← Акыда

Акыда · id 30061

اللمع في الحوادث والبدع

ابن بيدكين التركماني

Полный текст (853 стр.). Показаны 561–600 · переход к 566.

стр. 561

وقال أبو حنيفة: فإن تاب المسلم عن هذه المقالة تقبل الله أعماله، ويكون أيضًا نادمًا على هذه الفعلة ليوم القيامة، فيجدد إسلامه ونكاحه، فيعجل الله خيره وفلاحه. قال ﷺ : «أفضل الأعمال ثلاث: إنصاف المؤمن نفسه، ومواساة الأخ في ماله، وذكر الله تعالى على كل حال» (١). أنصفنا أيها المؤمن! من نفسك، فإذا ثبت عندك أن رجلًا يبغض دين الإسلام ولا يحب النبي ﷺ ؛ أفتكرمه لأجل فعلته هذه غاية الإكرام فتجلسه في مكان مرتفع والمسلمون وقوف بين يديه كالخدام؟! قال المؤمن: كيف أكرم من يبغض ديني، ويكذِّب نبيي، وهما عندي أحب إليَّ من نفسي وأهلي والأموال والأنعام! فقم أيها المؤمن! بما قلته من الكلام، ولا تولِّ على أمور المسلمين يهوديًّا، ولا نصرانيًّا، ولا راهبًا، إن كنت في الجنة راغبًا، ولله ولرسوله محبًّا طالبًا، فقد غدا كل أمير بهذه البلوى ناشبًا (٢) إلا من حرسه الله تعالى، ولم يردُّه من كرمه خائبًا. ثم اعلم بأن اليهود والنصارى من خبثهم ولعانتهم في ابتداء أمرهم

стр. 562

يتخدمون ويجتهدون ويظهرون (١) النصح لمخدومهم؛ فإذا ثبت ذلك عنده فعلوا ما أرادوا من الخيانة، وخيارهم لا يرى النصح ويأكل البرطيل (٢)، وما شهدنا إلا بما علمنا، فأقصر ولا تطيل. فمن سلامة صدر المسلم يزعم أنه ناصح له فيحبه ويولِّيه، ويقول: عندي كاتب صادق أمين، فيسقط بقوله وفعله من رحمة رب العالمين؛ فقد كذَّبهم الله تعالى ورسوله ﷺ وخوَّنهم، فيحرم على المؤمن أن يولِّيهم أو يصدقهم ويزكيهم. فكل من أكرم النصراني أو اليهودي (ما يكرمهم إلا لأجل ما ولاهم الأمير، وخوفًا من لعانة هؤلاء الخنازير) (٣)، فيكون مجموع الإثم من أكرمه وولاه. فالله الله من تعظيمهم وتزكيتهم ومحبتهم، عباد الله! ونهى عمر بن الخطاب في خلافته التُّجار أن يجلبوا شيئًا من علوج النصارى إلى مدينة النبي ﷺ المختار، لعلمه بلعانتهم وخيانتهم، وكان عبدُ المغيرةِ عِلْجًا من علوج النصارى، فشكاه المغيرة لعمر، فأغلظ عمر على العلج الكلام، فغضب العلج، فسنَّ سكينًا ودخل المسجد يريد الصلاة، وأظهر الدين والأمانة، ثم ظهر منه الجور والخيانة، فضرب عمر ﵁ بالسكين وهو واقف يصلي بالجماعة، وجرح جماعةً من المسلمين. فلما علم أنه مأخوذ قتل نفسه (٤).

стр. 563

فانظر إلى فعل دينهم وأمنهم كيف شقَّ بطن خليفة المسلمين، وقتل من الصحابة قومًا آخرين، فجرح ثلاثة عشر رجلًا، وقتل ستة، ثم قتل نفسه؛ هذا فعله وقد أظهر الإسلام وصلى الجماعة خلف الإمام، فلا ينبغي للمؤمنين الأتقياء أن يولوا أحدًا من هؤلاء الأشقياء؛ لقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ﴾ [الممتحنة: ١].

стр. 564

وجاء رجل من أبطال المشركين ليقاتل بين يدي النبي ﷺ فردَّه، وقال: «لم أستعن (١) بمشرك» (٢)، فلما أسلم قَبِلَه رسول الله ﷺ ، وقد ذكرت هذا الحديث مبينًا في باب سبت النور.

стр. 565

فصل: ومن البدعة أيضًا والخزي والبُعاد ما يفعله المسلمون في نيروز النصارى (١) ومواسمهم والأعياد من توسُّع (٢) النفقة وهذه النفقة غير مخلوفة، وسيعود شرُّها على المنفِق في العاجل والآجل؛ كتكثير الزَّلابية، وكسر البطِّيخ، والتغالي في ألونة الطبيخ، وكصبغ البيض، وشراء البخور؛ ومجموع ذلك لا يرضي المولى الغفور، ويخاف على من وسع في هذه الأوقات النفقات أن يضيق الله تعالى عليه القبور، وأن لا يسلمه من أهوال يوم النشور؛ لتشبهه بهذه الطوائف الملعونة أهل الكفر والفجور، ولتعظيمه عيد هذا الكافر الملعون المغرور.

стр. 566

وقد جاء في الأخبار المتواترة: من أحب قومًا أو تشبَّه بهم حشر معهم في الآخرة (١).

стр. 567

ومن قلة التوفيق والسعادة ما يفعله المسلم الخبيث في يومٍ يعرف بالميلادة، فيشتري لأولاده القصب، والشمع، والقفص، والحطب، أو ما يناسبه ويطرحه في النار، فيقع في البدع، ويخرج عن طريق النبي المختار صلوات الله عليه وسلامه آناء الليل وأطراف النهار، وهو في فعلته هذه قد تشبَّه بالكفار، وفيه إضاعة المال وقد نهينا عن ذلك كلِّه، وصحَّ ذلك في القرآن والأخبار؛ قال تعالى: ﴿وَلَا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ﴾ [الأنعام: ١٤١]. وهذا إسراف بلا خلاف، ونهى ﷺ أمته عن إضاعة المال، وعن القيل والقال (١). فمن ضيع فلسًا في غير مصلحة فهو داخل في النهي؛ لأن الفلس مال، فكيف يكون حال من ضيع ماله، وأنحس عند الله تعالى حاله بمخالفته للشرع الشريف، ولموافقته لكل عبدٍ كافرٍ ومعتدٍ وكثيف؟ رُوي أن عيسى ﵇ ولد في برية خالية، وكانت ليلة شاتية، فأوقد عندها النار، فصار ذلك سنة للكفار. فمن فعل ذلك فقد تشبه بهم، قال ﷺ : «من

