حكى لي الشيخ أثير الدّين أبو حيّان، أنه حضر عندهم الدّرس، فلما فرغ الدّرس، أعاد ما ذكره المدَرّس وما ذكره الفقهاء، واحدًا واحدًا، لم يُخِلّ بشيء منه.
وكان شيخنا قاضي القضاة ابن جماعة، يُثني على علمه ثناء بليغًا، وكان فيه استهتار.
حكى لنا قاضي القضاة المذكور، أنه أطعمه مرة شيئًا، فلما فرغ قال: الحمد لله، فقلتُ له: ما هذا؟ قال: على قدر الطعام، ودخل حلب وأعاد ببعض مدارسها.
ولد ببَعْلَبَكّ في شهر رمضان، سنة سبع عشرة وست مئة.
وتوفي بقرية بَخُعون، من جبال الضنية، في جمادى الآخرة سنة تسع وتسعين منها.
وبَخُعون؛ بفتح الباء الموحدة وضمّ الخاء المعجمة: قرية بجبل لبنان (١).
٤٨ - أحمد بن محمد بن أحمد الجرجاني أبو العبّاس، قاضي البصرة الفقيه الشافعي (٢).
سمع الحديث من أبي طالب محمد بن محمد، وأبي القاسم علي بن المحسن التنوخي، والقاضي أبي الطيب الطبري، والجوهري، وطبقتهم، وسمع بواسط من القاضي أبي تمام علي بن محمد.
وصنّف تصانيف في الفقه، منها كتابه المسمى بـ "التحرير" (٣)، كثير النقل مجرّدًا عن
стр. 142
البحث، وكتاب "الشافي" (١) في مجلدات، وكتاب "المعاياة" (٢)، يذكر المسألة وما يشبهها، ويفرّق بينهما إذا اختلف الحاكم، وفيه أشياء غريبة، وصنّف في الأدب كتابًا سمّاه: "كنايات الأدباء وإشارات البلغاء" (٣).
وحدّث؛ روى عنه أبو الطاهر الكرخي، وأبو القاسم السمرقندي.
وله نظم جيد، منه قوله:
ترحّلت عن بغداد أطيب منزل … وأشهى بلاد الله مرئً ومخبرا
وفارقت أقوامًا إذا ما ذكرتهم … ترقرق ماء العين ثم تحدّرا
فكم من أديب في مغانيه بارع … وأبلج في علم الشريعة أزهرا
أروح على برح الهموم وأغتدي … أكابد أحزانًا يضيق بها الثرى
ولم أبك ربع العامرية باللّوى … ولا رسم دار بالثنية مقفرا
ولكنني أبكي مقامي ببلدة … أؤمل أن ألقى صديقا فلا أرى
قال ابن منده: توفي الجرجاني في طريق البصرة، سنة اثنتين وثمانين وأربع مئة.
٤٩ - أحمد بن محمد بن أحمد البكري الشّريشي، المنعوت تاج الدين، الفقيه المالكي الصوفي (٤).
стр. 143
اشتغل بالفقه وعلوم الطبّ والنظر، وجمع مجاميع في الأصول، وغير ذلك.
ودخل بغداد، ولقي بها الشيخ أبا حفص عمر السّهروردي، ودخل الفيّوم، ودرَّس بمدرسة المالكية به، وحدّث بشيء من مجاميعه (١).
وأقام بالفيّوم، إلى أن توفي ليلة العاشر من شهر ربيع الآخر سنة أربعين وست مئة.
٥٠ - أحمد بن محمد بن الفضل بن عبد الخالق، كنيته أبو الفضل، المعروف بابن الخازن (٢).
كان كاتبًا أديبًا، غزير الفضل، مليح الشعر، ومن نظمه قوله: شعر
الفضل في الرجل الكريم زيادة … ونقيصة في الأحمق الطيّاش
مثل النهار يفيد أبصار الورى … نورًا ويغشي أعين الخفاش
توفي سنة ثمان عشرة وخمس مئة.
стр. 144
قال ابن الجوزي: اثنتي عشرة وخمس مئة.
٥١ - أحمد بن محمد بن محمد بن أحمد الطّوسي، ينعت نجم الدين، ويكنى أبا الفتوح (١).
أخو الإمام أبي حامد الغزالي.
كان فقيهًا على مذهب الإمام الشافعي، صوفيًّا واعظًا، حسن الكلام، مليح التصرّف، تفقه واعتزل ولازم الخلوة.
وخرج إلى العراق، ومالت إليه القلوب، وعقد مجلسًا للوعظ ببغداد، وازدحم الناس عليه.
