← Тараджим

Тараджим · id 30063

البدر السافر عن أنس المسافر

كمال الدين الأدفوي

Полный текст (1 191 стр.). Показаны 1051–1090 · переход к 1056.

стр. 1051

حاوية الحكم والأمثال، سامية على النظائر والأمثال، تضع الهناء مواضع النقب، وترى التيجان فضل البراقع على النقب، على أنها ليست من أرباب الخدور والحجال، ولا من الصور البشرية الحسنة فتذهب بألباب الرجال، لم توصف بفتور الألحاظ، ولا بخنث الألفاظ، ولا بمرض الجفون، ولا بدعج العيون، ولا ببلج الحواجب، ولا ببرق الرواجب، ولا بهيف القد ورشاقته، ولا بشنب الثغر وحلاوة مذاقته، وهي مع ذلك مطلوبة مرموقة محبوبة معشوقة، تُقَدَّم على سائر لذاتها وأترابها، وتفضل على أكثر أشباهها وأضرابها، وقد تنكر لنا تعريفها، واختلف علينا تأليفها وتحيرنا فيها، فنحن في المقعد المقيم، وضللنا عنها، وإنك لتهدي إلى صراط مستقيم، أرشدنا أرشدك الله على ممر السِّنين، ونبئنا بتأويله إنا نراك من المحسنين. وفضائله كثيرة، ومواده في الأدب غزيرة. وتوفي في سنة خمسين وست مئة، وقيل: تسع وأربعين. ٥٣٨ - نصر الله بن عبد الله بن مخلوف بن علي بن عبد القوي بن قلاقس اللخمي الإسكندراني الأعز، الشاعر المشهور (١). كان فاضلًا، صحب الحافظ السلفي، وله فيه قصائد يمدحه بها، وكان الحافظ يثني عليه ويتقاضاه، مدحه ومدح الوزراء والأعيان، وتوجه إلى اليمن، ومدح الوزير هناك.

стр. 1052

وحدث بشيء من شعره؛ سمع منه جماعة، وروى عنه الرئيس أبو الحسن علي بن أبي الفرج الإسكندراني، المنعوت بالموفق. ودخل صقلية، ومدح أبا القاسم ابن الحجر، وصنف كتابًا سماه "الزهر الباسم في أوصاف أبي القاسم" (١). وله "ديوان" شعر (٢)، ومنه قصيدة في الفاضل عبد الرحيم البيساني، أولها: ما ضرَّ ذاك الرِّيم أن لا يريم … لو كان يرثي لسليمٍ سليم وما على من وصله جنَّة … أن لا أرى من صدِّه في جحيم أعندما همت به روضةً … أعلَّ جسمي لأكون النَّسيم رقيمُ خَدٍّ نام عن ساهرٍ … ما أجدر النَّوم يا أهل الرَّقيم وهي مطولةٌ. وله في جارية سوداء قوله: شعر رُبَّ سوداء وهي بيضاء معنىً … نافس المسك عندها الكافورُ مثل حبَّ العيون تحسبه الناس سوادًا وإنما هو نورُ وقال بعض المتأخرين في مدح السواد، هذه الأبيات: يقولونَ سوداء وما أنصفوا … ولو أنصفوا لم يكن بالمعِيب أما حَجرُ الرُّكن خير الحجار … أما المسك أطيبُ من كل طيب أما الليل فيه يزورُ الحبيب … أما فيه تغمض عين الرَّقيب

стр. 1053

ولولا السَّواد وما خصَّه … به الله من كُلِّ معنىً غريب لما كان يسكن وسط العيون … ولاكان يسكن وسط القلوب ولا حسَّن الخال خدَّ الفتاة … ولا حسَّن الخطُّ طرس الأديب ولا ولع النَّاس في علمهم … بمدح الشَّباب وذمِّ المشيب ولد بالإسكندرية، يوم الأربعاء رابع ربيع الآخر، سنة اثنتين وثلاثين وخمس مئة. وتوفي بعيذاب، ثالث شوال سنة سبع وستين منها. ٥٣٩ - نَصِير (١) بن أحمد بن علي المناوي المعروف بالحمَّامي (٢). أديبٌ، ينظم الشعر، والموشح، والزجل. كتب عنه أشياخنا وأصحابنا. أنشدنا شيخنا أثير الدين أبو حيان، أنشدني نصيرٌ لنفسه قوله: لا تفُهْ ما حييتَ إلا بخيرٍ … ليكون الجواب خيرًا لديكا قد سمعت الصَّدى وذاك جمادٌ … كل شيء تقول ردٌّ عليكا وله أيضًا قال: ما زال يسقيني زُلالَ رُضَابه … لما خفيتُ ضنًا وذبتُ توقُّدا ويظنني حيًا رويتُ بريقه … فإذا دعا قلبي يجاوبُه الصَّدى

стр. 1054

وله: ماذا يضرُّكَ لو سمحت بزورةٍ … وشفعتها بمكارم الأخلاق وردعتَ نفسكَ حين تمنعك اللِّقا … وتقول هذا آخرُ العُشَّاق وله أيضًا قوله: إن الغزال الذي هام الفؤاد به … استأنس اليوم عندي بعدما نفرا أظهرتها ظاهريَّات وقد ربضَت … بها أسودٌ رآها الظَّبيُ فانكسرا وله: النِّيلُ قد قال وقوله … إذ قال مِلءَ مسامعي في غيظِ من طلب الغلا … عمَّ البلاد منافعي وعيونهم بعد الوفا … قَلعْتُها بأصابعي وله: سمعت فتى بشطِّ مصر … على دَرجٍ بدا والبعض غارق إذا غطَّى لنا الدَّرج استقمنا … فقلت نعم وتنصلح الدَّقايق وله أيضًا: أقبلُ عذرًا من كلِّ معتذرٍ … وأطلبُ الرِّزق عند باريه ومذ عرفت الحمام ظلتُ فتىً … لطفًا يُداري من لا يداريه أعرفُ حرَّ الأشياء وباردها … وآخذ الماء من مجاريه قال الشيخ تقي الدين ابن دقيق العيد: زاد المناوي على الجزار، قال الجزار: أتى

стр. 1055

بشيء واحد، فقال: يعرف من أين تؤكل الكتف، والمناوي أتى باثنين فقال: أعرف حر الأشياء وباردها وآخذ الماء، البيت. وله أيضًا قوله: لي منزلٌ معروفة … لها انهمالٌ كالسحُب أقبل ذا العُذر به … وأكرم الجار الجنب وله: أقولُ للكأس إذ تبدَّت … كالشَّمس تُجلي بكفِّ أحور أخربَتْ بَيْتي وبيتَ غيري … وأصلُ ذا كعبكَ المدوَّر وله: قالوا افتضحتَ بحبِّه … فأجبتُ لي في ذا اعتذار من لي بكتمان الهوى … وبخده نمَّ العذار وله: أصبحتُ من أغنى الورى وطائرًا بالفرح عنديَ خمرُ ذهبٍ … أكتالهُ بالقدح وله: أتدري ما جرى أم ليس تدري … ببارِحتي ومن أهوى بصدري وبتنا والبخور لنا غطاءٌ … وفرشتُنا عقيقيُّ بدرِّ أقائل بالزَّبيب هناك تينًا … وأعشقُ مالئَ التين المعرّي

