стр. 946
← Фикх ханбали следующие страницы →
Фикх ханбали · id 30058
مسلك الراغب لشرح دليل الطالب - ت الهزاني وإدريس
إبراهيم العوفي الصالحي
Полный текст (1 279 стр.). Показаны 946–985 · переход к 951.
стр. 947
الإمامِ؛ يحرمُ القتلُ، ويخيرُ الإمامُ بينَ رِق، ومَنٍّ، وفداءٍ. صححه الموفقُ (١)، والشارحُ (٢)، وصاحبُ "البلغة" (٣)، وجزمَ به في "الكافي" (٤)، وقدَّمه في "الفروع" (٥). قال في "التنقيح": "وهو المذهبُ" (٦). ولا يفرَّقُ بنحوِ بيعٍ أو هبةٍ بينَ ذوِي رحمٍ محرَّمٍ، إلا بعتقٍ، أو بافتداءِ أسيرٍ مسلمٍ بكافر من ذوِي رحمٍ - فلا يحرمُ التفريقُ إذن لتخليصِ المسلمِ من الأسرِ -، أو ببيعٍ، ونحوِه فيما إذا ملكَ أختَين ونحوَهما، ووطِئَ أحدهما، وأرادَ وطءَ الأخرَى، جازَ له بيعُ الموطوءةِ، فيستبيحُ
стр. 948
وطءَ الأخرَى (١)؛ لأنه محل حاجةٍ. ومن أسلمَ من الكفارِ قبلَ أسرِه فلا يخيَّرُ الإمامُ فيه (٢)؛ لأنه كمسلمٍ أصلي. ولا يُفدَى الأسيرُ بخيلٍ ولا سلاحٍ؛ لما فيهِ منَ الإعانةِ على المسلمينَ، ولا بمكاتبٍ، وأمّ ولدٍ (٣). ويفادَى بثيابٍ وعُروضٍ ونقودٍ (٤).
تتمةُ هذا المحل يأتي بعده فينظر فيه (٥).
إذا حصرَ إمامٌ أو أميرُه حصنًا لزمَه فعل الأصلح في اجتهاده (٦)، من: مصابرَته - أي: الصبرِ حتى يفتحَ الله عليهِ - (٧)، ومن موادعتِهِ (٨) بمال - وهي المهادنةُ - (٩)، ومن هدنةٍ بلا مالٍ (١٠) بشرطِها المعلومِ -كما يأتي في بابها (١١) -، جملةً أو كلَّ عامٍ (١٢). ويجبَانِ إن سألوهُما - أهلُ الحصنِ - في الموادعةِ بمال
стр. 949
والهدنةِ بغيرِه، وكان ذلك مصلحة، من إعلاءِ كلمةِ الإسلام، وصغَارٍ للكفرة (١). وله الانصرافُ بدونِه إن رآهُ ضررًا، أو يئس منه (٢). وإن قالَ أهَلُ الحصنِ: ارحلُوا عنَّا وإلا قتلْنَا أسرَاكم الذي عندَنا، فلْيرحلُوا، وجوبًا (٣)، لنجاة الأسرى. ويَحرِّزُ من أسلمَ منهُم دمَه ومالَه حيثُ كان، في الحصنِ أو خارجَه (٤)، لحديث: "أُمِرْتُ أَنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ .. " الخبر (٥)، ولو كانَ الذي أسلمَ مالُه منفعةُ إجارةٍ (٦). ويحرزُ أيضًا أولادَه الصغِارَ (٧)؛ للحكم بإسلامِهِم تبعًا له. ولهُ حملُ امرأتِه إلى دارِ الإسلامِ، ولكن ليسَ له إحرازُ امرأَتِه (٨)؛ لأنها لا تتبعُه في الإسلامِ. ويجوزُ استرقاقُها كغيرِها (٩)، ولَا ينفسخُ نكاحُها برقِّها (١٠).
وإن نزلَ أهلُ حصنٍ على حكمِ مسلمٍ أو أكثرَ حرٍّ، مكلَّفٍ، عدلٍ، مجتهِدٍ في الجهادِ، ولو أعمى، جاز (١١)، ويكون الحكم فيهِم على ما اجتمعَا أو ما اجتمعُوا
стр. 950
عليه (١). ويلزمُ المنزولَ على حكمِه أن يحكمَ بالأحظِّ لنَا، من قتلٍ، أو رِقٍّ، أو مَنٍّ، أو فداءٍ (٢). وحكمُه معمولٌ به (٣)؛ لأنه ﷺ لما حاصرَ بني قريظةَ رضُوا بأن ينزلُوا على حكم سعدِ بن معاذٍ (٤)، فأجابَهم لذلكَ، فحكمَ فيهِم بقتلِ مقاتِلَتِهم، وسبْي ذراريِّهم (٥). وليسَ للإمامِ نقضُ حكمِه (٦)، لكن له المنُّ على منْ حكمَ بقتلِه أو رِقِّهِ أو فدائِه (٧)؛ لأنه أخفُّ الثلاثةِ، إذا رآه مصلحةً. ولهُ قَبولُ فداءٍ ممَّن حكمَ بقتلِه أو رقِّه (٨)؛ لأنه أخفُّ منهُما، لأن ذلك حقٌّ للإمام. وإن أسلمَ من حُكِمَ بقتلِه أو رقِّه (٩) عصمَ دمَه فقط، دون مالِه وذريتِه (١٠). ولا يسترَقُّ (١١)، لأنه أسلمَ قبلَه. وإن سألُوا - أهلُ الحصنِ - الأميرَ أن ينزلَهم على حكم الله تعالَى، لزمَه أن ينزلَهم، ويخيَّرُ فيهم كأسرَى (١٢).
ولو خرجَ أو نزلَ من الحصنِ عبدٌ إلى المسلمينَ بأمانٍ، فهو حُرٌّ (١٣)؛
стр. 951
للخبر (١). ولو جاءَ عبدٌ إلى المسلمينَ مسلمًا وأَسَرَ هوَ سيدَه الحربيَّ (٢)، أو أسرَ عبدَ سيدِه، فهو حُرٌّ، والأسيرُ له (٣). وإن أسلمَ عبدٌ بدارِ الحربِ، ثمَّ أقامَ به، فهو رقيقٌ باقٍ على رقِّه (٤)، استصحابًا للأصل. ولو لحِقَ بنا عبدٌ مسلمٌ فجاءَ سيدُه بعدَه مسلمًا، لم يُرَدَّ العبدُ له (٥)، لسبقِ الحكمِ بحريةِ العبدِ حينَ جاءَ إلينا مسلمًا. فلو كانَ بالعكسِ، فالعبدُ لمولاه (٦)، لعدمِ زوالِ ملكِه عنه. فلو هربَ من عندنَا لدارِ الحرب، ثم جاءَ بمالٍ، فالقِنُّ لسيدِه، والمالُ فيءٌ للمسلمينَ (٧).
(وَيُحْكَمُ بِإسْلَامِ مَنْ لَمْ يَبْلُغْ مِنْ أَوْلَادِ الكُفَّارِ) - حملًا، أو طفلًا، أو مميزًا - (٨)، وذلك (عِنْدَ وُجُودِ أَحَدِ) شيءٍ من (ثَلَاثَةِ أَسْبَابٍ) من ذلك.
(أَحَدُهَا) أي: أحدُ الأسبابِ: (أَنْ يُسْلِمَ أَحَدُ أَبَوَيْهِ) سواء كانَ بدارِنَا، أو دارِ الكفرِ (٩)، (خَاصَّةً) أي: مخصوصٌ ذلكَ بأحدِ الأبوينِ، بخلافِ لو أسلمَ جدٌّ أو جدَّةٌ ونحوُهما، فلا يحكم بإسلامه (١٠).
