذكرتُ ذلكَ لسعيدِ بن المسيَّب (٦) فقال: "العَضْبُ: النصفُ فأكثرُ". رواه الخمسة (٧). ويكرهُ معيبةُ الأذنِ والقرنِ بخرْقٍ، أو شَقٍّ، أو قطعٍ لنصف منهما فأقل (٨).

стр. 889

تتمة: لو أوجبَ بهيمةَ الأنعامِ ناقصةً -كما لو نذرَها معيبةً بعَوَرٍ ونحوِه- لزمَه ذبحُهَا (١)، لكن لا تجزئُه عن الأضحيةِ الشرعيةِ، ويثابُ على ما يتصدَّقُ منها (٢). وإن حدثَ بالأضحيةِ عيبٌ كالعَمى ونحوِه أجزأَه ذبحُها، وكانت أضحية (٣). فائدة -من "حاشية الإقناع "-: "من عَدِمَ ما يُضَحِّي به اقرَضَ وضحَّى، مع القدرةِ على الوفاء. ذكره في الاختيارات (٤) " (٥). ويأتي في العقيقةِ مثلُه. (فصلٌ) (ويُسَنُّ نَحْرِ الإبِلِ قَائِمَةً) معقولةً يدُها اليُسرى (٦)، بأن يطعُنَها بنحوِ حرْبَةٍ في الوهْدَةِ (٧) -وهي بينَ أصلِ العُنُقِ والصَّدر (٨) -، لحديثِ زيادِ بن جُبَير (٩) قال: "رأَيْتُ ابنَ عُمَرَ أتَى عَلى رَجُلٍ أَنَاخَ بدَنةً ليَنحَرَها، فقال: ابعَثْهَا قَائِمَةً

стр. 890

مُقَيَّدَةً" سُنَّةَ محمَّدٍ ﷺ ". متفق عليه (١)، وفي قوله تعالى: ﴿فَإِذَا وَجَبَتْ جُنُوبُهَا﴾ (الحج: ٣٦) دليلٌ على أنَّها تُنحَرُ قائِمةً. وإن خشِيَ أن تنفِرَ أناخَها (٢). (وَ) يسن (ذَبْحُ بقَرٍ وَغَنَمٍ) (٣) (عَلَى جَنْبِهَا الْأَيْسَرِ) (٤)؛ لقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً) (البقرَة: ٦٧) (مُوَجَّهَةً إِلَى الْقِبْلَةِ) (٥)، ويجوزُ العكسُ -من ذبحِ الإبلِ ونحرِ البقرِ والغنم- (٦)؛ لأنه لم يتجاوَز محلَّ الذبْحِ، ولحديث: "مَا أَنْهَرَ الدَّمَ وَذُكِرَ اسْمُ اللهِ عَلَيْهِ فَكُلْ" (٧). (ويُسَمِّي) وجوبًا (حِيْنَ يُحَرِّكُ يَدَهُ بالْفِعْلِ) (٨)، وتسقطُ التسميةُ سهوًا (٩). (وَيُكَبِّرُ) ندبًا، بأن يقول: "الله أكبر" (١٠). ((وَ) يسنُّ أن (يَقُولَ: "اللَّهُمَّ هَذَا لَكَ وَمِنْكَ" (١١)؛ لما في حديث ابن عمر: "بِسْمِ الله، وَاللهُ أَكْبَرُ، اللَّهُمَّ هَذَا مِنْكَ وَلَكَ". رواه أبو داود (١٢). ولا بأسَ أن يقول: "اللَّهُمَّ تَقَبَّلْ منْ

стр. 891

فُلانٍ" (١)؛ لحديث: "اللَّهُمَّ تَقَبَّلْ مِنْ مُحَمَّدٍ وَآلِ (٢) مُحَمَّدٍ وَأمّةِ مُحَمَّدٍ" ثمَّ ضحَّى. رواه مسلم (٣). ويذبحُ واجبًا -إن كانَ- قبلَ نفلٍ (٤). وسُنَّ إسلامُ ذَابِحٍ (٥)، وتولِّي الذبْحِ بنفسِهِ أفضلُ (٦)، نصًا (٧)؛ للأخبارِ (٨). وتجوزُ الاستنابةُ فيه (٩). وسُنَّ أن يحضرَ إن وكَّلَ (١٠). ويعتَبر نيةُ الموكِّلِ في حالِ التوكيل، أو عندَ الذبحِ (١١)، ما لم يكن عيَّنَ الهديَ أو الأضحيةَ (١٢)؛ لأنه يُكتفَى بالتعيين. ويصحُّ توكيلُ ذِميٍ في الذبحِ، مع الكراهة (١٣). (وَأَوَّلُ وَقْتِ الذَّبْح) لأضحيةٍ، وهديِ نذرٍ أو تطوعٍ، أو متعةٍ، أو قرانٍ (مِنْ بَعْدِ أَسْبَقِ صَلَاةِ العِيْدِ بِالبَلَدِ) (١٤) -بعدَ دخولِ وقتها، وهوَ: بعد ارتفاعِ الشمسِ قيدَ رمحٍ- الَّذِي يصلِّي فيه، ولو قبلَ الخطبةِ (١٥). (أَوْ قَدْرِهَا) أي: بقدرِ الصلاةِ (لِمَنْ لَمْ يُصَلِّ) يعني: لمن كانَ بمحلٍ لا تصلَّى فيه، كأهل البوادي من أهل الخيام ونحوهِم (١٦)؛ لحديث: "مَنْ ذَبَحَ قَبْلَ أَنْ يُصَلِّي فَلْيُعِدْ مَكَانَهَا أُخْرَى" (١٧). (فَلَا

