← Тараджим

Тараджим · id 30063

البدر السافر عن أنس المسافر

كمال الدين الأدفوي

Полный текст (1 191 стр.). Показаны 1086–1125 · переход к 1091.

стр. 1086

وإذا أردت كشطته … لكنَّ ذاك يؤثّر ومدح الملك العادل أبا بكر ابن الملك الكامل محمد بقصيدة أولها قوله: شعر/ إذا لم تُقِم عذري ولم تكُ مُسْعدي … فكن في الهوى العُذْري غير مفنِّد ويكفيك مني أنني بت ذا جوىً … يُذيبُ الحشا شوقًا وطرْف مسهَّدي دَع اللَّوم أو لُمني فلست بسامعٍ … لقد ضلَّ من أمسى بنُصحك يهتدي فما الحبُّ إلا أن أموت صبابةً … بليلَى ولم أمدد إلى غيرها يدي تعودتُ ذُلِّي في هواها لعلَّه … عزيزٌ على الإنسان ما لم يعوَّد منها: فَقُل للذي قد شكَّ في الحقِّ إنَّنا … أطعْنا أبا بكرٍ بأمر محمَّد وله: سرى في دُجىً من شعره فحكى البدْرا … وأبدى لنا من ثغره الأنجُم الزُّهرا وحيَّا بكأسٍ فعلها مثل جفنه … غلطتُ ومن للخمر أن تُشْبِه السِّحرا بعيشِك عطل هذه الرَّاح واسقنا … بعينيكَ ما يغتالُ ألبابنا سُكْرا أدِرْ خمرةَ الألحاظِ فينا لأنَّها … بتأثيرها في العقل من أختها أدرى قصيدة طويلة. وله من قصيدة مطولة أيضًا، أولها قوله: شعر أقبلَ مثل البدر في تمامه … تحفُّه الهالة من لثامه ومزَّقتْ أنواره ثوبَ الدُّجى … مذ أطلعَ الأنجمَ بابتسامهِ

стр. 1087

أصمى قُلوب العاشقينَ طرفه … ظلمًا بما فوَّق من سهامه يا جفنه رفقًا بصبٍّ مدنفٍ … سقمكَ أضحى الأصل في سقامه وأنتِ يا أعطافه هل عطفةٌ … على مشُوق القلب مستهامه من لي بمن في خدِّه ماء الحيا … فوق لهيبٍ دام في اضطرامه كم ليلةٍ أسكرني بريقه … أغنت بكأس الثغر عن مدامه وبتُّ لا أفرقُ من حرَّاسه … إذ فرقُهُ أبدى دُجى ظلامِه وبيننا طيبُ عناقٍ طالما … ألزمني شَوقيَ بالتزامهِ هذا هو العيش الذي وددتُ … إن ساعَدني الدَّهر على دوامه تلك ليالٍ بل لآلٍ أشرقت … جيدُ زمانٍ كنَّ في نظامه وله: لا تسألنْ في الحبِّ عن أشجانهِ … فشأنه مخبِّرٌ عن شانِه وإن يكن ما فاهَ بالشكوى فقد … أغنى لسان الدمع عن لسانه يا عاذِل المشتاق في أمر الهوى … دعه فليس الصَّبرُ في إمكانه فارقَ من يوم الفراق قلبهُ … فليتَ لو عاد إلى أوطانه أطنبَ لما أن رأى رسمًا عفا … أنكر ما قد كان من عرفانهِ صبٌّ بغزلانِ النَّقا وكلُّ من … حلَّ النَّقا يصبو إلى غزلانه ما أنْ لهُ من مشبهٍ في حسنه … ولا لصدرِ الدِّين في إحسانه وخرج إلى المدح. وقال يمدح الأمير سيف الدين قليج قصيدة، أولها قوله: شعر

стр. 1088

قضى حبُّهُ أن لا تطاع عواذلهُ .... وهل يرْعَوي للعذل والحبُّ شاغله محبٌّ يحل الوجد عقدُ اصطباره … إذ البين شُدَّت للفراق رواحله أأحبابنا إن ألَّف الدَّهر شملنا … تحلَّى بلقياكم من العيش عاطله نأيتُم فلولا ما تقربه المنى … لقلبي عليكم ما استقرَّت بلابله وأهيفُ يحكي الغُصْنَ لين قوامه … وتفعل أفعالُ الشَّمول شمائله يلينُ إلى أن يجرح الوهم جسمه … وتعرقُ في ماءِ النَّعيم غلائله إذا ما بَدَا من شعره في ذوائبٍ … رأيتُ غزالًا لم ترعْهُ حبائله رَنا فانثَنى من لحظ عينيه صارمٌ … عذاراه عند النَّاظرين حمائله رماني فأصْمَى نبلُ عينيه مُقْتلي … فرقُّوا لصبٍّ قد أصيبَت مقاتله وقدم إلى قنا من مدن قوص، ومدح بها الشيخ العارف أبا يحيى ابن شافع، بقصيدة مطولة، وهي هذه، أولها قوله: شعر دَعْنِي فما نُصحك لي بنافعي … أمرتَ بالسّلوان غير طائع خلِّ ملامي في الهوى فإنَّني … لستُ لما تقولُه بسامع أستودعُ الله الذي أودعتهُ … قلبي وإن فرَّط في الودائع أودعني يوم الفراق لوعةً … تضرمُ نار الوجد في أضالعِي تُرى متى يرجع لي عيش مضى … هيهات ماعيش مضى براجع يا زمني بالخيف لم يُبق المنى … بعدكَ للنَّفس سوى المطامع ما زار طَرْفي طيْفَ جيران الحمى … وهل يزورُ الطَّيف غيرَ هَاجِع مالي وللأيام ما رُمتُ بها … قَصْدي إلا عرَّضت بمانع

стр. 1089

كأنَّها ما علمت بأنَّني … أرجو الغنى بهمَّة ابن شافع وكان الشَّافع له الفاضل الرئيس ضياء الدين أبو العباس أحمد ابن القرطبي، فقال منها: يا مالكي أنتَ أماني في الورى … وليس يخفى عنكَ قدر الشافعي وقدم مدينة قوص، وكان الشيخ تقي الدين القشيري خطيبًا بها، فسمع خطبته، فمدحه بأبيات هي قوله: شعر يا سيِّد العلماء والأدباء … والخطباء والحفَّاظِ شنَّفْتَ أسماع الأنام بخطبةٍ .... كَسَت المعاني رونقَ الألفاظ أبكتْ عيون السَّامعين فصولها … فزكَت على الخطباء والوعَّاظ وعجبتُ منها كيف حازتْ رقّة … مع أنها في غاية الإغلاظِ ستقولُ مصر إذا رأتك لغيرها … ما الدَّهرُ إلا قسمة أو خاطي ويقولُ قومٌ إذ رأوك خطيبهم … أنسيتنا قُسًّا بسوق عكاظ وكتب إلى الصاحب بهاء الدين، وكان قد غضِب عليه، ورسم بقطع راتبه: شعر لا تقطعنَّ عادة برٍّ ولا … تجعل عقاب المرء في رزقه واحْرص على العفْوِ فإن الذي … نرْجُوه عفوَ الله عن خلقه وإن بدت من صاحبٍ زلَّة … فاستره بالإبقاء واستبْقِه فإنَّ أثم الإفك من مِسْطَحٍ … يحطُّ قدر النَّجم من أفقه وقد جرى منه الذي قد جرى … وعُوتِب الصدِّيق في حقِّه وأنشدني عنه أقضى القضاة شمس الدين محمد بن القماح قوله: شعر