(الثَّانِي) من الأسباب: (أَنْ يُعْدَمَ أَحَدُهُمَا) أي: أحدُ أبوَيهِ (بِدَارِنَا) أي: دارِ الإسلامِ (١١). وأما لَوماتَ أحدُ أبوَيهِ بدارِ الكفرِ، فلا يُحكمُ بإسلامِه
стр. 952
بموتٍ أو غيرِه. كأن زنَتْ كافرةٌ بمسلمٍ أو كافرٍ فأتتْ بولدٍ بدارِنا فيحكمُ بإسلامِه (١)، نصًا (٢). وكذا لو اشتبَهَ ولدُ مسلمٍ بولدِ كافرٍ (٣)، أو بلغَ ولدُ الكافرِ مجنونًا (٤). وإسلامُ المجنونِ المذكورِ؛ لعدمِ آلةِ قبولِه التهوُّدَ ونحوَه من أبوَيه.
(الثَّالِثُ) من الأسبابِ: (أَنْ يَسْبِبَهُ) أي: من لم يبلغْ (مسلمٌ) بأن يكونَ (مُنْفَرِدًا) المسبيُّ عن (أَحَدِ أَبَويْهِ)، فيحكمُ بإسلامِه (٥)، لأنَّ التبعيةَ انقطعَت، فيصيرُ تابعًا لسابِيه في دينه. (فَإِنْ سَبَاهُ) - أي: من لم يبلغْ - منفردًا أو معَ أحدِ أبويهِ (ذِمِّيٌّ فَعَلَى دِيْنِهِ) أي: دينِ مسبيه، كمسلمٍ (٦). (أَوْ سُبِيَ) من لم يبلغْ (مَعَ أَبَوَيْهِ فَـ) ـــالمسبيُّ (عَلَى دِيْنِهِمَا) أي: دين أبوَيه (٧)، لبقاءِ تبعيَّتِه لوالديه. وإن بلغَ من حُكمَ بإسلامِه ممن ذُكِرَ، عاقلًا، ممسكًا عن الإسلامِ والكفرِ، فيقتلُ قاتلُه (٨)؛ لأنه محكومٌ بإسلامِه.
ولا ينفسخُ نكاحُ الزوجينِ إذَا استُرِقَّا معًا، ولو كانَ كلُّ واحدٍ منهما استرقَّه رجلٌ (٩). ولَا يحرُمُ التفريقُ بينهما في القسمةِ ولا في البيعِ (١٠). وكذا لا ينفسخُ إذا سبيَ الزوجُ وحدَه (١١)، بخلافِ لو سبيَتِ الزوجةُ وحدَها انفسخَ نكاحُها وحلَّت لسابِيها (١٢).
стр. 953
تتمة: يحرمُ أن يفرَّقَ بينَ ذوِي رحمٍ محرَّمٍ ببيعٍ أو هبةٍ، ولا يصحُّ (١)، كأبٍ وابنٍ وأمٍّ، وكأخوَينِ، وكعمٍّ وابنِ أخيه، وخالٍ وابنِ أختِه، ولو بعدَ البلوغِ (٢)؛ لحديث: "مَنْ فَرَّقَ بَيْنَ وَالِدَةٍ وَوَلَدِهَا فَرَّقَ اللهُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ أَحِبَّتِهِ يَوْمَ القِيَامَةِ" حسنه الترمذي، وقال: "غريب" (٣)، وعن عليٍّ قالَ: وهبَ لي رسولُ الله ﷺ غلامَين أخوَين، فبعْتُ أحدَهما. فقال رسولُ الله ﷺ : "مَا فَعَلَ غُلَامُكَ؟ " فأخبرتُه، فقالَ: "رُدَّهُ" رواه الترمذي، واستحسنه، وقال: "غريب" (٤). وتحريمُ التفريقِ بينَ الوالدين؛ لما بينهُما من الرحِم المحرَّم، فقيسَ عليهِ التفريقُ بينَ كلِّ ذي رحمٍ محرَّم. قال شيخُنا في "شرحِه على المنتهى": "وعُلمَ منه جوازُ التفريقِ بينَ نحوِ ابنَي عمٍّ، أو ابنَي خالٍ، وبينَ أمٍّ من رضاعٍ وولدهَا منه، وأختٍ من رضاعٍ وأخيها؛ لعدم النص" (٥). إلا بعتقٍ؛ فيجوزُ التفريقُ به (٦). وكذا يجوزُ افتداءُ أسيرٍ مسلمٍ بكافرٍ من ذوي رحمٍ (٧). ويجوزُ بيعُ أحدِ الأختَينِ المملوكتَين ونحوِهما - كامرأةٍ وعمتِها أو
стр. 954
خالتِها -، إذا وطِئَ إحداهما وأرادَ وطءَ الأخرَى لاستباحةِ وطئِها (١)؛ لأنَّه محلُّ الحاجة. ومن باعَ من الأسرى عددًا معتقدًا نسبًا يمنعُ التفريقَ بدونِ ثمنِ المثلِ، فبانَ عدمُه، لهُ الفسخُ، واسترجاعُهم إن وُجدوا، (أو فضْلُ التفريقِ إن اختارَه ورضيَ المشتري، وإن لم يوجدوا) (٢).
(فصل)
يلزمُ الإِمامَ أو نائبَه والجيشَ الإخلاصُ للهِ تعالى في الطاعاتِ (٣). ويستحبُّ أنْ يدعوَ سرًّا بحضورِ قلبٍ (٤)؛ لما في حديثِ أنسٍ قال: كانَ رسولُ الله ﷺ إذا غزَا قال: "اللَّهُمَّ أَنْتَ عَضُدِي وَنَصِيْرِي بِكَ أَحُولُ وَبِكَ أَصُولُ وَبِكَ أقَاتِلُ " رواه أبو داود (٥). وكانَ جماعةٌ - منهم الشيخُ تقيُّ الدينِ - يقولُه عندَ قصدِ مجلسِ علمٍ (٦).
ويجبُ على الإمامِ تعاهدُ المجاهدِينَ، والخيلِ، ممَّنْ فيهِ صبرٌ على الحرب وقوةٌ وانتفاعٌ ونحوُه (٧). ومنْعُ من لا يصلحُ لحربِ، ومن يكاتبُ الكفارَ بأخبارِنا، ومنافقٍ، ومفتنٍ، وصبيانٍ، ونساءٍ (٨)، إلا امرأةَ الأميرِ (٩)؛ لحاجتِه، وإلا عجوزًا؛ لسقيِ ماءٍ، ونحوِه (١٠). وتحرمُ الاستعانةُ بكفارٍ، إلا
стр. 955
لضرورةٍ (١). قال في "المستوعب": "وأفضلُ السرايَا أربعمِائةٍ، والعسكرُ أربعةُ آلافٍ" (٢). ويسيرُ برفقٍ، إلا لحاجةٍ، ويُعرِّفُ عليهمُ العرفاءَ (٣)، ويعقدُ لهمُ الألويةَ البيضَ (٤). وفي "المحرر": "أيَّ لونٍ شاء" (٥). قال في "المطالع" (٦): "اللواءُ: راية لا يحملُها إلا صاحبُ جيشِ الحربِ، أو صاحبُ دعوةِ جيشٍ" (٧). ويعقدُ لهمُ الراياتِ (٨)، وهي: أعلامٌ مربعةٌ (٩). وللمقاتلِ لُبسُ علامةٍ كريش نعامٍ (١٠). ويلزمُ الإمامَ أن يحفظَ المكامنَ (١١)، ويبعتْ لأخد أخبارِ
стр. 956
العدوِّ (١)، للتمكنِ منَ الفرصةِ، ويمنعَ جيشَه من المحرَّم، ومن التشاغلِ بالتجارةِ (٢)، ويشاورَ ذا رأيٍ (٣)، ويصفُّهم (٤).