стр. 892

تُجْزِئُ) أي: الأضحيةُ، وكذا: هديُ النذرِ والتطوعِ، والمتعةِ، والقران، (قَبْلَ ذَلِكَ) أي: قبل الصلاةِ (١). فإن فاتَتْ صلاةُ العيدِ بالزَّوالِ (لعذرٍ أو غيره) في موضعٍ تصلَّى فيه -كالقُرَى والأمصارِ- ضحَّى عندَ الزوالِ فما بعدَه (٢)؛ لفواتِ التبعيةِ بخروجِ وقتِ الصلاة. تنبيه: قد أطلقَ أكثرُ الأصحاب قدرَ الصلاةِ، فقال الزركشي (٣): "يحتملُ أن يُعتبرَ ذلكَ بمتوسطِ الناس" (٤)، وقال أَبو محمَّد -يعني: الموفَّقَ-: "اعتُبِرَ قدرُ صلاةٍ وخطبةٍ تامَّتينِ في أخفِّ ما يكونُ" (٥). انتهى. (وَيَسْتَمِرُّ وَقْتُ الذَّبْحِ) أي: ذبحِ الأضحيةِ، وهديِ النذرِ والتطوعِ، والمتعةِ، والقرانِ (نَهَارًا وَلَيْلًا إِلى آخِرِ ثَانِي أيَّام التشريقِ) فأيامُ النحرِ ثلاثة: يومُ العيد، ويومَان بعدَه (٦)، قال أحمد: "أيَّامُ النَّحرِ ثَلَاثةٌ عنْ غَيرِ وَاحِدٍ منْ أَصحَابِ رسُولِ الله ﷺ " (٧)، وفي "الإيضاح": "يستمرُّ الذبحُ إلَى آخرِ أيامِ التشريقِ" (٨). وأفضلُ الذبحِ: أولُ يومٍ من دخولِ وقتِه، (أثم ما يليه، ثم ما بعده) (٩). والأفضلُ أن يكونَ بعدَ الخُطبتَينِ، وبعد ذبحِ الإمامِ (١٠). ويكرَه ذبحُ الأضحيةِ والهديِ ليلًا (١١)؛ خروجًا من خلافِ من قالَ بعدمِ الإجزاءِ فيهما (١٢). ووقتُ ما

стр. 893

وجبَ من الدماءِ بفعلِ محظورٍ -كلُبسٍ، وطِيبٍ، وحلقِ رأسٍ، ونحوِه- من حينِ وجوبِه، وإن أرادَ فعلَ المحظورِ لعذرٍ وذبَحَ قبلَ الفعلِ جازَ، وكذا ما وجبَ لتركِ واجبٍ في حجٍ وعمرة، وقتُه: من حينِ تركِه الواجبَ (١). (فَإِنْ فَاتَ الوَقْتُ) بمضي ثاني أيامِ التشريقِ (قَضَى الوَاجِبَ، وَسَقَطَ التَّطَوُّعُ) بخروج وقتِ الذبحِ (٢). تتمة: من اشترى معِيبًا يَجهَلُه وكانَ قد عيَّنَه بأن قال: "هذَا هدْيٌ أوْ أضحِيَةٌ" ملَكَ الردَّ إذا علِمَه (٣)، وإن كانتْ معيَّنَةً وولدَتْ، ذبَحَ ولدَها تبعًا لها (٤). (وَسُنَّ لَهُ) أي: للمُهدِي تطوُّعًا، وللمضحِّي (الأكْلُ مِنْ هَدْيِهِ التَّطَوُّعِ) (٥)، (وَمِنْ أُضْحِيَتِهِ، وَلَوْ) كانتِ الأضحيةُ (وَاجِبَةً) بأن كانت منذورةً (٦)؛ لقولِه تعالى: (فَكُلُوا مِنْهَا﴾ (الحج: ٢٨)، وأقل أحوالِ الأمر الاستحبابُ، والنبي ﷺ أكلَ من بُدْنِهِ (٧) (٨). وقال جابر: "كُنَّا لَا نأكُلُ مِن بُدُنِنَا فَوقَ ثَلَاثٍ، فرَخَّصَ لَنا النَّبي ﷺ فقال: "كُلُوا وَتَزَوَّدُوا" فأكلْنَا وتَزَوَّدْنا". رواه البخاري (٩). (وَيَجُوزُ) الأكلُ (مِنْ دَمِ