стр. 1090

عندي همومٌ لستُ أشرحها … علمًا بأن الشَّرح لم يُفِد وتعودُ عاشوراءُ تذكِّرني … رزءَ الحسين فليت لم تعُد يوم سَبيلي حين أذكره … أن لا يدورُ الصَّبْرُ في خلدي يا ليت عينًا فيه قد كحلتْ … بمسرَّةٍ لم تخلُ من رمد ويدًا عليه شماتة خُضبت … مقطوعة من زنْدِها بيدي لم لا وقد قُتِل الحسين به … فأبو الحسين أحقُّ بالكمد وقوله: حُسْنُ التأنِّي مما يعينُ على الرزقِ والعقولُ تختلفُ والعبدُ مُذْ كان في جزارته … يعرفُ من أين تؤكلُ الكتفُ وله لغز في الخُشْكنَانك، قوله: شعر أتعرفُ لي حبلى إذا ما تنفَّست … سرى لأنوفِ القوم من طَيِّها نشرُ ويرضعُ منها الثدي ساعة حملها … أبوها فتغدو وهي من وقتها بكر تريك جنينًا وهي من غير جنسها … فوجدانه حلوٌ وفقدانه مرُّ عليه بها سترٌ دقيقٌ وإنما … تجلُّ إذا ما دقَّ من فوقها السّتر إذا كُسرت في القوم يجبر كسرها … فيحسنُ بعد الكسرِ من قلبها الجبرُ تروق عيون الناظرين جلالةً … إذا جلستْ يومًا وموضعها الصَّدرُ ووقع بينه وبين شعراء عصره، فنظم ذاك الشاعر (١) في الجزّار قوله:

стр. 1091

أبا الحسين تأدَّب … ما الفخر بالشعر فخرُ وما ترشَّحْتَ منه … بقطرةٍ وهو بحرُ وما أتيتَ ببيتٍ … وما لِبَيْتك قدر لم تأتِ بالبيتِ إلّا … عليه للنَّاس حِكْرُ قال: وكان قد صار يمشي بالليل وأمامه فانوس، فقال فيه أحمد بن كلفة البليق التي أوله قوله: هذي الريَّاسة لك من أين يا أبَا الحسين طفَّيت رئاسة وامتليت مشيت بمنوَّر ما استحيت عليك ظلام ولو مشيت بالنَّيرين منها: رُبيت صغيرْ في المجزرا وفي الكبر جئت مَصْخرا فما تقول لي أنك خرا في الحالتين وكان يصحب قاضي القضاة تاج الدين عبد الوهاب بن خلف، فظفر له شخصٌ من

стр. 1092

المصريين بورقة بخطّه، يدعو فيها شخصًا إلى مجلسِ أنسٍ، ووصف المجلس، قال: فأخبرني قاضي قوص يونس بن عبد المجيد الأرمنتي أن ذلك الشخص أخذ تلك الورقة، ووضعها في القائمة الأولى من صحاح الجوهري من نسخةٍ كانت عنده في ثماني مجلدات، وأعطى الكتاب للدلَّال، وقال: اعرضه على قاضي القضاة، فأحضره الدلَّال لقاضي القضاة، فأخذ المجلَّد الأول، فوجد الورقة، فعرف خطَّ الجزار، فقرأ الورقة، فأخذها، وقال للدلال: رُدَّ الكتاب لصاحبه هو ما يبيعه، فلما حضر الجزار ناوله الورقة، ففهم، فقال: لا إله إلا الله، هذا خطّي من ثلاثين سنة من أيَّام الصبا، ثم اشتهى الجزَّار أن يعرف ما عند القاضي، وهل تأثَّر بالورقة، فأغفله أيامًا، ثم قال له في أثناء حكايةٍ أنَّ شخصًا كان يصحب قاضي القضاة عماد الدين ابن السُّكَّري، فوقعت له شهادة على شخصٍ، فسابقه ذلك الشخص، وادَّعى عليه أنه استأجره من مدة كذا وكذا، وذكر مدةً بعيدة، ليغنِّيَ له في عرسه بكذا، وقبضَ الأجرة ولم يغنِّ، فأنكروا فانفصلت الخصومة، ثم وقعت الدعوى على المدَّعى المذكور، وشهد ذلك الشاهد، فقال قاضي القضاة تاج الدين: ما صنع ابن السكري؟ فقال له: ما قبلَ شهادته، فقال: ما أنصف صاحبه، فعرف أنه لم يتأثَّر بالورقة. واتّفق أنه سافر الجزار إلى البلاد، فأكرمه القضاة لأدبه، وصحبته لقاضي القضاة، فكتب إلى قاضي القضاة بعض الأدباء أبياتًا، منها: قوله: أرسلتَ للنَّاسِ جزَّارًا يذبِّحُهم … وقد غدوا منهُ في حَزّ الحلاقيمِ فاكفُفْ أديبكَ عنهم إنَّهُم هلكوا … واستحيهم ألفُ تصقيعٍ وتقويمِ وله نوادر؛ منها: أنه كان عند قاضي القضاة وزوجة الورَّاق قد أحضرته، وادَّعت عليه بنحاسٍ، وكلَّموها في حقه، فقالت: ما أخرج إلا بنُحَيِّسِي، فأخذ الجزار بيده، وقال: خذيه واخْرُجي، فتبسم القاضي.

стр. 1093

ومنها أنه قام الجزَّار مرَّةً يقصد بيت الخلاء، فناوله السَّرَّاجُ شمعة، فقال الجزار: ما عادتي أقضي الشُّغل إلا على السراج. وتوجه مرَّةً إلى ابن يغمور بالمحلة، وأقام عنده مُدَّة، ثم أعطاه وزوَّده، وجاء ليُودِّعه، وإذا بوكيل ابن يغمور وقد حضر من أقطاع الأمير، فقال له: ما أحضرت؟ فقال: كذا كذا درهم، فقال: أعطها للجزار، قال: وكذا كذا غلّة، فقال احملها للشونة، فقال: وكذا كذا خروف، فقال: أعطها للجزَّار، فقام الجزَّار وقبَّل الأرض، وقال: يا مولانا، كم إحسان وكم تفضُّل، فتبسَّم ابن يغمور، وقال: خذها. وحكاياته ونوادره كثيرة. توفي في سنة تسع وسبعين وست مئة بمصر، في يوم الثلاثاء ثاني عشر شوال. ومولده بها في صفر، سنة إحدى وست مئة، عفا الله عنه. ٥٥٣ - يحيى بن عبد المنعم بن حسن المصري، المنعوت بالجمال، الفقيه الشافعي (١). أخذ الفقه عن الفقيه أبي طاهر المحلي، وبرع فيه حتى لم يبق في عصره من يوازيه؛ حكى لي قاضي قوص أبو الطاهر إسماعيل السفطي أنه كان يحضر الدَّرس، فينقل بعض الطلبة من "النهاية" (٢)، وبعضهم من "الحاوي" (٣)، وبعضهم من "البحر" (٤)، وغير

стр. 1094

ذلك، فيقول لكل منهم: صدقت، هكذا في الكتاب الذي نقلت منه في الموضع الفلاني عقيب الفصل الفلاني. وحكى القطب الأسيوطي الفقيه، قال: كان عند قاضي القضاة تاج الدين العلامي جماعة من الفقهاء، وسأل عن مسألة فلم يستحضروا فيها نقلًا، فحضر الجمال يحيى فسأله، فقال: أنقلها من سبعة عشر كتابًا، وسرَدَها. وكان مرةً عند مُسْتنيبه قاضي القضاة ابن رزين، فوقعت محاكمة في الحضانة، وشرع قاضي القضاة يقول، فقال الجمال يحيى خلافه، يعني النقل خلاف هذا، فقال له: احكم بينهما. وجمع سلَّة كبيرةً كثيرةَ النَّقل، فضاعت بعده. وتولَّى الحكم بالمحلة وأعمالها، ثم درَّس بمشهد السيد الحسين بالقاهرة، وناب في الحكم بها، وكان لحَّانًا. ودرَّس بعد الفضلاء "المنتخب في الأصول"، والجمال يحيى حاضر مرات، فلم يفهمه، وربما كان ينام. وحضر إليه شخصٌ يسأله عن مسألة نكاح العبد بالصغير، وكانت هذه المسألة تستعمل كثيرًا لمن يقصد التحليل، فيعقد للمطلقة ثلاثًا على عبد صغير، ثم يملكه للزوجة فينفسخ النكاح، فلما سأله، قال: هذا ما يجوز، ولو جاز أبطلته. وكان حسن السيرة في القضاء، وقويّ النفس؛ حكى لنا أقضى القضاة شمس الدين محمد الشهير بابن القماح، قال: وقع بينه وبين قاضي القضاة ابن رزين تشويشٌ، ثم اجتمعا، فقال له ابن رزين: أنا لو أردتُ عزلكَ كنت فعلتُ، فقال له: ما تقدر، فقال: من يمنعني؟ فقال: كنا عند الفقيه أبي طاهر يومًا، فحصلت له حالة، وقال: كلُّ من له حاجةٌ يذكرها، فقلت أنا: أريد أن أكون نائب الحكم ولا يعزلني أحدٌ، فقال: لك ذلك. وحكى لي قاضي قوص السَّفطي أيضًا قال: كان له جابي يجبي له أملاكًا، فتأخَّر مرةً

