← Акыда

Акыда · id 30061

اللمع في الحوادث والبدع

ابن بيدكين التركماني

Полный текст (853 стр.). Показаны 596–635 · переход к 601.

стр. 596

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 597

وما سبب تحكم هذه الطائفة الرَّدية على رقاب المسلمين، إلا لخروجهم عن السنة المحمدية: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ﴾ [الرعد: ١١]، كما تكونوا يولَّى عليكم. وروي أن عمر بن الخطاب ﵁ أمر في خلافته أن تهدم كل كنيسة لم تكن قبل الإسلام، ومنع أن تُحدَث كنيسة، وأن لا يظهروا أعيادهم، ولا يظهروا صليبًا خارج الكنيسة إلا كُسر على رأس صاحبه (١). وكان محمد بن عروة يهدمها بصنعاء، وهذا مذهب علماء المسلمين أجمعين، وشدد في ذلك الحسن البصري، وعمر بن عبد العزيز وأمر أن لا تترك في دار الإسلام كنيسة ولا بيعة بحال قديمة ولا حديثة، ويمنع أهل الذمة من بناء ما خرب من كنائسهم وبيعهم. وقال بعض العلماء: إن طيَّنُوا ظاهرها منعوا، وإن طينوا باطنها لم يمنعوا، ويمنعون من أن يعلوا على المسلمين في البناء، وتجوز المساواة، وقيل: لا تجوز. قال عمر بن أسيد: أتانا كتاب عمر بن عبد العزيز إلى محمد بن الميسر: أما بعد؛ فإنه قد بلغني أن في عملك رجل يقال له حسان بن يزيد على غير دين الإسلام، والله تعالى يقول: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَكُمْ هُزُوًا وَلَعِبًا مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَالْكُفَّارَ أَوْلِيَاءَ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [المائدة: ٥٧]، فإذا أتاك كتابي هذا فادع حسان بن يزيد إلى الإسلام، فإن أسلم فهو منا ونحن منه، وإن أبى فلا تستعن به، ولا تأخذ من غير أهل الإسلام على شيء من أعمال المسلمين. فقرأ الكتاب عليه،

стр. 598

فأسلم، وعلمه الطهارة والصلاة (١). ولما خرج النبي ﷺ إلى بدر تبعه رجل من المشركين فلحقه، وقال: إني أريد أن أتبعك، وأصيب معك. قال: «تؤمن بالله ورسوله؟» قال: لا. قال: «فارجع، فلن أستعين بمشرك». ثم لحقه (عند الشجرة، ففرح به أصحاب النبي ﷺ وكان له قوة وجلادة، قال: جئت لأتبعك وأصيب معك. قال: «تؤمن بالله ورسوله؟» قال: لا. قال: «فارجع فلن أستعين بمشرك». ثم لحقه) (٢) على ظهر البيداء، فقال له مثل ذلك، قال: «تؤمن بالله ورسوله؟» قال: نعم. فخرج به (٣). وهذا أصل عظيم في أن لا يستعان بكافر، هذا وقد خرج ليقاتل بين يدي رسول الله ﷺ ، ويراق دمه، فكيف استعمالهم على رقاب المسلمين. وكتب عمر بن عبد العزيز إلى عماله: لا تولوا على أعمالنا إلا حملة القرآن. فكتبوا إليه: إنا وجدنا فيهم خيانة. فكتب إليهم: إن لم يكن في أهل القرآن خير فأجدر أن لا يكون في غيرهم خير (٤). وفي الخبر أن النبي ﷺ كان يعطي لبعض المشركين شيئًا من الزكاة ليؤلف قلوبهم للإيمان (٥)، فجاؤوا لأبي بكر ﵁ في خلافته وطلبوا منه ما كان يعطيهم النبي ﷺ ، فكتب لعمر بن الخطاب ﵁، فقطَّع الورقة وطردهم، وقال: إن الله أعز الإسلام، وأغنى عنكم. ولما جاء نصارى نجران لعنهم الله إلى المباهلة دخل ﷺ لبيت فاطمة ﵂، وحمل الحسين على كتفه، وأخذ الحسن بيده، وفاطمة خلفه، وعلي خلفهما. وقال: «إذا دعوت فأمِّنوا». فلما رآهم الأسقف قال: يا معشر النصارى، لقد رأيت وجوهًا لو سألوا الله أن يزيل

стр. 599

جبلًا من مكانه لأزاله، ولقد علمتم أن محمدًا نبيًّا مرسلًا (١)، ولقد جاءكم بالفصل من أمر صاحبكم، فلا تباهلوه فتهلكوا، ولا يبقى على وجه الأرض نصراني إلى يوم القيامة (٢). والمباهلة الدعاء على الظالم من الفريقين، فخافوا دعوته، وقبلوا الجزية، وانصرفوا إلى بلادهم. قال ابن عباس ﵁: كتب النبي ﷺ لنصارى نجران كتاب الصلح على مالٍ مُقدَّر، نَجم في صفر ونَجم في رجب، فكثروا وصاروا ألوفًا (٣)، ثم وقع منهم شيء على خلاف عهدة (٤) الكتاب، فبلغ

стр. 600

ذلك عمر، فاغتنمه ﵁ في إزعاجهم من جزيرة العرب، فجاءوا إلى علي بن أبي طالب كرم الله وجهه، وقالوا: يا أبا الحسن، هذا كتاب صاحبكم خطُّك، وفيه شهادة أصحابك، أنشدك الله، كتابك بيدك، وشفاعتك بلسانك، حتى تردنا إلى نجران، ولا تزعجنا عن الأوطان. قال علي ﵁: (دعوني فإن) (١) عمر رشيد الأمر، سديد الرأي. قال سالم بن الجعد: وهم أربعون ألف مقاتل. فجاؤوا إلى عمر، وقالوا: قد اصطلحنا، فأقلنا. فقال: والله لا أُقيلكم أبدًا. فأخرج فرقة إلى الشام وفرقة إلى ديار مغرب (٢). قال العلماء في تفسير قوله تعالى: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ﴾ [الإسراء: ٢٣] إلى قوله تعالى: ﴿وَقُلْ رَبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا﴾ [الإسراء: ٢٤]. نسخ منها الدعاء لهما بالرحمة إذا كانا كافرين. وكان في ابتداء الإسلام يجوز الدعاء للمؤمن والكافر من الآباء والأمهات؛ لما روي أنَّ النبي ﷺ قال لأصحابه لما أنزل الله تعالى حاكيًا عن إبراهيم ﵇: ﴿وَاغْفِرْ لِأَبِي إِنَّهُ كَانَ مِنَ الضَّالِّينَ﴾ [الشعراء: ٨٦]: «هلموا بنا فلنذهب إلى قبور آبائنا وأمهاتنا فنستغفر لهم؛ فإن إبراهيم ﵇ قد استغفر لأبيه». فتفرقوا كلٌّ يدعو لأبيه ولأمه على قبره فأنزل الله تعالى: ﴿مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آَمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُولِي قُرْبَى مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ﴾ [التوبة: ١١٣]، فقال النبي ﷺ وأصحابه (٣) ﵃ أجمعين: «أي ربنا قد استغفر إبراهيم لأبيه». فأنزل الله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ اسْتِغْفَارُ إِبْرَاهِيمَ لِأَبِيهِ إِلَّا عَنْ مَوْعِدَةٍ وَعَدَهَا إِيَّاهُ فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ لِلَّهِ تَبَرَّأَ مِنْهُ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لَأَوَّاهٌ حَلِيمٌ﴾ [التوبة: ١١٤]. لما وعد إبراهيم أبوه بالإيمان وعده بالاستغفار، وهو قوله: ﴿لَأَسْتَغْفِرَنَّ لَكَ﴾ [الممتحنة: ٤]، فلما تبين له أنه عدوٌّ

стр. 601

لله بموته كافرًا تبرأ منه، فالدعاء له حرام، وموالاته حرام (١). فينبغي للمؤمن أن لا يوالي أحدًا من أهل الكتاب، ولا يحب أحدًا من فسقة المسلمين الخارجين عن السنة والكتاب، ويعتزل عن كل مبتدع وغافل عن يوم الحساب؛ تبعًا للنبي ﷺ وعلى الآل والأصحاب، وعلى كل عبد اتبع القوم ثم أناب.