стр. 894

المُتْعَةِ وَ) من دمِ (القِرَانِ) (١)؛ لأنَّ أزواجَ النَّبي ﷺ تمتَّعْن معهُ في حَجَّة الوداعِ، وأدخلَتْ عائشةُ الحجَّ على العمرةِ فصارتْ قارنةً، ثم ذبحَ عنهُن النبيُّ ﷺ البقرَ، فأكلْنَ من لحومِها (٢). (وَيَجِبُ أَنْ يَتَصَدَّقَ) من ذلكَ (بِأقلِّ مَا يَقَعُ عَلَيْهِ اسْمُ اللَّحْمِ) (٣)، كالأوقيَّة (٤). (وَيُعْتَبَرُ تَمْلِيْكُ الفَقِيْرِ) بما يقعُ عليهِ اسمُ اللَّحمِ، (فَلَا يَكْفِي إِطْعَامُهُ) منها (٥). فإن لم يتصدقْ بشيءٍ منها ضمِنَ أقلَّ ما يقعُ عليهِ اسمُ اللّحمِ بمثلِه لحمًا (٦)؛ لأنَّ ما أبيحَ له أكلُه لا تلزمُه غرامتُه، وإنما يلزمُه مثلُ ما أتلفَهُ بما وجبتْ الصدقةُ به؛ لأنه حقٌّ يجبُ عليهِ أداؤُه معَ بقائِه، فلزمتْه غرامتُه إذا أتلفَه؛ كالوديعةِ. (وَالسُّنَّةُ أَنْ يَأكلَ مِنْ أُضْحِيَتِهِ ثُلُثَهَا وَيُهْدِي ثُلُثَهَا وَيَتَصَّدَقَ بِثُلُثِهَا) (٧)؛ لما رويَ عن ابن عمر: "الضحَايا والهَدَايَا ثُلُثٌ لَكَ، وَثُلُثٌ لأهلِكَ، وثُلُثٌ للمساكين" (٨)، ولقولِه تعالى: ﴿فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْقَانِعَ وَالْمُعْتَرَّ﴾ (الحج: ٣٦) - فالقانع: السائلُ، يقال: قَنَعَ قُنُوعًا إذا سأَلَ، والمعتَرُّ: الذي يعتريكَ، أي: يتعرَّضُ

стр. 895

لك لتطعمَه، ولا يسأل (١) - (٢)، فذكر الثلاثةَ أصنافٍ، ومطلقُ الإضافةِ يقتضي التسويةَ. ويستحبُّ أن يتصدقَ بأفضلِهَا (٣)؛ لقوله تعالى: ﴿وَلَا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ﴾ (البقرة: ٢٦٧). وأنَّ ما يُهدي الأوسطَ، ويأكلُ الأدونَ (٤). قال (٥) في "الإقناع": "وكانَ من شعَارِ الصَّالحِينَ تنَاوُلُ لقمَةٍ من كَبدِهَا أو غيرِها؛ تبركًا" (٦). تنبيه: إن كانتِ الأُضحيةُ ليتِيمٍ فلا يتصدقُ الوليُّ عنهُ، ولا يُهدِي منها شيئًا، ويوفرُها لهُ (٧)؛ لأنه ممنوع من التبرعِ من ماله. (وَيَحْرُمُ بَيْعُ شَيءٍ مِنْهَا) أي: منَ الذبيحةِ، هديًا أو أضحيةً، (حَتَّى مِنْ شَعْرِهَا وَجِلْدِهَا) وجُلِّهَا (٨)، (وَلَا يُعْطِي الجَزَّارَ بِأُجْرَتِهِ مِنْهَا شَيْئًا) (٩)؛ لحديثِ علي قال: "أمَرَني رسُولُ الله ﷺ أن أقُومَ، عَلَى بُدْنِه وأنْ أقْسِمَ جُلُودَهَا وجِلَالَهَا، وأن لا أُعطِيَ الجزَّارَ منهَا شيئًا، وقال: "نَحْنُ نُعْطِيْهِ مِنْ عِنْدِنَا" متفق عليه (١٠). -والجِلالُ: جمع جُل -بضمِّ الجيم- وهو الجُلُّ الذي يوضَعُ على ظهرِ البعيرِ (١١) -

стр. 896

(وَلَهُ إِعْطَاؤُهُ) أي: إعطاءُ الجزَّارِ من ذلكَ (صَدَقَةً وَهَدِيَّةً) (١)؛ لأنه في ذلكَ كغيرِه، بل هو أولى؛ لأنه باشرَها وتاقتْ نفسُه إليهَا. وللمضحِّي والمُهدي الانتفاعُ بجلدِ الأضحيةِ والهديِ (٢). قال في "الشرح": "لا خلَافَ في جوازِ الانتفاعِ بجلودِها؛ لقولهِ ﷺ : "لَا تَبِيعُوا لُحُومَ الأَضَاحِي والهَدْي وَتَصَدَّقُوا وَاسْتَمْتِعُوا بِجُلُودِهَا" (٣)، وإن عيَّن هدْيًا أو أضحِيَةً ذبحَها بعد تعْيينِها وأجزَأَتْهُ (٤). وإن تلفَتْ أو عابَتْ بفِعلِه أو تفرِيطِه لزمَه البدلُ (٥)؛ كسائرِ الأماناتِ. وكذا يلزمُه البدلُ إن تعيبَ أو تلفَ أو سُرِقَ ونحوهُ إذا كانَ عينه عن واجبٍ في ذمتِه (٦). تتمة: لو ضحَّى اثنانِ كلٌّ بأضحيةِ الآخرِ عن نفسِه غلَطًا كَفَتْهُما، ولا ضمانَ، استحسانًا (٧)،

