← Акыда

Акыда · id 30061

اللمع في الحوادث والبدع

ابن بيدكين التركماني

Полный текст (853 стр.). Показаны 666–705 · переход к 671.

стр. 666

مسلمًا (١)، ولمن شغل بعيبه عن عيوب الناس (٢)، فاوع في قلبك هذا الكلام. وقال صلوات الله عليه وسلامه: «دعوة المسلم لأخيه مستجابة، عند رأسه ملك موكل، كلما دعا لأخيه بخير قال الملك الموكل به: آمين، ولك بمثل ذلك» (٣)، رواه مسلم في «صحيحه». والملَك أيضًا دعاؤه لا يرد أبدًا، ودعاء الرسول مقبول، فاغتنم هذه الأدعية، ولا ترد نصيحتي لتكون سبب نجاتك، فاسمع ما أقول، ولا تذكر ما رأيته في منامك يدل على إسقاط حرمة حي أو ميت؛ فإنه لا يعنيك، وهو من سوء الخلق والحال، واعمل على ستر أخيك، وإقامة جاهه؛ فيرحمك الله تعالى الكبير المتعال، وينجيك من الشدائد والأهوال. قال ﷺ : «من حُسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه» (٤) وقال أيضًا ﷺ : «رحم الله من شغله عيبه عن عيوب الناس» (٥) وقال صلوات الله عليه وسلامه: «لا تظهر الشماتة لأخيك فيعافيه الله ويبتليك» (٦) وقال أيضًا ﷺ :

стр. 667

«من حمى مؤمنًا من منافق آذاه؛ بعث الله ملكًا يحمي لحمه يوم القيامة، ومن رمى مسلمًا بشيء يريد شينه؛ حبسه الله على جسر جهنم حتى يخرج مما قال» (١). ثم اعلم بأن غيبة الميت وأذيته تسقط العبد المدبر من عين الله تعالى، وهي أعظم ذنبًا من غيبة الحي؛ لأن الحي يقدر الإنسان أن يتحلل منه في الدنيا، والميت خصم المغتاب بين يدي رب الأرباب. اعلم أيها العبد المحروم! أن لحم الميت مسموم، والنائبُ عنه هو الحي القيوم، فانتبه من غفلتك أيها العبد المبعود!، واعلم أن الله سبحانه يسأل يوم القيامة العود لم خدش العود، ولا تتشبه بقومٍ ظاهرهم أيقاظ، وهم في الحقيقة رقود، قال صلوات الله عليه وسلامه: «الناس نيام، فإذا ماتوا انتبهوا» (٢). وأنشد بعضهم: أما والله لو علم الأنام … لما خلقوا لما غفلوا وناموا لقد خلقوا ليومٍ لو رأته … عيون قلوبهم ساحوا وهاموا ممات ثم قبر ثم حشر … وتوبيخ وأهوال عظام ليوم الحشر قد عملت أناس … فصلوا من مخافته وصاموا ونحن إذا أُمرنا أو نهينا … كأهل الكهف أيقاظ نيام فمن أكثر من الصيام والقيام وأنواع العبادات، ثم أخذ يشتغل بعيوب الأحياء والأموات مثله كمثل من غرس ما حسن من الأشجار، ثم أطلق في أصولها النار.

стр. 668

وقد جاء في الحديث أن بعض الناس يجد شرب الخمر في صحيفته، وما شرب، (ويجد الزنا وما) (١) زنا، فيقول: يا رب، ما هذا وأنت الحكم العدل؟ لم أفعل هذا! فيقال له: ولكن اغتبت من عمله. وآخر يعطى كتابه بيمينه، فيجد فيه الحج والجهاد والصوم والصدقة وغير ذلك من أفعال البر، فيقول: يا رب، ما فعلت شيئًا من ذلك، وليس هذا كتابي. فيقول الله تعالى: حصل لك هذا الأجر من غيبة الناس لك (٢). فالحذر كل الحذر من ظلم من لم تملك التحلل منه، مثل: غيبة ميت، أو ظلم البهائم، أو أن تزني بامرأةٍ لا يمكنك التحلل من زوجها وأهلها، أو بامرأة جارك؛ فيكونوا خصماؤك يوم القيامة. قال يحيى بن معاذ: ليكن حظ المؤمن منك ثلاث، فتكون من المحسنين: أحدها: إن لم تنفعه فلا تضره. الثاني: إن لم تسره فلا تغمه. الثالث: إن لم تمدحه فلا تذمه (٣). وسئل عمر بن عثمان: ما الكرم؟ قال: التعامي عن زلل الإخوان (٤). فيجب على المسلم أن لا يتجسس على عيوب مسلم وعثراته، فإن الله آخذ بيده كلما عثر، ولا يثبت نفسه ويمحو غيره؛ ليكون رأسًا، فيستوجب الغضب، ويلقي نفسه للمهالك والعطب؛ لأن آفات الرأس كثيرة. فالمؤمن الصالح قليلٌ بنفسه، كثيرٌ بأخيه، هذا طريق القوم، به إلى الله تعالى وصلوا، وتحت كنفه الكريم نزلوا، فقد بانت الطريق، أين السالكون؟ وعُرضت السلعة، فأين المشتري؟ وهذه المنازل، فأين النازل؟ فكم أنوح ولا نائح، وكم أزمزم ولا متحرك! اعلم رحمك الله! أن الحيَّ يؤلمه نَخْزُ إبرة (٥)، والميت لا يتألم ولو قطع بالسيوف، كما قال بعضهم:

стр. 669

لقد أسمعتَ لو ناديتَ حيًّا … ولكن لا حياة لمن تنادي فإذا رأى المسلم في منامه عن ميت كان خيرًا، مثل أن رآه في النار، أو عليه ثوب أسود، وما يشبه (١) ذلك؛ فلا يسيء الظن به، ولا يقص هذا المنام على أحد من الأنام، فيخرج عن سنة خير الأنام صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه السادة الكرام. بل يكذِّب منامه تصديقًا للحديث؛ فإن النبي ﷺ أمرنا أن نشهد لأهل الخير بالخير، وأن لا نسيء الظن بالمسلمين، فقد تكون الرؤيا أضغاث أحلام، أو حديثُ نَفْسٍ، أو من تدنيس الشياطين اللئام، يريد الشيطان لتسيء (٢) الظن بأخيك؛ فيحرمك الله تعالى أجر حسن الظن، ويوقعك (٣) في الغيبة؛ فتبتلى ببلية عظيمة ومصيبة. وقد وَرَدَ: لا تسئ الظن بالكلمة تسمعها من أخيك، وأنت (٤) تجد لها في الخير محملًا (٥). كمن سمع من رجل يقول عن نفسه: إنه مقصر أو مدبر أو عاصٍ، لا تحمل كلامه على حقيقة المعصية، بل تحمل كلامه أنه مُخرِّب على نفسه، أو على غفلة طرأت على قلبه، فترى من نوَّر الله قلبه يجتهد في أوصاف محاسن الناس، ويتعامى عن عيوبهم، وإن وقعت منهم منقصة يعتذر عنهم، فيقول: لعله نسي، أو ما علم أن هذه خطية، أو ما عمل هذه المثوبة لعذر لحقه، فالمؤمن حقًّا من يعمل على سلامة عرض أخيه خوفًا من أن يعافي الله الأخ ويبتليه، فإن كلم الرجل امرأة يُحْمَلُ أمرهما على أن الرجل مَحْرَمٌ لها أو زوج، فإن رأيت في تصانيف بعض الفضلاء شيئًا لا يوافق الشرع فلا تَنْفِ عنه الفضيلة، ولا تستحمره نفسك الثقيلة؛ فإنها لا تصلح أن تكون تلميذًا له، فيمقتها الله سبحانه بقدرته

стр. 670

الجليلة، فتقول: لعله غلط، أو سها، أو اقترأه (١) لا افتراه. والذي بلغنا أن الصالحين أصحاب شفقة وسكينة، يظهرون الجميل، ويسترون القبيح، وإذا سمعوا شيئًا فيه نقص أَوَّلُوهُ سبعين (٢) تأويلًا، جبرًا وسترًا لإخوانهم المسلمين؛ ومن جبر مسلمًا أو ستره في الدنيا ستره (٣) الله تعالى ولم يفضحه في عرصات القيامة، وسلمه من التوبيخ والملامة، قال ﷺ : «من ستر مسلمًا ستره الله، والله في عون العبد ما كان العبد في عون أخيه» (٤). وإياكَ، إياك رحمك الله! أن تقع في عَالِمٍ تقي، أو في رجل ولي؛ لأن شأنهما عظيم، والوقوع فيهما أو فيمن يذكر شيئًا رآه في منامه في نقصهما (٥)، لا يرضي المولى الكريم؛ لأن العالم التقي في منزلة نبي. قال ﷺ : «العلماء ورثة الأنبياء» (٦). حديث صحيح. وفي حديث آخر: «علماء أمتي كأنبياء بني إسرائيل» (٧). فكاد العالم العامل بالعلم أن يكون نبيًّا، ويكفيك ما جاء في الولي قوله تعالى: ﴿اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آَمَنُوا﴾ [البقرة: ٢٥٧]، وقوله ﷺ : «إن الله قال: من آذى لي وليًّا فقد آذنني بالحرب» (٨).