стр. 602

باب من العزلة وما يستحب فيها وما يبتدع والبدعة أن يصحب الإنسان أهل الأهواء والمعاصي والفجور، ومن فيه أدنى بدعة، وكل عبد معتدٍ وكفور، ومتكبر وفخور؛ لأنه بصحبتهم يكون راضيًا بفعلهم وبدعتهم. قال ﷺ : «من رضي بالفاحشة كمن فعلها» (١)، وقال: «من كثَّر سواد قوم فهو منهم» (٢)، وفي حديثٍ آخر: «يموت المرء على دين خليله، فلينظر أحدكم من يخالل» (٣)، واسمع قوله تعالى: ﴿وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلَى يَدَيْهِ يَقُولُ يَا لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلًا (٢٧) يَا وَيْلَتَى لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلَانًا خَلِيلًا (٢٨) لَقَدْ أَضَلَّنِي عَنِ الذِّكْرِ بَعْدَ إِذْ جَاءَنِي وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِلْإِنْسَانِ خَذُولًا﴾

стр. 603

[الفرقان: ٢٧ - ٢٨]. وقال ابن مسعود ﵁: لو قام رجل بين الركن والمقام وعَبَدَ الله سبعين سنة حشره (١) الله يوم القيامة مع من أحب (٢). وقد جاء في الحديث الصحيح ما يؤيد هذا، وهو قوله: «المرء مع من أحب» (٣). والمستحب أن يصحب الإنسان أهل الخير؛ ليكون معهم يوم القيامة، وينجو من الهموم والندامة، قال ﷺ : «إذا أراد الله بعبدٍ (٤) خيرًا رزقه جليسًا صالحًا، إن نسي ذكَّره، وإن ذكر أعانه» (٥). فالجليس الصالح خير من الوحدة؛ لأنه يعينك على مصلحة دينك ودنياك، ويحرضك على الأعمال الصالحة التي تقربك لسيدك ومولاك، والقرين السوء يزين لك القبيح حتى تراه حسنًا، فيعمل على ذهاب دنياك، وعلى إسقاط حرمتك عند خالقك ومولاك. والجلساء على ثلاثة أقسام: الأول: كالعافية لا يُستغنى عنها. والثاني: كالدواء يحتاج إليه في وقت دون وقت. والقسم الثالث: كالداء، وقد يبتلى به الإنسان، كعبدٍ صالح عند سيد فاسق، أو كولد مقبل عند أب مدبر، فالسيد هذا والوالد، لا يستحييان من المولى الرؤوف، والولد والعبد لا يقدران على الأمر بالمعروف، فينكران عليهما بالقلوب، ويدعوان لهما بغفران الذنوب، ويشكران الله تعالى على ما أسبغ عليهما من نعمه، ويسألان تمام النعمة، وهي حسن الخاتمة من علام

стр. 604

الغيوب؛ لما جاء في الحديث: «إذا رأيتم أهل البلاء اسألوا (١) الله العافية» (٢). فمن أراد العافية ودوام العافية فليتفقه في الدين، ويعتزل الناس في هذه الدار، ويدور مع الحق حيث (٣) دار، وينوي في عزلته أن يسلم الناس من شره، فيسيء الظن بنفسه، ويحسن الظن بخلق الله تعالى، كما قيل لراهب: أراك قد اعتزلت الناس. قال: إن نفسي كلب عقور تعقر الناس فأخرجتها من بينهم. فيجب على المسلم أن يشتغل قبل عزلته بما يحتاج إليه من العلم أولًا، ثم يعتزل عن نفسه ثانيًا، يترك محابها وشهواتها الفاسدة. قال الشيخ علي بن الصباغ ﵁: العزلة مجانبة النفس وما تدعو إليه، والخلوة مراقبة القلب وما يرد عليه (٤). وأنشد بعضهم: يا من يحاول عزلةً للناس … وفعاله فعل الجهول الناسي لا تغفلن عن الحقائق جاهلًا … وانظر بعين (٥) مجرب بقياس إن كنت تطلب عزلة تحيا بها … وتقرر التقوى إذًا بأساس (٦) فابدأ بنفسك فاعتزلها واعتزل … مجموع ما تهوى من الأدناس فهي التي لولا هواها لم يصل … أبدًا إليك وساوس الخناس فإن اعتزلت النفس فاعمل بعد ذا … يا ذا البصيرة في اعتزال الناس ثم اعلم بأن العزلة لها أصل في الشرع، وهو قوله ﷺ : «تفقهوا ثم

стр. 605

اعتزلوا» (١)، وفي حديث آخر: «السلامة في العزلة» (٢). وقد خلقك الله تعالى وحدك وستموت وحدك، وتبعث يوم القيامة وحدك، قال الله تعالى: ﴿وَكُلُّهُمْ آَتِيهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَرْدًا﴾ [مريم: ٩٥]، فعَلِّمْ نَفسك الوحدة، واعلم أن الله فرد يحب الفرد. قال رجل لبعض الصالحين: أريد أن أصحبك. قال الشيخ: فإذا مات أحدنا [فمن] (٣) يصحب الآخر؟ قال: الله. قال: فمن الآن (٤). وكان سفيان الثوري يقول: والله لقد حلت العزلة (٥). وقال الجنيد: إن كان قد حلت العزلة في زمانهم فقد وجبت في زماننا (٦). واعلم أن العزلة عند ظهور البدع والفتن واختلاف الأهواء وإعجاب كل ذي رأي برأيه من سنن الأنبياء؛ وهو طريق الأولياء، وقد اعتزل ﷺ

стр. 606

قريشًا حين أخذوا في أذيته؛ فأعلى الله تعالى كلمته، وتولى إعزازه ونصرته، وقد أمر ﷺ أمته بأن يتفقهوا ويعتزلوا (١). وكان حذيفة بن اليمان ﵁ يقول: وددت أن أغلق عليَّ، (فلا يدخل علي بشر ولا) (٢) أخرج إليه حتى ألحق بالله (٣). وقيل للفضيل: إن ابنك عليًّا قال: ليتني في مكانٍ (أرى الناس ولا يروني. فقال ﵁: يا ويح علي، ليته لو قال: ليتني في مكان) (٤) لا أراهم ولا يروني (٥). ودخل أمير البلدة على حاتم الأصم، وقال للشيخ: عسى لسيدي حاجة. قال الشيخ: حاجتي إليك أن لا تراني ولا أراك (٦). وقال الفضيل ﵀ لرجل: أقلل من معرفة الناس؛ فإنَّ معرفة الناس داء كبير (٧). وقال: من سخافة عقل الرجل كثرة معارفه، فمن عامل الله بالصدق استوحش من الخلق (٨). وقال: لا أعلم أحدًا أحب أن يُعرف إلا ذهب دينه وافتضح (٩).

