← История

История · id 30059

بدائع الزهور في وقائع الدهور - ت محمد مصطفى

ابن إياس

Полный текст (3 412 стр.). Показаны 456–495 · переход к 461.

стр. 456

قم بنا ندّعى النبوّة فى العش … ق فقد سلّمت علينا الغزالة وقوله أيضا: يا جنّة كوثرها رضابه المروّق … وفوق غصن قدّه عذاره مطوّق قلت: نكتة المطوّق من مخترعات الوداعى، لا يشاركه فيها أحد قبله، وقد تطفّل عليها الشيخ جمال الدين بن نباتة، حتى فى تسمية (١) كتابه الذى سمّاه: «سجع المطوّق»، ونظم من نكتة المطوّق عدّة مقاطيع، انتهى ذلك. ثم دخلت سنة سبع عشرة وسبعمائة فيها أوفى (٢) النيل المبارك تاسع عشرين أبيب، وزاد عن الوفاء نصف ذراع، فرسم السلطان بفتح السدّ بعد العصر، خوفا من قوّة عزم الماء، أن يقلب السدّ، وفى ذلك يقول المعمار: سمعت يوما سدّ مصر يقل … النيل وافى (٣) زائدا عندى وكان هذا خبرا صادقا … فرحت أرويه عن العدّى وفيها شرع السلطان فى عمارة الجامع الذى بالقلعة، فوسّعه وزاد فى طوله وعرضه، وجعل فيه مقصورة حديد يصلّى فيها السلطان. قلت: وأول من اتّخذ المقصورة فى الجامع، وصلّى بها، معاوية (٤) بن أبى سفيان، ﵁. ثم إنّ الملك الناصر زخرف هذا الجامع بالرخام الملوّن، وبنى (٥) به القبّة الخضراء والمئذنة (٦) الخضراء، وعلّى (٧) سقوفه، وزخرفها بالذهب؛ قيل: وانتهى العمل منه فى مدّة ستة أشهر، وصلّى به فى أول يوم من رمضان، وكان يوما مشهودا، وخطب به القاضى بدر الدين بن جماعة.

стр. 457

وفى هذه السنة، توجّه السلطان إلى زيارة بيت المقدس، فزاره؛ ثم توجّه إلى الخليل، ﵇، فزاره؛ ثم رجع إلى الديار المصرية. وفيها أرسل السلطان تجريدة إلى آمد، فلما وصلوا إلى هناك، حاصروا المدينة، فطلب أهلها الأمان، فملكها عسكر السلطان من غير قتال ولا حرب، ونيّب بها السلطان نائبا من قبله. وفيها، فى ذى الحجّة، توفّى الشيخ زين الدين محمد بن سليمان بن أحمد بن يوسف الصنهاجى المراكشى، ثم الإسكندرانى، كان من أعيان العلماء، عالما صالحا، شافعى المذهب، انتهى ذلك. ثم دخلت سنة ثمان عشرة وسبعمائة فيها عيّن السلطان تجريدة إلى برقة، بسبب فساد العربان، لأنّهم منعوا غنم الزكاة التى كانوا يرسلونها، وأظهروا العصيان؛ فجرّد إليهم السلطان العساكر، فتحاربوا معهم، وقتلوا منهم جماعة، وهرب الباقون إلى بلاد الغرب. وفى هذه السنة شرع السلطان فى عمارة مجراة من بحر النيل إلى القلعة، فمشى الماء فى المجراة، وعقد تحتها قناطر بالحجر الفصّ النحيت؛ وجعل لها سواقى نقّالة فى عدّة أماكن؛ وكان قد ابتدأ بهذه المجراة من عند الرصد، ثم نقلها إلى المكان الموجودة (١) بها الآن عند درب الخولى. وفى هذه السنة، شرع السلطان فى عمارة الحوش الكبير الذى بالقلعة، وأنشأ به جنينة، ونقل إليها الأشجار والرياحين من سائر البلاد، حتى من بلاد الهند، مثل جوز الهند، والسنبل، والقرنفل، والكادى، وغير ذلك من الفواكه الشامية. وفيها، فى جمادى الآخرة، توفّى قاضى قضاة الحنفية شمس الدين الجزرى؛ فلما مات أخلع السلطان على القاضى برهان الدين بن عبد الحق، واستقرّ به قاضى حنفى (٢)،

стр. 458

عوضا عن شمس الدين الجزرى، وفيه يقول القائل: طوبى لمصر فقد حلّ السرور بها … من بعد ما رميت دهرا بأحزان كنانة الله قد قام الدليل على … تفضيلها مذ ولّى للحق برهان وفى هذه السنة، قوى عزم السلطان على أن يحجّ، فعيّن معه اثنى عشر أميرا مقدّم ألف، وخرج صحبته الخليفة المستكفى بالله سليمان، وثلاثين أميرا طبلخانات وعشراوات، ومن المباشرين القاضى علاء الدين بن الأثير، كاتب السرّ، والقاضى فخر الدين، ناظر الجيش، والقاضى كريم الدين بن السديد، ناظر الخاص. فلما خرج المحمل من القاهرة، تأخّر السلطان، بعد خروج المحمل إلى تاسع ذى القعدة، فخرج من القاهرة، وجدّ فى السير، فدخل مكّة قبل الصعود إلى الجبل بثلاثة أيام، فأحرم من رابغ، وكشف رأسه، ولما دخل الحرم كنس مكان الطواف ومسحه بيده، وتواضع هناك إلى الغاية، وكان لا يطوف إلا بالليل، ثم صعد الجبل، وقضى مناسك الحجّ. ثم رجع إلى مكّة، وأقام بها أياما، وفرّق على فقراء مكّة نحو عشرين ألف دينار؛ وأبطل أشياء كثيرة من المكوس التى كانت بمكّة؛ ثم بعد ذلك توجّه إلى المدينة الشريفة، فدخلها وهو ماشى [١] على أقدامه حافى [٢]، كما قد قيل فى المعنى: دنوت تواضعا وعلوت مجدا … فشأناك انخفاض وارتفاع كذاك الشمس تبعد إن تسامى … ويدنو [٣] الضوء منها والشعاع فلما دخل المدينة الشريفة، زار قبر النبى، ﷺ ، وهو مكشوف الرأس، ثم فرّق على فقراء المدينة عشرين ألف دينار، كما فعل فى مكّة. فلما انتهى أمر الزيارة، قصد التوجّه إلى الديار المصرية، فدخلها فى أوائل صفر، وكان يوم دخوله إلى القاهرة يوما مشهودا، على حكم مواكبه المقدّم ذكرها، وهذه الحجّة الثانية، انتهى؛ وحجّ مع السلطان فى تلك السنة الملك المؤيد عماد الدين إسمعيل، صاحب حماة.

стр. 459

وفى هذه السنة، أعنى سنة ثمان عشرة وسبعمائة، فى جمادى الآخرة، توفّى قاضى قضاة المالكية ابن مخلوف النويرى، وتولّى بعده القاضى تقىّ الدين محمد بن أبى بكر ابن الأخناى. ثم دخلت سنة تسع عشرة وسبعمائة فيها تزوّج السلطان ببنت أزبك خان، صاحب الموصل، فحضرت من بلاد الشرق إلى مصر فى محفّة مرقومة بالذهب؛ فلما طلعت إلى القلعة، أقام المهمّ عمّالا سبعة أيام بالقلعة، والسلطان فى أرغد عيش. وفيها جاءت الأخبار من دمشق بوفاة القاضى شرف الدين عبد الوهاب بن فضل الله العمرى، كاتب السرّ بمصر، ثم نقله السلطان إلى كتابة السّر بالشام، فأقام بها حتى توفّى هناك، وقد جاوز من العمر أربع وتسعين سنة، وكان عالما فاضلا، ناظما ناثرا، عارفا بأحوال المملكة، ومن نظمه الرقيق ما كتبه على طاسة، وهو قوله: ريقتى تشفى نديمى … وتجلى الكرب عنه لم أصن عنه رضابى … وهو عنى لم يصنه فغدا يرشف منى … مثلما أرشف منه ثم دخلت سنة عشرين وسبعمائة فيها جرّد السلطان العساكر إلى سيس، فلما وصلوا إليها، حاصروا من كان بها من الأرمن، فطلبوا الأمان، فملكها العسكر، وأقام بها باش العسكر نائبا من قبل السلطان؛ ورجع عسكر السلطان وهم فى غاية النصرة، فأخلع السلطان على باش العسكر خلعة، ونزل إلى بيته. وفيها توفّى الشيخ شهاب الدين محمود أبو الثناء، وكان عالما فاضلا، ناظما ناثرا، وله شعر جيّد، فمن ذلك قوله: عريب سبوا نومى ولم تدر مقلتى … كما سلبوا قلبى ولم تشعر الأعضا وطلّقت نومى والجفون حوامل … فمن أجل ذا فى الخدّ أبقت لها فرضا

стр. 460

وكانت هذه السنة قليلة الحوادث، لم يحدث فيها شئ (١) من ولاية ولا عزل. ثم دخلت سنة إحدى وعشرين وسبعمائة فيها وقع من الحوادث أنّ خوند طغاى، زوجة الملك الناصر، أمّ ولده أنوك، توجهت فى هذه السنة إلى الحجاز الشريف، وكان القاضى كريم الدين، ناظر الخاص، متسفّرا عليها، وكان أمير المحمل فى تلك السنة الأمير قجليس (٢)، أمير سلاح، وجماعة من الأمراء العشراوات. فخرجت من القاهرة فى ثامن شوّال، وكان يوما مشهودا، فخرجت فى محفّة زركش، وصحبتها الكوسات والعصائب السلطانية، فحجّت، ورجعت إلى القاهرة فى عاشر المحرّم؛ فلما وصلت إلى بركة الحاج، نزل إليها السلطان وتلقّاها، ودخلت فى موكب عظيم، والأمراء مشاة قدّام محفّتها، حتى طلعت إلى القلعة. الحافظ الإقفهسى، ولد فى هذه السنة (٣)، وتوفّى سنة إحدى وعشرين وثمانمائة. وفيها جاءت الأخبار بأنّ العسكر، لما رجع من سيس، وقلعة إياس، رجع إليها الأرمن وملكوها، وطردوا من كان بها من قبل السلطان؛ فلما بلغ السلطان ذلك، عيّن لهم تجريدة ثقيلة، فكان بها من الأمراء: الأمير طرجى، أمير مجلس، والأمير ألماس، حاجب الحجّاب، وهو صاحب الجامع الذى بجوار زاوية الشيخ خلف، والأمير أصلام، وهو صاحب الجامع الذى عند سوق الغنم، والأمير بهادر آص، والأمير سنجر الجمقدار، والأمير كجكر العلمى، والأمير آقوش الأشرفى، وغير ذلك من الأمراء العشراوات، وعيّن معهم نحو ألفين (٤) مملوك سلطانية. فخرجوا من القاهرة على حميّة، وقصدوا التوجّه إلى البلاد الحلبية، فلما وصلوا إلى سيس، حاصروا من بها من الأرمن أشدّ المحاصرة، حتى ضجر منهم أهل المدينة، وقتل منهم نحو النصف، وأخرب العسكر سور المدينة، وأخذوها

