عبد الله بن أبي حفص بن عبد المؤمن (١).
وكانت وفاته في آخر يوم من المحرم سنة أربع وسبعين و [خمس] مئة (٢)، ﵁.
٣٤ - أحمد بن عبد الرحمن بن محمد بن مضاء اللخمي القرطبي المكنى بأبي العبّاس وأبي جعفر (٣).
كان فقيهًا على مذهب أهل الظاهر، وكان قاضي الجماعة.
ترجمه أبو جعفر ابن الزبير فقال: أحد من خُتمت به المئة السّادسة من أفراد العلماء، روى عن القاضي أبي بكر ابن العربي، وأبي عبد الله محمد بن أصبغ، وأبي عبد الله محمد بن معمر المالقي، وأبي عبد الله ابن أبي الخصال، وأبي عبد الله محمد بن أحمد بن موسى ابن وضّاح المريني، وأبي محمد عبد الحق بن غالب بن عطية، وأبي الفضل عياض، وخلائق.
ورحل إلى ابن الرمال (٤)، وأخذ عنه كتاب سيبويه تفقهًا، وسمع جملة من كتب
стр. 107
النحو كالإيضاح والجمل (١)، وغيرهما، ومن كتب الأدب واللغة ما لا يحصى كثرة، وتقدم في علم العربية، واعتنى بكتاب سيبويه، وله في النحو اختيارات ومذاهب وآراء، شذّ عن مألوف أهلها في كثير من التعاليل التقديرية.
وصنّف تصانيف، منها كتاب سمّاه: "تنزيه القرآن عمّا لا يليق بالبيان"، وكتاب "المشرق في النحو"، كتاب لطيف، وردّ على النحاة في جزء متوسط سمّاه: كتاب "الزّهو في الردّ على أئمة النحو" (٢)، وردّ عليه ابن خروف ردّه (٣).
وولي قضاء فاس وقضاء الحضرة، فأحسن السيرة، فعظم عند أولي الأمر قدره وشأنه، وأعملت الرحلة إليه، واعتمد في كثير من المأخذ عليه.
وروى عنه القاضي أبو محمد ابن حوط الله (٤)، وأخوه أبو سليمان (٥)، والحافظ أبو محمد ابن القرطبي (٦) في آخرين، ومضى على جميل.
стр. 108
ومولده بقرطبة، ليلة الفطر، عام ثلاث عشرة وخمس مئة.
وتوفي بإشبيلية، في سابع عشر جمادى الأولى، سنة اثنتين وتسعين منها.
٣٥ - أحمد بن عبد الرحمن بن عبد المنعم بن نعمة المقدسي الحنبلي، المنعوت شهاب الدين، ويكنّى بأبي العباس، معبّر المنامات (١).
سمع الحديث، وحدّث عن السّاوي، وابن رواج (٢)، والسّبط (٣)، وأبي الحسن علي بن سلامة الفقيه الشافعي، وروى عن عمّه يوسف، ومحيي الدين ابن الجوزي.
وكان إمامًا في تعبير الرؤيا (٤)، وتقع له فيه غرائب شبيهة بالمكاشفات، أخبرني بها جماعة.
وأخبرني شيخنا قاضي القضاة أبو عبد الله محمد بن إبراهيم بن سعد الله بن جماعة الكناني، قال: رأيت رؤيا فقصصتها عليه، فذكر لي فيها أشياء، وذكر منها أن الزّوجة حامل، وأنها تلد ذَكَرًا، فسألت الزوجة عن الحمل فلم تعرفه، ثم تبيّن حملها، وولدت عبد الله.
стр. 109
وُلِد أبو العباس بنابلس ليلة الثلاثاء ثالث عشر شعبان سنة ثمان وعشرين وست مئة، وتوفي بدمشق في يوم الأحد تاسع عشرين ذي القعدة سنة سبع وتسعين (١) … (٢)
٣٦ - [أحمد بن عبد العزيز بن محمد أبو الطيب المقدسي الفقيه الواعظ (٣).
يا ناظري ناظري وقف على السهر … ويا فؤادي فؤادي مسكن الضرر
ويا حياتي حياتي غير طيبة … وهل تطيب لفقد السمع والبصر
ويا سروري سروري قد ذهبت به … وإن تبقى قليلا فهو في الأثر
والعين بعدك يا عيني مدامعها … تسقي مغانيك ما يغني عن المطر
والقلب بعدك يا قلبي تقلبه … بالنار أيدي الأسى من شدة الفكر
لم يبك مثلي على ما نابه أحد … في الناس كلهم إلا أبو البشر
٣٧ - أحمد بن عبد الله بن محمد بن أبي بكر الطبري (٤).
стр. 110
مريضٌ من صدودك لا يعاد … به ألم لغيرك لا يعاد
وقد ألف التداوي بالتداني … فهل أيام وصلكم تعاد
لحا الله العواذل كم يلحوا … وكم عذلوا فما أصغى وعادوا
ولو لمحوا من الأحباب معنىً … لما أبدوا هناك ولا أعادوا
ولا والله لا أسلوا ولكن … أزيد جوىً إذا في العدل جاروا
أريد وصالها وتريد بعدي … فما أشقى مريدٍ لا يراد
وما زالت ليالي الوصل بيضًا … وليل الهجر يغشاه السواد
٣٨ - أحمد بن عبد المحسن بن أحمد الدِّمْيَاطيّ، المنعوت زين الدين] (١).
واصرفوا عني الهموم بصرف … هي ريحان راحتي وارتياحي
واتركوني بباب حاني طريحًا … ساجدًا نحو قبلة الأقداح
وندامى الغبوق حولي قيامًا … لتؤدي فريضة الاصطباح
يا نديمي وما سواك نديمي … هات راحي وليس عندك راحي
стр. 111
وإذا ما افتضحت دعني فإنّي … قد حلت سكرتي وطاب افتضاحي
قم فما العيش غير نهب كؤوس … من أكفّ الصباح حتى الصباح
أي عيش ألذ من عيش مثلي … ونديمي مدامة الأرواح
أجتليها من ساحر الطرف تحكي … لين أعطافه قدود الرّماح
بدويّ قد سلّ من سود عينيه … سيوفا تفل بيض الصّفاح
ما أماط اللثام في الليل إلا … قلت سبحان فالق الإصباح
جمل الحسن فصّلت منه حتّى … ليس فيها المحتاج للإيضاح
في هواه ما أطيب العمر يمضي … بين عبث من جده ومزاحي
فأسقينها أو يفسد السكر عقلي … فعلى مذهبي فسادي صلاحي
في مقام شربتها مع نديمي … أين كانت عواذلي واللواحي
من يكن دينه الخلاعة مثلي … ما عليه في سكره من جناح
كل ذنب أتيته حالة الصّحو … فسكري منها لذنبي ماحي
فصّلت خلعة السّرور على هيئة … مثلي فكان وفق اقتراحي
وانقضى كالمنام عمري … ما بين غدوٍّ لصبوة ورواح
فعلى أعين الكرام أجلُّ كاسي … لا على أعين الندامى الشحاح
كم يفوت البخيل من طيب عيش … نهبته ألبابُ أهل السَّماح
وله قال شعر:
стр. 112
تذكرتِ الوادي فحنّت إلى الذكرى … وهبّ شذى النادي فمالت به سكرى
فدعها وسكر الوجد كيف اشتهى بها … يميل فمن نجد قد استنشقت عطرا
تذكّرت الحنَّانَة (١) الرّمل بالنّقا … فأجرت على مبيضه أدمعا حمرًا
وسحّ سحاب الجفن منها تشوقًا … لعيش حلا تذكاره بعد ما مرّا
يسطّر دمع العين منها رسائلًا … لأبصار أهل العشق من دونها تقرا
ومفهومها يا أهل نجدٍ هواكم … نصيبي من الدنيا وزادي إلى الأخرى
توفي يوم الأربعاء من عشر شوال سنة ثمان وسبعين وست مئة.