стр. 1095

عن الوقت المعتاد، وحضر ومعه الدراهم، فقال: تأخرت؟ فقال: وجدت المكان قد سكن فيه ناسٌ، وأراد أن يذكر حالهم، فقال: حُطَّ الفضة ولا تُبَيِّن السبب. ولهذا أصلٌ في قصة أمير المؤمنين عمر، ﵁، حيث قال: "يا صاحب الحوض لا تُخبرهم" (١). توفي ﵀ بالقاهرة، في يوم الأحد عاشر رجب، سنة ثمانين وست مئة، وقد قارب الثمانين، عفا الله عنه ورحمة الله عليه. ٥٥٤ - يحيى بن عبد الوهاب بن محمد بن إسحاق بن يحيى بن منده الأصبهاني الحنبلي (٢). الحافظ الجليل، محدث ابن محدث ابن محدث ابن محدث. وكان واسع الرواية، مُبرَّزًا في معرفة الحديث وعلومه. وكان ثقةً ثبتًا، حسن السيرة، بعيدًا عن التكلُّف، متمسكًا بالأثر، حسن التصنيف. سمع الكثير من أبي بكر بن ريذة الضبي، وأبي الطاهر محمد بن أحمد الكاتب، وأبي

стр. 1096

منصور محمد بن عبد الله الأصبهاني، ومن أبيه، ومن أبي العباس أحمد بن محمد الفضَّاض، وأبي عبد الله محمد بن علي الجصَّاص، وأحمد بن محمود الثقفي. ودخل نيسابور، فسمع بها من أبي بكر أحمد بن منصور المقرئ، وأبي بكر أحمد بن الحسين البيهقي الحافظ. وسمع بهمذان من أبي بكر محمد بن عبد الرحمن النهاوندي. وسمع بالبصرة من أبي القاسم إبراهيم بن محمد بن أحمد بن عبد الله بن الحسين، وجماعة كثيرة. ودخل بغداد حاجًا، وحدَّث بها، وأملى بجامع المنصور. وكتب عنه الشيوخ، منهم أبو الفضل محمد بن ناصر الحافظ، والشيخ عبد القادر بن أبي صالح الجيلي العلامة الصالح، قدَّس الله روحه، وأبو محمد عبد الله بن أحمد ابن الخشاب الإمام النحوي، وخلقٌ كثيرٌ لشهرته وبيته. وروى عنه أبو البركات عبد الوهاب بن المبارك الأنماطي الحافظ، وأبو الحسن علي الخياط البغداديان، وأبو الطاهر يحيى بن عبد الغفار، وأبو الفضل محمد بن هبة الله الحافظ. وصنَّف "تاريخًا لأصبهان"، و"كتابًا على الصحيحين". وذكره ابن السمعاني (١)، وعبد الغافر الفارسي (٢)، وأثنى عليه. ومولده بأصبهان، يوم الثلاثاء تاسع عشر شوال، سنة أربع وثلاثين وأربع مئة، ورأيت في بعض التصانيف أربع وخمسين.

стр. 1097

وتوفي بها، في يوم عيد النحر، سنة اثنتي عشرة وخمس مئة. وقال ابن نقطة: توفي يوم السبت، ثاني عشر ذي حجة، سنة إحدى عشرة وخمس مئة (١). عفا الله عنه، ورحمة الله عليه. ٥٥٥ - يحيى بن علي بن الحسن بن محمد بن موسى بن بسطام الشيباني التبريزي (٢). النحوي، اللغوي، الأديب، البارع في هذه الفنون. سمع الحديث من الحافظ أبي بكر الخطيب البغدادي، والقاضي أبي الطيب الطبري، والفقيه سليم بن أيوب الرازي، وغيرهم. وحدَّث؛ سمع منه الخطيب وهو شيخه، والجواليقي، ومحمد بن ناصر السَّلامي الحافظ، وأبو طاهر أحمد بن محمد السِّلفي الحافظ، وخلقٌ. وأخذ النحو في صباه حين قدم مصر عن ابن بابشاذ، ثم قرأه على عبد القاهر الجرجاني، وتأدَّب على أبي العلاء المعري، ولازمَهُ، وقرأ عليه جملة من مصنفاته، وقرأ بالشام على عالي بن عثمان بن جنّي، وجدَهُ بصيدا، وقرأ بصور علي أبي عمران الصقلّي،

стр. 1098

وبالبصرة علي أبي القاسم القصباني النحوي، وقرأ على أبي غالب ابن بشران بواسط، وببغداد على أبي محمد ابن الدهان، وأبوي القاسم الرقي، وابن برهان. ورحل، وجدَّ، ولقي الأشياخ. وصَنَّف تصانيف كثيرة مفيدة، منها: "إعراب القرآن الكريم" (١) في أربع مجلدات، و"شرح اللمع" (٢) في النحو، تصنيف ابن جني، وصنَّف فيه "مقدمات"، وشَرَح الحماسة (٣) ثلاثة شروح: أكبر في خمس مجلدات، وأوسط، وأصغر، وشرَحَ المعلقات (٤)، و"المفضليات" (٥)، و"ديوان المتنبي" (٦)، و"ديوان المعرّي" (٧)، وكتاب "تهذيب الغريب المصنف"، و"تهذيب الغريب" (٨) لأبي عبيد، وكتاب "تهذيب إصلاح المنطق" (٩) تأليف ابن السكيت، وكتاب "الكافي في العروض والقوافي" (١٠)، وشَرَحَ "مقصورة ابن دريد" (١١)، وغير ذلك.

стр. 1099

وولي تدريس الأدب بالنظامية ببغداد. وكان إمامًا في اللغة، حجة في النقل، صدوقًا ثبتًا. وذكره ابن السمعاني، ثم، قال: سمعت أبا منصور محمد بن عبد الملك ابن خيرون يقول عنه: كان مرضِيَّ الطريقة، فذكرت لمحمد بن ناصر ما ذكره ابن خيرون، فسكت، ولكنه قال: كان ثقة. وقال ابن نقطة: كان ثقةً في علمه وروايته، مخلطًا في دينه، ولعبة بلسانه، وقيل: إنه تاب (١). وله نظم كثير، قال: محمد بن ناصر الحافظ، أنشدني شيخنا التبريزي لنفسه قوله: شعر، قال: فمن يسأم من الأسفار يومًا … فإني قد سئمتُ من المقامِ أقمنا بالعراق على رجالٍ … لِئَامٍ ينتمون إلى لئامِ وكتب إليه العميد الفياض يمدحه بقصيدة، فكتب إليه التبريزي بهذه الأبيات، أولها قوله: شعر قُل للعميدِ أخي العلا الفيَّاض … أنا قطرةٌ من بحرك الفيَّاض شرَّفتني ورفعتَ ذكري بالذي … ألبستنيه من الثنا الفضفاض ألبستني حُلَل القريض تفضُّلًا … فرفلتُ فيها في حلىً ورياض إني أتيتكَ بالحصى عن لؤلؤٍ … أبرزتهُ من خاطرٍ مرتاضِ وذكر أبياتًا كثيرة. وقال الحافظ السِّلفي: سألته عن مولده، فقال: في سنة إحدى عشرة وأربع مئة.

стр. 1100

وتوفي ببغداد، في سنة اثنتين وخمس مئة. وكان في ذلك اليوم مشى إلى من تولَّى نقابة الأشراف مهنئًا له، وعاد فاشتهى دجاجةً، فعَمِلها وأكلها، ثم نام وانتبه في الليل، فطلبَ ماءً، فأحضرهُ الغلام، فوجدهُ قد مات، رحمة الله عليه، وذلك لليلتين بقيتا من جمادى الآخرة، عفا الله عنه، ورحمة الله عليه. ٥٥٦ - يحيى بن علي بن عبد الله بن علي بن مفرِّج القرشي، المنعوت بالرشيد والمعروف بالعطار (١). كان حافظًا، عالمًا بالحديثِ وفنونه، حسن التَّخريج، ضابطًا، متقنًا، ثقةً، ثبتًا. سمع الكثير، ورحل، ولازم الإمام الحافظ أبا الحسن علي بن المفضل المقدسي، وتخرَّج عليه، وسمع منه الكثير، وسمع من أبيه علي المذكور، وعمه عبد الرحمن، وأبي الطاهر ابن ياسين، ومن البوصيري، وأبي الحسن علي بن حمزة الزيات، وأبي الطاهر ابن بنان، وأبي الثنا حماد الحراني، وفاطمة بنت سعد الخير. وبدمشق من أبي اليمن الكندي، وابن الحرستاني، وسمع بمكة من جماعة. وحدَّث؛ سمع منه الحُفّاظ: علي بن أبي الفتح محمد بن وهب بن مطيع القشيري، وعبد المؤمن بن خلف الدمياطي، وأبو بكر ابن مَسْدي، والشريف أبو العباس أحمد بن محمد الحسيني النقيب، وخلقٌ كثير.