قال الشريف أبو علي الحسن بن جعفر الهاشمي: سمعته يقول، وقد قرأ القارئ بين يديه قوله تعالى: ﴿قُلْ يَاعِبَادِيَ﴾ الآية (٢)، فقال: شرّفهم بباء الإضافة إلى نفسه، ثم أنشد: شعر
стр. 145
وهان عليَّ اللوم في جنب حبها … وقول الأعادي إنه لخليع
أصمّ إذا نوديت باسمي وإنني … إذا قيل لي يا عبدَها لسميع
وقال الحافظ أبو طاهر السِّلفي: كنتُ أنا وهو في رباط واحد بهمذان، وكان بيننا ألفة وتودد، وكان أذكى الخلق، وله قدرة على الكلام، وكان فاضلًا في الفقه وغيره، وحضرت مجلس وعظه.
وقال الحافظ أبو الفضل محمد بن طاهر المقدسيّ: كان أحمد هذا من آيات الله في الكشف، سمعته بهمذان يقول: رأيت إبليس في هذا السّماط، فسجد لي، فقلت: ويحك، الله أمره بالسجود لآدم فلم يسجد وسجد لك، فقال: والله لقد سجد لي أكثر من سبعين مرة.
قال: وكان يزعم أنه يرى النبي ﷺ في اليقظة، ويقول: أنا لا أحتاج إلى حديث عن النبيّ ﷺ ، مهما قلتُ سمعه منّي.
قال: وسمعته يحكي عن بعض المشايخ يومًا حكاية، فسألته عنها؟ فقال: أنا وضعتها.
وذكره يوسف الشيرازي في كتاب "الضعفاء"، وذكره الحافظ العلامة أبو عمرو ابن الصّلاح، وذكر أن له كلامًا التقط منه مجلدات، قال: ووقفت على أربعة منها، فإذا هي مشحونة بشقاشق الصوفية، وجسارات متأخريهم، وله شعر على طريقتهم، قال: وكان يستقصر الفقهاء في كلامه، ويقول: إنهم أعداء أرباب المعاني، وكان العثماني المقدسي ببغداد ينكر عليه كلامه، وكان هو يلوح بالعثماني في كلامه، ذاكرًا أنه غير عارف بكلامه، وأنه واقف مع صورة الكلام ولم يصل إلى حقائقه (١).
стр. 146
وذكره ابن السّمعاني في "الذيل"، وذكر أن الشيخ أبا بكر الطوسي كان يتبرّأ منه، ويقول: أما الآن فلا ليس مني.
قال: وكان الإمام يوسف الهمذاني سيء الرأي فيه.
قال: وسَمع أحمد هذا قوَّالًا، فحصل له حالٌ، فجعل رأسه على الأرض ورجليه إلى فوق، وجعل يدور على هذه الحالة طائفة كبيرة من الليل.
وبالجملة فالنّاس مختلفون فيه، منهم من يجعله من أهل الدين، ومنهم من يعده من المبتدعين، والأكثرون لحسن حاله منكرون.
ولمّا ترك أخوه أبو حامد تدريس المدرسة النظامية تزهّدًا، درّس هو فيها نيابة عن أخيه.
وله مصنفات، منها "اختصار كتاب أخيه الإحياء (١)، وكتاب سمّاه "الذخيرة في علم البصيرة"، وكتاب "نظم السلوك"، وغير ذلك (٢).
ومضى على تبجيل وتكريم، وصار إلى من هو بالحال عليم.
وكانت وفاته في حدود العشرين وخمس مئة، وقال بعضهم: توفي سنة عشرين.
٥٢ - أحمد بن محمد بن أحمد بن محمد الأصبهاني أبو طاهر السِّلفي (٣).
стр. 147
نسبه إلى سلفة جدّ له.
قال الشريف الجواني النسابة: سألت السّلفي: أنت من سَلِفة، بطنٌ من حمير؟ فقال: لا، ولكن جدي قُطِعت شفته، والعجم تُسمّي ثلاث شفاه سِلَفة، فلقّب به.
وكان السِّلفي فقيهًا شافعي المذهب، حافظًا كبيرًا، رحل في طلب الحديث للأمصار، ورحل إليه من كل النواحي والأقطار، وسار ذكره شرقًا وغربا، وطار وبلغ من هذا الشأن غاية الأوطار، وألحق الأصاغر بالأكابر، ونطق بفضله ألسنة الأقلام وأفواه المحابر، ونال منه ما قلّ مناله في الزمن الغابر، واعتنى بتحقيق المعاني، وتحرير الألفاظ، وتخرَّج به العلماء والحفاظ، وملأ ذكره العراق، ومصر، والشام، ومدحه الأدباء الفضلاء، والعلماء الأعلام.