стр. 607

وقال أيضًا: من لم يستأنس بالقرآن لا آنس الله تعالى وحدته (١). وقال مالك بن دينار ﵀: من لم يأنس بمحادثة الله تعالى عن محادثة المخلوقين؛ فقد قلَّ علمه، وعمي قلبه، وضيع عمره (٢). وقال منصور بن إسماعيل (٣): الناس بحر عميق والبعد عنهم سفينة … وقد نصحتك فانظر لنفسك المسكينة بينما أويس القرني جالس إذ جاءه هارون بن حيان، فقال له أويس: ما جاء بك؟ قال: جئت لآنس بك، فقال له أويس: ما كنت أرى أحدًا يعرف ربه ويأنس بغيره (٤). وقيل لبعض الصالحين: ما حملك على أن تعتزل الناس؟ فقال: خشيت أن أسلب ديني، ولا أشعر (٥). واسمع قوله تعالى لنبيه وحبيبه محمد ﷺ وهو في مكان العصمة: ﴿وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ وَرَحْمَتُهُ لَهَمَّتْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ أَنْ يُضِلُّوكَ﴾ [النساء: ١١٣]، وفي آية أخرى: ﴿وَاحْذَرْهُمْ أَنْ يَفْتِنُوكَ﴾ [المائدة: ٤٩]. وقال سعيد بن المسيب: العزلة عبادة (٦).

стр. 608

وإياك والأمراء أن تدنو منهم، وتخالطهم في شيء من الأشياء، وإياك أن تُخدع (١) فيقال لك: رجل تشفع فيه، فإنما ذلك خديعة إبليس اتخذها فخًّا (٢). وقال ابن عباس ﵁: يا معشر الفقراء، إياكم وأبواب الأمراء؛ فإنكم لا تأخذون من دنياهم شيئًا، إلا أخذوا من آخرتكم ما هو خير منه (٣). وقال الشيخ أبو الحسن الشاذلي ﵀: أوصاني أستاذي أن أهرب من خير الناس أكثر مما أهرب (٤) من شرهم؛ قال: فإن شرهم يصيب بدنك، وخيرهم يصيب قلبك؛ ولأن تصاب في بدنك خير لك من أن تصاب في قلبك، ولعدو يرجع بك إلى مولاك خير لك من حبيب يشغلك عن مولاك (٥). قال عقبة بن عامر الجهني: فيم النجاة يا رسول الله؟ قال: «أمسك عليك لسانك، وليسعك بيتك، وابك على خطيئتك» (٦). وقيل: من أنس بغير الله في الخلوة فهو أبدًا في وحشة (٧). كان بعضهم ينشد: أنست بوحدتي فلزمت بيتي … فطاب الأنس لي ونما السرور وأدبني الزمان فلا أبالي … هجرت فلا أُزار ولا أزور

стр. 609

ولست بسائل ما دمت حيًّا … أقام الشيخ أم ركب الأمير قال مالك: كل جليس لا تستفيد منه خيرًا، فاجتنبه (١). وقال ابن عباس ﵁: قلنا لرسول الله ﷺ : لِمَنْ نجالس؟ قال: «لِمَنْ يزيدُ في علمكم منطقُه، ويرغِّبكم في الآخرة عملُه، ويزهِّدُكم في الدنيا فعلُه» (٢). قال المؤلف عفا الله عنه: والله إنَّ مثل هذا العبد الجليل في زماننا هذا لقليل! ولكن ينبغي للمؤمن أن يعمل بما تقدم من الأحاديث، وهو قوله ﷺ : «تفقهوا ثم اعتزلوا»، والحديث الآخر: «السلامة في العزلة» (٣). والصحبة لها حقوق كثيرة، والآدمي ضعيف لا يطيق حملها إلا بمعونة الله، فيخاف عليه أن يعجز عن أدائها فيأثم بلسان الشرع، ومن رزقه الله تعالى الأنس به لا يختار الأنس بغيره. كما قيل: إن رجلًا دق الباب على معروف الكرخي، فقال الشيخ من داخل بيته: اللَّهم من جاء يشغلني عنك فاشغله بك عني. فاستجيبت دعوة معروف وشغل الرجل بالله (٤).

стр. 610

وقال رجل لسفيان الثوري: أوصني. فقال ﵁: هذا زمان السكوت ولزوم البيوت (١). وقال العنبري: اجتمع أصحاب الحديث على باب الفضيل بن عياض، فاطلع عليهم من كوة وهو يبكي، ولحيته ترجف، وقال: عليكم بالقرآن، عليكم بالصلاة، ويحكم ليس هذا زمان حديث؛ إنما هذا زمان بكاء وتضرع ودعاء كدعاء الغريق، إنما هذا زمانُ احفظ لسانك، وأخْفِ مكانك، وعالج قلبك، وخذ ما تعرف، ودع ما تنكر (٢). هذا هو قول هذا السيد في زمانه، وهو الصدر الأول؛ لأنه كان من التابعين الزاهدين، ومن العلماء الموحدين، فما بالك يا أخي بزماننا هذا الذي كثر فيه البدع وقل إنكارها، فترى أحدنا قد مُلِئ قلبه بحب الدنيا، فصار همه بطنه، ودينه هواه، ولا حول ولا قوة إلا بالله. ويقال إن العافية عشرة أجزاء: تسعة في الصمت، وواحدة في الهرب من الناس (٣)، فجرِّبوها فوجدوا خير هذه الأجزاء الهرب من الناس. قال سفيان بن عيينة: قال لي سفيان الثوري في اليقظة والمنام وفي حياته وبعد وفاته: أقلل من معرفة الناس؛ فإن التخلص منهم لشديد، ولا أحسب أنك رأيت ما تكره إلا ممن عرفت (٤). قال ﷺ : «سبَقَ المفَرِّدُونَ» (٥)، رواه أبو هريرة ﵁.

стр. 611

وقال ﷺ لأبي الدرداء: «كن في الدنيا كأنك غريب أو عابر سبيل، وعد نفسك من الموتى» (١). وقال صلوات الله عليه وسلامه: «طلب الحق غربة» (٢)، فطالب الحق غريب وإن كان بين أهله. وفي حديث آخر: «فطوبى للغرباء» (٣). ليست (٤) الغربة مفارقة الأهل والأوطان، والسفر من مكانٍ إلى مكان، الغريب هو العامل بالسنة والقرآن، ولم يجد من يساعده على ذلك، فيصير بين الخلق غريبًا، ومن الله ورسوله قريبًا، فحينئذٍ يقول بلسان الحال: إذا كنت لي ما ضرني من عدمته (٥).

стр. 612

أو كما قال بعضهم: إذا رضيت عني كرام عشيرتي … فلا زال غضبانًا عليّ لئامها فعلم نفسك الوحدة، واعلم أن الله تعالى وترٌ يحب الوتر (١)، فمن تجنب الخلق آنسه الحق، ومن اشتغل بالله تولى الله سبحانه جميع شأنه، يقول الله : «من شغله ذكري عن مسألتي أعطيته أفضل ما أعطي السائلين» (٢). دخل رجل على بعض المشايخ باكيًا، فقال الشيخ: ما بالك؟ فقال الرجل: يا سيدي أستاذي مات. فقال له الشيخ: أنت ظالم؛ لم خدمت من يموت؟ (٣) وكان بعضهم يقول: فإن اعتززت بمن يموت فإن عزك ميت. وفي الخبر: «يقول الله كل يوم: أنا العزيز، فمن أراد عز الدارين فليطع العزيز» (٤). ثم اعلم رحمك الله أنه لا عيش إلا مع الله، ولا عِزَّ إلا بالتعلق بجناب الله، فمن تعلق بجناب مولاه كفاه جميع أمره، وسخر له الكون بأسره، ومن يتوكل على الله فهو حسبه. قال بعضهم: مررت ببعض جبال الشام بعابد على رأس جبل، فلما