стр. 1101

حدثنا عنه الشيخ المقرئ أبو عبد الله محمد بن أحمد بن عبد الخالق الشهير بالتقي الصائغ، والقاضي يونس بن عبد المجيد الأرمنتي، وأبو الفتح محمد بن أحمد ابن الدشناوي. وانتهت إليه رئاسة هذا الفن بمصر، وخرَّج التخاريج الحسنة، وجمع المجاميع المفيدة (١)، وتكلَّم على الأحاديث التي ادَّعى فيها أنها في صحيح مسلم مقطوعة كلامًا جيدًا (٢)، وكان إذا طلع إلى القاهرة في حياة الحافظ عبد العظيم المنذري لا يُحدِّثُ بها تأدبًا مع الشيخ. [روى عنه] (٣) ابن مَسْدي، وأثنى عليه أكثر من ثنائه على المنذري. ولد بمصر في شعبان، سنة أربع وثمانين وخمس مئة. وتوفي بها، في السادس من جمادى الأولى، سنة إحدى (٤) وستين وست مئة، عفا الله عنه. ٥٥٧ - يحيى بن علي بن الحسن الحلواني أبو سعد، الفقيه الشافعي (٥). تفقَّه بالشيخ أبي إسحاق الشيرازي، ولازمه حتى برع.

стр. 1102

وأفتى، ودرَّس، وتولى تدريس النّظامية. وسمع الحديث من نصر بن أحمد بن البطر، وشيخه أبي إسحاق، وابن المسلمة، وغيرهم. وقدم رسولًا من عند الخليفة المسترشد إلى خاقان ملك ما وراء النهر. وسمع منه ابن السمعاني، وقال: كان سيء الخلق متكبرًا. وصنّف في الفقه كتابًا سماه "التلويح". وله نظم، منه قوله: شعر مررتُ بخبَّازٍ أحاوِل حاجةً … مُدلًّا عليه أي بأني عالمُ فلمَّا رآني قال أهلًا ومرحبًا … ظفرتَ بما تهوى فأين الدَّراهم فقلتُ معي كسرًا ونقضًا وخاطري … يجيشُ فضولًا كلهن لوازمُ فقال ومن هاذي الذَّخائر عنده … يحاولُ عندي حاجةً وَيُساوم لعمركَ لو بعتَ الجميع بلقمةٍ … لما كنت ممَّن في الشِّراء يخاصمُ ولد في سنة إحدى أو اثنتين وخمسين وأربع مئة. وتوفي في رجب، سنة عشرين وخمس مئة. وقيل: توفي بسمرقند، يوم الأربعاء، ودفن يوم الخميس ثالث شهر رمضان. ٥٥٨ - يحيى بن عيسى بن إبراهيم بن مطروح التميمي، المنعوت بالجمال، الصاحب الأديب الشاعر (١).

стр. 1103

سمع الحديث بمدينة قوص من أبي الحسن علي بن نصر الخلال. وحدَّث، وكان فاضلًا. ولد بسيوط، قال ابن سعيد: وأصله من بني مطروح الذين ملكوا طرابلس المغرب، وخرج منها جده لما ملكها عبد المؤمن. وأقام بقوص الصاحب هذا مدة هو والبهاء زهير، ثم قدم مصر، وتقلَّبت به الأحوال في الولايات والخدم، ثم اتصل بخدمة السلطان نجم الدين أيوب، فرَتَّبه ناظرًا في الخزانة، ثم رَتَّبه صورة وزير بدمشق، ثم توجه إلى حمص، ثم انقطع بمنزله في آخر عمره. وله "ديوان" شعر (١) مشتمل على غرر القصائد، وتمكن في القوافي، وعذوبة الألفاظ، ودقة المعاني، وبراعة الاستهلال، ومنه قصيدته التي أولها قوله: شعر هي رامةٌ فخذوا يمينَ الوادي … وذروا السُّيُوفَ تقرُّ في الأغمادِ وحذارِ ثم حذارِ أعينَ عينها … فلكم صرعنَ بها من الآساد يا صاحبيَّ ولي بجرعاء الحمى … قلبٌ أسيرٌ مالهُ من فادي وهي طويلة جيدة. وقصيدته التي أولها قوله: شعر خذوا حِذركم من طرفها فهو ساحرٌ … فليس بناجٍ من دَهَتْه المحاجرُ

стр. 1104

ولا تُخدَعوا من رِقَّةٍ في كلامها … فإنَّ الحميَّا للعقول تخامرُ منعمةٌ لو صافح الورد خدَّها … بكت وجرت من مقْلَتيها بوادر من القاصرات الطَّرفِ غارت لحُسْنِها … ضرائرها والنَّيِّرات الضَّرائر ولو في الكرى مرَّ النسيم بطيفها … سرى أبدا في طيّها وهو عاطِر قَلائدها تشكوا الظما ووِشَاحها … وإن شرِبَت من مِعْصميها الأساورُ إذا ما اشتكى الخلخال أخبارُ قُرطها … فيا طيبَ ما تملى عليه الظَّفَائرُ أيا عاذلي بالله ما أنتَ منصفي … أعَنْ مثل هذا الحسنِ تُثْنَى النواظر وله: أهواهُ أسمر كاعتدال الأسمرِ … يختالُ في بُرد الشَّباب الأخضر متألِّقٌ كالبدرِ أو مترنِّحٌ … كالغصنِ أو متلفِّتٌ كالجؤذر لعبتْ ذوائبه على أردافه … كالأفعُوان على كثيبٍ أعفر صدَّقتُ أنَّ بوجْنَتيْه جَنَّةً … لما شربتُ رضابه من كوثر من لم يشاهد شَعْره وجبينه … ما فاز ناظرهُ بليلٍ مقمِر وله: يميلُ على ضعف المحبِّ قوامهُ … ولا عجبٌ كلُّ الغصون تميلُ وأعجبُ ما في وصفه أنَّ ردفهُ … يخفُّ إليه القلبُ وهو ثقيلُ وله أيضًا: خذوا قَودي من أسير الكللْ … فواعجبًا من أسيرٍ قتلْ

стр. 1105

وقولوا عليَّ إذا نُحتمُ … طعينُ القُدود جريحُ المقَل فتىً جلدٌ عند بيض الظُّبَا … وبالأعينِ النُّجْلِ مالي قبلْ منها: وقمتُ وأذَّنتُ عند الصباحِ … بحيَّ على خيرِ ذاك العملْ وقد عَلِم الناس أني امرؤ … أحبُّ الغَزال وأهوى الغَزَلْ وُلد بمدينة أسيوط من صعيد مصر، في الثامن من شهر رجب سنة اثنتين وتسعين وخمس مئة. وتوفي ليلة مستهل شعبان، سنة تسع وأربعين وست مئة. ٥٥٩ - يحيى بن محمد بن يحيى بن أبي بكر السبتي المولد، المكنى بأبي زكرياء، المعروف بابن هَمُشْك، الفقيه الأديب (١). ذكره ابن سعيد، وقال: نشأ بسبتة، فلقي علماءها وصلحاءها، فروى عنهم، وأخذ عن أبي محمد ابن حوط الله جملةً. وكان من أهل الصلاح والدين، مشهورًا بالنزاهة والتطهر من الأنجاس، مع حظٍّ من حفظ الحديث والفقه، وكان من أهل الفطنة والذكاء، جميلَ العشرة، جوادًا كريمًا، ذا وجاهة، يصل من قصده، مقدَّمًا عند الحكام، وكان حسن الصوت، مليح التلاوة، جامعًا للأدب.