وسمع من الثقفي، والكرخي، والحدّاد، وابن البطر، وجعفر السرّاج، وخلائق لا يحصون كثرة.
стр. 148
وحدّث بجهات عدّة، وسمع منه الخلائق، منهم الحافظ علي بن المفضّل، وعبد الغني بن عبد الواحد، وعبد القادر الرّهّاوي، وغيرهم.
وسمع منه، وأكثر عنه: أبو الفضل الهمذاني، وابن رواج، والسّبط، والسّاوي، وأبو الحسن علي بن بنت الجُمَّيْزيّ، وما لا يحصى كثرة.
وتفقه بأبي الحسن علي المعروف الكيا الهرّاسي، وأخذ اللغة عن الخطيب يحيى التبريزي، ودرّس بالإسكندرية بمدرسة معروفة به.
وصنّف تصانيف كثيرة مفيدة، وجمع مجاميع حميدة، ومن تصانيفه: كتاب "المشيخة البغدادية" في مجلدين (١)، وكتاب "المشيخة الواسطية"، وكتاب "الأربعين البلدانية" (٢)، وكتاب "فضل العرب على العجم"، وكتاب "فضل عاشوراء"، وكتاب "الوجيز في المُجَاز والمُجِيز" (٣)، وكتاب "الزاهر في من تكنى بأبي الطاهر"، وكتاب "مقدمة معالم
стр. 149
السنن" (١)، وكتاب "مقدمة الاستذكار" (٢).
وأما التعاليق، والمجاميع، والأجزاء، ففي غاية الكثرة.
ومدحه القاضي عياض (٣)، والزمخشري (٤)، وغيرهما.
وذكره الحافظ أبو القاسم ابن عَسَاكِر في "تاريخه"، فما وفّاه حقّه، ولا ترجمه بما استحقّه، فقال: قدم علينا الحافظ أبو الطاهر طلبًا للحديث سنة تسع وخمس مئة، وحدَّث بدمشق، ولم أظفر منه بالسَّماع، وسمعت بقراءته من شيوخ عدة، وسكن الإسكندرية، وتزوج بها امرأة ذات يسار، فسلَّمت له مالها، فصارت له ثروة بعد فقر وتصوّف، وحصلت له بالإسكندرية وجاهة، وبنى له بها أبو منصور علي بن إسحاق المعروف بابن السلار الملقب بالعادل مدرسة، وقد أجاز لي، وحدثني عنه أخي جزءًا.
وله: شعر، منه قوله ﵁:
стр. 150
إن علم الحديث علم رجال … تركوا الابتداع للاتّباع
فإذا الليل جنَّهم كتبوه … وإذا أصبحوا غدوا للسماع
قد قلت إذ رفع الصباح … ذُيول ليل الوصل عنَّا (١)
٥٣ - [أحمد بن محمد بن أبي الوفاء بن الخطاب بن محمد بن علي بن الهزبر الربعي، أبو الطيب، المعروف بابن الحُلاوي الموصلي (٢).
حكاه من الغُصن الرَّطيب وريقه … وما الخمر إلا وجنتاه وريقه
هلال ولكن أفق قلبي محله … غزال ولكن سفح عيني عقيقه
стр. 151
وأسمر يحكي الأسمر اللون قده … غدا راشقًا قلب المحب رشيقه
على خده جمر من الحسن مضرم … يشب ولكن في فؤادي حريقه
أقرَّ له من كل حسن جليله … ووافقه من كل معنى دقيقه
بديع التثني راح قلبي أسيره … على أن دمعي في الغرام طليقه
على سالفيه للعذار جريره … وفي شفتيه للسلاف عتيقه
يهدد منه الطرف من ليس خصمه … ويسكر منه الريق من لا يذوقه
على مثله يستحسن الصب هتكه … وفي حبه يجفو الصديق صديقه
من الترك لا يصبيه وجد إلى الحمى … ولا ذكر بانات الغُوَيْر تشوقه
ولا حل في حيٍ تلوح قبابه … ولا سار في ركبٍ يساق وسيقه
ولا بات صبا بالفريق وأهله … ولكن إلى خاقان تعزى فريقه
له مبسم ينسي المدام بريقه … ويُخجل نوَّار الأقاحي بريقه
تداويت من حر الغرام ببرده … فأضرم في ذاك الحريق رحيقه
إذا خفق البرق اليماني مولعًا … تذكرته فاعتاد قلبي خفوقه
حكى وجهه بدر السماء فلو بدا … مع البدر قال الناس هذا شقيقه
وأشبه زهر الروض حسنًا وقد بدا … على عارضيه آسه وشقيقه
رآني خيالًا حين وافى خياله … فأطرق من فرط الحياء طروقه
وأشبهت منه الخصر سقمًا فقد بدا … يحملني كالخصر ما لا أطيقه
стр. 152
فما بال قلبي كل حب يهيجه … وحتام طرفي كل حسن يروقه
فهذا ليوم البين لم تطف ناره … وهذا لبعد الدار ما جف موقه
ولله قلبي ما أشد عفافه … وإن كان طرفي مستمرًا فسوقه
أرى الناس أضحوا جاهلية ودّه … فما باله عن كل صبّ يعوقه
فما فاز إلا من يبيت صبوحه … شراب ثناياه ومنها غبوقه] (١)
٥٤ - [أحمد بن عبد الله بن محمد بن حسن بن عَمِيرة المخزومي] (٢) أبو المطرف (٣).