٣٩ - أحمد بن عبد الملك بن عبد المنعم بن عبد العزيز العزازي، المنعوت شهاب الدين، المكنى بأبي العباس البزّار (٢).
كان شاعرًا جيّد الشعر، مكثرًا من النظم، وله "ديوان" شعر (٣)، حدث بشيء منه.
سمع منه الفضلاء، وكتب عنه العلماء والأدباء، ومدح الأعيان والوزراء.
стр. 113
ومن شعره قوله:
قف ناشدًا بين اللّوى وزروده … قلبًا أضلّته سوالف غيده
واغضض جفونك عن ورود غصونه … واحفظ فؤادك من غصون قدوده
لله كم سفكت دماه دمًا وكم … فتكت عيون ظبائه بأسوده
وأغنّ ما لاحظت حمرة خدّه … إلا وجرّد بيضه من سوده
قمر إذا ما حلّ عقرب صدغه … حكمت أدلّة حسنه بسعوده
لله كم أحيا حشاشة عاشق … بوصاله وأماتها بصدوده
ولربّ ليلٍ زارني متنقبًا … جزعًا كما التفت الغزال بجيده
فضممته عند اللقا حتى التقى … دران درُّ مدامعي وعقوده
وله في الأكرم عبد الكريم مباشر الخاص السلطاني مدائح، منها قصيدته التي يقول فيها شعر:
أفديه من هاز على هازل … مقاتل لي عارف مقاتلي
غصن عليّ مائل مع الهوى … ميلي مع الهوى على عواذلي
سألته يردّ عني أدمعي … فقال لي يكره ردّ السّائل
وراعه عذاره لما رأى … كمائمًا للورد في الخمائل
تبدى الشمول منه لي شمائلا … ما أولع الشمول بالشمائل
يا أيها الواصف أبناء النّدى … والجود واللّاهج بالأوائل
стр. 114
دع ذكر يحيى وجعفر وبعده … فضل وعرّج بأبي الفضائل (١)
عرّج على البحر إذا البحر طما … وعُجْ على الغيث الملتّ الهاطل
عبد الكريم مع بقايا فضله … أربى على عبد الرحيم الفاضل
قاض يقوم كلما أمّلته … بالجود بالفروض والنَّوافل
في كفّه أنبوبة من قصب … فاقت أنابيب الوشيج الذابل
كم يسّرت من عسرة لقاصد … وقرّبت من حاجة لآمل
وله موشحات حسنة، منها موشحته التي أولها قوله: شعر
من هام وجدا بذوات الحلى … مبتلى بالحدق السود وبيض الطلا
باللوى ملى حسن لديوني لوى
كم نوى قتلي وكم عذبني بالنّوى
قد هوى في حبّة قلبي بحكم الهوى
واصطلى نار تجنّيه ونار القلى … كيف لا يذوب من هام بريم الفلا
بي رشا دمعي بسرّى في هواه فشا
لو يشاء أطفأ مني جمرات الحشا
إن مشى مال به خمر الصّبا وانتشى
عطلا من الحميا يا مدير الطلا … ما خلا إذا أدار النّاظر الأكحلا
стр. 115
هل يلام من غلب الحبّ عليه فهام
مستهام بفاتر اللحظ رشيق القوام
ذي ابتسام أحسن نظمًا من حباب المدام
لو ملا من ريقه كأسًا لأحيا الملا … أو جلى وجهًا رأيت القمر المجتلى
لو عفا قلبك عمّن زلّ أو قد هفا
أو صفا ما كان كالجلمد أو كالصفا
بالوفا سل عن فتى غدّيته بالجفا
هل خلا فؤاده من خطرات الولا … أو سلا أو خان ذاك الموثق الأول
وقال أيضًا موشحة، أولها قوله:
يا ولاة الحبّ إن دمي سفكته الأعين النجل … أنا مالي بالعيون يد لا ولا صبر ولا جلد
شفني منهن ما أجد … فتكت بي فتك منتقم … بسهام راشها الكحل
بتّ مشغوفًا بحبّ رشا
بين حبّات القلوب نشا
قد برأه الله كيف يشا
صنم ناهيك من صنم … حائر في خدّه الخجل … لاح بدرًا وانثنى غصنا
وأعار الظبي حين رنا
خصره المكسو ثوب ضنا
стр. 116
كم إلى كم يدّعي سقمي … وهو في دعواه منتحل … ظالم يبكي فابتسم
وهو بالإعراض متّسم
خيفة أن تكثر التّهم
وألذّ العيش بالتهم
سيّما إن شانه العذل … مانعي من مرشف ولمى … كيف ترضاني أموت ظما
فابحني وِرْدَه كرما
فكمال الحسن بالكرم
والذي يزري به البخل
ولد العزازي سنة ثلاث وثلاثين وست مئة، وتوفي بالقاهرة في سابع عشرين شهر المحرّم سنة عشرة وسبع مئة.
٤٠ - أحمد بن عبد الوهاب بن خلف بن محمود بن بدر العَلامي المصري المولد الدّميري الأصل، المنعوت علاء الدين، المعروف بابن بنت الأعز (١).
الفقيه الشافعي الأديب الشاعر.
كان رئيسًا وجيها، كبير المروءة، كثير الإحسان إلى الخلق، لطيف المزاح، كثير التبسّم.
стр. 117
درّس بالقاهرة بالمدرسة القُطبيّة التي بالبُندقانيين، وبالمدرسة الهكّارية، ودرّس بدمشق بالمدرسة الظاهرية، والمدرسة القيمرية.
ودخل اليمن، وتعيّن لقضاء القضاة بالديّار المصرية، وربّما أنه قيل ولّي وما تمّ له الأمر.
حدّث بشيء من شعره، كتب عنه الفضلاء، أنشدني شيخنا أثير الدين أبو حيان، أنشدني علاء الدين لنفسه هذا الدّوبيت، قال:
في السُّمر معان لا ترى في البيض … تاالله لقد نصحت في تحريضي
ما الشّهد إذا طعمته كاللبن يكفي فطنًا محاسن التعريض
وقوله:
وقالوا بالعذار تسلّ عنه … وما أنا عن غزال الحسن سالي
وإن أبدت لنا خدّاه مسكًا … فإن السك بعض دم الغزال
وحكى لي الشيخ أثير الدين أبو حيان قال: اجتمعت أنا وعلاء الدين وفخر الدين ابن درباس (١)، فرأينا شابًا يسبح في البحر، ثم طلع فتلطخ بالتراب، فقال علاء الدين: ينظم كل منا في هذا شيئًا، فتفرقنا كل واحد في جهة، ونظمنا، ثم اجتمعنا.
