← Тараджим

Тараджим · id 30063

البدر السافر عن أنس المسافر

كمال الدين الأدفوي

Полный текст (1 191 стр.). Показаны 1121–1160 · переход к 1126.

стр. 1121

وسمعته يقول: أقمتُ مدة ما يخرج حبُّ المناظرة والاشتغال والخلاف من قلبي، إلى أن وصلت إلى الشيخ السَّمناني، قال: فخرج ذلك من قلبي، وصرت كما كنتُ أشتهي المناظرة أشتهي ترك المناظرة. توفي يوسف المذكور في شهر ربيع الأول، سنة خمس وثلاثين وخمس مئة، رحمة الله عليه. ٥٧٠ - يوسف بن الحسين بن محمد بن الحسين الفارسي المحتد، الدمشقي المولد، المنعوت بالنجم، والمعروف بابن المجاور (١). سمع الحديث بدمشق من الحافظ أبي القاسم ابن عساكر، والملك العادل محمود بن زنكي، والوزير أبي المظفر، وبالإسكندرية من أبي الطاهر ابن عوف، وحدث بها، وغيرها. وكان فاضلًا، أديبًا، شاعرًا، نحويًا. ذكره ابن الربيب، وقال: نشأ تلَّاءً للقرآن العزيز، مواظبًا على إقرائه، ثم صار يقرئ النحو والأدب، واشتهر بتعليم أولاد الكبراء، إلى أن وُصِف للملك الناصر صلاح الدين يوسف بن أيوب بن شادي، رَحِمَهُ اللَّهُ تعالى، فألزمه بإقراء ابنه العزيز، فأقرأه وآنس به، فلما صارت له السلطنة بمصر استوزره، فكان من خير الوزراء. وله النظم الحسن، منه قصيدته التي أولها قوله: شعر تَلا في تلا في سورةٍ ليسَ تُختمُ … فمشتبهٌ من هجره ليْ ومحكمُ يُكرِّر تلقائي دروس خلافهِ … فقلبي به يشقَى وطرفي ينعمُ

стр. 1122

أناظرهُ في الهجر كيف استباحه … فيذكرُ نصَّ الحسن لي فأسلِّم ولما تولَّى الخدَّ والي عذاره … رفعتُ إليه قصَّتي أتظلَّم فوقَّع فيها طرفه بصبابتي … وقال لي السِّلوانُ شيءٌ محرَّم أتلبسُ ثوب الخدِّ إذ كان ساذَجًا … وتخلعُه لمَّا غدا وهو مُعْلَم وله: دعني فإنِّى بالملول المائل … فيسوغُ عَدْلي في الغرام لعاذِلي شكوايَ من خدٍّ بحسنٍ شائفٍ … وبلائي من جَفْنٍ بسحر بابلي نقبٌ ترينا أوجها كأهلَّةٍ … وترى الجُسومَ غلائلًا كجداول لا تتركنَّ ظفائرًا قد أسبلت … فالسَّيف أحسنُ ما يرى بحمائل كم أحملُ الهمَّ الثقيل لوادعٍ … وأجودُ بالودِّ المصون لباخل أسلامةً أرجو لقلبٍ طائرٍ … نصبت له عيناكَ كفَّةَ حابل ملْ بالشُّمول إلي سوايَ فإنني … قد بلبلتْ لُبِّي بحُسن شمائل فمتى أفيقُ ونشوتي من ظلمها … ومتى أبُل ونفثتي من بابلي بيضاءَ حُلّتها نضارةُ أبيضٍ … قاني النَّجيعُ به وأسمر ذابل لا تتركنْ جسدًا سلبت فؤاده … سلبُ القتيل محلَّلٌ للقاتل قال ابن سعيد: وأنشدني له بعض أقاربه من مُلَحه، قوله أيضًا: شعر صديقٌ قال لي لما رآني … وقد صليتُ زهدًا ثم صمتُ على يد أيِّ شيخٍ تبتَ قل لي … فقلتُ على يد الإفلاس تبتُ (١)

стр. 1123

وقوله: يأمرني إبليس أن أغتبقْ … والشُّرب والإفلاس لا يتَّفقْ يحضرُ محبوبي وكأسي فإن … خالفته يعلمُ أنِّي حَمِق وقال ابن جلب راغب: خرج العزيز يومًا، فوجد جماعة بالباب، فقال: أيكم يعمل ارتجالًا في جارية حسناء، جَعَلت على وجهها زينة؛ صورة ثعبان وصورة عقرب، فقال ابن المجاور هذا: شعر جعل العذولُ يقول لي لما بدتْ … كالشَّمس في بعدٍ وفي إحراق لا تطمَعنَّ بوصلها وبلثمها … هذي منيَّة أنفُسِ العُشَّاق تُفَّاح خدَّيها حمته بعقربٍ … وبحيَّةٍ خوفًا من الإحراقِ فحذارِ ثم حذارِ يا عشَّاقها … فلديغُها ما إن له مِن راق قلت اتئد هذا وذاك توَّلدا … من ماءِ خدٍّ واضحٍ رقراق والله لا خوفٌ عليَّ بلثمها … ما دام خمرُ رُضَابها دُرْياقي وقال السعيد هبة الله ابن سنا الملك، رحمة الله عليه: صَفَا العيشُ في مُلك العزيز بن يوسفٍ … فلم يبقَ فيه للشوائب باقي فلا عقربٌ إلا بخَدِّ مليحةٍ … ولا جَوْر إلا في ولايةِ ساقي وقال القاضي أبو المكارم أحمد قوله: شعر سألتها تصفحُ عن زلَّةٍ … من عاشقٍ أقسمَ أن لا يعودْ فصوَّرت ملغزةً حيَّةً … وعقربًا فوق لهيبِ الخدود فكأن تفسيرَ الذي ألغزَتْ … خيفةَ أن يفهمَ عنَّا الحسودْ

стр. 1124

غفرتُ ما أسلفَ فليُهنه … جنَّة وصلٍ بعدَ نارِ الصُّدُود ولد ابن المجاور في صبيحة الأربعاء، سابع عشر شعبان، سنة تسع وأربعين وخمس مئة. وتوفي بالقاهرة، في ثالث عشرين جمادى الآخرة، سنة ست مئة في ما ذكر المنذري (١)، وبن ميسر (٢). وقال ابن سعيد: سنة إحدى وست مئة (٣)، رحمة الله عليه. ٥٧١ - يوسف بن رافع بن تميم الموصلي، المنعوت بالبهاء، المعروف بابن شداد، الفقيه الشافعي القاضي (٤). قرأ القراءات على أبي بكر يحيى بن سعدون القرطبي، وسمع منه، ولازم القراءة عليه إحدى عشرة سنة، وسمع من ابن الشيرجي، والحافظ أبي بكر محمد بن علي الجياني، وأبي الفضل عبد الله بن أحمد الطوسي، وببغداد من شهدة الكاتبة، والفقيه أبي الخير أحمد بن إسماعيل القزويني.

