← Акыда

Акыда · id 30061

اللمع في الحوادث والبدع

ابن بيدكين التركماني

Полный текст (853 стр.). Показаны 631–670 · переход к 636.

стр. 631

المؤمنين عمر بن الخطاب ﵁: إذا وسَّع الله عليكم فوسعوا (١). وقول عمر موافق لقوله تعالى: ﴿عَلَى الْمُوسِعِ قَدَرُهُ وَعَلَى الْمُقْتِرِ قَدَرُهُ﴾ [البقرة: ٢٣٦]. وينبغي للمؤمن أن يكون في لباسه موافقًا لأقرانه؛ فلا يرتفع في لباسه جدًّا، ولا يتنازل جدًّا، وخير الأمر أوسطه؛ فإن لم يفعل ارتكب النهي، وأوقع الناس في الغيبة والإثم. وقد جاء في الحديث: «رحم الله من عرف قدره، وكفى الناس أمره» (٢). فمن ارتفع في لباسه جدًّا أو تنازل جدًّا فقد شهر نفسه، وجعلها علمًا بين الناس، فخرج عن السنة، ولا عرف قدره، ولا كفى الناس أمره، وقد نهى النبي ﷺ عن الشهرتين (٣)، فرحم الله من عرف قدره، وكفى الناس أمره. قال النبي ﷺ : «البسوا من ثيابكم البيض، وكفنوا فيها موتاكم؛ فإنها خير ثيابكم» (٤). ويقال: كُلْ من الطعام ما اشتهيت والْبَسْ من الثياب ما اشتهى الناس. وقال بعضهم:

стр. 632

تجمل بالثياب تعش حميدًا … لأن العين قبل الاعتبار فلو لبس الحمار ثياب خزٍّ … لقال الناس يا لك من حمار وهذه الأشياء من رخص الشرع: المآكل الطيبة، والملابس اللينة، قال الله تعالى: ﴿قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ﴾ [الأعراف: ٣٢] فقد رخَّص الشرع في ذلك لمن لا يلتزم الزهد، فيقف على رُخص الشرع بأن لا يكون لباسه مرتفعًا جدًّا فيكون علمًا بين الناس. ولا يلبس ما يُجَرُّ من الثياب؛ فقد صح في (الحديث: «من جر إزاره بطرًا لم ينظر الله إليه يوم القيامة» (١). وهو نوع من التكبُّر أعاذنا الله منه، والسنة في الثياب أن تكون فوق الكعاب؛ فقد صحَّ في) (٢) الأخبار: «ما كان أسفل من الكعبين فهو في النَّار» (٣). وقد لبس بعض الصحابة ومن صلحاء التابعين ما نَعُم من الثياب بعلم، ونيَّةٍ صالحة يلقى الله سبحانه بصحَّتها، وبعضهم اختار الاختصار، فلا يُتَعَرَّضُ عليهم؛ لأن له أصلًا في الشرع، فمن الخلفاء الراشدين من لبس ما نعم، وبعضهم لبس ما خشن، وقد بشرهم ﷺ بالجنَّة فلله الحمد والمنَّة، وسيأتي بيانه إن شاء الله. لكن ما خشن من الثياب وما رقِّع يصلح للفقير لأجل التقليل من الدنيا وزهرتها (٤)، فإذا تركها لله سبحانه عوضه الله ما هو خيرٌ منها،

стр. 633

أي: يا عبادي، من صبر منكم على الطاعة وعلى ذهاب دار الفناء حصلتُ له أنا، ومن وجدني وجد كل شيء، وذهب عنه التعب والنصب والعناء، ومن فتُّه فاته كل شيء؛ فابتلي بالغضب والذل الطويل، والفقر بعد العِزِّ والغنى. وروي أن النبي ﷺ لبس الصوف واحتذى المخصوف (١)، (وكان يرتدي بالبُرُد الغليظ الحاشية) (٢)، وكان إذا أُهْدِيَ له شيئًا من الحلل أو مما نعم من الثياب يفرقه على (٣) الأصحاب (٤). وقال بعض التابعين: رأيت عمر بن الخطاب ﵁ في خلافته، وعليه قميص فيه سبع رقع. وروي أنه خطب يومًا وعليه ثوب فيه ثلاث رقع بعضها فوق بعض (٥). وكان إذا رأى رجلًا عليه ثوبان رقيقان يقول له: دع هذه البراقات للنساء (٦).

стр. 634

وكان عليُّ بن أبي طالب كرَّمَ الله وجهه يشتري الثوبين الغليظين، ويلقيهما بين يدي عبده، فيختار العبد أي الثوبين (١) شاء، ويلبس الآخر عليٌّ ﵁ (٢). وروي أنه لبس قميصًا بثلاثة دراهم، ثم قطع كمه من رؤوس أصابعه (٣) فعابه الخوارج بذلك، فقال: أتعيبونني على لباس هو أبعد عن الكبر وأجدر أن يقتدي به المسلم (٤). وروي أنه قال لعمر بن الخطاب: إن أردت أن تلقى صاحبيك؛ فرقِّع قميصك، واخصف نعلك، وقصر أملك، وكل دون الشبع (٥). وروي أنه قال لرجل من أهل العراق: اشتر هذا السيف فطالما كَشَفْتُ به الكرب عن وجه رسول الله ﷺ ، ولو كنت أملك ثمن عباءة ما بعته (٦). وكان ذلك في خلافته ﵁.

стр. 635

وقيل: لما مات أبو الدرداء ﵁ وجدوا في ثوبه أربع مئة رقعة، وكان عطاؤه أربعة آلاف (١). وقَوَّمُوا ثياب عمر بن عبد العزيز ﵁ في خلافته من فرقه لقدمه حتى مِنديل كمِّه باثني عشر درهمًا (٢). وهجم العيد وعلى ولده قميص خَلِقٌ فبكى عمر ﵁، فقال له ولده: ما يبكيك يا أبت؟ قال: يا بني كسر قلبك في مثل هذا اليوم، الصبيان قد تجملوا بثيابهم وأنت بهذا القميص الخلق. فقال: يا أمير المؤمنين، إنما ينكسر قلب من أعدمه الله رضاه، وعَقَّ أمه وأباه، وإني لأرجو أن يكون الله تعالى راضيًا عني برضاك. فبكى عمر وضم ولده إليه، وقبَّل بين عينيه ودعا له، وسيَّر ولده لعامله، وطلب منه ثلاثة دراهم لثلاثة أيام؛ ليكسو (٣) ولده بها قميصًا، فأبى وقال: قل للخليفة: إن ضمن الحياة لثلاثة أيام أقرضه. فلم يضمن ومات بعد ثلاثة أيام ﵀، فكان ولده يبكي ويقول: صدق العامل (٤)، لم يعش والدي لثلاثة أيام (٥). فانظر إلى أوصاف القوم يا من حسن ظاهره بالثياب، وباطنه خراب. قال قائلهم: أرى (٦) وجهك لي عيدًا … فما أصنع بالعيد؟ دخل تلميذ الحسن البصري على رابعة في يوم عيد وسلم عليها عن الحسن، ورآها جالسة على قطعة حصير خلق (٧)، (وعليها مدرعة صوف