стр. 613

رآني هرب مني، فقلت: رحمك الله، إنسيٌّ يهرب من إنسي؟ قال: وهل البلاء إلا معكم؟ التزين والرياء والتصنع، إني لفي هذا الجبل ما شاء الله، تمر بي السباع فلا أجد لها وحشةً في قلبي، وإني لأشد أُنْسًا بها من أنسي بكم، إنكم قوم مَلَأَتِ الدنيا قلوبكم؛ فمالت أبدانكم إليها، واستأنستم بها، فأنتم تستوحشون عند فَقْدِ أهلها، وأنتم مع انقطاعكم إليها لا يطيب لكم عيشٌ معها، إن دخلت عليكم أتعبتكم، وإن انصرفت عنكم أحزنتكم، فهلموا يا أبناء الشقاء وعبيد الدنيا إلى الراحة من رِقِّ الهوى، والتنعم بخدمة المولى (١). قيل لرابعة: بم نلتي هذه المنزلة؟ قالت: بتركي ما لا يعنيني، وبأنسي بمن لم يزل (٢). اللَّهم اجعلنا من المنقطعين إليك، ومن الدائمين بين يديك، ومن المستسلمين لقضائك، ولا تجعلنا من المتعرِّضين عليك. اعلم رحمك الله أن الداخل مع الناس لا يسلم من إحدى وجهين: إما يخوض معهم إذا خاضوا في الباطل، أو يسكت (٣) إذا رأى منهم منكرًا فيأثم، أو يمدحوه فيعينوا نفسه عليه، أو يغتابوا عنده أحدًا فيذهب الله بحسناته؛ لأن المستمع شريك القائل في خير سمعه منهم أو شر. قال بعضهم: مررت بالفضيل بن عياض في بيت الله الحرام عند سارية وحده وكان صديقي فجلست وسلمت عليه، فقال: ما جاء بك؟ فقلت له: اغتممت لوحدتك. فقال: اخْتَرْ إما أقوم عنك أو تقوم عني. فقلت له: أوصني. فقال: أخْفِ مكانك، واحفظ لسانك، واستغفر الله لذنبك (٤). وقال السيد الجليل سهل بن عبد الله ﵁: اجتمع الخير كله

стр. 614

في هذه الأربع خصال، وبها صارَ الأبدالُ أبدالًا: إخماص (١) البطن، والصمت، وسهر الليل، واعتزال الخلق (٢). ودخل رجل على شعيب فقال له: ما جاء بك رحمك الله؟ قال: جئت أؤانسك. قال: تؤانسني ولي أعالج الوحدة أربعين سنة (٣). اعلم رحمك الله تعالى أنك خرجت إلى الدنيا وحدك، وستدخل القبر وحدك، وستقوم يوم القيامة وحدك، قال الله تعالى: ﴿وَكُلُّهُمْ آَتِيهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَرْدًا﴾ [مريم: ٩٥]. فعلم نفسك الوحدة والانفراد، واعمل ليوم المعاد، قال الله تعالى: ﴿لِمِثْلِ هَذَا فَلْيَعْمَلِ الْعَامِلُونَ﴾ [الصافات: ٦١]، فمن ضيَّق على نفسه في الدنيا؛ وَسَّعَ الله عليه في الآخرة. قال أبو مسلم الخولاني: كان الناس ورقًا لا شوك فيه، وهم اليوم شوك لا ورق فيه (٤). وقال الفضيل: إذا رأيت السبع فلا يهولك، وإذا رأيت ابن آدم ففر منه (٥). دخل رجل من أهل العزلة على أخٍ له، فوجد عنده جماعة قد اجتمعوا حوله، فوقف ولم يقعد، ثم نظر إلى أخيه المزار وقال له: صرت مناخًا للبطالين. ثم ذهب (٦).

стр. 615

قال بعض الحكماء: إذا ألف الزاهد أبناء الدنيا انقطعت عروته، فإن نال من دنياهم شيئًا انحلت عقدته، فإن تمتع بها ضلَّ (١). وكان بعضهم يقول: ارحموا فقيرًا أفسدت معدته طعام الأغنياء (٢). قال جعفر بن حميل: صحبت الناس خمسين سنة فلم أجد فيهم من ستر عورتي، ولا وصلني حين قطعته، ولا آمنه إذا غضب، فالاشتغال بهؤلاء حمق (٣). قال المؤلف: من اشتغل بكريم فهو كريم، ومن اشتغل بمهان فهو مهان، وإذا أراد الله بعبد خيرًا شغله به، وإن لم يرد به خيرًا شغله بغيره. وكان بعض الصالحين ينشد هذه الأبيات: أتوب إلى الذي أضحى وأمسى … وقلبي يتقيه ويرتجيه تشاغل كل مخلوق بشغل … وشغلي في محبته وفيه قيل للحسن البصري: هنا رجل لم ير جالسًا قط مع الناس. ودلوه عليه، فقال له الحسن: يا عبد الله، أراك قد أحببت العزلة واجتناب الناس. قال: أمرٌ شغلني عنهم. (فقال له: فما يمنعك أن تأتي الحسن فتسمع منه؟ قال: أمر شغلني عنهم) (٤). قال له الحسن: وما هو يرحمك الله؟ فقال: إني أصبح وأمسي في نعمة وذنب، فرأيت أن أشغل نفسي عن الناس بشكر الله تعالى على النعمة والاستغفار من الذنب. فقال له: يا عبد الله، أنت عندي أفقه من الحسن، الزم ما أنت عليه (٥). وقيل: لما قدم ابن المبارك المصيصة سأل عن محمد بن يوسف فلم يعرف أحد مكانه، فبكى ابن المبارك وقال: هذا والله من فضله أن لا يعرف

стр. 616

ببلد هو فيه (١). يحكى عن بعض الخلفاء قال لفقير: إني أحبك، وأقسم عليه أن يتردد في بعض الأوقات إليه. وأمر الخليفة البوابين أن لا يرد الشيخ أحدٌ، فدخل الشيخ يومًا فلما أحست سريَّة الخليفة به هربت، وتركت طبقًا فيه جواهر ولؤلؤ كانت تنظمهم، فجاء الطاووس فالتقطهم (٢)، فلما ذهب الشيخ خرجت السرية فلم تجد في الطبق شيئًا، فتحيرت، إن قالت أخذهم (٣) الشيخ لم تصدَّق، ولم يدخل أحدٌ غير الشيخ، فحملت على قلبها ومرضت، فقال لها الخليفة: ما سبب مرضك؟ قالت: لما كنت أنظم اللؤلؤ والجواهر والفصوص دخل الشيخ ففررت من بين يديه، وتركت الطبق، فلما ذهب الشيخ خرجت فلم أجد في الطبق شيئًا، فهذا سبب مرضي. فطلب الخليفة الطبيب، وقال: انظر إلى مرضها وإلى ما يوافقها. فقال الطبيب: مرضها في قلبها، اذبحوا لها طاووسًا واشووا قلبه وأطعموه لها تصيب العافية إن شاء الله تعالى. فأمر الخليفة بذبح الطاووس الذي التقط اللؤلؤ، فذبحوه، فخرج الجميع من حوصلته، فاستحيا الخليفة من الشيخ لما خالط قلبه من الشك. وكان الشيخ قد علم أنهم شكوا، هل أخذ جواهرهم الشيخ أم لا؟ فطلب الخليفة الشيخ واعتذر، وقال: اجعلني في حلٍّ. فقال الشيخ: والله لا أحاللك حتى تحلف لي أن لا تخالفني في جميع ما آمرك به. فحلف له بالأيمان المغلظة أن مهما قاله الشيخ لا يخالفه. فقال الشيخ: ائتني بحمار، وأْمر المشاعلية بأن يركبوني عليه مقلوبًا، ويجعلوا على وجهي الدقيق،