стр. 1125

وتولَّى قضاء العساكر، وقضاء حلب. وصنَّف تصانيف، منها: "أدب القضاء"، و"الأحكام" (١)، وغير ذلك. ومولده بالموصل، في العشر الأول من رمضان سنة تسع وثلاثين وخمس مئة. وتوفي رابع عشر، وقيل: سابع عشر صفر، سنة اثنتين وثلاثين وست مئة، عفا الله عنه، ورحمة الله عليه. ٥٧٢ - يوسف بن سليمان بن عبد الكافي الأندلسي، الفقيه الأديب، المكنى بأبي الحجاج (٢). له شعر منه قوله: شعر أنت كالشُّعلة التي كلَّما حطَّ سناها الإنسانُ زادَ ارتفاعا فإذا ما علوتَ في رُتَب الفضلِ تُرينا تواضعًا واتِّضاعا ولقد صغَّر العيان الذي كان كبيرًا عند الأنام سماعا وله في إنسانٍ بارد الطبع، جامد الحركات، هذه الأبيات، وهي قوله: شعر وصاحبٍ أصبح من برده … كالماء في كانون أو في شباط نُدْمَانه من ضيق أخلاقه … كأنَّهم في مثل سمّ الخِياط نادمتُهُ يومًا فألفيته … متَّصل الصَّمت قليل النَّشاط حتى لقد أوهمني أنَّه … بعضُ التماثيل الَّذي في البِسَاط

стр. 1126

كان في المئة السادسة، عفا الله عنه، ورحمة الله عليه. ٥٧٣ - يوسف بن عبد الله بن أيوب الفهري الداني القاضي (١). فقيه فاضلٌ، أديب شاعرٌ. روى عنه أبو الربيع ابن سالم، وولي الأحكام ببلنسية. ذكره الأبار في "التحفة"، وقال: أنشدنا عنه أبو الربيع قوله: أبى الله إلا أن أُفَارقَ منزلًا … يُطالعني وجهُ المُنى فيه سافرا كأنَّ على الأقدار أن لا أحلَّهُ … يمينًا فما أغشاهُ إلّا مُسافرا وقوله: تذكَّرتُ فانهلَّت جفوني أدمعا … مَصيفًا على عهد الشباب ومَرْبَعا منازلُ حالت دُونَها غربة النّوى … وهاجتْ عليها للمشوق تفجُّعا وقد راقني والشمسُ تقضي حُشَاشة … لها والدُّجى قد آن أن يتقنّعَا تألَّف سربٌ خلته وسْطَ مِذْنَبٍ … سفينًا على ساج من البحر مُقْلِعا ومنها: تهادَى أصَيْلانًا إلى وُكُناتهِ … كمثل المهاري بالأزمَّة نزَّعا دعاهُ لها داعي الحنين وحثَّه … حُبابٌ (٢) إلى تلك السبيل فأسرعا

стр. 1127

وسدّد مسعاه هنالك خائفٌ … توقّع من حصبائه ما توقعا توفي في شعبان، سنة اثنتين [وتسعين] (١) وخمس مئة، رحمة الله عليه. ٥٧٤ - يوسف بن عبد العزيز بن إبراهيم الهمْدَاني، ينعت بالعلَم، ويكنَّى بأبي المحاسن، ويعرف بابن المرصّص (٢). فاضلٌ، أديبٌ، شاعرٌ. ذكره ابن سعيد، وقال: كان من فضلاء القاهرة. وأورد من شعره قوله: شعر تنقَّلْ فَلذَّات الهوى في التنقُّل … ورِدْ كلَّ صافٍ لا تقفْ عند منهلٍ وإن سارَ من تهوى فسرْ عن غرامه … ولا ترسلنْ دمعًا على مترحِّل ولا تسكننَّ الوجدَ في دار غربةٍ … ولا تجعل المحبوب عنكَ بمعزلِ وكُن امرأً إن كان لا بدَّ من هوىً … ووَلِّ من الأحباب من شِئت واعْزِل حديثُ الهوى مثل الحديث حقيقةً … فآخرُ حبٍّ ناسخٌ حُكم أوَّل ولا تسمعن قول امرئ القيسْ إنه … مُضلٌّ ومن ذا يهتدي بمضلِّل فلا خِدْر إلا وهو خدر عنيزة … ولا دارَ إلا وهي دارةُ جلجل وفي الأرض أحبابٌ وفيها منازلٌ … فلا تبكِ من ذكرى حبيب ومنزل وقوله في ابن أبي علي، أحد أمراء حماة: شعر وفتحُ حماةٍ عنه يُروَى حديثُه … فلا منجدٌ إلَّا رواه ومتهمُ

стр. 1128

أتَاها على إحصانها غير بعْلها … فراحَتْ بأحجَار المناجِيق تُرجَمُ قال: ومات بحلب مخنوقًا، وأقام ميتًا بمنزله ثلاثة أيام. وكانت وفاته سنة ثمان وثلاثين وست مئة. ٥٧٥ - يوسف بن عبد الغالب بن هلال الإسكندراني العلَّاف (١). كان عامِّيًا، ولكن خُصّ بالنظم الظريف، والمنزع اللطيف. كتب عنه جماعة من الفضلاء. وأنشدني عنه بعض الإسكندرانيين، قوله في الحشيشة: شعر وخضراءَ لا الحمراءُ تفعل فعلها … لها وثَبَاتٌ في الحشا وثباتُ تؤجِّجُ نارًا في الحشا وهي جنَّةٌ … وتعطيك طعْم المرِّ وهي نباتُ وله أيضًا قوله في حائك: شعر كم قلتُ للحائكِ الظَّريف … وفي راحتِه طاقةٌ يخلِّصها توفي ببلده، في سنة عشرين وسبع مئة، في ما أخبرني به بعض أهل الإسكندرية. ٥٧٦ - يوسف بن عتبة الإشبيلي أبو الحجاج (٢). أديبٌ، شاعرٌ، طبيبٌ. ذكره ابن سعيد، وقال: كثير الحرج والانزعاج، وله مصنفات في الأدب، وله شعر وموشحات، وكان ظنينًا بنفسه. وفيه يقول أبو علي ابن موسى بن أبي حفص، ﵀: شعر

стр. 1129

إن ابن عُتبةَ فيه … من الجنون ضروب يضجُّ بقراط منه … ويستجيرُ حَبيب ما فيه عيبٌ ولكن … الكُلُّ منه عُيوب سُوء التأدُّب يحوي … وهو الحكيم الأَديبُ (١) قال ابن سعيد: كنَّا في محفلٍ محتفٍ بأهل هذه الصناعة، وما منهم إلا من هو موفور البضاعة، فقال: لقد أقام القيامة أهل غرناطتكم بالموشحة التي منها قوله: شعر ورد الأصيل طوته كفُّ الظلام فقلت له: تُنصف أو تَنصرف؟ فقال: ستجدني إن شاء الله من المنصفين، فقلت: هذا إمام الوشاحين عندكم أبو بكر ابن زهر، لما سمع هذه الموشحة أظهر الاستحسان، وقال: أين كنا نحن عن هذا! فقال: قد قلتُ أنا خيرًا من هذا، ثم أنشد قوله: شعر والظَّلام قتيل والصبح دامي الحُسام فقلت: الله أكبر! الآن يبدو الحق ويظهر، أخذتَ الأول من قول المتنبي، وهو قولك: والظلام قتيل، والثاني من قول أبي جعفر ابن سعيد: شعر شَربناها وجيشُ الصبح يغزو … وأنجُمه عواليُّ الرِّمَاح إلى أن خَرَّ شاكي الليل ميْتًا … وسيف الصبح محمرّ النّواحي فبُهت ولم يُحر جوابًا، وأطرق تأسُّفًا واكتئابًا، وانصرف وهو يقول: ما الذنب إلا لمن يخاطب الجهَّال. ثم إني اجتمعت به بعد هذا، ولاطفته، وأنشدني من شعره، قوله:

стр. 1130

أعدنا فَحمة الظلماء نارًا … براحٍ بات مُوقدها براحِ فأشرقتِ الجهات بها وزادت … بما استرقَتْه من غُرَر المِلاح وما زِلنا نُدير الكأس وردًا … ودرُّ الرَّوض يبسمُ عن أَقَاحِ إلى أن شُقّ جيب الليل شوقًا … وعُب بكأسنا ضوءُ الصباح وقد نطحت كؤوس الراح منَّا … لها صرعى على تلك البِطاح وقوله: أنجزتْ وعدي على غَرَر … فقطعنا الليل بالسَّهر وحديثٍ لا يكدِّره … مرُّ وسواس من الفكرِ وكأنِّي إذا ضاجعتها … بتُّ في روض النَّدى العطر في خيامٍ من تعانقِنا … حلَّلتها نسمة السَّحر ودعتني للوداع فلم … تُبق من عقلي ولم تذر قلتُ ماذا السيرُ في عجل … وغُراب البين لم يَطر وانثنت كالرَّوض منتقلًا … بفُنون النَّور والزَّهر ثم قالت كل ذي غَنَج … ودَلالٍ غير مُقتدر قُم وودِّع غير منتقد … قبل شَوْب الصَّفو بالكدَر فتعانَقْنا لفرقتنا … ثم لا تسأل عن الخبر الدر السافر عن أنس المسافر قال: وأخبرني صاحبه بمصر أبو الفضل التيفاشي، أنه قدم القاهرة، فلم يجد من يُقبل عليه إلا كهف المغاربة؛ الرئيس السيد جمال الدين ابن يغمور، فصيَّره مع أطباء البيمارستان، وصار يأنس به في بعض الأزمان، فسأله يومًا عن بلاده؟ فقال: فارقتُ

стр. 1131

الأندلس مضطربةً بدولة ابن هود، ومع هذا فإني أشتهي الرجوع إليها؛ لما أشاهده من أشغال النصارى بهذه البلاد، ثم أنشد قوله: أصبحتُ في مصرَ مستضامًا … أرقُص في دَولة القُرود وا ضيعةَ العُمر في أخير … مع النصارى أو اليهود بالجد رِزقُ الأنام فيهم … لا بذواتٍ ولا جُدود لا تُبصر الدهرَ تراعي … معنى قصيدٍ ولا قُصود أودُّ من لؤمهم رُجوعًا … للغرب في دولة ابن هود توفي بالقاهرة، سنة ست وثلاثين وست مئة، عفا الله عنه. ٥٧٧ - يوسف بن علي أبو القاسم الزَّنْجَاني، الفقيه الشافعي (١). تفقه على الشيخ أبي إسحاق الشيرازي، وبرع في الفقه. وكان ديِّنًا صالحًا. قال أبو سعد ابن السَّمعاني: سمعتُ المبارك بن أحمد بن عبد العزيز الأزَجِّي يقول: سمعت أبا القاسم المذكور يقول: سمعت شيخنا أبا إسحاق الشيرازي يقول: سمعت القاضي أبا الطيب الطبري يقول: كُنَّا في حلقة النظر بجامع المنصور، فجاء شابٌّ خراساني حنفي المذهب، فسأل عن مسألة المُصرَّاة (٢)، وطالب بالدَّليل، فاحتج المستدل

стр. 1132

بحديث أبي هريرة فيها (١)، فقال الحنفي: أبو هريرة غير مقبول الحديث، فما استتمَّ كلامه حتى سقطت عليه حيَّةٌ عظيمةٌ من سقف الجامع، فوثب الناس من أجلها، وهرب الشابّ بين يديها، وهي تتبعه، فقيل له: تب، فقال: تبتُ، فغابت الحية، فلم يُرَ لها أثرٌ. توفي الزَّنجاني يوم الأربعاء، رابع عشرين صفر، سنة خمس مئة، رحمة الله عليه، و ﵁. ٥٧٨ - يوسف بن محمد بن إبراهيم، المكنى بأبي الحجاج، الأنصاري البيَّاسي (٢). وبيَّاسة: مدينة بالأندلس. كان فاضلًا، أديبًا، شاعرًا. أخذ بمالقة عن أبي الحجاج البلوي، وبالجزيرة الخضراء عن أبي محمد ابن حوط الله، وبإشبيلية عن أبي الحسين ابن زرقون، وغيره. وصنف تصانيف، منها: كتابه الذي سماه "سنن الدين وسنن المهتدين"، ومنها "الإعلام بالحروب الواقعة في صدر الإسلام" (٣)، ومنها "كتاب في الوعظ، سماه "تذكرة

стр. 1133

العاقل وتنبيه الغافل" (١)، و"كتاب في العروض"، وكتاب "الحماسة"، ضاهى بها حماسة أبي تمام، وذكر فيها أشعار المتأخرين من المتنبي، والمعري، ومن بعدهم، وذكر شيئًا من شعره. وذكره ابن سعيد، فقال: كان من أشياخ المؤرخين، والأدباء المشهورين، ومن الذين هم بالإقراء معروفون، وبالفضل موصوفون. وكان حافظًا لنكت تواريخ الأندلس قديمًا وحديثًا، صحبته بإشبيلية، ثم بالجزيرة الخضراء، ثم بتونس زمانًا. وكان صبيٌّ من أعيان الجزيرة الخضراء، تهافت في حُبِّه جماعة من الأدباء والشعراء، ومنهم أديبٌ يقال له الفار، تسلَّط على البيَّاسيّ حتى سافر من الجزيرة الخضراء. وكان البيَّاسي يلقَّبُ بالقُط، فنظم قوله: شعر عذرت أبا الحجَّاج من ربِّ شيبة … غدا لابسًا في الحبِّ ثوبًا من القار وألجأه الفأر المشارك للنَّوى … ولم أر قُطًّا قبله فرَّ من فار وكان البيَّاسي يجتمع بهذا الصبي في جنة لوالده، على نهر وادي العسل، فنظم فيه قوله: شعر جنَّة وادي العسل … كم لي بها من أمل لو لم يكن ذُبابها … يمنع ذَوْق العَسل قال ابن سعيد: ولما التقينا بتونس، بعد إيابي من المشرق، وقد ولج الظلام على وجه حبيبه المشرق، قلت لأبي الحجاج، مشيرًا إلى محبوبه، وقد غطَّى هواه على عيوبه، قوله: شعر

стр. 1134

خلِّ أبا الحجَّاج هذا الذي … قد كنتَ فيه دائم الوجدِ وانظر إلى لحيته واعتَبِر … بما جنى الشَّعرُ على الخدّ فأطرق، ثم أنشد، وقال ارتجالًا: شعر لئن غدا الشَّعر شعارًا له … فإنه كالوَشْي للبردِ وهل ترى أحسن من روضة … يلتفُّ فيها الآسُ بالورد قال، وكتب إلى بعض أصحابه يذَكِّره بالأيام السوالف: شعر أبا حسن لعمرك إنَّ ذكري … لأيَّام النَّعيم من الصَّواب أمثلي ليس يَذكرُ عَهدَ حمص … وقد جمحت بنا خيلُ التصابي ونحنُ نجرُّ أثواب الأماني … مطرَّزة هنالك بالشَّباب وعهدي بالجزيرة ليسَ يُنسى … وإن أغفلتَه عند الخطاب هو الأحلى لديَّ وإن حماني … عن العسل اجتماعٌ للذباب (١) ولد ببيَّاسة، يوم الخميس رابع عشر شهر ربيع الأول، سنة ثلاث وسبعين وخمس مئة. وتوفي بتونس، يوم الأحد رابع ذي قعدة، سنة ثلاث وخمسين وست مئة، ﵀. ٥٧٩ - يوسف بن محمد، المنعوت بالموفق، المكنى بأبي الحجّاج، كاتب الإنشاء (٢).