وللإمام أن يعطيَ زيادةً على السهمِ عندَ دخولِ أرضِ العدوِّ، إذا بعثَ سريةً تغِيرُ، فيجعل لها الربعَ فأقلَّ، بعد الخمسِ (٥). ويجوزُ أن يعملَ مالًا (معلومًا من بيت المال)، لمن يعملُ ما فيهِ نفعٌ للمسلمينَ، ومن مال الكفار، ولو مجهولًا (٦)، بشرطِ أن لا يجاوزَ ثلثَ الغنيمةِ بعدَ الخمسِ (٧). ولوْ جعلَ جاريةً معينةً منهم؛ فإن ماتَتْ فلا شيءَ له (٨)، وإنْ أسلمَتْ - وهيَ أمةٌ - أخذَهَا (٩)، كحُرَّةٍ أسلمَتْ بعدَ فتحٍ، إلا أن يكونَ المجعولُ له كافرًا، فله قيمتُها إذا أسلمَت، كحُرَّةٍ أسلمت قبلَ الفتحِ (١٠). ويقاتلُ الإِمامُ - أهلَ الكتابِ والمجوسَ (١١) حتى يسلمُوا، أو يعطُوا
стр. 957
الجزيةَ (١). ولا يَقبلُ من غيرِهم إلا الإسلامَ (٢).
تتمة: ويلزمُ الجيشَ الصبرُ والنصحُ والطاعةُ (٣). ويحرمُ أن يحتطبَ ونحوَه، أو يخرجَ من عسكرٍ، أو يتعجلَ بغيرِ إذنِ الأميرِ (٤). فلو طلبَ كافرٌ البِرازَ سُنَّ لمن يعلمُ أنه كفؤٌ البِرازُ بإذنِ الأميرِ (٥). فإنْ انهزمَ المسلمُ أو أُثخِنَ بجراحٍ، فلكلِّ مسلمٍ الدفعُ عنه، ورميُ الكافرِ، وقتلُه (٦).
(فَصلٌ)
(وَمَنْ قَتَلَ قَتِيلًا فِي حَالَةِ الحَرْبِ) منَ الكفارِ، ولو كانَ المبارزَ (٧)، (فَلَهُ سَلَبُهُ) (٨)، سواءٌ كانَ البرازُ بإذنِ الإمامِ، أولم يكنْ، كما قطع به في "المغني" (٩). وفي "الإرشاد" (١٠): "إن بارزَ بغيرِ إذنِ الإمامِ، فَلا يستحِقُّ السلَبَ" (١١)؛ لحديثِ أنَسٍ، وسمرةَ: أن النبي ﷺ قال: "مَنْ قَتَلَ قَتِيْلًا فَلَهُ سَلَبُهُ" (١٢). ولا يكونُ
стр. 958
من خُمسِ الخمسِ (١). ولو كانَ القاتلُ للكافرِ عبدًا بإذنِ سيدِه، أو امرأةً، أو كافرًا بإذنِ الإمامِ، أو صبيًا (٢)؛ لعمومِ الحديث. (وَهُوَ) أي: السلبُ: (مَما عَلَيْهِ) أي: ما على المقتولِ (مِنْ ثِيَابٍ وَحُلِيٍّ وَسِلَاحٍ) فلهُ أخذُه، قل السلبُ أو كثُرَ (٣). (وَكَذَا) لهُ أخذُ (دَابَّتِهِ الَّتيَ قَاتَلَ عَلَيْهَا، وَمَا عَلَيْهَا) مِنْ آلَتِهَا تبعًا لهَا (٤)؛ لأنها من السلبِ؛ لحديثِ عوفِ بنِ مالِكٍ (٥). (وَأَمّا نَفَقَتُهُ، وَرَحْلُهُ، وَخَيْمَتُهُ، وَجَنِيْبُهُ) أي:
стр. 959
الدابةُ التي لم يكنْ راكبَها حالَ القتالِ (١)، (فَـ) ــــهو (غَنِيْمَةٌ) (٢). ولو قطعَ مسلمٌ أربعةَ كافرٍ، فسلبُه لهُ (٣). بخلافِ ما لو قطعَ يدًا ورِجلًا من الكافرِ وقتلَه آخر (٤)، أو أسرَه إنسانٌ فقتله الإمامُ (٥)، أوِ اشتركَ اثنانِ وأكثرُ في قتلِه، فسلبُه غنيمةٌ (٦).
ويحرمُ غزوٌ بلا إذنِ الأميرِ، إلا أن يفْجَأَهُمُ عدُوٌّ، ويخافونَ كلبَه (٧) - بفتحِ اللامٍ، أي: شرَّه (٨) -. وإن دخلَ أحدٌ دارَ حربٍ بلا إذنِ إمامٍ فغنيمتُهم فيءٌ (٩). ومن أخذ من دارِ الحربِ شيئًا فهو غنيمةٌ (١٠)، ومنْ أخذَ من دارِ حربٍ طعامًا - ولو سكَّرًا -، أو شرابًا ونحوَه، أو علَفًا، ولو بلا إذنِ أميرٍ، ولا حاجةَ فلهُ أكلُه، ولهُ علفُ دابَّته، ويردُّ ما فضلَ عن ذلكَ (١١).
(وَتُقَسَمُ الغَنِيْمَةُ):
وهيَ مشتقةٌ من الغُنْمِ، وهو: الربحُ (١٢). واصطلاحًا: "ما أُخِذَ من مالِ حربيٍّ
стр. 960
قهرًا"، فخرجَ بذلكَ: ما يؤخذُ من أموالِ أهلِ الذمةِ من جزيةٍ أو خراجٍ ونحوه. "بقتالٍ"، فخرجَ بذلكَ: ما تركُوه فزعًا، وما يُؤخَذ منهم من العشْرِ إذا اتَّجروا إلينا، ونحوه. "ومَا أُلحِقَ به" (١) (أي:) (٢) بما يُؤخذُ قهرًا (٣)، كفديةِ أسرى، وهديةِ حربيٍّ لأميرِ الجيش (٤). والأصلُ فيها: قولُه تعالى: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ﴾ الآية (الأنفال: ٤١)، وقولُه تعالى: ﴿فَكُلُوا مِمَّا غَنِمْتُمْ حَلَالًا﴾ (الأنفال: ٦٩)، وصحَّ أنه ﷺ قسمَ الغنائمَ (٥) (٦). وكانتْ في أولِ الإسلامِ خاصةً لرسولِ الله ﷺ ؛ لقولِه تعالَى: (يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَنْفَالِ) الآية (الأنفال: ١)، ثمَّ صارَت أربعةُ أخماسِها للغانمينَ، وخُمُسَها لغيرهِم (٧). والغنائمُ لم تحل إلا لهذهِ الأمةِ؛ لأنها كانتْ تنزلُ نارٌ من السماءِ تأكلُها. متفق عليه لحديثِ أبي هريرة (٨).