стр. 461

بالسيف، وانطرد عنها الأرمن، وجعلوا بها النائب الذى كان بها أولا وطردوه عنها الأرمن، وفيه يقول بعض الشعراء: عساكر السلطان قالوا اجعلوا … على مدينة سيس نائب رسيس فقالت الأرمن من جاءنا … نجعله فى القلعة يبقى بسيس ثم إنّ العسكر أتوا إلى القاهرة وهم فى غاية النصرة. وفى هذه السنة، شرع السلطان فى عمارة ميدان المهارة، الذى عند قناطر السباع، ووزّع مصروف عمارته على أمير آخور كبير، وبقيّة الأمراء الآخورية، فانتجز العمل منه فى أسرع مدّة. وفيها عزل السلطان القاضى علاء [الدين] (١) بن الأثير عن كتابة السرّ؛ واستقر بالقاضى محيى الدين بن فضل الله العمرى. ثم دخلت سنة اثنتين وعشرين وسبعمائة فيها تغيّر خاطر السلطان على القاضى كريم الدين عبد الكريم بن السديد، ناظر الخواص الشريفة، فقبض عليه وعلى ولده؛ وهو أول من تولّى ناظر الخاص بالديار المصرية، وقد نال من العزّ والعظمة ما لا ناله غيره فى عصره؛ فلما تغيّر خاطر السلطان عليه، احتاط على موجوده، ورسم بنفيه إلى الشوبك، هو وولده، وصادر غلمانه ونساءه (٢)، وحاشيته، واستصفى أموالهم. ثم إنّ السلطان أخلع على القاضى تاج الدين بن عبد الوهاب بن شمس الدين محمد، واستقرّ به ناظر الخاص، عوضا عن كريم الدين. ثم إنّ السلطان نقل كريم الدين من الشوبك إلى أسوان، فسجن بها وهو مقيّد بالحديد، فأقام فى السجن مدّة يسيرة، ومات وهو فى السجن؛ قيل إنّه لما ضاق به الأمر، عمد إلى خشبة، وعمل فيها حبلا، وشنق نفسه به، فمات ودفن بأسوان.

стр. 462

فلما مات أحضر السلطان ولد القاضى كريم الدين، وعاقبه أشدّ العقوبة، وقرّره على الأموال والذخائر، فأظهر فى دهليز بيته مخبأة فيها من الذهب العين مائتى ألف دينار، ووجد فيها من الفصوص والتحف ما لا يحصى، هذا بعد ما ظهر له من الموجود فى المصادرة الأولى. وقد اجتمع عنده هذه الأموال فى مدّة يسيرة، وكان السلطان قرّبه حتى إنّه سلّمه مفاتيح بيت المال، يتصرّف فيها حيثما يختار من ذلك، وكانت الكلمة مجتمعة فيه بموجب قربه من السلطان، فكان كما قيل فى المعنى: احذر مداخلة الملوك ولا تكن … ما عشت بالتقريب منهم واثقا فالغيث غوثك إن ظمئت وربما … ترمى بوارقه إليك صواعقا نقل الصارمى إبراهيم بن دقماق فى تاريخه، أنّ القاضى كريم الدين هذا شرب يوما دواء، فجمع له كل ورد كان بالقاهرة، فنثره فى داره، حتى عمّ دور القاعة، وعمّ الدهاليز، حتى فرش منه على ملاقى بيت الخلاء، وأخذ منه الناس ما قدروا عليه، ثم إنّ العبيد أخذوا ما فضل من ذلك الورد، فأباعوه بعشرة دنانير؛ ودخل عليه جماعة من الشعراء فى ذلك اليوم يهنّونه بشرب الدواء، فأنعم عليهم بمائتى دينار، فمنهم الشيخ جمال الدين بن نباتة، يقول فيه فى المعنى: أمط بالدواء ثياب الأذى … وطب فى الرواح به والغدوّ وكرر أحاديث بيت الخلا … ولكن على رغم أنف العدوّ وكان القاضى كريم الدين هذا، له برّ ومغروف، وأنشأ جامعا بالجزيرة الوسطى، وأنشأ خانقاة بالقرافة الصغرى، وأوقف على الجامع والخانقاة عدّة جهات؛ ومات بأسوان، ولم يدفن بمصر، وعاش من العمر نحو ستين سنة، انتهى ذلك. ثم دخلت سنة ثلاث وعشرين وسبعمائة فيها شرع السلطان فى عمارة خانقاة فى سرياقوس، وهى من ضياع مصر، قيل إنّه رأى النبى، ﷺ ، فى المنام، وأشار عليه أن يبنى فى هذا المكان خانقاة، فلما انتبه من المنام شرع فى عمارة هذه الخانقاة.

стр. 463

فلما كملت قرّر بها صوفة يقيمون بها دائما، وجعل الشيخ مجد الدين الآقصراى شيخ الحضور بها، وكان عالما صالحا، فصارت الصوفة قاطنين بها، ورتّب لهم الرواتب، وأوقف عليها الأوقاف الجليلة، قال المعمار فى معنى ذلك: قد صار فى الخانقاة عرف … من فعلهم وهو شرّ عادة لا يدفعون النصيب فيها … إلا لمن يترك الشهادة ثم إنّ بعض الأعاجم كتب للسلطان ربعة بالذهب، فكان مصروفها ألف دينار، فجعلها فى هذه الخانقاة. قيل: لما كملت عمارة هذه الخانقاة، نزل إليها السلطان وبات بها، وقرأ هناك ختمة، وجمع القضاة الأربعة، وسائر الأمراء. ولم تزل هذه البقعة تتزايد فى العمارة إلى أيام الملك الأشرف برسباى، فبنى هناك جامعا، وجعل به خطبة، ولم تزل الناس تبنى بها الدور الجليلة، والأماكن الفاخرة، حتى صارت مدينة على انفرادها، وسكن بها أعيان الناس، وصارت من كور مصر، وهى حادثة من أيام الناصر محمد بن قلاون، انتهى ذلك. ثم دخلت سنة أربع وعشرين وسبعمائة فيها من الوقائع، أنّ السلطان شرع فى حفر خليج، وابتدأ بحفره من عند موردة الجبس، وسبب ذلك أنّ الخليج الذى كان يسمّى خليج الذكر، تلاشى أمره جدّا، وضعف جريان الماء فيه، فجدّد الملك الناصر هذا الخليج، وسمّاه الخليج الناصرى. فلما شرع فى حفره، وزّع حفره على جماعة من الأمراء الذين لهم البلاد فى هذه الجهة، فامتثلوا ذلك، واحتفلوا بحفره، حتى نبع الماء من أرضه، وتوزّعوا حفره بالقصبة الحاكمية، فانتجز منه العمل فى مدّة شهرين. قيل: لما وصلوا بحفر هذا الخليج إلى بين الغيطان، أرادوا أن يطلعوا به من على كوم الريش، فجاءهم شخص من الصالحين يقال له الشيخ خليل الرطلى، قيل كان

стр. 464

يصنع صنج (١) الأرطال فعرف بذلك، وهو الذى دفن بجوار جامع البشيرى، وقيل دفن فى بعض جهات بركة الرطلى، والله أعلم، فأشار عليهم بأن يمشوا به من على أرض الطبالة، فمشوا به من هناك، حتى طلعوا به من قبالة زقاق الكحل، فاختلط مع الخليج الحاكمى من هناك. وكانت بركة الرطلى مقاطع للطيّانة، يقطعوا (٢) منها الطين، فباس الأمير بكتمر، الحاجب، الأرض للسلطان على تلك البقعة، فأنعم عليه بها، فحفرها بركة وأجرى إليها الماء من الخليج الناصرى، وعمل لها الجسر بينها وبين الخليج، وهى جارية فى وقف الأمير بكتمر الحاجب إلى الآن. وإنما سميت ببركة الرطلى، لأنّ الشيخ خليل الرطلى كان مقيما بتلك البقعة، فعرفت به من يومئذ، وفى ذلك يقول الشيخ شمس الدين بن الصايغ الحنفى، وهو قوله: فى أرض طبّالتنا بركة … مدهشة للعين والعقل ترجح فى ميزان عقلى على … كل بحار الأرض بالرطل قيل، لما أوفى (٣) النيل فى تلك السنة، ودخل الماء فى الخليج الناصرى، كان ذلك اليوم يوما مشهودا، ونزل إليه السلطان، وشاهد كسره بنفسه، وفى ذلك يقول الشيخ شهاب الدين بن أبى حجلة، وهو قوله: ولربّ أقطع قال لى والنيل قد … عمّ الخليج وصار كالطوفان أجرى لنا السلطان بحرا ثانيا … مالى بشكر نوالهن يدان انتهى ذلك. ثم دخلت سنة خمس وعشرين وسبعمائة فيها وقع بالقاهرة مطر عظيم، مثل أفواه القرب، لم يسمع بمثله، حتى غرقت

стр. 465

الطرقات والأسواق، وجاء سيل عظيم انحدر من الجبل فى بحر النيل، حتى تغيّر لونه، وزاد فى فسقية المقياس أربعة أصابع، ووقع من هذا السيل عدّة أماكن بالقاهرة، وهذا كان من غرائب الاتّفاق، ذكر ذلك الشيخ تاج الدين بن المتوّج، المؤرّخ، انتهى ذلك. وفيها حضر إلى الأبواب الشريفة ملك التكرور المسمّى موسى، وصحبته تقادم جليلة للسلطان، فلما حضر أكرمه السلطان وأخلع عليه؛ وسبب مجيئه إلى مصر أنّه قصد أن يحجّ، فحجّ ورجع، ثم توجّه إلى بلاده. وفيها برزت المراسيم الشريفة إلى نائب حلب، بأن يروك البلاد الحلبية، كما فعل نائب الشام بالبلاد الشامية، فخرج من القاهرة أمير عشرة، وصحبته جماعة من المباشرين، فتوجّهوا إلى حلب، بسبب روك البلاد على حكم البلاد الشامية، فالبلاد المصرية والشامية والحلبية الآن فى الروك الناصرى. وفيها رسم السلطان بإبطال الضرب بالمقارع من مصر، وسائر أعمال مملكته، وكتب بذلك مراسيم شريفة، وقرئت على منابر مصر والشام وحلب؛ فبطل (١) ذلك فى أيامه، فعدّت هذه الفعلة من محاسنه. وفيها أرسل السلطان جماعة من البنائين إلى مكّة، وأجرى بها عين ماء، وهى العين المعروفة بعين بازان، فحصل لأهل مكّة بها غاية النفع، وهى إلى الآن جارية، ويعمّ نفعها أهل مكّة. وفى هذه السنة جاء النيل شحيحا، وشرقت البلاد، ووقع الغلاء بالديار المصرية، واضطربت أحوالها، انتهى ذلك. ثم دخلت سنة ست وعشرين وسبعمائة فيها عمل السلطان الموكب فى القصر، وقبض على الأمير طشتمر المعروف بحمص أخضر، وعلى الأمير قطلوبغا الفخرى؛ فأما الأمير طشتمر، شفعوا فيه الأمراء،