стр. 1135

كان فاضلًا، أديبًا، شاعرًا. ذكره العماد الأصبهاني (١)، والضياء ابن الأثير الجزري، وأثنيا على فضله. وذكره ابن الزبير في كتابه المسمى بـ "الجنان". وأورد له من شعره قوله: شعر عذبت ليَال بالعذيب حوالي … وخلت مواقف بالوصال خوالي ومضَتْ لذاذاتٌ تقضَّى ذكرها … تُصْبي الخليَّ وتستهيم السَّالي وجَلت مورَّدة الخُدُود فأوثقت … في الصَّبوة الخالي بحسن الخال قالوا سراة بني هلال أصلها … صدقوا كذاك البدر فرع هلال وأورد له القاضي الرشيد ابن الزبير الأسواني في كتابه "الجنان قوله: شعر وأغنَّ سيف لحاظه … يفري الحسام بحده فضح الصوارم واللدان بقدِّه وبقده عجب الورى لما حييت … وقد منيت ببعده وبقاء جسمي ناحلًا … يصلى بوقدة صده كبقاء عنبر خاله … في نار صفحة خدِّه وقوله أيضًا في الشمعة: شعر وصحيحةٍ بيضاءَ تطلع في الدُّجى … صبحًا وتشفي الناظرين بدائها شابت ذوائبها أوان شبابها … واسودَّ مفرقُها أوانُ فنائها

стр. 1136

كالعين في طبقاتها ودُموعها … وسوادها وبياضها وصفائها وله ملح كثيرة ورسائل. وكبُر سنُّه، وكُفَّ بصره، وانقطع في بيته. ويقال: إن القاضي الفاضل عبد الرحيم أجرى عليه رزقًا يكفيه، إلى أن مات في الثالث والعشرين من جمادى الآخرة، سنة ست وستين وخمس مئة، عفا الله عنه، ورحمة الله عليه. ٥٨٠ - يوسف بن محمد بن المظفر بن حماد التنوخي الحموي، المنعوت بالجمال، المكنى بأبي المحاسن (١). كان فقيهًا شافعي المذهب، مشاركًا في الأصولين والنحو، أديبًا شاعرًا. قدم القاهرة، وحدَّث بشيء من شعره. كتب عنه الفضلاء؛ أنشدنا شيخنا العلامة أثير الدين أبو حيان، أنشدنا أبو المحاسن لنفسه، قوله ﵀: شعر وددتُ لو كان يَهْوى عاذِلي ليرى … حال المُحبِّ على الأشواق والفكر يتلو الملامَ على سمعي فيلذُّ به … قلبي بناءً على ما قَد رأى بصري يا فاضح الغُصن من عطفيه في هيفٍ … ومُخجِل الظَّبي من عينيه بالحور إني ومَدْمعُ عيني سائلٌ أبدًا … حرَّمت جفني لذيذ النَّوم بالسَّهر عسى يُوفِّي غريم الحُبِّ قتلته … في مُلتقى الحُسْن بين الغُصن والقمر

стр. 1137

وعلَّ طيفك يَسْري نحو عاشقِه … إن استقرَّت به تهويمة السَّحر قوله: ولما أن قضى أجلي بهجرٍ … وسرتُ كليمَ وجدٍ لا محالة بجانب خدِّه آنستُ نارًا … ولكنِّي وجدتُ بها ضلالة وقوله: حبيبيَ طالما وافقت هجري … لأنَّك لا ترى إلا خلافي وخالفتَ الوصال ومِلت عنه … لأنَّك بعض أغصان الخلاف وله نثرٌ؛ منه ما كتبهُ على "كتاب ابن نباتة" (١)، وهو قوله: شعر أُعيذُ آيات هذا الكتاب بآيات ذلك الكتاب، وأُطْنِبُ في ذكر محاسنه، واعلم أن الإيجاد في ذلك الإطناب، وأقولُ وأعجزُ عن وصف هذا القول، وأطيلُ فلا أبلغُ طوله، وإن بالغت في الطول، فأقف وأسلم عليه، وإنني لو سكتُّ لأثنت فضائله عليه، عقدٌ كل فرائده واسطة، ودرٌّ أطلعته تلك القريحة، وإن كانت لسمطه رابطة، وشهدٌ حلا مذاقه في سمع الشاهد، وزُلالٌ مطّرد، ولكن للرشاقة غير بارد، وسحرٌ قد أخلاه نافثه عن العقد، وكلامٌ مثل كلام عزّة، إذا سمعه المصغي إليه خرَّ راكعًا وسجد. قوله أيضًا، وله: شعر ولو قلتُ مهما قلتُ ما كنتُ بالغًا … بوصفٍ له شأو لأوصافه العُليا

стр. 1138

وماذا عسى المدَّاح أن يتوصَّلوا … لشيءٍ عظيمٍ منه قد فاتهم أشيا تعاظمت الأخبار عنه فعندما … لقيناه كان المجدُ أعظم في اللقيا تطوَّل آلاءً وطال مناقبًا … فطالت له الأيَّام والعزَّ والبقيا وخُلِّد ما كرَّ الجديدين مُلْكه … ودامَ لمن والاه ما دامت الدُّنيا أخذ عن جمال الدين ابن واصل. ودرَّس بالمدرسة الخيرية، وكان خطيب الجامع. وكان متدينًا، وفيه لطافةٌ، وظرافةٌ، وحُسن أخلاقٍ. ولد بحماة، في ثاني عشر جمادى الآخرة، سنة تسع وستين وست مئة. وتوفي بها، في سنة ست (١) وثلاثين وسبع مئة، في ما أخبرني به بعض أصحابنا، عفا الله عنه، ورحمة الله عليه. ٥٨١ - يوسف بن أبي المعالي بن زمَّاج (٢) بن بركة بن ثمامة بن أبي المعالي ابن سيف الدولة ابن حمدان التغلبي المصري، المنعوت بالبدر، المعروف بابن مهمندار العرب (٣). كان أديبًا، فاضلًا، شاعرًا، مؤرخًا. صنف تصانيف، منها: "كتاب في الأنساب"، ومنها كتاب في البديع سماه: "الآيات البينات".

стр. 1139

وله شعر جيد جزل، وملح مستعذبة، ومن نظمه قوله: شعر إن كنت تعجزُ أن تفوه بوصفه … حسنًا ومثلكَ من يفوقُ قريضه سلْ عن سوادِ الشَّعر نرجسَ طرفه … يخبركَ بالليل الطويل مريضه وله: كُنا إذا جئنا لمن قبلكم … أنصفَ في التَّرحيب بعد القيام واليومَ صرْنا حين نأتيكم … نقنعُ منكم بلطيفِ الكلام لا غيَّر الله بكم خشيةَ من أن يحيي من لا يرد السَّلام وقال صاحبنا الشيخ المحدث قطب الدين عبد الكريم بن عبد النور الحلبي: أنشدني لنفسه قوله: شعر مسائل دورٍ شيبُ رأسي وهجرها … فكلٌّ على كلٍّ له سببٌ ينبى فأحلفُ لولا الهجرُ ما شاب مفرقي … وتقسم لولا الشَّيب ما كرهَت قُربي وقوله: ما أن عجبتُ لكونِ نيلك فاتني … لسواد حظِّي وهو بحرٌ مزبدُ لكنَّني متعجبٌ كيف اختفَى … بين الأيادي البيض خطٌّ أسودُ وأنشدنا شيخنا العلامة أثير الدين أبو حيان، أنشدني ابن مهمندار العرب لنفسه، قوله: وليلةٍ مثل عين الظبي وهو معي … قطعتها آمنًا من يقظة الرُّقَبا أردفتها فوقَ دهم الليل مختفيًا … والصبحُ يركض خلفي خيله الشّهبا حتى دهاني وعين الشمس فاترة … وقد جذبت بذيل الليل ما انجذبا

стр. 1140

ماهيْ بأول عادات الصباح معي … ليلُ الشباب بصبح الشيب قد هربا قال: وأنشدنا لنفسه قوله: شعر يا خارجي عِذَارٍ ظَلَّ في زَرَدٍ … ما إن سمعنا بهذا الزَّحف من قُطُرِ وقال الشيخ فتح الدين اليعمري: أنشدنا لنفسه قوله: شعر فلا تعجَبْ لحسنِ المدح منِّي … صفاتك أظهرت حُكمَ البوادي وقد تُبدِي لكَ المِرْآة شخصًا … ويُسمعكَ الصَّدى ما قد تُنَادي وأنشدني الشيخ أثير الدين، قال: أنشدني لنفسه من أبيات، قوله: أعلى الورى هممًا أوفاهُم ذممًا … أسناهم كرمًا في كل منتهل ماضي العزيمة وهَّاب الكريمة دفَّاع العظيمة وثَّابٌ بلا فشل مُعطي الألوف ومطعام الضيوف ومطعانُ الصُّفوف ومُردي الحادث الجللِ بادي الوسامة دفَّاع الظلامة حمَّال الغرامة ذو عِلم وذو عملِ صافي السرائر صوَّام الهواجر قوَّام الدياجر والإصباح والأصل تأتي الوفود إليه لا إلى أحدٍ … ومن رأى البحر لا يأتي إلى الوشل الدهر شخص وأعضا جسمه دولٌ … وأنت وحدكَ فيه جوهر الدول مولده سنة اثنتين وست مئة. وتوفي في حدود السبع مئة ظنًا، رحمة الله عليه. ٥٨٢ - يوسف بن لؤلؤ الدمشقي، المنعوت بالبدر (١).