وكان فقيهًا مالكيًا، عالمًا بالمعقولات، والنحو، والأدب، والطبّ، ناظمًا ناثرًا. تولَّى القضاء، وكتب لبعض الأمراء بإفريقية.
وسمع الحديث من أبي الربيع ابن سالم، وأبي عمرو النُّفْري، وأبي عبد الله ابن نوح الغافقي، وأبي الخطاب ابن واجب، وأخذ أصول الفقه والطبّ والنحو عن ابن خطاب، وقرأ على الأستاذ أبي علي الشلوبين النحو.
стр. 153
وحدّث، سمع منه الحافظ أبو عبد الله الأبار، وبالغ في مدحه والثناء عليه (١).
وذكره أبو الحسن ابن سعيد، فقال: شيخ كُتّاب زماننا، وإمام أدباء أواننا، مع ما لَهُ من اليقين في علوم الشرائع، وما سار له نظمًا ونثرًا من اللطائف والبدائع.
قال: ومدح صاحب بلنسية فلم تُخرج له جائزة، وحضر حجَّام، وكانت صنعته للإحسان جائزة، فنظم أبو المطرف قوله: شعر
أرى من جاء بالموسى مواسى … وراحة من أراح المجد صفرا
فأنجح سعي ذا إذ قصّ شَعرًا … وأخفق سعي ذا إذ قصّ شِعرا
وله:
وقالوا أتلهو والشباب قد انقضى … وعمرك قد ولّى ولم يبق طائل
فقلت أصيل العمر ما قد بلغته … وأطيب أوقات الزمان الأصائل
وقال الأبار: أهدى أبو المطرف لشخص وردًا، وكتب معه: شعر
خذها إليك أبا عبد الإله فقد … جاءتك مثل خدود زانها الخَفَر
أتتك تحكي سجايا منك قد عذبت … لكن تغيّر هذي دونها الغيرُ
إن شِمتَ منها بروق الغيث لامعة … فسوف آتيك من ماء لها المطرُ (٢)
وله رسائل بديعة بليغة، كتب إليه الأبّار حين أُخِذت بلنسية في سنة ست وثلاثين وست مئة، فذكر له حال بلنسية.