стр. 1056

وله: كدتُ أُصْلَى نار حجرٍ … كلما جئت إليه وقد تقَلى اللحمُ فيه … واستوى البيض عليه وله في شخص اسمه عمر على عينه نقطة، قوله: سمّوهُ غمرًا فصحَّفنا اسمه عُمَرا … فأظهر الدَّهر منهُ موضعَ الغلط وأصبحت عينه غينًا بنقطتها … وطالما ارتفع التصحيف بالنُّقَط ذكرهما له صاحب "نسيم البان". وكتب إلى قاضي القضاة تقي الدين القشيري يطلبُ منه كنافةً، فبلغني أنه أرسل إليه عشرين درهمًا، وجعل الأبيات التي نظمها لغزًا، وهي هذه: شعر يا واحدًا في عصره بمصره … ومن له حسنُ السَّناء والسَّنا تعرف لي اسمًا حاز ذوقًا وذكا … حلو المحيَّا والجنان والجنا والحلُّ والعقد له في دسته … ويحبسُ الصَّدر وفي الصدر المنى إن قيل يومًا هل لذاك كنيةٌ … فقل لهم لم يخلُ ذلك من كنى أين لعيني لا لسمعي حلُّ ما … ألغزته لازلتَ محمود الثنا وله موشح، أوله قوله: شعر أنت بما سقيت شاربْ … من رائق كان أو كدرْ سهمك في الغير فيك صائبْ … مالك من نصله مفر ثمار ما قد غرست تجني … وهكذا عادة الزَّمان

стр. 1057

خذ الحديث الصَّحيح مني … كما يَدين الفتى يُدان من بات منه الورى بأمنٍ … بات من النَّاس في أمان والدَّهر بحر له عجائب … وهي خطوبٌ لمن نظر فاطَّرح الغيَّ عنك جانب … وخذ على نفسك الحذرْ يا ذا الذي ظنَّ أنه يصيبنا … بسهمه وهو لا يصابْ أبعدت عن نفسك القريبا … أخطأت في موضع الصَّواب إن قلتَ كن ماجدًا لبيبًا … فكلُّ قولٍ له جواب ما ضاع حقٌّ وراءه طالب … لو جاوز الشمس والقمر وذاكر الناس بالمعايب … يذكر فيه بما ذكر يا باليًا وهو لا يبالي … فهو بميدانه يجول وساكنًا وهو في ارتحالٍ … وكلما قد حوى يحول تسرقُ من عمرك الليالي … كسرقة الرَّاح للعقول بالقوم قد سارت الرَّكائب … وما تجهَّزت للسَّفر ولست تخشى ولا تراقب … يومًا به تظهر العبر وهي طويلةٌ. وأنشدني الشيخ عماد الدين محمد بن حِرْمي الدمياطي، أنشدني النصير لنفسه، قوله هذا الزجل، وهو يقول: ما لهذا اللائم … كم يلُمني مالو كأنَّني أعشقْ حبُّوا … وأزين من مالو المليح معشُوقي … والقطع من مالي

стр. 1058

والذي يعمل بي … في الهوى يَحْلا لي وأيش تريد لوَّامي … وأيش تريد عذَّالي يعذلوا من يسمع … من كلام عذَّالو أنا شيطان عشقي … في المحبَّة مارد وعذولي يضرب في … حديدٍ بارد وأيش يُرِدْني زاهدْ … وأيش يُرِدْني عابدْ خلقَ الله الإنسان … وخلق أعمالو من عَذُول ليس نسمع … من عذول ليس نقبل وعذولي المسكين … في المحبَّة يجهلْ قام في بالو أني … من بكلامه نعملْ وأنا ليس نعمل … ما يقوم في بالُو إنَّ من لا يهوى … إنَّ من لا يعشق الجمل حين يسكت … والحمار حين ينطق والله إني صادق … وقد قلت الحقّ وكثير من قبلي … مثل قولي قالوا ولد بمنية بني خصيب، سنة تسع وست مئة، في ما رأيت بخط بعض أصحابنا. وتوفي بمصر، سنة أربع وسبع مئة ظنًا (١).

стр. 1059

حرف الهاء ٥٤٠ - هارون بن عبد الله بن هارون الإشبيلي، الكاتب الأديب الشاعر (١). ذكره ابن سعيد، وقال: هو من كتاب إشبيلية الذي لم يجهل مكانُهم، ولا صَغُر في هذا الشأن شأنهم، واشتهر بالكتابة عن أبي عمران ابن أبي عبد الله بن يعقوب بن عبد المؤمن، والي بجاية، ثم لما أخذت منه عاد إلى بلده. وكنتُ أجالسه وأستفيد منه، ونقلتُ من خطِّه قصيدةً رثى بها أبا القاسم ابن الرئيس أبي علي ابن خلاص، المستولي على سبتة، وكان ابنه المذكور قد غرق في الغراب الميمون، وكاد أن يخرج الحزن بوالده إلى حد الجنون، وذلك في سنة خمس وأربعين وست مئة، فرثاه هارون بهذه المرثية، وهي من غُرِّ المراثي التي ينبغي للأديب أن يكتبها إن لم يحفظها. وقد أثنى عليها ابن سعيد ثناء جزيلًا، وأتبعها بعد إيداعها في كتابه مدحًا جميلًا، وأولها قوله: شعر هو الرُّزءُ ما أبقى عزاءً ولا صبرا … رمينا من الأيام بالبطشة الكُبرى حقيقٌ علينا أن تسيل نفوسنا … دما في دُموع ساجلتْ مزنُها القطرا وإن تهب الدنيا نضارة عيشها … وإن كان عيشًا لا شهيًّا ولا نضرا وأن نهجر اللذات حتى كأنما … حيينا ولمَّا نعرف الوصل والهجرا أبا قاسم لَهفي عليك وإنني … لفقدك لا أنفكُّ ذا كبدٍ حرَّى (٢)

стр. 1060

ركبتَ سفينًا كان نعشًا فأسرعتْ … بك الرِّيح في الداما (١) توسعك القبْرا فما للرياح الهوج هاجت كأنها … لقبح الذي جاءته طالبةً وِتْرا ولو أنصف الموجُ الذي ماج لم تكن … لتركب في أثباجه مركبًا وعرا ولا اقتاده سمح المقادة لينًا … كأن قد حوى في الطيب أخلاقَك الغرا ولكنَّه لما امتطيت عبابه … مليا بكلِّ المجد ضاق به صدرا فأبدَى ارتجاجًا طال فيه جماحَه … وأبدل عرفًا من خلائقه نكرا تساجلتُما الأهوال ليلكما وقد … ملأَت بما تحويه أحشاءه وغرا تلاطمت الأمواج بينكما معًا … فأغرق بحر زاخرٌ منكما بحرا فأجلى سنا الإصباحِ عن مصرعيكما … ولم تحملا في الحرب بيضًا ولا سمرا فبحر النَّدى تبكي النوادب منكما … وما هي إلا تسعر الأنجم الزُّهرا أيا ليلةً بالنائبات تمخَّضت … وفي أفق الأزراء فجَّرت الفجرا ألا يا غرابًا كان زجرًا من اسمه … اغترابٌ ليوم الحشر لم تكذب الزَّجرا تسمَّيت بالميمون زورًا فليتنا … بلوناك حتى ننظم الخبر الخُبْرا وفي السَّفرة الأولى بلوك فاحمدوا … ولولاه ما كنا نقيم لك العذرا لعَمرك قد حملت مجدًا وسؤددًا … وبَأسًا وجودًا أثقل البطن والظَّهرا ولو أخطأ اليوم افْتَرشنا خدودنا … فسرتُ ولمَّا نعدم البرَّ والبرا