стр. 897

والقياسُ: يضمنُ ضررَها (١). ذكره القاضي وغيرُه (٢). ونقلَ الأثرم وغيرُه في اثنينِ ضحَّى هذَا بأُضحيةِ هذا: "يترَادَّانِ اللَّحمَ" (٣). ويجزئُ ولو فرقَ كلٌّ منهما لحمَ ما ذبحَه (٤)؛ لإذنِ الشرعِ في ذلكَ. تنبيه: ليس لمنْ نحرَ بدلَ معطوب أو معيبٍ أو ضالٍّ أو مسروقٍ وجَدَهُ ونحوَه استرجاعٌ إلى ملكِه، بل يذبحُه (٥)؛ لما روي عن عائشةَ أنها أهدَتْ هَدْيَينِ فأضلَّتْهُما فبعثَ إليها ابنُ الزبيرِ (٦) بهديَّتَينِ فنحَرَتْهُما، ثم عادَ الضالَّانِ فنحرَتْهُما، وقالت: "هَذِه سُنَّةُ الهدْيِ". رواه الدارقطني (٧). وهذا ينصرفُ إلى سنَّةِ رسولِ الله ﷺ ، ولأنه تعلقَ حقُّ الله تعالى بهما بإيجابِهما على نفسِه، فلمْ يسقطْ بذبحِ بدلِهما. ونقل في "الإقناع": قال شيخ الإسلام -الشيخُ تقيُّ الدين ابنُ تيميةَ- تغمدَه الله تعالى برحمتِه-: "الأضحيةُ من النفقةِ بالمعروفِ، فتضحِّي المرأةُ من مالِ زوجها عنْ أهلِ البيتِ بلا إذنِه عند غيبتِه" (٨). ويحرمُ بيعُ الجلدِ، للخبر، وكذا بيعُ شيءٍ منهَا، ولو كانتْ تطوُّعًا (٩)؛ لأنها تعيَّنتْ بالذبحِ. ومن ذبحَ معيَّنةً -أضحيةً كانت أو هدْيًا- في

стр. 898

وقتِها بغير إذنِ ربِّها، ونواهَا عن ربِّها، أجزأتْ، ولا ضمانَ عليه (١). وإن علِمَها وذبحَهَا عن نفسه، فلا تجزئ، ويضمنُ ما بينَ القيمتينِ -من قيمتِهَا صحيحةً ومذبوحةً- (٢)، وإن فرَّقَ اللَّحمَ ضمِنَ قيمتَهَا صحيحةً، ولم تجزئْ واحد (٣) منهُما (٤). ومن اشتبهتْ عليهِ أضحيةُ غيرِه بأضحيتِه، وكذا هديٌ وذبحَها عن نفسِه أجزأت عن ربِّها، ولا ضمان عليه (٥)، ما لم يفرِّق اللحمَ (٦). (وَإِذَا دَخَلَ العَشْرُ) من ذي الحجةِ -وهوَ من غُرَّتِه إلى يومِ العيد- (حَرُمَ عَلَى مَنْ) يريدُ أن (يُضَحِّيَ أَوْ يُضَحَّى عَنْهُ أَخْذُ شَيءٍ مِنْ شَعْرِهِ أَوْ ظُفْرِهِ) (٧) (إِلَى) حينِ (الذَّبْح) في وقتِه (٨)؛ لحديثِ أمِّ سلمةَ (٩) مرفوعًا: "إِذَا دَخَلَ العَشْرُ وَأَرَادَ أَحَدُكُمْ أَنْ يُضَحِّيَ فَلَا يَأْخُذْ مِنْ شَعْرِهِ وَلَا مِنْ ظُفْرِهِ شَيئًا حَتَّى يُضَحِّيَ". رواه مسلم (١٠). وأمَّا ما ورد من حديثِ عائشةَ قالت: "كنتُ أفتِلُ قلائدَ هديِ رسولِ الله ﷺ ثمَّ يقلدُها بيدِه، ثمَّ يبْعَثُ بهَا وَلَا يحرُمُ علَيْهِ شيءٌ أحلَّهُ الله لَهُ حتَّى يُنحَرَ الهديُ". متفق عليه (١١). أجيب عنه: بأنه في إرسالِ الهديِ لا في التضحيةِ، وأيضًا: حديثُ

стр. 899

عائشةَ عامٌّ، وحديثُ أمِّ سلمةَ خاصٌّ (١)، فيحمَلُ العامُّ علَيه، وأيضًا: فحديثُ أمِّ سلمةَ من قولِهِ ﷺ ، وحديثُ عائشةَ من فعلِه، وقولُه ﷺ مقدَّمٌ على فعلِه؛ لاحتمال الخصوصيَّةِ. قال في "الإقناع": "فإن فعلَ" بأنْ أخذَ شَيئًا من شعْرِهِ أو ظفرِه "تابَ"، أي: من ذلكَ الفعلِ؛ لأنه ذنبٌ، والتوبةُ واجبةٌ من كل ذنب (٢). قال شيخنا -رحمه الله تعالى- في "شرحه على الإقناع": "قلت: وهذا إذا كانَ لغيرِ ضرورةٍ. وإلَّا فَلا إثمَ؛ كالمُحرِم، وأولَى" (٣). وليس عليه فِديَةٌ سواءٌ فعلَه عمدًا أو سهوًا (٤). (وَيُسَنُّ حَلْقٌ بَعْدَهُ) أي: بعدَ الذبح (٥). قال أحمد: "على ما فعلَه ابنُ عمرَ تعظيمًا لذلكَ اليومِ" (٦)، ولأنه (كان) (٧) ممنوعًا من ذلكَ قبلَ أن يضحِيَ، فاستُحِبَّ له ذلكَ بعدَه كالمُحرِم. (فَصْلٌ) في: الْعَقِيقَةِ وهي النسيكةُ، وهي الَّتي تذبحُ عن المولودِ (٨). قال أبُو عُبَيدٍ (٩): "الأصلُ في العقِيقةِ: الشَّعرُ الَّذي عَلَى المولُودِ، ثم إنَّ العربَ سمَّتِ الذَّبِيحَةَ عندَ حلقِ الشَّعرِ -شعرِ