стр. 154
فكتب إليه أبو المطرف: طارحتني حديث أمر خف، وقطين خف، فيا لله لأتراب درجوا، ولأصحاب عن الأوطان خرجوا، قُصّت الأجنحة، وقيل طيروا، وإنما هو القتل أو الأسر، أو تسيَّروا، فافترقوا أيدي سبا، وانتثروا على الوهاد والرُّكى، ففي كل جانب عويل وزفرة، وبكل صدر غليل وحسرة، وبكل عين عبرة لا ترقى من أجلها عبرة، داءٌ خامر بلادنا حين أتاها، وما زال بها حتى سجّى على موتاها، وشجى شوقها الأطول كهلها وفتاها، فكانت تلك الحطمة ظلّ الشؤبوب، وباكورة البلاء المصبوب، أثكلتنا إخواننا أثكالا بغيِّهم، ولله أحوذيهم وألمعيهم، ذاك أبو ربيعنا وشيخ جميعنا، سعد بشهادة يومه، ولم ير ما يوده في أهله وقومه، وبعد ذلك أخذ من الألم بالمخنق، وهي بلنسية ذات الحسن والبهجة والرّونق، وما لبث أن أخرس من مسجدها لسان الأذان، وأخرج من جسدها روح الإيمان، فبرح الخفاء، وقيل وكفت على آثار من ذهب العفاء، وانعطفت النوائب مفردة ومركنة، كما انعطفت ألفا، فأودت الخفّة والحصافة، وذهب الجسر والرصافة، ومزّقت الحلّة والشملة، وأوحشت الحرة والرملة، ونزلت بالجارة وقعة الحرّة، وحصلت الكنيسة من جاذرها وظبائها على طول الحسرة، فأين الخمائل ونظرتها، والجداول وخضرتها، والأندية وأرجها، والأودية ومنعرجها، والنواسم وهبوب مبتلها، والأصائل وسحوب معتلها، دارٌ ضاحكت الشمس بحرها وبحيرتها، وأزهار ترى من أدمع الطلّ في أعينها، ترددها وحميرتها، ثم زحفت كنيسة الكفر بزرقها وشقرها، حتى أحاطت بجزيرة شقرها، فآه لمسقط الرأس هوى نجمه، ولفادح الخطب سرى كلمه، وبالجنة أجرى الله النهر تحتها، وروضة أجاد أبو إسحاق نعتها، وإنما كانت دارًا على أوصاف محاسنها أكب، وفيها أتته منيَّته كما أحب، ولم تعدم بعده محبين تشبيبهم إليها ساقوه ودمعهم عليها أراقوه (١).
стр. 155
وله رسالة أخرى في المعنى، منها قوله: ثم ردف الخطب الثاني بقاصمة المتون، وقاضية المنون، ومضرمة (١) نار الشجون، ومدرية ماء الشؤون، وهو الحادث في بلنسية درّة النحر، وحاضرة البرّ والبحر، ومطمح أمل السيارة، ومطرح شعاع البهجة والنّضارة، أودى الكفر بإيمانها، وأبطل الناقوس صوت أذانها، ودهاها الخطب الذي أنسى الخطوب وأذاب القلوب، وعلّم سهم الأحزان أن يصيب، ودمع الأجفان أن يصوب، فيا ثكل الإسلام وشجو الصلاة والصيام، يوم الثلاثاء وما يوم الثلاثاء، يا ويح الداهية الدّهياء، ويا حيرة الأقدام عن موقف العزاء، أين الصبر وفؤادي أنسيه لم يبق لقوسه على الرمي سيه.
وقال:
هيهات يعود ما مضى من أنسيه … من بعد مصابٍ حل في بلنسيه
يا طول هذه الحسرة، ألا جابر لهذه الكسرة، أكل أوقاتنا ساعة العسرة، أخي أين أيامنا الخوالي، وليالينا على التوالي، ولاية عيش نعم بها الوالي، ومسندات أنس يعدّها الرواة من العوالي، بعدًا لك يا يوم الثلاثاء من صفر، ما ذنبك بشيء عندنا مغتفر، أشمّت بالإسلام حزب من كفر، من أين لنا المفرّ كلّا لا مفر، كل رزء في هذا الرزء يندرج، وقد اشتدت الأزمة قل لي متى تنفرج، كيف انتفاعنا بالضحى والأصائل، إذا لم يعد ذلك النّسيم الأرج، ليس لنا إلا الرضى والتسليم، بما قضاه الخلّاق العليم (٢).
شعر:
ما بال دمعك لا يني مدراره … أم مال قلبك لا يقرّ قراره
стр. 156
يا لوعة بين الضلوع لظاعن … سارت ركائبه وشطّت داره
أم للشباب تقاذفت أوطانه … بعد الدنو وأخلقت أوطاره
أم للزمان أتى بخطب فادح … من مثل حادثة خلت أعصاره
بحرٌ من الأحزان عبّ عبابه … وارتجّ ما بين الحشا زخّاره
في كل قلب منه وجد عنده … أسف طويل ليس تخبو ناره
أو ما بلنسية فمأوى كافر … حفّت به في عقرها كفّاره
زرع من المكروه حلّ حصاده … عند الغدّو غداة لجّ حصاره
ما كان ذاك المصر إلا جنّة … للحسن تجري تحته أنهاره
طابت بطيب نهاره آصاله … وتعطّرت بنسيمه أسحاره
أما السّرار فقد عداه وهل سوى … قمر السماء يزول عنه سراره
ودجا به ليل الخطوب فصبحه … أعيا على أبصاره أسفاره
وهي طويلة، وله أشياء مبدعة.