стр. 568

تشبه بغيرنا فليس منَّا». فقد برئ ﷺ ممن يفعل ذلك، ونهى أمته أن يتشبهوا بأهل الكتاب، فاعتبروا يا أولي الألباب، فاسمعوا وَعُوا قول مولاكم: ﴿وَمَا آَتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ [الحشر: ٧]. قال بعض علماء الحنفية: من فعل ما تقدم ذكره ولم يتب فهو كافر مثلهم (١). وقال بعض أصحاب مالك: من كسر يوم النيروز بطيخة فكأنما ذبح خنزيرًا (٢). وقال مالك: يكره معهم الركوب في السفن التي يركبونها لأجل أعيادهم؛ لنزول السخط واللعنة عليهم، فتصيب من جالسهم، فيأثم المسلم بمجالسته لهم، وبإعانته لهم بذبحٍ وطبخ، وإعارة دابة يركبونها لمواسمهم وأعيادهم (٣). قال عمر بن الخطاب ﵁: لا تدخلوا عليهم في كنائسهم؛ فإن السخطة تنزل عليهم (٤). ثم اعلم بأن من جالس الجماعة المرحومة رحمه الله تعالى؛ إذا نزلت الرحمة عليهم أصابت من جالسهم كما جاء في الحديث الصحيح: «يقول الله تعالى لجليس الذاكرين: هم الجلساء الذين لا يشقى جليسهم» (٥). وكذلك

стр. 569

من جالس الجماعة الملعونة لعنه الله إذا نزلت اللعنة عليهم أصابت من جالسهم، فلا تجالسهم، ولا تكرمهم؛ فمن أكرمهم أهانه الله، ومن أحبهم أبغضه الله، ولا تطعمهم، ولا تقرضهم شيئًا لكي لا يستعينوا به على معصية الله ، فتكون قد ساعدتهم على المعصية، ولا تتصدق عليهم؛ لما جاء في الحديث: «اختاروا لصدقاتكم كما تختاروا لبناتكم» (١). وكان صلوات الله عليه وسلامه يقول (لمن ضيَّفه) (٢): «أكل طعامكم الأبرار، وأفطر عندكم الصائمون، وذكركم الله فيمن عنده» (٣). وقال أيضًا لبعض أصحابه: «لا تصحب إلا مؤمنًا، ولا يأكل طعامك إلا تقي» (٤). وقال أبو الليث في حديث يرفعه إلى النبي ﷺ : «من أقرض شارب خمرٍ درهمًا سلط الله على جسده حيَّةً وعقربًا» (٥)، ولا يعطي المسلم هذا

стр. 570

شيئًا من الزكاة، ولا من الصدقة؛ لأنه من جملة الفسقة؛ فإن أعطاه جاز، ويكره. أما الجواز فلقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ﴾ [التوبة: ٦٠]. ويكره لمخالفة الحديث (١). وكذلك تكره الصلاة خلف الفاسق عند أكثر العلماء (٢)، وإن حفظ القراءات السَّبع والسُّنن، وكلَّ كتاب أُنزل من السماء؛ لأن الشرع قد أمرنا بأن نختار لصدقاتنا، فكذلك نختار لصلاتنا؛ لأن الصلاة هي من أفضل الأعمال، وبها نجا العُمَّال. قال صلوات الله عليه وسلامه: «ألا أنبئكم بما يمحو الله به من الخطايا، ويرفع به الدرجات؟» قالوا: بلى يا رسول الله. قال: «إسباغ الوضوء على المكاره، وكثرة الخطا إلى المساجد، وانتظار الصلاة بعد الصلاة، فذلكم الرباط، فذلكم الرباط» (٣). فتكره (٤) الصلاة خلف من هو قليل الدين والمروءة، (وإن قام في مقام النبوة) (٥). قال ﷺ : «أئمتكم شفعاؤكم، فانظروا بمَنْ تَسْتشْفعوا» (٦).

стр. 571

وتجوز الصلاة خلفه؛ لأجل الإيمان، وقراءة القرآن، وأتى بجميع الأركان، قال ﷺ : «صلوا خلف كل برٍّ وفاجر» (١)، وفي حديث آخر: «صلوا خلف من قال: لا إله إلا الله، وعلى من قال: لا إله إلا الله» (٢). وعند بعض العلماء: لا تصح الصلاة خلف الفسقة، وهو مذهب سعيد بن جبير (٣) ومن تابعه ﵃ أجمعين، فقد اختلف في هذه المسألة أولوا الألباب، والله أعلم بالصواب.

стр. 572

وينبغي أيضًا للمؤمن أن لا يجالس أصحاب الأفعال الرَّدية، الخارجين عن الطريق المحمدية: كالظلمة وأعوانهم، وشَرَبة الخمر، ولَعَبة النرد وإخوانهم، والمجتمعين على الباطل واللهو والطرب، حين يطربون ويشربون، فإذا نزلت اللعنة عليهم أصابت من جالسهم، كما قيل: إذا دارت الأقداح واحمرت الوجنات، ذهب الإيمان، وتساقطت الحسنات، ولعنهم الله سبحانه من فوق سبع سموات. وقد جاء في الحديث: «من كثَّر سواد قوم فهو منهم» (١). و: «من أحب قومًا حشر معهم» (٢). وقال ﷺ : «إن الرحمة لا تنزل على جماعة فيهم قاطع رحم» (٣). وفي الجملة: إن الله تعالى يبغض الفسقة، فيجب على المسلم أن لا يحب من أبغضه الله، ولا يصل من قطعه الله، ولا يسلم عليهم، ولا ينظر إليهم؛ لأنهم ساقطون من عين الله سبحانه؛ هذا في مسلم قد بارز بفسقه الواحد القهار، فما بالك بالمجرمين والكفار. وقد أجمع الأئمة على ما شرط عمر بن الخطاب ﵁، وسائر الصحابة أن أهل الكتاب لا يُظهرون أعيادهم وشعائرهم في بلاد

стр. 573

المسلمين (١). فإذا منعهم الشرع، فمن لم ينكر عليهم في إظهار ذلك وشاركهم في شيء من أفعالهم أو ساعدهم بإعارة شيء، أو كثَّر سوادهم حُشر معهم، ولذلك قال بعض العلماء: يصير كافرًا مثلهم (٢). ويجب على المسلم أن يحب من أحبه الله تعالى، ويبغض من أبغضه الله، ويعظم ما عظم الله، ويحقر ما حقره، وقد جاء في الحديث: «من أحب لله وأبغض لله، وأعطى لله، ومنع لله، فقد استكمل الإيمان» (٣). ويجب على ولاة الأمر وفقنا الله وإياهم وجميع المسلمين لطاعته زجرهم ومنعهم، ويحرم على المؤمن أن يخالطهم في أعيادهم وشعائرهم في كل مكان وزمان، وإن قصد التفرج لا التعظيم؛ لأن تكثير هذا السَّواد يسخط رب العباد؛ لقوله ﷺ : «من كثَّر سواد قومٍ فهو منهم» (٤). وإن كان عيسى ﵇ قد أمرهم بهذه المواسم والأعياد لا يحل للمسلم أن يختلط بهم؛ لأنها منسوخة بشريعة الإسلام، ولو كان عيسى ﵇ حيًّا في زمان النبي ﷺ لاتبعه، فكيف وقد أحدثت هذه الطائفة الملعونة الضالة أعيادًا ومواسم من تلقاء أنفسهم؟ وغرَّهم الشيطان، وما أنزل الله بها من سلطان، فهم على الله يفترون ﴿فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ

стр. 574

بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هَذَا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ لِيَشْتَرُوا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا فَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ وَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا يَكْسِبُونَ﴾ [البقرة: ٧٩]. فمن كثَّر سوادهم، أو انشرح لأجل ذلك اليوم، أو سافر معهم، أو تجمل لأجل ذلك بالثياب خرج عن السنة والكتاب، وخالف أولي العقول والألباب؛ قال ﷺ : «من تشبه بغيرنا فليس منا» (١). تدبر أيها المبتدع المخذول! حديث الرسول، وافهم ما أقول: من عظم شعائر الكفرة، هو من المدبرين الفجرة، فإن تاب تاب الله عليه وهو أهل التقوى وأهل المغفرة. ثم اعلم بأن تعظيم شعائر الكفرة المنكوب من قلة تقوى القلوب، قال بعض العلماء في تفسير قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ لَا يَشْهَدُونَ الزُّورَ﴾ [الفرقان: ٧٢] قال: هم الذين لا يشهدون أعياد النصارى (٢). وقد أمرنا الواحد الغفار بتعظيم شعائر النبي المختار، فإن بدل شعائر الكفر ليظهر عز الإسلام، ولتكون كلمة الله هي العليا، وكلمة الكفار هي السفلى؛ فمن عظم شعائر الكفرة فقد جعل كلمة الكفار هي العليا، فيكون يوم القيامة من الأسفلين؛ لأنه عظم ما حقر الله تعالى، وأعزهم بعد إذ أذلهم الله، قال ﷺ : «اليهود والنصارى خونةٌ، لعن الله من ألبسهم ثوبَ عِزٍّ» (٣). وأشدُّ بلاءً من الأول: سعي المسلم لزيارة رهبانهم، والتبرك بقرصهم؛ من أين تأتي البركة في هذا الطعام، وصاحبه قد باء بغضب الملك العلام، وقد برئ من دين الإسلام، وهو عدو للنبي ﵇؟!

стр. 575

والمسلم المغرور هو الذي ينذر للكنائس أو البِيَع النذور، وهذه بدعة محرمة لا ترضي المولى الغفور، ولا يجوز النذر للستِّ نفيسة (١)، فما بالك بالنذر للديورة (٢) والبيع والكنيسة؟! فمن سافر من فسقة المسلمين مع هذه الطائفة الملعونة إلى أعيادهم ومواسمهم فنفقته غير مخلوفة؛ لخروجه عن الشرع، ولدخوله في هذه الأمور المخيفة، فتنقص دنياه، ويسقط من عين الله، فإن مات أحدهم في البَر مات ميتة جاهلية، وإن مات في البحر فيبتلى بالغرق في الدنيا، وبالعذاب في الآخرة وإن كان ماشيًا، فالخُطَا كلها خَطَا؛ لأنه تغرب وهاجر في رضى الشيطان، وفي شيء يغضب الرحمن.

стр. 576

فصل: فيما ابتدعته المسلمون الحيارى في نيروز أعداء الله النصارى من ضرب المسلمين وغيرهم وأخذ أموالهم بغير حق، مجموع ذلك يكون عليهم وبالًا يوم القيامة، يوم الحسرة والندامة قال عبد الله بن عَمرٍو ﵁: من أتى بلادهم، وعمل نيروزهم؛ حُشر معهم يوم القيامة (١). ومن البدعة قول بعض المخذولين من عقلاء المجانين لمن يُضرب ويهان من المسلمين: لا تَحْرَدْ، يوم النيروز ما فيه حرد! (٢) قال كلامًا باطلًا يريد به حقًّا، وهذا الكلام يسقط قائله من رحمة الملك العلام، ويخرجه عن طريق النبي عليه أفضل الصلاة والسلام؛ لأنه قال الباطل، وأعان الظالم على ظلمه، وليس هذا من حلية الأبرار، ويخاف على فاعله من سخط

стр. 577

الجبار، ومن عذاب النار، ومن قوة جهل هذا اللئيم يحسب هذا الإثم هينًا، وهو عند الله عظيم. قال ﷺ : «إن الرجل ليتكلم بالكلمة لا يلقي لها بالًا يهوي بها في جهنم سبعين خريفًا» (١). ويخاف أيضًا على من يلوث ثوب مسلم يوم النيروز أن يلوث الله تعالى ثوب إيمانه، ومن سوَّده أن يسود الله قلبه في الدنيا، ووجهه في الآخرة ﴿يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ﴾ [آل عمران: ١٠٦]. قال ﷺ : «من عصى الله نُكت في قلبه نكتة سوداء» (٢). وأي معصية أعظم عند الله تعالى من أذى المسلمين وضربهم، وأخذ أموالهم بغير حق؟! قال ﷺ : «الظلم ظلمات يوم القيامة» (٣).

стр. 578

وقد أجمع العلماء والعباد أن سبب سلب الإيمان عند الموت هو من الاستخفاف بالدين، ومن ظلم العباد. وجاء في الحديث الصحيح: «الرحماء يرحمهم الرحمن، ارحموا من في الأرض يرحمكم من في السماء، من لا يَرحم لا يُرحم» (١). ويُروَى أيضًا: بينما النبي ﷺ يحدث أصحابه ويشير إليهم بقضيب في يده، فنزل جبريل ﵊، وقال له: «ربك يسلم عليك، ويقول لك: ارم هذا القضيب من يدك، لا تخوف قلوب أصحابك» (٢). فكيف ترى حال من يقف يوم النيروز في طريق المسلمين بخشبة أو سلبة أو سوط وشكال؟! (٣) اعلم أيها المدْبِر أن فعلك هذا فيه إشكال، كسرك لقلوب المؤمنين، وتعظيمك لشعائر الكافرين، والله ليندمنَّ مَنْ فعل ذلك ندمًا لا أجر بعده، وإن مات وهو من التائبين؛ لأن حقوق المسلمين وظلمهم لا تسقط بالتوبة، فإن مات المسلم وهو مُصرٌّ على ذلك، يحشر يوم القيامة في زمرة الظالمين، فإن استحله صار من الكافرين. ومن مدح أحدًا من الرهبان فهو بعيد الشبه من السنة، ومن أهل الخير