стр. 1106

وولي إمامة الجامع بقصبة سبتة، والخُطْبَة بها، والأمانة على مفاتيح البلد، والقصبة، والبحر، ثم خرج منها عام ثلاثين وست مئة في فتنة ابن المنصور وسطوته، خوفًا على نفسه، فاستوطن الجزيرة الخضراء ستة أعوام، ملازمًا للعلم، عاكفًا على الصلاح والخير، وبنى بها مسجدًا، ثم عاد إلى سبتة سنة ست وثلاثين، وعاد إلى ما كان عليه من الولايات والجاه. ولما ولي الوزير أبو علي ابن خلاص سبتة سنة إحدى وأربعين، أبقاه على حاله ثقةً به وركونًا إليه، فلما مات ابن خلاص، خرج في سنة سبع وأربعين، وتوجه إلى تونس، وأقام بها ملازمًا الجامع، محافظًا على التلاوة والخير، مشتغلًا بما يعنيه إلى حين وفاته. وقيل له: لم لا تتزوج؟ فقال: ما صحبتُ أحدًا من طبقات الناس، وقلتُ له أي حاليك أفضلُ وأحبُّ إليك، إلا قال: الأوّل، قال: فاقتديتُ بالتجارب. قال: وأنشدني في جارية اسمها نسيم، كان يَكْلَفُ بها ويهيم، ويستضيءُ بنورِ محيَّاها في الليل البهيم، وكانت من الأدب والظُّرف بحيث تختلس القلوب والألباب، وتعيد المشيب إلى أخلاق الشباب، فقال فيها قوله: شعر تباركَ بارئ الخلقِ إذ صوَّر الخلقا … وأتقنهم صنعًا وأطلَعُهم أفقا وأودعَ في الأجفانِ شَعرًا مضاعفًا … يعلّمني التَّهْيام والوجد والعشقا خليليَّ عيدُ الفطر وافَى فهاجني … غرامًا وتهيامًا وزاد الحشَا خَفْقا وذكَّرني من كنتُ أعهدُ أُنسهُ … مقيمًا ولما بانَ أورثني شوقا ولما رأيتُ الحسن بالطَّاق واقفًا … لمحتُ ثنَايَاها وقد لمعتْ برقا صبوتُ وقد يصبو الحليمُ لمثلها … يرقُّ وكم صبٍّ لغانيةٍ رقَّا قال: وكتب من إشبيلية إلى سبتة قوله أيضًا: شعر

стр. 1107

يا صاحبيَّ اعْذرا من ظلَّ معذورا … في ما مضى كنتُ بالأعياد مسرورا وهاجني بمنىً ذِكري لنيل مُنىً … قضِّيتُها وطرًا جدلان محبورا إذا تذكَّرت عيد الفطر من سنةٍ … قد انقضتْ عاد قلبُ الصبِّ مفطورا فيا نسيمَ الصبا إن زرتني سحرًا … خَبِّر نسيم بمن أبقَتْه مسحورا وقلْ لمنزلها السَّامي إذا سحبت … ذيل الصّبا وأرتك اللحْظ مخمورا يا من بسبتةَ مُضناها على صدرٍ … ثوى وينفثُ بالأشواقِ مصدورا عسى الذي قد قضى التَّفْريق يجمعنا … وتجتَلي العين من مرآكم نورا وله: لحضرتِكَ العليا تُزَجَّى الركائبُ … ومن يدك البيضا ترجَّى المواهبُ وفي فضلها المألوف أصبحتُ راغبًا … فمنها على سخطٍ تنالُ الرَّغائب وما هي إلا رحمةٌ لعبيدها … فكم سهَّلت حاجٍ بها ومآرب توفي بتونس، في ثالث عشر شهر رمضان، سنة ست وخمسين وست مئة. وتبع جنازته الخاصة والعامة، وأتبعوه ثناءً جميلًا، عفا الله عنه، ورحمة الله عليه. ٥٦٠ - يحيى بن محمد بن علي بن زيد بن هبة الله الكوفي، المنعوت بالرشيد، المكنى بأبي طالب، الفقيه الحنفي، الأديب الشاعر (١). حدث بشيء من شعره، رواه عنه ولده أبو المحاسن يوسف، والفقيه العالم الظَّهير علي بن عمر الكازروني، وابن الفوطي. وله نظم جيد، منه قوله من قصيدة أولها قوله:

стр. 1108

إن كنتَ من أهل الصَّبَابة والجوى … فاسْمح ولا تبخل بنفسك في الهوى من لا يذلُّ لمن يحبُّ فحظُّه … من حُبِّه إما الصُّدود أو النَّوى فاخضَع له ان شئتَ عزَّة قُربه … ولقد هُديت ولا تكن ممَّن غوى وله: لئن قطَّع النأي المشتَّت بيننا … فغيرك لا يحلو لقَلْبي وصاله وفي القلبِ جُرح من بعادك مؤلمٌ … يعزُّ بغير القُرب منك اندماله وحقّك مالي مذ تناءيتَ عيشةٌ … تلذُّ ولا خلٍّ تروقُ خلاله ولو أنَّني كاتبتُ مولاي بالذي … أعانيهِ من شوقي لخيف ملاله وله أيضًا في صدر كتابٍ، قوله: شعر كتابٌ إذا فُضت عقودُ سطوره … رأيتَ بها دُرًّا نظيمًا وأنجما يحدِّثني عنهم فلم أرَ قبله … جمادًا أتاني عن فصيحٍ مترجما مولده تقريبًا سنة ثمان عشرة وست مئة. وتوفي ليلة الاثنين، لثمان بقين من شهر ربيع الآخر، سنة إحدى وسبع مئة. كذا ترجمه لي صاحبنا الفاضل الرحال نجم الدين سعيد الذهلي، ﵁. ٥٦١ - يحيى بن يوسف بن يحيى بن المعمر بن عبد السلام الصَّرْصَرِي، المنعوت بالجمال، المكنى بأبي زكرياء، الفقيه الحنبلي، الأديب النحوي اللغوي (١).

стр. 1109

كان فيه زهدٌ وتواضعٌ وعبادة، وله تهجُّدٌ وتصوُّفٌ. صحب الشيخ علي بن إدريس البعقوبي (١)، صاحب الشيخ العارف القطب الغوث عبد القادر الجيلي، سمع الحديث منه. وحدَّث؛ سمع منه الحافظ عبد المؤمن الدِّمياطي، والفقيه عبد السلام بن محمد بن مزروع المصري، وعلي بن ثامر بن حصين الفخري. وله "ديوان" شعر (٢) في مجلدين، ومَدَح المصطفى ﷺ ، وذكر أنه رآه مرَّتين وتفل في فيه. وحدَّثَ بشعره، سمع منه ابن وضاح، والحافظ عبد الرحيم بن محمد بن الزجاج. وكان يكتب خطًّا حسنًا، وكانت له معرفة بالسير، وآثار الصحابة والتابعين، والسُّنن، والتواريخ. ونظم "كتاب الخرقي" في مذهب الإمام أحمد، وكتاب "الكافي". وكُفّ بصره بآخره، وقد شاع شعره في الآفاق وسارت به الركبان والرفاق، وملأ مصر والشام والعراق، ومنه قوله: شعر لي بينَ سَلْعٍ والعقيق عهود … بلي الشَّبَاب وذِكْرهُنّ جديدُ أيام أرفل في جلابيب الصّبا … وعليَّ من خلع الوصال برودُ في مربعٍ رحبِ الجوانب للرّضى … والدَّوحُ فيه طائرٌ غِرِّيد

стр. 1110

منها في المدح قوله: لوْلاكَ لم يعذُب لخرق مسامعي … ذكر العُذيب ولم ترُقه زرودُ تُدْنيه بالآمال أحلامُ الكرى … منِّي وإنَّ مَزارَه لبعيدُ منها: واهًا لأوقاتٍ صَفَتْ وكأنها … في جيد أيام الزمان عقودُ سلفَتْ لنا بين القباب فهلْ … لزماننا الماضي عليَّ معيدُ شَوْقي إلى من حلَّها شوقٌ إذا … نقص الوداد مدى الزَّمان يزيدُ إن متُّ من شغفي بها وصبابتي … فقتيل أسيافِ الفراق شهيدُ وهي مطوَّلةٌ حسنة، وكل شعره حسنٌ. ولد ليلة الجمعة، تاسع عشر شعبان، سنة إحدى وثمانين وخمس مئة. ومات مقتولًا في صفر؛ قتله التتار سنة ست وخمسين وست مئة، وقبرهُ يزار، رحمة الله عليه و- ﵁. ٥٦٢ - يحيى بن أبي مَلُّول بن عسرة الزناتي (١)، المكنى بأبي زكرياء، وقيل: بأبي الحسين. فقيه مالكي. رحل إلى العراق، وقرأ الفقه بها، وعاد إلى الإسكندرية واستوطنها، وتولى نيابة الحكم بها عن بني حديد، ودرَّس بمدرستهم. وصنَّف "تعليقة" حسنة في الخلاف.