стр. 961
ويكونُ قَسْمُ الغنيمةِ بعدَ دفعِ مالٍ وُجِدَ فيها من مالِ مسلمٍ أو ذميٍّ (١)، ومن أجرةِ حملٍ … (٢) (٣) (بَيْنَ الغَانِمِيْنَ) وهُم: من شهدَ الوقعةَ من أهلِ القتالِ، إذا كانَ قصدُه الجهادَ، قاتلَ أو لم يقاتلْ (٤). ولا يسهَمُ لمن لم يستعدَّ للقتالِ، من تجارٍ، وخدمٍ، وصُنَّاعٍ (٥)، ولمن نهَى الإمامُ عن حضورِه، ولمخذِّلٍ، ومرجِفٍ - ولو تركَا ذلك - (٦)، ولمريضٍ عاجزٍ عن القتالِ - كالزَّمِنِ، والمفلوجِ (٧) والأشلِّ - ولا لخيلهم (٨). غيرَ: محمومٍ، ومن به صداعٌ ونحوُه (٩)، (فَيُعْطَى لَهُمْ) أي: للغانمينَ (أَرْبَعَةُ أَخْمَاسِهَا (١٠)؛ لأن الله تعالى لما جعلَ لنفسِه الخمسَ في الآيةِ المتقدمةِ - وهو قولُه تعالى: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ﴾ (الأنفال: ٤١) - فُهِمَ منه أن الأربعةَ أخماسٍ للغانمينَ؛ لأنه أضافَها، كقولِه تعالى: ﴿وَوَرِثَهُ أَبَوَاهُ فَلِأُمِّهِ الثُّلُثُ﴾ (النساء: ١١) فُهمَ منه أن الباقي للأبِ. (لِلرَّاجِلِ) أي: الماشي،
стр. 962
مسلمًا كان أو كافرًا قاتلَ بإذنِ الإمامِ (١) (سَهْمٌ) واحدٌ بغيرِ خلافٍ (٢)؛ لأنه لا يحتاجُ إلى ما يحتاجُ الفارسُ من الكلفَةِ. وإن أعطَى الإمامُ لأحدٍ نفْلًا - أي: زائدًا عن سهمِه - لمصلحةٍ، فيعطِيه من هذهِ الأربعةِ أخماسٍ (٣).
(وَللْفَارِسِ) الذي (عَلَى فَرَسٍ هَجِيْنٍ) وهو ما أبُوهُ فقط عربيٌّ (٤)، أو "مُقْرِفٌ"، وهو ما أمُّه فقط عربيةٌ (٥)، وللفارسِ الذي على فرسٍ "بِرْذَونٍ"- بكسرِ أوَّله - (٦) وهو ما كان أبَواه نَبَطِيان (٧)، (سَهْمَانِ) سهمٌ للفارسِ، وسهمٌ لفرسِه (٨). (وَ) للفارسِ الذي (عَلَى فَرَسٍ عَرَبِيٍّ) ويسمَّى "العتيقُ"- قاله في "المطلعِ" وغيرِه (٩) -؛
стр. 963
لخلوصِه ونفاستِه (١)، (ثَلَاثةُ) أسهمٍ، سهمٌ للفارسِ، وسهمانِ لفرسِه (٢)؛ لحديثِ مكحول (٣): "أن النبيَّ ﷺ أعطَى الفرسَ العربيَّ سهمَينِ، وأعطى الهَجِينَ سهمًا" رواه أبو داود (٤)، ولحديثِ ابنِ عمرَ: "أنَّ النَّبي ﷺ أسهمَ يومَ خيبرَ للفَارِسِ ثَلَاثةَ أسهمٍ، سَهمانِ لفرَسِهِ، وسهمٌ له" متفق عليه (٥). وإن غزَا اثنانِ على فرسِ، فالسهمُ بينهُما، وسهمُ الفرسِ على قدرِ ملكِهما (٦). (وَلَا يُسْهَمُ لِغَيْرِ الخَيْلِ) (٧)؛ لأنه لم ينقلْ عنه ﷺ أنه سهَمَ لغيرِ الخيلِ، ولم تخلُ غزاةٌ من غزواتِه من الإبلِ، وهي غالبُ دوابِّهم، ولو أسهمَ لها لنُقِلَ، وكذا أصحابُه ﵊ من بعدِه، ولأنه
стр. 964
لا تصلحُ الإبلُ للكَرِّ والفَرِّ. ولا يسهَم لأكثر من فرسَين (١)، فيعطَى صاحبُها سهمٌ ولفرسَيه العربيَّتَين أربعةُ أسهمٍ، وغيرِ العربئتين سهمَين (٢)؛ لحديثِ الأوزاعيِّ (٣): "أنَّ رسولَ الله ﷺ كانَ يسهِم للَخيلِ، وكان لا يسهِم لرجلٍ فوق فرسَينِ وإن كانَ معه عشرةُ أفراسٍ" (٤)؛ لأن للمقاتلِ حاجةٌ … (٥).
(وَلَا يُسْهَمُ) لمنْ قاتَلَ (إِلَّا لِمَنْ) كانَ (فِيْهِ أَرْبَعَةُ شروطٍ)، أحدُها: (الْبُلُوْغُ. وَ) الثاني: (العَقْلُ. وَ) الثالثُ: (الْحُرِّيَّةُ. وَ) الرابعُ: (الذُّكُورَةُ) (٦). (فَإِنِ اخْتَل شَرْطٌ) من هذه الأربعةِ شروطٍ - بأن كانَ صبيًا مميزًا، أو مجنونًا، أو عبدًا بإذنِ سيدِه، أو أنثى، ولو كانتْ ممَّن تسقي الماءَ وتداوي الجرحى -، فلا يسهَم له (٧)، وإنما يـ (ـــرْضَخُ لَهُ) (٨) فقط إن كان راجلًا، وإن كانَ فارسًا يرضخُ له
стр. 965
ولفرسِه (١). فإن كانَ الفرسُ لسيدِ العبدِ سهَمَ للفرس؛ لأن السهمَ لمالكِ الفرسِ (٢). والرَّضخُ هو: العطاءُ من الغنيمةِ دونَ السهمِ على ما يراهُ الإمامُ من التفضيلِ أو التسويةِ على قدرِ غَنَائِهم ونفعِهمْ (٣).
(وَيُقْسَمُ الخُمُسُ البَاقِي) على (خَمْسَةِ أَسْهُم: سَهْمٌ للهِ وَلِرَسُولِهِ) (٤)؛ للآيةِ قولِه تعالى: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ﴾ (الأنفال: ٤١). وإنما لم تُقسَم على ستةِ أسهم؛ لأنَّ سهمَ اللهِ ورسولِه شيءٌ واحدٌ؛ لقولِه تعالى: ﴿وَاللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَنْ يُرْضُوهُ﴾ (التوبة: ٦٢)، وأنَّ الجهةَ جهةُ مصلحةٍ وذكْرُ اسمِه تعالى؛ للتبرك؛ لأنَّ الدنيا والآخرةَ له. وكان النبيُّ ﷺ يصنعُ بهذا السهمِ ما شاءَ (٥). ذكرُه في "المغني" (٦)، والشرح (٧). (يُصْرَفُ) الخمسُ منَ السهمِ المذكورِ - وهُو خمسُ الخمسِ- (مَصْرِفَ الْفَيْءِ) للمصالحِ (٨)؛ لقولِه ﵊: "لَيْسَ لِي مِنَ الفَيْءِ إِلَّا الخُمُسَ وَهُوَ مَرْدُودٌ عَلَيْكُمْ" رواه سعيد (٩). ولا يكونُ مردودًا علينا إلا
стр. 966
إذا صُرِفَ في مصالحِنا. وفي "الانتصار": "هوَ لمنْ يَلي الخلافةَ بعدَهُ" (١). والفيءُ يأتي ما هوَ في الفصلِ الذي بعدَ هذا. (وَسَهْمٌ لِذَوِي الْقُرْبَى) (٢)؛ للآيةِ. (وَهُمْ: بَنُوا هَاشِمٍ، وَبنُوا المُطَّلِبِ) ابنَي عبدٍ منافٍ (٣)؛ لحديث جُبَيرِ بنِ مُطْعِمٍ (٤) قال: قسَمَ النبيُّ ﷺ سهمَ ذوِي القُربَى بَينَ بَنِي هَاشِمٍ وَبَنِي المُطَّلِبِ، وقال: "إِنَّما بَنُوا هَاشِمٍ وَبَنُوا المُطَّلِبِ شَيْءٌ وَاحِدٌ" (٥). (حَيْثُ كَانُوا) يقسمُ بينهُم (٦) (لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ) (٧)؛ لأنه يستحقُّونَه بقرابةِ الأبِ، فيفضَّلُ فيهِ الذكرُ على الأنثَى؛ كالميراثِ.