وكان الشيخ ركن الدين ابن القوبع، يرى أن خطّ ابن عميرة وضبطه حجّة، لتمام معرفته باللغة والأدب.
ولد في شهر رمضان سنة اثنتين [وثمانين] وخمس مئة (١).
وتوفي سنة ستّ وخمسين (٢)، وليته بلغ تسعًا وتسعين ليشفع بأختها فتتبعها في نعتها.
стр. 157
٥٥ - أحمد بن محمد الأُسْوانيّ (١).
كان أديبًا بارعًا فاضلًا.
مدح وأجاد، وتصرّف في الأدب كما أراد، وبلغ منه غاية المراد.
ذكره الشيخ الفاضل الأديب أبو الحسن ابن عرّام الأسواني (٢)، وأورد من شعره هذه القصيدة، مدح بها متوّج ابن الكنوز أمير أسوان، وقال أولها: قوله شعر
هل المجد إلا ما اقتنته الصوارم … أو الجد إلا ما بنته المكارم
أو العزّ إلا ما أشادت مناره … وقائعُ يبقى ذكرها وملاحم
أو الفخر إلا ما المتوّج لابسٌ … حلاه وراقٍ في علاه وراقمُ
إذا أخلفت سحبٌ فغيث مساجم … وإن سجرت حرب فليث ضُبَارم (٣)
يد وكفت فينا ندى وكفت ردى … فلا الحرب مخشي ولا الخطب قادم
إذا ما خبا فالوغد جذلانُ ناعمٌ … وإما احتبى فالدّهر خشيان واجم
ويغضي بفضل والحلوم سفيهة … ويقضي بفصل والرّماح تخاصم
خلائق لو أن الخلائق ثقّلت … محاسنها ما كان للنّاس دائم
стр. 158
عناء طويل دون ما هو طالب … ومرمىً بعيد فوق ما هو رائم
أخال اغترارًا أن عزمك نائم … لقد خانه واهٍ من الظلم واهم
لنادت به الأيام لو كان سامعًا … تيقظ قليلا إنما أنت نائم
وأي قرار أو فرار لخائف … عقاب حمام فوقه منك حائم
سرى يستبيح القوم في عقر دارهم … وليس لعاص أمرك اليوم عاصم
بطرف يفوت الطرف عدوًا كأنما … قوائمه يوم الطّراد قوادم
ولو أنهم لاذوا بصفح متوج … عفا عنهم رحب الفخار وراحم
وكم وفدوا واسترفدوا قبل هديه … كريمًا له في العزّ تعزى الأكارم
تعدّ له في كلّ يوم مآثر … وتحصى لهم في كلّ يوم مآثم
لقد توّجت معنى المعالي بسيّد … فبادٍ له محموده وقوادم
فلله منه أوحدٌ من أفاضلٍ … همُ حيث لا يهمى الغمام غمائم
نمتهم ذرى قيس لخير عصابة … حنيفية هم للمعالي معالم
إذا سمحت بالكأس أيد شحيحة … غدا للصلاة أو صيام يلازم
وإن نادموا أهل الفساد فما له … هناك سوى أهل الصلاح منادم
يقرب مسكينًا ويعمر مسجدًا … وتغمر أهل العلم منه مراحم
وإن تليت آيات ذكرٍ رأيته … ومدمعه من خشية الله ساجم
تذممت من مدحي علاك بحرمة … ومثلك من ترعى لديه المحارم
стр. 159
وأرسلتها غرّاء يطرب شدوها … فيصغي إلى إيرادها المتصامم
تضمّن من خير الكلام شواردًا … تناسبها أوصافه وتلائم
تهز معانيها من المجد عطفه … كما اهتزّ غصن بالأراكة ناعم
هذه قصيدة متمكنة المباني، حسنة المعاني، تغني عن المثالث والمثاني، تعرب عن غزارة أدب ناظمها في المشرق والمغرب، وتستحق أن تودع في المرقص والمطرب، ويطرب بها المشرّق والمغرّب.
كان ناظمها في المئة الخامسة، قليل المماثل، معدودًا في الأفاضل والأماثل.
٥٦ - أحمد بن محمد بن علي بن صدقة التغلبي (١) الدِّمَشْقي أبو عبد الله الكاتب، المعروف بابن الخياط (٢).
قال الحافظ أبو القاسم ابن عَسَاكِر عنه: أنه خُتم به ديوان الشعر بدمشق، وكان مكثرًا مجيدًا محسنًا، جالسته عند جدّي القاضي أبي الفضل، وتفاوضا في معان كثيرة، ولم أحفظ منها شيئًا، لقلة اهتمامي في ذلك الوقت، وقد أجاز لي جميع ما قاله من النظم والنثر سنة سبع وخمس مئة.