стр. 617

ويدوروا بي في أسواق المدينة وأزقتها، ويضربوني بالدرة ويقولون: هذا جزاء فقير يصحب أبناء الدنيا. فأمر الخليفة بذلك وشقَّ عليه، ولولا الأيمان المغلظة ما فعل (١). وقيل لإبراهيم بن أدهم: لم لا تصحب الناس؟ قال: إن صحبت من هو دوني آذاني بجهله، وإن صحبت من هو فوقي تخيَّر (٢) عليَّ، وإن صحبت من هو مثلي حسدني، فاشتغلت بمن لا في صحبته ملالة، ولا في أنسه وحشة، ولا في وصله انقطاع (٣). قال المؤلف عفا الله عنه وعن جميع المسلمين: إن في زيارة الصالحين، وصحبتهم، والاشتغال بخدمتهم خيرًا، فقد سمعت من بعض العلماء أنه قال: أوحى الله تعالى إلى موسى ﵇: يا موسى، إذا رأيت لي طالبًا، فكن له خادمًا (٤)، وسمعت من بعض الأولياء وكان قد بلغ من العمر أكثر من مئة وأربعين سنة أنه قال: أوحى الله تعالى إلى داود ﵇: يا داود، من خدمني فله الجنة، ومن خدم أوليائي فله أنا (٥). فمن خدم خُدِم، ومن تهاون ندم، فقد علمت أن الاشتغال بخدمة الأولياء أجرٌ عظيم وخير جسيم، والاشتغال بالله وخدمته أفضل وأخير (٦). كان بعضهم ينشد هذه الأبيات: أجللت قدرك إن خدمت جليلًا … ولك الجمال إذا طلبت جليلا لا تغترر بغرور دنيا زخرفت … لخليلها حتى تراه قتيلا إن الذين تيقظوا لمعادهم … صبروا على جد المسير قليلا

стр. 618

فتعجلوا عيشًا هنيئًا طيبًا … وتبوءوا دار السلام مقيلا طرق الفضيل بن عياض الباب على داود الطائي، قال: من؟ قال: أخوك الفضيل جئت لزيارتك. فلم يفتح له الباب، وقال: تؤخر الزيارة للآخرة، طاعة الرحمن أحب إليّ من زيارة الإخوان، فصار داود يبكي من داخل، والفضيل يبكي من خارج (١). انظر رحمك الله! إلى أولياء الله تعالى كيف آنَسَهم به حتى استوحشوا من غيره، فمن انتسب إليهم أو إلى العلماء ثم أكثر التردد إلى الأغنياء والأمراء فقد رضي بالدنيا، وما نال منهم وطرًا. صحب صوفيٌّ بعض الأمراء وانجمع عليه، فعرضت للصوفي حاجة ضرورية، فسأل الله أن يقضي حاجته، فسمع قائلًا يقول له: اطلب حاجتك من: ﴿إِلَهِكَ الَّذِي ظَلْتَ عَلَيْهِ عَاكِفاً﴾ [طه: ٩٧] (٢). فمن انتسب إلى العلماء والأولياء، وعلى هذه الآفات أقام، كمن قال: ربي الله وما استقام. ونسأل الله تعالى الاستقامة والأمن من فزع يوم القيامة. قال أميرٌ لفقير يعرفه: ما يمنعك من المجيء إليَّ؟ قال الفقير: أنتم دنياكم تمنعكم من المجيء إلينا، ونحن آخرتنا تمنعنا من الرواح إليكم. والذي بلغنا عن ساداتنا أن أحدهم كان يفر من الملوك والأمراء كما يفر الرجل من الأسد، ولا ينظرون إليهم ولا لأبنيتهم، وربما صادف أحدهم أميرًا فيحول وجهه إلى الحائط؛ خوفًا على قلبه أن يتمتع بالنظر إليه فيبتلى بالعمى، وهؤلاء القوم كانت لهم قلوب منورة، خافوا عليها من العمى، ومن أعمى الله تعالى قلبه فمن أي شيء يخاف؟! وإذا دخل أحد من العلماء أو الفقراء على الأمير ولم ينهه عن كل بدعة رآها فقد خرج عن طريق سيد المرسلين، والخلفاء الراشدين، والعلماء الموحدين، فيدخل بدينه ويخرج

стр. 619

بغير دين (١)؛ لأنه ترك واجبًا، ورضي بالفاحشة، ومن رضي بالفاحشة كمن فعلها، ويقع سكوته تزكيةً لعملهم ولضلالتهم، وطلبًا لرضاهم، وتعظيمًا لدنياهم، ومن عظَّم حقيرًا فهو حقير عند الله تعالى. قال الفضيل: لو أن رجلًا لا يأتي هؤلاء يعني السلطان ولا يزيد على الفرائض، هو أفضل من رجلٍ يخالط السلطان ويصوم النهار ويقوم الليل (٢). وفي الخبر: «العلماء أمناء الرسل ما لم يخالطوا السلطان ويدخلوا في الدنيا، فإذا فعلوا ذلك ودخلوا في الدنيا فقد خانوا الرسل عند ذلك؛ فاعتزِلوهم واحذروهم» (٣). قال الشيخ أبو العبَّاس رحمة الله عليه: ما رأيت العز إلا في رفع الهمة عن الخلق (٤). فاعلم رحمك الله أن رفع الهمة عن الخلق هو ميزان الفقراء، وأحوال الرجال، وكما توزن الذوات كذلك توزن الأحوال والصفات: ﴿وَأَقِيمُوا الْوَزْنَ بِالْقِسْطِ وَلَا تُخْسِرُوا الْمِيزَانَ﴾ [الرحمن: ٩] فيظهر الصادق بصدقه، والمدعي بكذبه ومَذْقه (٥). ﴿مَا كَانَ اللَّهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ حَتَّى يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ﴾ [آل عمران: ١٧٩]. وقد ابتلى الله تعالى بحكمته الفقراء الذين ليسوا بصادقين، بإظهار ما أخفوا من الرغبة وأسرُّوا من الشهوة، فطرحوا أنفسهم لأبناء الدنيا مباسطين لهم، موافقين لهم على

стр. 620

مأربهم، مدفوعين على أبوابهم، فترى أحدهم يتزين كما تتزين العروس؛ يجتهدون في إصلاح ظواهرهم، وهم عن إصلاح بواطنهم (١) غافلون، ولقد وسمهم الحق وسمةً كشف بها عوراتهم، وأظهر أخبارهم، فبعد أن كانت نسبته أن لو صدق مع الله تعالى أن يقال فيه: عبد المولى القدير. فأخرج عن هذه النسبة لعدم صدقه، فصار يقال له: شيخ الأمير. أولئك المبعدون عن باب الله، الصادون العباد عن صحبة أولياء الله بما يشهده العموم منهم، يظنون ذلك على كل منتسب إلى الله تعالى، فهم حجُب أهل التحقيق، وبعداء من الخير والتوفيق، ألسنتهم منطلقة بالدعوى، وقلوبهم خالية من التقوى، ألم يسمعوا قول المولى: ﴿لِيَسْأَلَ الصَّادِقِينَ عَنْ صِدْقِهِمْ﴾ [الأحزاب: ٨] أترى إذا سأل الصادقين أيترك المدعين أو الكاذبين بغير سؤال؟! فقد أظهروا زي الأولياء والمقبلين، وأفعالهم أفعال المعرضين، فظواهرهم صالحة، ولم يشموا للخير (٢) رائحة، وأنشد بعضهم (٣): أما الخيام فإنها كخيامهم … وأرى نساء الحي غير نسائها لا والذي حجَّت قريش بيته … مستقبلين الركن من بطحائها ما أبصرت عيني خيام قبيلةٍ … إلا بكيت أحبتي بفنائها (٤) ثم اعلم بأنك لا تقدر في هذا الزمان على الأمر بالمعروف وقيام الحق، ولا تهون نفسك عليك بالضرب أو السب أو الحبس، فلا تتهم نفسك على منزلة لا تقدر عليها. فإن قيل: لا بد لنا من الاجتماع بالناس للبيع والشراء، وما يُحتاج إليه من الأسباب؛ نعم، لكن تدخل معهم مشمرًا عن ساعديك، كما تدخل في الوادي الكثير الحيات، وقل: ربِّ سلِّم، ربِّ سلِّم. واسمع قوله تعالى:

стр. 621

﴿وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الْأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [الأنعام: ١١٦]، وقوله ﷺ : «إذا رأيت شحًّا مطاعًا، وهوىً متبعًا، وإعجاب كل ذي رأي برأيه؛ فعليك بخويصة نفسك» (١). وقال الفضيل لرجل: لأعلمنك كلمة [هي] خير من الدنيا وما فيها، والله لئن علم الله منك إخراج الآدميين من قلبك حتى لا يكون في قلبك مكان لغيره لم تسأله شيئًا إلا أعطاك (٢). وقال: ما يؤمِّنك أن تكون بارزت الله بعمل مقتك عليه، فأغلق دونك أبواب المغفرة، وأنت تضحك، كيف ترى يكون حالك؟ (٣) وقال الشيخ أبو الحسن الشاذلي فيما يحكيه عن أستاذه رحمة الله عليهما: الله، الله، والناس، الناس، نزَّه لسانك عن (٤) ذكرهم، وقلبك عن التماثيل من قبلهم، وعليك بحفظ الجوارح، وأداء الفرائض، وقد تمت ولاية الله عندك، ولا تذكرهم إلا بواجب حق الله عليك، وقد تم ورعك، وقل: اللَّهم أرحني من ذكرهم، ومن العوارض من قبلهم، ونجني من شرهم، وأغنني بخيرك عن خيرهم، وتولني بالخصوصية من بينهم، إنك على كل شيء قدير. وقال أيضًا: أوصاني حبيبي: لا تنقل قدميك إلا حيث ترجو ثواب الله، ولا تجلس إلا حيث تأمن غالبًا من معصية الله، ولا تجالس إلا من تستعين به على طاعة الله، ولا تصطفِ لنفسك إلا من تزداد به يقينًا بالله، وقليلٌ ما هم (٥).

стр. 622

وقال ﵁: مَنْ لم يذق الأنس مع الله، إذا أعرض عنه من ينفع؛ أشد من ذوقه إذا أقبلوا عليه؛ فليس معه من الأنس بالله لا قليل ولا كثير. ثم اعلم أن مَنْ علم قُرب رحيله سعى في تحصيل الزاد خوفًا من مشقة الطريق، ومن الفضيحة في يوم المعاد، فشغله ذلك عما تقدم ذكره، وعن العباد. يا هذا، لو أحبك الحق سبحانه لجمعك عليه، ولحبب لك الطريق الذي (١) يوصلك إليه؛ لأن الله تعالى لا يدع من يحبه لغيره، ألم تسمع قوله ﷺ : «يقول الله : يا جبريل أنم فلانًا وأقم فلانًا» (٢). فمن أحبك نبهك، وإذا أبغضك قال: دعوه نائمًا. ثم اعلم بأن الله تعالى انتخب لحضرته من يصلح لها، ومن لم يصلح رماه للكائنات، ومن لم تفتح له المنازل رضي بالمزابل. وقف بعض الصالحين يصلي ورده بالليل، فلم يسمع حسَّ أحد، فقال: يا رب ما أقل الواقفين ببابك. فسمع قائلًا يقول: ليس ذلك من قلة الأحباب، ولكن ليس كل أحد يصلح للباب (٣). وقالوا في هذا المعنى: قل لمن أعرض عنا … إن إعراضك منا لو أردناك لأضحى … كل ما فيك يردنا

стр. 623

باب فيما يبتدع من الملابس وما يكره (وما يحرم) وما يباح اللهم اكسنا كسوة تقينا بها من الفتن والهلاك، ونسألك الغنى بك حتى لا نشهد إلا إياك، قال الله تعالى جل ثناؤه وتقدست أسماؤه: ﴿يَا بَنِي آَدَمَ قَدْ أَنْزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاسًا يُوَارِي سَوْآَتِكُمْ وَرِيشًا وَلِبَاسُ التَّقْوَى ذَلِكَ خَيْرٌ﴾ [الأعراف: ٢٦]. اعلم رحمك الله وإيانا وجميع المسلمين! أن اللباس على قسمين: لباس الأبدان، ولباس الإيمان. فالأول فيه خير، والثاني أفضل منه وخير؛ لأن الأول يفنى ويبلى، والثاني لا فناء له، فيجب على المسلم أن يصون ثوب الإيمان عن نجاسات المخالفة والعصيان، ويجتهد في تجديده وتطهيره بالطاعة والإحسان، قال صلوات الله عليه وسلامه: «جدِّدُوا إيمانَكم بلا إله إلا الله» (١). ونعوذ بالله من قلة التوفيق ومن الخذلان. قال الشيخ أبو الحسن الشاذلي رحمة الله عليه: رأيت النبي ﷺ في

стр. 624

المنام، فقال لي: يا علي طهِّر ثيابك من الدنس؛ تحْظَ بمدد الله في كل نفس. فقلت: يا رسول الله، وما ثيابي؟ فقال: اعلم أن الله قد كساك حلة الإيمان، وحلة المعرفة، وحلة التوحيد، وحلة المحبة. فقال: ففهمت حينئذٍ قوله سبحانه: ﴿وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ﴾ [المدثر: ٤] (١). قال قتادة ومجاهد رحمة الله عليهما في تفسير هذه الآية: أي نفسك فطهر من الذنوب وقال بعض المفسرين: عملك فأصلح. وقال السدي: يقال للرجل إذا كان صالحًا إنه لطاهر الثياب، وإذا كان فاجرًا إنه لخبيث الثياب. وقال ابن سيرين وابن زيد: أمر بتطهير الثياب من النجاسة التي لا تصح معها الصلاة (٢). فصُنْ أيها المملوك! خِلَع الملوك، لكي لا تُنزع عنك، ولا تكثر الفجور فالحقُّ غيور، وكانت رابعة تقول: ما بال دينك ترضى أن تدنسه … وثوبك الدهر مغسول من الدنس ترجو النجاة ولم تسلك مسالكها … إن السفينة لا تجري على اليبس فاشكر الله أيها المؤمن! الذي منَّ عليك بخلعة الإيمان بعد سبع مئة سنةٍ وكسور من الهجرة، وأحرمها غيرك وهو في الحضرة، قال بعضهم: لما فاح عطر النبوة شمَّها سلمانُ من العجم، وبلال من الحبشة، وصهيب من الروم، وأبو طالب في الحضرة وهو مزكوم، ومن هذه السعادة والخيرات محروم، فمن أراد هذه السعادة فلا يعصي عالم الغيب والشهادة. فصُن أيها المؤمن! هذه الخلعة المحمدية من الأفعال الردية، وافرح بما خصك الله به: أن جعلك من خير الأمم، وحرسك من السجود للصليب والصنم، فقيد هذه الخيرات بالشكر، والعمل الصالح؛ فإن المعاصي تزيل النعم. قال ﷺ : «المعاصي بريد الكفر» (٣)، فكادت المعصية أن تكون كفرًا.