стр. 579

والإيمان، وقد يتفق لبعض الرهبان لكثرة رياضته شيء من المكاشفة: يتولَّد من الجوع نور، وتكون تلك المكاشفة استدراجًا لهذا الملعون، وضلالةً لكل جاهل ومفتون، قال الله سبحانه: ﴿سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ حَيْثُ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [الأعراف: ١٨٢]. فإن قال قائل: المكاشفة كرامة. نسلِّمُ أنها كرامة من كرامات الدنيا، فكذلك العوافي والعزُّ، والغنى والجاه، وحمل الإنسان في البر والبحر، وما أشبه ذلك، يجازى بها الكافر في الدنيا لأجل إحسانه، ثم يسلب ذلك كله عند خروج روحه ويخيب؛ وما له في الآخرة من نصيب، كما اتفق لفرعون وللسامري لعنهما الله: مكث فرعون لأجل كرمه أربع مئة سنة لم يختلج له عرق ولم يضرب له ضرس، وأي بلدة قصدها سيروا له مفاتيحها؛ فملك من مصر إلى بلاد المغرب، وكشف للسامري حين فلق الله تعالى البحر لموسى صلى الله عليه فرأى فرس جبريل ﵇ كلما وضع رجله على الأرض اخضرت، فقبض قبضةً من أثر حافره، فصنع في غيبة موسى ﵇ عجلًا لبني إسرائيل من حليهم، ثم رمى القبضة التي أخذها من أثر حافر فرس جبريل في فم العجل، فأحياه الله تعالى، فافتتن به طائفة من بني إسرائيل، فصارت هذه الكرامة مشئومة على السامري، وعلى من عبد العجل. فانظر رحمك الله تعالى! فعل الخير كيف تعود بركته على صاحبه في الدنيا مع كفره، وأما المؤمن فتعود بركة خيره عليه في الدنيا والآخرة، وفي الأخبار أن شابًّا من اليهود كان يتخدم للنبي ﷺ (ويقضي حوائجه، فلما مرض عاده النبي ﷺ (١) وجلس عند رأسه، وقال له: «أسلم تسلم» فنظر الشاب إلى أبيه، فقال أبوه: أطع أبا القاسم. فعند ذلك قال: أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمدًا رسول الله. ثم مات، فحمله المسلمون فغسلوه وكفنوه ودفنوه، وصلى عليه النبي ﷺ وأصحابه، ﵃ أجمعين (٢).

стр. 580

فانظر أيها الإنسان إلى بركة الخير والإحسان. وكان كعب الأحبار من أكابر اليهود، فصيره الله مؤمنًا خيِّرًا وبلَّغه المقصود، وكان وهب بن منبه أيضًا من علماء اليهود، فأسلم وشهد بأحدية المعبود، وبذل في طاعة الله تعالى المجهود، قال المولى: ﴿يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ﴾ [البقرة: ١٠٥]. ثم اعلم بأن المكاشفة بعيدة ممن قد أعمى الله قلبه، وتقع مصادفةً، كما يتفق لبعض المنجمين، وقد تكون ملعَنَةً وخباثةً، ليضلوا بها قلوب الغافلين، وليسقطوا العباد بزيارتهم، وبالإقبال عليهم من رحمة رب العالمين؛ لأن اللعنة إذا نزلت عليهم أصابت من جالسهم. ويجب على ولي الأمر زجر من ظهر من الرهبان وغيرهم من أهل الكفر والطغيان بشيء من هذه الفتن، والملعنة واللائمة، فهي والله حسنة عظيمة، يلقاها العبد يوم الحاجة والفاقة أمامه، فإن قدر ولم يأمره يصير في حسرة عظيمة وندامة. وما تولدت (١) هذه الآفة وغيرها في الملة المحمدية إلا من جهة التهاون في إزالتها حين ظهورها، وتأخيرها من ساعاتها وسنيها وشهورها، وتهاون المسلمون أيضًا في هذه الطائفة الضالة الملعونة، فأظهرت أعيادها ومواسمها على رءوس الأشهاد، وما اكتفوا بذلك حتى طافوا بصلبانهم في بعض البلاد، وأظهر من ترهب منهم شيئًا يضل به العباد، حتى صار جماعة من جهلة المسلمين يتبركون بدعاء الرهبان وبقرصهم، وبصليبهم ويضعونه فوق الجرون، ولا يفعل هذه البدعة إلا كل مدبر مفتون؛ لأن النصارى قد خسروا بكذبهم على الله تعالى الدنيا والآخرة، وهم لا يشعرون، فإن بورك لأحدهم في دنياه فهو ما رزقه الله في الأجل، فالرزق لا يزيد بطاعة أحد ولا بكفره، فثق بربك يا بعيد الأمل، ولا تخرج عن السنة خوفًا من سوء الخاتمة عند فروغ الأجل.

стр. 581

فصل: ومن البدعة أيضًا والخزي والفجور ما يفعله المسلم المدبر المغرور في يومٍ يعرف بسبت النور من شراء الشِّبِت (١) لأجل البركة، والاكتحال لزوال الرَّمد، وهذه البدع تغضب المولى الصمد، ولا ترضي الرب الغفور. ومن البدعة أيضًا ما تفعله المسلمة الخبيثة الرَّدية من دخولها الحمام في هذا اليوم، والتدلك باللبنيَّة (٢)، كل ذلك مصيبة عليها في الدين وبليَّة؛ لتعظيمها هذه الأيام، ولخروجها عن طريق خير البرية، وجميع ما ينفقه المسلم على ما تقدم ذكره في ذلك اليوم يكون وبالًا عليه يوم يوقفه الحق بين يديه، وهي نفقة غير مخلوفة؛ لتهجم صاحبها على هذه البدع والأمور المخيفة، وجميع ما ينفقه المسلم في هذا اليوم على شربه، أو دواء يكون عليه بلاءً وداءً؛ لأن في ذلك تعظيم شعائر الكفرة، وليس هو من أفعال المؤمنين البررة، فإن تاب المسلم عن ذلك كله غفر الله له، وهو أهل التقوى وأهل المغفرة. ثم اعلم بأن مَنْ عظَّم يوم سبت النُّور لم يعظم الله قدره، ويورثه

стр. 582

ضيقًا في القبور، وظلمةً يوم النشور، والظلام أحب إلى الله تعالى من هذا النور، وهم سموه سبت النور، وليس هو كذلك عند الرب الغفور، كما قال الواحد المنان: ﴿إِنْ هِيَ إِلَّا أَسْمَاءٌ سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآَبَاؤُكُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ﴾ [النجم: ٢٣] فصار مثل هؤلاء المدبرين كمثل رجل دنيء الأصل، كثيف، سموه: أيها السيد الشريف، أو كلِصٍّ اسمه عفيف! فهذه الأسماء ليس لها فائدة، وشؤم هؤلاء القوم وكذبهم عليهم عائدة، والحق سبحانه لا يكرم أحدًا لأجل اسمه، ولا يبجل قدر أحد لأجل علمه إذا كان الاسم على غير مسمى، والعلم مع غير عامل، واسمعوا ما قال مولاكم: ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ [الحجرات: ١٣]، فلو أحيَى الله تعالى قلوب هؤلاء المسلمين ما عظموا شعائر الكافرين. قد تسبخت أرض قلوبهم لارتكاب السيئات، والأرض السَّبِخَةُ لا ينتج فيها النبات، عالية على البلاد، لا تروى من نيل- نيل الأفضال والأمداد يسقي الحياض بفيض المدد الرباني، وهي يابسة عطشانة من لطائف المعاني، وإن بذر فيها حبًّا، انمحق وتلاشى بالأذى، قال المولى: ﴿وَالَّذِي خَبُثَ لَا يَخْرُجُ إِلَّا نَكِدًا﴾ [الأعراف: ٥٨]. لا ترى فيها مسجدًا ولا مشهدًا، شيخ بلدها وهو القلب بيته مسودًّا ظالمًا مبتدعًا خارجًا (١)، أضحى عن طلب الحق مفندًا، شيخ من أهل الفسوق لا يقوم بواجبات الحقوق، قد صيَّر بيته خانًا، مأوى للبهائم، وهو في كل وادٍ من أودية الهوى والغفلة هائم، لا يرده إلى الله تعالى لومة لائم، ولا يصغي لقول ناصح، وليس له ورع يحجزه عن المحارم؛ فأفٍّ لهذا القلب من بين القلوب؛ ينسى الله تعالى في الرخاء، ولا يذكره إلا عند الكروب. فلذلك لا يأخذ الله بيده ولا يغيثه كإغاثة المحبوب، إن وعد أخلف، وإن اؤتمن خان، وإن حدث فهو عبد كذوب، وما أصاب هذا العبد المتعوس هذه المصائب إلا لركونه إلى النفوس، فحُرم الوصول،