стр. 636

خليع) (١) وبين يديها طبق فيه نخالة وكسر يابسة وهندبا (٢) بائتة، وهي تخرج الكسر اليابسة من النخالة وتأكلها بتلك الهندبا، فبكى تلميذ الحسن، فقالت له: ما يبكيك؟ فقال: مثلك في يوم عيد هذا نومها وهذا غطاؤها وهذا غذاؤها! فقالت: يا هذا، وما يوم العيد عندكم؟ فقال: يومٌ يَترَفَّهُ فيه الناس. فقالت: يا هذا، ذلك عِيدُ الغافلين في الدنيا، العيد لمن غفر له المولى. فخرج من عندها وذكر ذلك لبعض جيرانها، وكان من الأغنياء فقال: إنها لا تقبل مِنَّا شيئًا، فإن قبلت مني شيئًا على يديك شكرت سعيك. فقال: هات. فأعطاه خرقة فيها مائة دينار، فأخذها ووضعها بين يديها، فقالت: ما هذه؟ فقال: مائة دينار من جارك فلان. فقالت: أَوَ قَدْ أعلمته بما رأيت؟ أهكذا علَّمَك الحسن؟! مثلك من يستأمنه الناس على أسرارهم؟! خذها وأعدْها لصاحبها، وقل له لا ينغص عليَّ عيدي، ولا تَعُد تدخل عليَّ (٣). فانظر إلى قول هذه السيدة: العيد لمن غفر له المولى. هو والله العيد الكبير، كما قيل لبعض الرهبان: متى عيد هذا الدير؟ قال: إذا غُفر لأهله (٤). ليس العيد لمن أكل الطعام اللذيذ، ولبس الثوب الجديد، وعصى المولى المجيد، وافتخر بما أوتي من المال والجاه والعبيد. قال بعض المحبين شعر: الناس بالعيد قد سروا وقد فرحوا … وما سررت به والواحد الصمد لمَّا تخوفت أني لا أعاينكم … غضضت طرفي فلم أنظر إلى أحد وقال بعض العارفين: العيد لمن حظي بالأجر والثواب، لا لمن تجمَّل بالملابس والثياب. وأنشدوا:

стр. 637

عيدي مقيم وعيد الناس منصرف … والقلب مني عن اللذات منحرف ولي قرينان ما لي منهما خلفٌ … طول الحنين وعينٌ دمعها يَكِفُ قيل لراهب: ما مذهب الرهبان في لبس السواد؟ قال: هو أشبه بلباس أهل المصائب. قيل له: وكلكم أصيب بمصيبة؟ قال: وأي مصيبة أعظم من مصائب الذنوب (١). قال علي بن ثابت: رأيت سفيان الثوري في طريق مكة، فقَوَّمْتُ جميع ما عليه حتى نعليه درهمًا وأربع دوانق (٢)، ولو لقيت سفيان ومعك فلسان تريد التصدق بهما، وأنت ممن لا يعرف سفيان لوضعتهما في يده (٣). ولبس سفيان يومًا ثوبه مقلوبًا ولم يعلم بذلك، فقيل له، فهَمَّ أن يخلعه ثم تركه وقال: لبسته لله، فلا أغيره لنظر الخلق، ولا أنقض نيتي (٤). ثم اعلم بأن المراد من الثوب ستر العورة، وأن يرُدَّ عن لابسه الحر والبرد، وأن يكون طاهرًا لصحة الصلاة، وأن يكون لنصف ساق الرجل متابعةً للرسول ﷺ (٥)، وأن يكون من حلال لأجل القبول وما عدا ذلك فهو زيادة وفضول.

стр. 638

قيل لبعض الصوفية: ثوبك ممزق. قال: ولكنه من وجه حلٍّ (١). وينبغي أيضًا لمن خشن ثوبه أن يخشن مأكله، ويكون مسكينًا ذليلًا بين يدي خالقه، عسى يراه على تلك الحالة فيرحمه، فمن خشن ثوبه ولم يخشن حاله فليس بشيء. قال أبو سليمان الدارانيُّ رحمة الله عليه: يلبس أحدهم عباءة بثلاثة دراهم، وشهوته في بطنه بخمسة دراهم (٢). أنكر عليهم لقلة التناسب. لبس أبو سليمان ثوبًا عسليًّا، فقيل له: لو لبست ثوبًا أجود من هذا. فقال: ليت قلبي في القلوب مثل قميصي في الثياب (٣). قال ﷺ : «من ترك ثوب جمال وهو قادر على لبسه؛ ألبسه الله تعالى من حلل الجنة» (٤). دخل جماعة على بشر وعليهم ثياب مرقعة، فقال لهم: يا قوم، اتقوا الله ولا تظهروا هذا الزي؛ فإنكم تعرفون به وتكرمون له. فسكتوا عن آخرهم، فنهض شاب من بينهم وقال: الحمد لله الذي جعلنا ممن يعرف به، ويكرم له، والله لنظهرن هذا الزي حتى يكون الدين كله لله. فقال له بشر: أحسنت يا غلام مثلك من يلبس المرقعة (٥). وقد تقدم أن لبس ما خشن ورقع له أصل في الشرع، فعله جماعة من الصحابة مع القدرة، وفعله أهل الصفة لأجل الحاجة، فكان أحدهم يخرج

стр. 639

إلى مزابل المسلمين يلتقط الخرق والجلود ويطهرهم، ثم يرقعهم في ثوبه سترًا لعورته. فمن فعل ذلك مع القدرة إهانةً لنفسه التي تلبس الجديد ثم تخالف المولى المجيد، وتأكل الطعام اللذيذ، وتصرفه في معصية الله تعالى وفيما لا يريد، فيؤجر الإنسان على إهانتها؛ لأن الله تعالى يبغض النفس المتمردة التي هي عن الحق مائلة. فلا تكرم النفس التي هي مهانة عند الله سبحانه بما أنعم من الملابس، ولا بالأطعمة الطيبة الهائلة، فمثل من يفعل ذلك كمثل رجل له زوجة، وهو عالم بخيانتها وفجورها، وهو يحب الإقامة معها، ويلبسها الثياب اللينة، ويطعمها الأطعمة الفاخرة، فحينئذٍ لا يفلح هذا العبد في الدنيا، ويكون ديوثًا في الآخرة. دخل نسوة على رجل يعرف بالشيخ أيوب الكردي، وكان في زاوية تعرف بزاوية الشيخ خضر بالحسينية بالديار المصرية، وكان الشيخ صالحًا عارفًا بالعلوم، فلما دخل على النسوة قال لهن: يا ستَّات، اذهبْنَ (إلى الحاجَّة يريد) (١) زوجته فقلن: يا شيخُ، ما نحن ستَّات، بل نحن قحاب، وقد جئناك لنتوب. فبكى الشيخ كثيرًا وقال لهن: أنتنَّ قحَّبتُنَّ فروجكنَّ، وأنا قحَّبتُ (٢) قلبي، فأَنْتُنَّ خير منِّي (٣).