стр. 625

تاب بعضهم عن نبش القبور، فقال له شيخه: يا بني، بلغني أنَّ (١) من مات على غير القبلة يحول عنها؛ فهل رأيت أحدًا مصروفًا عن القبلة؟ فقال: يا سيدي، رأيت أكثرهم مصروفين عن القبلة. فانظر رحمك الله تعالى! إلى شُؤم المعصية والطغيان، كيف يؤدي إلى ذهاب الإيمان. هجم العيد على إبراهيم بن أدهم، وعليه هِدْمَتان (٢)، فقيل له: ما تلبس في العيد؟ أنشد في المعنى يقول: قالوا غدًا العيد ماذا أنت لابسه … فقلت خلعة ساقٍ حبه جرعا فقرٌ وصبرٌ هما ثوباي تحتهما … قلبٌ يرى الله في الأعياد والجمعا العيد لي مأتمٌ إن غبت يا أملي … والعيد ما كنت لي مرأى ومستمعا أحرى الملابس ما تلقى الحبيب به … يوم التزاور في الثوب الذي خلعا وقد تقدم أن اللباس على أقسام: منه ما يحرم، وهو لبس الذهب والحرير والإبريسم والديباج على الرجال، وللنساء حلال؛ لأن النبي ﷺ أخذ الذهب والحرير بيديه وقال: «هذان حرامان على ذكور أمتي (٣) حلالان لإناثهم» (٤). وعند أبي حنيفة (٥) ﵀ يحرم لبس الحرير والذهب والديباج

стр. 626

والإبريسم (١) على الرجل الكبير وعلى الطفل الصغير؛ لقوله ﷺ : «حرامان على ذكور أمتي». يشمل الصغير والكبير، لكن القلم مرفوع عن الصغير والإثم على من ألبسه. وقال أيضًا بتحريمه في الحرب؛ لورود النهي، ولأن الملحَّم يقوم مقامه. وفي المسألتين خلاف للعلماء (٢): لبسه في الحرب للرجل الكبير، وفي الإقامة للصبي (٣) الصغير، واختلاف العلماء رحمةً، والخروج من خلافهم نعمة، وقد ورد في الأخبار المتواترة: أن من لبس الحرير في الدنيا، لم يلبسه في الآخرة. قال بعض العلماء: يُخاف على لابس الحرير من سوء الخاتمة؛ لقوله ﷺ : «من لبسه في الدنيا لم يلبسه في الآخرة» (٤). ولأن الحرير والذهب من حلي أهل الجنة ولباسهم، قال المولى القدير: ﴿وَلِبَاسُهُمْ فِيهَا حَرِيرٌ﴾ [الحج: ٢٣]، وقال تعالى: ﴿يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِنْ ذَهَبٍ﴾ [فاطر: ٣٣]. واختلف العلماء في الأعلام في الثياب (٥): هل يجوز إذا [كانت] (٦) من الحرير والإبريسم أم لا؟ قال بعض العلماء: يُكره؛ لما روي عن جابر بن عبد الله، قال: كنا نقطع الأعلام من الثياب (٧). وروى الأعمش عن مجاهد أن عبد الله بن عمر اشترى عمامة، فرأى

стр. 627

علمها حريرًا فقطعه (١)، وقال: اجتنبوا ما خالط الثياب من الحرير (٢). وأما من قال: لا بأس به. دليله: ما روى أبو أمامة الباهلي، قال: قلت: يا رسول الله، نهيتنا عن لبس الحرير، فما يحل لنا منه؟ قال: «ثلاثة أصابع، وذلك لا خير فيه» (٣). فلا بأس بلبس الثوب إذا كان سداؤه من حرير أو إبريسم، واللُّحمة من قطن أو خز أو صوف أو كتان، وفي لبس الخزِّ (٤) خلاف للعلماء (٥). ويكره للمؤمنين الأخيار التشبه بزي الكفار؛ لقوله ﷺ : «من تشبه بغيرنا فليس منا» (٦). والذي أذكره في هذا الباب من المكروهات فيه ما هو كراهة تنزيه، وكراهة تحريم، وكلا الطرفين ذميم. ويكره للرجل التشبه بزي النساء، كلبس الثياب المحمرة والمعصفرة، والتقنع، ولبس السراويل القزواني، واختضاب يديه ورجليه بالحناء من غير عذر؛ لأن هذه الأشياء من زي النساء، ويكره أيضًا للمرأة التشبه بزي الرجال، كلبس القبع، والشاش، والقباء (٧)، والسراويل

стр. 628

الفاتحي؛ لأنه من زي الرجال ولا يستر عورتها، ولا تلبس الدلق العسلي، ولا الزربول (١) الصيدي؛ فإنه من زي الرجال، وصحَّ أنَّ النبيَّ ﷺ لعن المتشبهين من الرجال بالنساء، ولعن المتشبهات من النساء بالرجال (٢). ويكره من غير عذر لبس الطيلسان (٣) لكل إنسان، ويكره كشف الرأس عامدًا، ويكره حلق داير الرأس، وكذلك الناصية كما يفعله أهل العربدة، وهم حمَّاري هذه الأمة. فإن فعل شيئًا من ذلك لغير عذر لم يجز، وإن فعله لعذر جاز، بغير كراهة. ويكره تلبيد الشعر (٤)، وأن يوصل شعرًا آخر، فمن لبَّده من جهلة المسلمين لا يزال جنبًا ولو اغتسل في سبعة أبحر؛ لأن الماء لا يصل إلى أصول شعره، وهذا عبدٌ جاهل مفتون، والواصل شعره بشعر غيره ملعون؛ قال ﷺ : «لعن الله الواصلة والمستوصلة» (٥)، فإن لُعنت المرأة لأجل ما وصلت شعرها بشعر غيرها زينة لأجل زوجها، فالرجل يكون ملعونًا بطريق الأولى؛ لأنه وصله عبثًا، وأكثر ما يفعله فقراء الروم والعجم، الخوارج عن طريق سيد الأمم. وكذلك الواشمة إذا وشمت شيئًا من بدنها لأجل التزين لأجل زوجها تكون ملعونة، والرجل يكون ملعونًا بطريق الأولى؛ لأنه (٦) غيَّر خلق الله

стр. 629

تعالى عبثًا، فإن وشم هذا الشيطان شيئًا من أطرافه بالقرآن فقد ارتكب فعلًا محرمًا يوجب له غضب الرحمن، ويخرجه عن طريق النبي ﷺ ، وعن طريق أصحابه، وعن طريق أهل الخير والإيمان. ويكره أن يكون الرجل ثائر الرأس واللحية؛ لما روي أن رجلًا دخل على النبي ﷺ وهو ثائر الرأس واللحية؛ فأشار إليه أن اخرج وأصلح رأسك، ففعل، ثم دخل على النبي ﷺ ، فقال له: «أليس هذا خير من أن يأتي أحدكم ثائر الرأس كأنه شيطان؟!» (١)، ويكره لبس الشعر، وإن كان قد لبسه بعض العباد، فهو مخالف لسنة خير (٢) العباد. وقال الأوزاعي ﵀: لبس الصوف سنَّة في السفر، بدعة في الحضر (٣). دخل محمد بن واسع على قتيبة بن مسلم وعليه جبة صوف، فقال له قتيبة: ما دعاك إلى لبس مدرعة الصوف؟ فسكت، فقال: أكلمك ولا تجيبني؟ فقال: أكره أن أقول: زُهدًا؛ فأزكي نفسي، أو أقول: فقرًا؛ فأشكو ربي (٤). وقال ابن السماك لأصحاب الصوف: والله لئن كان لباسكم هذا موافقًا لسرائركم لقد أحببتم أن يطلع الناس عليها، ولئن كان مخالفًا لقد هلكتم (٥). رأت عجوز شبابًا عليهم ثياب الصوف وهم جلوس يتضاحكون،

стр. 630

فقالت: سبحان الله، زي الصالحين وفعل الجاهلين (١). أنكرتْ عليهم لعدم التناسب. وقال الحسن لفرقد السبخي: يا فرقد، تحسب أن لك فضلًا على الناس بكسائك؟ بلغني أن أكثر أهل النار أصحاب الأكسية (٢). وأنشدوا: إذا المرء لم يلبس ثيابًا من التقى … تقلب عريانًا وإن كان كاسيًا وخير خصال العبد (٣) طاعة ربه … ولا خير فيمن كان لله عاصيًا اعْلَم أيها الإنسان! أن لبس الدروع الحسان محرم على كل جبان، فلا تلبس أيها البطَّال لباس الأبطال، ثم تأخذ في الهزيمة؛ فإنه من أفعال كل خنثى العزيمة، فدع الدرع الحسن لصاحبه، فهو أولى منك بالغنيمة، وكانوا أحق بها وأهلها؛ لأن أحدهم عرف ما يطلب، فحينئذٍ هان عليه ما يبذل، ومن أراد الفوائد هجم على الشدائد. ثم اعلم أن بعض الناس اختار الترفع في الملابس ونيته الإظهار لنعم الله تعالى، فلا بأس بذلك إذا كان من حلال، وروي أن الله جميل يحب الجمال (٤)، وقد حُكِي عن جماعةٍ من الصالحين أنهم كانوا يظهرون الغِنَى في الفقر، تراهم على فاقة وهم يجتهدون في تحسين ثيابهم، وقال الله فيمن هذه صفاتهم: ﴿يَحْسَبُهُمُ الْجَاهِلُ أَغْنِيَاءَ مِنَ التَّعَفُّفِ﴾ [البقرة: ٢٧٣]. ومن وسع الله تعالى عليه يجب أن يرى (أثر نعمته) (٥) عليه، قال أمير