стр. 1111

وكان يضاهي الفقيه أبا بكر الطرطوشي وينافسه، وقرأ عليه جماعة بالإسكندرية وانتفعوا به، ثم ترك القضاء والتدريس، وساح في الأرض للعبادة. قال بعضهم: وجدته في سياحتي وهو في سياحته، فأنشدني: تركتُ هوى ليلى وسَلْمى بمعزلٍ … وأُبْتُ من البلوى إلى خير منزلِ ونادتْ بي الأشواق من كل جانبِ … رُوَيْدك هذا منزل الحقّ فانزلِ قال ابن العمادية: قيل إنه توفي بالبصرة (١)، أو بعبادان، في حدود سنة عشرين وخمس مئة. ٥٦٣ - يزيد بن محمد بن صقلاب الكاتب أبو بكر (٢). من أهل المرية. كان شاعرًا غَزِلًا ماجنًا. أورد له الأبار قوله: شعر رأوا ممَّن يُحبُّهم نحولًا … فعابوه بجَهلهم عليه وأمضى ما يكون السَّيف قطعًا … إذا أخذ الضَّنا من شَفْرَتيه (٣) وله: وأخي فتيةٍ أدار علينا … من يَديه ومُقلتَيه رحيقا عاينَته عيونُنا فصبغنا … دُرَّ خدِّيه بالعيون عقيقا

стр. 1112

جعل اللثم نقلنَا مِرْشَفَيه … فانتقلناعلى المدامة ريقا عُتّقت هذه وهذا عتيقٌ … فشربناعلى العتيق عتيقا أسكر النّقل والشرابُ جميعا … وأبى الكأسُ واللَّمى أن أفيقا كلما قلتُ قد صحوتُ قليلًا … عدتُ في حيرةِ الخُمار غريقا لم أكن شاعر الطريقة لكن … مذ تعشَّقته سلكت الطريقا حكَّمتنا يد الهوى في القوافي … فغزلنا من الرقيق رقيقا (١) توفي سنة تسع عشرة وست مئة، عفا الله عنه. ٥٦٤ - اليسع بن عيسى بن حزم بن عبد الله بن اليسع الغافقي الأندلسي، نزيل مصر، المكنى بأبي يحيى (٢). كان عالمًا، مقرئًا، فقيهًا، أديبًا، شاعرًا، وله نظم. أخذ القراءة عن أبيه، وأبي العباس القصبي، وابن شريح، وأبي القاسم البلوي، وغيرهم، وسمع منهم. وسكن الإسكندرية، وقرأ بها، ثم رحل إلى مصر، واشتمل عليه السلطان صلاح الدين يوسف، وكان يُعظِّمهُ؛ فإنه أول من خطب بمصر لبني العباس.

стр. 1113

وصنَّف "كتابًا في أخبار أهل المغرب" (١). وكان محدِّثًا، حافظًا، نسابةً، من أبدع الناس خطًّا. قرأ عليه القيرواني، وأبي عيسى، وروى عنه الحافظ أبو الحسن علي بن المفضل المقدسي، وأبو عبد الله التجيبي، وأبو القاسم الصفراوي، والهمْداني. ومن شعره قوله: شعر تناسيتَ ما أودعتُ سمعَكَ يا سمعي … كأنك بعد الضُّرّ خِلْوًا من النفع أما عند عينيك اللَّتين هما هما … لمكتئبٍ يرجوك شيءٌ سوى المنع فإن كنتَ مطبوعًا على الصدِّ والجفا … فمن أين لي صبر فأجعله طبعي وإن يكُ أضحى نور خدِّك روضةً … فإنَّ على خدي غديرًا من الدَّمع وله قوله: أشكو إلى الله أنَّ لي سكنًا … أبصرتُه في المنام غضبانا يمنعني النَّوم بالصُّدود فإن … أغفيتُ شيئًا وذاك أحيانا أبصرتهُ معرضًا فيا عجبًا … يهجُرني نائمًا ويقظانا عجبتُ منه إذ ليسَ يرحمني … ولستُ أشكو لو كان ما كانا

стр. 1114

ملَّ فما تعطفه رحمة … واتَّخذ العلَّات أعوانا إن ساءك الدَّهر بهجرانه … فربما سرَّك أحيانا لا تيأسنْ من وَصْل ذي ملَّةٍ … أظهرَ بعد الوَصْل هجرانا يملُّ هذا مثلَ ما ملَّ ذا … فيرجعُ الوصل كما كانا توفي بمصر في رجب، سنة خمس وسبعين وخمس مئة، عفا الله عنه ورضي عنه. ٥٦٥ - يعقوب بن صابر بن بركات بن عمار بن علي بن الحسين بن علي بن حوثرة القرشي، الحراني الأصل، البغدادي المولد، المنجنيقي، الشاعر (١). سمع من أبي المظفر هبة الله ابن السمرقندي، وغيره. وله "ديوان" شعر، حدث بشيء منه. ومن حكاياته؛ أنه أتاه جماعة من الصوفية فأكلوا جميع ما وجدوا في بيته من المأكول، فكتب إلى شيخ الصوفية بهذين البيتين، وهما قوله: أشكُو إلى عدلك صوفيةً … قد أضرموا النَّار بأحْشائي مَشَوا على الخُبْز ومن عادة الزُّهَّاد أن يمشوا على الماء قال ابن سعيد: إنه توفي سنة ثلاث وعشرين وست مئة. زاد الحافظ المنذري: في ليلة الثامن والعشرين من صفر، ومولده ببغداد، في الرابع

стр. 1115

من المحرم، سنة أربع وخمسين وخمس مئة (١)، عفا الله عنه، ورحمة الله عليه. ٥٦٦ - يوسف بن أحمد بن محمود بن أحمد بن محمد، المنعوت بالجمال، المكنى بأبي المحاسن، ويعرف بالحافظ اليَغْمُوري (٢). صحب الأمير ابن يغمور ولازمه، فقيل له اليغموري، وينعت بالحافظ. سمع الكثير من أحمد بن سلمان بن الأصفر، ومسمار بن العويس، وجماعة. وحدَّث؛ سمع منه جماعة من أشياخنا وأصحابنا بالقاهرة، وغيرهم من أشياخ أشياخنا. وكان فاضلًا أديبًا. وجمع مجاميع كثيرة مفيدة، وعمل "تاريخًا". وله نظم، منه ما كتب به إلى أبي العباس التيفاشي في مقطوط الشمعة، وقد سأله التيفاشي أن ينظم في ذلك، وهو قوله: يا سيدًا حازَ علوم الورى … وفاقَهم في كلِّ معنىً دقيق فكرت في ما قُطَّ من شمعةٍ … فعنَّ تشبيهٌ بلفظٍ رشيق زيتونة سوداءَ لما انطفى … والبعضُ فيه النَّار مثل الشَّقيق وإن تعمُّ النَّار أجزاءه … فليسَ يعدوهُ احمرارُ العقيق ولد بدمشق، سنة ست مئة تقريبًا.