стр. 967
غنيُّهُم وفقيرُهم وكبيرُهم وصغيرُهم فيه سواءٌ (١)؛ لأنه ﷺ أعطَى العباسَ وهو غنيٌّ (٢). ولا شيءَ لأولادِ بناتِهم ولا لموالِيهم (٣). (وَسَهْمٌ لِفُقَرَاءِ اليَتَامَى) (٤)؛ للآيةِ. (وَهُمْ) - أي: اليتامى - جمع يتيمٍ، وهو: (مَنْ لَا أَبَ لَهُ) ولو كانَ لهُ أمّ، (وَلَمْ يَبْلُغْ) (٥)؛ لقوله ﵊: "لَا يُتْمَ بَعْدَ احْتِلَامٍ" (٦). ولا يدخلُ فيه ولدُ الزِّنا (٧). ويستوي فيه الذكرُ والأنثى (٨)؛ لظاهرِ الآية. (وَسَهْمٌ لِلْمَسَاكِيْنِ) (٩)؛ للآيةِ. وهم: أهلُ الحاجةِ ممنْ لا يجدُ تمامَ كفايتِه، فيدخلُ فيهمُ الفقراءُ (١٠). (وَسَهْمٌ لِأَبْنَاءِ السَّبِيْلِ) (١١)، ويعطَون كما يعطَون من الزكاةِ، فيُعطَى
стр. 968
المسكينُ تمامَ كفايتِه مع عائلتِه سنةً، وكذا اليتيمُ. ويعطَى ابنُ السبيلِ ما يوصلُه إلى بلدِه (١).
وإن اجتمعَ في واحدٍ أسبابٌ - بأنْ كانَ هاشميًا، مسكينًا، يتيمًا، ابنَ سبيلٍ - استحقَّ بكلِّ واحدٍ منها (٢). لكن لو أعطاهُ ليُتْمِه فزالَ به فقرُه، لم يعطَ لفقرِه؛ لزوالِه (٣)، وإن أسقطَ بعضُ الغانمينَ حقَه، انتقلَ للغانمِين (٤). وإن أسقطَ الكلُّ فهو فيءٌ (٥).
تتمة: يحرمُ الغُلولُ من الغنيمةِ، وهو كبيرةٌ (٦)؛ لقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَغْلُلْ يَأْتِ بِمَا غَلَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ (آل عمران: ١٦١). والغالُّ: من كتمَ ما غنِمَه أو بعضَه (٧). ويجبُ حرقُ المتاعِ كلِّه إذا كانَ الغالُّ حرًّا، مكلَّفًا، ولو أنثَى، أو ذميًا (٨)؛ لما رُوي عن عمرِو بن شعيبٍ، عن أبيه، عن جدِّه: "أن النبيَّ ﷺ وأبا بكرٍ وعمرَ - رضيَ الله تعالى عنهما - حرَّقُوا متاعَ الغال". رواه أبو داود (٩). واختارَ جماعةٌ:
стр. 969
أنَّ هذا من بابِ التعزيرِ، لا الحدِّ الواجب؛ فيجتهدُ الإمامُ بحسبِ المصلحةِ (١). قال في "الفروع": "وهو أظهر" (٢). وَيكونُ الحرقُ لغيرِ: سلاحٍ ومصحف، وكتبِ علمٍ، وحيوانٍ بآلته وعلفِه (٣)، وغيرِ ثيابِ الغالِّ التي عليهِ، ونفقتِه، وغيرِ سهمِه، وما لم تأكلْه النارُ (٤). وما غلَّه - مما لَا يحرَّقُ -، للغانمين (٥). ويعزَّرُ الغالُّ مع ذلكَ بالضربِ ونحوِه من غيرِ نفْيٍ (٦). فإن تابَ قبلَ القسمةِ ردَّ ما أخذَه للمغنمِ (٧).
تنبيه: ليسَ للمجاهدينَ أن يقتُلوا النساءَ والصغارَ إن خيفَ أخذُهم. قاله في "الرعاية" (٨).
стр. 970
فصلٌ [في] (١) الأرضينِ المغنومة
وهيَ على ثلاثةِ أقسامٍ: أحدُها: ما فُتِحَ عنوةً - أي: قهرًا وغلبة - (٢)، وهي ما أجليَ عنهَا أهلُها بالسيفِ. فيخيرُ الإمامُ فيما فيهِ مصلحةٌ (٣)، مِن قسمِها بينَ الغانمِينَ، وتُملَكُ بهِ، من غيرِ خراجٍ (٤)، ومِنْ وقفِها بلفظِ الوقفِ على المسلمينَ ويضربُ عليها الخراجُ مستمرًا (٥). وليسَ لأحدٍ نقضُ ما فعلَ (٦). الثاني: ما جلَا عنهَا أهلُها خوفًا، وظهرْنا عليها، فحكمُها كالأُولى (٧). وعن الإمام: تصيرُ وقفًا بنفسِ الظهورٍ عليها (٨). وجزمَ به في "الإقناع" (٩). الثالثُ: ما صُولحُوا عليه، وهو ضربان: أحدها: إن صولحُوا على أن الأرضَ لنا، فهي كالعُنوَةِ في التخييرِ (١٠). الثاني: إنْ صولحُوا على أن الأرضَ لهم والخراجَ لنا، فهذه تصيرُ دارَ عهدٍ ملكًا لهم (١١)، لا يُمنَعُون فيهَا إحداثَ كنيسةٍ ولا بيعةٍ (١٢). وخراجُها
стр. 971
كالجزيةِ الَّتي تؤخذُ على رؤوسِهم، فإن أسلمُوا سقطَ عنهُم (١). ويقَرُّونَ فيها بلا جزيةٍ (٢)؛ لأنها ليستْ دارَ إسلامٍ، بخلافِ ما تقدمَ من أرضِ العُنوةِ وغيرهَا، فلا يقَرُّونَ فيها بلا جزيةٍ (٣).
فصلٌ في الخراجِ (٤) والجزية (٥)
يرجعُ فيه إلى اجتهادِ إمامٍ في نقصٍ وزيادةٍ. ويعتبرُ الخراجُ بقدرِ ما تحتملُه الأرضُ (٦). هذا في ابتداءِ الوضعِ. وأمَّا ما وضعَه إمامٌ فلا يغيِّرُه آخرُ، ما لم يتغيرِ السببُ (٧)، كما يدلُّ عليه كلامُ القاضي في كتابِه "الأحكام السلطانية" (٨). وعن الإمام: يرجعُ إلى ما ضربَهُ أميرُ المؤمنينَ عمرُ بنُ الخطابِ - رضيَ اللهُ تعالَى عنه - فلا يُزادُ عليه ولا ينقصُ (٩). وما ضربَه سيدُنا عمرُ، في "المنتهى" و"الإقناع" مقررٌ (١٠).