стр. 1061

وكنا نقضِّي من حقوقك واجبًا … وكُنا لذا التشييع نقطعها عشرا ولم يك كالتوديع بالشاطئ الذي … به حيث وادعناكَ واعدتنا الحشرا وفاضتْ دموع غشَّت العين إن ترى … وتلمح من أشراع غُرَّتك البدرا وأعجلنا وشْك الرَّحيل وقد جرت … بك المنشآت وامتطَتْ ثُبُجًا خضرا فكانت ركابًا للمنايا تسابقتْ … وراحت عن الأولى تَخبُّ إلى الأخرى وما كان بين العصر والقسر مهلةٌ … كذا بنت عنه حين وادَعْتَنا عصرا فوا أسفًا إن صار غصنك ذاويًا … وقد كان فينانًا ومشتملا زهرا ووا أسفا إن صار بدرك آفلًا … وغطّ السِّرار البدر لم ينصف الشَّهْرا ووا أسفًا إن أقلعتك يد البلى … ولم تتملَّى من شبيبتك الغمرا رمتك المنايا عن قِسيّ صروفها … فسرعان ما أبقت على غرَّةٍ غِرَّا لتبك البواكي يوم فقدك جهدها … وترسل في ميدانها الشُّهب والشقرا لتبك العوالي والمذاكي وتغتدي … معطَّلة ما أن تباع ولا تشرى لتبك العفاة المرملون ومن نبا … به وطنٌ قد عالج البؤس والفقرا لتبك أُسارى لن تفادى فربما … فككت أسيرًا قد جبرتَ له كسرا عزاء أباه فاحتسبه فإنه … مضى فرطًا برّا وقدَّمته ذخرا رزيت عظيمًا مثل قدرك فاصطبر … فمثل الذي قدَّمت تلق به الأجرا ومثلك من أعطى التجارب حقَّها … وكشف عن مكنون غيب الدُّجى سترا

стр. 1062

ومن خبر الأيام خُبركَ لم يُرَع … فلا حلوها استحلى ولا استقطع المرَّا مضى طاهر الأثواب عمَّا يشينُها … وقد ملأ الفتيان من دنسٍ أُزرا مضى واحدًا في الفضل لم يبق غايةً … من المجد والعليا إلا لها أجرى تولَّى حميد الفعل ما عاش قائمًا … على كل ما يرضاه خالقه برا هنيئًا له الفردوس ينعم كلَّما … شقينا بدارٍ قد أقمنا بها سفرا وما هذه الدُّنيا بدار إقامةٍ … فنكثرُ إعوالًا على أثر من مرا متاع غرورٍ لا يدوم نعيمها … وكلُّ امرئٍ منَّا بذاك قد اغترَّا هل العيش إلا نومةً في جهالةٍ … ويوقظنا موتٌ فنستعظم الأمرا أسيِّدُ سادات الزمان أيا أبا علي … خذ الأولى يد الفضل والأخرى (١) ومنك استفدنا الصبر في كل حادثٍ … فحقّ علينا أن نذكِّرك الصَّبرا ولو كان مما يستطاع دفاعه … لخضنا له الأهوال والمهْمَه القفرا ولكنَّه قد أعجز الخلقَ دفعه … فكلٌّ إلى أحكامه ذلَّ مضطرَّا على أننا نطوي الجوانح والحشا … على كمدٍ ثاوٍ تشبُّ بها جمرا ونستمطرُ الأجفان درَّ سحابها … صباحَ مساءَ فهي تمطره غزرا وحين تخطَّاك الردى ارتدَّ أنسنا … به ولزمنا الحمد لله والشُّكرا ومذ فُديَ الأصل الكريم بفرعه … فقد ساءَنا ريبُ الزمان وقد سرَّا

стр. 1063

أمولايَ إني شاكرٌ لك أنعمًا … تخوَّلنيها كل آونةٍ تترى يجلُّ عن الإحصاء أيسر بعضها … فقد فاقت الإحصاء والعدَّ والحصرا وأيسرها عندي افتكاكي من العِدَى … وكنتُ لها رقًّا فصيَّرني حرَّا وإني لمثنٍ بالذي أنت أهله … وأُهْدي إلى عليائك النظم والنثرا وإنا لنرجوا الله في ما أصابنا … ليجعل بعد العسر أَيَّامَنا يسرا بقيت ملقىً ما تشاء محسَّدا … موقّىً من المحذور لا ترهب الدَّهرا ونمَّ سلام بالرياض تنفَّست … وأهدت إلى دارين من طيّها نشرا قال ابن سعيد: هكذا يكون الكلام، وبمثله تُعزَّى أعلام الأنام، وهذه القصيدة في منزعها وحيدة فريدة، يجب على الأديب أن لا يهملها، ولا يخليها مجموعة ويعقلها، وما أدري هل قائلها بقى حيًا بين الورى، أو استردته التي منها خلق، فأودع بطن الثرى (١). عفا الله عنه، ورحمة الله عليه. ٥٤١ - هبة الله بن جعفر بن سناء الملك محمد بن هبة الله بن محمد السعدي، القاضي السعيد (٢).

стр. 1064

كان فاضلًا، أديبًا، شاعرًا. قرأ القراءات على الشريف أبي الفتوح ناصر بن الحسن الزيدي، وسمع من الحافظ السِّلفي، والعلامة أبي محمد عبد الله بن برى، وأخذ عنه النحو، ولقي العماد الأصبهاني وهو شابٌّ (١)، فلم يمتع العماد فيه. قال ابن الرّبيب: لما اجتمع به كان سنه دون العشرين، وكنتُ بين يدي الفاضل عبد الرحيم، وتأدّب به، واستفاد منه، وفيه يقول: كلُّ فاضلٍ بعد الفاضلِ فضله … وكلٌّ قد عرفَ لهُ فضلَه ثم صار كاتب الجيش، ونفق عند الملك العزيز ابن السلطان صلاح الدين يوسف، ونال من الدنيا جاهًا ووجاهة، وكان مترفِّهًا، متنعِّمًا، متخصِّصًا، اتخذ أمكنةً بمصر، والروضة، والقرافة، وجعل في كل مكان ما يحتاج إليه من فرشٍ وأواني لا تنقل عنه. واختصر كتاب "الحيوان" تصنيف الجاحظ، وسماه: "روح الحيوان"، وجعل لموشحات المغاربة أنموذجًا وترتيبًا، وسماه: "دار الطراز" (٢)، وأودعه من موشحاته أشياء حسنة، وله "ديوان شعر" (٣)، وجمع "رسائل" (٤) دارت بينه وبين الفاضل، وفيها كل معنى بديع. ومن شعره يمدحه، قصيدته التي أولها قوله: شعر ألا فانتبِه من أفقها طلع الفجر … وحاشاك نم من وجهها ضحك الثغرُ

стр. 1065

هو الثَّغر إلا أنَّه الصبح طالعًا … على أنه الكافور لكنَّه الدُّر إذا ابتسمتْ لم تمح للشمس آيةً … ويغتاظ منها الشمس إذ يفرح البدر وما رضيتْ سود الليالي ظفائرًا … عليها ولا أنَّ الهلال لها ظفر قصيرةُ لحظِ الطَّرف من فرط عجبها … وأنضى السُّيوف الهندوانية البَتْر يعانق كفَّيها الخضاب صبابةً … فلا راعني ما راعهُ وهو الهجْر وقد وطئته حين أصبح عاشقًا … كأنَّ وطي عشَّاقها نذر فلا تنكروا منها الخضاب فإنما … هي الغصنُ في أطرافها الورَقُ الخضرُ وهي مطولة جيدة النظم. وله أيضًا قوله: شعر ليل الحمى بات بدري فيك معتنقي … وبات بدركَ مرميًّا على الطُّرُقِ من أجله بات بدر التمِّ في كلفٍ … والظبي في خَنَسٍ والغصنُ في قَلَقِ وله: ولقد ذَوى غصني ووجدي ما ذوى … ولقد بليتُ ضنىً وعشقي ما بلي ومع المشيبِ فبعد عندي صبوةٌ … يبلى القميصُ وفيه عَرف المندلي وله أيضًا: يا عاطل الجيد إلا من محاسنه … عطَّلت فيك الحشا إلا من الحزنِ في سلك جسمي درُّ الدَّمع منتظمٌ … فهل لجيدك في عقدٍ بلا ثمن لا تخشَ منِّي فإني كالنسيم ضنىً … وما النَّسيم بمخشيٍ على الغصن