стр. 583

وهو في حيف الجفاء محبوس، وعلم إيمانه دون الألوية منكوس، ألم تسمع قول الملك الجبار: ﴿وَلَا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ﴾ [هود: ١١٣]، فمن وافق نفسه فليس هو من أهل الطاعة، ومن اشتغل بها غفل عن أهوال يوم الساعة، ومن كانت هذه بضاعته فبئس والله البضاعة، فأرض النفس خربة لا يجد فيها غصنًا رطبًا بذكر الله، ولا عينًا جاريةً من خشية الله، ولا جامعًا يجتمع فيه لذكر الله غير أعراب منافقين، كأنهم قد أخذوا عهدًا من الله ووثاقًا، فلا يزدادون إلا إثمًا وشقاقًا، ﴿الأعراب أشد كفرًا ونفاقًا﴾ [التوبة: ٩٧]. فنفاق العين لعدم غضها، ونفاق اللسان بالغيبة والبهتان، والقذف لأعراض الإخوان، ونفاق الأذن لسماعها الباطل، فلا تصغي (١) إلى الخيرات والنصيحة، وتجتهد في سماع الأفعال القبيحة، ونفاق اليد المنع عند الرخاء، وفي فقرها التقاعد عن الدعاء، فلا تنبسط في حالة الغنى بالعطية، ولا في حالة فقرها، بالأدعية المرضية، ونفاق الأقدام في سعيها وإسراعها في الخطِيَّة، وإذا لاح لها طريق الآخرة، فترى خطاها بطِيَّة، وفساد هذه الجوارح من فساد القلب؛ لأنه هو الملك وهم الرعية، قال ﷺ : «إن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله، وإذا فسدت فسد الجسد كله، ألا وهو القلب» (٢). روي ذلك عن خير البرية. فلو لم تفسد قلوب هؤلاء الغافلين ما عظموا شعائر الكافرين، فدل على أن القلب فاسد؛ لتعظيمه أيام الكافر الجاحد، ولسماعه من نفسه الخبيثة، ومن شيطانه المارد، ولمخالفته لنبيه وحبيبه، وللسيد الماجد، فمن عظَّم هذه الأفعال أو الفاعلين حُشر معهم، وسقط من عين رب العالمين. ولا يحبهم أيضًا خوفًا من قوله ﷺ : «المرء مع من أحب» (٣). كما يفعله بعض فسقة المسلمين من صحبتهم ومخالطتهم للنصارى، ومؤاكلتهم

стр. 584

وإعارتهم الأشياء؛ ليتجملوا بها في مواسمهم وأعيادهم وإعارتهم كتب المسلمين حتى القرآن العظيم الذي لا يمسه إلا المطهرون. ولقد رأيت نصرانيًّا لعنه الله يقرأ القرآن العظيم بغير لحنٍ، ويجادل به المسلمين، ويقول: قد مدحنا الله تعالى في القرآن، وقرأ قوله تعالى: ﴿لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً لِلَّذِينَ آَمَنُوا الْيَهُودَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُمْ مَوَدَّةً لِلَّذِينَ آَمَنُوا الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَى ذَلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْبَانًا وَأَنَّهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُون﴾ [المائدة: ٨٢]. ثم سكت، فقال له صاحبي: اقرأ ما بعدها. قال النصراني: (حفظي إلى هاهنا) (١). فقال له صاحبي: اسمع أيها الملعون، إن الله سبحانه أول ما ذم اليهود ثم أنتم؛ لقوله: ﴿لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً لِلَّذِينَ آَمَنُوا الْيَهُودَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا﴾ [المائدة: ٨٢] الذين أشركوا هم أنتم. وأما قوله تعالى: ﴿وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُمْ مَوَدَّةً لِلَّذِينَ آَمَنُوا الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَى﴾ [المائدة: ٨٢]. هذا المدح إلى آخر الآية هو في حق النجاشي وأصحابه ﵁ قرأ عليهم جعفر الطيار ﵁ (كهيعص). فلما قرأ هذه السورة بكى النجاشي وأصحابه ثم أسلموا. ألم تسمع قوله تعالى: ﴿وَإِذَا سَمِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرَى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ مِمَّا عَرَفُوا مِنَ الْحَقِّ﴾ [المائدة: ٨٣]. فعندها سكت النصرانيُّ (٢).