стр. 972
ولا خراجَ على المواضعِ الخاليةِ بينَ الشجر (١)؛ لأنها تابعةٌ لخراجِ الشجرِ. والخراجُ على المَزارعِ دونَ الأماكنِ (٢). ولا خراجَ على مزارعِ مكة المشرفةِ (٣). وكانَ الإمامُ أحمد - رضيَ اللهُ تعالى عنه - يمسحُ دارَه ببغداد، ويحسبُ خراجَها فيتصدقُ بهِ (٤)؛ لأن بغدادَ حين فتحَت كانت مزارعَ. ومقتضى كلامِ الأصحابِ: لا خراجَ، وحُمِلَ فعلُ الإمامِ أحمد على الورعِ؛ لأنه لم يأمرْ بهِ أحدًا من أهلِ بغداد (٥). ويجبُ خراجٌ على ما لَهُ ماءٌ يسقَى به إن زُرعَ، نبتَ أو لَا (٦)، وإن لم يزرعْ فخراجُه خراجُ أقلّ ما يُزرَعُ (٧). ولا خراجَ على ما لا ينالُه الماءُ، ولو أمكنَ زرعُه وإحياؤُه ولم يفعلْ. كما مشى عليهِ في "المنتهى" (٨)، و"الإقناعِ" إذا لم يمكنْ زرعُه (٩). وخراجُ الأرضِ الذي ينالُه الماءُ عامًا بعد عامٍ، فنصفُ الخراجِ في
стр. 973
كلِّ عامٍ (١). والخراجُ على المالكِ، لا المستأجرِ (٢). وهو حكمُ الدَّينِ في الإيسارِ والإعسارِ (٣). ومن عجزَ عن عمارةِ الأرضِ الخراجيةِ أُجبرَ على إجارتِها أو على رفعِ يدِه عنها (٤). قال شيخُ الإسلامِ - الشيخُ تقيُّ الدينِ ابنُ تيميةَ -: "ولَو يبِسَتِ الكُرُومُ (٥) بجرادٍ أو غيرِه سقطَ من الخراجِ حسبَما تعطَّلَ منَ النفعِ، وإذا لم يمكنِ النفعُ بهِ ببيعٍ أو إجارةٍ أو عمارةٍ أو غيرِه، لم تجزِ المطالبةُ بالخراجِ". انتهى (٦). ومعنى البيعُ هنا: بذلُها بما عليهَا من خراجٍ.
ومنْ بيدِه أرضٌ خراجيةٌ فهو أحقُّ بها بخراجِهَا، وينتقلُ لورثتِه بعدَه على ما كانَتْ علَيه (٧). ويكرهُ لمسلمٍ شراءُ الأرضِ الخراجيةِ (٨)؛ لما في دفعِ الخراجِ منَ الذلِّ والهوانِ. وإن رأى الإمامُ في إسقاطِ الخراجِ عن إنسانٍ أو تخفيفِه جاز (٩). ويجوزُ للإمامِ إقطاعُ الأراضي والمعادنِ والدورِ (التي) (١٠) لبيتِ المالِ (١١).
стр. 974
تتمةٌ: والكُلَفُ (١) التي تطلبُ من البلدانِ وغيرِه، يحرمُ توفيرُ بعضهم وجعلُ قسطِه على غيرِه (٢)، ومن قامَ فيهَا من الحكَّامِ بنيةِ العدلِ وتقليلِ الظلمِ مهمَا أمكنَ لله تعالى، فكالمجاهدِ في سبيلِ الله تعالى. قاله الشيخُ تقيُّ الدينِ - رحمه الله تعالى - (٣).
(فصلٌ)
(وَالْفَيْءُ) أصلُه من الرجوعِ، يقال: فاءَ الظلُّ إذا رجعَ نحو المشرقِ (٤). والأصلُ فيه قولُه تعالى: ﴿وَمَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْهُمْ﴾ (الحشر: ٦) (هُوَ: مَا أُخِذَ مِنْ مَالِ الكُفَّارِ) غالبًا (بِحَقٍّ). خرجَ به: ما يؤخذُ منهم ظلمًا. (مِنْ غَيْرِ قِتَالٍ) خرجَ به: الغنيمةُ (٥) … (٦) (كَالْجزْيَةِ، وَالْخَرَاج، وَعُشْرِ التِّجَارَةِ مِنَ الحَرْبِيِّ) المتَّجرِ إلينَا، (وَنِصْفِ العُشْرِ مِنَ) تجارَةِ (الذِّمِّيِّ) إذا اتَّجرَ لغيرِ بلدِه (٧)، (وَمَا تَرَكُوهُ) أو بذلُوه الكفارُ (فَزَعًا) منَّا، (أَوْ) تُرِكَ مالٌ (عَنْ مَّيِّتٍ) مسلم أو كافرٍ (وَلَا وَارِثَ لَهُ)، وكذا مالُ المرتدّ ماتَ على ردتِه، وخمسُ خمسُ الغنيمةٍ (٨).
(وَمَصْرِفُهُ) أي: مال الفيءِ (فِي مَصَالِحِ المُسْلِمِينَ) (٩)؛ لعمومِ قولِه تعالى:
стр. 975
(مَا أَفَاءَ) (مَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ﴾ (الحشر: ٧) إلى قوله: (وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ﴾ (الحشر: ١٠) قالَ أميرُ المؤمنينَ عمرُ بنُ الخطابِ: "هذِه استَوعَبَتِ المسلِمِينَ عامَّةً" (١). وقال: "مَا أَحَدٌ مِنَ المسلِمينَ إِلَّا لَهُ في هذَا المالِ نصيبٌ، إلا العبيدَ، فلَيسَ لهُمْ فيهِ شَيءٌ" (٢).
(وَيَبْدَأُ) من صرفِ الفيءِ (بِالْأَهَمِّ فَالْأَهَمُّ) منَ المصَالح العامَّةِ منْ جندِ المسلمِينَ الَّذينَ يذبُّونَ عنهُم (٣)، ثمَّ (مِنْ سَدِّ ثَغْرٍ)، (وعمارتِه)، (وَكِفَايَةِ أَهْلِهِ) أي: أهلِ الثغرِ، بالخيلِ (و) السلاحِ (٤). ثمَّ بمَن بهِ (حَاجَةٌ) مِـ (ــمَّنْ يَدْفَعُ عَنِ المُسْلِمِيْنَ) منْ غيرِ أهلِ الثغورِ (٥)؛ لأنَّ أهمَّ الأمورِ: حفظُ بلادِ المسلمينَ، وأمنُهم من عدوِّهم. ثمَّ بسَدِّ البَثُوقِ - وهو جانبُ النهرِ -، وجَرفِ الجسورِ، وتنظيفِ النهر، (وَ) حفرِها (٦). ثمَّ بـ (ـــعِمَارَةِ القَنَاطِرِ، وَ) المساجدِ، ثمَّ بـ (ـــرِزْقِ القُضَاةِ وَالْفُقَهَاءِ، وغيرِ ذَلِكَ) منْ أرزاقِ الأئمةِ والمؤذنينَ، ومنْ يحتاجُ إليهِ المسلمونَ (٧) (فَإِنْ فَضَلَ شَيْءٌ) بعدما صُرِفَ في الأهمِّ (قَسَمَ بَيْنَ أَحْرَارِ المُسْلِمِيْنَ) (٨). خرجَ بذلك: أرقاؤُهم؛ لأن نفقتَهم على موالِيهم، (بل يزاد سيدُه من أجلِه (٩). ويعطى) (غَنِيُّهُمْ
стр. 976
وَفَقِيْرُهُمْ) (١)؛ للآية؛ لأنهمْ استحقُّوه بأمرٍ مشتركٍ.
(وَبَيْتُ المَالِ مِلْكٌ لِلْمُسْلِمِيْنَ)؛ لأنه لمصالحِهم، (يَضْمَنُهُ مُتْلِفُهُ) (٢)،
(وَيَحْرُمُ الأَخْذُ مِنْهُ) والتصرفُ فيه، (بِغَيْرِ إِذْنِ الإِمَامِ) (٣). وذكرَ القاضي، وابنُه (٤): أنَّ المالكَ غيرُ معيَّنٍ (٥).