فأنشد علاء الدين قوله:
ومترّب لولا التراب بجسمه … لم تبصر الأبصار منه منظرا
стр. 118
فكأنه بدر عليه سحابة … والترب ليل من سناه أقمرا
وأنشد ابن درباس قوله:
ومترّب تربت يدا من حازه … كقضيب تبر ضمّخوه بعنبر
وكأن طرّته ونور جبينه … ليل أضاء على صباح مسفر
قال الشيخ: وأنشدت أنا أقول:
ومترّب قد ظنّ أن جماله … سيصونه منا بترب أعفر
فغدا يضمّخه فزاد ملاحة … إذ قد حوى ليلا بصبح أنور
وكأنما الجسم الصّقيل وتربه … كافورة لطخت بمسك أذفر
توفي علاء الدين هذا بالقاهرة، في آخر شهر ربيع الآخر وأول جمادى سنة تسع وتسعين وست مئة.
٤١ - أحمد بن عرفة البقلي، نسبه إلى البقل، ويدعى عبد القدوس (١).
شيخ منسوب إلى الصلاح والولاية، وله أصحاب ينسبون إليه يعرفون بالبقلية.
ذكره أبو الحسن ابن سعيد في "تاريخه الكبير"، وقال: إنه عاش أكثر من مئة وعشرين سنة، وكانت له أرض يزرع فيها شيئًا من البقول، ويبيعه من أهل قرية النخّاسة بخبز
стр. 119
يتقوّت به، فإذا ورد عليه ضيف أتى له أهل القرية بالضيّافة، فإن الجميع صاروا أصحابه وتلامذته، ولبسوا الخرقة منه.
وذكره عبد اللطيف النّرسي (١) في كتاب "الذيل" (٢)، وقال: حضرت عنده مرّة، وقد ورد عليه أضياف، واقترحنا عليه سماعًا، فأشار الشيخ إلى شخص من أصحابه، وقال: قل للفقراء شيئًا، فأنشد الفقير، وقال: شعر
صحت في الأظعان يا حاديهم … أين قلبي فأجابوا يا معنّى
قلبك المحزون قد حلّ بنا … أينما سرنا جميعًا سار معنا
لو أجيبت لمحبّ دعوة … لسألت الله في الظالم منا
وما تجنبنا وصالًا مللًا … إنّما هجراننا حرفٌ لمعنى
قد كشفنا في الهوى سرّ الحيا … وافتضحنا في هواكم واسترحنا
هكذا شيمة أرباب الهوى … من رآنا فليردّ الطرف عنّا
فأخذ الجماعة الحال، فقال الشيخ للقوال: رِفْقًا بأضيافنا قتلتهم علينا، فأنشد القوّال، وقال شعر:
قرعت بابك لا أخشى تمنّعه … وإن تمنّع لم أعذر ولم أَلُمِ
стр. 120
قالوا رجوت النّدى من غير ما سببٍ … فقلت هل سبب أقوى من الكرم
وكان الأضياف مئة وأربعين نفسًا، فقام الجميع وتقدّموا بين يدي الشيخ، واتّخذوه شيخًا، وكان فيهم عشرة أنفس من أرباب المناصب، فصاروا فقراء، فسمع الخليفة الناصر بذلك، فقال: الحمد لله الذي هداهم.
فلما كانت الليلة الثانية، جاء الخليفة مستخفيًا، وزار الشيخ وأعطاه ألف دينار، فردّها الشيخ، وقال: نحن ما تعوّدنا بالدنانير، إنما تعوّدنا بالكسيرات.
توفي ﵀ ونفع به، في سادس عشرين صفر (١) من شهور سنة ثمان وأربعين وست مئة، ﵁.
٤٢ - أحمد بن علي بن ثابت بن أحمد بن مهدي أبو بكر البغدادي، الخطيب الحافظ، الفقيه الشافعي، الإمام الجليل.
ترجمه جماعة من الحفاظ والعلماء، منهم الحافظ الكبير أبو القاسم الدِّمَشْقي (٢)، والحافظ علي بن المفضّل المقدسي (٣)، والحافظ أبو عبد الله ابن النجّار، والحافظ أبو الفرج ابن الجوزي (٤)، وغيرهم.
قال ابن النجار: الخطيب إمام هذه الصنعة، ومن انتهت إليه الرئاسة في الحفظ والإتقان، والقيام بعلوم الحديث، وحُسْن التصنيف.
стр. 121
ولد بقرية من أعمال نهر الملك تعرف بهنينا، وكان أبوه يخطب بدَرْزِيجَان (١)، ونشأ الخطيب ببغداد، وحفظ القرآن المجيد، وقرأ بالروايات، وتفقه بالقاضي أبي الطيّب الطبري، وعلّق عنه شيئًا من الخلاف.
واشتغل بسماع الحديث ببغداد، وأكثر منه، ثم رحل إلى البصرة، فسمع بها سنن أبي داود من القاضي أبي عمر (٢) الهاشمي، وتوجه إلى خراسان، فسمع من أصحاب الأصمّ، وسمع بالعراق، ثم عاد إلى بغداد، وسمع من الشيوخ الباقين بها.
وصنّف المصنفات المفيدة في فنون الحديث، وحدّث، ثم خرج إلى الشام حاجًّا في سنة خمس وأربعين وأربع مئة.
وقال ابن شافع (٣) في "تاريخه": في صفر سنة إحدى وخمسين.
وسمع بصور، ودمشق، وحجّ في تلك السنة، وقرأ بمكة صحيح البخاري، في خمسة أيام على كريمة المروزية (٤).
ورجع إلى بغداد، وصار له قرب من الوزير أبي القاسم ابن المسلمة، فلما وقعت فتنة
стр. 122
البساسيري ببغداد في سنة خمسين، وقبض على الوزير، استتر الخطيب وخرج إلى الشام، وصار يتردّد ما بين صور، ودمشق، وبيت المقدس، يسمع ويحدث ويملي، ثم عاد إلى بغداد، وحدّث بها بالتاريخ الذي صنّفه، وبكتاب السنن، وغيرهما.
وكان قد سمع ببغداد أبا الحسن ابن رزقويه، قال ابن نقطة: وهو أول شيخ سمع منه الحديث (١)، وأبا الحسن أحمد بن محمد بن الصلت، وأبا عمر عبد الواحد بن محمد بن عبد الله بن مهدي، وأبا الحسين محمد بن الحسن بن الفضل القطّان، وعلي بن محمد بن عبد الله بن بِشْران، وأخاه أبا القاسم عبد الملك، وأبا القاسم عبد الرحمن بن عبيد الله الحُرْقي، وأبا علي الحسن بن أحمد بن شاذان، وأبا عمرو عثمان بن محمد بن دوست العلّاف، وأخاه أحمد، وخلائق، وبالبصرة، وهمذان، والريّ، والعراق، من خلائق، وبأصبهان الحافظ أبا نعيم، وغيره.