стр. 585

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 586

=وقوله تعالى: ﴿ذلك بأن منهم قسيسين ورهبانا وأنهم لا يستكبرون﴾ [المائدة: ٨٢]، أي بسبب هؤلاء، وسبب ترك الاستكبار يصير فيهم من المودة ما يصيرهم بذلك خيرًا من المشركين وأقرب مودة من اليهود والمشركين. ثم قال تعالى: ﴿وإذا سمعوا ما أنزل إلى الرسول ترى أعينهم تفيض من الدمع مما عرفوا من الحق﴾ [المائدة: ٨٣]، فهؤلاء الذين مدحهم بالإيمان ووعدهم بثواب الآخرة، والضمير وإن عاد إلى المتقدمين، فالمراد جنس المتقدمين لا كل واحد منهم، كقوله تعالى: ﴿الذين قال لهم الناس إن الناس قد جمعوا لكم فاخشوهم فزادهم إيمانا وقالوا حسبنا الله ونعم الوكيل﴾ [آل عمران: ١٧٣]، وكأن جنس الناس، قالوا لهم: إن جنس الناس، قد جمعوا ويمتنع العموم، فإن القائل من الناس، والمقول له من الناس، والمقول عنه من الناس، ويمتنع أن يكون جميع الناس قال لجميع الناس: إنه قد جمع لكم جميع الناس. ومثل ذلك قوله تعالى: ﴿وقالت اليهود عزير ابن الله﴾ [التوبة: ٣٠]، أي جنس اليهود قال هذا، لم يقل هذا كل يهودي. ومن هذا أن في النصارى من رقة القلوب التي توجب لهم الإيمان ما ليس في اليهود، وهذا حق، وأما قلوبهم: ونفى عنا اسم الشرك، فلا ريب أن الله فرق بين المشركين، وأهل الكتاب في عدة مواضع، ووصف من أشرك منهم في بعض المواضع، بل قد ميَّز بين الصابئين والمجوس وبين المشركين في بعض المواضع، وكِلا الأمرين حق، فالأول كقوله تعالى: ﴿لم يكن الذين كفروا من أهل الكتاب والمشركين﴾ [البينة: ١]. وقوله تعالى: ﴿إن الذين آمنوا والذين هادوا والصابئين والنصارى والمجوس والذين أشركوا﴾ [الحج: ١٧]، وقال تعالى: ﴿لتجدن أشد الناس عداوة للذين آمنوا اليهود والذين أشركوا﴾ [المائدة: ٨٢]، وأما وصفهم بالشرك ففي قوله: ﴿اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون الله والمسيح ابن مريم وما أمروا إلا ليعبدوا إلها واحدا لا إله إلا هو سبحانه عما يشركون﴾ [التوبة: ٣١]، فنزه نفسه عن شركهم، وذلك أن أصل دينهم ليس فيه شرك، فإن الله إنما بعث رسله بالتوحيد، والنهي عن الشرك، كما قال تعالى: ﴿وسئل من أرسلنا من قبلك من رسلنا أجعلنا من دون الرحمن آلهة يعبدون﴾ [الزخرف: ٤٥]. وقال تعالى: ﴿ولقد بعثنا في كل أمة رسولا أن اعبدوا الله واجتنبوا الطاغوت﴾ [النحل: ٣٦]، وقال تعالى: ﴿وما أرسلنا من قبلك من رسول إلا نوحي إليه أنه لا إله إلا أنا فاعبدون﴾ [الأنبياء: ٢٥]، فالمسيح صلوات الله عليه وسلامه ومن قبله من الرسل إنما دعوا إلى عبادة الله وحده لا شريك له، وفي التوراة من ذلك ما يعظم وصفه، لم يأمر أحد الأنبياء بأن يعبد ملك ولا نبي ولا كوكب ولا وثن، ولا أن تسأل ولا تطلب الشفاعة إلى الله من ميت ولا غائب، لا نبي ولا ملك، فلم يأمر أحد من الرسل بأن يدعو الملائكة، ويقول: اشفعوا لنا إلى الله ولا يدعو الأنبياء والصالحين الموتى والغائبين، ويقول: اشفعوا لنا إلى الله ولا =

стр. 587

فيحرم على المؤمن البصير أن يفعل شيئًا من ذلك، فإن فعل يخاف عليه من سوء الخاتمة، فيحُشر معهم في جهنم وبئس المصير. لا يظلم المسلمُ النصرانيَّ ولا يسبُّه في وجهه لأجل كفره، قال الله تعالى: ﴿وَلَا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ [الأنعام: ١٠٨]، وإذا سبَبْتَهُ (١) ظاهرًا سبَّ هو دينك باطنًا، وإذا ظلم الإنسانُ دابةً أو كلبًا يُقتصُّ منه يوم القيامة، والنصراني هو مفضَّل عليهما في حكم الدنيا؛ لأجل الآدمية والعقل، قال المولى: ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آَدَمَ﴾ [الإسراء: ٧٠]. وقال أبو حنيفة ﵀: إذا قتل مسلم ذميًّا بغير حق، يُقتل المسلم به عاملًا بقوله تعالى: ﴿أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ﴾ [المائدة: ٤٥] (٢)، هذا في حكم

стр. 588

الدنيا، وأما في حكم الآخرة فالكلب والخنزير أفضل من الكفار؛ لأنهم باءوا بغضب من الله، وهم وقود النار؛ لأن الحقَّ سبحانه إذا أخذ حقوق البهائم يوم القيامة ممن ظلمها يصيرها ترابًا، فحينئذٍ يقول الكافر: ﴿يا ليتني كنت ترابًا﴾. فيودُّ من مات كافرًا أن لو كان في الدنيا بهيمةً أو خنزيرًا لكي ينجو من عذاب الآخرة. فيجب على المسلم أن يشكر الله تعالى الذي جعله مؤمنًا، ويسأله على الدوام أن يختم له بخير ويثبته على دين الإسلام، ولا يسخر من أحد من الكفار، ويحمد الله تعالى الذي عافاه مما ابتلاهم به من الكفر والأزوار. قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا يَسْخَرْ قَومٌ مِنْ قَوْمٍ عَسَى أَنْ يَكُونُوا خَيْرًا مِنْهُمْ … ﴾ [الحجرات: ١١] الآية. وقال ﷺ : «إذا رأيتم أهل البلاء فسلوا الله العافية» (١). وإذا رأى المؤمن رجلًا قد ابتلي في بدنه رحمه، والكافر قد ابتلي في دينه، فصار أشد بلاءً فارحمهما جميعًا. وضاع لبعض الصالحين حمار، فخرج في طلبه فاستقبله يهودي فرجع ودخل بيته، وقال: الحمد لله الذي ضيَّع حماري، وأبقى على ديني. كان بعضهم يقول: إذا كنتَ لي، ما ضرَّني من عدمته. وينبغي للمؤمن أن لا يخون الكافر في جداره إذا كان في جواره؛ لأن الحقَّ سبحانه لا يهدي كيد الخائنين، وأوجب لعنته وغضبه على الظالمين. اعلم أيها الظالم المبعود! أن الله سبحانه يوم القيامة يسأل العود: لمَ خَدَشَ العود؟ وكذلك إذا دخل المسلم إلى بلاد الكفار تاجرًا، لا يسرق لهم شيئًا، ولا يقتل منهم أحدًا، إذا قدر على قتله، ويكرمهم إذا خاف من شرَّهم:

стр. 589

دارهم ما دمتَ في دارهم … وأَرْضِهم ما دمتَ في أرضهم اعلم أن الكلام إذا كان يوافق السنة يقبل من القائل، وسواء كان منظومًا أو منثورًا، وهذا الكلام هو موافق للسنة؛ لقوله تعالى: ﴿لَا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللَّهِ فِي شَيْءٍ إِلَّا أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةً﴾ [آل عمران: ٢٨]. متى خاف الإنسان على نفسه، أو على تلاف عضو من أعضائه أن يقطع، أو يقتل بسيف أو سنان، يكفر بلسانه إذا طلبوا منه ذلك، وقلبه مطمئن بالإيمان، ويبنى على ذلك السبُّ والتَّبري من الدين والسجود للصليب، كل ذلك لا يأثم به إذا كان قلبه مطمئنًا بالحبيب، فإن لم يفعل المسلم شيئًا من ذلك وقتلوه يُحشر يوم القيامة مع الشهداء ومع كل عبد صالح منيب. رُوي أن سعدَ بن مالك ﵁ قال: كنت رجلًا بارًّا بأمي، فلما أسلمت قالت: يا سعدُ! ما هذا الدين الذي قد أحدثته؟ لتدعن دينك هذا أو لا آكل ولا أشرب حتى أموت فتُعيَّر بي، فيقال لكَ: يا قاتل أمه. قلت: لا تفعلي يا أماه، إني لا أدع ديني هذا لشيء. قال: فمكثَتْ لا تأكل شيئًا يومًا وليلةً، فأصبحتْ وقد جهدتْ، ثم مكثت يومًا آخر وليلة أخرى لا تأكل، قلت: تعلمين والله يا أماه لو كانت لك مئة نفس فخرجت نفسًا نفسًا، ما تركت ديني هذا لشيء، فكلي إن شئت أو لا تأكلي. فلما رأت ذلك أكلت، فأنزل الله تعالى هذه الآية: ﴿وَإِنْ جَاهَدَاكَ عَلى أَنْ تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا﴾ [لقمان: ١٥] (١). قال ابن عباس ﵁ في تفسير هذه الآية: قال: إذا كان