فصلٌ في الأمَانِ (٦)
وهو: ضدُّ الخوفِ (٧). (والأصل فيه قوله تعالى: ﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ﴾ (التوبة: ٦)). يحرمُ بهِ: قتلٌ، ورِقٌّ، وأسرٌ، وأخذُ مالٍ، والتعرضُ لهم (٨). ويشترطُ كونُه من: مسلمٍ، عاقلٍ، ولو مميزًا، مختارًا، ولو قِنًا، أو أنثى (٩). ويشترطُ بالتأمين: عدمُ الضررِ علينا، وأنْ لَا تزيدَ مدتُه على عشرةِ سنينَ (١٠). ويصحُّ منَجَّزًا، أو معلَّقًا (١١). ويصحُّ الأمانُ منَ
стр. 977
الإمامِ لجميعِ المشركينَ (١)، ومنَ الأميرِ لأهلِ بلدةٍ وليَ قتالَهم (٢). ويصحُّ منْ أحدِ الرعيةِ لواحدٍ إلى عشرةٍ، وقافلةٍ، وحصنٍ صغيريَن عرفًا (٣). ولا ينقضُ الإمامُ ما صحَّ من الأمانِ، إلا إنْ خافَ خيانةَ من أُعطيَه (٤). ويصحُّ (بكلِّ ما يدلُّ على الأمانِ منْ) قولٍ، وإشارةٍ مفهومةٍ، وكتابٍ، ورسالةٍ (٥). وإنْ ردَّ الكافرُ الأمانَ بعدَ قبولِه، أو صالَ على المسلمِ، أو جرحَه، (أو خانَه)، انتقضَ الأمانُ (٦). وإذا حصلَ الأمانُ مطلقًا سرَى إلى ما معهُ من أهلٍ ومالٍ، ما لمْ يخصِّصْ بأن يؤمنَه وحدَه (٧)، ونحوه. ويجوزُ الأمانُ لرسولٍ، ومستأمنٍ، ويقيمونَ مدةَ الهُدْنةِ - أي: الأمانِ - بغيرِ جزيةٍ (٨). وإن دخلَ من المسلمينَ دارَهم بأمانٍ حرمتْ عليهِم خيانتُهم، وحرمَ على المسلمينَ معاملتُهم بالربَا والسرقةِ منهم (٩). فإن فعلَ ردَّهُ، وكذا قرضٌ ونحوُه (١٠). وإن أمَّنَ المستأمنُ مسلمًا أمانة وسافرَ إلى دارِ الحربِ لتجارةٍ، ثم عادَ، فهوَ على أمانِه (١١). وإن استوطنَ بها انتقضَ الأمانُ في نفسِه، وبقيَ في مالِه يردُّ لهُ (١٢).
تتمة: الهدنَةُ.
هي لغةً: العقد مع الكفارِ على تركِ القتالِ مدةً معلومةً، ولو طالَت (١٣). وهي
стр. 978
لازمةٌ (١). والأصل فيها قوله تعالى: ﴿بَرَاءَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (١)﴾ (التوبة: ١)، وقوله تعالى: ﴿وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ﴾ (الأنفال: ٦١)، وروي عنه ﷺ : أنهُ صالحَ قريشًا على وضعِ القتال عشرَ سنين (٢). ولا تصحُّ الهدنةُ إلا حيثُ جازَ تأخيرُ الجهادِ لنحو ضعفٍ بالمسلمينَ، أو مانعٍ بالطريقِ (٣)، فيهادنُهم مدةً معلومةً، بقدرِ الحاجةِ (٤). ويصحُّ بعوضٍ منهم (٥)، أو منَّا لضررنا (٦)، وبغير عوضٍ، بحسب المصلحةِ (٧)، ولا يصحُّ عقدُها إلا من إمامٍ أو نائبِه (٨)، (وإن مات الإمامُ أو نائبُه أو عزِل، لزمَ الثانيَ الوفاءُ بها) (٩).
وإن حصلَ منهمْ قتالٌ، أو معاونةٌ لعدوٍّ، أو قتلُ مسلم، أو أخذُ مال، انتقضَ عهدُهم (١٠). وإن نقضَ البعضُ فأقرَّ الباقونَ، ولم يوجد منهمْ مراسلةُ الإمامِ ونحوِه، ولا إنكارٌ، فالكلُّ ناقضونَ (١١)، وإن وُجدَ منهم شيءٌ من ذلكَ بقولٍ أو فعلٍ أو تمييزٍ
стр. 979
عنهم، لم ينقَضْ في الباقينَ (١)، وإن هربَ منهم عبدٌ أسلمَ لم يردَّ إليهم، وهو حرٌّ (٢)؛ لأنه ملكَ نفسهُ بإسلامِه؛ لقولِه تعالى: ﴿وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا﴾ (النساء: ١٤١). ويجوز قتلُ رهائنِهِم إنْ قتلُوا رهائننَا (٣). ويجبُ على الإمامِ حمايتُهم ممن تحتَ قبضتِه، إلا من أهلِ الحربِ، ولا بعضَهم من بعضٍ (٤). وإن سباهُم كافرٌ ولو منهمْ لم يصحَّ لنا شراؤُهم (٥)، بخلافِ لو سبَى بعضُهم ولدَ بعضٍ، وباعَه، أو باعَ ولد نفسِه، أو باعَ أهلَه، صحَّ (٦)؛ لأن أولادَهم وأهلِيهم لم يدخلُوا في العقدِ؛ كحربيٍّ، لا ذميٍّ؛ لأنه ليسَ له بيعُ شيءٍ من ذلكَ؛ لأنه عقدٌ مؤبدٌ. وإن خيفَ منهم نقْضَ عهدِهم بأمارةٍ … (٧) الإمامُ إليهِم يعلمُهم أن لا عهدَ بينَه وبينَهم (٨)؛ لقولِه تعالى: ﴿وَإِمَّا تَخَافَنَّ مِنْ قَوْمٍ خِيَانَةً فَانْبِذْ إِلَيْهِمْ عَلَى سَوَاءٍ﴾ (الأنفال: ٥٨) أي: أعلمْهُم بنقضِ العهدِ، حتى تصيرَ أنتَ وهم سواءً في العلمِ. فإن كان في دارنَا منهم أحدٌ، رُدَّ إلى مأمنِه (٩). ولا يصحُّ نقضُه إلا من إمامٍ (١٠). وإن كانَ عليهم حقٌّ استُوفِيَ منهم (١١). والنساءُ والذراري تبعًا (١٢) لهم في نقضِ العهدِ (١٣).
* * *
стр. 980
(بَابُ عَقدِ الذِّمَّةِ)
وهي لغةً: العهدُ، والضمانُ، والأمانُ. والذِّمة: من أَذَمَّ يُذِمُّ، إذا جعلَ له عهدًا (١). ومعنى عقدِ الذمةِ: إقرارُ بعضِ الكفارِ على كفرِهم بشرطِ بذلِ الجزيةِ والتزامِ أحكامِ الملة (٢). والأصل فيها قوله تعالى: ﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ إلى قولِه: ﴿حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾ (التوبة: ٢٩). (لَا تَنْعَقِدُ) أي: الذمةُ (إِلَّا لِأَهْلِ الكِتَابِ) التوراةِ والإنجيلِ (٣)، وهم: اليهودُ (٤) والنصارى (٥)، ومن تديَّنَ بالتوراةِ، -كالسامرةِ يتدينونَ بدينِ موسى الكليمِ- ﵊، ويخالفونَ اليهودَ في فروعٍ من دينِهم (٦) -، أو تدينَ
стр. 981
بالإنجيلِ- كالفَرَنجِ، ويقال لهم بنُوا الأصفرِ، والأشبَهُ أنها مؤكدة (١) نسبة إلى فَرَنْجَة -بفتحِ أولِه وثانيهِ وسكونِ ثالثه-، وهي جزيرةٌ من جزائرِ البحرِ، والنسبةُ إليهَا فَرَنْجِي (٢). قالَه في "المبدعِ" (٣). والصابئينَ (٤)، والرومِ (٥)، والأرمنِ (٦)، وكلِّ من انتسبَ لدين عيسَى ﵊ (٧) (أَوْ لِمَنْ لَه شُبْهَةُ كتَابٍ؛ كَالْمجُوسِ) (٨)، فإنه يُروى: أنه كانَ لهم كتابٌ ورُفِعَ (٩). فإنَّ (أميرَ المؤمنينَ عمرَ بنَ
стр. 982
الخطابِ -رضيَ الله تعالى) عنه- لم رضيَ (١) بأخذِهَا منهُم حتَى شهدَ عندَه سيدُنا عبدُ الرحمنِ بن عوفٍ (٢) -رضيَ اللهُ تعالى عنه-: "أنَّ النبي ﷺ أخذَها من مجوسِ هجَر". رواه البخاري (٣). ولم تنهضْ في إباحةِ نسائِهِم وحلِّ ذبائحِهم؛ لأنه لا يكونُ إلا ممنْ يكن أبواهُ كتابيَّان (٤). وما عداهُم فلا يقبلُ منهم إلا الإسلامُ أو القتلُ (٥)؛ لحديثِ: "أُمِرْتُ أَنْ أقاتِلَ النَّاسَ حَتَّى يَشْهَدُوا أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا الله" (٦) خُصَّ منه أهلُ الكتابِ ومن ألحِقَ بهمْ، كما تقدمَ، وبقيَ من عداهُم على الأصلِ. وأما أهلُ صحفِ إبراهيمَ وشيثٍ وزبورِ داودَ، فلا تقبلُ منهم الجزيةُ (٧)، لأنهم غيرُ أولئكَ، ولأن هذهِ لم تكنْ فيها شرائع، إنما هيَ مواعظُ وأمثالٌ. كذلكَ وصفَ النبيُّ ﷺ صحفَ إبراهيمَ وزبورَ داودَ -عليهما الصلاةُ والسلام- في حديث أبي ذرٍّ (٨).