стр. 671

ومما يدلك أيضًا على عظيم قدر المؤمن قوله سبحانه فيما يحكيه عنه رسوله ﷺ : «لم تسعني أرضي ولا سمائي، ويسعني قلب عبدي المؤمن» (١). انظر رحمك الله! إلى هذا القلب، ماذا مَنَّ الله عليه حتى صار إلى هذه المرتبة أهلًا؟ قال بعض العلماء: لو كشف الحق سبحانه عن مشرقات قلوب أوليائه، لانضوى نور الشمس والقمر في أنوارهم، لكن الحق سبحانه يوفي أعيان الكائنات حقها، فيقر لكل كون زينته، ولذلك (٢) ستر سر الخصوصية في وجود البشرية، ولا بد للشمس من سحاب، وللحسناء من نقاب، فستر سر الأولياء في دار الفناء، وسيظهره في دار البقاء التي رضيها لهم، فيرفع منارهم، ويبجل أقدارهم. قال الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمَنُ وُدًّا﴾ [مريم: ٩٦]. ثم اعلم بأن الولي خرج عن تدبيره لتدبير الله ، وعن انتصاره لنفسه لانتصار الله تعالى له، وعن حوله وقوته بصدق التوكل على الله تعالى، وقد قال تعالى: ﴿وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ﴾ [الطلاق: ٣]. وقال : ﴿وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الروم: ٤٧]. فكان ذلك لهم لأنهم تركوا اختيارهم وجعلوا الله تعالى مكان همومهم، فدفع عنهم الأغيار، وقام لهم بوجود الانتصار، فنصرهم وتولاهم وحارب من عاداهم، كما جاء في الحديث: «يقول الله : من عادى لي وليًّا فقد آذنني بالحرب» (٣) حديث صحيح. وروي أن عمر بن الخطاب ﵁ رأى معاذًا يبكي، فقال: ما يبكيك؟ قال: سمعت من رسول الله ﷺ يقول: «اليسيرُ من الرياء شركٌ، ومن عادى أولياء الله فقد بارز الله تعالى بالمحاربة» (٤). وقد طولنا هذا الباب، لكي لا يقع العاقل في أولي الألباب،

стр. 672

فيوبخه الله تعالى كما فعل بالمؤمنين، ويوقعه في الذل والبعد والعذاب. جاء رجل إلى أبي حنيفة ﵀ وقال له: رأيتك البارحة في المنام وأنت في النار. قال له الإمام: ما تقول في هؤلاء الرهبان؟ قال الرجل: هم من أهل النار. قال أبو حنيفة: فقد يرى لهم بعض محبيهم أنهم في الجنة (من قوة المحبة) (١) وأنت تبغضني؛ فلأجل ذلك رأيتني في النار (٢). قال المؤلف: قال لي من أثق بقوله: إن الشيخ إبراهيم بن معضاد الجَعْبِرِيُّ قال في ميعاده للحاضرين: مكثتُ مدَّة أسأل الله تعالى أن يريني النبي ﷺ في منامي، فرأيته ليلةً (٣) على صفة رجل كرديٍّ، فأصبحت مهمومًا من هذه الرؤيا، وقلت في نفسي: النبي ﷺ عربيٌّ، فكيف رأيته (أنا على) (٤) هذه الصفة؟! فدعوتُ الله تعالى أن يكشف لي عن حقيقة هذا الأمر، فبينما أنا سائرٌ في بعض شوارع المدينة بديار مصرَ، وإذا بضربةٍ بين كتفيَّ، فالتفتُّ وإذا هو رجل حَرْفُوشٌ على رأسه طُرْطُورٌ (٥)، فقال لي: ما

стр. 673

لكَ يا جعبريٌّ؟ لولا أن عملك عملٌ نحسٌ مُرْدي؛ ما رأيتَ النبي ﷺ على صفة رجل (١) كردي! (٢).

стр. 674

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 675

وقال للمؤلِّف بعض المجاورين بمكَّة: إن مريدًا قال لشيخه: يا سيدي، رأيتك البارحة في المنام، وقد تبدَّل وجهكَ بوجه خنزير! فقال الشيخ: يا بني، الشيخ مرآة المريدين، والمرآة لا يرى إلا ما ظهر فيها، والمنام يا بني هو صفتك، ثم اعلم أن من أصلح نهاره أصلح الله ليله، وصحة المنام موقوف على الصدق في الأحوال والكلام، فمن أراد أن يصلح الحق سبحانه له اليقظة والمنام، ويدخل الجنة مع بدر التمام، ويسلم (١) من التوبيخ والملام، فَلْيُطِعِ الملك العلام، ولا يخرج عن طريق النبي عليه أفضل الصلاة والسلام، بدخوله في ذم المسلمين، وفيما يراه لهم من نحس المنام، كان بعضهم يقول: لا تشتغل بالعتب للورى … فيضيع وقتك والزمان قصير وعلام تعتبهم وأنت مصدق … أنَّ الأمور جرى بها المقدور هم لم يوفوا للإله بحقِّه … أتريد توفِّيه وأنت حقير فاشهد (٢) حقوقَهم وقم لهم (٣) بها … واستوف منك لهم وأنت صبور فإذا فعلت فأنت أنت بعين من … هو بالخفايا عالم وخبير قال الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ (١٩)﴾ [النور: ١٩]. روي أن عائشة ﵂ ذكرت للنبي ﷺ قِصَر صفية، فقال لها: «لقد قلت كلمةً لو مزجت بماء البحر لمزجته» (٤).

стр. 676

معنى الحديث: أي لو خلطت كلمتك هذه بماء البحر لغيرت طعمه أو ريحه لشدة نتنها، وهذا الحديث الصحيح، والآية التي تقدم ذكرها من أعظم الزواجر في ترك الذم لمسلمٍ كان يؤمن بالله واليوم الآخر، فمن رأى منامًا قبيحًا لرجل حسن ديِّن وقصَّه، يقال له: هذا المنام صفتك، أو البعيد مبغض. فإن لم يكن المنام صفته ولا هو مبغض فهو من تلبيس إبليس، لكي يغير عقيدته، ويحرمه أجر حسن الظن بهذا الإنسان، فترى الجاهل اللئيم يظن أن هذا هَيِّنٌ وهو عند الله عظيم.