روى عنه من مشايخه جماعة، منهم: أبو الحسن ابن رزقويه، وأبو القاسم الأزهري، وأبو بكر البرقاني، وعبد العزيز الكتّاني.
وروى عنه من أقرانه: أبو عبد الله الصّوري، وأبو القاسم علي بن محمد بن أبي العلاء الدِّمَشْقي، والفقيه نصر المقدسي، وأبو المظفّر النسفي، وأبو علي ابن البنّا، وأبو نصر ابن ماكولا، وغيرهم، وآخر من حدّث عنه: أبو الفضل محمد بن عمر بن يوسف الأرموي.
كتب البرقاني مع الخطيب كتابًا إلى أبي نعيم الحافظ، وكتب فيه: وقد توجّه إليك أخونا أبو بكر أحمد بن علي بن ثابت ليقتبس من علومك، ويستفيد من حديثك، وهو بحمد الله ممن له في هذا الشأن سابقة حسنة، وقدم ثابت، وفهم فيه حسن، وقد رحل فيه وفي طلبه، وحصل له منه ما لم يحصل لكثير من أمثاله الطّالبين له، وسيظهر لك منه
стр. 123
عند الاجتماع به، مع ما فيه من التورّع والتحفظ وصحة التحصيل، ما يحسن لديك ويحمد به عندك منزلته، وأنا أرجو إذا صحّت لديك منه هذه الصفة، أن تليّن له جانبك، وتحتمل منه ما عساه يريده من تثقيل في الاستكثار، أو زيادة في الاصطبار، فقديمًا حمل السلف من الخلف، ما ربّما ثقّلوا به وتوفّروا على المستحق منهم بالتخصيص والتقديم ما لم ينله الكلّ منهم (١).
وقال الأمير أبو نصر ابن ماكولا: سألت أبا عبد الله الصّوري عن الخطيب وأبي نصر السّجزي: أيهما أحفظ؟ ففضّل الخطيب تفضيلا بينًا.
وقال الشيخ أبو إسحاق الشيرازي: أبو بكر في معرفة الحديث يُنَظّر بالدارقطني ونظرائه.
وقال أبو الوليد الباجي: رأيت الحفّاظ في ديار الإسلام أربعة: أبا ذر عبد بن أحمد، وأبا عبد الله الصّوري، والأرموي، والخطيب البغدادي، وأما الفقهاء فكثير، ثم قال: والخطيب حافظ متقن.
وقال ابن ماكولا أيضًا: الخطيب كان أحد الأعيان ممن شاهدناه معرفة، وإتقانًا، وحفظا، وضبطًا، وتفهمًا في علله، وخِبْرَة برُواته وناقليه، وعلمًا بصحيحه، وسقيمه، وغريبه، وفرده، ومنكره، ومطروحه، ولم يكن للبغداديين بعد الدارقطني من يجري مجراه، ولا قام بعده بهذا الشأن سواه، فقد استفدنا كثيرًا من هذا اليسير الذي نحسنه به وعنده، وتعلمنا شطرًا من هذا القليل الذي نعرفه بتنبيهه منه، فجزاه الله تعالى عنا الخير، ولقّاه الحسنى وجميع مشايخنا وأئمتنا (٢).
стр. 124
وقال عمر بن عبد الكريم الدهستاني: الخطيب إمام هذه الصنعة، ما رأيت مثله.
وقال أبو يعقوب يوسف بن أيّوب الهمداني: حضر الخطيب درس شيخنا أبي إسحاق الشيرازي، فروى الشيخ حديثًا من رواية بحر بن كثير، ثم قال للخطيب: ما تقول فيه؟ فقال: إن أذنت لي ذكرت حاله، فأسند الشيخ ظهره وقعد مثل ما يقعد التلميذ بين يدي الأستاذ يسمع كلام الخطيب، وشرع الخطيب في شرح أحواله ويقول: قال فلان كذا فيه، وقال فلان كذا، و"شرح الحال شرحًا حسنًا، وذكر ما ذكر فيه الأئمة من الجرح والتعديل، إلى أن فرغ منه، فأثنى عليه الشيخ ثناء حسنًا، وقال عنه: هو دارقطني عصرنا.
وقال ابن الأكفاني: حضرنا في دار بعضهم للسماع من الخطيب، وحضر أبو زكرياء التبريزي، فحدّث الخطيب ببعض كُتُب أبي عبيد، فجاءت كلمة عربية غريبة، فقرأها الخطيب على الصواب، ثم التفت إلى أبي زكرياء التبريزي، وقال له: أليست هكذا؟ فقال أبو زكرياء: بلى يا سيّدنا، الله الله، يعني أنك لا تحتاج إلى أن تَسْأل.
وقال عنه أبو علي أحمد بن محمد الحافظ: الخطيب حافظ وقته، وما رأيت مثله.
وقال الحافظ السّلفي: سألت أبا علي أحمد بن محمد بن أحمد البرداني، يعني المذكور: هل رأيت مثل الخطيب؟ فقال: ولا أظن الخطيب رأى مثل نفسه.
وقال أبو نصر هبة الله بن علي بن المجلي: الخطيب نسيج وحده، ولم أر لمثله في معناه.
وقال أبو نصر المؤتمن بن أحمد السّاجي: ما أَخْرَجت بغداد بعد الدّارقطني أحفظ من الخطيب.
وقال أبو غالب شجاع بن فارس الذهلي: الخطيب إمامٌ مصنفٌ، حافظٌ ثقة، لم ندرك من حفاظ الحديث وعلمائه في معرفته مثله، وسمعنا قطعة صالحة من فوائده ومصنفاته منه، كتب عنه شيخه الأزهري وهو ابن عشرين سنة.
стр. 125
وقال أبو الفرج الأسفرائيني: كان الحافظ أبو بكر معنا في طريق الحجّ، فكان يختم كل ليلة ختمة إلى قرب الغياب، وكان يقرأ قراءة ترتيل، فيجتمع عليه الناس وهو راكب، ويقولون له: حدّثنا، فيحدثهم.
وقال عبد المحسن بن محمد بن علي: كنت عديل أبي بكر الخطيب من دمشق إلى بغداد، فكان له في كل يوم وليلة ختمة.
وقال مسعود بن محمد: سمعت الفضل بن عمر النسوي يقول: كنت في جامع صور عند الخطيب، فدخل عليه بعض العلويين وفي كمّه دنانير، وذكر له بعض المحتشمين من أهل صور، وقال: هو يسلّم عليك، وأرسل إليك هذه الدنانير لتصرفها في بعض مهمّاتك، فقال الخطيب: لا حاجة لي فيها وقطّب وجهه، فقال له العلوي: فتصرفها إلى بعض أصحابك، فقال له: يصرفها إلى من يريد، فقال: كأنك تستقلّها، ونفض كمّه على سجادة الخطيب، وقال: هذه ثلاث مئة دينار، فقام الخطيب محمرّ الوجه، وأخذ السجادة، ونفض الدنانير وخرج، فما أنسى عزّ خروج الخطيب وذلّ العلوي وهو على الأرض يلتقط الدنانير يجمعها (١).