стр. 466

فأفرج السلطان عنه من يومه؛ وأما الأمير قطلوبغا الفخرى، فأرسله السلطان إلى الشام بطالا. واستمرّ الأمير طشتمر ممقوتا عند السلطان، فإنّه كان مرّ اللسان، صعب الخلق، كثير الشرّ، ظالم الصورة، وفيه يقول المعمار: لما طغى طشتمر واعتدى (١) … تفاءل الناس بأقوالها دنا حصاد الحمص المعتدى … ولم تزل مصر بأفوالها وفى هذه السنة عمرت القرية المعروفة بالنحريرية، من أعمال الغربية، وكان سبب إنشائها أنّ الأمير سنقر السعدى، نقيب الجيوش المنصورة، وهو صاحب المدرسة التى بالقرب من حمّام الفارقانى، وكانت أرض هذه القرية جارية فى إقطاعة، فعمر بها الأمير سنقر جامعا وطاحونا وخانا ومعصرة. ثم صارت تتزايد فى العمارة، وسكن بها جماعة من الفلاحين، فبلغ خراجها فى كل سنة خمسة عشر ألف دينار، فسمع بها الملك الناصر، فبعث أخذها منه، وصارت من جملة بلاد السلطان؛ فحصل للأمير سنقر قهر عظيم (٢) بسبب ذلك، فأقام مدّة يسيرة ومات، ودفن فى مدرسته التى أنشأها، المعروفة بالسعدية، انتهى ذلك. ثم دخلت سنة سبع وعشرين وسبعمائة فيها عزل السلطان القاضى محيى الدين بن فضل الله عن كتابة السرّ، واستقرّ بها القاضى شرف الدين بن الشهاب محمود. وفيها حضر إلى الأبواب الشريفة الملك المؤيد عماد الدين، صاحب حماة، وصحبته هديّة جليلة للسلطان، فأكرمه وأخلع عليه، وأقام بالقاهرة مدّة، ثم توجّه إلى بلاده وهو فى غاية الإكرام. وفيها، فى سادس عشر رمضان، توفّى الشيخ الإمام العالم العلامة كمال الدين محمد بن على بن عبد الواحد بن عبد الكريم الأنصارى الزملكانى الشافعى، ولد بدمشق

стр. 467

فى شوّال سنة سبع وستين وستمائة، وتوفّى ببلبيس فى سادس عشر رمضان من تلك السنة، وحمل من بلبيس إلى القاهرة، ودفن بالقرب من تربة الإمام الشافعى، ﵁، وكان من أعيان علماء الشافعية، وكان قد تولّى قضاء الشافعية بدمشق. ومما وقع له أنّ شخصا من الشعراء، يقال له أبو جلنك الحلبى، دخل على قاضى القضاة كمال الدين بن الزملكانى المشار إليه، فامتدحه بقصيدة سنية، وصار ينتظر الجائزة، فرسم له برطلين خبز، فعزّ ذلك على أبى جلنك؛ فاتّفق أنّ أبا جلنك دخل يوما إلى بستان فأقام به يومه، فقيل له إنّ هذا البستان لقاضى القضاة ابن الزملكانى، فكتب أبو جلنك على باب البستان هذين البيتين، وهما من المخترعات: لله بستان حللنا دوحه … فى جنّة قد فتحت أبوابها والبان تحسبه سنانير رأت … قاضى القضاة فنفشت أذنابها فاستطرد فى وصف البستان وتشبيه البان التشبيه الذى (١) من المخترعات، ثم انعطف على هجو قاضى القضاة بألطف عبارة، وهذه من الوقائع الغريبة، انتهى ذلك. ثم دخلت سنة ثمان وعشرين وسبعمائة فيها شرع السلطان فى بناء قناطر على الخليج الناصرى الذى حفره، فبنى عليه قنطرة عند موردة الجبس، وبنى قنطرة دونها تعرف الآن بقنطرة قديدار، قيل إنّ قديدار كان مشرفا على عمارتها فعرفت به، قيل إنّ قديدار كان والى القاهرة، وبنى قنطرة بظاهر باب البحر، وبنى قنطرة عند بركة قرموط تعرف الآن بالقنطرة العمراء، وبنى قنطرة عند بركة الرطلى تعرف الآن بقنطرة الحاجب؛ قيل إنّ الأمير بكتمر الحاجب كان مشرفا على عمارتها، فعرفت به، وبنى قنطرة عند زقاق الكحل تعرف الآن بالقنطرة الجديدة، فهؤلاء (٢) القناطر من إنشاء الملك الناصر محمد بن قلاون، انتهى ذلك.

стр. 468

ثم دخلت سنة تسع وعشرين وسبعمائة فيها شرع السلطان فى حفر البركة الناصرية، وأجرى إليها الماء من الخليج الناصرى، وبنى القصر الكبير بالميدان المجاور لهذه البركة، وأنشأ بستانا تحت هذا القصر. وكان ينزل إلى هذا القصر ويبات به، ويوكب من هناك إلى القلعة، والأمراء فى خدمته، والعسكر مشاة من الميدان إلى القلعة، وتجلس الناس على الدكاكين للفرجة، وتكون أيام المواكب من الأيام المعدودة فى القصف والفرجة. وفى هذه السنة، رسم السلطان لولده الأمير أحمد، أن يتوجّه إلى نحو الكرك، ويقيم بها، ورتّب له ما يكفيه، فتوجّه إلى الكرك وأقام بها. وفى هذه السنة، رسم السلطان بهدم الإيوان الأشرفى، الذى كان بالقلعة، وبنى (١) مكانه هذا الإيوان الموجود الآن، وعقد فوقه هذه القبّة العظيمة، وكان يعمل فيه المواكب، وتجتمع فيه الأمراء، ويكثر به الزحام، حتى قال فيه بعض الشعراء فى المعنى: ما كان يكفى حرّ ذا الإيوان … حتى ازداد قبّة فكأننى فيه خروف شوى … من فوقى مكبّة وفيه يقول بعض الشعراء: فلو حاول الشهمان كسرى وقيصر … نظيرا له فيما أقام وعمرا لأبصر كسرى كسر إيوان صرحه … وقصر عنه قصر قيصر فى الورى ثم دخلت سنة ثلاثين وسبعمائة فيها شرع السلطان فى إنشاء دور الحرم فعمرها، وتناهى (٢) فى بنائها، وفى زخرفها ورخامها، وجدّد بناء قاعة الأعمدة، والبيسرية، وبنى (١) الدهيشة المطلّة على الحوش السلطانى، وقيل إنما أكمل عمارتها ابنه الملك الصالح إسمعيل؛ وقد عمر الملك

стр. 469

الناصر محمد بن قلاون غالب أماكن القلعة الموجودة بها الآن. وفيها حضر إلى الأبواب الشريفة المقرّ السيفى تنكز، نائب الشام، ليزور السلطان وينظر وجهه؛ وحضر صحبته تقادم حفلة للسلطان والأمراء، ما بين خيول ووشق وسمور (١) وسنجاب وقاقم، وصوف ومحمل وشقق حرير، ومماليك وجوار بيض، وذهب عين، وغير ذلك مما يهدى للملوك؛ فأكرمه السلطان، وأخلع عليه، وأنزله بالميدان الكبير، فأقام بمصر مدّة، ثم توجّه إلى الشام، على عادته. وفى هذه السنة أعيد القاضى محيى الدين بن فضل الله، إلى كتابة السرّ، وصرف القاضى شرف الدين بن الشهاب محمود. ومما يحكى عن القاضى محيى الدين هذا أنّه كان إذا دخل على الملك الناصر وقت العلامة، وخرج من عنده، يحضر فوطة العلامة، ويجمع ما فيها من الرمل الذى يتناثر من العلامة بحضرة السلطان، فيجمع ذلك الرمل كله، ويضعه فى مرملته التى لنفسه، ويقول هذا رمل سعيد لا يرمى منه شئ، فكان إذا كتب شيئا رمّله من ذلك الرمل الذى جمعه من فوطة العلامة بحضرة السلطان، وفيه يقول ابن نباتة: يا سائلى عن كاتب السرّ الذى … تعزى علاه إلى أب أوّاه هذاك غيث الله محيى الأرض من … بعد الممات وذاك فضل الله وفى سنة ثلاثين وسبعمائة، فى المحرّم، توفّى الشيخ تاج الدين محمد بن عبد الوهاب ابن المتوّج الفهرى، المؤرخ، ومولده فى سنة تسع وثمانين وستمائة. ثم دخلت سنة إحدى وثلاثين وسبعمائة فيها رسم السلطان أن يعمل للكعبة الشريفة باب جديد (٢) من الخشب السنط الأحمر، فعمل لها هذا الباب الموجود الآن، وصفّحه بالفضّة عوضا عن الحديد، فكان زنة (٣) تلك الصفائح ثلاثون ألف درهم (٤)؛ فلما قلع الباب العتيق الذى كان بها، فوزنوا ما عليه

стр. 470

من الفضّة، فكان زنتها ستون رطلا، فأنعم السلطان بتلك الفضّة على بنى شيبة، خدّام البيت الشريف، فتقاسموه بينهم؛ وهذا الباب القديم كان قد عمله الخليفة العبّاسى، الملقّب بالمقتفى بالله، فى سنة اثنتين وخمسين وخمسمائة. وفيها عمل السلطان له يرقا عظيما، وقصد التوجّه إلى الحجاز الشريف، انتهى ذلك. وفى هذه السنة، أرسل السلطان أبو سعيد خان، ملك العراقين، فيلا عظيم (١) الخلقة إلى مكّة، صحبة الحاج العراقى، فتطايرت (٢) أهل مكّة من ذلك؛ فلما انقضى أمر الحجّ، وتوجّهوا إلى المدينة الشريفة، امتنع ذلك الفيل من دخول المدينة، فوكزوه بالحراب، فلم يتحرّك، ثم خرّ ميّتا من وقته. ثم دخلت سنة اثنتين وثلاثين وسبعمائة فيها كانت وفاة الشيخ الصالح الورع (٣) الزاهد الناسك، سيدى ياقوت العرشى، رحمة الله عليه، وكان عبدا حبشيّا من تلاميذ الشيخ أبى العبّاس المرسى، مات بالإسكندرية فى تلك السنة، وعاش من العمر نحو ثمانين سنة، ودفن بالإسكندرية، وكان له كرامات خارقة. وفيها عيّد السلطان عيد الفطر، وخرج فى سابع عشر شوّال، وقصد التوجّه إلى الحجاز الشريف، وهذه هى الحجّة الثالثة؛ وسبب هذه الحجّة أنّ السلطان لما عمل للكعبة هذا الباب الجديد المقدّم ذكره، قصد أن يضعه على باب البيت الشريف بحضرته، فحجّ فى تلك السنة، وأظهر العظمة الزائدة فى هذه الحجّة. فكان صحبته من الأمراء المقدّمين: الأتابكى بكتمر الساقى، وولده الأمير أحمد ابن أخت السلطان، والأمير أيدمر الخطيرى، وأظنّ أنّه صاحب الجامع الذى فى بولاق، والأمير جنكلى بن البابا، وهو صاحب الدرب المعروف به، والأمير بيبرس