стр. 1116

توفي بالمحلة، ليلة الأربعاء حادي عشرين شهر ربيع الآخر، سنة ثلاث وسبعين وست مئة، رحمة الله عليه. ٥٦٧ - يوسف بن أحمد بن محمد بن يوسف بن عبد الغني الجُذَامي الإسكندراني، الفقيه المالكي، الأديب الشاعر، ينعت بالصدر، ويعرف بابن غَنُّوم (١). مُوقِّع الحكم بثغر الإسكندرية. كان فاضلًا، ذكيَّ الفطرة، كتب للقضاة زمانًا طويلًا، ثم انقطع في منزله. وخمَّس قصائد الصَّرْصَري، ومدح المصطفى ﷺ . سألته أن ينشدني شيئًا من شعره، فأنشدني لنفسه قوله: شعر يا مَن يُسائل عن شعري ليرويه … مهلًا فليس شِعَاري نظم أشْعَاري مُذْ حلَّ زائرُ هذا الشَّيْب صيَّرني … بعد الصّبا وإزاري ذكرُ أوزاري يا ربِّ عفوًا لعبدٍ جاءَ معترفًا … فقد رجوتُ قراري عند إقْراري وأنشدني أيضًا لنفسه قوله: شعر لمَّا بدَا في خدِّه عارضٌ … كأنَّه المسك أو العنبر أمطرَ أجفاني وزاد الهوى … فقلتُ هذا عارضٌ ممطرُ وأنشدني أيضًا لنفسه قوله: شعر وبي غَريبُ الدَّار مستأنسٌ … أسَالَ دمعي منه خدٌّ أسيلْ فَإن أَمُتْ شوقًا إلى وصله … ففي سبيل الله وابن السَّبيل وأنشدني أيضًا لنفسه قوله: شعر

стр. 1117

قُم نقترع بكر المدامة بُكرةً … في روضةٍ حَسنتْ ورَاقت منظرا فالرَّاحُ سيفٌ قاطعٌ لهمومنا … أو ما تراهُ بالحبابِ مجوهَرا وأنشدني أيضًا لنفسه قوله: شعر جَلا مسواكُ ثغرك خير دُرٍّ … فجلَّ بذاكَ واكتسبَ المزايا وأنشد صحبهُ تيهًا وفخرًا … أنا ابنُ جلا وطلَّاعِ الثنايا ولد بالإسكندرية، في ثامن عشرين شهر رمضان، سنة ست وسبعين وست مئة في ما أخبرني به. وتوفي بها، في سنة أربع وثلاثين وسبع مئة، رحمة الله عليه. ٥٦٨ - يوسف بن أحمد بن قطنة المصري (١). كان شاعرًا. له نظم جيّد، يمدح الوزراء والأعيان. نقلتُ من خطّه قصيدة يمدح بها الصاحب تاج الدين ابن الصاحب فخر الدين ابن الصاحب بهاء الدين، أولها قوله: حيَّا فأحيا للأنام نفوسَا … وأدار من خمر الرُّضاب كؤوسَا بدرٌ أماط لثامه عن وجهه … فأراك أقمارًا به وشموسا منعَ الغُصون بقدِّه وبلينه … أن تَنثني بين الرُّبى وتميسا كم ذَا أطعتُ هواي فيه صبابةً … وعصيتُ في سلوانه إبليسا ما غاب عن طرف المحبِّ خياله … إلا وأطلق دمعَه المحبوسا

стр. 1118

يا صاحِ تلك خيامهم لاحتْ لنا … جدَّ المسير له وحُثَّ العِيسا منها في المدح قوله أيضًا: شعر بيتٌ على عُمُد الرياسة قد بني … جعلتْ مكارمه له تأسيسا كم رَدَّ جيشَ كتيبة بكتابه … يهوى الصَّواب ويحذر التدليسا تتنافسُ الأملاك فيها إذ ترى … درًّا على تاج الملوك نفيسا تجري بأرزاقِ الورى أقلامهُ … كم أودعت رزق الأنامِ طُروسا وافَاهُ طالع نجمه بسعادةٍ … فلهُ سُعُود كم أزلنَ نحوسا حسنٌ يود البدر ليلة تمِّه … لو كان بين يدي سناهُ جليسا ونقلت أيضًا من خطه يمدح، قوله: شعر بمدحكَ في الدُّنيا تُنَال المطالبُ … وتُرجى لأربابِ الخمول المناصبُ لقد عظمتْ منكَ الهبات وهكذا … تكونُ بقدر الواهبينَ المواهبُ أرى الجودَ مما يستحبُّ ولم تزلْ … ترى أنه فرضٌ عليكَ وواجبُ فأنتَ الذي أويَ الغريبُ لِبابِه … فما شاقه أوطانهُ والحبايب فما أمَّ هذا الباب إلا مؤمِّلٌ … ولا عادَ عنه آملٌ وهو عاتب وله "ديوان" شعر كله من هذا النمط. توفي سنة ثمانين وست مئة، عفا الله عنه. ٥٦٩ - يوسف بن أيوب بن يوسف بن الحسين بن وهرة، أبو يعقوب الهمذاني البُوزَنَجِرْدي (١).

стр. 1119

وبُوزَنَجِرْد: من قرى همذان مما يلى الري. ترجمه أبو سعد ابن السمعاني، فقال عنه: الإمام الورع، التقيُّ الناسك، العامل بعلمه، صاحب الأحوال والمقامات الجليلة، وإليه انتهت تربية المريدين، واجتمع برباطه بمرو جماعة من المنقطعين إلى الله تعالى، لم تجتمع في رباطٍ مثلهم (١). وكان قد خرج من قريته إلى بغداد، قاصدًا الشيخ أبا إسحاق الشيرازي، فتفقَّه عليه، ولازمه حتى برع في الفقه وعلوم النظر، حتى فاق على أقرانه، فكان الشيخ يُقدِّمه على جماعة من أصحابه مع صغر سنه، ثم ترك ما كان فيه من المناظرة ومناطحة الأقران، واشتغل بعبادة الله تعالى، وإرشاد الخلق إليها. وكان قد سمع الحديث من شيخه أبي إسحاق، وأبي الحسين محمد بن علي بن محمد ابن المهتدي بالله، وأبي الغنائم عبد الصمد بن علي بن محمد بن المأمون الهاشمي، والحافظ أبي بكر أحمد بن ثابت الخطيب، وخلائق. وسمع بسمرقند أبا بكر محمد بن أحمد بن أبي الفضل الفارسي. وبأصبهان حميد بن أحمد بن عمر الصيرفي أبا سهل، وأبا سهل غانم بن محمد بن عبد الواحد الحافظ، والوزير نظام الملك أبا علي الحسن بن علي بن إسحاق، وغيرهم. وكتب الكثير، وتفرقت أجزاؤه، وكان لا يتفرغ لإخراجها، وأخرج منها عشرين جزءًا. سمع منه ابن السمعاني، وغيره.

стр. 1120

ثم دخل بغداد ثانيًا، ووعظ بها، وازدحم الناس عليه؛ قال ابن السمعاني: كان يقول: دخلت جبل زَزْ لزيارة الشيخ عبد الله الجوِّي، وكنتُ قد لبستُ الخرقة من يده، فوجدتُ ذلك الجبل معمورًا بأولياء الله، ولا أعلمُ في ذلك الجبل حجرٌ لم تصبه دمعتي. قال: وسمعت أبا الفضل صافي بن عبد الله الصوفي الشيخ الصالح يقول ببغداد: حضرت مجلس شيخنا الإمام يوسف المذكور في المدرسة النظامية، وقد اجتمع فيه العَالَم، فقام فقيهٌ يعرف بابن السقاء، وآذى الشيخ، وسأله عن مسألة، فقال له الإمام يوسف: اجْلس، فاني أجد من كلامك رائحةَ الكفر، ولعلَّك تموتُ على غير دين الإسلام، فاتَّفق بعد هذا القول، قدوم رسول نصرانيّ من ملك الروم للخليفة، فمضى إليه ابن السقاء وسأله أن يستصحبه، وقال له: وقع لي أن أتركَ دين الإسلام وأدخل في دينكم، فخرج معه إلى القسطنطينية، ومات على النصرانية. قال: وسمعت من أثق به يقول: إن وَلَديْ الإمام أبي بكر أحمد الشاشي قاما في مجلس يوسف المذكور في النظامية، وهو يعظ، وقالا له: إن كنتَ تنتحل مذهب الأشعري نخلِّيك تعظ في هذه المدرسة، وإلا فانزل ولا تعظ ها هنا، فقال لهما: اقْعُدا، لا متّعكما الله بشبابكما، فسمعتُ جماعة يقولون: ماتا قبل الكهولة. قال: وسمعت السيد إسماعيل بن أبي القاسم بن عوض العلوي بهراة يقول لشخصٍ من أصحابه، ثم خرج عليه، وصار يقع فيه، ويرميه بأشياء هو بريءٌ منها: هذا الرجل يُقتلُ، وسترون ذلك، فقُتِل قريبًا من سرخس. قال: وقال جدي أبو المظفر: ما قدم من العراق مثل يوسف. وتكلم معه يومًا في مسألة البيع الفاسد، فجرى بينهما سبع عشرة نوبة في هذه المسألة.