وقال أبو نصر محمد بن سعد المؤدب: سمعت أبي يقول: قلت للخطيب عند لقائي له: أنت الحافظ أبو بكر؟ فقال: انتهى الحفظ إلى الدّارقطني، أنا أبو بكر ابن علي.
وقال محمد ابن الحافظ (٢): كان الخطيب من ذوي المروءات، حدّثني الخطيب
стр. 126
التبريزي قال: لما دخلت دمشق في سنة ست وخمسين، كان الخطيب بها وله حلقة كبيرة، فكنت أقرأ عليه الكتب الأدبية المسموعة له، فإذا مرّ في كتابه "بشيء يحتاج إلى إصلاح يصلحه، ويقول لي: أنت تريد مني الرواية وأنا أريد منك الدّراية، وكنت أسكن منارة الجامع، فصعد إلي يومًا وقال لي: أحببت أن أزورك في بيتك فتحدّثنا ساعة، ثم أخرج قرطاسًا فيه شيء، وقال: الهدية مستحبة، وأسألك أن تشتري بهذا القلم، ونهض وإذا بالقرطاس فيه خمسة دنانير، وجاءني مرة ثانية وحمل لي ذهبًا وقال: اشتر به كاغدًا، فكان نحوًا من الأول أو أكثر، وكان جهوري الصوت، إذا قرأ يسمع صوته من آخر الجامع، وكان يقرأ معربًا صحيحًا (١).
وقال أبو منصور علي بن علي بن عبيد الله الأمين: لما رجع الخطيب من الشام، كانت له ثروة من الثياب والعين، ولم يكن له عقب، فكتب إلى القائم بأمر الله أن يأذن له أن يفرّق ماله على من شاء، فأذن له، ففرّقه على أصحاب الحديث.
وقال ناصر بن محمد: كنت أدخل عليه وأمرّضه، فقلت له يومًا: يا سيّدي إن أبا الفضل ابن خيرون لم يعطني شيئًا من الذهب، الذي أمرته أن يفرقه على أصحاب الحديث، فرفع رأسه، وقال: خذ هذه الخرقة بارك الله لك فيها، فكان فيها أربعون دينارًا.
وله مصنفات كثيرة احترقت بعد موته، وسَلِم منها كتاب "التاريخ" (٢)، و"المؤتلف والمختلف"، و"المفترق والمتفق" (٣)، و"تلخيص المتشابه" (٤)، و"الجامع لأخلاق الراوي
стр. 127
والسامع" (١)، و"الموضح أوهام الجمع والتفريق" (٢)، و"الكفاية" (٣)، و"رافع الارتياب عن الأسماء والأنساب"، و"الفقيه والمتفقه" (٤)، و"السّابق واللاحق" (٥)، و"الفصل والوصل المدرج في النقل" (٦)، و"رواة مالك"، و"المكمل في بيان المهمل"، و"تمييز المزيد في متّصل الأسانيد"، و"الأسماء المبهمة" (٧)، و"معجم الرواة عن شعبة"، و"التفصيل لمبهم المراسيل"، و"غنية الملتمس" (٨)، و"تالي كتاب التلخيص" (٩)، و"المبين لأسماء المدلسين"، و"شرف أصحاب الحديث" (١٠)، و"من وافقت كنيته اسم أبيه"، و"تقييد العلم" (١١)، و"البخلاء" (١٢)، و"الطفيليين" (١٣)، و"الأحاديث المسلسلة"، و"الحيل"، و"القنوت"، و"قبض العلم"، و"الغسل للجمعة"، و"الجهر بالبسملة"، و"نهج سبيل السؤال في أن البسملة آية من الفاتحة"، و"القضاء بالشاهد واليمين"، و"الرحلة في طلب
стр. 128
الحديث" (١)، و"الآباء عن الأبناء"، و"من حدّث ونسي"، و"أحاديث الستّة التابعين" (٢)، و"الردّ على من رأى صوم الشكّ"، و"صلاة التسبيح" (٣)، و"رواية الصحابة عن التابعين"، و"اقتضاء العلم العمل" (٤)، و"القول في معرفة النجوم وبيان المحمود منها والمذموم"، و"الاحتجاج بالشافعي" (٥)، و"الإجازة للمجهول والمعدوم" (٦)، و"الزهد والرقائق" (٧).
وكان له زيادة على ستين مصنفًا.
قال ابن النجار: قال بعض الشيوخ وأظنه ابن خيرون: ذكر الخطيب أنه شرب من ماء زمزم ثلاث مرات، وسأل الله ثلاث حاجات: الأولى: أن يُحدِّث ببغداد بكتاب التاريخ، والثانية: أن يُمْلِي بجامع المنصور، والثالثة: أن يُدْفَن بجانب قبر بشر الحافي (٨).
فلما عاد حَدّث بالتاريخ ببغداد، ووجد جزء فيه سماع الخليفة، فاستأذن أن يسمع عليه، فقال الخليفة: هذا رجل كبير في الحديث، وليس له حاجة إلى السماع منَّا، لعلَّ له
стр. 129
حاجة فاسألوه، فسألوه فذكر أنه يقصد أن يؤذن له في الإملاء بجامع المنصور، فأذن له، فأملى فيه (١).
ولمّا مات كان الشيخ أبو بكر الصوفي (٢) قد أعدّ لنفسه قبرًا إلى جانب بشر، وكان له مدة يمضي إليه في كل أسبوع مرّة، وينام فيه ويقرأ فيه القرآن، فجاء أصحاب الحديث إلى الصوفي، وسألوه أن يدفنوا الخطيب في القبر، فإن الخطيب وصّى أن يُدْفَن بجانب بشر، ولم يوجد غير قبر الصوفي، فامتنع من الإذن امتناعًا شديدًا، فجاء المحدثون إلى بعض الأكابر وذكروا له القصّة، فأحضر الصوفي وقال له: أنا لا أقول لك أعطهم القبر، ولكن أقول: لو كان بشر حيًا وأنت إلى جانبه، وجاء الخطيب ليقعد دونك، أكان ذلك يحسن بك، فقال: لا بل كنت أقوم وأجلسه مكاني، فقال: فهكذا ينبغي أن تكون السّاعة، فطاب قلبه وأمرهم أن يدفنوه فيه (٣).
وكان رئيس الرؤساء (٤) تقدّم أمره إلى الخطباء والوُعَّاظ أن لا يرووا حديثًا حتى يعرضوه على الخطيب، وأظهر بعض اليهود كتابًا، وادّعى أنه كتاب رسول الله ﷺ بإسقاط الجزية عن أهل خيبر، فعرض على الخطيب، فتأمَّله، ثم قال: هذا مزوّر، فقيل له: ومن أين علمت ذلك؟ فقال: في هذا الكتاب شهادة معاوية، وإنما أسلم عام الفتح
стр. 130
سنة ثمان، وخيبر سنة سبع، وفيه شهادة سعد بن معاذ، ومات يوم بني قريظة بسهم أصابه في أكحله يوم الخندق، قبل فتح خيبر بسنتين.