стр. 1066

وله من قصيدة يمدح بها القاضي الفاضل عبد الرحيم، أولها قوله: شعر نعم هي سعدى وهي لي قمرٌ يبدو … وصالٌ ولا هجرٌ وقربٌ ولا بعدُ يعانقها من دوني العقد حاليًا … فما ضرّها لو أنني ذلك العقدُ ولو أبصر النّظام جوهر ثغرها … لما شك فيه أنَّه الجوهر الفردُ ومن قال إن الخيزرانة قدُّها … فقولوا له إياك أن يسمع القدُّ وله: خاصمني من سكتُّ عنه … فظنَّ أن ليس لي لسانُ فقلت ما أنت لي بخصمٍ … وإنما خصمي الزَّمان وله: عدَّ عني فلستَ من أربي … كان هذا حين كنتَ صبي وجنةٌ كانت أبا لهب … فغدت حمالة الحطب وله: سمعت حديثًا ليتني لا سمعتهُ … فعندي منهُ مقعدٌ ومقيمُ بأن الحكيم الآن قد هجر الطّلا … وتاب فقلنا ما الحكيمُ حكيم وكم من يدٍ عند الحكيم لكأسها … غدت ولها فضلٌ عليه عظيم أنامَتْ له ما لا ينام وربَّما … أقامت له ما لا يكادُ يقوم على الكَوب من بعد الحكيم كآبة … وللجام من بعد الحكيم وجومُ

стр. 1067

ومن بعده زوجُ الخلاعة طالقٌ … ومن بعده أمُّ السرور عقيم وضمَّنني إبليس حين عتبته … بأن قال هذا الأمر ليس يدومُ إذا ما انقضى شهر الصيام فإنَّني … بتحليل ناموس الحكيم زعيمُ وله نثر بديع، وأدب يرتاح إليه كلُّ ظريف وخليع. ومولده بمصر، في سنة خمس وأربعين وخمس مئة، في ما ذكره المنذري (١). وتوفي بها، في العشر الأول من شهر رمضان، سنة ثمان وست مئة، عفا الله عنه، ورحمة الله عليه. ٥٤٢ - هبة الله بن علي بن إبراهيم بن محمد بن الحسين الشيرازي القاضي، أبو المعالي (٢). تولَّى القضاء بكرمان. وكان من المشهورين بالفضل، والعلم، والفقه، وأملى عدة مجالس بكرمان. وكان أديبًا شاعرًا، وسُمِّي زين المحققين وسيد الخطباء. وكان حسن العقيدة. سمع أبا الفوارس عبد الوارث بن أحمد بن عبد الرحمن الشيرازي، وأبا عبد الله أحمد بن أحمد بن سليمان الواسطي، وخلائق. وحدَّث؛ روى عنه عبد الخالق بن أحمد البوشنجي، وأبو العلاء أحمد بن محمد بن الفضل الحافظ، وغيرهم. وله نظم، منه قوله أيضًا: شعر

стр. 1068

أحْسِن إلى أناسٍ قد أنِسْنا … بقربهم زمانًا ثُمَّ غابوا ونعلم أنَّنا لا بدَّ يومًا … نتابعهم فيجمعنا التراب وقال ابنه أبو طاهر محمود: أنشدني والدي لنفسه قوله: شعر ومذ أفلحَ الجُهَّال أيقنتُ أنَّني … أنا الميم والأيام أفلح أعلمُ وأخَّرني دهري وقدَّم معشرًا … بأنهم لا يعلمونَ وأعلمُ وعزمي أن أنسى علوميَ كلَّها … لعلَّ زماني عند ذلك يرحمُ وأن أدّعي الجهل الذي هو سُلَّمٌ … إلى سلم هذا الدَّهر فالسِّلم أسلمُ وكان بعض أصحابنا قد أنشدنا البيت الأول، وقال: لا أعرف له أولًا ولا ثانيًا، قال: فنظمت أنا هذه الأبيات: شعر تأخَّرتُ لما أن تقدم جاهلٌ … وإنّي لمثلي في الزَّمان التقدُّمُ وعندي من الآداب والعلم والحجى … لطائفُ يلقى رقمها وهو معلمُ لذلك عاداني الزَّمان فكلما … دنوت من العلياءِ أُقْصى وأُحْرم ولما رأيت الجهل قد ساد أهله … ويعزى إلى العلمِ امرؤٌ ليسَ يعلم ولا تنطقُ الأيام باسمي لأنَّها … ترى من عماها أنَّ ذكري محرَّم تذكَّرت بيتًا قاله قبلُ فاضلٌ … جليًّا ومعناه خفيٌّ ومبهمُ ومذ أفلح الجُهَّال البيت المذكور. ولأبي المعالي أيضًا قوله: رواةُ أحاديثِ الرّسول عصابة … بهم يَثْبُتُ الإسلام والدّين والدّنيا

стр. 1069

فلولاهم لم يبدُ للدِّينِ منصبٌ … ولم يكُ بينَ النّاس حُكْمٌ ولا فُتْيَا توفي سنة عشرين وخمس مئة، عفا الله عنه، ورحمة الله عليه. ٥٤٣ - هبة الله بن علي بن محمد بن حمزة الشريف، أبو السعادات ابن الشَّجَري البغدادي، النحوي الأديب اللغوي (١). سمع الحديث من أبي الحسين المبارك بن عبد الجبار، وأبي علي محمد بن سعيد بن نبهان، وغيره. وحدَّث؛ سمع منه ابن السمعاني، وغيره. وكان وقورًا في مجلسه، ذا سمتٍ، لا يتكلم في مجلسه إلا بما يتضمَّن فائدة من أدب نفسٍ أو أدب درسٍ. وصنف في النحو تصانيف، وصنف في غيره، منها: "الأمالي" (٢)، أملاه في أربعة وثمانين مجلسًا، وختمه بمجلس فيه أبيات من شعر المتنبي، ذكر فيها ما ذكره الشُّرَّاح، وزاد هو من عنده أشياء. وحضر إليه ابن الخشاب ليَسْمعه منه، فلم يُجبْهُ، فنظر فيه، وردَّ عليه، ووقف ابن

стр. 1070

الشجري على ردِّه، وردَّ عليه، وجمع في الرد عليه كتابًا سماه: "الانتصار"، وأسمعه، وعمل "حماسة" (١) ضاهى بها حماسة أبي تمام. وله نظم غير طائل، من جيده قوله: شعر هل الوجد خافٍ والدُّموع شُهودُ … وهل يكذبنَ قولَ الوُشاة جحودُ وحتَّى متى تفنى شؤونك بالبكا … وقد خدَّ خدًا بالبُكَاء لبيدُ وإني وإن أحنت قَناتي كبره … لذُو مِرَّةٍ في النَّائبات جليدُ ومدح الوزير نظام الدين بقصيدة أولها قوله: شعر هذي السَّديرة والغديرُ الطَّافح … فأحفظ فؤادك إنَّني لك ناصحُ يا سِدْرةَ الوادي الذي إن ضلَّه السَّاري هداه نشرهُ المتفاوِحُ هل عائد قبلَ الممات لمغرمٍ … عيشٍ تقضَّى في ظلالك صالحُ أبياتًا كثيرة من هذا النمط. ولما وقف على شعره الأديب الشاعر أبو الحسن أحمد بن محمد بن جُكينا البغدادي، نظم فيه قوله: يا سيِّدي والذي يُعيذُك من … نظمِ قَريضٍ يَصْدا به الفِكرُ ما فيكَ من جدِّكَ النبيِّ سوى … أنَّك لا ينبغي لك الشِّعْرُ ولد ﵀ سنة خمسين وأربع مئة. وتوفي يوم الخميس، سادس عشرين شهر رمضان، سنة اثنتين وأربعين وخمس مئة.