وأنشدني أخي أبو الحسين هبة الله الحافظ، وكتبه لي بخطه، قال: أنشدني أبو عبد الله
стр. 160
ابن الخياط لنفسه قوله: شعر
لم يبق عندي ما يباع بحبّة … وكفاك شاهد منظري عن مخبري
إلا بقية ماء وجه صنتها … عن أن تباع وأين أين المشتري
وقوله أيضًا: شعر
ويعتادني ذكراك في كلّ حالة … فتسبقني حتى تهيج وسواسي
وأشتاقكم واليأس بين جوانحي … وأبرح شوقًا ما أقام مع الياس
ولولا النّوى ما كان بالعيش وصمة … ولولا القلى ما كان بالحب من باس
وقوله أيضًا، ﵁: شعر
ليت الذي قلبي به مغرم … يعلم من وجدي كما أعلم
لعلّه إن لم يصل رغبة … يرق للمكروب أو يرحم
أذلني حبكُمُ في الهوى … فما حمتني ذلّتي منكم
ومذهبٍ ما زال مستقبحًا … في الحرب أن يُقتل مستسلم
قال: وحدثنا أبو عبد الله محمد بن الملحي، وكتبه لي بخطه، قال: حدثنا السابق أبو اليمن محمد بن الخضر المعرّي، قال: اجتمعت بابن الخيّاط بطرابلس، وكنّا نجلس في دكّان نصراني عطّار يكنى أبا الفضل، وكان ذكيًّا محبًّا للأدب، فخرجنا يومًا إلى ظاهر البلد، واخترنا موضعًا جلسنا فيه على غدير، فقال ابن الخيّاط للسابق: اعمل أبياتًا في ما نحن فيه عاجلًا، ثم أنشد ابن الخيّاط بديهًا: شعر
أو ما ترى قلق الغدير كأنه … يبدو لعينك منه حليُ مناطق
стр. 161
مترقرقًا لعب الشعاع بمائه … فارتج يخفق مثل قلب العاشق
فإذا نظرت إليه راعك لمعه … وعللت طرفك من سراب صادق
ولم يفتح على السّابق بلفظة، فقال العطّار: قد نظمت أنا بيتًا، وأنشد قوله: شعر
قد كنت آملُ أن تجيء مصلّيًا … حتّى رأيتك سابقًا للسابق
وكان ابن الخيّاط يحفظ جميع شعره، والسابق لا يحفظ منه شيئًا، ولابن الخياط "ديوان" (١) من الشعر مملوء من المعاني المبدوعة، ومنه قصيدته التي أولها، قوله:
خذا من صبا نجد أمانًا لقلبه … فقد كاد ريّاها يطير بلبّه
وإياكما ذاك النّسيم فإنه … متى هبّ كان الموت أيسرَ خطبه
خليليّ لو أحببتما لعلمتما … مكان الهوى من مغرم القلب صبّه
تذكر والذكرى تشوق وذو الهوى … يتوق ومن يعلق به الحب يصبه
غرامًا على يأس الهوى ورجائه … وشوقا على بعد المزار وقربه
وفي الرّكب مطويّ الضلوع على جوى … متى يدعه داعي الغرام يُلَبِّه
إذا خطرت من جانب الغور نفحة … تضمن منها داؤه دون صحبه
ومحتجب بين الأسنة معرض … وفي القلب من إعراضه مثل حجبه
أغار إذا آنست في الحي أنّة … حذارًا وخوفًا أن يكون لحبّه (٢)
стр. 162
وهي قصيدة أطال فيها وتطوّل، وحاز الآخر بها فضل الأول.
وقد خمّسها الحسام الحاجري (١) تخميسًا لا بأس به.
سُئل ابن الخيّاط عن مولده؟ فقال: سنة خمسين وأربع مئة.
وتوفي في حادي عشر رمضان، سنة سبع عشرة وخمس مئة، ﵀.
٥٧ - أحمد بن محمد بن علي بن الرّفعة المصري الفقيه الشّافعي، ينعت بالنجم (٢).
سمع الحديث على الحافظ الدِّمْيَاطِي، وغيره، وأخذ الفقه عن الظهير التزمنتي، والضياء جعفر ابن الشيخ عبد الرحيم القِنَّائي (٣)، وغيرهما.