стр. 677

بابٌ: فيما يرى الإنسان لنفسه من حسن الحال وما يرى من أضغاث الأحلام ومن رؤيا النبي ﵊ وعلى الآل والأصحاب السادة الكرام فإن رأى المسلم منامًا أو سمع كلامًا فرأى كأنه في الجنة، أو سمع قائلًا أو هاتفًا يقول له: أنت من أهل الجنة! فلا تغتر أيها المؤمن! بذلك، ولا بكثرة اجتهادك وجهادك، ولا بصومك وصلاتك، ولا بكثرة ذكرك وحجك وغزواتك، فأنت أعلم بحالك، هل فعلك فعل مسلم ناجٍ أم فعل رجل هالك؟ وقد روي أن جماعة صحبوا النبي ﷺ ، وكان فيهم مَنْ كَتَبَ الوحي، وفيهم من جاهد مع النبي ﷺ ، وكان فيهم من حج إلى بيت الله الحرام، وماتوا على غير ملة الإسلام (١)، ولا تغتر أيضًا بكثرة رؤياك للنبي ﷺ في منامك، فقد رآه غيرك يقظةً ومات كافرًا، وبعضهم مات مرتدًا والعياذ بالله فنزل فيهم: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ﴾ [المائدة: ٥٤]. ومنهم من مات جاحدًا

стр. 678

لا مكذبًا، قال الله تعالى: ﴿فَإِنَّهُمْ لَا يُكَذِّبُونَكَ وَلَكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآيَاتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ﴾ [الأنعام: ٣٣]. وبعضهم مات منافقًا بعدما كان موافقًا، وسببه أنه عاهد الله تعالى ثم غدر، فألحقه الله بمن نافق وكفر، وهذه الآية في حقه: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ عَاهَدَ اللَّهَ لَئِنْ آتَانَا مِنْ فَضْلِهِ لَنَصَّدَّقَنَّ وَلَنَكُونَنَّ مِنَ الصَّالِحِينَ (٧٥) فَلَمَّا آتَاهُمْ مِنْ فَضْلِهِ بَخِلُوا بِهِ وَتَوَلَّوْا وَهُمْ مُعْرِضُونَ (٧٦) فَأَعْقَبَهُمْ نِفَاقًا فِي قُلُوبِهِمْ إِلَى يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ بِمَا أَخْلَفُوا اللَّهَ مَا وَعَدُوهُ وَبِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ (٧٧)﴾ [التوبة: ٧٥ - ٧٧]. والكلُّ قد ذكرهم الله تعالى في القرآن، وهذا المختصر ليس هو موضوع لشرح أهل الكفر والطغيان. ولا تغترَّ أيضًا بكثرة المجاورة في بيت ربِّ العالمين، ولصحبتك لعباد الله الصالحين، واعلم وتحقق أن العاقبة للمتقين، فالحق سبحانه لا يكرم أحدًا لأجل ما تقدم ذكره، ولا بكثرة علمه ولو كان شريفًا من أصل سيد المرسلين، إن لم تكن أحواله مستقيمة وأفعاله أفعال المتقين، واسمعوا ما قال مولاكم: ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ [الحجرات: ١٣]. قال ﷺ : «من سرَّهُ أنْ يكونَ أكرمَ النَّاسِ فلْيتَّقِ الله» (١). فاعرضْ أيها المؤمن! أحوالك وأفعالك وأقوالك على الكتاب والسنة، فإن وافق فلله الحمد والمنَّة الذي ظهر فيك أوصاف أهل الجنَّة، فهي دار المتقين، ومستقر أهل اليقين، ولا تغتر أيضًا بكثرة بكائك، ولترددك للمواعيد، والنفس غافلة عما هي مسؤُولة عنه، وعن التأهب ليوم الوعيد، فيكون جميع ما قاله الإنسان أو سمعه حجة عليه يوم يوقفه الحقُّ بين يديه، فليس الشأن لمسرف يبكي وينتحب ويمسح عينيه، الشأن لمن عمل بالكتاب والسنة وترك ما يعاقب عليه. ولا تغتر أيضًا بما بُشِّرتَ به فيما ظهر لك في الختمة، أو في ضرب رملٍ، أو حصًى، أو ما ظهر لك من الفأل في كتبٍ ألَّفها المنجمون

стр. 679

الجهال، فكل ذلك بدعة وضلال، فأعرض عن ذلك كله، وتوكل على الكبير المتعال؛ ليكون حسبك في جميع الأحوال، وينجيك من الشدائد والأهوال، ويخلصك من القطيعة والأوحال، ويسلمك من البدع وسوء الحال، قال ﷺ : «من أتى عرافًا فقد كفر بما أُنْزِلَ على محمدٍ» (١). فإن صحَّ شيء من كلامه وقع مصادفةً لا من قوة علمه بالغيوب ولا مكاشفة، والمنجم لا يعرف عاقبة نفسه، فكيف يعرف عاقبة غيره؟! قال الله تعالى إخبارًا عن نبيه وحبيبه ﷺ : ﴿وَلَوْ كُنْتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لَاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ وَمَا مَسَّنِيَ السُّوءُ﴾ [الأعراف: ١٨٨]. قال بعض الملوك لمنجِّمه: أريد أركب الساعةَ! فنهاه، فركب الملك وتوكَّل على مولاه، فرجع سالمًا، فدعا المنجِّمَ، وضربه وحبسه، وقطع جامكيته (٢)، وقال له: أنت تعلم عاقبة غيرك، فكيف لا تعرف عاقبة نفسك؟! إن هذه الأشياء تجري عليك (٣).

стр. 680

ونسأل الله تعالى أن يطهرنا من البدع والعيوب، ويسلمنا من الدخول في علم الغيوب، والسر في أن الحق لم يكشف لأحد عن عاقبة أمره في الدنيا ولا في الآخرة: ﴿لِيَقْضِيَ اللَّهُ أَمْرًا كَانَ مَفْعُولًا﴾ [الأنفال: ٤٢]. لو علم الإنسان أنه يغرق في سَفْرته ما ركب البحر، ولو علم أن هلاكه في البر ما أخذ في نقل قدم، (فما كان يغرق في البحر، ولا يهلك في البر، فيبطل ما كتب عليهم في القدم) (١)، ولو كشف للمؤمن أنه من أهل الجنة تهاون في العمل، ولو علم أنه من أهل النار لترك العمل، ولتمادى في الطغيان والكسل، لكن الحق يكشف لكل أحد عن مقامه عند الغرغرة، فإن كان من أهل الجنة أحب لقاء الله؛ فأحب الله لقاءه، وإن كان من أهل النار كره لقاء الله؛ فكره الله لقاءه (٢). ولذلك نرى الميت يشْخَص (٣) قبل خروج روحه، فاعمل أيها المؤمنُ! لساعتك هذه، فلذلك ﴿فَلْيَعْمَلِ الْعَامِلُونَ﴾ [الصافات: ٦١].

стр. 681

قال بعضهم: دخلت كهفًا فوجدت شيخًا قد نحل من الهرم وهو ساجد يبكي، ويقول: لئن أطلت عنائي (١) في الدنيا وعذبتني في الآخرة، لقد أبعدتني وأهنتني يا كريم. فلما قضى سجوده سلمت عليه، وقلت له: ما حملك على الانقطاع؟ قال: يا أخي، من طلب الله لم يرض بغيره عوضًا، فحيثما وجدت قلبك أقرب إلى الله فلا تطلب غيره. قلت له: فالقوت من أين؟ قال: الأمر أقل من ذلك؛ إذا احتجنا إلى ذلك فنبات الأرض وقلوب الشجر. قلت: ألا أحملك إلى مواضع الخصب؟ قال: الخصب حيث يطاع الله ، ولا حاجة لي بالناس. قلت له: أوصني. قال: لا تدَّخر من نفسك شيئًا، ولا تؤثرن بحظك من الله أحدًا، وارع حدود الله عند مغالبة الهوى، ولا ترد بعملك غير الله تعالى والسلام. ثم اشتغل عني بالبكاء (٢). فانظر رحمك الله! إلى خوف أهل الطاعة، مع كثرة الاجتهاد والانقطاع والقناعة؛ (وإلى أمننا) (٣) مع الاختلاط بالناس، والتخليط، وحب الدنيا، وترك العمل الصالح مع وجود الاستطاعة، والمصيبة العظمى غفلة أحدنا عن الموت وأهوال يوم الساعة مع كثرة الإفلاس وقلة البضاعة. كان مالك بن دينار (رحمنا الله تعالى به) (٤) إذا صلى ورده ليلًا يقول: إلهي خلقت دارين وخلقت لكل دار أهلًا، ولا أدري من أي الدارين أنا، اللَّهم حرِّم شيبة مالك على النار (٥).