стр. 1071

والشَّجَري: نسبة إلى شجرة؛ قرية من أعمال المدينة النبوية، وإلى شخص يسمى شجرة، فيجوز أن يكون من الأول أو من الثاني، رحمة الله عليه. ٥٤٤ - هشام بن أحمد بن خالد بن سعيد الطليطلي، يكنى بأبي الوليد، ويعرف بالوَقَّشِي (١). كان إمامًا بارعًا، نحويًا. ذكره ابن بشكوال، وقال: أخذ العلم عن أبي عمر الطَّلَمنْكي، وأبي محمد ابن عباس الخطيب، وأبي عمرو السفاقسي، وأبي عمر الحذاء، وغيرهم. قال: وقال القاضي صاعد بن أحمد: إنه أَحد رجال الكمال في زمنه، باحتوائه على فنون المعارف، وجمعه لكلمات العلوم، وهو أعلمُ الناس بالنحو، واللغة، ومعاني الأشعار، والعروض، وصناعة البلاغة، بليغٌ مجيدٌ، شاعرٌ متقدمٌ، حافظٌ للسُّنن وأسماء نقلة الأخبار، بصير بأصول الاعتقادات وأصول الفقه، واقفٌ على كثير من فتاوى فقهاء الأمصار، نافذٌ في علم الشروط والفرائض، متحقِّقٌ بعلم الحساب والهندسة، مشرفٌ على جميع آراء الحكماء، حسنُ النقد للمذاهب، ثاقبُ الذهن في تمييز الصواب، ويجمع إلى ذلك آداب الأخلاق، مع حسن المعاشرة، ولين الكنف، وصدق اللَّهجة. وقال أبو بكر ابن عبد الباقي الحجاري: كان شيخنا أبو محمد الريوالي يقول فيه: والله ما أقول فيه إلا كما قال الشاعر:

стр. 1072

وكان من العُلومِ بحيث يُقْضَى … لي من كلِّ علمٍ بالجميعِ قال: وأخبرنا عنه من شيوخنا أبو بحر الأسدي، وكان مختصًا به، وكان يُعظِّمه على من لقيه، ويصفه بالتبحُّر في العلوم، وقد نُسِب إليه أشياء؛ الله أعلمُ بحقيقتها ومُسائلهُ عنها ومجازيه بها. قال: وقرأت بخطِّ عتيق بن عبد الحميد المقرئ أنه توفي بدانية يوم الاثنين، ودفن يوم الثلاثاء لليلة بقيت من جمادى الآخرة، من سنة تسع وثمانين وأربع مئة، ومولده سنة ثمانٍ (١)، رحمة الله عليه. ٥٤٥ - الهيثم بن أحمد بن جعفر بن الهيثم الإشبيلي، يكنى أبا المتوكل (٢). ذكره ابن سعيد، فقال: هو بدر الحلك، ونادرة الفلك، والبحر الزاخر في الرواية، والرَّوضُ النَّاضر في المعرفة والدراية، وإن أخذ في الإيراد، فكأنَّما رَدَّ الحياة إلى جماد، فارسُ ميدان الارتجال، في أي نوع طُلب من الموشحات والأشعار والأزجال. قال: وعهدي به عند والدي، وهو يُملي على شخص قصيدة، وعلى آخر موشحة، وعلى آخر رسالة. وسأله والدي يومًا عن لفظة، فنقلها من الغريب المصنف، فاعترضه من قصَّر بنفسه واستهدف، فأخذ يسرد الكتاب إلى أن وقف عند تلك اللفظة. وبات ليلة في سماع، فابتدأ المنشدُ بقصيدة على حرف القاف، فقال له شخصٌ؛ بعض من لا يعرف حفظه: أراك تذكر هذه الأبيات! فضحك، وجعل ينشدهم من حفظه على حرف القاف إلى أن طلع الصباح.

стр. 1073

وكان لا يزال يحضر مجالس الكبراء والأشراف، فيحملونه على علاته كما يشم الورد في شجراته. ثم إنه خرج في حصار الباجي وشدة ذلك الغلاء إلى جهة شريش، فاتُّهم بذهبٍ، فقُتِل عليه شرَّ قتلة، وهيهات أن يخلّف الزمان مثله (١). وأورد من شعره قوله: يُجفَى الفقيرُ وتَغشى الناس قاطبةً … بابَ الغنيِّ كذا حكم المقادير وإنما الناسُ أمثالُ الفراش فهُم … بحيثُ تُلْقى مصابيحُ الدَّنانير وقوله أيضًا: لله حِمْص أيما بلدةٍ … لو أنَّها يأمنُ من فيها طاف بها والرِّيح روحٌ لهُ … فابتلعَ الأرضَ ومن فيها (٢) ولد في حدود الخمسين وخمس مئة. وتوفي سنة إحدى وثلاثين، وقيل ثلاثين وست مئة.

стр. 1074

حرف الواو ٥٤٦ - وادع بن عبد الله القاضي، أبو مسلم، ابن اخي أبي العلاء (١). كان فاضلًا أديبًا. ذكره الفقيه العالم أبو عبد الله محمد بن عبد الرحمن بن محمد المسعودي، وأثنى على أدبه ومعرفته. وأورد من شعره قوله هذه الأبيات: وقفنا وقد غاب المراقب وقفةً … أمنا بها أن يفتك السُّخط بالرِّضى على خلوةٍ لم يجر فيها تنغُّصٌ … بها عادَ وجهُ الليل عندي أبيضا تُعيدُ حديثًا لا يملُّ كأنَّه … حياةٌ أُعيدت في امرئٍ بعدما قَضى وله أيضًا قوله: رضيتُ به مولىً على كُرهِ فعله … وإن كان لا يرضَى بكوني عبده وملَّكتهُ قلبي لأحفظَ وُدَّه … فخانَ ولم يحفظْ لقَلبي عهده سأصبرُ حتَّى يحكُمَ الله بيننا … وينجُز من مستعملِ الصَّبر وعده

стр. 1075

حرف الياء ٥٤٧ - الياس بن علي، المعروف بابن الصفار (١). فاضلٌ. روى عنه من شعره أبو الطاهر إسماعيل بن عبد الرحمن بن يحيى العثماني الديباجي. وقال: أنشدني قوله: شعر يا للهوى إنَّ قلبي في يدي رشإٍ … مُزنَّر الخصر يَسْبي الخلق بالحدَقِ مستعربٍ من بني الأتراك ما تركت … لحاظُه في الهوى منِّي سوى رمق سألته قُبلةً أشفي الغليل بها … يومًا وقد زرفن الأصداغ بالحلَق فصدَّ عنِّي بوجهٍ معرضٍ نثرت … يد الحياءِ عليه لؤلؤ العرقِ فصحت من نار وجدي نحو من عذلوا … فيه وقلبي حليف الفكر والقلقِ قُومُوا انظروا ويحكم شمس النَّهار فقد … ألقَت عليها الليالي أنجُمَ الأفُقِ ٥٤٨ - ياقوت بن عبد الله الرومي، يكنى أبا الدرّ (٢). الكاتب، الأديب، الشاعر، المتأخر (٣).