стр. 640

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 641

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 642

فمن لبس ثياب الصالحين ولم يتخلق بأخلاقهم يقال له: هذه الخرقة فأين الاجتهاد والحرقة؟! دخل بعضهم على أخٍ له في الله، فرأى أولاده (١) يستتر بعضهم ببعض من العري (٢)، قال: فقلت له: لم لا تدعو الله لهم؟ قال: هو أعلم بمصالح عباده، دعهم عسى يراهم فيرحمهم (٣). وقال محمد بن واسع: رأيت كأني أنا وفلان نستبق إلى الجنة فسبقني إليها، فقلت: بماذا سبقتني؟ فقيل لي: كان له ثوب واحد، ولك ثوبان (٤). فإذا كان لك ثوب فلا تحسد صاحب ثوبين، وقل عسى أن تكون الملابس قد هُيئت لي في الآخرة، ولكن حتى (٥) تكتحل البصائر بنور الهدى؛ اللَّهم اكحل بصائرنا بنور الهدى، وجنبنا وجميع المسلمين المعاصي والبدع والردى. نختم هذا الباب بما يكره وما يحرم من الملابس والثياب، كره بعض العلماء الأعلام الحرير في الثياب (٦)، وكذلك جلود السباع كلها لبسها

стр. 643

وافتراشها، وأباحه الأكثرون (١)، واختلفوا أيضًا في طرز الذهب: فجوزه

стр. 644

بعضهم تبعًا للثوب، وقال بعضهم بتحريمه. وقال بعض العلماء: إنْ تلاشى الذهب إذا وضع في النار؛ يجوز لُبسُه، والله أعلم (١). فمن أذهب الله تعالى قلبه إلى الغفلة والعمى اجتهد عن الخروج من خلاف العلماء، ومن فعل ذلك لأجل الذلة والاتِّضاع؛ أعزه الله ورفعه، وجعله من أهل الخير والاطلاع؛ لأن من تحققت ذلته وهب له الحق نصرته، فحينئذٍ ينصلح الحال بذهاب البدع والضلال، ومتى تمكن حب الدنيا والبدع في الصدور؛ توقف على الفاعلين الخيرات والأمور.

стр. 645

باب في الشفاعة وما يبتدع فيها وما يؤجر (عليه منها) (١) قال الله تعالى: ﴿مَنْ يَشْفَعْ شَفَاعَةً حَسَنَةً يَكُنْ لَهُ نَصِيبٌ مِنْهَا﴾ [النساء: ٨٥]. قال العلماء: هي كل شفاعة تجوز في الشرع، يكون للشافع نصيب منها، أي يؤجر عليها. ﴿وَمَنْ يَشْفَعْ شَفَاعَةً سَيِّئَةً يَكُنْ لَهُ كِفْلٌ مِنْهَا﴾ [النساء: ٨٥]، (أي: ومن يشفع شفاعةً سيئةً، و) (٢) هي التي لا تجوز في الشرع، يكن له كفلٌ منها، أي: نصيبٌ من الوزر والإثم. قال مجاهد في تفسير الآية، قال: هي شفاعة الناس بعضهم لبعض؛ يؤجر الشفيع على شفاعته، وإن لم تقبل شفاعته منه (٣). قال ﷺ : «اشفعوا تُؤجَروا» (٤).

стр. 646

ولا يشفع الإنسان في حدٍّ من حدود الله؛ لما روي أن الصحابة شفعوا لامرأة سرقت، فقال ﷺ : «أتشفعون في حدٍّ من حدود الله؟! والله لو سرقت بنتي فاطمة لقطعت يدها، أما سمعتم قوله تعالى: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾ [المائدة: ٣٨]» (١). ولا يشفع في خلاص مجرم؛ لقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلَافٍ أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ﴾ [المائدة: ٣٣]. قال أبو حنيفة رحمة الله عليه: نفيهم: حبسهم (٢). ورُوي عن بريرةَ أنها كانت تحت عبدٍ؛ فلما أعتقت اختارت نفسها، وكان الزوج يحبها، فدخل النبي ﷺ لكي يشفع له عسى أن تقيم معه، فشفع له، فقالت: يا رسول الله، إن كنت آمرًا فالسمع والطاعة، وإن كنت شافعًا فإني أكره الإقامة معه (٣). فَفَرَّقَ بينهما؛ لأن الحرة إذا كانت تحت عبدٍ فهو نَقْصٌ لها، وضرر

стр. 647

عليها، ولا ضرر ولا إضرار في دين النبي المختار (١). فإذا أعتقا جميعًا فلا تختار نفسها؛ لأنه حر وهي حرة، فصارا في منزلةٍ واحدة. انظر إلى فهم أَمَتِهِم ومُعْتَقَتِهِمْ في قولها: إن كنت آمرًا فالسمع والطاعة؛ لأن أمره ﷺ واجب على كل مسلم، قال المولى الكريم: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [النور: ٦٣]، فلما قال: «ما أنا آمر بل شافع». والشفاعة هنا ليست بفرض، فلم تقبل، والنبي ﷺ لم يغضب، فمن شفع شفاعةً ولم تقبل منه فغضب لأجل علو قدره؛ خرج عن السنة، وعمل على إبطال أجره. دخل ﷺ بيت بريرة يومًا، فوجد عندها برمة فيها لحم، فقدمت له قرص شعير، وقالت: إن اللحم تصدقوا عليَّ به. فقال ﷺ : «هو عليك صدقة ولنا هدية» (٢). فقد علمت أن الشفاعة إذا خرجت عن الشرع فالشافع مأزور لا مأجور، وهذا الباب واسع جدًّا، وليس بمحصور، وإن قبل الشفيع وقع في البدعة والإثم والفجور، ونقول طرفًا منه: حكي عن رجل علق قلبه بمحبة شخص، فتمنع عنه، واشتد بلاء المحب إلى أن لزم الفراش، فلم تزل الوصايا تمشي بينهما ويشفعون، حتى وعده أن يعوده، فأخبر بذلك ففرح واشتد سرورًا، وانجلى عنه بعض ما كان يجد، فلما كان في بعض الطريق رجع، وقال: والله لا أدخل مداخل الرَّيب، ولا أعرض نفسي لمواقع التُّهم. فأخبر بذلك المتيم المسكين؛ فرجع

стр. 648

إلى أشد ما كان عليه، وبدت عليه أمارات الموت، قال الراوي: فسمعته يقول وهو في تلك الحال: سلام يا راحة العليل … وتردد المدنف النحيل رضاك أشهى إلى فؤادي … من رحمة الخالق الجليل (١) قال: فقلت له: يا فلان، اتق الله. فقال: قد كان. فقمت عنه، فما جاوزت باب داره حتى سمعت صيحة الموت قد قامت عليه، فنعوذ بالله من سوء العاقبة وشؤم الخاتمة (٢). فمثل هذه الشفاعة وأخواتها لا تجوز في الشرع الشريف، فتيقظ من (٣)