стр. 682

فانظر أيها المؤمن إلى صفات الأبرار، فمن سوء الحال والاغترار أن يعمل أحدنا عمل الفجار، ويطلب منازل الأخيار، فالحق سبحانه خوَّفهم ليجمعهم عليه، وليؤمنهم يوم يوقفهم (١) بين يديه، قال الله تعالى في كتابه المكنون: ﴿يَا عِبَادِ لَا خَوْفٌ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ وَلَا أَنْتُمْ تَحْزَنُونَ﴾ [الزخرف: ٦٨]. فمن اتصف بصفات هؤلاء المتقين؛ أمَّنه الله تعالى يوم الفزع الأكبر، وحشره معهم عن يقين، (وقد أوردت حكاية مالك بن دينار ﵀ لقوله: لا أدري من أي الدارين أنا؟) (٢). واسمع قوله تعالى: ﴿وَمَا أَدْرِي مَا يُفْعَلُ بِي وَلَا بِكُمْ﴾ [الأحقاف: ٩]، فأهل اليقظة لا يعلم أحدهم ما غاب عنه من أمر الدنيا، ولا من أمر الآخرة ولا إلى ماذا مصيره، فكيف يعلمها المنجِّم وهو أعمى القلب والبصيرة؟! فالعاقبة مغيَّبة، والإرادة غير مغالبة، ولا يكون أبدًا إلا ما يريد؛ فسلم لربوبيته، وكن من جملة العبيد؛ يأتيك من الله الخير والمزيد، فالأشياء كلها إليه مصروفة، والخاتمة والاستقامة على مشيئته موقوفة. ولا يدرك أحد شيئًا إلا بمشيئة الله تعالى؛ لقوله : ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾ [الإنسان: ٣٠]، وكان كثيرًا يحلف ﷺ : «لا ومقلِّب القلوب» (٣)، أي: يصرِّفها أسرع من البرق (٤). فمن رضي الله عليه صرف قلبه إلى ما يقربه إليه، ومن لم يرض عنه

стр. 683

صرف قلبه إلى ما (يبعده عنه) (١)، ويسوِّد وجهه يوم يقف بين يديه، وفي التنزيل: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ﴾ [الأنفال: ٢٤]. قال العلماء: يحول بين المرء وعقله حتى لا يدري ما يصنع العبد. وقال ابن عباس ﵁: إن الهدهد كان يرى الماء من تحت الأرض، ويخبر به سليمان ﵇. فقال نافع (٢): فما باله (٣) لا يرى الفخ؟ قال ابن عباس للرجل: إنها كلمة ألقاها الشيطان في فيك، ألا ترى إذا جاء القضاء عمي البصر (٤). وفي الحديث أن النبي ﷺ كان يكثر أن يقول: «يا مثبت القلوب ثبِّت قلبي على طاعتك». فقالت عائشة: يا رسول الله، إنك تكثر أن تدعو بهذا الدعاء، فهل تخشى؟ قال: «وما يؤمنني يا عائشة؛ وقلوب العباد بين إصبعين من أصابع الجبار، إذا أراد أن يقلب قلب عبدٍ قلبه» (٥). ورُوي: «إنَّ الرجلَ ليعمل الزَّمن الطويل بعمل أهل الجنة، ثم يختم له [عملُه] بعمل (أهل النَّار، وإنَّ الرجلَ ليعمل الزمن الطويل بعمل أهل النار ثم يختم [له] عملُه بعمل) (٦) أهل الجنَّة». رواه مسلم (٧).

стр. 684

قال [أبو] (١) محمدٍ عبد الحقِّ: اعلم أن سوء الخاتمة أعاذنا الله منها لا تكون لمن استقام ظاهره وصلح باطنه، ما سُمع بهذا ولا عُلم به والحمد لله وإنما تكون لمن كان له فسادًا في العقيدة، أو إصرارًا على الكبائر، أو إقدامًا على العظائم والعياذ بالله، ثم العياذ بالله أو (٢) يكون ممن كان مستقيمًا، ثم تغيَّر عن حاله، وخرج عن سنته، (وأخذ في غير طريقته) (٣)؛ فيكون ذلك سببًا لسوء خاتمته، وشؤم عاقبته (٤). كإبليس الذي عبد الله ثمانين ألف سنة، ثم تكبَّر على آدم؛ فأحبط الله عمله، وقُطع من الجنة والرحمة أمله. وبلعام بن باعورا (٥) الذي آتاه الله تعالى آياته فانسلخ منها بخلوده إلى الأرض، واتبع هواه، وبرصيصًا العابد (٦) الذي قال الله تعالى في حقه: ﴿كَمَثَلِ الشَّيْطَانِ إِذْ قَالَ لِلْإِنْسَانِ اكْفُرْ﴾ [الحشر: ١٦]. قال الله : ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ﴾ [الرعد: ١١]، فمتى لزم القلب السنة، وعلى طاعة الله تعالى أقام؛ سلَّمه الله تعالى

стр. 685

من سوء الخاتمة، والجنة له مقام، ومتى زاغ القلب وابتدع يخاف عليه، والله عزيز ذو انتقام، ونسأل الله تعالى الاستقامة، ولزوم السنة، والأمن من فزع يوم القيامة، فترى الصالحين كل منهم خائف حزين، يتأوه ويبكي ويئنُّ لإبهام الخاتمة، ولما تقدم من حديث سيد المرسلين. وقد أخبر عنهم رب العالمين بقوله: ﴿وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَسَاءَلُونَ (٢٥) قَالُوا إِنَّا كُنَّا قَبْلُ فِي أَهْلِنَا مُشْفِقِينَ (٢٦)﴾ [الطور: ٢٥ - ٢٦] أي: خائفين. سمعت عائشة ﵂ قارئًا يقرأ: ﴿قَالُوا إِنَّا كُنَّا قَبْلُ فِي أَهْلِنَا مُشْفِقِينَ (٢٦) فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا وَوَقَانَا عَذَابَ السَّمُومِ (٢٧)﴾ [الطور: ٢٦ - ٢٧] فبكت وقالت: رب منَّ عليَّ وقني عذاب السموم (١). وروي أن النبي ﷺ استأذن عائشة وكانت ليلتها، وقام يصلي، وأطال القيام ثم الركوع ثم السجود، حتى ظنت عائشة أن الله سبحانه قبض نبيه في سجوده، ثم جلس يبكي في وقت السحر، فدخل عليه بلال وقال: أتبكي يا رسول الله وقد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر؟! قال: «أفلا أكون عبدًا شكورًا» (٢). وصحَّ أن ضحكه ﷺ كان تبسمًا (٣)، وروي أنه قال لجبريل ﵉: «ما لي لا أراك ضاحكًا؟ فقال جبريل: يا محمد، ما ضحكت منذ خلقت النار» (٤).

стр. 686

وكان الصحابي إذا أصبح كأنه خرج من قبر من قوة خوفه وكثرة اجتهاده، وكانت زوجة الصحابي تتعلق به قبل خروجه من بيته وتقول: الله الله فينا، لا تدخلوا فيما لا يحل لكم لأجلنا، نصبر على الجوع ولا نصبر على النار (١). وخرج بعض الصحابة بعدما صلى العشاء خلف النبي ﷺ يريد بيته، فوقف يتفكر في الطريق حتى أذَّن بلال الفجر، فرجع وصلى مع النبي ﷺ صلاة الصبح بوضوء العشاء (٢). وروي أن جماعةً من الصحابة ومن التابعين ﵃ أجمعين صلُّوا بوضوء العشاء الصبحَ أربعين سنة، ومن جملتهم أبو حنيفة (٣). (ونسأل الله اللطف بقدرته اللطيفة) (٤)، قال الله : ﴿كَانُوا قَلِيلًا مِنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ (١٧) وَبِالْأَسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ (١٨)﴾ [الذاريات: ١٧ - ١٨]، يديمون الصلاة إلى الأسحار، ثم يأخذون في الاستغفار، فهم ﵃ ما أسلفوا الجرائم في ليلهم، لكن هذه من عادة الأبرار: الطاعة والأذكار والندم والاستغفار. قيل لعطاء السلمي في مرضه الذي مات فيه: ما تشتهي؟ قال: ما ترك خوف جهنم في قلبي موضعًا للشهوات (٥). وقيل: إنه مكث أربعين سنة لم ينظر إلى السماء، فنظر يومًا، فسقط إلى الأرض، وانفتق في أمعائه فتق (٦).