ولما مرض الخطيب، وصّى بكتبه وقفًا، وفرّق ماله في وجوه البرّ.
ولما حُمِلت جنازته صُلّيَ عليه في مواضع، وكان بين يديه جماعة ينادون: هذا الذي كان يحفظ حديث رسول الله ﷺ ، هذا الذي كان ينفي الكذب عن رسول الله، وممّن حمل جنازته الشيخ أبو إسحاق الشيرازي (١)، وختم على قبره ختمات.
ورُئِيت له منامات، ذكرها ابن عَسَاكِر، وابن النجّار، وغيرهما بأسانيد، وفي بعضها أنه قال: أنا في روح وريحان وجنّة نعيم.
وقال مكي بن عبد السّلام المقدسي (٢): رأيت كتابًا أو قال: كأنا جئنا نسمع من الخطيب "التاريخ"، والفقيه نصر المقدسي حاضرٌ، وشخص آخر سألت عنه، فقيل لي: هذا رسول الله، جاء يسمع التاريخ.
وذكره ابن الجوزي، وعابه بما لا عَيْب فيه، فقال: كان فيه تعصّب، لمّا ذكر أحمد، قال: تاج المحدثين، ولما ذكر الشافعي، قال: سيد الفقهاء، قال: ولما ترجم ابن بطة، ذكر الكلام فيه عن ابن برهان، وهو معتزلي، ونحو ذلك (٣).
فتأمّل كلام أبي الفرَج ترى فيه عوجًا، وابن برهان موثق معظَّم منسوب إلى عبادة وجلالة، والنقل عنه ليس ببدع.
стр. 131
وكذا ذكر سبط ابن الجوزي في كتابه "مرآة الزمان" (١) عنه، أنه هوى شابًا، وذكر ما لا يصحّ ولا يوافق عليه.
وذنبُ الخطيب إليهما أنه كان حنبليًا أولًا، فصار شافعيًا أشعريًا، وذلك عندهما كافٍ في الذم، والله أعلم.
وللخطيب نظم جيد، فمنه ﵁، قوله: شعر
لا تغبطنّ أخا الدنيا بزخرفها … ولا للذة وقت عجّلت فرحا
فالدّهر أسرع شيء في تقلّبه … وفعله بيّن للخلق قد وضحا
كم شاربٍ عسلًا فيه منيّته … وكم تقلّد سيفًا من به جرحا
وقوله:
إذا قنع المقل غدا غنيا … كأن ما فاته يوم مراد
ومن تخذ القناعة رأس مال … فليس بماله أبدًا نفاد
وقوله:
الأمن والقوت إذا استجمعا … وصحّة الجسم على الدّوم
للمرء قد حاز جميع الغنى … وذلك عندي ملك القوم
стр. 132
وقوله: شعر
تغيب الخلق عن عيني سوى قمر … حسبي من الخلق طرًا ذلك القمر
محله في فؤادي قد تملكه … وحاز روحي فمالي عنه مصطبر
والشمس أقرب منه في تناولها … وغاية الحظ منها للورى النّظر
أردت تقبيله يومًا مخالسة … فصار من ناظري في خدّه أثر
وكم حكيم رآه ظنه ملكًا … وردّد الفكر فيه أنه بشر
وقوله: شعر
للخمر والورد حقّ لست أجحده … إذنا سباها تبدّت منه بلواي
فالخمر من طيب ريق الحب قد سرقت … والورد أضحى يحاكي خدّ مولاي
وله ﵁ شعر:
لو قيل لي ما تتمنّى قلتُ في عجل … أخًا صدوقا أمينًا غير خوّان
إذا فعلت جميلا ظلّ يشكرني … وإن أسأت تلقّاني بغفران
ويستر العيب في سخط وحال رضىً … ويحفظ الغيب في سرّ وإعلان
وأين في الخلق هذا عزّ مطلبه … فليس يوجد ما كرّ الجديدان
ولد الحافظ أبو بكر ﵀ في شهر جمادى الآخرة من سنة إحدى، وقيل: اثنتين وتسعين وثلاث مئة.
وتوفي في يوم الاثنين رابع ساعة من سابع ذي الحجة، سنة ثلاث وستين وأربع مئة.
стр. 133
وفي تلك السنة توفي الحافظ أبو عمر ابن عبد البر (١)، فقيل: مات حافظ أهل المشرق ومات حافظ أهل المغرب، ﵄.
٤٣ - أحمد بن علي بن أحمد الكوفي، المنعوت فخر الدين، ويعرف بابن الفصيح، الفقيه الحنفي المقرئ الأديب (٢).
قرأ القراءات وصنّف فيها (٣)، وبرع في الفقه، ونظم الكتاب المسمى بـ "الكنز" في مذهبه (٤)، وصنفه في الفرائض، وكان كثير الإحسان إلى طلبة العلم وغيرهم، بنفسه، وماله، وكتبه.
стр. 134
وسمع الحديث من العفيف أبي عبد الله محمد بن عبد المحسن الأزجّي، وعلي بن عبد الصمد، وأبي الفضل صالح بن الكسار، وغيرهم.
وحدّث، سمع منه أحمد بن عبد الرحمن الأزجّي، ومحمد بن محمود المقرئ، والبهاء منصور بن أحمد بن محمد بن سبيع الواسطي، وغيرهم.
وله شعر حسن، أنشد له المحدث الفاضل نجم الدين سعيد الذّهلي (١)، قوله: شعر
ما العلم إلا في الكتاب … وفي أحاديث الرسول
وسواهما عن المحقق من خرافات الفضول
وقوله شعر:
أهل الحديث هم الذين … تيقّنوا قول الإله
وسواهم عما أراد الله في القرآن لاهي
وقال: مولده في بغداد، سنة تسع وتسعين وست مئة تقديرًا (٢).
٤٤ - أحمد بن علي بن محمد بن سليم المصري المنعوت محيي الدين ابن الصّاحب بهاء الدين ابن حنّا (٣).
стр. 135
سمع الحديث، وحدّث، وتفقّه على مذهب الشافعي، ودرّس بمدرسة أبيه بمصر.
وكان تاركًا للمناصب الدّنيوية، مُحبًّا للتخلّي والانفراد، مؤثرًا لأهل الخير، وبنى رباطًا بمصر، ومضى على جميل وثناء جزيل.
ووَجَد والده عليه وجدًا كبيرًا، وعُمل له العزاء في مواضع من الديار المصرية.
وكانت وفاته بمصر، في ليلة تُسْفِر عن ثامن شعبان سنة اثنتين وسبعين وست مئة، ﵁ ورحمه.
٤٥ - أحمد بن علي بن نصر بن عمر القاهري المنعوت فخر الدين، ويعرف بابن السّوسي (١).
نسبه إلى جدّه لأمه، نبغ في الشعر، ونظم النظم البديع، ومدح الأعيان والأكابر.
وحدث بشيء من شعره، سمعت منه قصيدة مدح بها شيخنا قاضي القضاة أبا عبد الله ابن جماعة.