стр. 900

المولُودِ- عقيقةً على عادَتِهم في تسميةِ الشيءِ باسمِ سببِه" (١)، وقالَ الإمامُ أحمد: "إنما العقيقة الذبحُ نفسُه" (٢)، ووجهُه: أنَّ أصلَ العق القطع، ومنه: عقَّ والدَيهِ إذا قاطَعَهما، والذبحُ: قطعُ الحُلْقُوم (٣)، والمريء (٤)، والوَدَجَين (٥). انتهى (٦). وقيل: العقيقةُ الطعامُ الذي يُصنعُ ويُدعَى إليهِ من أجلِ المولودِ (٧). (وَهِيَ) أي: العقيقةُ (سُنَّةٌ) مؤكَّدةٌ (٨) (فِي حَقِّ الأَبِ (٩) وَلَوْ) كانَ (مُعْسِرًا) (١٠). قال الإمامُ أحمد: "العقيقةُ سُنَّةٌ عن رسُولِ الله ﷺ ، قَدْ عَقَّ عنِ الحسَنِ (١١)

стр. 901

وَالحسَينِ (١)، وفعَلَهُ أصحَابُه (٢)، وقال ﷺ : "الغُلَامُ مُرْتَهَنٌ بِعَقِيْقَتِهِ" (٣). ومن جعلَها من أثرِ الجاهليةِ فلأنَّه لم يبلغْه ما وردَ فيهَا من الأحاديثِ" (٤). (فَعَنِ الغُلَامِ شَاتَانِ) متقاربتانِ سنًّا وشبَهًا (٥)، (وَعَنِ الجَارِيةِ) أي: الأنثى (شَاةٌ) (٦)؛ لحديثِ أم كُرْزٍ الكَعْبِيَّة (٧) قالت: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "عَنِ الغُلَامِ شَاتَانِ

стр. 902

مُتَكَافِئَتَانِ وَعَنِ الجَارِيَةِ شَاةٌ" (١). وفي لفظٍ آخر: "عَنِ الغُلَامِ شَاتَانِ مِثْلَانِ، وَعَنِ الجَارِيَةِ شَاةٌ" رواه أبو دَاود (٢). وإن تعذَّرَتَا -الشاتانِ- عن الغُلامِ وأمكنَ شاةٌ، فشاةٌ واحدة (٣)، فإن لم يكنْ عندَه ما يعُقُّ اقترضَ وعقَّ (٤)، قال الإمام أحمد -رضي الله تعالى عنه-: "أرجُو أنْ يُخلِفَ اللهُ علَيهِ؛ أَحْيَا سُنَّةً" (٥). قال الشيخ: "محلُّهُ لمنْ لهُ وفاءٌ" (٦)، وإلا فلا يقترضْ؛ لأنه إضرارٌ بنفسِه. ولا يعقُّ غيرُ الأب (٧). ولا يعُقُّ المولودُ عن نفسِه (٨)، وقيل: يعُقُّ، واختارَه جمعٌ استحبابًا إذا لم يكنْ عقَّ والدُه عنه (٩)؛ لأنه ينبغِي له أن يَشرَعَ في فِكاكِ نفسِهِ. وقالَ الشيخ: "يعقُّ عن اليتيمِ منْ مالِه" (١٠)؛ كالأضحِيةِ، بل هذه أولى؛ لأنه مرتهنٌ بها بخلافِ الأضحية. (وَلَا تُجْزِئُ بَدَنَةٌ وَبَقَرَة إِلَّا كَامِلَةٌ) (١١)؛ لعدمِ ورودِه في

стр. 903

الجبر (١). قال في النهاية: "وأفضلُها شاهَ" (٢). (وَالسُّنَّةُ ذَبْحُهَا) أي: العقيقةُ (فِي سَابِعِ يَوْمٍ) من يومِ (وِلَادَتِهِ) (٣)؛ لحديثِ سمُرَة قال: قال رسُولُ الله ﷺ : "كُلّ غُلَامٍ رَهِيْنَةٌ بِعَقِيْقَتِهِ تُذْبَحُ عَنْهُ يَوْمَ سَابِعِهِ، وَيُسَمَّى" -أي: المولودُ فيه، أي: في يومِ السابع- "وَيُحْلَقُ رَأْسُهُ" -أي: رأسُ المولودِ فيه-. رواهُ أهل السنن كلهم، وقال الترمذي: "حدِيثٌ حسنٌ صحيح" (٤). ولا يعتبرُ التمليكُ في العقيقةِ (٥)؛ لأنها سرورٌ حادثٌ فتشبه الوليمةَ، بخلاف الهدي والأضحيةِ. قال في "المستوعبِ" وفي "عيونِ المسائل" (٦): "تُذبَحُ ضَحْوةً" (٧)، قال شيخنا: "لعلَّهُ تفاؤلًا" (٨). ولا يجوزُ الذبحُ قبلَ السابعِ (٩)؛ لتقدمِها