стр. 471

الأحمدى، والأمير بهادر المعزّى، والأمير أيدغمش، وهو صاحب الحمّام التى عند البسطيّين، والأمير قطز، أمير آخور كبير، والأمير قطز دمر، وهو صاحب القنطرة المعروفة به، والأمير سنجر الجاولى، وهو صاحب المدرسة التى عند الكبش، والأمير قوصون، صاحب الجامع [المعروف به] (١)، والأمير صوصون، والأمير بشتاك العمرى، صاحب الجامع المعروف به، والأمير طايربغا، والأمير آقبغا آص الجاشنكير، والأمير طقتمر الخازن، وهو صاحب الدرب المعروف به، والأمير قمارى، والأمير تمر الموسوى، والأمير مسعود، حاجب الحجّاب، والأمير أيدمر، أمير جاندار، والأمير صاروجا، نقيب الجيوش المنصورة، وهو صاحب الجامع الذى عند بركة الرطلى، فهؤلاء الأمراء المقدّمين، غير الأمراء الطبلخانات والعشراوات. فكان عدّة من توجّه صحبة السلطان من الأمراء المقدّمين والطبلخانات والعشراوات، فى هذه الحجّة، اثنين وسبعين أميرا، ما بين مقدّمين ألوف (٢)، وغيرها من الطبلخانات، والعشراوات، ومن المماليك السلطانية نحو ألفين (٣) مملوك. وكان صحبة السلطان، لما توجّه إلى الحجاز، الملك الأفضل محمد بن الملك المؤيد عماد الدين إسمعيل صاحب حماة، فحجّ مع السلطان، ورجع إلى بلاده من هناك؛ فخرج الملك الناصر فى موكب عظيم، ولم يقع له مثل ذلك فى تلك الحجّتين المقدّم ذكرهما. وفى أواخر هذه السنة، فى ذى الحجّة، توفّى الشيخ عبد العال خليفة سيدى أحمد البدوى، رحمة الله عليهما، ولما مات، دفن بطندتا (٤) عند سيدى أحمد البدوى، انتهى ذلك.

стр. 472

ثم دخلت سنة ثلاث وثلاثين وسبعمائة فيها حضر مبشّر الحاج، وأخبر بوفاة الأنابكى بكتمر، وولده الأمير أحمد بن أخت السلطان، وكان الأتابكى بكتمر صهر السلطان، زوج أخته؛ وكان سبب موتهما، أنّ الأتابكى بكتمر وولده، لما رجعا من الحجاز، ووصلا إلى عيون القصب، بلغ السلطان أنّ الأتابكى بكتمر يقصد الوثوب عليه هناك، فلم يمكن السلطان أن يقبض على الأتابكى بكتمر، فدسّ عليه من أسقاه سمّا، هو وولده الأمير أحمد، فمات الأتابكى بكتمر بعيون القصب، ودفن بها، ومات ولده الأمير أحمد بنخل، ودفن بها. قيل، لما توفّى الأتابكى بكتمر، فى ثانى المحرّم من سنة ثلاث وثلاثين وسبعمائة، احتاط السلطان على بركه الذى كان معه، فوجد معه خمسمائة تشريف، ما بين مثمرات، وكوامل، وخلع حرير ملوّن، ووجد معه حملين قيود وزناجير، فتأكّد عند السلطان صحّة ما نقلوه عن الأتابكى بكتمر، فى أمر وثوبه على السلطان. وكان الأتابكى بكتمر يحجر على السلطان إذا رأى منه الجور فى حقّ الرعيّة، وكان السلطان يخشى منه ولا يخالفه فيما (١) يأمره به، وكان السلطان لا يتصرّف فى شئ من أمور المملكة إلا بعد مشورة الأتابكى بكتمر. وكان لا يهدى (٢) للسلطان شئ (٣) من التقادم حتى يهدى للأتابكى بكتمر مثله أو أحسن منه، فاجتمع عنده من الأموال والتحف ما لا ينحصر، حتى قيل كان فى اصطبله مائة سطل نحاس بيد مائة سائس، وتحت يدكل سائس طوالة خيل من الخيول الخاص. وكان الملك الناصر ينزل إلى بيته، ويبات عنده فى بعض الأوقات، وكان الأتابكى بكتمر ساكنا على بركة الفيل فى البيت الذى عند المدرسة الجاولية؛ وكانت اخت السلطان تحته، والسلطان فى قبضة يده، فعظم أمره فى تلك الأيام، وصار صاحب الحلّ والعقد فى دولة الملك الناصر، فثقل أمره على السلطان إلى الغاية.

стр. 473

وكان أصل الأتابكى بكتمر من مماليك الملك المظفر بيبرس الجاشنكير، فلما مات أخذه الملك الناصر مع جملة موجود الملك المظفر بيبرس، فحظى عنده حتى جعله فى أول يوم ساقيا، ثم صار يرقى (١) فى دولة الملك الناصر، حتى بقى أتابك العساكر، وأزوجه السلطان بأخته، ورقى (٢) فى تلك الأيام حتى كاد أن يكون هو السلطان. قيل، لما مات الأتابكى بكتمر، رقى (٢) من بعده الأمير قوصون، فأنعم عليه السلطان بزردخانة الأتابكى بكتمر، فقوّم ما فيها من السلاح وغيره، فكان بستمائة ألف دينار. ثم إنّ الملك الناصر أزوج الأمير قوصون بإحدى بنانه، وصار صهر السلطان كما كان الأتابكى بكتمر، بل فاقه فى العزّ والعظمة، ووقع له أمور فى تصرّف المملكة، ما لا وقع للأتابكى بكتمر، كما سيأتى ذكر ذلك فى مواضعه. ومن النكت اللطيفة، قيل، وقع يوما تشاجر بين الأتابكى بكتمر، وبين الأمير قوصون، فقال قوصون للأتابكى بكتمر: «أنا ما نقلت من الأطباق إلى الاصطبلات، بل أخذنى السلطان من شخص تاجر كنت فى خدمته، فلما أخذنى اتّفق أنّ شخصا من الخاصكية توفّى فى ذلك اليوم، فأنعم علىّ السلطان بإقطاعه وبركه وبيته، وصرت خاصكيا فى ذلك اليوم، ولم أدخل تحت رقّ». وسبب ذلك، أنّ التاجر الذى كان عنده قوصون، لما قال له السلطان: «بعنى (٣) هذا المملوك»، فقال التاجر: «هو حرّ لوجه الله تعالى»، فأخذه السلطان برضاه، وجعله فى ذلك اليوم خاصكيا (٤)، ولم يقعد فى طبقة، ولم يكن تحت حكم أغاة يتصرّف فى أمره؛ فلما سمع الأتابكى بكتمر كلام قوصون، ما وسعه إلا السكوت، انتهى ذلك.

стр. 474

ثم إنّ السلطان، لما قضى حجّه، دخل إلى القاهرة فى خامس المحرّم من تلك السنة، وكانت مدّة غيبته، ذهابا وإيابا، أربعة وخمسون يوما لا غير، ودخل إلى القاهرة فى موكب حفل؛ وقد تزايدت عظمته، وصفا له الوقت بموت الأتابكى بكتمر. ثم إنّ السلطان لما استقرّ بالقلعة، عمل الموكب، وأخلع على المقرّ السيفى قوصون الناصرى، واستقرّ به أتابك العساكر، عوضا عن الأمير بكتمر الساقى، انتهى ذلك. [وفيها توفّى المسند أبو العبّاس أحمد بن أبى طالب بن نعمة، الشهير بالحجّار، توفّى بدمشق] (١). [وفيها، توفّى صاحب حماة الملك المؤيد إسمعيل، وكان فاضلا، وله مشاركة فى العلوم] (٢). وفى هذه السنة، أعنى سنة ثلاث وثلاثين وسبعمائة، فيها عزل السلطان قاضى القضاة الشافعية بدر الدين بن جماعة، وقد كفّ بصره؛ وأخلع على الشيخ جلال الدين محمد القزوينى، واستقرّ به قاضى قضاة الشافعية، عوضا عن بدر الدين بن جماعة، وكان الشيخ جلال الدين القزوينى عالما فاضلا، وهو مؤلف كتاب «التخليص فى المعانى والبيان». وفيها عزل السلطان قاضى قضاة الحنفية برهان الدين بن عبد الحق؛ وولّى (٣) القاضى حسام الدين عمر البسطامى، ﵁، قاضى قضاة الحنفية، عوضا عن برهان الدين بن عبد الحق؛ والقاضى عمر البسطامى، هو الولى المشهور فى القرافة، بجوار ابن الفارض. وفيها توفّى الشيخ شهاب الدين النويرى، أحد المؤرّخين بمصر، توفّى فى رمضان من تلك السنة.

стр. 475

وفيها حضر إلى الأبواب الشريفة الأمير مهنا بن عيسى، من عربان آل فضل، وأحضر معه تقادم حفلة للسلطان، فأكرمه، وأخلع عليه، وأقرّه على حاله شيخ آل فضل. ثم دخلت سنة أربع وثلاثين وسبعمائة فيها رسم السلطان بنقل جثة الأتابكى بكتمر، وجثة ولده الأمير أحمد؛ وقد تقدّم أنّ الأتابكى بكتمر مات ودفن بعيون القصب، وولده الأمير أحمد مات ودفن بنخل، فرسم السلطان بنقلهما، وأن يدفنا، الأتابكى بكتمر وولده الأمير أحمد، فى الخانقاة التى أنشأها الأتابكى بكتمر، فى القرافة الصغرى (١). وكان الأتابكى بكتمر أنشأ هذه الخانقة فى القرافة الصغرى (١)، بجوار مقام سيدى محمد وفا، ﵁، وأنشأ بهذه الخانقة حمّاما، وفرنا، وطاحونا، وساقية، وجنينة، وقرّر بها صوفية وحضورا، وجعل للصوفة خلاوى فى هذه الخانقاة يسكنون بها دائما. وجعل فى هذه الخانقاة ربعة شريفة مكتوبة بالذهب، مصروفها ألف دينار، وكانت بخطّ بعض الأعاجم. ولم تزل هذه الربعة مقيمة بهذه الخانقاة، والناس يتوجّهون إلى هذه الخانقاة بسبب الفرجة على هذه الربعة، فإنّها كانت من محاسن الزمان؛ ولم تزل هناك إلى سنة تسع وتسعمائة (٢)، فلما أنشأ الملك الأشرف قانصوه الغورى مدرسته التى فى الشرابشيّين، نقل هذه الربعة إلى مدرسته، وهى مقيمة بها إلى الآن. وكانت القرافة فى دولة الملك الناصر محمد بن قلاون عامرة آهلة، وبنت بها الأمراء