стр. 1076

كتب طريقة ابن البواب وأجاد فيها، ثم اقترح طريقةً. وكتب عليه الأعيان والفضلاء. وكان عارفًا باللغة والنحو، وكان حسن الأخلاق، خفيف الروح، كريمًا. وله شعر جيد، حدث بشيء منه، روى عنه منه ابن الفُوطِي، ومحمد بن عبد الرحمان ابن شامة، وأبو العباس أحمد بن محمد البغداديون. هكذا ترجمه لي صاحبنا المحدث الرحال نجم الدين سعيد الذُّهلي. وأورد من شعره قوله: شعر صدَّقتم فيَّ الوشاة وقد مضى … في حُبّكم عُمري وفي تكذيبها وزعمتُم أنّي مللتُ حديثكم … من ذا يملُّ من الحياة وطيبها وقوله أيضًا: وعَدتْ أن تزور ليلًا فألوت … وأتت في النَّهار تسحبُ ذيلًا قلتُ هلَّا صدقت في الوعد قالت … كيف صدَّقت أن ترى الشَّمس ليلًا وقوله أيضًا: لم يبقَ لي في الحياة من أربٍ … سوى حديثي بكُم أكرِّره يلتذُّ سمعي برجعه وفمي … بذكره والفؤادُ يؤثره وليس لي مونسٌ سوى سكنٍ … يخبرني عنكمُ وأُخبره وقوله: وما الصَّبرُ بالمشتاقِ عمَّن يحبُّه … وإن ساءَه منه الخلائقُ لائقُ فيا فرقة الأحبابِ لولاكِ لم يذبْ … فؤادي ولا شابت لِصبٍّ مفارقُ

стр. 1077

أمنتُ الجوى والبينَ بعد فراقه … فلست أبالي بعده من أفارقُ وأنكحتُ أجفاني السُّهادَ لبعده … وقلتُ لنومي بعده أنتَ طالقُ وقوله: تُجدِّدُ الشَّمس شوقي كُلَّما طلعتْ … إلى محيَّاك يا سمعي ويا بصري وأسهرُ الليل ذا أنسٍ بوحشته … إذ طيبُ ذكرك في ظلمائه سمري وكلَّ يومٍ مضى لي لا أراك به … فلستُ محتسبًا ماضيه من عُمري ليلي نهارٌ إذا ما درت في خلدي … لأن ذكرك نورُ القلبِ والبصر قال البرزالي: توفي سنة ثمان وتسعين وست مئة (١)، رحمة الله عليه. ٥٤٩ - يحيى بن سلامة بن الحسين بن محمد الحصكفي. نسبة إلى حصن كيفا، فإنه نشأ بها، ومولده بطَنْزَة؛ بليدة صغيرة بديار بكر. وينعت بالمعين، ويعرف بالخطيب (٢). هو الفقيه الشافعي، الأديب. دخل بغداد، فقرأ الأدب على الخطيب التبريزي، وبرع فيه، وتفقَّه بها، وأجاد في

стр. 1078

الفقه، ثم رجع إلى بلاده، ونزل ميَّافارقين، واستوطنها، وتولى الخطابة بها، وصار إليه أمرُ الفتوى، واشتغل النّاس عليه، وانتفعوا بصحبته. وله خطبٌ، ورسائلٌ (١)، وتصانيف في فنون، منها: كتابه المسمى بـ "عمدة الاقتصاد في النحو"، وكان يتغالى في التشيُّع (٢). وقد ذكره العماد في "الخريدة"، فقال: كان علَّامة الزمان في علمه، ومعرّي العصر في نثره ونظمه، وله الترصيع البديع، والتجنيس النفيس، والتطبيق والتحقيق، واللفظ الجزل الرقيق، والمعنى السهل العميق، والتقسيم المستقيم، والفضل السائر المقيم (٣). وعَدَّد محاسنه، وأورد من نظمه قوله: شعر وخليعٍ بتّ أعْذُلُهُ … ويرى عَذْلي من العبث قلتُ إنَّ الخمر مخبثةٌ … قال حاشاها من الخبث قلتُ فالإرفاث تتبعها … قال طيبُ العيش في الرَّفث قلت منها القيء قال أجل … شُرِّفت عن مخرج الخبث وسأسلوها فقلتُ متى … قال عند الكون في الجَدَث

стр. 1079

وقوله: أشكو إلى الله من نارين واحدةٌ … في وجنتيه وأخرى منه في كبدي ومن سقامين سقمٌ قد أحلَّ دمي … من الجفون وسقمٌ حلَّ في جسدي ومن نمومَيْن دمعي حين أذكره … يُذيعُ سرِّي وواشٍ منه بالرَّصد ومن ضعيفين صبري حين أندبه … وودُّه وتراه الناس طوعَ يدي مهفهفٌ رقَّ حتى قلت من عجبٍ … أخْصَرُه خِنْصَري أم جلده جَلَدي (١) وأنشد له ابن المسعودي قوله أيضًا: شعر وفي الكُتب نحوي من يعزُّ جواره … وتقريب من لم يدنُ منه مزارُ فلا تخلني منها فإنَّ ورُودها … لعيني وقلبي قرَّة وقرارُ وقوله: أقولُ وربَّما نفع المقالُ … إليك سُهيل إذْ طلع الهلالُ تُكاثِرني بآلات المعالي … وكيف يكاثُر البحرَ الهلالُ أتطمعُ أن تنالَ المجْد قبلي … وأنَّى يسبق النُّجُب الهلالُ وتبسم حين تبصرني نفاقًا … وشخصي من حوائجك الهلال وتبطن شرَّةً في لين مسٍّ … كما لانت مع الَّلمس الهلال وينتظرُ الدَّوائر بي ولكن … عليك تدورُ بالشرِّ الهلالُ كأنَّ وجوههم في ذلِّ مثوىً … وفرط صلابةٍ فيها الهلال

стр. 1080

وأعراضًا أذيلت للأهَاجي … كما يبدو على القدم الهلال وأعجبُ كيف يلزمكم كتابٌ … وأعقلُ من لبيبكمُ الهلال وقوله: تباشَروا بهلال الفِطْر حين بدا … وما أقامَ سوى أن لاح ثم غدا كالحِبِّ أوعدَ وصلًا وهو محتجبٌ … فحين بانَ تقاضوهُ فقال غدا وقوله: سألتهُ اللَّثم يوم البين فالتثما … وصدَّه التِّيهُ أن يُثني إليَّ فما فكيف أطلب حفظ الودِّ من صَلِفٍ … سألته قبلةً يوم الوداعِ فما ولد في حدود ستين وأربع مئة. وتوفي سنة إحدى، وقيل: ثلاث وخمسين (١)، وقيل: أربع، بمَيَّافارقين، عفا الله عنه. ٥٥٠ - يحى بن شرف بن مُرّي بن حسن بن حسين النووي، ينعت بالمحيي (٢). الفقيه الشافعي، الزاهد الورع. سمع الحديث من جمع كبير، منهم العلامة أبو الفرَج عبد الرحمن بن أبي عمر الحنبلي،

стр. 1081

والزين خالد بن يوسف، وأبو إسحاق إبراهيم بن أبي اليسر، وابن عبد الدائم، والبكري. وتفقَّه على إسحاق بن أحمد المقدسي، وأبي حفص عمر بن أسعد الإربلي، وأبي الحسن سلار بن الحسن، وغيرهم. وكان يأخذ كل يوم خمسة عشر درسًا في حديثٍ، وفقهٍ، ونحوٍ، وأصولٍ، وغير ذلك. قرأ أصول الفقه على جماعة، منهم: الكمال عمر التفليسي، وقرأ اللغة والنحو والتصريف على الفخر المالقي، وابن مالك. وكان حافظًا للمذهب؛ فأخبرني صاحبنا الثقة أبو العباس أحمد بن الفرات، عن قاضي القضاة ابن الحريري الحنفي، أن النووي نوزع في نقلٍ مرة نقله من الوسيط، فقال: ينازعوني في الوسيط وقد طالعته أربع مئة مرة. وصنَّف تصانيف مفيدة، حصل النفع بها، منها: "الروضة" (١)، و"المنهاج" (٢)، و"التحقيق" (٣) ولم يكمله، و"شرحًا للمهذب" (٤)، و"للتنبيه"، ولم يكملا، واختصر "صحيح مسلم" (٥)، وشرَحه (٦)، وله كتاب "تهذيب الأسماء واللغات" (٧)، و"تصحيح