стр. 904

على سببِها. والتسميةُ للأبِ مع وجودِه، وفي "الرعاية": "يسمى يومَ الولادةِ" (١)؛ لحديثِ مسلمٍ قال ﷺ : "وُلِدَ لِيَ بِاللَّيْلَةِ مَوْلُودٌ فَسَمَّيْتُهُ بِاسْم أَبِي إِبْرَاهِيْم" (٢) (فَإِنْ فَاتَ) فعلُ الذبحِ، والتسميةِ، وحلقِ الرأسِ في يومِ السابعِ (فَفِيْ أَرْبَعَةَ عَشَرَ) من يومِ ولادتِه. (فَإِنْ فَاتَ) الذبح أيضًا (فَفِي أَحَدٍ وَعِشْرِيْنَ) من ولادتِه (٣). (وَلَا تُعْتَبَرُ الأَسَابيْعُ بَعْدَ ذَلِكَ)، فيَعقُّ في أي يومٍ كان (٤). (وَكُرِهَ لَطْخُهُ) أي: المولود (مِنْ دَمِهَا) أي: دمُ العقيقةِ (٥)، لقوله ﵊: "مَعَ الغُلَامِ عَقِيْقَةٌ فَهَرِيْقُوا عَنْهُ دَمًا وَأَمِيْطُوا عَنْهُ الأذَى". رواه أبو داود (٦)، وهذا يقتضي أن لا يُمسَّ بدمٍ، لأنه أذىً. ويستحبُّ أن لا يكسرَ عظمَ العقيقةِ (٧)، لقولِ عائشةَ: "السُّنَّةُ شَاتَانِ مكَافِئتَانِ عنِ الغُلامِ، وعنِ الجَارِيةِ شَاةٌ يُطبَخُ جُدُولًا، لَا يكسَرُ لَها عَظمٌ" (٨) - الجدْلُ:

стр. 905

العُضْو، بدالٍ مهملَةٍ - (١)، والحكمةُ فيهِ: أنها أولُ ذبيحةٍ عنِ المولودِ فاستُحِبَّ فيها ذلكَ؛ تفاؤلًا بالسلامةِ، كذلك قالت عائشة. وطبخُها أفضلُ من إخراجِ لحمِها (٢)، وطبخُ العقيقةِ أفضلُ من إخراجِ لحمِها (٣)، نصَّ عليه (٤). فتطبخُ بماءٍ وملحٍ (٥). قيل للإمامِ أحمد: فإن (٦) طُبخَتْ بشيءٍ آخرَ؟ فقال: "مَا ضَرَّ ذَلِكَ" (٧). قال في "المنتهى" وغيره: "ويكونُ منه بِحُلْوٍ" (٨). قال في "المستَوعب": "ويستحَبُّ أن يُطبَخَ منها طَبيخٌ بحُلوٍ تفاؤلًا بحَلاوةِ أخلاقِه" (٩)، وجزمَ به في الرِّعَايتَينِ والحاوِيينِ (١٠). قال العلامةُ أبو بكرٍ (١١) في كتابه "التنبيه" (١٢): "ويستحبُّ أن يعطِيَ القابلةَ (١٣) منهَا فخِذًا؛ لما

стр. 906

روى أبو دَاود أن النَّبي ﷺ قال في العقيقةِ الَّتي عقَّتْها فاطمةُ (١) عن الحسنِ والحُسَينِ: "أَنْ يَبعَثُوا إلى القَابِلَةِ بِرِجْلٍ، "وَكُلُوا وَأَطْعِمُوا وَلَا تَكْسِرُوا مِنْهَا عَظْمًا" (٢). وحكمُ العقيقةِ حكمُ الأضحيةِ في أكثرِ أحكامِها، فلا تجزئُ فيها إلا ما تجزِئُ في أضحيَةٍ، وكذا فيما يجبُ ويكرهُ، وفي أكلٍ وهديةٍ وصدقةٍ وذكاةٍ (٣)؛ فلا يجزئُ إخراجُهَا حيَّةً (٤)، لكن يباحُ بيعُ جلودِهَا ورأسِهَا وسواقطِهَا، ويتصدقُ بثمنِها (٥)، بخلافِ الأضحيةِ؛ لأن الأضحيةَ أدخلُ منها في التعبدِ. والذَّكَرُ أفضلُ في العقيقةِ (٦)؛ لأن النبي ﷺ عقَّ عنِ الحسنِ والحسَينِ بكبشٍ (٧). ويقولُ عند ذبحِهما: "بسْمِ الله،

стр. 907

اللَّهُمَّ لَكَ وإلَيكَ، هذِهِ عقِيقَةُ فُلَانٍ" (١)؛ لحديثِ عائشةَ: قال ﷺ : "اذبحُوا عَلَى اسْمِهِ، فَقُولُوا: بِسْمِ اللهِ اللَّهُمَّ لَكَ وَإِلَيْكَ هَذِهِ عَقِيْقَةُ فُلَانٍ" (٢). رواه ابن المنذر (٣). (وَيُسَنُّ الأذانُ فِي أُذُنِ المَوْلُودِ اليُمْنَى) ذكرًا كان أو أنثى (حِيْنَ يُولَدُ)، (وَ) يسنُّ (الإقَامَةُ فِي) أذنهِ (اليُسْرَى) (٤)؛ لحديثِ ابن (٥) رافعٍ (٦)، قال: "رأيتُ رسولَ الله ﷺ أذَّنَ في أذُنِ الحسنِ بنِ علِيٍّ حينَ ولدَتْهُ فاطمَةُ". رواه أبو داود (٧)