стр. 476

الترب الجليلة، ولا سيما بمزارات (١) الأولياء التى بها، وفيها يقول بعض الشعراء: تعجّبت من أمر القرافة إذ غدت … على وحشة الموتى لها قلبنا يصبو فألفيتها مأوى الأحبّة كلهم … ومستوطن الأحباب يصبو له القلب وقال العميدى: إذا ما ضاق صدرى لم أجد لى … مقرّ عبادة إلا القرافة لئن لم يرحم المولى انكسارى … وقّلة ناصرى لم ألق رأفة واستمرّت القرافة تتزايد فى العمارة إلى سنة ثلاث وثلاثين وأربعمائة، وكانت الناس يرغبون فى سكناها، ويخيّرونها على سكنة (٢) المدينة؛ ولم يزالوا على ذلك حتى ظهر بالقرافة شئ يقال له القطربة، فكانت تنزل من الجبل المقطم فى الليل، وتختطف الأولاد الصغار الذين (٣) فى الترب، فلما تزايد أمر القطربة، رحل من القرافة أكثر الناس خوفا على أولادهم، فهذا كان سببا لخراب القرافة، وتلاشى أمرها من يومئذ. وقد حكى عن هذه القطربة، أنّها كانت تنبش قبور الموتى، وتأكل أجوافهم، وتتركهم مطروحين على الأرض، فعند ذلك امتنع الناس من الدفن فى القرافة، واستمرّ ذلك مدّة طويلة حتى انقطع خبر تلك القطربة. وحكى أنّ شخصا خرج من أطفيح، وهو راكب على حماره فى الليل، فلما وصل إلى حلوان، رأى امرأة جالسة على الطريق، فشكت له من ضعف المشى، فحملها خلفه، فلم يشعر بالحمار إلا وقد سقط ميّتا، فنظر إلى المرأة وإذا بها قد خرقت جوف الحمار بمخاليبها، ففزع الرجل خوفا منها على نفسه. فلما أشيع أمره بين الناس، فكانت الأتراك تخرج إلى حلوان بالقسى والنشاب، فلم يقدروا على تحصيل تلك القطربة، ورأوا إلى الحمار ميّتا، وقد أكلت جوفه عن

стр. 477

آخره - نقل ذلك الشيخ تقىّ الدين المقريزى فى الخطط، انتهى ذلك. وكان صفة الأتابكى بكتمر، أبيض اللون، مشرب بحمرة، أسود اللحية، معتدل القامة، غليظ الجسد؛ وكان وافر العقل، حسن العبارة، قليل الأذى، محبّبا للرعيّة؛ وكان يرجع الملك الناصر عن الظلم، ويسمع له فى ذلك؛ وكان له برّ ومعروف، وأوقاف كثيرة، على جهات برّ وصدقة، ولا سيما هذه الخانقاة التى أنشأها فى القرافة، وما فعل فيها من وجوه البرّ والخير، انتهى ذلك. [وفيها توفّى الإمام فتح الدين محمد بن محمد بن سيد الناس المصرى، وكان من أعيان العلماء، وله سند فى الحديث] (١). وفى هذه السنة، حضر المقرّ السيفى تنكز، نائب الشام، وكان يزور السلطان فى كل سنة مرّة، فحضر صحبته تقادم حفلة للسلطان. فلما حضر أكرمه، وأنزله بالميدان الكبير، الذى عند البركة الناصرية، فأقام به مدّة، ثم توجّه إلى الشام، فأخلع عليه السلطان خلعة سنيّة، ونزل من القلعة، والأمراء قدّامه، حتى وصل إلى الريدانية؛ وكان هذا آخر اجتماعه بالسلطان، ومنتهى سعده، كما سيأتى ذكر ذلك فى موضعه. وفى هذه السنة، توفّى الشيخ تاج الدين الفاكهانى، من أعيان علماء المالكية، ولد سنة أربع وخمسين وستمائة، ومات سنة أربع وثلاثين وسبعمائة. وفيها توفّى الشيخ ناصر الدين محمد بن شافع بن على سبط القاضى محيى الدين ابن عبد الظاهر، وكان عالما فاضلا، وله شعر جيّد، وهو من أعيان شعراء مصر، فمن ذلك قوله: مولاى إنّ البحر لما زرته … حيّاك وهو أبو الوفاء بأصبع فانظر لبسطته التى قد أصبحت … هى مشتهاه وروضة المتمتع أرخى عليه الستر لما جئته … خجلا ومدّ تضرّعا بالأذرع وفى هذه السنة، فى شعبان، توفّى الشيخ فتح الدين (٢) محمد بن محمد بن محمد بن سيد

стр. 478

الناس اليعمرى، وكان أصله من الأندلس، وهو مؤلّف السيرة النبوية، وكان مولده فى ذى القعدة من سنة إحدى وسبعين وستمائة، ومات فى هذه السنة، وهى سنة أربع وثلاثين وسبعمائة، وكان حافظا، علاّمة، ناظما ناثرا، راويا من أعيان الرواة، ومن شعره قوله: قضى ولم يقض من أحبابه أربا … صبّ إذا مرّ خفّاق النسيم صبا لا تحسبن قتيل الحبّ مات ففى … شرع الهوى عاش للإخلاص منتسبا فى جنة من معانى حسن قاتله … لا يشتكى نصبا فيها ولا وصبا ما مات من مات فى أحبابه كلفا … وما قضى بل قضى الحق الذى وجبا قيل، لما بلغ الصلاح الصفدى وفاة الشيخ فتح الدين، وكان بدمشق، فرثاه وقال: كان سمعى فى مصر بالشيخ فتح … الدين يجنى الآداب وهى طرية يا لها غربة بأرض دمشق … أذكرتنى الفواكه الفتحية ثم دخلت سنة خمس وثلاثين وسبعمائة فيها أفرج السلطان عن جماعة من الامراء الذين كانوا فى السجن بثغر الإسكندرية، وهم: الأمير بيبرس، حاجب الحجّاب، والأمير تمر الساقى، والأمير غانم بن أطلس خان، والأمير طغلق، والأمير بلاط اليونسى، والشيخ على الأوجاقى، والأمير بلرغى (١)، والأمير بتخاص، والأمير لاجين العمرى، والأمير بيبرس العلمى، والأمير كجلى. فلما حضروا هؤلاء الأمراء إلى القاهرة، أخلع عليهم، وأعادهم إلى إمرياتهم؛ ثم بعد ذلك قبض على جماعة من الأمراء وأرسلهم إلى السجن بثغر الإسكندرية، عوضا عمن أفرج عنهم. وفى هذه السنة شرع السلطان فى بناء قنطرة على بحر أبى المرجا (٢)، عند شيبين (٣) القصر. وفيها جاءت الأخبار من حلب، أنّ الأرمن ملكوا مدينة سيس، وطردوا

стр. 479

من كان بها من المسلمين؛ فرسم السلطان لنائب حلب بأن يتوجّه إلى سيس، هو ومن فى حلب من العساكر، فخرج فى سابع عشرين رمضان، وحاصر من فى سيس من الأرمن، وأحرق الضياع التى حول المدينة، وأسر جماعة من الأرمن، نحوا من ثلثماية إنسان (١). فلما وقع ذلك ثار من كان فى قلعة إياس من الأرمن على المسلمين، وحشروهم فى فندق، وأحرقوا ذلك الفندق بمن فيه من المسلمين، وكانوا نحو ألفين إنسان (٢)، ما بين رجال ونساء وصغار؛ فلا حول ولا قوة إلا بالله العلىّ العظيم. فجاء هذا الخبر إلى السلطان ليلة عيد النحر، فتشوّش لذلك، واضطرب من هذا الخبر، فدخل عليه ابن الشهاب محمود الثناء، وأنشده هذه الأبيات، وهى: أيا ملك الإسلام وابن مليكهم … ومن أيّد الرحمن بالنصر جنده ومن جيشه ملء الفضاء وأنّه … ليهزم جيش الكفر بالله وحده أتاك بعيد النحر سعدك مخبرا … لنا أنّ عيد النصر يأتيك بعده فصلّ لربّ الناس وانحر فبعدها … ستنحر من يدعو مع الله ندّه انتهى ذلك. وفيها شرع الأتابكى قوصون فى بناء خانقته، التى هى خارج باب القرافة، وكذلك فى إنشاء جامعه، الذى بالقرب من زقاق حلب. ثم دخلت سنة ست وثلاثين وسبعمائة فيها وقع الفناء والغلاء بمصر، ومات من الناس ما لا يحصى عددهم، واستمرّ الطعن عمّالا (٣) مدّة أربعة أشهر، ففتح السلطان له مغسلا (٤) برسم الأموات الغرباء، فكفّن من ماله فى تلك السنة من مات من الغرباء بنحو من عشرين ألف دينار.

стр. 480

ووقع الغلاء عقيب الفناء، فتناهى (١) سعر القمح إلى سبعين درهما كل أردب، وعدم الخبز من الأسواق، وماجت الناس على بعضها؛ فرسم للأمراء أن يفتحوا شونهم ويبيعوا منها للناس، ففعلوا ذلك، فانحط سعر القمح إلى ثلاثين درهما كل أردب، فلما دخل شهر رمضان انحطّ سعر القمح جدّا، وكثر فى العرضات (٢)، وسكن الرهج الذى كان فيه الناس. ومن الحوادث فى هذه السنة، أنّ السلطان تغيّر خاطره على الخليفة المستكفى بالله أبى الربيع سليمان، ورسم له أن يتحوّل من مناظر الكبش، ويسكن بالقلعة، فتحوّل من يومه، وسكن بالقلعة، هو وعياله، فى البرج الكبير، الذى كان الملك الظاهر بيبرس أنزل به الإمام أحمد الحاكم بأمر الله، عند ما قدم من بغداد. فاستمرّ الخليفة المستكفى بالله ساكنا فى هذا البرج مدّة، ومنع السلطان الناس عنه، ولم يمكّن الناس من الاجتماع به، فأقام على ذلك نحو خمسة أشهر، حتى شفع فيه بعض الأمراء عند السلطان، فرسم له بالنزول إلى مناظر الكبش، على عادته، والسكن بها. وفيها أرسل السلطان تجريدة إلى سيس، بسبب ما فعله الأرمن، مما تقدّم ذكره. وفيها حضرت الحرّة، زوجة ملك الغرب، طالبة التوجّه إلى الحجاز؛ وحضر صحبتها تقادم حفلة للسلطان، ومن جملتها أعجوبة وهو ثور أصفر، فاقع اللون، كامل الخلقة، وفى وسط ظهره من الجانب الأيمن كتف طالع منه رءوس أضلاعه، وذلك الكتف بمرفق وذراع، وحافر مفروق مثل حافر البقر، فكان يطوف بالقاهرة ويجبى (٣) عليه، كما يفعل بالسباع، وكان يطوف القاهرة، وعليه جلّ من حرير أصفر. وفى هذه السنة، رسم السلطان للمقرّ السيفى تنكز، نائب الشام، بأن يتوجّه إلى

стр. 481

عمارة قلعة جعبر، فامتثل ذلك وعمرها، وجعل فيها حرسية، ونائب، وأودع بها السلاح، وكتب بذلك محضرا، وأرسله إلى السلطان. ثم رسم السلطان للأمير أزدمر الشمسى، نائب بهسنا، بأن يتوجّه إلى قلعة (١) درندة، ويحاصر أهلها، فلما حاصرهم، طلبوا منه الأمان، وسلّموا له القلعة؛ ثم توجّه إلى قلعة النقير وحاصرها، ففعلوا كما فعل أهل قلعة درندة، وسلّموا بالأمان. وفيها توفّى الشيخ عبد الواحد بن شرف الدين بن المنير، وكان من أعيان علماء المالكية، ولد سنة إحدى وخمسين وستمائة، وتوفّى فى أثناء هذه السنة، انتهى ذلك. وفى هذه السنة فتحت، درندة من الأرمن، وقد فتحت بالأمان، وفتحت أيضا قلعة نقير ببلاد سيس بالحصار. - وفيها توفّى السلطان أبو سعيد خان، ملك العراقين، وكان لا بأس به. ثم دخلت سنة سبع وثلاثين وسبعمائة فيها توفّى الشيخ أبو عبد الله محمد بن محمد العبدرى الفاسى، كان من أعيان علماء المالكية، مات بمصر، ودفن بها، وقد داعبه بعض شعراء مصر بهذه المداعبة اللطيفة، وهو قوله: ومغربى دخله مستخرج … ليس له ذكر يرى فى الناس فأصله وأسته وذقنه … كل غدا منتسب لفاس وفيها قبض السلطان على الحاج على بن فضيل، شيخ مدينة ملّوى، وكان له دواليب ومعاصر، وكان يزرع فى كل سنة من القصب الحلو خمسمائة فدان. فلما قبض عليه السلطان، وجد عنده فى الحواصل أربعة عشر ألف قنطار من السكر المكرّر، ومثلها قطر نبات، ومثلها عسل أسود، هذا خارجا عما وجد له من العبيد والجوار والغلال، وغير ذلك من الذهب العين والفضّة، فحمل ذلك جميعه إلى الحواصل السلطانية؛ وأقام على بن فضيل فى الترسيم مدّة، ثم أفرج عنه، وأخلع عليه، وأعيد إلى حاله بمدينة ملّوى، انتهى ذلك.