стр. 687

ودخل المزني على الشافعي في مرضه الذي مات فيه، وقال له: كيف تجدك يا إمام؟ قال: أصبحت من الدنيا راحلًا، ولإخواني مفارقًا، ولسوء أعمالي ملاقيًا؛ فما أدري هل أنا من أهل الجنة فأهنَّى أم من أهل النار فأعزَّى (١)، ثم أنشد ﵁ يقول: أسفي أموت وليس لي … عملٌ به نفسي تطيب والغبن أني راحلٌ … ما لي من التقوى نصيب وقال محمد بن يوسف: تأملت سفيان ليلةً بكى حتى أصبح، فقلت: أتبكي على الذنوب؟ قال: لا، بل خوفًا أن أسلب الإيمان (٢). وكان إبراهيم بن أدهم لا يزال مهمومًا، فقيل له في ذلك، قال: كيف نأمن وإبراهيم الخليل ﵇ يقول: ﴿وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الْأَصْنَامَ﴾ [إبراهيم: ٣٥]، ويوسف الصديق ﷺ يقول: ﴿تَوَفَّنِي مُسْلِمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ﴾ [يوسف: ١٠١]؟! (٣). وقال إمام الحرمين: إذا سمعت أخبار الكفار في النار وخلودهم فيها فلا تأمن على نفسك، فإن الأمر على خطر، فما تدري ماذا يكون من العاقبة؟ وماذا سبق في حكم الغيب؟ فلا تغترَّ بصفاء الأوقات، فإن تحتها غوامض الآفات (٤).

стр. 688

وأُنشد في نحو ذلك: أحسنت ظنك بالأيام إذ حسنت … ولم تخف سوء ما يأتي به القدر وسالمتك الليالي فاغتررت بها … وعند صفو الليالي يحدث الكدر قال الله تعالى: ﴿أَفَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرَى أَنْ يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنَا بَيَاتًا وَهُمْ نَائِمُونَ (٩٧) أَوَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرَى أَنْ يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنَا ضُحًى وَهُمْ يَلْعَبُونَ (٩٨) أَفَأَمِنُوا مَكْرَ اللَّهِ فَلَا يَأْمَنُ مَكْرَ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْخَاسِرُونَ (٩٩)﴾ [الأعراف: ٩٧ - ٩٩]. قال بعض العلماء: إن أكثر ما يجد المؤمن في صحيفته من الحسنات الهم والحزن. قال المؤلف: ولَأَنْ يكونَ المؤمنُ في الدنيا مخمولًا مهمومًا، خيرٌ له من أن يكون كذلك في الآخرة؛ لأن هموم الدنيا فانية، وهموم الآخرة باقية، قال الله تعالى مخبرًا عن أهل النار: ﴿لَا يَمُوتُ فِيهَا وَلَا يَحْيَا﴾ [طه: ٧٤]. تفسيره: لا يموت في جهنم فيستريح، ولا يحيا حياة تنفعه. قال الثوريُّ يومًا بين يدي رابعة: واحزناه. قالت: لا تكذب، لو كنت محزونًا ما هنأ لك العيش (١). انظر رحمك الله! إلى خوف هؤلاء السادة مع الزهد والعبادة، وإلى أمْنِنَا مع حبِّ الدنيا والمخالفة لعالم الغيب والشهادة. ثم اعلم بأن الخوف مع وجود الطاعة والاستقامة هما طريق من أخذ الله تعالى بيده وأقامه، وهما نعمتان عظيمتان؛ لقوله تعالى: ﴿وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ (٤٦)﴾ [الرحمن: ٤٦]. فإن قيل لك: أتخاف الله تعالى، ولم يظهر فيك صفات الخائفين! فاسكت؛ لأنك إن قلت: نعم. تقع في الكذب، وإن قلت: لا. فتكفر. ثم اعلم بأنَّ القبض والخوف أقرب إلى وجود السلامة من البسط؛

стр. 689

لأن القبض هو وطن العبد؛ إذ هو في أسر قبضة الله تعالى، ومن أن يكون للعبد البسط؛ لأنه خروج عن حكم وقته، والخوف أليق بحكم هذه الدار؛ لأنها موطن التكليف، وإبهام الخاتمة، وعدم العلم بالسلامة، والمطالبة بالوفاء، وأن لا يخرج العبد عن طريق النبي المصطفى، وعن طريق أصحابه أهل الخير والجود والوفاء. قال بعض الصوفية: رأيت شيخي بعد موته في المنام مقبوضًا، فقلت له: يا أستاذ، ما لك مقبوضًا؟ قال: يا بني، القبض والبسط مقامان؛ من لم يوفهما في الدنيا، وفاهما في الآخرة. وكان هذا الشيخ الغالب عليه في حياته البسط، وأنشد بعضهم يقول: عجبتُ لمن يدوم له السرورُ … ويعلم أن مسكنه القبور ومن يمسي ويصبح في أمانٍ … وموعده القيامة والنشور وقال بعض المشايخ: بلغني أن الإنسان خلق أحمق، ولو لم يكن كذلك ما هنئ له العيش (١). قال المؤلف: لأنَّ الدنيا سجن المؤمن وجنة الكافر كما جاء في الحديث (٢)، ولا يجد الراحة المسجون، ومن عادة المسجون أن يحدق بعينيه ويصغي بأذنيه متى يُدعى، فيجيب. وفي حديثٍ آخر: لا راحة للمؤمن دون لقاء ربه (٣). فاعمل رحمك الله! على الراحة الطويلة، فلذلك فليعمل العاملون،

стр. 690

واسمع قوله تعالى: ﴿يَاعِبَادِ لَا خَوْفٌ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ وَلَا أَنْتُمْ تَحْزَنُونَ (٦٨)﴾ [الزخرف: ٦٨]. فالدنيا طريق نصب، فيه آدم نصب، وفيه ناح نوح وما استراح، وعُرض الخليل على النار للاختبار، وفقد يعقوب بصره، وابتُلي بالرق يوسف، ونُشر بالمنشار زكريا، وذُبح يحيى، وابُتلي بالبلاء أيوب، وبكى حتى نبت العشب من عبرته داود، وتكدر عيش سليمان في ملكه، ورعى موسى الغنم من أجله، وهام في البراري عيسى ابن مريم، وعالج النبي المختار الفقر، مع حمل أذى الكفار، ﷺ وعلى جميع الأنبياء، وعلى أتباعهم السادة الأخيار، صلاةً دائمة إلى يوم القرار. فترى أحدنا قد أُعمي قلبه بحب الدنيا، لا يعمل إلا على راحة نفسه، ولا بد من المخالفة للمولى الكريم، ويطلب من قلة حيائه أن يكون مع أنبياء الله تعالى وأوليائه في جنات النعيم، وقد أجمع العلماء والحكماء أنه لا يدرك نعيم بنعيم. وقيل: إن إبراهيم بن أدهم أراد أن يدخل الحمام، فمُنع من الدخول، فبكى وقال: اللَّهم لا يُؤذَن لي بالدخول إلى بيت الشيطان مجانًا (١)، فكيف يؤذن لي بالدخول إلى بيت النبيين والصديقين مجانًا؟! (٢) وكانت رابعة تقول: ما بالُ دينك ترضى أن تدنِّسه … وثوبك الدهر مغسولٌ من الدَّنَس ترجو النجاة ولم تسلك مسالكها … إن السفينة لا تجري على اليبَس (٣) وقول هذه السيدة يناسب قولَه ﷺ : «الكَيِّس من دان نفسه، وعمل لما بعد الموت، والعاجز من أتبع نفسه هواها وتمنى على الله». وسبب هذا الحديث أن رجلًا مُدِحَ بين يدي النبي ﷺ بالكياسة، قال لهم: «الكيِّس من دان نفسه … » الحديث، هذا سببه (٤)، ومعناه والله أعلم: أي لا يعمل العبد