стр. 649

غفلتك أيها العبد الكثيف، وكن تابعًا لسنة نبيك وأصحابه، وكل عبد تقي وعفيف، ولا تخرج عن طريقهم، وخف من سطوة المولى اللطيف. قال الشيخ أبو الحسن الشاذليُّ رحمة الله عليه لرجلٍ قد أحاط به الهم والغم حتى كاد أن يمنعه من الأكل والشرب والنوم: يا ابن فلان، اسكن لقضاء الله تعالى، وعلق قلبك بالله، ولا تيأس من روح الله، وانتظر الفرج من الله، وإياك والشرك بالله تعالى، والنفاق مع رسول الله ﷺ ، وسوء الظن بالله؛ فإنه يوجب دوائر السوء من الله وغضبه ولعنته، وإعداد ناره. قال: فرأيته مربوطًا يسير بين يدي رسول الله ﷺ وهو يتلو: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِمَنْ فِي أَيْدِيكُمْ مِنَ الْأَسْرَى﴾ [الأنفال: ٧٠] إلى قوله تعالى: ﴿فَأَمْكَنَ مِنْهُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ [الأنفال: ٧١]. فقيل للشيخ: ما النفاق مع رسول الله ﷺ ؟ قال: التظاهر بالسنة، والله يعلم منك غير ذلك. قلت: وما الشرك بالله؟ قال: اتخاذ الأولياء شفعاء دون الله: ﴿مَا لَكُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا شَفِيعٍ أَفَلَا تَتَذَكَّرُونَ﴾ [السجدة: ٤]، ﴿أَمِ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ شُفَعَاءَ﴾ [الزمر: ٤٣]، ﴿قُلْ أَوَلَوْ كَانُوا لَا يَمْلِكُونَ شَيْئًا وَلَا يَعْقِلُونَ﴾ [الزمر: ٤٣]. قال: قلت: قال رسول الله ﷺ : «اشفعوا تؤجروا» (١)، قال: في حقِّ بحقٍّ، حيث أمرك الله ورسوله بحق، وقد بيَّن لك حق البيان بقوله: تؤجروا. فمن شفع في معصية أو طلب (٢) جاهٍ أو منصب، أو طلب على وجه الرغبة لن يؤجر على ذلك، بل يعذب، ويتوب الله على من يشاء. ثم تلا: ﴿مَنْ يَشْفَعْ شَفَاعَةً حَسَنَةً يَكُنْ لَهُ نَصِيبٌ مِنْهَا وَمَنْ يَشْفَعْ شَفَاعَةً سَيِّئَةً يَكُنْ لَهُ كِفْلٌ مِنْهَا﴾ [النساء: ٨٥]. قال: قلت: فما سوء الظن بالله؟ قال: من رجا غير الله، واستنصر بغير الله، آيسًا من الله أن ينصره؛ فقد ساء ظنه بالله. ثم تلا: ﴿مَنْ كَانَ يَظُنُّ أَنْ لَنْ يَنْصُرَهُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآَخِرَةِ فَلْيَمْدُدْ بِسَبَبٍ إِلَى السَّمَاءِ ثُمَّ لِيَقْطَعْ فَلْيَنْظُرْ هَلْ يُذْهِبَنَّ كَيْدُهُ مَا يَغِيظُ﴾ الآية [الحج: ١٥] (٣).

стр. 650

روَى البخاريُّ عن رجلٍ مرَّ على رسول الله ﷺ ، فقال لرجل عنده جالس: «ما رأيك في هذا؟» فقال الرجل: من أشراف الناس، هذا والله حَرِيٌّ إن خطب أن يُنكح، وإن شَفَعَ أن يُشَفَّعَ. قال: فسكت النبي ﷺ ، ثم مَرَّ رجل، فقال له رسول الله ﷺ : «ما رأيك في هذا؟» قال: يا رسول الله، هذا الرجل من فقراء المسلمين، هذا حَرِيٌّ إن خطب لا يُنكح، وإن شَفَعَ لا يُشَفَّع، وإن قال لا يسمع لقوله. فقال (١) رسول الله ﷺ : «هذا خيرٌ من ملء الأرض مثل هذا» (٢). فصار الناس على أقسام: منهم من تقبل شفاعته في الدنيا، ويسمع كلامه، وفي الآخرة لا تقبل شفاعته، ولا يسمع كلامه. ومنهم من لا تقبل شفاعته في الدنيا، ولا يسمع كلامه، ولا يعرف مكانه، وفي الآخرة تقبل شفاعته، ويسمع كلامه، ويعرف مكانه. ومنهم من لطف الله به بقدرته القاهرة، فتقبل شفاعته، ويسمع كلامه في الدنيا والآخرة، (ومنهم من لا تقبل شفاعته، ولا يسمع كلامه في الدنيا ولا في الآخرة) (٣). فالأول: هو الفقير الضعيف الحال، المتعفف عن السؤال، الصادق في الأقوال والأحوال؛ فشفاعة الأنبياء عليهم الصلاة والسلام يوم القيامة لأصحاب الذنوب الكبائر، والأولياء يشفعون في أصحاب الذنوب الصغائر؛ كل منهم يشفع على قدر منزلته عند الله سبحانه، وهذا له أصل في الشرع، قال الله تعالى إخبارًا عن المشركين: ﴿فَمَا لَنَا مِنْ شَافِعِينَ (١٠٠) وَلَا صَدِيقٍ حَمِيمٍ﴾ [الشعراء: ١٠٠ - ١٠١]. هذا إذا رأى الكفارُ المؤمنينَ يشفعون، ويقبل الحق شفاعتهم، وفي الخبر أن الله سبحانه يُشَفِّع الفقراء فيمن أحسن إليهم؛ ولذلك قال النبي ﷺ :

стр. 651

«اتخذوا مع الفقراء أيادي؛ فإن لهم يوم القيامة دولة، وأيَّ دولة» (١)، عرَّفَ العبادَ بمراتبهم. فانظر رحمك الله! إلى بركة الطاعة كيف تعود بركتها عليك، وعلى أصحابك وأقاربك ووالديك حين يرفعهم (٢) الله يوم القيامة إليك ليقر بهم (٣) عينيك، وكذلك يرفع الولد لوالديه في الجنة وإن لم يبلغ الولد بعمله إلى تلك المنزلة؛ تكرمًا من الحق سبحانه وتفضلًا، ولم ينقص من مرتبة الأبوين شيئًا، قال الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ آَمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ بِإِيمَانٍ أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَمَا أَلَتْنَاهُمْ مِنْ عَمَلِهِمْ مِنْ شَيْءٍ﴾ [الطور: ٢١]. والولد الطفل يوضع في ميزان أبيه يوم القيامة، ويشفِّع الله تعالى الآباء في الأبناء، والأبناء في الآباء؛ ويدل على ذلك قوله تعالى: ﴿لَا تَدْرُونَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ لَكُمْ نَفْعًا﴾ [النساء: ١١]. قال قائل: كيف نعمل بقوله تعالى: ﴿وَاتَّقُوا يَوْمًا لَا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئًا﴾ [البقرة: ٤٨]، وبقوله سبحانه: ﴿يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ (٣٤) وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ (٣٥) وَصَاحِبَتِهِ وَبَنِيهِ﴾ [عبس: ٣٤ - ٣٦]، وكل أحد يقول يوم القيامة: نفسي نفسي؟ هذا كله في ابتداء الأمر؛ لا يشفع أحد في أحد، ويفر كل واحد من أهله وأصحابه وأقاربه وأحبابه، حتى يأذن الله بالشفاعة لمن يشاء ويرضى، وقوله: ﴿لَا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئًا﴾ [البقرة: ٤٨] أي: لا يشفع المؤمن في كافر. رأى بعض الصالحين في سياحته شابًّا في سفح جبل وعليه أثر القلق، فسأله عن حاله فقال: عَبْدٌ آبِقٌ من سيده. قال: فقلت له: تعلق بمن يشفع لك عنده. فقال الشاب: كل الشفعاء يخافون منه. فقلت له: من هو؟ قال:

стр. 652

سيدي رباني صغيرًا، وعصيته كبيرًا، وَاحَيَائِي منه! وصرخ صرخةً، وخرَّ إلى الأرض ميتًا، فخرجت عجوز من مغارة على سماع صوته، فرأته ميتًا، فقالت: من أعان على قتل ولدي اللابس الأحزان؟ فقلت لها: أقيم حتى أعينك عليه. فقالت: دعه بين يدي قاتله؛ حتى يرى مصرعه فيرحمه (١).