стр. 482

ثم دخلت سنة ثمان وثلاثين وسبعمائة فيها تغيّر خاطر السلطان على الخليفة المستكفى بالله أبى الربيع سليمان، ورسم له بأن يتوجّه، هو وعياله، إلى قوص، فخرج من يومه، وتوجّه إلى قوص، وذلك يوم السبت ثانى عشر ذى الحجّة من تلك السنة. فهو أول خليفة نفى من مصر من غير جنحة ولا سبب، ومعه أولاده وعياله، فشقّ ذلك على الناس، ولم يستحسنوا منه هذه الفعلة؛ قال الشيخ زين الدين عمر ابن الوردى فى هذه الواقعة، وهو قوله: أخرجوكم إلى الصعيد لأمر … غير مجز فى ملّتى واعتقادى لا يغيّركم الصعيد وكونوا … فيه مثل السيوف فى الأغماد وكان سبب ذلك، أنّ الخليفة المستكفى بالله، رفعت إليه قصّة، بأنّ شخصا له على الملك الناصر دعوة شرعية، فكتب عليها الخليفة: «ليحضر أو يوكّل»، وأرسلها إلى الملك الناصر، فلما قرأها شقّ ذلك عليه، وبقى فى خاطره منه، فتغافل عنه مدّة ثم رسم بإخراجه إلى قوص. فلما خرج أقام بقوص مدّة ثلاث سنين ونصف، ومات هناك فى شعبان سنة إحدى وأربعين وسبعمائة، فكانت مدّة خلافته بمصر خمس وثلاثين سنة وسبعة أشهر وأياما. وكان المستكفى بالله لما خلع من الخلافة، عهد إلى ولده أحمد من بعده، وثبت ذلك العهد على قاضى قوص، بشهادة أربعين رجلا من العدول، فلما حضر ذلك العهد بين يدى الملك الناصر، فلم يمشّيه، لما فى نفسه من الخليفة المستكفى بالله. ثم إنّ السلطان عقد مجلسا، وجمع القضاة الأربعة بسبب من يلى الخلافة؛ فلما رأوا القضاة ذلك العهد تمسّكوا بحكم قاضى قوص، وانفضّ المجلس مانعا، ولم يولّ (١) السلطان أحمد بن المستكفى بالله، واستمرّ على عدم ولايته لأحمد، فأقامت مصر بلا خليفة أربعة أشهر، فكانت الخطباء لا يدعون إلا للسلطان، فقط، ولم يذكروا (٢) اسم الخليفة.

стр. 483

فلما كان يوم الخميس ثانى جمادى الأولى (١)، طلب السلطان إبراهيم ابن الإمام أحمد الحاكم بأمر الله، أخا المستكفى بالله سليمان، فولاّه الخلافة على حين غفلة، بعد أن تروّى أربعة أشهر فى أمر من يلى الخلافة، ولم يولّ (٢) أحمد بن المستكفى بالله، لما عنده من حظّ النفس من أبيه، فولّى إبراهيم، وهو الثالث من خلفاء بنى العبّاس بمصر، وتلقّب بالواثق بالله، فتولّى إبراهيم من غير عهد، واستمرّ فى الخلافة إلى أن مات الملك الناصر. قال الشيخ شهاب الدين بن حجر، رحمة الله عليه، فى تاريخه: لما تولّى إبراهيم هذا أمر الخلافة، كانت العامة تسمّيه المستعطى بالله، لقذارة نفسه وطمعه، وكان فى الخلافة عارية مستردّة، إلى أن تولّى الإمام أحمد بن المستكفى بالله سليمان، كما سيأتى ذكر ذلك فى موضعه. [وفى هذه السنة توفّى الشيخ تقىّ الدين أحمد بن عبد الحليم بن عبد السّلام ابن تيمية الحرانى ثم الدمشقى الحنبلى، وكان إماما فاضلا، توفّى وهو فى السجن لأمر أوجب ذلك] (٣). وفى هذه السنة، أعنى سنة ثمان وثلاثين وسبعمائة، فيها توفّى القاضى محيى الدين يحيى بن فضل الله العمرى، كاتب السرّ بالديار المصرية، توفّى فى شهر رمضان من تلك السنة، وعاش من العمر ثلاث وتسعين سنة، وكان عالما فاضلا، شافعى المذهب، تولّى كتابة السرّ بمصر والشام، وكان من أعيان الرؤساء بمصر. ثم إنّ السلطان أخلع على القاضى علاء الدين على بن القاضى محيى الدين بن فضل الله، واستقرّ كاتب السرّ، عوضا عن أبيه محيى الدين، فلما تولّى كتابة السرّ بالديار المصرية، قال فيه المعمار:

стр. 484

لابن فضل الله فضل … غمر الناس ووفّى كيف لا وهو على … علم السرّ وأخفى وفى هذه السنة، عزل السلطان قاضى قضاة الشافعية جلال الدين محمد القزوينى؛ واستقرّ بالقاضى عزّ الدين عبد العزيز بن القاضى بدر الدين بن جماعة المقدسى. ثم دخلت سنة تسع وثلاثين وسبعمائة فيها تغيّر خاطر السلطان على النشوّ، ناظر الخواص الشريفة، وسلّمه إلى الأمير بشتاك الناصرى، حاجب الحجّاب، فلما تسلّمه عاقبه أشدّ العقوبة، حتى مات تحت الضرب، واحتاط على موجوده جميعه من صامت وناطق. وكان السلطان قرّب النشو هذا، حتى صار عنده فى أعلا المراتب كما كان كريم الدين بن السديد، وكان يظنّ أنّ الدهر قد صفا له، فكان كما قال الإمام على، كرّم الله وجهه: «من أمسى من الدنيا وهو على جناح أمن، أصبح منها وهو على قوادم خوف». فلما مات النشو، أخلع السلطان على صهر النشو، واستقرّ به ناظر الخاص، عوضا عن النشو، فجاء أظلم منه، وفيه يقول المعمار: قد أخلف النشو صهر سوء … قبيح فعل كما تروه أراد للشرّ فتح باب … فأغلقوه وسمّروه ومن الوقائع فى هذه السنة، أنّ ظهر بالقاهرة امرأة تسمّى الخنّاقة، فاشتهر أمرها بين الناس، فكانت تحتال على النساء والأطفال، وتخنقهم، وتأخذ ما عليهم من الثياب؛ فلما شاع أمرها، وبلغ السلطان، رسم لوالى القاهرة أن يقبض عليها، فلا زالوا يتبعونها حتى قبضوا عليها، فأشهروها فى القاهرة، ثم شنقوها على باب زويلة، وكان لها يوم مشهود (١) لما علّقت للشنق، انتهى ذلك. وفيها توفّى الشيخ ركن الدين محمد بن القويع التونسى المغربى، كان من أعيان علماء المالكية.

стр. 485

ثم دخلت سنة أربعين وسبعمائة فيها، فى صفر، توفّى سيدى أنوك بن السلطان الملك الناصر محمد، توفّى فى حياة والده؛ وكان أنوك هذا بديع الجمال، مليح الشكل، وكان الملك الناصر يحبّه دون أولاده، ومات وله من العمر نحو عشرين سنة؛ فحزن عليه السلطان حزنا شديدا، وتأسّف عليه، وقد رثاه الصلاح الصفدى بقوله فيه: مضيت وكنت للدنيا جمالا … وجرعت النجوم الزهر فقدك ومن عجب الليالى فيك أن لا … يموت أبوك يا أنوك بعدك فكان الفال بالمنطق. وفى هذه السنة تغيّر خاطر السلطان على المقرّ السيفى تنكز، نائب الشام، فأرسل إليه الأمير بشتاك الناصرى، والأمير يلبغا اليحياوى، وصحبتهم جماعة من المماليك السلطانية، وأرسل على أيديهما مراسيم شريفة لأمراء دمشق، بأن يكونوا لهم عونة على قبض الأمير تنكز، نائب الشام. فلما وصلا إليه، قالا له: «إنّ السلطان رسم أن تحضر إلى القاهرة»، فقال تنكز: «أنا بالأمس كنت عند السلطان، فما يصنع بى الآن»؟ فقالا له: «إنّ السلطان يريد أن يزوّج ابنته بابنك»، فقال تنكز: «أنا لى شغل فى هذا الشهر، وقد عرمت للتوجّه إلى عربان نابلس لأصلح بينهم، ولكن امضوا انتموا إلى مصر، وأنا أحضر وولدى بعدكم». فأغلظ عليه فى العبارة الأمير بشتاك الناصرى فى القول، ولم يسمع له، وأرسل كاتب السلطان، أنّ تنكز امتنع عن الحضور إلى الأبواب الشريفة، وأثخن جراحاته عند السلطان. فلما سمع السلطان هذا الجواب ازداد حنقه على تنكز، وعيّن له تجريدة، صحبة (١) الأمير طاجار، الدوادار الكبير، بالقبض عليه؛ ولو أنّ تنكز حضر مع الأمير بشتاك، والأمير يلبغا، إلى عند السلطان، ما كان يحصل له إلا كل خير، ولكن ضلّ رأيه عن الصواب.