стр. 691

عمل الفجار، ويطلب منازل الأخيار، لكن يجب على العبد أن يجتهد في التوبة، وقصر الأمل، ثم يسأل الله تعالى الجنة، وما قرب إليها من قول وعمل. وقد طوَّلنا هذا الباب عسى أن ترجع هذه النفس خُطَيوة (١) مما هي عليه من حب الدنيا، ومما يسوِّد وجهها يوم القدوم على الله سبحانه، وحين (٢) تقف بين يديه، وعجبٌ إن رجعت لشقوتها؛ ولأن الدنيا في قلبها قد رسخت، وعلامات الشقاء في وجهها قد ظهرت، ونجوم سعادتها قد أَفَلَت. عن أنس بن مالك ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «أربع من الشقاء: جمود العين، وقسوة القلب، والحرص على الدنيا، وطول الأمل» (٣). قال مالك بن دينار رحمة الله عليه: البدن إذا سقم لا ينجع فيه طعام ولا شراب، والقلب إذا علق فيه حب الدنيا لا تنجع فيه المواعظ (٤). فالويل

стр. 692

ثم الويل لمن لعبت به الدنيا، ثم فقد قلبًا واعيًا، وطرفًا باكيًا، وعملًا زاكيًا، يكفي للعبد المبعود إقباله على نفسه وعلى هذا الوجود، وإعراضه عن السيد المعبود. وهذه أمراض نسأل الله منها العافية، فكلُّ عليل يمكن علاجه (١) إلا عليلًا يعجبه مرضه، فما منع العباد من النفوذ إلى الله تعالى إلا إقبالهم على نفوسهم وجواذب التعليق بغير الله ، فكلما همَّت قلوبهم أن ترحل إلى الله تعالى جذبها ذلك التعلق، فالحضرة محرمة على من هذا وصفه، وممنوعة على من هذا نعته، فلا يطمعنَّ طامع أن يدخل الحضرة الإلهية وخلفه من يجذبه. واسمع قول المولى الجليل الرحيم: ﴿يَوْمَ لَا يَنْفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ (٨٨) إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ (٨٩)﴾ [الشعراء: ٨٨ - ٨٩]. قال بعض العلماء: القلب السليم هو الذي لا تعلُّق له بشيء دون الله . قال المؤلف (ألَّف الله قلبه على الإيمان، وسلَّمه والقارئ والسامع من الكفر والفسوق وحب الدنيا والعصيان) (٢): لما سمع الصالحون قوله ﷺ : «الدنيا جيفة تتجافى عنها الأنفس العفيفة» (٣). ثم أقبلوا على الآخرة، واجتهدوا في إقامة الوظيفة، فلما علم الله تعالى صدقهم وضعفهم؛ أدركهم بقدرته اللطيفة، وهوَّن عليهم ما ثقل على غيرهم، فصارت بقدرته خفيفة. قال علماء التفسير في قوله تعالى: ﴿أَفَمَنْ شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ فَهُوَ عَلَى نُورٍ مِنْ رَبِّهِ﴾ [الزمر: ٢٢] قالوا: هو التجافي عن دار الغرور، والإنابة

стр. 693

إلى دار الخلود، والاستعداد للموت قبل نزوله (١)، فمن عُدم هذا النور وقع في ظلمات الجهل، والتهى بدار الغرور. سئل معروف الكرخي ﵀ عن أولياء الله تعالى كيف قدروا على الطاعة؟ قال: بإخراج الدنيا من قلوبهم، ولو كانت في قلوبهم ما صحَّت لهم سجدة (٢). وقال الحسن البصري ﵁: والله ما عُبدت الأصنام بعد معرفة الرحمن إلا لحب الدنيا (٣). وقال حامد اللَّفَّاف: من شاء صدقني، ومن شاء كذَّبني، وإنه لا يستحق الرجل عبادة ربه ومعه خصلتان: قدر الشيء، وقدر النفس (٤). قال المؤلف: متى عظَّم الإنسان نفسه ودنياه كان محقورًا عند خالقه ومولاه؛ لأنه عظَّم ما قلله الله، فحينئذٍ لا يعد من السعداء، ولا يفلح هذا العبد أبدًا، فمن تطهَّر من تعظيم نفسه، ومن حب هذه الدنيا الدنيئة؛ يجد حلاوة الطاعة، وتزكو له الأعمال الدينية، ويحبه الله تعالى، ويحببه لخلقه، ويلحقه بخير البرية. فقد جاء في الحديث: «إن حب الدنيا وحب الله لا يجتمعان في قلب عبدٍ أبدًا» (٥). و: «إنَّ حبَّها رأسُ كل خطيَّة» (٦)؛ فمن

стр. 694

تطهَّر مما تقدم ذكره من الدَّنس يحظَى بمدد الله تعالى في كل نفس. وقد جاء في الحديث الصحيح: أن الله لما خيَّر نبيه ﷺ بين الفقر والغنى، اختار الفقر على الغنى (١)، فلو كان في الكثرة خير لاختاره نبينا ﷺ ، ولذلك قال علماء الحنفية: من لا يأخذ ولا يعطي أفضل ممن أخذ وأعطى (٢). أتظن أيها المؤمن أن النبي ﷺ جهل الاختيار لنفسه؟ فمن اتبعه من أمته حُشر معه، وحصل له الخير والمنى، فابْكِ على نفسك أيها المغتر بالدنيا، والسابق للبكاء أنا، قال المولى الغفور: ﴿فَلَا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَلَا يَغُرَّنَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ﴾ [لقمان: ٣٣]. فاصغ لهذا الخطاب، واسأل الله العمل به (أيها العبد المرتاب) (٣)، قال ﷺ : «ما زال ربي معرضًا عن الدنيا وعمن غرَّقه فيها إلى يوم القيامة» (٤)، وقال المولى: ﴿فَأَعْرِضْ عَنْ مَنْ تَوَلَّى عَنْ ذِكْرِنَا وَلَمْ يُرِدْ إِلَّا الْحَيَاةَ الدُّنْيَا (٢٩)﴾ [النجم: ٢٩]. فإذا ثبت أن الله قد أعرض عن الدنيا وقد أعرض النبي ﷺ عنها، وعن من أقبل عليها فكيف يفلح أو ينجح من قد شغل كله ببعضها، وقد أطال النظر إليها؟ كما قال بعضهم (ما يناسب هذا القول) (٥): إذا كان شيء لا يساوي جميعه … جناح بعوضة عند من أنت عبده تملَّك (٦) جزءٌ منه كلك ما الذي … يكون غدًا في الحشر قدرك عنده

стр. 695

فترى الصادق في محبة الدنيا إن دخلت عليه فرح غاية الفرح، وأقبل على نفسه، وأخذ في البناء والعمارة، فيبني الدار لغيره، ويرضى لنفسه بفقر الآخرة والخسارة، وكم رئي من إنسان بنى دارًا ليسكنها صارت قبره، وربما زخرفها لزوج امرأته وداره خراب، وغرس غروسًا لعدوه، وعليه الحساب، فليته لا بنى ولا غرس. أمر الخليفة هارون الرشيد أو غيره ببناء قبة في وسط لجة (ماء، وأجرى المهندسون الماء من أسفل القبة إلى أعلاها) (١)، وصار الماء يتفجر من (فوقها، ويُرى (٢) من داخلها) (٣)، فلما فرغ من عمارتها دخلها الخليفة فأعجبته، فنام (في ظلها، فسمع قائلًا يقول له في منامه) (٤): أتبني بناء الخالدين وإنما … مقامك فيها لو عقلت قليل لقد كان في ظل الأراك كفاية … لمن كل يوم يعتريه رحيل فمات ذلك الخليفة بعد جمعة (٥). فيا حسرة عبد يعتد لصيفه وشتائه ولما يهواه، ولا يتجهز للقاء سيده وخالقه ومولاه، فيترك زاد التقى مع علمه بقرب الرحيل، وقلة البقاء؛ فترى عمر الغافل منهوبًا قد أسكره حب الدنيا، فابتلي بالغفلة وما حصَّل مطلوبًا، وأهل اليقظة تفرقوا عن جميع الكائنات وانجمعوا على المحبوب، فطاب عيشهم وحصل لهم المطلوب. قال قائلهم: كانت لقلبي أهواءٌ مفرقة … فاستجمعت مذ رآك القلب أهوائي فصار يحسدني من كنت أحسده … وصرت مولى الورى مذ صرت مولائي انظر رحمك الله! إلى أوصاف إخوانك المؤمنين، فترى أحدنا

стр. 696

يخالف إخوانه ويفتح على نفسه أبواب الرخَص فيضيع وقته، فيهلك مع جملة الهالكين. كان شيخُنا ﵀ يقول: ما أَقلَّ بركةَ مالٍ وقع فيه أيدي النَّاهبين. وعن عائشة ﵂ قالت: لما مات عثمان بن مظعون ﵁ كشف النبي ﷺ الثوب عن وجهه، وقبَّل بين عينيه، وبكى بكاءً طويلًا، فلما رفع على السرير قال: «طوبى لك يا عثمان، لم تلبسك الدنيا ولم تلبسها» (١) رواه البغويُّ، واسمه: عبد الله.