стр. 1082

التنبيه" (١)، و"تحريره" (٢)، و"قطعة من شرح الوسيط" (٣)، و"إشكالات عليه"، و"إشكالات على المهذب"، وكتاب "الأذكار" (٤)، و"رياض الصالحين" (٥)، و"التبيان في آداب حملة القرآن" (٦)، و"قطعة من شرح البخاري" (٧). وغير ذلك، كلُّ ذلك في زمن يسيرٍ، وعُمر قصير. وكان متقلِّلًا في المأكل والملبس، متشدِّدًا في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر؛ ولما ورد السلطان الملك الظاهر بيبرس إلى دمشق، بعد أن قاتلوا التتار ونزحوا عن البلاد، وولي وكالة بيت المال شخصٌ من الحنفية، وقال: إن هذه الأملاك التي بدمشق، كان التتار قد استولوا عليها فملكوها على مقتضى مذهب أبي حنيفة، فوضع السلطان يده عليها، فقام جماعة من أهل العلم في ذلك، وكان منهم الشيخ محيي الدين، وكلّم السلطان في ذلك كلامًا فيه غِلْظة، فظن السلطان أن له مناصب يعزله منها، فقيل له حاله وما هو عليه من الزهد، ووافقه في القيام قاضي القضاة ابن عطاء الحنفي، وحصل بذاك بقاء الأملاك لملَّاكها. وكان كثير العبادة؛ حكى لي قاضي القضاة بدر الدين ابن جماعة أنه سأله عن نومه، فقال: إذا غلبني النَّوم استندتُ إلى الكتب لحظةً وأنتبه.

стр. 1083

وحكى لي أيضًا أنه كان إذا أتى إليه يزوره، يضع بعض الكتب على بعض ليوسع له مكانًا يجلس فيه. وكان لا يجمع بين إدامين، ولا يأكل اللحم إلا عندما يتوجَّه إلى نوى. وحَكى عنه قاضي القضاة جمال الدين سليمان الزُّرَعي أنه كان يتردد إليه وهو شابٌّ، قال: فجئت إليه في يوم عيدٍ، فوجدته يأكل حريرة مُدَخَّنة، فقال لي: سليمان كُل، فلم يطب له، فقام أخوه وتوجه إلى السوق، وأحضر شوي وحلوى، وقال له: كل، فلم يأكل، فقال: يا أخي، هذا حرام؟ فقال: لا، ولكنه طعام الجبابرة. ودارت عليه الفتوى بدمشق، وجُمعت فتاويه (١) في مجلدة لطيفة، ونفع الله به وبتصانيفه. وجُمعَت له "ترجمة" (٢)، جمعها تلميذه علاء الدين ابن العطار، ذكر فيها من مناقبه وكراماته أشياء كثيرة، ومآثر غزيرة، ومضى على جميل وسداد. شعر فيه قوله: ومضى وما كُتِبتْ عليه خطيئةٌ … في ما نظُنُّ ولا ألَمَّ بمُنْكر ومولده في العشر الأوسط من شهر المحرم، سنة إحدى وثلاثين وست مئة بنوى. وتوفي ليلة الأربعاء، رابع عشرين رجب، سنة ست وسبعين. كان قد مرض بدمشق، فخرج إلى نوى، وخرج الناس لوداعه باكين عليه، فتوفي ببلده. ورثاه جماعة، منهم: ابن الطحان، والعفيف التلمساني، والبدر المنبجي، وابن مصعب بقصائد بلغت ست مئة بيت.

стр. 1084

وكان فقدُهُ من أعظم المصائب، وعدمه بليَّة رمت العباد بسهم من البلاء صائب، ﵀ ونفعنا ببركته، وحشرنا معه في آخرته في دار كرامته. ٥٥١ - يحيى بن عبد الجليل بن سهل اليكّي (١). نزيل فاس، أديب شاعر. ذكره البياسي في "حماسته"، وقال: غلب عليه الهجو، فلما كان في آخر عمره أقلع عنه، فقلق لذلك المستحسنون له، فجعلوا يهجونه ليحركوه، فنظم قوله: شعر سألتكم بالله كُفُّوا عن الخنى … فإنَّ يَدي مكفوفة ولساني أنا مسلمٌ لا أرتَضِي ضُرَّ مسلمٍ … كفاني ما أذنبتُ قبلُ كفاني وإن الثَّمانين التي قد بلغتها … أرتني ما بين القُبُور مكاني وله من قصيدة يمدح بها عبد المؤمن بن علي، أولها قوله: شعر لعبد المؤمن الملك … يدور السَّعد في الفلك فيَمِّمْهُ تجد ملكًا … عليه سيمةُ الملك توفي في حدود الستين وخمس مئة، عفا الله عنه، ورحمة الله عليه. ٥٥٢ - يحيى بن عبد العظيم بن يحيى بن محمد الأنصاري المصري، المكنى بأبي الحسين الشهير بالجزار (٢).

стр. 1085

كان أديب مصر في وقته، وشاعرها المشهور. وكان هو والورَّاق في وقتهما يشبّهان بجرير والفرزدق، والجزَّار أجزل شعرًا من الورّاق. وله حكايات وطرف، وله "ديوان" شعر (١) في ثلاث مجلدات، وحدث بشيء منه. روى عنه من شعره العلماء والأدباء، منهم الشيخ الإمام قاضي القضاة أبو الفتح محمد بن علي القشيري، وأشياخنا أبو عبد الله محمد بن أحمد الشهير بابن القماح، وأبو حيان محمد بن يوسف الأندلسي، وروى عنه الأديب الفاضل المؤرخ أبو الحسن علي بن موسى بن سعيد الأندلسي، وخلائق. وتأدَّب على الزكي ابن أبي الإصبع. ومدح الملوك، والوزراء، والقضاة، ومشايخ التصوف، وغيرهم. قال لي شيخنا أثير الدين: لما قدمتُ ديار مصر في سنة تسع وسبعين وست مئة، قال لي الشيخ الرضي الشاطبي: اكتُبْ عن الجزَّار؛ فإنه أديب مصر. فأنشدني لنفسه قوله: شعر من مُنصفي من مَعشرٍ … كثروا عليَّ وكثَّروا صادقتهم وأرى الخروج من الصَّدَاقة يعسرُ كالخَطّ يثبت في الطُّروس ومحوه متعذِّر

стр. 1086

وإذا أردت كشطته … لكنَّ ذاك يؤثّر ومدح الملك العادل أبا بكر ابن الملك الكامل محمد بقصيدة أولها قوله: شعر/ إذا لم تُقِم عذري ولم تكُ مُسْعدي … فكن في الهوى العُذْري غير مفنِّد ويكفيك مني أنني بت ذا جوىً … يُذيبُ الحشا شوقًا وطرْف مسهَّدي دَع اللَّوم أو لُمني فلست بسامعٍ … لقد ضلَّ من أمسى بنُصحك يهتدي فما الحبُّ إلا أن أموت صبابةً … بليلَى ولم أمدد إلى غيرها يدي تعودتُ ذُلِّي في هواها لعلَّه … عزيزٌ على الإنسان ما لم يعوَّد منها: فَقُل للذي قد شكَّ في الحقِّ إنَّنا … أطعْنا أبا بكرٍ بأمر محمَّد وله: سرى في دُجىً من شعره فحكى البدْرا … وأبدى لنا من ثغره الأنجُم الزُّهرا وحيَّا بكأسٍ فعلها مثل جفنه … غلطتُ ومن للخمر أن تُشْبِه السِّحرا بعيشِك عطل هذه الرَّاح واسقنا … بعينيكَ ما يغتالُ ألبابنا سُكْرا أدِرْ خمرةَ الألحاظِ فينا لأنَّها … بتأثيرها في العقل من أختها أدرى قصيدة طويلة. وله من قصيدة مطولة أيضًا، أولها قوله: شعر أقبلَ مثل البدر في تمامه … تحفُّه الهالة من لثامه ومزَّقتْ أنواره ثوبَ الدُّجى … مذ أطلعَ الأنجمَ بابتسامهِ