стр. 653

باب ما يبتدع في الوصيَّة وما على الوصِيِّ التارك لها من الذنوب والخطيَّة وما له إن عمل بوصيته من الأجر والعطيَّة فتأخيرها من غير عذر بدعة رَدِيَّة، ومصيبة في الدِّينِ وبلِيَّة، فلا تتهاون رحمك الله في هذه القَضِيَّة، فقد نصحتك غاية النصح، فاقبل مني هذه الهدية، فقد جاء في الحديث: «إن النصح من الإيمان» (١). صحَّ ذلك عن خير البريَّة ﷺ وعلى آله وأصحابه المتشبهين بالنجوم المضيَّة، أهل الدين والكرم والشجاعة والأخلاق الرضيَّة. ثم اعلم بأن الوصية رحمة من الله تعالى لصاحبها ولمنفذها، وهي نفع متعدِّي، وهي بالإجماع من أفضل الأعمال، وبسببها وصل إلى الله سبحانه الأولياء والعمال. والإجماع من أقوى الحجج؛ لأنَّ أمة محمد ﷺ لا تجتمع على بدعة ولا ضلال، بل تجتمع على الحق، وعلى ما يرضي الكبير المتعال، فينبغي إخراجها على الفور، ليرحم بها أصحابها، وينتفع بها الفقير وصاحب العيال. ثم اعلم بأن للتأخير آفات، ولذلك قال المولى: ﴿وَسَارِعُوا﴾ [آل عمران: ١٣٣]، وفي آيةٍ أخرى: ﴿فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ﴾ [المائدة: ٤٨].

стр. 654

فرحم الله من عمل بما سمع من الأخبار والآيات، واجتهد في تحصيل الأجر والحسنات، واغتنم المهلة والصحة وهذه الأوقات، من قبل أن يقال: «لا رحم الله فلانًا فإنه قد مات»؛ وذلك لقلة أمانة الوَصِيِّ، ولتأخيره لهذه الخيرات، أو لظلمه وأكله هذا التراب، (وقَّع الله سبحانه المبْغَضَةَ في قلوب العباد فورث منهم هذا الميراث؛ لأن) (١) الظالم مبغوضٌ عند أهل الأرض وسكان السماوات؛ لما جاء في الحديث الصحيح: «إن الله سبحانه إذا أحب عبدًا يقول لجبريل ﵇: يا جبريل، إني أحب فلانًا فأحبه، وناد في السماء: إن الله يحب فلانًا فأحبوه، ثم توضع محبته في الأرض» (٢). وإذا أبغض عبدًا يقول بعكس ذلك، والحديث مشهور، فمن عمل به نجا، ومن لم يعمل به فهو عبد مغرور. ومما يناسبُ هذا الظلم ما يفعله بعضُ العباد المتشبهين بأهل الجور والظلم والعناد، الراضون لأنفسهم بسخط من لا يخلف الميعاد في مكة خير البلاد: من أكل الوقوفات بغير حقٍّ، وتعطيل المدارس وسكناها بالأهل والأولاد، يفعلون هذه المصائب ويزعمون أنَّهم على شيء، وأنَّهم من جملة الأولياء والعباد، فَمَنْ عمل المعصية والظلم في خير البقاع وأشرف الأراضي فالحقُّ سبحانه عنه ليس براضٍ، قال المولى الكريم: ﴿وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ نُذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ [الحج: ٢٥]. هذا حال من همَّ بالظلم، فكيف يكون حال من ظلم؟ فاحذر الظلم أيها الطالب! لكي تبلغ المطالب والإرب، وعظِّم المكان لأجل صاحبه، ولا تكن قليل الأدب، فتلقي نفسك (للمهالك

стр. 655

والعطب) (١)، وتحشر يوم القيامة في زمرة من ظلم، فتستوجب من الله اللعنة والغضب، فقد ورد في الكتاب المكنون أن الظالم ملعون، فاسمعوا أيها المؤمنون قوله تعالى: ﴿وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ﴾ [الشعراء: ٢٢٧]. وهذا المكان الشريف وضع لحط الذنوب لا لحملها، وفعل الذنب بمكة شديد، وإثمه أكيد؛ لكونه في حضرة الله تعالى وفِنَاء بيته، وأي شيء أعظم من مبارزة الملك في (حرمته، ومخالفته في محل) (٢) حضرته، لكن ما أسرع نفوس الغافلين إلى قبول البدعة، ونبذ السنة، وما أشد تفريطها فيما هي مكلفة به ومسئولة عنه، قال تعالى: ﴿وَمَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُورًا فَمَا لَهُ مِنْ نُورٍ﴾ [النور: ٤٠]. وقد صحَّ عن جماعة من الصحابة ومن تابعهم من السادات أن السيئة تضاعف بمكة المشرفة كما تضاعف الحسنات (٣). وقد أجمع العلماء والعباد أن سبب سوء الخاتمة هو من ظلم العباد، وقالوا: ليس شيء بعد الإيمان أعظم أجرًا من نفع المسلمين، وليس شيء بعد الكفر أعظم ذنبًا من أذية المؤمنين (٤). فأفق من سكرتك أيها المسكين! قال الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا﴾ [الأحزاب: ٥٨]. وقد ورد في الأخبار عن النبي المختار صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه السادة الأخيار، أنه قال: «من آذى مسلمًا فقد آذاني، ومن آذاني فقد آذى الله، ومن آذى الله فليتبوَّأ مقْعَدَه من النار» (٥).

стр. 656

فمن أخَّر الوصية فقد آذى صاحبها؛ لأنه أخَّر الرحمة عنه، فحينئذٍ يخاف على هذا الوصي أن لا يُرحم، ولا يُحشر في زمرة كل صالح وولي؛ لتشبهه بكلِّ معتدٍ وظالمٍ وشقيٍّ. وما أردنا بهذا التطويل إلا لكثافة الظالم، ولطبعه الثقيل، ألا تراه كيف يعمل على ذهاب دينه؟ فيخالف الرب الجليل، ويتجنب الحق، وإلى الظلم والباطل يميل. ثم اعلم بأن الوصية أمانة، فمن أخَّرها بغير عذر أو طمع في شيء منها؛ خرج عن السنة، ووقع في البدعة والخيانة، ولم يتشبه بأهل الخير والديانة، فيخاف عليه أن لا يرزقه الله أمانه، قال الله : ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَخُونُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُوا أَمَانَاتِكُمْ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [الأنفال: ٢٧]. والخيانة من صفة العبد المنافق، ولأجل ذلك تبرأ منها المؤمن الموافق خوفًا من بعده عن النبي ﷺ ، ومن غضب الخالق، قال صلوات الله عليه وسلامه: «من تشبه بغيرنا فليس منا» (١)، وفي حديث آخر: «من تشبَّه بقوم فهو منهم» (٢)، وقال ﷺ : «آية المنافق ثلاث: إذا حدَّث كَذَب، وإذا وعد أخلف، وإذا اؤتمن خان» (٣) رواه البخاري، وفي صحيح مسلم: «وإن صام وصلى وزعم أنه مسلم» (٤)، فينبغي للمؤمن أن يعمل على سلامة إيمانه بطاعته لله ولرسوله، وبنصحه لإخوانه. قال ﷺ : «الدين النصيحة، الدين النصيحة». قالوا:

стр. 657

لمن يا رسول الله؟ قال: «لله، ولكتابه، ولرسوله، ولأئمة المسلمين وعامتهم» (١). فمن علم أن الدين النصيحة وغشَّ؛ يقع الخلل في دينه، ويصير يوم القيامة في بلية وبعدٍ وفضيحة، قال ﷺ : «من غشَّنا فليس منا» (٢). فانظر رحمك الله! إلى شؤم حال الغاش المخذول، كيف حُرم الوصول، وتبرأ منه الرسول، قال صلوات الله عليه وسلامه: «من غش أمتي فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين» (٣)، وفي حديث آخر: «من أصبح لهم غاشًّا لم يشمَّ رائحةَ الجنة» (٤). فيجب على المؤمن أن يكون ناصحًا لإخوانه المسلمين لحيِّهِمْ وميتهم (٥)، يفرح لمحسنهم، ويستغفر لمسيئهم، ويوقر كبيرهم، ويرحم صغيرهم، ويريد لهم ما يريد لنفسه، لا يظلمهم، ولا يخونهم، ولا يغشهم، ولا يغتابهم، ولا يحقرهم، ولا يخذلهم، ولا يسخر منهم، ولا يهزأ بهم، ولا يشمت بمصابهم، ولا يسبهم بغير حق، ولا يلعنهم لزللهم، ولا يكفِّر أحدًا منهم بذنب، ولا يحسدهم إلا على فعل الخير؛ ليكون شريكهم في الحسنات، وفي ارتفاع الدرجات، ويعود مرضاهم، ويشيع جنائزهم، ويصلي عليهم، ويحضر دفنهم، وإن غابوا حفظ منازلهم، وكذلك في الشهادة: إن أراد أن يموت مسلمًا وله في سكنى الجنة إرادة؛

стр. 658

لما جاء في الحديث: «لا يدخل الجنة من لا يأمن جاره بوائقه» (١) والبوائق: الغش والظلم، و «العائد يخوض في الرحمة» (٢)، «المصلي على الميت له قيراط من الأجر، فإن حضر دفنه؛ فله قيراطان من الأجر أصغرهما كأحد» (٣). ثم اعلم أن عيادة المرضى، والصلاة على الموتى، وتشميت العاطس، ورد السلام، والجهاد، من فروض الكفاية إذا قام به البعض سقط عن الباقين، ونسأل الله سبحانه التوفيق والهداية. فإن عجزت عن نفعهم فلا تضرهم بأكل أموالهم بغير حق، وبغشك وخيانتك لتأخير وصاياهم، وإن كان صاحب الوصية قد مات فعجل له الحسنات (٤)؛ فإنه محتاج إلى ما وصى به من الخيرات، فقد انقطع عمله، وصار لأجل التفريط في ندمٍ وحسرات، قال الله تعالى: ﴿أَنْ تَقُولَ نَفْسٌ يَا حَسْرَتَا عَلَى مَا فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللَّهِ﴾ [الزمر: ٥٦]. فتعجيل الخير ليرحم به الميت هي حسنة عظيمة وخير؛ لأنه محتاج إليها، ولو أمكنه لترامى عليها، قال العلماء: إن مدار العلم كله شيئان: التعظيم لأمر الله، والشفقة والرحمة على خلقه. وجاء في الحديث: «الرحماء

стр. 659

يرحمهم الرحمن، ارحموا من في الأرض يرحمكم من في السماء» (١)، «من لا يَرْحم لا يُرْحم» (٢) هذا حديث صحيح. فلو كان في قلب هذا المسلم شفقة وإحسان ما أخَّر وصية (٣) الميت المحتاج، وابتدع وخان، ولا خرج عن طريق نبيه وحبيبه، وعن طريق أهل الخير والإيمان (٤)، قال الله تعالى: ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا﴾ [النساء: ١١٥]. قال ﷺ : «بابان من الخير ليس فوقهما ثالث: الإيمان بالله تعالى، والإحسان إلى خلقه. وبابان من الشر ليس فوقهما ثالث: الإشراك بالله تعالى، والإساءة إلى خلقه» (٥). وقد نظر العلماء في الذنوب التي تذهب بإيمان العبد، فوجدوها في الاستخفاف بالدين، وفي أذيَّة المسلمين، نسأل الله تعالى السلامة وحسن الخاتمة، وقصر الأمل، واليقظة؛ لكي نستعد للموت قبل فروغ الأجل، فمن علم أن أذيَّة المسلمين مصيبة في الدين وعليها أقام فمثله كمثل من قال: ربي الله. وما (٦) استقام، ونسأل الله سبحانه الاستقامة، والأمن من فزع يوم القيامة، وأن يدخلنا الجنة مع من ظلَّلته الغمامة ﷺ صلاة دائمة تكون نورًا بين يديه وأمامه. وما طولنا الكلام والطريق بحمد الله بائنة إلا لعمى هذه النفس الكثيفة الخائنة، ونسأل الله تعالى رب الأرض والسماء أن يذهب عن قلوبنا الخيانة والغفلة والعمى، فالخروج عن الطريق يتولد من عمى القلب، ومن

стр. 660

عدم التوفيق، قال المولى الغفور: ﴿فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ﴾ [الحج: ٤٦]. قال ﷺ : «إن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله، وإذا فسدت فسد الجسد كله، ألا وهي القلب» (١). ومن سلك الطريق فهو للأنبياء والأولياء رفيق؛ لأنَّ من شرط المرافقة الموافقة، فمن خرج عن طريقهم وصحب مبتدعًا ثقيلًا ندم ندمًا طويلًا، وصار بعد العز ذليلًا قائلًا: ﴿يَا لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلًا﴾ [الفرقان: ٢٧]. فلا يقبل منه هذا القول، ويجاب بأن قد عمَّرناك عمرًا طويلًا، فخرجت عن طريق نبِيِّك ﷺ ، وخالفت مولى جليلًا. فإذا وفقك الله تعالى وعملت بوصية مخلوق مثلك فلا تنسى وصية الخالق، فيكون لك أجران: وهو تقوى الله ، قال الله تعالى: ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا﴾ [الطلاق: ٢] فسَّرها ﷺ قال: «مخرجًا من شبهات الدنيا، ومن غمرات الموت، وأهوال يوم القيامة» (٢). وله باب في هذا الكتاب، ولا فائدة من إعادته، وفي هذا كفاية لمن رزقه الله تعالى التوفيق والهداية. وإذا وصَّى الرجل أخاه بأن يحجَّ عنه إذا مات أو ابتلي بمرضٍ حابس فهو بمنزلة الموت، فيحج عنه على الفور؛ لكي يُرحم الميت؛ لأنه مرهون به؛ لقوله ﷺ : «الميْتُ مرهون بدَيْنه (٣)، فكَّ الله رهانَ من فكَّ رهانَه» (٤).

стр. 661

وفي حديث آخر: «من مات ولم يحجَّ ولم يوصِ فليس منَّا» (١). فعند أبي حنيفة ﵀: يحج عنه من موطنه الذي مات فيه راكبًا (٢)، فإن أوصى بألف درهم يدفعها الوصي لرجل لا يدفع لرجلين، وإن كفاهما النفقة، وكذلك إذا أوصى أن يشتري عبدًا بألف درهم ويعتق بعد موته، لا يشتري عبدين؛ لأنهما في الأجر سواء، وعملًا بالوصية، ورب الأرباب عالمٌ بالحساب. (ويدخل الذي يحج) (٣) عن الميت بحجة مفردة، فإن دخل بعمرة تكون الحجة له (٤)، والدراهم تصير في ذمته؛ لأن العمرة تكون (٥) آفاقية والحجة مكية، فكأنه حجَّ عن الميت من مكة المشرفة، وهذا لا يسقط الحج عن الميت عند الحنفية، فإن فضل شيء من النفقة يردها لعيال الميت، ولا يرد شيئًا في مذهب الشافعي إن أوصى لرجل بعينه أو استأجر غيره، والإجارة في العبادات فيها خلاف للعلماء، ونسأل الله العظيم أن يذهب عن قلوبنا الغفلة والعمى.