стр. 631

المؤمنين عمر بن الخطاب ﵁: إذا وسَّع الله عليكم فوسعوا (١). وقول عمر موافق لقوله تعالى: ﴿عَلَى الْمُوسِعِ قَدَرُهُ وَعَلَى الْمُقْتِرِ قَدَرُهُ﴾ [البقرة: ٢٣٦]. وينبغي للمؤمن أن يكون في لباسه موافقًا لأقرانه؛ فلا يرتفع في لباسه جدًّا، ولا يتنازل جدًّا، وخير الأمر أوسطه؛ فإن لم يفعل ارتكب النهي، وأوقع الناس في الغيبة والإثم. وقد جاء في الحديث: «رحم الله من عرف قدره، وكفى الناس أمره» (٢). فمن ارتفع في لباسه جدًّا أو تنازل جدًّا فقد شهر نفسه، وجعلها علمًا بين الناس، فخرج عن السنة، ولا عرف قدره، ولا كفى الناس أمره، وقد نهى النبي ﷺ عن الشهرتين (٣)، فرحم الله من عرف قدره، وكفى الناس أمره. قال النبي ﷺ : «البسوا من ثيابكم البيض، وكفنوا فيها موتاكم؛ فإنها خير ثيابكم» (٤). ويقال: كُلْ من الطعام ما اشتهيت والْبَسْ من الثياب ما اشتهى الناس. وقال بعضهم:

стр. 632

تجمل بالثياب تعش حميدًا … لأن العين قبل الاعتبار فلو لبس الحمار ثياب خزٍّ … لقال الناس يا لك من حمار وهذه الأشياء من رخص الشرع: المآكل الطيبة، والملابس اللينة، قال الله تعالى: ﴿قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ﴾ [الأعراف: ٣٢] فقد رخَّص الشرع في ذلك لمن لا يلتزم الزهد، فيقف على رُخص الشرع بأن لا يكون لباسه مرتفعًا جدًّا فيكون علمًا بين الناس. ولا يلبس ما يُجَرُّ من الثياب؛ فقد صح في (الحديث: «من جر إزاره بطرًا لم ينظر الله إليه يوم القيامة» (١). وهو نوع من التكبُّر أعاذنا الله منه، والسنة في الثياب أن تكون فوق الكعاب؛ فقد صحَّ في) (٢) الأخبار: «ما كان أسفل من الكعبين فهو في النَّار» (٣). وقد لبس بعض الصحابة ومن صلحاء التابعين ما نَعُم من الثياب بعلم، ونيَّةٍ صالحة يلقى الله سبحانه بصحَّتها، وبعضهم اختار الاختصار، فلا يُتَعَرَّضُ عليهم؛ لأن له أصلًا في الشرع، فمن الخلفاء الراشدين من لبس ما نعم، وبعضهم لبس ما خشن، وقد بشرهم ﷺ بالجنَّة فلله الحمد والمنَّة، وسيأتي بيانه إن شاء الله. لكن ما خشن من الثياب وما رقِّع يصلح للفقير لأجل التقليل من الدنيا وزهرتها (٤)، فإذا تركها لله سبحانه عوضه الله ما هو خيرٌ منها،

стр. 633

أي: يا عبادي، من صبر منكم على الطاعة وعلى ذهاب دار الفناء حصلتُ له أنا، ومن وجدني وجد كل شيء، وذهب عنه التعب والنصب والعناء، ومن فتُّه فاته كل شيء؛ فابتلي بالغضب والذل الطويل، والفقر بعد العِزِّ والغنى. وروي أن النبي ﷺ لبس الصوف واحتذى المخصوف (١)، (وكان يرتدي بالبُرُد الغليظ الحاشية) (٢)، وكان إذا أُهْدِيَ له شيئًا من الحلل أو مما نعم من الثياب يفرقه على (٣) الأصحاب (٤). وقال بعض التابعين: رأيت عمر بن الخطاب ﵁ في خلافته، وعليه قميص فيه سبع رقع. وروي أنه خطب يومًا وعليه ثوب فيه ثلاث رقع بعضها فوق بعض (٥). وكان إذا رأى رجلًا عليه ثوبان رقيقان يقول له: دع هذه البراقات للنساء (٦).

стр. 634

وكان عليُّ بن أبي طالب كرَّمَ الله وجهه يشتري الثوبين الغليظين، ويلقيهما بين يدي عبده، فيختار العبد أي الثوبين (١) شاء، ويلبس الآخر عليٌّ ﵁ (٢). وروي أنه لبس قميصًا بثلاثة دراهم، ثم قطع كمه من رؤوس أصابعه (٣) فعابه الخوارج بذلك، فقال: أتعيبونني على لباس هو أبعد عن الكبر وأجدر أن يقتدي به المسلم (٤). وروي أنه قال لعمر بن الخطاب: إن أردت أن تلقى صاحبيك؛ فرقِّع قميصك، واخصف نعلك، وقصر أملك، وكل دون الشبع (٥). وروي أنه قال لرجل من أهل العراق: اشتر هذا السيف فطالما كَشَفْتُ به الكرب عن وجه رسول الله ﷺ ، ولو كنت أملك ثمن عباءة ما بعته (٦). وكان ذلك في خلافته ﵁.

стр. 635

وقيل: لما مات أبو الدرداء ﵁ وجدوا في ثوبه أربع مئة رقعة، وكان عطاؤه أربعة آلاف (١). وقَوَّمُوا ثياب عمر بن عبد العزيز ﵁ في خلافته من فرقه لقدمه حتى مِنديل كمِّه باثني عشر درهمًا (٢). وهجم العيد وعلى ولده قميص خَلِقٌ فبكى عمر ﵁، فقال له ولده: ما يبكيك يا أبت؟ قال: يا بني كسر قلبك في مثل هذا اليوم، الصبيان قد تجملوا بثيابهم وأنت بهذا القميص الخلق. فقال: يا أمير المؤمنين، إنما ينكسر قلب من أعدمه الله رضاه، وعَقَّ أمه وأباه، وإني لأرجو أن يكون الله تعالى راضيًا عني برضاك. فبكى عمر وضم ولده إليه، وقبَّل بين عينيه ودعا له، وسيَّر ولده لعامله، وطلب منه ثلاثة دراهم لثلاثة أيام؛ ليكسو (٣) ولده بها قميصًا، فأبى وقال: قل للخليفة: إن ضمن الحياة لثلاثة أيام أقرضه. فلم يضمن ومات بعد ثلاثة أيام ﵀، فكان ولده يبكي ويقول: صدق العامل (٤)، لم يعش والدي لثلاثة أيام (٥). فانظر إلى أوصاف القوم يا من حسن ظاهره بالثياب، وباطنه خراب. قال قائلهم: أرى (٦) وجهك لي عيدًا … فما أصنع بالعيد؟ دخل تلميذ الحسن البصري على رابعة في يوم عيد وسلم عليها عن الحسن، ورآها جالسة على قطعة حصير خلق (٧)، (وعليها مدرعة صوف
следующие страницы →