стр. 590

الأبوان كافران (١)، والولد مسلم ينفق عليهما ما عاشا، ويزور قبرهما إذا ماتا (٢). فإن قال الكافر لولده المسلم: امض بي إلى الكنيسة، أو إلى بِيَع اليهود، أو إلى شيء لا يرضي الملك المعبود. فلا يطعه؛ لقوله ﷺ : «لا طاعة لمخلوقٍ في معصية الخالق» (٣). فإن قال لولده: أخرجني من الكنيسة وامض بي إلى البيت فليطعه ويريحه من الكفر. وكذلك لا يطيع المسلم أحدًا من الأبوين المسلمين في ترك شيء فرضه الله عليه: كالصلاة والزكاة والصوم والحج والجهاد وغيره. وكذلك إذا أمره بشراء (٤) محرم، أو بشرب خمر، وما يشبه ذلك مما فيه معصية الله تعالى، أو خروج عن سنة رسول الله ﷺ فلا يطعهما، فإن كان ما أمره به تطوعًا فليطعهما كصلاة التطوع، وصوم التطوع، والحج، والجهاد. فإن خالفهما وفعل شيئًا من التطوعات لم تقبل منه. فإن مات غازيًا لا يكتب شهيدًا، فمن أراد القبول فليطع الوالدين ولا يخرج عن طريق الرسول. فإن مات أحد الوالدين كافرًا والعياذ بالله يغسله ولده المسلم (٥)

стр. 591

ويكفنه، ويواريه التراب، ولا يتغالى في جميع ذلك، فيخرج عن السنة والكتاب، فيغسله كما يغسل الثوب النجس، ويكفن في ثوب خلق، وتحفر له حفرة بغير لَحْدٍ، ويرمى فيها كما يرمى الكلب (١)، فإنه يتمنى لو كان كلبًا من كلاب الدنيا، لكي ينجو من عذاب الآخرة. ألا تراه كيف يقول يوم القيامة: ﴿يا ليتني كنت ترابًا﴾ [النبأ: ٤٠].

стр. 592

باب فيما يبتدع بديار مصر في يومٍ يعرف بعيد الشهيد مِنْ فِعل كلِّ كافرٍ وفاسقٍ وخارج وعتيد يُخاف على مسلم يحضر لهذا العيد، ويقول لصاحبه: «إنه شهيد»؛ من سوء الخاتمة، ومن غضب المولى المجيد؛ لأنه أسلم ثم ارتدَّ لعنه الله تعالى ودخل في دين النصرانية؛ فهو من الرحمة والخيرات بعيد. فاحذر أيها المؤمن! أن تقول إنه شهيد؛ فإنه إثم شديد، النصارى يزعمون أنه مات مظلومًا، والمظلوم شهيد، وعندنا مات ظالمًا كافرًا مخالفًا للمولى المجيد، فصار الاسم على غير مسمى، كلصٍّ اسمه عفيف، أو كرجل دنيء الأصل كثيف واسمه: أيها السيد الشريف. وهذه الأسماء ليس لها فائدة، وشؤمها عليهم عائدة؛ لأن الله سبحانه لا يكرم أحدًا لأجل اسمه، ولا لحسبه ونسبه. قال الله سبحانه: ﴿فَلَا أَنْسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلَا يَتَسَاءَلُونَ﴾ [المؤمنون: ١٠١]، ﴿وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ فِي جَهَنَّمَ خَالِدُونَ﴾ [المؤمنون: ١٠٣]. واختلاط المسلم مع هذه الطائفة الملعونة في وقت رميهم لشهيدهم في بحر النيل، لا يرضي المولى الجليل، فإن اعتقد المسلم (١) أن البحر ببركة هذا الملعون يزيد، فهو كافر بالمولى المجيد، فإن تاب من هذه الأفعال والأقوال؛ تاب الله عليه، ويُبلغه ما يريد، فقد توقف نيل مصر سبع سنين، وحاكمها يوسف الصديق عليه

стр. 593

السلام وهو نبي كريم على ربِّ العالمين، فكيف يزيد برمي هذا اللعين؟! وجاء في السِّيَر: أنَّ أهل المقوقز ملك مصر كانوا يرمون شيئًا في نيل مصر لكي يزيد، فلما فتح الله تعالى مصر على يد عمرو بن العاص ﵁ أخبر عمر بن الخطاب بذلك فنهاهم، وقال: لا ترموا في البحر شيئًا، فزاد البحر بقدرة الله، أكثر من عادته (١). ويجب على ولاة الأمر وفقهم الله لطاعته زجر هذه الطائفة الضالة الملعونة عن إظهار دينهم وأعيادهم وشعائرهم بين ظهور المسلمين، وعن رمي هذا الملعون؛ لكي لا يفتتن به كل مسلم جاهل ومفتون. ولقد رأيت رجلًا يقال له الخيَّاطُ، وكان متولِّي القاهرة، نهى النصارَى عن رمي شهيدهم في نيل مصر، ونهى المسلمين عن الذهاب إليه، وعن ذلك الاجتماع المذموم، والاختلاط، وهي والله مثوبةٌ عظيمةٌ تكون لفاعلها نورًا يوم القيامة، وجوازًا على الصراط. فلما توفي متولِّي القاهرة وطال الأمر، وتولى أمور المسلمين هذه الطائفة المسْلِمَانيَّة (٢)؛ أظهروا المواسم

стр. 594

والأعياد على رؤوس الأشهاد، وأعادوا رمي شهيدهم بين ملأ من العباد، وأحيوا هذه البدعة بعد موتها، أمات الله قلوبهم وشتَّتهم في أطراف البلاد، فكم كسروا مسلمًا، وكم هرَّبُوا مؤمنًا، وأرملوا النساء، وأيتموا الأولاد، وكم أغنوا راهبًا، وأسعدوا نصرانيًّا في القاهرة ومصر، (وما كان) (١) حولهما من البلاد. فتراهم يرمون السكر وغيره على كل مسلم معيل وعفيف بأضعاف قيمته، (ولا يفعلون) (٢) ذلك مع نصرانيِّ معتدٍ كثيف، فلا يخافون من السلطنة، ولا يستحيون من المولى اللطيف (٣).