стр. 662

دليل ما تقدم ذكره: قال ﷺ : «تعجلوا الحج؛ فإن أحدكم لا يدري ما يعرض له» (١). فتأخير الحج بغير عذرٍ شديدٌ وإثمه أكيدٌ؛ لقوله ﷺ : «من لم يمنعه من الحج حاجة، أو مرض حابس، أو سلطان جائر، فمات؛ فليمت إن شاء يهوديًّا وإن شاء نصرانيًّا» (٢). في هذا الحديث إشارة لتشبه هذا المسلم بتركه للحج عامدًا باليهود والنصارى؛ لأنهم يتعبدون بالصوم والصلاة والزكاة والصدقات، ولا يتعبدون بالحج، ولا يهتمون له، ولا ينبغي للمسلمين أولي الألباب أن يتشبهوا بأهل الكتاب، ولا بكل فاسق مرتاب؛ لكي لا يحشرون (٣) معهم، ويغضب عليهم رب الأرباب؛ لقوله ﷺ : «من تشبه بغيرنا فليس منا» (٤)، و «من تشبه بقومٍ فهو منهم» (٥)، صحَّ ذلك عن النبي ﷺ وعلى الآل والأقارب والأصحاب، وعلى كل عبد اتبع القوم ثم أناب. روي أن عمر بن الخطاب ﵁ قال: لقد هممت أن أكتب إلى نوابي في الأمصار: من وجب عليه الحج ولم يحج أن تضرب عليه الجزية، والله ما أراهم مسلمين. قالها ثلاثًا (٦). وعن إبراهيم النخعي ومجاهد وطاوس أنهم قالوا: لو علمنا أن رجلًا وجب عليه الحج ومات ولم يحج ما صلينا عليه (٧). وسئل سعيد بن جبير عن رجل وجب عليه الحج، ومات ولم يحج، قال: هو في النار. كررها ثلاثًا (٨).

стр. 663

وقال ابن عباس ﵁ في تفسير قوله تعالى: ﴿حتى إذا جاء أحدهم الموت قال رَبِّ ارْجِعُونِ (٩٩) لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحًا فِيمَا تَرَكْتُ كلا إنها كلمة هو قائلها ومن ورائهم برزخٌ إلى يوم يبعثون﴾ [المؤمنون: ٩٩ - ١٠٠]، قال: هو في رجل وجب عليه الحج ومات ولم يحج، فيطلب الرجعة ليحج، فيقال له: كلا (١). فإذا أوصى الإنسان بوصية الحج وعمل الوصي بها؛ غفر الله له جميع الذنوب والأوزار؛ لأنه أدى الأمانة، وخلَّص أخاه المسلم من عذاب النار، ومن التوبيخ والعار. قال ﷺ : «يغفر لثلاث: للحاج، والمحجوج عنه، وللوصي» (٢)، صحَّ ذلك في الأخبار، وصحَّ في الحديث: «من فرَّج عن مؤمن كربة من كرب الدنيا؛ فرَّج الله عنه كربة من كرب يوم القيامة» (٣).

стр. 664

اصْغ رحمك الله تعالى إلى قوله ﷺ : «من فرَّج عن مؤمن كربة من كرب الدنيا وهي كربة فانية فرَّج الله عنه كربة من كرب يوم القيامة». فما بالك بمن يسعى في خلاص مسلم من النَّار؛ فلا يعلم هذا الأجر إلا الواحد القهار. ونختم هذا الباب بحديث نبينا وحبيبنا ﷺ وعلى آله وصحبه أجمعين، ويُهَوِّنُ علينا ببركتهم العرض والحساب: عن أبي هريرة ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول في خطبته: «أيها الناس، إن العبد لا يُكْتَبُ في المسلمين حتى يَسلم الناس من يده ولسانه، ولا ينال درجة المؤمنين حتى يأمن جاره بوائقه، ولا يُعد من المتقين حتى يدع ما لا بأس به حذرًا مما به البأس. أيها الناس، إنه من خاف المبيت أدلج، ومن أدلج في المسير وصل، وإنما تعرفون عواقب أعمالكم لو طويت صحائف آجالكم، أيها الناس، إن نية المؤمن خير من عمله، ونية الفاسق شرٌّ من عمله» (١).

стр. 665

باب في بدعة يفعلها من يدعي الدين والخير والصلاح وهو في الحقيقة قليل الدين والتوفيق والنجاح لخروجه عن طريق أهل الخير والفلاح ولمخالفته لله سبحانه ولما ورد في الأحاديث الصحاح فيزعم أنه شيخ للأنام، ثم يتكلم في حضرة من حضر عنده من العوام أنه رأى فاسقًا في الجنة، وخيِّرًا في النار فانظر رحمك الله ما أنحس هذا المنام، وما أبعده عن الحقِّ وعن طريق النبي ﵊! لأن الشرع أمرنا بأن نشهد لأهل الخير بالخيرات والإنعام، ونخاف على أهل الشر، ولا نقنِّط أحدًا من رحمة الملك العلام. هذا طريق الموحدين، وطريق من (قال: ربي الله) (١). ثم استقام، فلا تخرج رحمك الله عن طريق القوم؛ فإنه يخاف على من خرج عن طريقهم سرعة الأخذ، وشدة الانتقام، وأن لا يجمع الله شمله بهم، والله عزيزٌ ذو انتقام. ولا تذكر مؤمنًا حيًّا كان أو ميِّتًا بعيب تعرفه منه أو بمنام، ولكن اعمل على ستر عيبه، وعلى إظهار جميلٍ كان فيه تدخل الجنة بسلام، وتكون محبوبًا عند الله تعالى، وعند النبي عليه أفضل الصلاة والسلام، فقد صح أن النبي ﷺ دعا لمن ستر

стр. 666

مسلمًا (١)، ولمن شغل بعيبه عن عيوب الناس (٢)، فاوع في قلبك هذا الكلام. وقال صلوات الله عليه وسلامه: «دعوة المسلم لأخيه مستجابة، عند رأسه ملك موكل، كلما دعا لأخيه بخير قال الملك الموكل به: آمين، ولك بمثل ذلك» (٣)، رواه مسلم في «صحيحه». والملَك أيضًا دعاؤه لا يرد أبدًا، ودعاء الرسول مقبول، فاغتنم هذه الأدعية، ولا ترد نصيحتي لتكون سبب نجاتك، فاسمع ما أقول، ولا تذكر ما رأيته في منامك يدل على إسقاط حرمة حي أو ميت؛ فإنه لا يعنيك، وهو من سوء الخلق والحال، واعمل على ستر أخيك، وإقامة جاهه؛ فيرحمك الله تعالى الكبير المتعال، وينجيك من الشدائد والأهوال. قال ﷺ : «من حُسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه» (٤) وقال أيضًا ﷺ : «رحم الله من شغله عيبه عن عيوب الناس» (٥) وقال صلوات الله عليه وسلامه: «لا تظهر الشماتة لأخيك فيعافيه الله ويبتليك» (٦) وقال أيضًا ﷺ :