ومدح شيخنا أبا حيان بقصيدة اتّهمه فيها، فحلف أنها له، فامتحنه أن ينظم على وزن القصيدة التي أولها: قوله شعر
إليك إمام العصر جُبت المفاوزا … وخلّفت خلفي صبية وعجائزا
واقترح عليه أن تكون في الشطرنج، وأن يجعل قطعها جيشين، فغاب بعض يوم، وأتاه بقصيدة أولها، وهي قوله: قوله شعر
أعصر الدنايا لن ترى لي حاجزًا … إذا أنت بارزت العلى أن أبارزا
стр. 136
أما في النهى بيني وبينك حاكم … يُريك لقدري من لداتيَ مايزا
سترت بأخمالي نباهة منطقي … فسوف ترى إن رُحت بالجد فائزا
وهل عجز الضرغام عن ثأراته … فأعجز به لو كان ما كنت عاجزا
أتشهد لي بالفضل خرس حوائز … من العيّ ما أضحت من الفضل حائزا
مسندة خشب سواهن مفصح … إذا سائل لم ألق فيهن رامزا
تصفّ لجيش الروم قابل مثله … من الزنج لونًا فيهما لا عزائزا
بأرض إذا ما الجيش خيّم خيّمت … وإن خاب خابت لا تواني المفاوزا
ترى الحملات العشم فيها وضاربا … وفي غير قلب غير اسمي راكزا
وكرّا وفرّا ما اشتهيت وداعيا … نزال ومرءًا مستجيبا مبارزا
ولم أر فيها من نجيع وقتلها … كثير وما أبصرت فيها جنائزا
ولا قسطلًا حتى كأن سنابكًا … بها لابست صلدًا عن الترب ناشزا
وما قبلها شاهدت أخرس شاهدا … لنطق ولا فلًّا هدانا مناجزا
يشق ميادين البلاغة حاكما … بهن علينا أو يشيم الهزاهزا
ألا إنها الأيام حرب ذوي النّهى … الكرام شيوخا مثلنا وعجائزا
تغطي على فضلي بها الويل إنما … تحجِّب منه ساطع النور بارزا
إذا قلت أصغى العالمون وأوجبت … نهاي من الإصغاء ما كان جائزا
وما أنا مسبوقا مقالا منفّحًا … وإن كنتُه عصرًا مضى وحوائزا
стр. 137
وسل بي أبا حيّان يخبرك أنني … عدمت المساوي بل عدمت المناهزا
أقمت بها البرهان يا أفضل الورى … ودونك بعد المشبهات الوحائزا
فشهد له الشيخ بالنظم البليغ، ونظم على مثلها جماعة من شعراء العصر، وامتدحوا الشيخ، وأنشدني بعض أصحابنا عن ابن السّوسي المذكور قوله:
جمالك في سرّي الخفيّ الذي تدري … كما خفت الكأس الروية بالخمر
وبين ضلوعي من صدودك جمرة … يؤجّجها دمع أحرّ من الجمر
ولو شئت لم أطوِ الضلوع على لظى … ولو شئت لم أكمد لطيٍّ ولا نشر
وأنت الذي أجريت دمعي فما ونى … وأنت الذي لو قلت لا تجر لم يجر
أعن واجب ألا تجود بموعد … لمن جاد بالبيض السّواكب والحمر
وإن تذهب الدنيا وما نلت نائلا … يسرّ به قلبي سوى النظر الشزر
هنيئا لعينيك المنام وحبّذا … سهادي في ليل بهيم بلا بدر
ولا حبّذا الرّاح التي ليست التي … لها حببٌ في كأس ثغرك كالدرِّ
شغلت فؤادي واشتغلت أهكذا … تكون فعال الحرّ في عبده الحرّ
عشقت الجفا حتى تمنيت أنه … يذيقك هجرًا يستتيبك عن هجري
بِزُعمَى أن يقضى عليك بقتلتي … فتخرج من أجري وتدخل في وزري
وله قال: شعر
لام العذول على هواك وأكثرا … فأدار ذكرك في الملامة مسكرا
стр. 138
أعيا على العذال قلبٌ والِهٌ … يهواك طوَّل عاذل أو قصّرا
سحرته مقلتك السحور فصار لو … عرف النصيحة في الملام لأنكرا
وعمرت ساحته بحسن باهر … مذ كان فهو بغير حسنك ما درى
ولما تولّى صاحبنا شرف الدين محمد بن محمود الإخميمي المعروف بابن القاسح (١)، القضاء بإخميم، توجّه جمعٌ كثير من أهلها وحضروا إلى القاهرة، وتبرّموا من ولايته عليهم، فصُرِفَ عنهم، ورجع قبل وصوله إلى إخميم، فنظم فخر الدين: شعر
يا بني القاسح اصبروا … كان ما كان وانقضى
زال من قبل كونه … ومضى قبل أن مضى
من رأى بارقًا خبا … قبل أن قيل أو مضا
أهل إخميم فاسجدوا … سجدة الشكر والرضا
صرف الله عنكم … ما كرهتم من القضا
واستمر على طريقة الأدباء من اللطافة والظرافة، حتى صحب بعض الصّوفية، فأخرجه عن الطريق المرضية، وادّعى أنه حصلت له حكمة الإشراق، ونسبه جماعة من أصحابنا إلى القرامطة، وسوء الأخلاق، والمرء بقرينه والله أعلم بيقينه.
واستمر على هذا الحال المعلوم إلى أن جاءه الأجل المحتوم، فتوفي في سلخ جمادى الأولى سنة أربع وعشرين وسبع مئة.
стр. 139
ومولده في صفر سنة ثلاث وسبعين وست مئة، ﵁ بفضله وجوده.
٤٦ - أحمد بن عمر بن إبراهيم بن عمر الأنصاري القرطبي المكنى بأبي العباس، ويعرف بابن المزيّن الفقيه المالكي المحدث الأصولي (١).
سمع ببلده من أبي الحسن علي بن محمد بن حفص، وبتلمسان من أبي عبد الله محمد بن عبد الرحمن التّجيبي (٢)، وبسبتة من قاضيها أبي محمد عبد الله بن سليمان بن حوط الله، وقدم الإسكندرية وحدّث بها، سمع منه أبو عبد الله محمد بن أبي بكر القرطبي، وجمعٌ كثيرٌ.
وله تصانيف مفيدة، منها "مختصر كتاب مسلم" (٣)، ومنها شرحه له المسمّى بـ "المفهم" (٤)، ومنها "مختصر صحيح البخاري" (٥)، ومنها كتابه المسمى "كشف القناع في
стр. 140
تحريم السماع" (١).
وكان عالمًا محققًا متقنًا ثقة.
ولد بقرطبة سنة ثمان وسبعين وخمس مئة.
وتوفي بالإسكندرية في رابع عشر ذي القعدة، سنة ست وخمسين وست، مئة ﵁.
٤٧ - أحمد بن محسّن بن مَلّي الأنصاري البعلبكي، المنعوت نجم الدين (٢).
كان فقيهًا على مذهب الشافعي، عالمًا بفنون عدة؛ من أصول، ونحو، وتفسير، وغير ذلك، وكان شيعيًا (٣).
سمع الحديث من ابن الزبيدي، وابن رواحة الحموي، وابن رواج، وغيرهم، وقرأ النحو على ابن الحاجب.