стр. 1141

أديبٌ، شاعرٌ. وله نظم جيد (١)، ومنه قوله: شعر، وهي هذه: أمن قلمِ الرَّيحان في خدِّه خطُّ … وفي قدِّه من لين ما ينبتُ الخطُّ بدا منه سطرٌ للعيون محقَّقٌ … يمثَّلُ خطًّا لا يماثلهُ خطُّ وخرَّج من الخطِّ العذار حواشيًا … على صفحات فيه بالمسْك تختط فأشكل لمَّا بان في الخد شكله … فيا عجبًا منه وخيلانه نقط وما هو إلا الآس سيَّج ورده … فعزَّ على من رامه القطف واللقط فيا ليت حظي منه قربٌ أو الرضى … فقد طال في ما بيننا السخط والشَّحْط تشابه قلبي في الخفوق وقرطه … فعلق منه مثل ما علق القرط وشطوا به عني فعزَّ مزاره … وأغلوا عليَّ السَّوْم في الوصل واشتطوا وله أيضًا من قصيدة قوله: شعر يا عاذلي فيه قُل لي … عن حبِّه كيف أسلو يمرُّ بي كلَّ حين … وكلما مرَّ يحلو توفي في شعبان، سنة ثمانين وست مئة، وقد بلغ من العمر ثلاثًا وسبعين سنة، رحمة الله عليه.

стр. 1142

٥٨٣ - يوسف بن أبي السعود الإربلي، الملقب بشيطان الشام (١). كان أديبًا، شاعرًا. ولقب بهذا اللقب؛ لأنه كان قد اشتهر فتكه ومُجُونه، فوضع عليه هذا اللقب. ومن شعره في المجون قوله: شعر سُمِّيتُ شيطانًا لأني إذا … نام الورَى ليلهُم لم أنمْ أدبُّ ما بينهمُ طالبًا … ما يطلُب الذِّئب خلال الغَنَم وكم تجرَّعتُ هوانًا وكم … ضربتُ كالعقرب ألْفَيْ قدمْ وكلُّ هذا هيِّنٌ عندما … أجعلُ في تلك الدَّواة القلمْ وقوله: جاءني يسعى وفي يده … قدحٌ من لون وجْنَته فشربنا من يديه على … خدِّه من خمر ريقته واتَّكى سكرًا فما … عبثَتْ لي يدٌ إلا بتكَّته قال ابن الربيب: بلغني أنه دخل مدينةً، فعشق بها غلامًا من أبناء النَّاس، وهم في نهاية التشديد، فأعوزته الحيلة، وكان يستريح بحديثه إلى صديق له، فقال له صديقه يومًا: كم تتعب في ما لا يفيد … (٢). قال ابن سعيد: توفي هذا المذكور في سنة خمس وست مئة.

стр. 1143

وذكر ابن خلكان يوسف بن النفيس المعروف بشيطان الشام الإربلي (١)، وذكر أنه رثى ابن المستوفي، وقد تقدم (٢)، والله أعلم. ٥٨٤ - يونس بن إبراهيم بن سليمان الصَّرْخَدي، المنعوت بالبدر، الحنفي الخطيب (٣). ذكر أنه سمع من الصريفيني. وكان فقيهًا، فاضلًا، عالمًا بالنحو، واللغة، والأدب، وله نظمٌ جيد. وكان قد أقام منقطعًا عن الناس مدة، ثم في آخر عمره طلب خطابة بلده، فأُجِيب إليها، وفرح به أقاربه وأهل بلده. وحدَّث بشيء من شعره، كتب عنه العلامة ابن الخباز قطعة منه، ومنه قوله: شعر ظَمئتْ إلى سَلْسالِ حُسنك مقلةٌ … رويتْ محاجُرها من العَبَرات تشتاق روضًا من جمالك طالما … سرحتْ به وجَنَتْ من الوجَنَات حجبوك عن عيني وما حجبوك عن … قلبي ولا مَنَعُوك من خطراتي هل ينقضي أمدُ البعاد ونلتقي … بلوى المحَصَّب أو على عرفات وتضُمُّنَا بعد البعاد منازلٌ … بالخيف أو بمنىً على الجمرات وأفيقُ من ولهي عَلَيْك وينقضي … شوقي إليكِ وتنطفي جمراتي ولد في ذي الحجة، سنة أربع عشرة وست مئة. وتوفي ببلده، في أوائل سنة ثمان وتسعين.

стр. 1144

٥٨٥ - يونس بن أحمد بن صلاح القلقشندي (١)، ينعت بالشرف (٢). سمع الحديث، وتفقه بالظهير التزمنتي، والجمال يحيى. وكان حافظًا في الفروع في مذهب الشافعي، وقرأ عليه الطلبة بمصر، وتخرَّج عليه جماعة، وكان مقصودًا للفتوى. وأعاد بالزاوية المعروفة بابن بنت الجميزي بالجامع العتيق بمصر، وكان يجلس بحوانيت الشهود؛ عاقد الأنكحة، ومتولي الفروض والفسوخ، ثم ترك في آخر عمره، وانقطع في منزله. وأخبرني بعض الفضلاء أن القلقشندي هذا وقع بينه وبين الشمس المحوجب نزاعٌ في مسألةٍ، وانفصلا عن غضب، فجاء المحوجب إليه ثاني يوم، واستغفر الله بين يديه، وقال: رأيت الشافعي في المنام، وقال: لا تُنازعه؛ فإنه ينقلُ مذهبي. توفي بمصر، يوم السبت حادي عشرين ربيع الآخر، سنة خمس وعشرين وسبع مئة، وعمره أربع وثمانون سنة. ٥٨٦ - يونس بن عبد المجيد بن علي الهذلي الأرمنتي، المنعوت بالسراج، الفقيه الشافعي القاضي (٣). سمع الحديث من الحافظ أبي الحسين يحيى العطار، وأبي حفص العامري، وتفقه

стр. 1145

بقوص على العلامة أبي الحسن علي بن وهب بن مطيع القشيري المنفلوطي، وأجازه بالفتوى، وقدم مصر، فاشتغل على الظهير التزمنتي. وكان فاضلًا، مشاركًا في النحو، والأصول، والأدب. وصنَّف كتابًا في الفقه سماه: "المسائل المهمة في اختلاف الأئمة" (١)، وكتاب "الفروق" (٢). وأعاد بالمدرسة المجاورة للجامع العتيق بمصر، المعروفة بزين التجار. وتولى القضاء بإخميم، ثم البهنسا، ثم بلبيس، ثم قوص. وكان لطيفًا، حسن العشرة، حلو المحاضرة، مليح المذاكرة. وله نظم حسن، أنشدني لنفسه قوله: كَمْ أزمةٍ حَدثت فعند حدُوثها … أُلْهِمتُ رُشْدي فاتَّخذتُكَ ناصري فكفَيتني المخشيَّ من أخطارها … بلطيفِ صُنعٍ لم يمرَّ بخاطري وأتيتَ في أثنائها بلطائفٍ … من كلِّ مبدعةٍ تروقُ لناظري فأرحتَ من حرِّ الشُّرور ظواهري … ومنحتَ من حُسن السُّرور سرائري فلك الثَّناء على جميل مواهبٍ … من فضلك المترادفِ المتظافر وأنشدني أيضًا لنفسه بالقاهرة قوله: شعر يدلُّ على أن لا اعتبارَ بعلَّةٍ … موانعُ يُبْديها إذا قاس قائسُ فنقضٌ وقلبٌ ثم قولٌ بموجبٍ … بلى عدم التَّأثير والفرقُ خامسُ وقوله:

стр. 1146

إن تَرْمِك الأقدارُ في أزمةٍ … أَوْجَبتها أجرامك السَّالفه فافْزع إلى ربِّك في كشفها … ليسَ لها من دونه كاشِفه وكتب إلى صاحبنا الشيخ العالم المقرئ النحوي الأديب تاج الدين أحمد بن عبد القادر بن أحمد بن مكتوم القيسي، يلتمس منه أن يشرح "مقدمة العلامة أبي عمرو ابن الحاجب" في التصريف. وابتدأ الكتاب بهذه القصيدة، أولها قوله: شعر دَعْ عَذَلي يا عاذلي … في حُلْوَة الشَّمائل وخلِّ عنِّي فالهوى … قد دبَّ في مفاصلي شحوبُ جسمي شاهدي … والدَّمعُ من دلائلي لَوْ كان بي غير هَوى لَيْلَى لهبَّ عاقلي مليحةٌ تُسبي النُّهى … بسحرِ طَرْفٍ بابلي تَسْطو على عُشَّاقها … بصارمٍ وذَابِل وكم بها من فتكةٍ … بكلِّ ليثٍ باسلِ لله عيشٌ قد مضى … في زمنِ التَّواصل ألذُّ من نيلِ المنى … وصلُ حبٍّ باخلِ قَضَّيتُ فيه أربي … في غفلةِ الغوائل حيث الرقيبُ قاطعي … ومن أحِبُّ واصلي منها قوله في المدح وطلب الشرح: يا أيها الحبرُ المعدُّ للمهمِّ النازلِ

стр. 1147

والعالم النَّدبُ الذي … أربَى على الأوائل والفاضلُ الفردُ الَّذي … يفوقُ كلَّ فاضلِ والمرْتَجى لكلِّ ما … أشكلَ من مسائلِ الصَّرفُ علمٌ لم يزَل … في أرفعِ المنازلِ شطرنجُ كل عالمٍ … ولعبةُ الأماثل يظهرُ في مضمارهِ … مقدارُ عقلِ العاقل وليس كالنحو الذي … صفا لكلِّ ناهل فازدحمَتْ وُرَّاده … كقطرات الوابل وقد غدا مختصر ابن … الحاجب الحُلاحلي أحسنُ عقدٍ قد حوى … جواهرَ الفضائل ألفاظه بديعةٌ … غريبةُ التَّشاكُل لكنَّها عويصةٌ … بعيدةُ التناول لم يعتنوا بشرحها … حسب أماني الآمل ولا انجلت سافرةً … بواضح الدَّلائل ولم تزَل فقيرةً … إلى اعتناء الفاضل وهي مطولة، وآخرها قوله: لازلتُم في نعمةٍ … تبقَى برغمِ الجاهل وسعدُ جدٍّ بالهنا … وكلُّ خير كاملِ

стр. 1148

ما ناح قمريٌّ وما … هبَّ نسيم الشامل تَولّى قوص، وأقام مدة فلُسع، وتُردّد في أنها لسعة ثعبانٍ أو عقربٍ، فمات بها. ولد بأَرْمَنْت في المحرم، سنة أربع وأربعين وست مئة. وتوفي في قوص، في خامس عشر ربيع الآخر، سنة خمس وعشرين وسبع مئة، عفا الله عنه، ورحمة الله عليه. ٥٨٧ - يونس بن محمد الجايري الحريري (١). نبغ في الشعر، وأتى على جميع أنواعه، فلم يُبْق من الإحسان فيها شيئًا ولم يَدع، وأتى منه بما تعجز عنه أبناء جنسه، لا باشتغالٍ بفنونه، بل بجودة طبعه وقوة حدسه، فجاء منهُ بالعجب العجاب، ولبَّى قَصيَّ الإجابة، فكان المجاب. أنشد كلٌّ من العدلين الفاضلين سديد الدين محمد بن فضل الله القوصي، وعلاء الدين أبو الحسن علي الجزري، قالا: أنشدنا لنفسه يمدح الأديب شمس الدين محمد البادرائي. قال لي سديد الدين: وكُنَّا قد اجتمعنا في الحمَّام؛ أنا، وفخر الدين ابن السوسي، ويونس، والبادرائي، وجَعَلْنا البادرائي ملك الشعراء، وقلنا: كُلٌّ منا يمدحه، فقال: امدحوني على وزن قصيدة فلان والقافية. قال: فنظم يونس هذه القصيدة التي أولها قوله: شعر يا صاحبيَّ ديارُ علوه … ظهر الهوى الخافي المموَّهْ والصَّبُّ يوبقه الجوى … وتخلُّف الرُّفقاء جفوَه فقفا وإلا فالهوى … يستوقفُ المشتاق عنوَه

стр. 1149

وسلا على تدريكُما … فأعزُّ ما في الحبِّ سلوه لا بأس أن يشكو المعاهِد … أو يبثُّ الدَّار شجوه يا سطوةَ البيْن المشتِّ وهل لغير البَيْن سطوه خلَّفتني أشكو الصفا … شكوى الخليلِ خليلَ صفوه بتأوُّهٍ أعْيَا الصدى … لو كان يُنجِى من تأوَّه بأبي أُوَيْطَان تسَقَّيْتُ الهوى فيهنَّ قهوه بلواحظٍ شهدَتْ سراياها بقلبي ألف غزوه وأنا المطيعُ الحبَّ إلا في تأمُّره بخلوه سافرتُ في العلياء حتى … صرتُ شهوةَ كل شهوه لا أستجيبُ لغيرِ مدح الشيخ شمس الدين دعوه ونظم سديد الدين قصيدة أولها قوله: شعر برقٌ بدا من دار علوه … أو قلبُ صبٍّ صار جَذْوَه فيها قلوب العاشقينَ تصرَّمت صدًّا وجفوه إني اجتهدت فصرتُ في العُشَّاق قدوةَ كلِّ قدوه لو أنَّ قيسًا مدركي … لمشَى على نهجي وعُرْوه لا عيش من بعد الصِّبا … يحلو سوى بجنونِ صبوه بمُهفهفٍ يُسبي العقول كأن في جفنيه قهوه أبدى قضيب القَدِّ منه يميلُ من لينٍ ونشوه

стр. 1150

قد أسكرتْ رشفاتهُ … لكنها كالشَّهد حلوه ومنها أيضًا في المدح قوله: شعر لك كلُّ وصفٍ يجعلُ السكيت مُنطلقًا مفوَّه أدبٌ وأَحسابٌ وإحسانٌ ونخوه شعري إليكَ حثثته … فأتى رقيقَ اللفظ نضوه وأتَتْ قوافيه على … أعقابهِ فأتت بقوَّه وقد اعترفتُ بفضلكَ لا بإكراهٍ وسطوه ووفيته جهرًا ولو … أخفيتهُ لأتاك رشوه ونظم ابن السوسي ما لا يناسب شعره، فتركتهُ. وأنشدني أبو الحسن علي بن إبراهيم الجزري، قال: أنشدني يونس المذكور لنفسه قوله: لو تودَّان للمشوق شفاءا … لن تريدا غير اللِّوى إلواءا إن هذي البقاع كانت لأسماءَ قديمًا فأصبحت أسماءا قد رأى هذه الرُّسوم ديارًا … من رأى رسمَ أعْظُمي أعضاءا حيَيَّاها فإن أهاجت بكاءً … يمنعُ النُّطق فابعثا إيماءا أسْعِداني إن تستطيعا وإلَّا … فذراني أعدُّ ذلك وفاءا كل يومٍ لمهجَتي يحدثُ البينَ مدى الدَّهر غارةً شعواءا ودموعًا توابعًا لدموع … وزفيرًا يعاود الأحشاءا صاحِ إن الغَضَى ليطفي بإذني … من دُموعي بل ليسَ ذا الدَّمع ماءا