стр. 667

«من حمى مؤمنًا من منافق آذاه؛ بعث الله ملكًا يحمي لحمه يوم القيامة، ومن رمى مسلمًا بشيء يريد شينه؛ حبسه الله على جسر جهنم حتى يخرج مما قال» (١). ثم اعلم بأن غيبة الميت وأذيته تسقط العبد المدبر من عين الله تعالى، وهي أعظم ذنبًا من غيبة الحي؛ لأن الحي يقدر الإنسان أن يتحلل منه في الدنيا، والميت خصم المغتاب بين يدي رب الأرباب. اعلم أيها العبد المحروم! أن لحم الميت مسموم، والنائبُ عنه هو الحي القيوم، فانتبه من غفلتك أيها العبد المبعود!، واعلم أن الله سبحانه يسأل يوم القيامة العود لم خدش العود، ولا تتشبه بقومٍ ظاهرهم أيقاظ، وهم في الحقيقة رقود، قال صلوات الله عليه وسلامه: «الناس نيام، فإذا ماتوا انتبهوا» (٢). وأنشد بعضهم: أما والله لو علم الأنام … لما خلقوا لما غفلوا وناموا لقد خلقوا ليومٍ لو رأته … عيون قلوبهم ساحوا وهاموا ممات ثم قبر ثم حشر … وتوبيخ وأهوال عظام ليوم الحشر قد عملت أناس … فصلوا من مخافته وصاموا ونحن إذا أُمرنا أو نهينا … كأهل الكهف أيقاظ نيام فمن أكثر من الصيام والقيام وأنواع العبادات، ثم أخذ يشتغل بعيوب الأحياء والأموات مثله كمثل من غرس ما حسن من الأشجار، ثم أطلق في أصولها النار.

стр. 668

وقد جاء في الحديث أن بعض الناس يجد شرب الخمر في صحيفته، وما شرب، (ويجد الزنا وما) (١) زنا، فيقول: يا رب، ما هذا وأنت الحكم العدل؟ لم أفعل هذا! فيقال له: ولكن اغتبت من عمله. وآخر يعطى كتابه بيمينه، فيجد فيه الحج والجهاد والصوم والصدقة وغير ذلك من أفعال البر، فيقول: يا رب، ما فعلت شيئًا من ذلك، وليس هذا كتابي. فيقول الله تعالى: حصل لك هذا الأجر من غيبة الناس لك (٢). فالحذر كل الحذر من ظلم من لم تملك التحلل منه، مثل: غيبة ميت، أو ظلم البهائم، أو أن تزني بامرأةٍ لا يمكنك التحلل من زوجها وأهلها، أو بامرأة جارك؛ فيكونوا خصماؤك يوم القيامة. قال يحيى بن معاذ: ليكن حظ المؤمن منك ثلاث، فتكون من المحسنين: أحدها: إن لم تنفعه فلا تضره. الثاني: إن لم تسره فلا تغمه. الثالث: إن لم تمدحه فلا تذمه (٣). وسئل عمر بن عثمان: ما الكرم؟ قال: التعامي عن زلل الإخوان (٤). فيجب على المسلم أن لا يتجسس على عيوب مسلم وعثراته، فإن الله آخذ بيده كلما عثر، ولا يثبت نفسه ويمحو غيره؛ ليكون رأسًا، فيستوجب الغضب، ويلقي نفسه للمهالك والعطب؛ لأن آفات الرأس كثيرة. فالمؤمن الصالح قليلٌ بنفسه، كثيرٌ بأخيه، هذا طريق القوم، به إلى الله تعالى وصلوا، وتحت كنفه الكريم نزلوا، فقد بانت الطريق، أين السالكون؟ وعُرضت السلعة، فأين المشتري؟ وهذه المنازل، فأين النازل؟ فكم أنوح ولا نائح، وكم أزمزم ولا متحرك! اعلم رحمك الله! أن الحيَّ يؤلمه نَخْزُ إبرة (٥)، والميت لا يتألم ولو قطع بالسيوف، كما قال بعضهم:

стр. 669

لقد أسمعتَ لو ناديتَ حيًّا … ولكن لا حياة لمن تنادي فإذا رأى المسلم في منامه عن ميت كان خيرًا، مثل أن رآه في النار، أو عليه ثوب أسود، وما يشبه (١) ذلك؛ فلا يسيء الظن به، ولا يقص هذا المنام على أحد من الأنام، فيخرج عن سنة خير الأنام صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه السادة الكرام. بل يكذِّب منامه تصديقًا للحديث؛ فإن النبي ﷺ أمرنا أن نشهد لأهل الخير بالخير، وأن لا نسيء الظن بالمسلمين، فقد تكون الرؤيا أضغاث أحلام، أو حديثُ نَفْسٍ، أو من تدنيس الشياطين اللئام، يريد الشيطان لتسيء (٢) الظن بأخيك؛ فيحرمك الله تعالى أجر حسن الظن، ويوقعك (٣) في الغيبة؛ فتبتلى ببلية عظيمة ومصيبة. وقد وَرَدَ: لا تسئ الظن بالكلمة تسمعها من أخيك، وأنت (٤) تجد لها في الخير محملًا (٥). كمن سمع من رجل يقول عن نفسه: إنه مقصر أو مدبر أو عاصٍ، لا تحمل كلامه على حقيقة المعصية، بل تحمل كلامه أنه مُخرِّب على نفسه، أو على غفلة طرأت على قلبه، فترى من نوَّر الله قلبه يجتهد في أوصاف محاسن الناس، ويتعامى عن عيوبهم، وإن وقعت منهم منقصة يعتذر عنهم، فيقول: لعله نسي، أو ما علم أن هذه خطية، أو ما عمل هذه المثوبة لعذر لحقه، فالمؤمن حقًّا من يعمل على سلامة عرض أخيه خوفًا من أن يعافي الله الأخ ويبتليه، فإن كلم الرجل امرأة يُحْمَلُ أمرهما على أن الرجل مَحْرَمٌ لها أو زوج، فإن رأيت في تصانيف بعض الفضلاء شيئًا لا يوافق الشرع فلا تَنْفِ عنه الفضيلة، ولا تستحمره نفسك الثقيلة؛ فإنها لا تصلح أن تكون تلميذًا له، فيمقتها الله سبحانه بقدرته

стр. 670

الجليلة، فتقول: لعله غلط، أو سها، أو اقترأه (١) لا افتراه. والذي بلغنا أن الصالحين أصحاب شفقة وسكينة، يظهرون الجميل، ويسترون القبيح، وإذا سمعوا شيئًا فيه نقص أَوَّلُوهُ سبعين (٢) تأويلًا، جبرًا وسترًا لإخوانهم المسلمين؛ ومن جبر مسلمًا أو ستره في الدنيا ستره (٣) الله تعالى ولم يفضحه في عرصات القيامة، وسلمه من التوبيخ والملامة، قال ﷺ : «من ستر مسلمًا ستره الله، والله في عون العبد ما كان العبد في عون أخيه» (٤). وإياكَ، إياك رحمك الله! أن تقع في عَالِمٍ تقي، أو في رجل ولي؛ لأن شأنهما عظيم، والوقوع فيهما أو فيمن يذكر شيئًا رآه في منامه في نقصهما (٥)، لا يرضي المولى الكريم؛ لأن العالم التقي في منزلة نبي. قال ﷺ : «العلماء ورثة الأنبياء» (٦). حديث صحيح. وفي حديث آخر: «علماء أمتي كأنبياء بني إسرائيل» (٧). فكاد العالم العامل بالعلم أن يكون نبيًّا، ويكفيك ما جاء في الولي قوله تعالى: ﴿اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آَمَنُوا﴾ [البقرة: ٢٥٧]، وقوله ﷺ : «إن الله قال: من آذى لي وليًّا فقد آذنني بالحرب» (٨).
следующие страницы →