стр. 1087

أصمى قُلوب العاشقينَ طرفه … ظلمًا بما فوَّق من سهامه يا جفنه رفقًا بصبٍّ مدنفٍ … سقمكَ أضحى الأصل في سقامه وأنتِ يا أعطافه هل عطفةٌ … على مشُوق القلب مستهامه من لي بمن في خدِّه ماء الحيا … فوق لهيبٍ دام في اضطرامه كم ليلةٍ أسكرني بريقه … أغنت بكأس الثغر عن مدامه وبتُّ لا أفرقُ من حرَّاسه … إذ فرقُهُ أبدى دُجى ظلامِه وبيننا طيبُ عناقٍ طالما … ألزمني شَوقيَ بالتزامهِ هذا هو العيش الذي وددتُ … إن ساعَدني الدَّهر على دوامه تلك ليالٍ بل لآلٍ أشرقت … جيدُ زمانٍ كنَّ في نظامه وله: لا تسألنْ في الحبِّ عن أشجانهِ … فشأنه مخبِّرٌ عن شانِه وإن يكن ما فاهَ بالشكوى فقد … أغنى لسان الدمع عن لسانه يا عاذِل المشتاق في أمر الهوى … دعه فليس الصَّبرُ في إمكانه فارقَ من يوم الفراق قلبهُ … فليتَ لو عاد إلى أوطانه أطنبَ لما أن رأى رسمًا عفا … أنكر ما قد كان من عرفانهِ صبٌّ بغزلانِ النَّقا وكلُّ من … حلَّ النَّقا يصبو إلى غزلانه ما أنْ لهُ من مشبهٍ في حسنه … ولا لصدرِ الدِّين في إحسانه وخرج إلى المدح. وقال يمدح الأمير سيف الدين قليج قصيدة، أولها قوله: شعر

стр. 1088

قضى حبُّهُ أن لا تطاع عواذلهُ .... وهل يرْعَوي للعذل والحبُّ شاغله محبٌّ يحل الوجد عقدُ اصطباره … إذ البين شُدَّت للفراق رواحله أأحبابنا إن ألَّف الدَّهر شملنا … تحلَّى بلقياكم من العيش عاطله نأيتُم فلولا ما تقربه المنى … لقلبي عليكم ما استقرَّت بلابله وأهيفُ يحكي الغُصْنَ لين قوامه … وتفعل أفعالُ الشَّمول شمائله يلينُ إلى أن يجرح الوهم جسمه … وتعرقُ في ماءِ النَّعيم غلائله إذا ما بَدَا من شعره في ذوائبٍ … رأيتُ غزالًا لم ترعْهُ حبائله رَنا فانثَنى من لحظ عينيه صارمٌ … عذاراه عند النَّاظرين حمائله رماني فأصْمَى نبلُ عينيه مُقْتلي … فرقُّوا لصبٍّ قد أصيبَت مقاتله وقدم إلى قنا من مدن قوص، ومدح بها الشيخ العارف أبا يحيى ابن شافع، بقصيدة مطولة، وهي هذه، أولها قوله: شعر دَعْنِي فما نُصحك لي بنافعي … أمرتَ بالسّلوان غير طائع خلِّ ملامي في الهوى فإنَّني … لستُ لما تقولُه بسامع أستودعُ الله الذي أودعتهُ … قلبي وإن فرَّط في الودائع أودعني يوم الفراق لوعةً … تضرمُ نار الوجد في أضالعِي تُرى متى يرجع لي عيش مضى … هيهات ماعيش مضى براجع يا زمني بالخيف لم يُبق المنى … بعدكَ للنَّفس سوى المطامع ما زار طَرْفي طيْفَ جيران الحمى … وهل يزورُ الطَّيف غيرَ هَاجِع مالي وللأيام ما رُمتُ بها … قَصْدي إلا عرَّضت بمانع

стр. 1089

كأنَّها ما علمت بأنَّني … أرجو الغنى بهمَّة ابن شافع وكان الشَّافع له الفاضل الرئيس ضياء الدين أبو العباس أحمد ابن القرطبي، فقال منها: يا مالكي أنتَ أماني في الورى … وليس يخفى عنكَ قدر الشافعي وقدم مدينة قوص، وكان الشيخ تقي الدين القشيري خطيبًا بها، فسمع خطبته، فمدحه بأبيات هي قوله: شعر يا سيِّد العلماء والأدباء … والخطباء والحفَّاظِ شنَّفْتَ أسماع الأنام بخطبةٍ .... كَسَت المعاني رونقَ الألفاظ أبكتْ عيون السَّامعين فصولها … فزكَت على الخطباء والوعَّاظ وعجبتُ منها كيف حازتْ رقّة … مع أنها في غاية الإغلاظِ ستقولُ مصر إذا رأتك لغيرها … ما الدَّهرُ إلا قسمة أو خاطي ويقولُ قومٌ إذ رأوك خطيبهم … أنسيتنا قُسًّا بسوق عكاظ وكتب إلى الصاحب بهاء الدين، وكان قد غضِب عليه، ورسم بقطع راتبه: شعر لا تقطعنَّ عادة برٍّ ولا … تجعل عقاب المرء في رزقه واحْرص على العفْوِ فإن الذي … نرْجُوه عفوَ الله عن خلقه وإن بدت من صاحبٍ زلَّة … فاستره بالإبقاء واستبْقِه فإنَّ أثم الإفك من مِسْطَحٍ … يحطُّ قدر النَّجم من أفقه وقد جرى منه الذي قد جرى … وعُوتِب الصدِّيق في حقِّه وأنشدني عنه أقضى القضاة شمس الدين محمد بن القماح قوله: شعر

стр. 1090

عندي همومٌ لستُ أشرحها … علمًا بأن الشَّرح لم يُفِد وتعودُ عاشوراءُ تذكِّرني … رزءَ الحسين فليت لم تعُد يوم سَبيلي حين أذكره … أن لا يدورُ الصَّبْرُ في خلدي يا ليت عينًا فيه قد كحلتْ … بمسرَّةٍ لم تخلُ من رمد ويدًا عليه شماتة خُضبت … مقطوعة من زنْدِها بيدي لم لا وقد قُتِل الحسين به … فأبو الحسين أحقُّ بالكمد وقوله: حُسْنُ التأنِّي مما يعينُ على الرزقِ والعقولُ تختلفُ والعبدُ مُذْ كان في جزارته … يعرفُ من أين تؤكلُ الكتفُ وله لغز في الخُشْكنَانك، قوله: شعر أتعرفُ لي حبلى إذا ما تنفَّست … سرى لأنوفِ القوم من طَيِّها نشرُ ويرضعُ منها الثدي ساعة حملها … أبوها فتغدو وهي من وقتها بكر تريك جنينًا وهي من غير جنسها … فوجدانه حلوٌ وفقدانه مرُّ عليه بها سترٌ دقيقٌ وإنما … تجلُّ إذا ما دقَّ من فوقها السّتر إذا كُسرت في القوم يجبر كسرها … فيحسنُ بعد الكسرِ من قلبها الجبرُ تروق عيون الناظرين جلالةً … إذا جلستْ يومًا وموضعها الصَّدرُ ووقع بينه وبين شعراء عصره، فنظم ذاك الشاعر (١) في الجزّار قوله:
следующие страницы →