стр. 486

فلما وصل الأمير طاجار إلى دمشق، قال لتنكز: «قم احضر إلى عند السلطان»، فامتنع تنكز من الحضور، وقال للأمير طاجار: «امض (١) أنت، وأنا أمضى بعدك بثمانية أيام»، فرجع الأمير طاجار إلى مصر، وما أبقى ممكنا (٢) فى حقّ تنكز. فازداد السلطان غيظا على تنكز، وعيّن له تجريدة ثقيلة، وبها ستة أمراء مقدّمين وخمسمائة مملوك، ورسم للنوّاب أن يمشوا عليه من هناك. فلما وصلوا إلى دمشق حاصروا تنكز أشدّ المحاصرة، فطلب منهم الأمان، ونزل إليهم وفى رقبته منديل، فقبضوا عليه وقيّدوه، وكان ذلك يوم السبت ثالث عشر ذى الحجّة سنة أربعين وسبعمائة. فلما مسك تنكز، احتاطوا على موجوده، فوجد له من الذهب والتحف والقماش ما لا يسمع بمثله، فمن ذلك من الذهب العين ثلثماية ألف دينار وستين ألف دينار، ومن الفضّة النقرة ألف ألف درهم وخمسمائة ألف درهم؛ ووجد له من الفصوص الياقوت والبلخش واللؤلؤ الكبار ثلاثة صناديق؛ ووجد عنده من الطرز الزركش والحوايص الذهب والكنابيش الزركش والخلع الأطلس مائة وخمسين بقجة، ومن القماش الصوف الملوّن، ومن السمور (٣) والوشق والسنجاب وغير ذلك خمسمائة بقجة؛ ووجد عنده من البرك والفرش والأوانى ما حمل إلى القاهرة على مائة وخمسين جملا. ووجد له ودائع عند الناس ما ينيف عن مائتين (٤) وخمسين ألف دينار، ومن الفضّة ألف ألف ومائة ألف درهم؛ وظهر له من الأملاك والضياع بمصر والشام ما قوّم بمائتى ألف دينار؛ هذا خارجا عن الخيول والبغال والجمال والغلال والمماليك والعبيد والجوار، وحلىّ نسائه، وغير ذلك، فوصل ذلك إلى الخزائن الشريفة صحبة الأمير بشتاك الناصرى.

стр. 487

ثم حضر الأمير تنكز، نائب الشام، صحبة الأمراء، وهو مقيّد، فلما حضر إلى الخطارة، رسم السلطان بأن يتوجّهوا به من هناك إلى السجن بثغر الإسكندرية، فمضوا به إلى السجن من هناك. فلما سجن أقام فى السجن أربعين يوما وهو مقيّد، ثم إنّ السلطان رسم بخنقه، فأرسل إليه الحاج إبراهيم بن صابر، مقدّم الدولة، فخنقه وهو بالسجن؛ فلما مات غسّلوه وكفّنوه وصلّوا عليه، ودفنوه بثغر الإسكندرية؛ فذهبت روحه، وأخذ ماله، وتخلّى عنه سلطانه، وقد قيل فى المعنى: لا فهم فى الدنيا لمستيقظ … يلمحها بالفكرة الباصرة إن كدّرت عيشته ملّها … وإن صفت كدّرت الآخرة وقال بعض الحكماء: «ثلاثة لا يؤمن (١) إليهم: المال وإن كثر، والملوك وإن قربوا، والمرأة وإن طالت صحبتها». واستمرّ تنكز مدفونا بثغر الإسكندرية مدّة يسيرة، ثم إنّ بعض الأمراء شفع فيه بأن ينقل جثّته إلى دمشق، ويدفن فى مدرسته التى أنشأها بدمشق، فرسم السلطان بنقله من الإسكندرية إلى دمشق، فنقل فى أواخر سنة إحدى وأربعين وسبعمائة، ودفن بدمشق، وفيه يقول الصلاح الصفدى: إلى دمشق نقلوا تنكزا … فيالها من آية ظاهرة فى جنة الدنيا له جثة … وروحه فى جنة الآخرة وقوله فيه أيضا: فى نقل تنكز سرّ … أراده الله ربّه أتى (٢) به نحو أرض … يحبّها وتحبّه وكان أصل تنكز من مماليك الملك المنصور لاجين، ولهذا كان تنكز يدعى بالحسامى، فلما قتل المنصور لاجين، وعاد الملك الناصر إلى السلطنة، أخذ تنكز من

стр. 488

جملة موجود الملك المنصور لاجين، فصار من مماليك الناصر محمد بن قلاون، فأخرج له خيلا وقماشا، وجعله خاصكيّا، ثم بقى أمير عشرة، ثم بقى أمير طبلخاناة، ثم بقى مقدّم ألف، كل ذلك فى دولة الملك الناصر. فلما راج أمر تنكز جعله الملك الناصر نائب الشام فى سنة اثنتى عشرة وسبعمائة، عوضا عن الأمير آقوش الأفرم؛ واستمرّ تنكز فى نيابة الشام ثمانية وعشرين سنة، وهذا لم يتّفق لأحد قبله من النوّاب، فعظم أمره، وكثرت أمواله. وكان له عند السلطان منزلة عظيمة، حتى كان يكاتبه فى المراسيم: «أعزّ أنصار المقرّ الكريم العالى»، وزاده فى الألقاب عن العادة، وكان السلطان لا يفعل شيئا من أمور المملكة حتى يرسل يشاور تنكز عليها. وكان تنكز يزور السلطان فى كل سنة مرّة، وصحبته الهدايا والتقادم الحفلة، ويقيم بمصر أياما، ثم يخلع عليه، ويمضى إلى الشام؛ واستمرّ على ذلك، حتى وقع بينه وبين السلطان، وعادت المحبّة بغضة، وتغيّر خاطر السلطان عليه، ودبّت بينهما عقارب الفتن، فأرسل قبض عليه. قيل، سئل بعض الحكماء: «ما السبب أن تستحيل المحبّة بغضة، ولا تستحيل البغضة محبّة»؟ فأجاب: «إنّ خراب العامر، أسهل من عمارة الخراب، وكسر الزجاج، أسهل من تصحيحه»، وقال الشاعر: لا تقبح بعد هجرك لى … تحسب أنى بالجفا أرضه الولاية بعدها عزلان … والمحبّة بعدها بغضة وقال سفيان الثورى: «لا تقرب السلطان إلا كما تقرب الأسد، فإن طاوعته أتعبك، وإن خالفته أعطبك». وكان صفة الأمير تنكز، أسمر اللون، خفيف العوارض، طويل القامة، حسن الشكل، وافر العقل، سديد الرأى، حسن السياسة فى أحكامه؛ وكان ديّنا خيّرا، كثير البرّ والمعروف، فمن ذلك أنه أنشأ خانقاة بمصر تحت الجبل الأحمر، بالقرب من قبّة الهواء، وأنشأ له جامعا (١) بدمشق، وله غير ذلك أوقاف (٢) كثيرة على

стр. 489

جهات برّ وصدقة، وكان طاهر الذيل عن الزنا واللواط، لكنه كان صعب الخلق، شديد الغضب، إذا غضب على أحد لم يرض (١) عنه أبدا، ويقف عند حظّ نفسه، ولا يطلق له مسجون قط؛ وبالنسبة (٢) إلى غيره كان خيار نوّاب الشام مطلقا، وكان محبّبا لأهل دمشق، انتهى ذلك من أخباره. ثم دخلت سنة إحدى وأربعين وسبعمائة فيها تزايدت عظمة الملك الناصر، وصفا له الوقت، وكثرت مماليكه، حتى صار راتبه وراتب مماليكه فى كل يوم، من اللحم الضأن ستة وثلاثين ألف رطل؛ وبالغ فى مشترى المماليك حتى بلغ عدّة مشتراواته اثنى عشر ألف مملوك (٣). وهو أول من اتّخذ الشاش والقماش للعسكر، والسيوف المسقطة بالذهب والفضّة، والحوايص الذهب، والطرز الزركش، والريش، والأقبية المفتوحة المفرّاة بالقاقم والسنجاب. وهو أول من رتّب المواكب بالقصر الكبير، وشرب السكّر بعد السماط، ورتّب وقوف الأمراء فى المواكب على قدر منازلهم فى الوظائف، وكذلك المباشرين، ورتّب بيات الأمراء بالقصر ليالى المواكب؛ ورتّب أشياء كثيرة من نظام المملكة، وهى باقية إلى الآن، ومشى عليها من جاء من بعده من الملوك على ذلك النظام. وقد طالت أيامه فى السلطنة بخلاف من تقدّمه من الملوك، وصفا له الوقت، وصار غالب الأمراء والنوّاب مماليكه ومماليك أبيه؛ ولا يعلم لأحد من الملوك آثار مثله، ولا مثل مماليكه، حتى قيل، قد تزايدت فى أيامه بالديار (٤) المصرية، والبلاد الشامية، من العمائر مقدار النصف، من جوامع وخوانق وقناطر وجسور وخلجان، وغير ذلك من العمائر بالقلعة وغيرها.

стр. 490

قال الشيخ سيف الدين أبو بكر بن أسد فى تاريخه: لقد وقفت على تواريخ الملوك السالفة، فما سمعت لأحد من الملوك مثل أخبار الملك الناصر محمد بن قلاون، وما وقع له من الوقائع الحسنة، فإنّه خطب له فى أماكن، لم يخطب فيها لأحد من الملوك غيره، وكاتبوه سائر الملوك من مسلم وكافر، وهادوه، وصار جميع العسكر، من كبير وصغير، فى قبضته؛ وفيه يقول الشيخ صفى الدين الحلّى من قصيدة: الناصر السلطان قد خضعت له … كل الملوك مشارقا ومغاربا ملك يرى تعب المكارم راحة … ويعدّ راحات الفراغ متاعبا يرجى مكارمه ويخشى بطشه … مثل الزمان مسالما ومحاربا فإذا سطا ملأ القلوب مهابة … وإذا سخا ملأ العيون مواهبا ولم يزل الملك الناصر محمد قائما على سرير ملكه حتى مرض وسلسل فى المرض، ومات على فراشه، فكانت وفاته فى ليلة الخميس فى العشرين من ذى الحجّة سنة إحدى وأربعين وسبعمائة، فمات وله من العمر نحو ثمانية وخمسين سنة. فلما مات دفن بعد العشاء على والده قلاون، داخل القبّة المنصورية، وكانت له جنازة مشهودة، وكثر عليه الأسف والحزن من الناس، «إنّ أجل الله إذا جاء لا يؤخّر»، كما قيل: حكم المنية فى البرية جارى … ما هذه الدنيا بدار قرار ومكلّف الأيام ضد طباعها … متطلّب فى الماء جذوة نار طبعت على كدر وأنت تريدها (١) … صفوا من الأقدار والأكدار ليس الزمان وإن حرصت مسالما … طبع الزمان عداوة الأحرار وإذا رجوت المستحيل فإنما … تبنى الرجاء على شفير هار فالعيش نوم والمنية يقظة … والمرء بينهما خيال سار وكانت مدّة سلطنة الملك الناصر محمد بالديار المصرية، والبلاد الشامية، ثلاثة وأربعين سنة وثمانية أشهر وأيام، وذلك دون خلعه من السلطنة، وقد خلع