стр. 595

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 596

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 597

وما سبب تحكم هذه الطائفة الرَّدية على رقاب المسلمين، إلا لخروجهم عن السنة المحمدية: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ﴾ [الرعد: ١١]، كما تكونوا يولَّى عليكم. وروي أن عمر بن الخطاب ﵁ أمر في خلافته أن تهدم كل كنيسة لم تكن قبل الإسلام، ومنع أن تُحدَث كنيسة، وأن لا يظهروا أعيادهم، ولا يظهروا صليبًا خارج الكنيسة إلا كُسر على رأس صاحبه (١). وكان محمد بن عروة يهدمها بصنعاء، وهذا مذهب علماء المسلمين أجمعين، وشدد في ذلك الحسن البصري، وعمر بن عبد العزيز وأمر أن لا تترك في دار الإسلام كنيسة ولا بيعة بحال قديمة ولا حديثة، ويمنع أهل الذمة من بناء ما خرب من كنائسهم وبيعهم. وقال بعض العلماء: إن طيَّنُوا ظاهرها منعوا، وإن طينوا باطنها لم يمنعوا، ويمنعون من أن يعلوا على المسلمين في البناء، وتجوز المساواة، وقيل: لا تجوز. قال عمر بن أسيد: أتانا كتاب عمر بن عبد العزيز إلى محمد بن الميسر: أما بعد؛ فإنه قد بلغني أن في عملك رجل يقال له حسان بن يزيد على غير دين الإسلام، والله تعالى يقول: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَكُمْ هُزُوًا وَلَعِبًا مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَالْكُفَّارَ أَوْلِيَاءَ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [المائدة: ٥٧]، فإذا أتاك كتابي هذا فادع حسان بن يزيد إلى الإسلام، فإن أسلم فهو منا ونحن منه، وإن أبى فلا تستعن به، ولا تأخذ من غير أهل الإسلام على شيء من أعمال المسلمين. فقرأ الكتاب عليه،

стр. 598

فأسلم، وعلمه الطهارة والصلاة (١). ولما خرج النبي ﷺ إلى بدر تبعه رجل من المشركين فلحقه، وقال: إني أريد أن أتبعك، وأصيب معك. قال: «تؤمن بالله ورسوله؟» قال: لا. قال: «فارجع، فلن أستعين بمشرك». ثم لحقه (عند الشجرة، ففرح به أصحاب النبي ﷺ وكان له قوة وجلادة، قال: جئت لأتبعك وأصيب معك. قال: «تؤمن بالله ورسوله؟» قال: لا. قال: «فارجع فلن أستعين بمشرك». ثم لحقه) (٢) على ظهر البيداء، فقال له مثل ذلك، قال: «تؤمن بالله ورسوله؟» قال: نعم. فخرج به (٣). وهذا أصل عظيم في أن لا يستعان بكافر، هذا وقد خرج ليقاتل بين يدي رسول الله ﷺ ، ويراق دمه، فكيف استعمالهم على رقاب المسلمين. وكتب عمر بن عبد العزيز إلى عماله: لا تولوا على أعمالنا إلا حملة القرآن. فكتبوا إليه: إنا وجدنا فيهم خيانة. فكتب إليهم: إن لم يكن في أهل القرآن خير فأجدر أن لا يكون في غيرهم خير (٤). وفي الخبر أن النبي ﷺ كان يعطي لبعض المشركين شيئًا من الزكاة ليؤلف قلوبهم للإيمان (٥)، فجاؤوا لأبي بكر ﵁ في خلافته وطلبوا منه ما كان يعطيهم النبي ﷺ ، فكتب لعمر بن الخطاب ﵁، فقطَّع الورقة وطردهم، وقال: إن الله أعز الإسلام، وأغنى عنكم. ولما جاء نصارى نجران لعنهم الله إلى المباهلة دخل ﷺ لبيت فاطمة ﵂، وحمل الحسين على كتفه، وأخذ الحسن بيده، وفاطمة خلفه، وعلي خلفهما. وقال: «إذا دعوت فأمِّنوا». فلما رآهم الأسقف قال: يا معشر النصارى، لقد رأيت وجوهًا لو سألوا الله أن يزيل

стр. 599

جبلًا من مكانه لأزاله، ولقد علمتم أن محمدًا نبيًّا مرسلًا (١)، ولقد جاءكم بالفصل من أمر صاحبكم، فلا تباهلوه فتهلكوا، ولا يبقى على وجه الأرض نصراني إلى يوم القيامة (٢). والمباهلة الدعاء على الظالم من الفريقين، فخافوا دعوته، وقبلوا الجزية، وانصرفوا إلى بلادهم. قال ابن عباس ﵁: كتب النبي ﷺ لنصارى نجران كتاب الصلح على مالٍ مُقدَّر، نَجم في صفر ونَجم في رجب، فكثروا وصاروا ألوفًا (٣)، ثم وقع منهم شيء على خلاف عهدة (٤) الكتاب، فبلغ

стр. 600

ذلك عمر، فاغتنمه ﵁ في إزعاجهم من جزيرة العرب، فجاءوا إلى علي بن أبي طالب كرم الله وجهه، وقالوا: يا أبا الحسن، هذا كتاب صاحبكم خطُّك، وفيه شهادة أصحابك، أنشدك الله، كتابك بيدك، وشفاعتك بلسانك، حتى تردنا إلى نجران، ولا تزعجنا عن الأوطان. قال علي ﵁: (دعوني فإن) (١) عمر رشيد الأمر، سديد الرأي. قال سالم بن الجعد: وهم أربعون ألف مقاتل. فجاؤوا إلى عمر، وقالوا: قد اصطلحنا، فأقلنا. فقال: والله لا أُقيلكم أبدًا. فأخرج فرقة إلى الشام وفرقة إلى ديار مغرب (٢). قال العلماء في تفسير قوله تعالى: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ﴾ [الإسراء: ٢٣] إلى قوله تعالى: ﴿وَقُلْ رَبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا﴾ [الإسراء: ٢٤]. نسخ منها الدعاء لهما بالرحمة إذا كانا كافرين. وكان في ابتداء الإسلام يجوز الدعاء للمؤمن والكافر من الآباء والأمهات؛ لما روي أنَّ النبي ﷺ قال لأصحابه لما أنزل الله تعالى حاكيًا عن إبراهيم ﵇: ﴿وَاغْفِرْ لِأَبِي إِنَّهُ كَانَ مِنَ الضَّالِّينَ﴾ [الشعراء: ٨٦]: «هلموا بنا فلنذهب إلى قبور آبائنا وأمهاتنا فنستغفر لهم؛ فإن إبراهيم ﵇ قد استغفر لأبيه». فتفرقوا كلٌّ يدعو لأبيه ولأمه على قبره فأنزل الله تعالى: ﴿مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آَمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُولِي قُرْبَى مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ﴾ [التوبة: ١١٣]، فقال النبي ﷺ وأصحابه (٣) ﵃ أجمعين: «أي ربنا قد استغفر إبراهيم لأبيه». فأنزل الله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ اسْتِغْفَارُ إِبْرَاهِيمَ لِأَبِيهِ إِلَّا عَنْ مَوْعِدَةٍ وَعَدَهَا إِيَّاهُ فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ لِلَّهِ تَبَرَّأَ مِنْهُ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لَأَوَّاهٌ حَلِيمٌ﴾ [التوبة: ١١٤]. لما وعد إبراهيم أبوه بالإيمان وعده بالاستغفار، وهو قوله: ﴿لَأَسْتَغْفِرَنَّ لَكَ﴾ [الممتحنة: ٤]، فلما تبين له أنه عدوٌّ
следующие страницы →