وكان ذكيّ الفطرة، قُوّته الحافظة قَويّة جدًا، ودرَّس بدمشق، وقدم الصّعيد متوليًا مدرسة أسوان، ودرّس بها مدّة.
стр. 141
حكى لي الشيخ أثير الدّين أبو حيّان، أنه حضر عندهم الدّرس، فلما فرغ الدّرس، أعاد ما ذكره المدَرّس وما ذكره الفقهاء، واحدًا واحدًا، لم يُخِلّ بشيء منه.
وكان شيخنا قاضي القضاة ابن جماعة، يُثني على علمه ثناء بليغًا، وكان فيه استهتار.
حكى لنا قاضي القضاة المذكور، أنه أطعمه مرة شيئًا، فلما فرغ قال: الحمد لله، فقلتُ له: ما هذا؟ قال: على قدر الطعام، ودخل حلب وأعاد ببعض مدارسها.
ولد ببَعْلَبَكّ في شهر رمضان، سنة سبع عشرة وست مئة.
وتوفي بقرية بَخُعون، من جبال الضنية، في جمادى الآخرة سنة تسع وتسعين منها.
وبَخُعون؛ بفتح الباء الموحدة وضمّ الخاء المعجمة: قرية بجبل لبنان (١).
٤٨ - أحمد بن محمد بن أحمد الجرجاني أبو العبّاس، قاضي البصرة الفقيه الشافعي (٢).
سمع الحديث من أبي طالب محمد بن محمد، وأبي القاسم علي بن المحسن التنوخي، والقاضي أبي الطيب الطبري، والجوهري، وطبقتهم، وسمع بواسط من القاضي أبي تمام علي بن محمد.
وصنّف تصانيف في الفقه، منها كتابه المسمى بـ "التحرير" (٣)، كثير النقل مجرّدًا عن
стр. 142
البحث، وكتاب "الشافي" (١) في مجلدات، وكتاب "المعاياة" (٢)، يذكر المسألة وما يشبهها، ويفرّق بينهما إذا اختلف الحاكم، وفيه أشياء غريبة، وصنّف في الأدب كتابًا سمّاه: "كنايات الأدباء وإشارات البلغاء" (٣).
وحدّث؛ روى عنه أبو الطاهر الكرخي، وأبو القاسم السمرقندي.
وله نظم جيد، منه قوله:
ترحّلت عن بغداد أطيب منزل … وأشهى بلاد الله مرئً ومخبرا
وفارقت أقوامًا إذا ما ذكرتهم … ترقرق ماء العين ثم تحدّرا
فكم من أديب في مغانيه بارع … وأبلج في علم الشريعة أزهرا
أروح على برح الهموم وأغتدي … أكابد أحزانًا يضيق بها الثرى
ولم أبك ربع العامرية باللّوى … ولا رسم دار بالثنية مقفرا
ولكنني أبكي مقامي ببلدة … أؤمل أن ألقى صديقا فلا أرى
قال ابن منده: توفي الجرجاني في طريق البصرة، سنة اثنتين وثمانين وأربع مئة.
٤٩ - أحمد بن محمد بن أحمد البكري الشّريشي، المنعوت تاج الدين، الفقيه المالكي الصوفي (٤).
стр. 143
اشتغل بالفقه وعلوم الطبّ والنظر، وجمع مجاميع في الأصول، وغير ذلك.
ودخل بغداد، ولقي بها الشيخ أبا حفص عمر السّهروردي، ودخل الفيّوم، ودرَّس بمدرسة المالكية به، وحدّث بشيء من مجاميعه (١).
وأقام بالفيّوم، إلى أن توفي ليلة العاشر من شهر ربيع الآخر سنة أربعين وست مئة.
٥٠ - أحمد بن محمد بن الفضل بن عبد الخالق، كنيته أبو الفضل، المعروف بابن الخازن (٢).
كان كاتبًا أديبًا، غزير الفضل، مليح الشعر، ومن نظمه قوله: شعر
الفضل في الرجل الكريم زيادة … ونقيصة في الأحمق الطيّاش
مثل النهار يفيد أبصار الورى … نورًا ويغشي أعين الخفاش
توفي سنة ثمان عشرة وخمس مئة.
стр. 144
قال ابن الجوزي: اثنتي عشرة وخمس مئة.
٥١ - أحمد بن محمد بن محمد بن أحمد الطّوسي، ينعت نجم الدين، ويكنى أبا الفتوح (١).
أخو الإمام أبي حامد الغزالي.
كان فقيهًا على مذهب الإمام الشافعي، صوفيًّا واعظًا، حسن الكلام، مليح التصرّف، تفقه واعتزل ولازم الخلوة.
وخرج إلى العراق، ومالت إليه القلوب، وعقد مجلسًا للوعظ ببغداد، وازدحم الناس عليه.
قال الشريف أبو علي الحسن بن جعفر الهاشمي: سمعته يقول، وقد قرأ القارئ بين يديه قوله تعالى: ﴿قُلْ يَاعِبَادِيَ﴾ الآية (٢)، فقال: شرّفهم بباء الإضافة إلى نفسه، ثم أنشد: شعر
стр. 145
وهان عليَّ اللوم في جنب حبها … وقول الأعادي إنه لخليع
أصمّ إذا نوديت باسمي وإنني … إذا قيل لي يا عبدَها لسميع
وقال الحافظ أبو طاهر السِّلفي: كنتُ أنا وهو في رباط واحد بهمذان، وكان بيننا ألفة وتودد، وكان أذكى الخلق، وله قدرة على الكلام، وكان فاضلًا في الفقه وغيره، وحضرت مجلس وعظه.
وقال الحافظ أبو الفضل محمد بن طاهر المقدسيّ: كان أحمد هذا من آيات الله في الكشف، سمعته بهمذان يقول: رأيت إبليس في هذا السّماط، فسجد لي، فقلت: ويحك، الله أمره بالسجود لآدم فلم يسجد وسجد لك، فقال: والله لقد سجد لي أكثر من سبعين مرة.
قال: وكان يزعم أنه يرى النبي ﷺ في اليقظة، ويقول: أنا لا أحتاج إلى حديث عن النبيّ ﷺ ، مهما قلتُ سمعه منّي.
قال: وسمعته يحكي عن بعض المشايخ يومًا حكاية، فسألته عنها؟ فقال: أنا وضعتها.
وذكره يوسف الشيرازي في كتاب "الضعفاء"، وذكره الحافظ العلامة أبو عمرو ابن الصّلاح، وذكر أن له كلامًا التقط منه مجلدات، قال: ووقفت على أربعة منها، فإذا هي مشحونة بشقاشق الصوفية، وجسارات متأخريهم، وله شعر على طريقتهم، قال: وكان يستقصر الفقهاء في كلامه، ويقول: إنهم أعداء أرباب المعاني، وكان العثماني المقدسي ببغداد ينكر عليه كلامه، وكان هو يلوح بالعثماني في كلامه، ذاكرًا أنه غير عارف بكلامه، وأنه واقف مع صورة الكلام ولم يصل إلى حقائقه (١).