стр. 491

ثلاث مرار (١)، فكانت مدّة الخلع، دون الولاية، نحو أربع سنين وأيام. ولما مات خلف من الأولاد أحد عشر ولدا ذكرا دون البنات، فأما الذى من أولاده تولّى السلطنة، وهم: سيدى أبو بكر الذى تولّى بعده، وسيدى أحمد الذى كان بالكرك، وسيدى كجك، وسيدى شعبان، وسيدى إسمعيل، وسيدى حاجى، وسيدى حسن، وسيدى صالح، فهؤلاء (٢) الثمانية تولّوا السلطنة بعده، كما سيأتى ذكر ذلك فى مواضعه. وأما الذى لم يل (٣) السلطنة من أولاده، وهم: سيدى رمضان، وسيدى حسين، وسيدى يوسف؛ وأما الذى توفّى فى أيام حياته من أولاده، وهم: سيدى إبراهيم، وسيدى محمد، وسيدى أنوك، وسيدى على، فهذا مجموع ما جاءه من الأولاد الذكور دون الإناث. وأما فتوحاته التى (٤) فتحت فى أيامه، وهى: مدينة آمد، وملطية، وقلعة إياس، ودارندة، وبهسنا، والمرعش، وتلّ حمدون، وقلعة النقير، وقلعة نجيمة، والهارونية، وكاورا، واسفندكار، وغير ذلك من الفتوحات. وجرّد فى أيامه إلى البلاد الشامية والحلبية، عدّة تجاريد، وحجّ فى أيامه ثلاث حجّات، وزار القدس والخليل، ﵇، ثلاث مرار. قلت: والناصر محمد بن قلاون هو أول من اتّخذ التذكير يوم الجمعة على المآذن (٥) لتستعدّ الناس للصلاة، وذلك فى سنة سبعمائة، واستمرّ ذلك إلى الآن. وأما من تولّى نيابة السلطنة فى أيامه، وهم: الأمير كتبغا الذى تسلطن، والأمير سلار، والأمير بكتمر الجوكندار، والأمير بيبرس الدوادار المنصورى، والأمير أرغون الناصرى مملوكه.

стр. 492

وأما قضاته الشافعية: القاضى نقى الدين بن دقيق العيد، والقاضى بدر الدين بن جماعة المقدسى، والقاضى جمال الدين الزرعى، والقاضى جلال الدين القزوينى، والقاضى عزّ الدين ابن القاضى بدر الدين بن جماعة؛ وأما قضاته الحنفية والمالكية والحنابلة، فقد تقدّم ذكرهم من مبتدأ دولته. وأما وزراؤه (١): الأمير سنجر الشجاعى، والصاحب تاج الدين بن الصاحب بهاء الدين بن حنا، والصاحب فخر الدين الخليلى، تولّى الوزارة فى أيامه مرتين، والأمير سنقر الأعسر، والأمير أيبك البغدادى، والصاحب شمس الدين محمد بن الشيخى، والأمير أيبك الأشقر، وهو أول من تلقّب بمدبّر المملكة، ثم تولّى الصاحب بن عطا، ثم تولّى الصاحب ضياء الدين النشاى، والصاحب بدر الدين محمد ابن التركمانى، والصاحب أمين الدين بن الغنام، تولّى الوزارة فى أيامه ثلاث مرار، وتولّى الناصرى محمد ابن الأمير بكتمر الحاجب، والأمير مغلطاى الجمالى. وأما كتّاب سرّه: القاضى شرف الدين بن فضل الله، والقاضى علاء الدين بن الأثير، والقاضى محمود أبو الثناء، والقاضى محيى الدين بن فضل الله، وولده القاضى علاء الدين ابن فضل الله. وأما نظّار جيوشه: القاضى بهاء الدين بن الحلى، وأظنّه صاحب الغيط المعروف به، والقاضى الفخر، وهو صاحب القنطرة المعروفة به، تولّى فى أيامه مرتين، والقاضى قطب الدين ابن شيخ المدرسة السلامية، والقاضى شمس الدين بن التاج، والقاضى مكين الدين بن قروينة، وهو صاحب الغيط المعروف به، والقاضى جمال الدين جمال الكفاة. وأما نظّار الخاص: القاضى كريم الدين بن السديد، وهو أول من تلقّب بناظر الخاص، وهى وظيفة محدثة ليس لها أصل فى أيام الخلفاء، وتولّى بعده القاضى تاج الدين ابن عبد الوهاب، وتولّى شخص يسمّى النشو، ثم تولّى من بعده صهره، وهو الذى هجاه المعمار، كما تقدّم.

стр. 493

وأما دوادارياته: الأمير عزّ الدين أيدمر الناصرى، والأمير أرغون الناصرى، والأمير رسلان، والأمير آلجاى الناصرى، والأمير صلاح الدين يوسف بن الأسعد، والأمير بغا، والأمير طاجار الناصرى. وأما ما أنشأه فى أيامه من البناء، وهو: القصر الكبير الأبلق الذى بالقلعة، والقصران (١) اللذان يليانه، وعمر الإيوان الكبير، وعقد فوقه القبّة العظيمة، وعمر الدهيشة المطلّة على الحوش السلطانى، وقيل إنما أكمل عمارتها ابنه الملك الصالح، وعمر الجامع الذى بالقلعة، والجامع الجديد المطلّ على بحر النيل عند موردة الحلفا، وعمر خانقاة سرياقوس، وعمر الحوش الكبير الذى بالقلعة، وعمر دور الحرم كلها، وعمر المجراة المتّصلة بالقلعة، وأجرى (٢) إليها الماء من بحر النيل، وعمر سور الميدان الذى تحت القلعة، وعمر الميدان الكبير الذى عند البركة الناصرية، وأنشأ به القصر الكبير، وغرس حوله الأشجار. وحفر الخليج الناصرى، وأجرى إليه الماء من عند موردة الجبس، وحفر البركة الناصرية، وأجرى إليها الماء، وعمر ميدان المهارة الذى عند قناطر السباع، وأنشأ على الخليج الناصرى عدّة قناطر، وعمر قناطر أمّ دينار، وقناطر شيبين، وقناطر أبو صير، وقناطر اللبينى (٣)، وعمر الجسر الذى بشبرامنت، وعمر جسرا بالفيوم. وجدّد عمارة الجامع الذى يسمّى بالرصد، وجدّد عمارة جامع راشدة، وجدّد عمارة مشهد السيدة نفيسة، ﵂، ووضع به المحراب الذى حرّره على الصحّة، وجدّد عمارة قبّة الإمام الشافعى، ﵁، وعمر زاوية الشيخ رجب التى تحت القلعة، وعمر الاصطبل السلطانى، وجدّد عمارة الطبلخاناة السلطانية، وعمر زربية بثغر دمياط، وله غير ذلك من الإنشاء أشياء كثيرة بمصر والشام، وأجرى عين بازان التى بمكة، وصنع للبيت الشريف بابا مصفّحا بالفضّة، وهو الموجود على الكعبة الشريفة إلى الآن.

стр. 494

وأما ما أبطله فى أيامه من وجوه الظلم، وهو: ضمان الغانى، وكان عبارة عن أخذ مال من النساء البغايات، وذلك لو خرجت أجلّ امرأة من نساء القاهرة تقصد البغاء، ونزّلت اسمها عند امرأة تسمّى الضامنة، وأقامت بما يلزمها من القدر الذى يتعيّن عليها، لما قدر أكبر من فى الحكام يمنعها عن البغاء، وعمل الفاحشة، وكان يحصل من ذلك لنساء أعيان مصر، وبناتهم، غاية الفساد من ذلك، فأبطل هذه الفاحشة العظيمة من مصر، وكان يتحصّل من هذه الجهة جملة مال. وأبطل أيضا ما كان يؤخذ ممن يبيع ملكا له، عن كل ألف درهم عشرين درهما، فأبطل ذلك جميعه، وكان يتحصّل من هذه الجهة أيضا جملة مال؛ وأبطل من هذا النمط أشياء كثيرة كانت بمصر من وجوه المظالم، وصارت فى صحيفته إلى الآن. قال بعض المؤرّخين: لم يل (١) من أبناء الملوك قاطبة ملك مصر أعظم من الملك الناصر محمد، وهذا متّفق عليه كل مؤرّخ. ولما مات الملك الناصر محمد، تولّى بعده ابنه أبو بكر، انتهى ما أوردناه من أخبار الملك الناصر محمد بن قلاون، وذلك على سبيل الاختصار، تمّت. ذكر سلطنة الملك المنصور سيف الدين وهو أبو بكر ابن الملك الناصر محمد بن قلاون وهو الثالث عشر من ملوك الترك وأولادهم بالديار المصرية، وهو أول من تولّى الملك من أولاد الملك الناصر محمد بن قلاون؛ بويع بالسلطنة بعد موت أبيه بعهد منه، وكان فى أولاده من هو أكبر منه، ولكن الملك الناصر اختار سلطنته من بعده دون أولاده، وقدّمه عليهم، فتولّى الملك وله من العمر نحو عشرين سنة. فلبس شعار الملك من دور الحرم، وركب من باب الستارة، والأمراء مشاة

стр. 495

بين يديه، حتى دخل القصر الكبير، وجلس على سرير الملك، وباس له الأمراء الأرض، وتلقّب بالملك المنصور، ونودى باسمه فى القاهرة، وضجّ له الناس بالدعاء، ودقّت له البشائر، وذلك فى يوم الخميس حادى عشرين ذى الحجّة سنة إحدى وأربعين وسبعمائة. فلما تم أمره فى السلطنة، عمل الموكب بالقصر الكبير، وأخلع على من يذكر من الأمراء، وهم: الأمير طقز دمر، صاحب القنطرة التى عند مدرسة قراقجا الحسنى، واستقرّ به نائب السلطنة بمصر؛ وأخلع على الأمير قوصون، صاحب الجامع، واستقرّ به أتابك العساكر بمصر؛ وأخلع على الأمير طشتمر المعروف بحمص أخضر، واستقرّ به نائب حلب؛ وأخلع على الأمير طاجار، وأقرّه دوادارا كبيرا على عادته. ثم دخلت سنة اثنتين وأربعين وسبعمائة فيها عمل السلطان الموكب، وأخلع على الخليفة الإمام أحمد بن المستكفى بالله سليمان، وهو صاحب العهد المقدّم ذكره، الذى توقّف الملك الناصر فى ولايته، فتعصّبت له الأمراء، فعزلوا إبراهيم الذى كانت العوام تسمّيه المستعطى بأمر الله، وولّوا الخليفة أحمد بن المستكفى بالله، وتلقّب بالحاكم بأمر الله، مثل لقب جدّه الإمام أحمد، فوافقه فى الاسم واللقب، فكان رابع خليفة من بنى العبّاس بمصر. وفيها عزل السلطان القاضى علاء الدين بن فضل الله عن كتابة السرّ؛ وولّى القاضى شهاب الدين بن فضل الله أخا القاضى علاء الدين، وكان عالما فاضلا، ناظما ناثرا، وهو صاحب كتاب «مسالك الأبصار فى ممالك الأمصار»، وله كتاب فى صنعة الإنشاء، وهو قوله: يا طالب الإنشاء خذ علمه … عنّى فعلمى غير منكور ولا تقف فى باب غيرى فما … تدخله إلا بدستورى وكان مولد القاضى شهاب الدين هذا فى شوّال سنة سبعمائة، وكان من أعيان شعراء مصر، وكان من أذكياء العالم، ومن نظمه الرقيق قوله:
следующие страницы →