стр. 697

وروى زيد بن أرقم أن أبا بكر الصديق ﵁ استسقى ماءً، فأتي بماء وعسل (١) في إناءٍ؛ فلما أدناه من فيه بكى وأبكى من حوله؛ ثم سكت وسكتوا، ثم عاد فبكى حتى ظنوا أنهم لا يقدرون على مساءلته، ثم مسح وجهه وأفاق، فقالوا: ما هيج هذا البكاء عليك؟ قال: كنت مع النبي ﷺ فجعل يدفع عنه شيئًا: «إليك عني». ولم أر أحدًا معه، فقلت: يا رسول الله، أراك تدفع شيئًا ولم أر أحدًا معك؟ فقال: «هذه الدنيا تمثلت لي بما فيها، فقلت لها: إليك عني. فتنحَّت وقالت: والله لئن انفلتَّ مني لا ينفلت مني من بعدك». فخشيت أن تكون قد لحقتني فذاك الذي أبكاني (٢). قال المؤلف: متى ملأ حب الدنيا القلوب التي في الصدور، توقفت على أربابها جميع الأمور، فلا يجدون حلاوة الطاعة، ولا ينزل نور العلم لقلوبهم لغفلة أحدهم وذهوله عن الموت وأهوال يوم الساعة، فتراه إذا صلى وحده توسوس ونقر الصلاة، ودرج القراءة ليتفرغ لحظوظ نفسه، فبئس ما قدم والله من البضاعة بين يدي الساعة، وإن صلَّى مع القوم سبق إمامه، والدنيا واقفة أمامه؛ فتارةً يعبث بلحيته، (وتارةً ينظر لجبته) (٣)، ويعدل العمامة، وأما القلب فقد أعماه حب الدنيا، وهو غافل عن أهوال يوم القيامة، قد ملأت الدنيا عينه وقلبه وسمعه، لها ينظر، ولها يسمع، ولها يأخذ، ولها يمنع، اللَّهم سلمنا من شر هذه الأربع. فتراه لا يقبل قول ناصح، ولا يتعظ بكلام رجل صالح، دينه هواه، وحديثه دنياه؛ وهذا حال من خذله خالقه ومولاه؛ فإن جمع المحب للدنيا منها ما يكفيه، وقيل له: تفرغ من هموم هذه الدنيا الفانية فالموت قريب، واعمل على كل شيء يؤمنك يوم القيامة، ويوصلك إلى الحبيب، لا يسمع

стр. 698

شيئًا من هذا؛ ولذلك قالوا: لا تقل للمحب فيما يحب إلا ما يحب، ألا ترى إلى هذا القليل السعادة كيف يقول للدنيا: إن الدنيا ليست بشيء، ولا يزداد فيها إلا محبة وإرادة، فيخالف قولُه فعلَه (١)، ويصير ممقوتًا عند عالم الغيب والشهادة. فلا تتعب أيها المؤمن نفسك معه، فهو عالمٌ بما تقول له وزيادة؛ لأن الدنيا لم تُبق له سمعًا يسمع به الحكمة من أهل الله تعالى المخصوصين بالاصطفاء والسعادة. وقد جاء في الحديث: «لا تُلقوا الحكمةَ على غير أهلها فتظلموها، ولا تمنعوها أهلها فتظلموهم» (٢)، فلا تخالف الحديث؛ فهو لا يسمع منك أبدًا، قال المولى: ﴿وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ وَلِيًّا مُرْشِدًا﴾ [الكهف: ١٧]. هل رأيت محبًّا يفارق محبوبه؟! فتراه غافلًا في مكان اليقظة، وفي موضع أسبغ الحق سبحانه على الطائفين والعاكفين والمصلين والناظرين فضله وإنعامه؛ يطوف بقالبه وقلبه يذكر ماله وأنعامه، قد أعرض في طوافه عن ذكر مولاه، وشغل غيره ونفسه بذكر دنياه، فمثله كمثل من أهدى لسيده دُرًّا ثم أخلط فيه بعرًا؛ فبئس ما قدمت يداه، فإن نصحه النُصَّاح لم يقبل (٣) وقال: هذا أمرٌ مباح. ولا يعجبه إلا ذكر الدنيا، ومن ذكر محبوبه استراح، قد فتح على نفسه أبواب الدنيا والرُّخَص فأسكراه؛ فلا تراه قط صاحٍ. (وهذه الأحوال من بعض صفات المؤلف لهذا الكلام) (٤)، فسبحان من يظهر الجميل، ويستر الذنوب القباح، ونسأل الله تعالى لنا ولجميع المسلمين اليقظة وحسن الخاتمة، وأن يجعلنا من أهل الدين والخير

стр. 699

والصلاح، وصلى الله على سيدنا محمد النبي الكريم، وآله وصحبه وسلم، ما غاب نجم ولاح. قال بعض العلماء: بلغنا أن جماعةً من الصحابة ومن التابعين تصدقوا بجميع أموالهم خوفًا من فساد قلوبهم، وأن يحجبوا عن محبوبهم. انظر أيها المؤمن! إن كان قلبك أصفى من قلوبهم، جاء في الحديث أن النبي ﷺ قال لبعض أصحابه: «إن استطعت أنْ تلقَى الله فقيرًا ولا تلقاه غنيًّا فافعل» (١). واعلم أن القلب له وجهة واحدة متى توجه إليها حجب عن غيرها، قال الله تعالى: ﴿مَا جَعَلَ اللَّهُ لِرَجُلٍ مِنْ قَلْبَيْنِ فِي جَوْفِهِ﴾ [الأحزاب: ٤]. فمتى تفرَّغ القلب من محبة الدنيا وأهلها، سكن فيه محبة الله تعالى، وكذلك جاء في الحديث المشهور: «إذا أحبَّ الله العبدَ زوَى عنه الدنيا» (٢).

стр. 700

(كان الشِّبليُّ يُنشد على سور عسقلان هذه الأبيات) (١): إن بيتًا أنت ساكنه … غير محتاجٍ إلى السرج ومريضًا أنت عائده … قد أتاه الله بالفرج وجهك المأمول حجتنا … يوم يأتي الناس بالحجج (٢) وقد جاءت الآثار وكثرت الأخبار أن مثل الدنيا والآخرة كضرَّتين: إن أرضيت إحداهما أسخطت الأخرى، وأنهما بمنزلة المشرق والمغرب، إذا أقبلت على أحدهما استدبرت الأخرى، وأنهما بمنزلة كفتي الميزان؛ إذا رجح أحدهما نقص الآخر، قال بعض السلف: من زهد في الدنيا مع التنعم فيها، مثله كمثل من غسل يديه من الزفر بالسمك، ومثل من تعبد مع طلب الدنيا كمثل من يطفئ النار بالحلفاء (٣). طلب الحواريون من عيسى ﵇ بيتًا يعبدون الله فيه، فقال لهم: اذهبوا وابنوا بيتًا على الماء. فقالوا له: وهل يثبت بيتًا (٤) على الماء؟! فقال: وهل تصح عبادة مع حب الدنيا؟! (٥).