стр. 908

[وفي رواية عنِ ابنِ عباس: "أن النَّبي ﷺ أذَّنَ في أُذُنِ الحَسَنِ بنِ عَلِيٍّ يومَ وُلدَ وَأقَامَ فِي أُذُنُهِ اليُسْرَى" (١)،، وعنِ الحسنِ بنِ علِيٍّ مرفوعًا: "مَنْ وُلدَ لَهُ مَوْلُودٌ فَأَذَّنَ فِي أُذُنِهِ اليُمْنَى وَأَقامَ فِي أُذُنِهِ اليُسْرَى رُفِعَتْ عَنْهُ أُمُّ الصِّبْيَان (٢) " (٣). ويُسنُّ أن يُحنِّكَ (٤) المولودُ بتمرةٍ (٥) -أن تمضَغَ ويُدلَكَ بها داخلُ فمِهِ ويُفتَحُ فمُهُ حتى ينزِلَ إلى جوفِه منهَا-؛ لما في الصحيحينِ عن أبي موسى (٦) قال: "وُلدَ لي غُلامٌ فأتَيتُ به النَّبي ﷺ فسمَّاه إبرَاهِيمَ وَحنَّكَهُ بتَمْرَةٍ" (٧). (وَيُسَنُّ أَنْ يُحْلَقَ رَأْسُ الغُلَامِ) لا الأنثى (فِي اليَوْم السَّابِعِ) (٨)، (وَ) يسن أن (يُتَصَدَّقَ بِوَزْنِ) شعرِ حلاقتـ (ــــــه فِضَّةٌ) (٩)؛ لحديثِ سمُرَةَ أنه ﷺ قالَ لفاطمةَ لمَّا ولدَتِ الحسَنَ: "اِحْلِقِي رَأسَهُ وَتَصَدَّقِي بِوَزْنِ شَعْرِهِ فِضَّةً عَلَى المَسَاكِيْنِ وَالأَوْفَاضِ". رواه أحمد (١٠). والأوفاضُ

стр. 909

هم: أهل الصُّفَّة (١). رواه أحمد (٢). (وَيُسَمَّى) المولودُ. (فِيْهِ) أي: في اليومِ السابع (٣)؛ لحديث سمُرَة المتقدِّم (٤). والتسميةُ للأب، فلا يسمِّيه غيرُه مع وجودِه (٥)، وفي "الرعاية": "يسمَّى المولودُ يومَ الوِلادَةِ" (٦)؛ لحديثِ مسلم في قصَّةِ ولادةِ إبراهيمَ (٧) ابنِه ﵊، قال ﷺ : "وُلدَ لِيَ اللَّيْلَةَ مَوْلُودٌ فَسَمَّيْتُهُ بِاسْمِ أَبِي إِبْرَاهِيْمَ" (٨). ويُسنُّ أن يحسِّنَ اسمَهُ (٩)؛ لقولِه ﷺ : "إِنَّكُمْ تُدْعَوْنَ يَوْمَ القِيَامَةِ بِأَسْمَائِكُمْ وَأَسْمَاءِ آبَائِكُمْ فَأَحْسِنُوا أَسْمَاءَكُمْ". رواه أبو داود (١٠).

стр. 910

(وَأَحَبُّ الْأَسْمَاءِ) إلى الله: (عَبْدُ الله، وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ) (١)، رواه مسلمٌ مرفوعًا (٢). وكلُّ ما أضيفَ إلى اسمٍ من أسماءِ الله تعالى فحسنٌ (٣). (وَتَحْرُمُ التَّسْمِيَةُ بِعَبْدِ غَيْرِ اللهِ) تعالى (٤). قال ابن حزم (٥): "اتفقُوا -يعني: أهلَ العلم- على تحريمِ كلِّ اسمٍ معبَّدٍ لغيرِ الله تعالى" (٦)، (كَعَبْدِ النَّبِيِّ، وَعَبْدِ المَسِيحِ) ونحوِه. قال ابن القيم (٧): "وأمَّا قولُه ﵊: "أَنَا ابْنُ عَبْدِ المطَّلِبِ" (٨) فليسَ من باب إفشاءِ التسميةِ، بل من بابِ الإخبَارِ باسمِ الذي عُرِفَ بهِ المسمى، والأخبار بمثلِ ذلكَ على وجهِ تعريفِ المسمَّى لا يحرُمُ؛ فبابُ الإخبارِ أوسعُ من بابِ الإنشَاءِ" (٩). وكذا يحرمُ التسميةُ بسيدِ الناسِ، وسيدِ الكلِّ، كما يحرمُ بسيدِ ولدِ آدمَ (١٠). ويجوزُ التكنيةُ بأبي فلانٍ وأمِّ فلانة (١١). ويحرمُ من الألقابِ ما لم يقعْ على مخرجٍ صحيحٍ (١٢)؛ لأنه كذبٌ. على التأويلِ في "كمَالِ الدِّينِ" و"شرفِ الدِّينِ": أن

стр. 911

الدينَ كمَّلَهُ وشرَّفَه. قاله يحيى بن هبيرة (١). ولا يُكرَه التكني بـ "أبي القاسِمِ" بعد موته ﷺ (٢)، وصوَّبَه في "الفروعِ" (٣). قال في "الهدي" (٤): "والصوابُ: أن التكنِّي بكنيتِهِ ممنوعٌ، والمنع في حياتِهِ أشد، والجمعُ بينهُما -أي: بينَ اسمِه وكنيتِه- ممنوعٌ". انتهى (٥). قال شيخنا: "فظاهرُه التحريمُ" (٦)، ويؤيدُه حديث: "لَا تَجْمَعُوا بَيْنَ اسْمِي وَكُنْيَتِي" (٧). ويحرُمُ أن يقالَ لمنافقٍ أو كافرٍ: "يا سيدي" (٨)، وكذا بداءَتُه بالسلام كما يأتي، لما فيه من تعظيمه. (وَتُكْرَهُ) تسميةُ العبدِ (بِحَرْبٍ، ويَسَارٍ،