стр. 1151

منها قوله: أيها الرَّبعُ إن عيني لتبكيك … وإن كنتَ كاتم الأنباءا غادَرتني دماك أبكي دماءً … ولقد زادني بَلَاك بلاءا رُبَّ دهرٍ تألفتني الأماني … في مغانيكَ إلف عَيني البكاءا بحسانٍ تستكثر الأرض إن لُحْنَ … بها أنجمًا فتبكي السَّماءا كلُّ عذراء إن تراءت لعيني … رأت النَّاس بعدها أقذاءا أسكرَتْ خمرةُ الصِّبا مقلتيها … فرأت أهل وُدِّها أعداءا فاحذرا نهبها النفوس وإن … ألبسها النُّسْك والحياء رداءا واقبلا زجْرَ حاجبيها وعوجا … إنَّ للموت آلةً حدباءا وأنشدني أيضًا قال: أنشدني يونس لنفسه قوله: شعر وشادنٍ زارَ بعد يأسٍ … كالغيثِ وافى على قنوطِ وباتَ يجلو عليَّ كأسًا … جاءت بحلِّ الدَّم العبيط ولم نُثَلِّث إذا اختلسنا … إلا بإثمٍ بنا محيط فقلتُ والليل في شبابٍ … عاجله الصبح بالوُخُوط مشمِّرٍ ذيله لسيرٍ … تشمير ذي الرِّحلة النشيط بالله يا صُبْحُ لا تزرنا … فالصُّبح حربٌ لقوم لوطِ وأنشدني أيضًا قال: أنشدني يونس لنفسه قوله: شعر وإني لذو سمعٍ يطول اشتياقه … إلى موعدٍ منها وإن شانه المطل

стр. 1152

وما الصبُّ إلا في حياة ذميمةٍ … إذا لم يَفُز بالوعد إن فاته الوصل وأنشدني أيضًا قال: أنشدني لنفسه قوله: شعر يا أهلَ وُدِّي وما أهلًا دعوتكم … بالحقِّ لكنها العادات والدَّربُ أبدعةٌ ظهرت في الحبِّ حادثة … بالغدر أم رجعتْ عن دينها العرب وأنشدني عنه أيضًا لنفسه قوله: شعر أيا ميُّ إن البين أعْمَى بصيرتي … فلم أدرِ بعد اليوم رشدًا ولا غيَّا وإني لأسقي حيكم من مدامعي … وأعجبُ من ذا ميِّتٌ يَسْقيَ الحيَّا قال: وقلَبَهُ مَوَاليًا، فقال أيضًا: شعر لما بدت بين أترابٍ لها من طيّ خودٌ … طوَتْ ثوبَ صبري بعد نشر وطيّ قلتُ سقيت بدمعي حَيَّكم يامَيّ … قالت أعجب ما رأينا مَيْت يسقي حيّ توفي بالقاهرة، في حدود العشرين وسبع مئة، عفا الله عنه، ورَحِمَهُ اللَّهُ. ٥٨٨ - يونس بن يوسف بن مساعد الشيباني، ثم المخارقي (١). مشهورٌ بالصلاح والكرامات، مذكورٌ بالمكاشفات. وله أصحابٌ يُنْسبون إليه، قد عوّلوا في طريقهم عليه، ولهم لِبْسةٌ مخصوصةٌ، وَيدَّعون أن شيخهم المذكور كان مجذوبًا؛ يعنون أنه لا شيخَ له اقتدى به، وإنما هداه الله،

стр. 1153

فاهتدى به بغير واسطة، ولا بينه وبين أحد من المشايخ غير الإسلام رابطة. حَكَى عنه الشيخ محمد بن أحمد بن عبيد أنه كان مسافرًا رفيقًا لهم، قال: فنزلنا في الطريق على عين بوارا، وهي التي يُجلب منها الملح البواري، وهي بين سنجار وعانة، وكانت الطريق مخوفًا، فلم يقدر أحد منَّا ينام من شدة الخوف، ونام الشيخ يونس، فلما انتبه، قلت له: كيف نمتَ مع شدة الخوف؟ فقال: ما نمتُ حتى جاء إسماعيل بن إبراهيم الخليل، صلوات الله عليهما، وتدرّك القَفْل. وهذا يُحمَلُ على أنه رآه في ابتداء نومه، وأخبره أنه تدَرَّك القَفْل. على أن بعض أصحاب هذه الطريق يَدَّعي رؤية الأنبياء، والاجتماع بهم في اليقظة. قال: وكنت أيضًا عند الشيخ يونس في قريته، وعزمت على دخول نصيبين، فقال لي: إذا دخلتَ نصيبين، فاشتر لأم مساعد كفنًا، وهي أم ولده، وكانت في عافية، فقلتُ له: وما بها حتى أشتري لها كفنًا؟ فقال: ما يضرّ، فلما عدتُ وجدتها توفيت. وأنشد عنه هذه المواليا قوله، ﵁: أنا حميتُ الحمى … وأنا سكنتو فيه وأنا رميتُ الخلائقَ … في بحارِ التِّيه من كان يبغي العَطا … منِّي أنا أعطيه أنا فتىً ما أُداني … من به تشبيه وأصحابه يحكون عنه حكايات كثيرة، ويذكرون عنه معارفَ يدَّعُون أنها شهيرة، والله متولي السريرة (١).

стр. 1154

وكانت وفاته في سنة تسع عشرة وست مئة، وقد ناهز التسعين. وتوفي في قريته وتسمى القُنَيَّة (١)؛ بضم القاف، وفتح النون، وتشديد الياء آخر الحروف، تصغير قناة، وقبره مشهور بها يزار، وتقصده الزّوار.

стр. 1155

الكنى ٥٨٩ - أبو بكر بن إبراهيم بن حيدة القرشي، المنعوت بالجمال، المعروف بابن القماح، الفقيه الشافعي المقرئ (١). قرأ القراءات، وسمع الحديث من العلامة أبي عبد الله محمد بن عبد الله المرسي، والإمام أبي محمد ابن عبد السلام، وتفقه به، وبالسديد التزمنتي. وتولى عنده ولايات، ومنها وكالة بيت المال بدمشق. وحدَّث بها بـ "الأربعين الصغرى" (٢) للحافظ البيهقي. وله نظم جيِّدٌ. ومولده بالقاهرة، في العشر الآخر من شهر ربيع الآخر، سنة سبع وثلاثين وست مئة؛ في ما أخبرني به ابن أخيه العلامة شمس الدين محمد (٣). وتوفي بها ليلة الجمعة، سابع عشر ذي قعدة، سنة ثمان عشرة وسبع مئة، ودفن بالقرافة. ٥٩٠ - أبو بكر بن إسماعيل بن عبد العزيز السَّنكلومي (٤)، المنعوت بالمجد (٥).