стр. 701

كشف لبعض الصالحين فرأى الدنيا في صورة جيفة، ورأى إبليس في صورة كلب، وهو جاثم عليها، ومنادٍ ينادي من فوق: أنت كلبٌ من كلابي، وهذه جيفة من خلقي، وقد جعلتها نصيبك مني، فمن نازعك شيئًا منها فقد سلَّطتك عليه (١). ويفهم من قوله: من نازَعك شيئًا منها: أي من الدنيا. وأما الحاجة فليست من الدنيا؛ لما جاء في الإسرائيليات أن موسى ﷺ عرضت له حاجة، فقصد صديقًا له، فلم يقرضه شيئًا، فرجع مهمومًا، فأوحى الله إليه: كنت تطلب حاجتك مني؟ قال موسى: يا رب علمت مقتك للدنيا، فاستحييت منك أن أطلب شيئًا منها؛ فتمقتني، فأوحى الله إليه: يا موسى، الحاجة ليست من الدنيا (٢). قال الله تعالى: ﴿زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالْأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ ذَلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ [آل عمران: ١٤]، فمن أحب هذه السبعة فقد أحب الدنيا كلها، ومن أحب شيئًا منها فقد أحب بعضها، ومتى كانت الحاجة داعية إلى شيء منها فليست من الدنيا. وكان عيسى ابن مريم ﷺ والسلف الصالح يسمون الدنيا: خنزيرة! (٣) ولو وجدوا لها اسمًا شرًّا من ذلك لسموها به. وفي الحديث عن النبي ﷺ : «لتأتينكم من بعدي دنيا تأكل أديانكم كما تأكل النار الحطب» (٤) وفي حديث آخر: «إن لكلِّ أمةٍ فتنةً، وفتنةُ أمتي المال». قال أبو عيسى: هذا حديث صحيح (٥)، وفي خبر آخر: «إنما

стр. 702

أهلك من كان قبلكم الدينار والدرهم، وهما مهلكاكم». رواه البزَّار (١). وقال صلوات الله عليه وسلامه: «هلك الأكثرون هم الأقلون يوم القيامة» (٢)، وهذا الحديث فيه دليل أن الدنيا إذا زادت نقصت الآخرة، وإن كان الإنسان كريمًا على الله تعالى؛ (لذلك تركها الأولياء قبل أن تتركهم) (٣)، ولا خير في دنيا تنقص الآخرة، ولو دامت الدنيا لأهلها لا ينبغي أن يحسدوا عليها لنقص الآخرة، والأكدار في طرف العصا؛ لأنها إذا دخلت أشغلت وإذا ولَّت أحزنت. ويُخاف على المسلم أيضًا من الطغيان ومن طول الحساب؛ وأن لا يبلغه الله تعالى درجة الأحباب. قال محمد بن واسع: رأيت كأني أستبق أنا وفلان إلى الجنة؛ فسبقني إليها، فقلت: بماذا سبقتني؟ فقيل لي: كان له ثوب واحد ولك ثوبان (٤). وقال المؤلف: نخاف عليه من الطغيان؛ لقوله تعالى: ﴿كَلَّا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَيَطْغَى (٦) أَنْ رَآهُ اسْتَغْنَى (٧)﴾ [العلق: ٦ - ٧]، فإن سلَّمه الله تعالى من الطغيان ومن التوبيخ والملامة، فاعلم أن العطب فيها أكثر من السلامة. قال لقمان لابنه: يا بني، الدنيا بحرٌ عميق، غرق فيه أناس كثيرون، فاجعل سفينتك فيه تقوى الله تعالى لعلك تنجو (٥)، ولا أراك ناجيًا (٦).

стр. 703

فابك على نفسك أيها المغترُّ! بالدنيا، والسابق للبكاء أنا، واتَّعظ بمن هدم الموت منه أركان ما بنى؛ فأصبح في لحده مسكينًا ذليلًا؛ بعد العزِّ والجاه والغنى، واسمع ما قال بعض الفضلاء: إن لله عبادًا فُطنا … طلَّقوا الدنيا وخافوا الفتنا فكَّروا فيها فلما علموا … أنها ليست لحيٍّ سكنا جعلوها لجَّةً واتخذوا … صالح الأعمال فيها سُفنا قال العلماء (١): إن ثعلبة كان فقيرًا، (وكان يصلي الصلوات) (٢) خلف النبي ﷺ فطلب (٣) الدعاء من النبي ﷺ أن يوسِّع الله سبحانه عليه الدنيا، وعاهد الله سبحانه أن يكون في غناه صالحًا متصدقًا، فلما دخلت عليه الدنيا تمكَّن حبها من قلبه؛ فترك ما عاهد الله سبحانه عليه، وطغى في أفعاله وأقواله؛ أما الأفعال: فقلَّت صلواته خلف النبي ﷺ ، ومنع الزكاة ونسي العهد. وأما في أقواله: لما سمع آية الزكاة قال: والله إنْ هي إلا أختُ الجالية (٤). فمات ثعلبة منافقًا، بعد ما كان موافقًا، وذلك في خلافة عمر ﵁. قال الله تعالى في حقه: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ عَاهَدَ اللَّهَ لَئِنْ آَتَانَا مِنْ فَضْلِهِ لَنَصَّدَّقَنَّ وَلَنَكُونَنَّ مِنَ الصَّالِحِينَ (٧٥) فَلَمَّا آَتَاهُمْ مِنْ فَضْلِهِ بَخِلُوا بِهِ وَتَوَلَّوْا وَهُمْ مُعْرِضُونَ (٧٦) فَأَعْقَبَهُمْ نِفَاقًا فِي قُلُوبِهِمْ إِلَى يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ بِمَا أَخْلَفُوا اللَّهَ مَا وَعَدُوهُ وَبِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ﴾ [التوبة: ٧٥ - ٧٧] (٥).

стр. 704

وكذلك دخلت الدنيا على بلعام، وكان راسخًا في العلوم فأطغته الدنيا؛ فمات وهو كافر محروم (١). قال الله تعالى في حقه: ﴿وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ

стр. 705

الَّذِي آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا فَانْسَلَخَ مِنْهَا فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطَانُ فَكَانَ مِنَ الْغَاوِينَ (١٧٥) وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ بِهَا وَلَكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الْأَرْضِ وَاتَّبَعَ هَوَاهُ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِنْ تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَثْ ذَلِكَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا فَاقْصُصِ الْقَصَصَ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ (١٧٦)﴾ [الأعراف: ١٧٥ - ١٧٦]. أي مال إلى الدنيا، (فلما مال إليها) (١) واتبع هواه؛ جعل الله النار مثواه. كانت همته سفلية، ولذلك طلب الأدنى وترك الأعلى، قال المولى الجليل: ﴿أَرَضِيتُمْ بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا مِنَ الْآَخِرَةِ فَمَا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فِي الْآَخِرَةِ إِلَّا قَلِيلٌ﴾ [التوبة: ٣٨]. قيل لعلي بن أبي طالب كرَّم الله وجهه: هل السفلة مذكور في كتاب الله تعالى؟ قال: نعم، مذكور في قوله تعالى: ﴿فَأَعْرِضْ عَنْ مَنْ تَوَلَّى عَنْ ذِكْرِنَا وَلَمْ يُرِدْ إِلَّا الْحَيَاةَ الدُّنْيَا (٢٩)﴾ [النجم: ٢٩] (٢). وكان ﵁ يقول: الدنيا جيفة، من أراد شيئًا منها فليصبر على مزاحمة الكلاب (٣). قال ﷺ لبعض أصحابه: «قليل تؤدي شكره خيرٌ من كثير لا تطيقه» (٤). وقال: «من رضي عن الله بقليل من الرزق؛ ﵁ بقليل من العمل» (٥). وفي حديث آخر: «طوبى لمن كان عيشه كفافًا وقنع» (٦). روى البخاريُّ: أنَّ رجلًا مرَّ على رسول الله ﷺ فقال لرجل عنده
следующие страницы →