стр. 1121

وسمعته يقول: أقمتُ مدة ما يخرج حبُّ المناظرة والاشتغال والخلاف من قلبي، إلى أن وصلت إلى الشيخ السَّمناني، قال: فخرج ذلك من قلبي، وصرت كما كنتُ أشتهي المناظرة أشتهي ترك المناظرة. توفي يوسف المذكور في شهر ربيع الأول، سنة خمس وثلاثين وخمس مئة، رحمة الله عليه. ٥٧٠ - يوسف بن الحسين بن محمد بن الحسين الفارسي المحتد، الدمشقي المولد، المنعوت بالنجم، والمعروف بابن المجاور (١). سمع الحديث بدمشق من الحافظ أبي القاسم ابن عساكر، والملك العادل محمود بن زنكي، والوزير أبي المظفر، وبالإسكندرية من أبي الطاهر ابن عوف، وحدث بها، وغيرها. وكان فاضلًا، أديبًا، شاعرًا، نحويًا. ذكره ابن الربيب، وقال: نشأ تلَّاءً للقرآن العزيز، مواظبًا على إقرائه، ثم صار يقرئ النحو والأدب، واشتهر بتعليم أولاد الكبراء، إلى أن وُصِف للملك الناصر صلاح الدين يوسف بن أيوب بن شادي، رَحِمَهُ اللَّهُ تعالى، فألزمه بإقراء ابنه العزيز، فأقرأه وآنس به، فلما صارت له السلطنة بمصر استوزره، فكان من خير الوزراء. وله النظم الحسن، منه قصيدته التي أولها قوله: شعر تَلا في تلا في سورةٍ ليسَ تُختمُ … فمشتبهٌ من هجره ليْ ومحكمُ يُكرِّر تلقائي دروس خلافهِ … فقلبي به يشقَى وطرفي ينعمُ

стр. 1122

أناظرهُ في الهجر كيف استباحه … فيذكرُ نصَّ الحسن لي فأسلِّم ولما تولَّى الخدَّ والي عذاره … رفعتُ إليه قصَّتي أتظلَّم فوقَّع فيها طرفه بصبابتي … وقال لي السِّلوانُ شيءٌ محرَّم أتلبسُ ثوب الخدِّ إذ كان ساذَجًا … وتخلعُه لمَّا غدا وهو مُعْلَم وله: دعني فإنِّى بالملول المائل … فيسوغُ عَدْلي في الغرام لعاذِلي شكوايَ من خدٍّ بحسنٍ شائفٍ … وبلائي من جَفْنٍ بسحر بابلي نقبٌ ترينا أوجها كأهلَّةٍ … وترى الجُسومَ غلائلًا كجداول لا تتركنَّ ظفائرًا قد أسبلت … فالسَّيف أحسنُ ما يرى بحمائل كم أحملُ الهمَّ الثقيل لوادعٍ … وأجودُ بالودِّ المصون لباخل أسلامةً أرجو لقلبٍ طائرٍ … نصبت له عيناكَ كفَّةَ حابل ملْ بالشُّمول إلي سوايَ فإنني … قد بلبلتْ لُبِّي بحُسن شمائل فمتى أفيقُ ونشوتي من ظلمها … ومتى أبُل ونفثتي من بابلي بيضاءَ حُلّتها نضارةُ أبيضٍ … قاني النَّجيعُ به وأسمر ذابل لا تتركنْ جسدًا سلبت فؤاده … سلبُ القتيل محلَّلٌ للقاتل قال ابن سعيد: وأنشدني له بعض أقاربه من مُلَحه، قوله أيضًا: شعر صديقٌ قال لي لما رآني … وقد صليتُ زهدًا ثم صمتُ على يد أيِّ شيخٍ تبتَ قل لي … فقلتُ على يد الإفلاس تبتُ (١)

стр. 1123

وقوله: يأمرني إبليس أن أغتبقْ … والشُّرب والإفلاس لا يتَّفقْ يحضرُ محبوبي وكأسي فإن … خالفته يعلمُ أنِّي حَمِق وقال ابن جلب راغب: خرج العزيز يومًا، فوجد جماعة بالباب، فقال: أيكم يعمل ارتجالًا في جارية حسناء، جَعَلت على وجهها زينة؛ صورة ثعبان وصورة عقرب، فقال ابن المجاور هذا: شعر جعل العذولُ يقول لي لما بدتْ … كالشَّمس في بعدٍ وفي إحراق لا تطمَعنَّ بوصلها وبلثمها … هذي منيَّة أنفُسِ العُشَّاق تُفَّاح خدَّيها حمته بعقربٍ … وبحيَّةٍ خوفًا من الإحراقِ فحذارِ ثم حذارِ يا عشَّاقها … فلديغُها ما إن له مِن راق قلت اتئد هذا وذاك توَّلدا … من ماءِ خدٍّ واضحٍ رقراق والله لا خوفٌ عليَّ بلثمها … ما دام خمرُ رُضَابها دُرْياقي وقال السعيد هبة الله ابن سنا الملك، رحمة الله عليه: صَفَا العيشُ في مُلك العزيز بن يوسفٍ … فلم يبقَ فيه للشوائب باقي فلا عقربٌ إلا بخَدِّ مليحةٍ … ولا جَوْر إلا في ولايةِ ساقي وقال القاضي أبو المكارم أحمد قوله: شعر سألتها تصفحُ عن زلَّةٍ … من عاشقٍ أقسمَ أن لا يعودْ فصوَّرت ملغزةً حيَّةً … وعقربًا فوق لهيبِ الخدود فكأن تفسيرَ الذي ألغزَتْ … خيفةَ أن يفهمَ عنَّا الحسودْ

стр. 1124

غفرتُ ما أسلفَ فليُهنه … جنَّة وصلٍ بعدَ نارِ الصُّدُود ولد ابن المجاور في صبيحة الأربعاء، سابع عشر شعبان، سنة تسع وأربعين وخمس مئة. وتوفي بالقاهرة، في ثالث عشرين جمادى الآخرة، سنة ست مئة في ما ذكر المنذري (١)، وبن ميسر (٢). وقال ابن سعيد: سنة إحدى وست مئة (٣)، رحمة الله عليه. ٥٧١ - يوسف بن رافع بن تميم الموصلي، المنعوت بالبهاء، المعروف بابن شداد، الفقيه الشافعي القاضي (٤). قرأ القراءات على أبي بكر يحيى بن سعدون القرطبي، وسمع منه، ولازم القراءة عليه إحدى عشرة سنة، وسمع من ابن الشيرجي، والحافظ أبي بكر محمد بن علي الجياني، وأبي الفضل عبد الله بن أحمد الطوسي، وببغداد من شهدة الكاتبة، والفقيه أبي الخير أحمد بن إسماعيل القزويني.

стр. 1125

وتولَّى قضاء العساكر، وقضاء حلب. وصنَّف تصانيف، منها: "أدب القضاء"، و"الأحكام" (١)، وغير ذلك. ومولده بالموصل، في العشر الأول من رمضان سنة تسع وثلاثين وخمس مئة. وتوفي رابع عشر، وقيل: سابع عشر صفر، سنة اثنتين وثلاثين وست مئة، عفا الله عنه، ورحمة الله عليه. ٥٧٢ - يوسف بن سليمان بن عبد الكافي الأندلسي، الفقيه الأديب، المكنى بأبي الحجاج (٢). له شعر منه قوله: شعر أنت كالشُّعلة التي كلَّما حطَّ سناها الإنسانُ زادَ ارتفاعا فإذا ما علوتَ في رُتَب الفضلِ تُرينا تواضعًا واتِّضاعا ولقد صغَّر العيان الذي كان كبيرًا عند الأنام سماعا وله في إنسانٍ بارد الطبع، جامد الحركات، هذه الأبيات، وهي قوله: شعر وصاحبٍ أصبح من برده … كالماء في كانون أو في شباط نُدْمَانه من ضيق أخلاقه … كأنَّهم في مثل سمّ الخِياط نادمتُهُ يومًا فألفيته … متَّصل الصَّمت قليل النَّشاط حتى لقد أوهمني أنَّه … بعضُ التماثيل الَّذي في البِسَاط
следующие страницы →