стр. 983
(وَيَجِبُ عَلَى الإمَامِ) أو نائبِه (عَقْدُهَا) أي: عقدُ الذمة (١)؛ لأن ذلكَ متعلقٌ بنظرِ الإمامِ؛ لعلمِه بجهةِ المصلحةِ. (حَيْثُ) أنه يَـ (ـــــأمن مَكْرَهُمْ) (٢)؛ لأنه إن خافَ غائلتَهم (٣) من تمكينِهم الضررُ علينَا، فلا يجوزُ عقدُها. وصفةُ عقدِها: "أقررتُكم بجزيةٍ واستسلامٍ" -أي: انقيادٍ-، أو هم يبذلُون الجزيةَ فيقولُ: "أقررتُكم على ذلكَ" ونحوهما (٤) (٥). ولا يعتبرُ ذكرُ قدرِ الجزيةِ في العقدِ (٦).
(وَالْتَزَمُوا) أي: أهلُ عقدِ الذمةِ (لَنَا) أي: معشرَ الإسلامِ (أَرْبَعَةَ أَحْكَام) أي: أربعةَ شروطٍ: (أَحَدُهَا) أي: أحدُ الأحكامِ: (أَنْ يُعطُوا الجِزْيَةَ) (٧). الجزيةُ: مأخوذةٌ من الجزاءِ (٨). وهو: "مالٌ يؤخذُ من أهلِ الذمةِ، (عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ) أي: على وجهِ الذلةِ والامتهانِ. في كلِّ عامٍ؛ بدلًا عن
стр. 984
قتلِهم، ولأجلِ إقامتِهم بدارِنا" (١)؛ لقولِه تعالى: ﴿حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾ (التوبة: ٢٩). (الثَّانِي) من الأحكام: (أَن) أهل الذمةِ (لَا يَذْكُرُوا دِيْنَ الاسْلَامِ إِلا بِخَيْرٍ)، ولا يذكرُوه بسوءٍ (٢). (الثَّالِثُ) من الأحكامِ: (أَنْ لَا يَفْعَلُوا مَا فِيْهِ ضَرَرٌ عَلَى المُسْلِمِيْنَ) من غِشٍّ، وتدليسٍ، وسبٍّ، وشتم، ونحوٍ ذلكَ (٣). (الرَّابعُ) من الأحكامِ (أنْ تَجْرِيَ عَلَيْهِمْ أَحْكَامُ الإسْلَام فِي) ضمانِ (نَفْسِ)؛ فمَن قتلَ أو قطعَ طرَفًا أُخذَ بموجبِ ذلكَ؛ كالمسلمِ. (وَ) في ضمانِ (مَالٍ) أتلفَه لغيرِه. (وَ) في تعرُّضٍ لـ (ــــعِرْضٍ) بقذفٍ أو سبٍّ ونحوِه، فيقامُ عليهِ ما يقامُ على المسلم في ذلك (٤). (وَ) في (إِقَامَةِ حَدٍّ) عليهمْ (فِيْمَا يُحَرِّمُونَهُ) في ملَّتِهم، (كَالزِّنَا) والسرقةِ. (لَا) أي: لا يقامُ عليهمُ الحدُّ (فِيْمَا يُحِلُّونَه كَـ) شربِ (الخَمْرِ) والنكاحِ المحرَّم (٥). قال الشيخُ تقيُّ الدينِ ابنُ تيمية: "واليهوديُّ إذا تزوجَ ببنتِ أخيهِ أو بنتِ أختِه، كان ولدُه منهَا يلحقُه، ويرثُه، باتفاقِ المسلمينَ؛ لأنه وطءُ شبهةٍ؛ لاعتقادِهم حلَّه" (٦).
(وَلَا تُؤْخَذُ الْجِزْيَةُ مِنِ امْرَأَةٍ، وَ) … (٧) (خُنْثَى) مشكلٍ. فإن بانَ ذكوريتُه أُخِذَ للمستقبلِ دونَ الماضي (٨). (وَ) لا منْ (صَبِيٍّ)؛ لأنَّ الجزيةَ بدلُ القتلِ، وهما لا يُقتَلانِ. (وَ) لا منْ (مَجْنُونٍ، وَ) لا منْ (قِنٍّ، وَ) لا منْ (زَمِنٍ، وَ) لا منْ (أَعْمَى، وَ) لا منْ (شَيْخٍ فَانٍ، وَ) لا منْ (رَاهِبٍ بِصَوْمَعَةٍ) (٩)؛ لأنهم لا يُقتَلونَ.
стр. 985
ويؤخذُ من راهبٍ بصومعةٍ ما زادَ على بُلْغَتِه (١). والرهبانُ الذين يتَّجرُونَ، حكمُهم حكمُ من تؤخذُ منه الجزيةُ (٢). ولا تؤخذُ من فقيرٍ غيرِ معتَملٍ يعجز عنها (٣). والغنيُّ من عدَّه الناسُ غنيًا عُرفًا (٤). ومتى بذلُوا الجزيةَ لزمَ قَبولُها (٥). وتجبُ على معتَقٍ، ولو لمسلمٍ (٦)، وعلى مبعَّضٍ بحسابِه (٧).
ومن صارَ أهلًا للجزيةِ -بأنْ عقلَ المجنونُ، أو بلغَ الصغيرُ، أو عتقَ القنُّ، أو استغنى الفقيرُ- بأثناءِ حولٍ، أخِذَ منه إذا تمَّ الحولُ بقسطِه (٨). ومن كانُ يجنُّ تارةً ويَفيقُ أخرى لُفِّقَتْ إفاقتُه، فإذا بلغَتْ إفاقتُه حولًا أخذِتْ منه الجزيةُ (٩). ولا تسقطُ إن ماتَ، أو جُنَّ، أو عمِيَ بعدَ الحولِ (١٠)، وفي أثنائِه تسقطُ (١١). (وَمَنْ أَسْلَمَ مِنْهُمْ) أي: من أهلِ الذمَّةِ (بَعْدَ الْحَوْلِ سَقَطَتْ عَنْهُ الْجِزْيَةُ) (١٢)؛ لأنها عقوبةٌ سببُها الكفرُ، فسقطَت بالإسلامِ؛ لقولِه تعالى: ﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ﴾ (الأنفال: ٣٨)، ولقولِه ﷺ : "الإسْلَامُ يَجُبُّ مَا قَبْلَهُ" (١٣)، وعن ابنِ