стр. 1156

كان فقيهًا على مذهب الشافعي، ومشاركًا في النحو، والأصول. سمع الحديث بالقاهرة من الحافظ عبد المؤمن الدمياطي، وأبي الحسن ابن الصواف، وأبي العباس أحمد الأبرقوهي، وبالإسكندرية من أبي الحسين يحيى ابن الصواف، وتفقه بالعلامة أبي حفص عمر بن أحمد النشائي، وعليه تخرَّج في النحو والأصول. وكان صالحًا، متديِّنًا، ساكنًا، قليل الكلام؛ حضر معنا الدروس سنين كثيرة لم أسمعه يتكلم. وأعاد بالمدرسة الصالحية، والظاهرية بين القصرين، وبالمدرسة المجاورة لضريح الإمام الشافعي، وبالمدرسة المسرورية. وتولَّى تدريس الحديث النبوي، على صاحبه أفضل الصلاة والسلام، بالجامع الحاكمي، والقبة الركنية بيبَرْس، والمشيخة بالخانقاه الرُّكنية المذكورة. وتصدَّى لإقراء الطلبة، فقرأ عليه الجم الغفير، طائفة بعد طائفة، وانْتُفِع به. وعُرِض عليه القضاء بقوص فلم يُجِب. وقال: لولا الضرورة ما حضرت الدروس، وكانت الطلبة تقرأ عليه الدروس في الطُّرُق، وبالليل والنهار، وهو صابرٌ على ذلك. وصنَّف تصانيف، منها: "شرح التنبيه" (١) في مجلدات، وهو اختصار (٢) لشرح ابن

стр. 1157

الرفعة، وشَرَح "منهاج النووي" (١) في مجلدات، و "التعجيز" في مجلدات، و"التبريزي" (٢) في مجلدين، واختصر "التنبيه" مصححًا على طريقة المتأخرين، وجمع زوائد كتاب "البحر للروياني" على الرافعي، وجمع "المعارضة بين الرافعي والنووي" في مجلدة لطيفة. ولم يكن حادَّ القريحة، ولا له قوة المناظرة، وأقام مدَّةً متضعِّفًا وهو يُشْغل، ومضى على جميل وثناء جزيل. توفي بالقاهرة، في يوم الاثنين سابع ربيع الأول، سنة أربعين وسبع مئة. ٥٩١ - أبو بكر بن عمر بن علي بن سالم القسطنطيني، ينعت بالرضي (٣). كان فقيهًا شافعيًا، فاضلًا، نحويًا، مشاركًا في فنون من حديث، وأدب، وغيرهما. سمع بالقدس من الأوقى، وبديار مصر من ابن المخيلي، وابن عوف، وقرأ النحو على صهره يحيى ابن مُعطي، وأبي عمرو ابن الحاجب. وحدث؛ سمع منه القاسم البرزالي، وقال: كان صالحًا، مشهورًا بالديانة، وروى عن ابن مُعطي ألفيته (٤) في النحو (٥). حدثنا عنه الشيخ المقرئ تقي الدين الصائغ.

стр. 1158

وتولى التدريس بالمدرسة الفخرية. وكان عاقلًا لبيبًا، يجمع بين الضدَّين في الصحبة والمخالطة، ولا يُنسَبُ إليه شيءٌ. وحكى لي القاضي أبو الطاهر إسماعيل السفطي قاضي قوص، أنه كان في جملة من كان في خدمة الشيخ عز الدين ابن عبد السلام حين أسقط من أسقط، وأن الرَّهج كَثُر، فكان آخر من أسقطه الشيخ عز الدين: محيي الدين ابن عين الدولة، ولكثرة اللغط لم يسمع، فقال الرضي: هذه شهادةٌ تعلَّقت بنا، والمذكور أخيرًا لم يسمع، فقال الشيخ: ابن عين الدولة، فنُقِلت إليه. ثم مضت الأيام وتولى ابن عين الدولة القضاء، ولم يتعرَّض للرضي، فحضر إليه العَلَم ابن الهامة، وشكى منه، فقال له القاضي: خَلِّنا ورُح، فقال: يا مولانا يذكر المملوك شيئًا يتعلَّق بالذمَّة، هذا كَتَب على كُتُب وقف المدرسة اسمَه، وأصرف جامكية لشخص توفي من سنة، وآخر غائب مدَّة، فأرسل القاضي أحضره والحساب، وحُوقق، فضربه، وأسقطه، وأركبه حمارًا، فأُعْلم الصاحب بهاء الدين، فركب ولحقه في الطريق، فأنزله، وقد بلغ الكتاب أجله (١). واللَّبيب يجتنبُ الشرور، ولكن لا حيلة في المقدور. وكانت وفاته بالقاهرة، في شهر شوال سنة خمس وتسعين وست مئة، عفا الله عنه، ورحمة الله عليه. ٥٩٢ - أبو بكر بن محمد بن قاسم التونسي، ينعت بالمجد، الفقيه النحوي المقرئ (٢).

стр. 1159

قرأ القراءات على حسن الراشدي، وأخذ عنه النحو، وحضر عند الشيخ بهاء الدين ابن النحاس، وسمع الحديث من ابن البخاري، وشرف الدين الفزاري. وشارك في أصول الفقه، وتصدَّر بدمشق، فقرأ عليه الأعيان. قال البرزالي: وكان صالحًا متديِّنًا، يحبُّ الخلوة والانقطاع (١). ولد بتونس، سنة ست وخمسين وست مئة. وتوفي بدمشق، في سادس عشرين ذي قعدة، سنة ثمان عشرة وسبع مئة، رحمة الله عليه. ٥٩٣ - أبو الحسين بن عبد الخالق بن عبد الله بن مُلْهم بن عبدة بن عبد الله بن مُلْهم الكناني اللجوسي (٢). نسبة إلى موضع بالشام يقال له: بيت لجوس. كان أديبًا، شاعرًا. حدَّث بشيء من شعره؛ سمع منه قاضي القضاة أبو حفص عمر بن عبد الله السبكي، وولده أبو بكر، والحافظ المنذري. وقال: أنشدني لنفسه يمدح رسول الله ﷺ ، قوله قصيدة: قلبي عن العَذْل والعُذَّال مشغولُ … والحبُّ في الناس مجهولٌ ومعقولُ وكيف يعقلُ من أمسى وناصره … بعسكر الصدِّ ممن رام مخذولُ

стр. 1160

يا بانة الحيِّ قد أثمرت شمس ضحىً … جسمي نحيلٌ وقلبي منك منحولُ أهيمُ بين صباباتي مخالسةً … من الرَّقيب ولُبِّي منه مخبولُ أضحيت في الحب معذورًا وهل عذَلٌ … يُغني إذا خاض بحرَ الحبِّ معذول جرى الهوى بفؤادي مذ وقفتُ بها … وروحُ وصلي بسيف الهجرِ مقتول وحَلَّ وجدي وولَّى الصبر مرتحلًا … وعقدُ عزمي بما عاينتُ محلول هيفا إذا ما صحت يومًا شمائلها … فقدُّها لدنه بالتِّيه مشمول دمي بأطلالها إذ سُلَّ صارِمها … من لحظها ضاربٌ بالحُبِّ مطلولُ قفْ فانظر البدْرَ منها فهي طلعهُ … يعلو على الشمس منها فهو إكليل يحارُ في ذاتها من شاء يدركهُ … ويستوي سائلٌ فيه ومسئولُ وكيف يدرك والبدر المنير بهِ … والَى التمَّام وعنه المحْقُ معزول تجرُّ ذيل الصبا تيهًا إذا خطرت … وكلُّ حسنٍ بها في الخلقِ مفضولُ سرى بها في فؤادي فهي ساكنةٌ … لمَّا خلا منه طرفي فهو متبول يبكي وقد حُجِبت عنه محاسنها … ويضحكُ القلبُ إذ فيه بها السُّول لمَّا اقتربنا تباعدنا ولا عجبٌ … شرعُ الهوى حكمه حفظٌ وتبديلُ أمسى يرومُ خيالًا منك يطرقني … فلمَ بخلتَ ومالي عنكَ تحويلُ ومنزلُ الوصل خالٍ من تجمُّعنا … ومنزلُ الهجر بالتَّفريقِ مأهول والحبُّ أوله مرٌّ وأوسطهُ … حلوٌ وآخرهُ للصبِّ تعليل علمتُ أنَّ الهوى يفنى ولذَّته … تَبْقى أسىً وحديث المرء منقولُ قصدتُ من كلِّ خلقٍ دون رتبته … يفوقُهم منه تعظيمٌ وتبجيلُ
следующие страницы →