стр. 912

ومُبَاركٌ، وَمُفْلِحٌ، وخَيْرٌ، وسُرُورٌ) ونافعٌ، ونجِيحٌ، وبَرَكةٌ، ويَعْلَى، ومُقبِلٌ، ورافِعٌ، ورَبَاحٌ، وعَاصٍ، وشِهَابٌ، ورسولٌ (١)، وكذا ما فيه تزكيةٌ -كالتقيِّ، والزَّكيِّ- (٢)؛ لما تقدم عن ابن هبيرةَ (٣)؛ لأنه ربما كان للتشاؤمِ والتطيرِ (٤). ومن الأسماء المكروهةِ: التسمية بأسماءِ الشياطينِ، كوَلهَانَ، والأعورِ، والأجدَع، ونحوِه (٥). وأيضًا -من الأسماء المكروهة-: التسميةُ بأسماءِ الفراعنة والجبَابرَةِ (٦). ويستحبُّ تغييرُ الاسمِ القبيحِ (٧). و (لَا) تكرَهُ التسميةُ (بِأسْمَاءِ المَلَائِكَةِ وَالأنبِيَاءِ)، كإبراهيمَ، ونوحٍ، وصالحٍ، ومحمدٍ (٨) -صلى اللهُ وسلَّمَ عليهِ، وعلَى جميع الأنبياءِ والمرسلينَ- وشَبَهِها؛ لحديث: "تَسَمَّوا بِاسْمِي وَلَا تَكَنَّوا بِكُنْيَتِي" (٩). روى أبو نعيم (١٠) قال الله

стр. 913

تعالى: "وَعِزَّتِي وَجَلَالِي لَا أُعَذِّبُ أَحَدًا يُسَمَّى بِاسْمِكَ فِي النَّارِ" (١). ولا يكرَه أن يسمي بياسين، وطه (٢). وأما ما يذكرهُ العوَامُّ أن "يس" و "طه" من أسماء النبي ﷺ فغير صحيح، ليسَ في ذلك حديثٌ صحيحٌ ولا حسنٌ، ولا مرسل، ولا أثرٌ عن صاحبٍ. قال في "الفصول": "ولا بأسَ بتسميةِ أسماءِ النجومِ بالعربيةِ؛ كالحملِ، والثَّور، ونحوِه" (٣). (وَإِنِ اتَّفَقَ وَقْتُ عَقِيْقَةٍ وَأُضْحِيَةٍ أَجْزَأَتْ إِحْدَاهُمَا عَنِ الأُخْرَى) مقتضى ما ذكره المصنفُ: أن أحدَهما تجزئُ عن الأخرى من غيرِ نيةٍ، كما مشى عليه صاحبُ "المنتهى" (٤). وأما صاحبُ "الإقناع" اعتبرَ النيةَ (٥)، كما اعتبرهَا العلامةُ ابنُ القيمِ في كتابه "تحفَةُ المودُودِ فِي أحكامِ المولُودِ" (٦). وقال الفهَامة شمسُ الدِّينِ محمدُ بن القيِّمِ في "تحفَةِ المودُودِ" -أيضًا-: "كما لو صلَّى ركعتينِ ينوي بهِما تحيَّةَ المسجِدِ وسُنَّةً مكتوبةً أو صلَّى بعدَ الطوافِ فرضًا أو سُنَّةً مكتوبةً وقعَ عنه وعنْ ركعتِي الطوافِ، وكذلكَ لو ذبحَ المتمتعُ أوالقارنُ شاةً يومَ النحرِ أجزأَ عن دمِ المتعةِ أو القرانِ وعنِ الأضحيةِ". انتهى (٧). وفي معنَاه: إذا اجتمَعَ هديٌ

стр. 914

وأضحيةٌ (١). واختار شيخُ الإسلامِ -الشيخُ تقيُّ الدينِ-: "لا تضحيةَ بمكةَ، وإنما هو الهديُ" (٢). تتمة: قال في "الشرح": "ورَوَيْنَا أن رجلًا قال لرجلٍ عندَ الحسنِ (٣) -رضي الله تعالى عنه- يهنِّيهِ بابنٍ: لِيَهْنِكَ الفارِسُ، فقال الحسنُ: "وما يُدرِيكَ أفَارِسٌ هو أو حمَارٌ؟! " فقال: كيف يقول؟ قال: "قل: بُورِكَ في الموهُوبِ، وشكرْتَ الواهِبَ، وبَلَغَ أشُدَّهُ، ورُزِقتَ به" (٤)؟. * * *

стр. 915

(كِتَابُ الجِهَادِ) ختمَ به العباداتِ؛ لأنه أفضلُ تطوعِ البدنِ. وهو مشروعٌ بالإجماع (١)؛ لقولِه تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ﴾ (البقرة: ٢١٦)، إلى غير ذلكَ، وبفعلِه ﵊ وأمرِه به (٢)، روى مسلم: "مَنْ مَاتَ وَلَمْ يَغْزُ وَلَمْ يُحَدِّثْ نَفْسَهُ بِالْغَزْوِ مَاتَ عَلَى شُعْبَةٍ مِنَ النِّفَاقِ" (٣). وهو -أي: الجهاد- مصدر جَاهَدَ جِهَادًا أو مجاهَدَةً، من جَهَدَ: إذا بالغَ في قتلِ عدوِّه. فهو لغة: "بذلُ الطاقةِ والوسْعِ" (٤). وشرعًا: "قتالُ الكفارِ، خاصَّة" (٥)، بخلاف قتال المسلمينَ، من البُغاةِ، وقطاعِ الطريقِ، وغيرهم، فبينَه وبينَ القتالِ عمومٌ مطلق. (وَهُوَ فرضُ كفايةٍ) إذا قامَ به من يكفِي سقطَ وجوبُه
следующие страницы →