وبرع في الفقه، وانتهت رئاسة مذهب الشافعي إليه في عصره، وكان ذكيًّا، حسن الشكل، جميل الصورة، فصيحًا، مُفوَّهًا، كثير الإحسان إلى طلبة العلم بماله وجاهه، مساعدًا لهم بما تصل قدرته إليه.
стр. 163
حكى لي القاضي أبو الطّاهر السّفطي، قال: كانت لي حاجة عند قاضي القضاة، وكنت أريد منه تولية العقود، فذكرت ذلك للفقيه، فتوجّه معي إلى القاهرة، وحضرنا درس قاضي القضاة، وبحث فيه، فصار الفقيه يبحث معي، ويقول لي: يا سيدنا زين الدين ترفّق بالملوك، ثم عرَّف قاضي القضاة بي، وتحدَّثَ معه في حاجتي، فحصلت.
قال: ولما ولي القضاء الشيخ تقي الدين القشيري، لم تكن له بي معرفة، فولّى العقود رفقتي في الحانوت، وقال عني: لا أعرفه، فعرّفه حالي، وقال له: ما يذكر سيدنا لما درّس المملوك بالمعزّية، وشرّف سيدنا المملوك بالحضور، وأورد سيدنا السؤال الفلاني، وأجاب فقيه بكذا، فاستحسن سيدنا جوابه، هو هذا، ففوض الشيخ إليه أن يولّني، فولّاني.
وحكاياته في ذلك كثيرة، وكان أولا فقيرًا مضيّقًا عليه، فباشر في الجهات الديوانية بستكلوم، فأخبرني الشيخ تقي الدين المقرئ الشهير بالصائغ، أني لمته، فذكر لي ضرورته، فقلت له: احضر درس قاضي القضاة في غد، ودرسه في المكان الفلاني، فحضر، وبحث، وأورد نظائر، فأعجَب القاضي، وقال له: الزم الدّرس، فلزمه مدة، ثم ولّاه القضاء بالواحات، فتأثل منها مالًا، ثم ولي أمانة الحكم بمصر مدة، ثم وقع بينه وبين جماعة شيء، فشهدوا عليه أنه نزل فِسْقِية المدرسة عُرْيانًا، وأسقطه نائب الحكم الفقيه العلم السَّمهودي، وتعصّب له جماعة من الأعيان، وقال قاضي القضاة إذ ذاك: إنه لم يأذن لنائبه في الإسقاط، وتلفق الحال.
وكان بعض أصحابنا يقول: إنه كثير النقل عن غير قويٍّ في البحث.
قال لي القاضي سراج الدين الأرمنتي: كنت أقول له في الدّرس: كن معنا معنى.
وقال لي شيخنا أثير الدين أبو حيان: سمعت الوجيه البهنسي يقول له في الدّرس: يا هذا كم تهذي.
стр. 164
وقال لي القاضي أبو الطاهر قاضي قوص: بحث مرة في درس الشيخ ضياء الدين القنائي، ففوّق له بكفيه، وقال له: رجعت لك عن إجازتي لك، وكان قد أجازه بالفتوى.
ولكن حضرت أنا عنده أيامًا، ورأيت مباحثه حسنة، وله في "شرح الوسيط" مباحث جليلة، وأشياء دقيقة.
وقال لي صاحبنا الشيخ عماد الدين الدِّمْيَاطِي: سمعه السّيف البغدادي مرّة يبحث، فقال: هذا هو الخلاف.
وصنّف تصانيف منها: "شرح التنبيه"، وأجاد فيه، وهو أحسن شروحه في ظنّي، وسمّاه "الكفاية" (١)، وشرح بعده الوسيط شرحًا كبيرًا، سمّاه "المطلب" (٢)، مشتملًا على نقول كثيرة، ووجوه، وأقوال، وطرق، ونصوص للشافعي، وتخريجات له، واعتراضات، فشهد بغزارة موادّه، وسعة علمه، وقوة فهمه، ولم يكمله، وكتاب لطيف سمّاه "النفائس في هدّ الكنائس" (٣)، صنّفه لواقعةٍ وقعت.
ودرّس بالمدرسة المعزّية، والمدرسة الطّيبرسية بمصر، ثم ترك الطيبرسية للشيخ نجم الدين البالسي بِرًّا له، وناب في الحكم بمصر مدّة.
قال لي بعض أصحابنا: سمعت أبا العبّاس أحمد بن السّديد الإسنائي، يقول للشيخ تقي الدين ابن دقيق العيد: يا سيّدنا، ما بال ابن الرفعة صرفه سيدنا عن نيابة مصر؟
стр. 165
فقال: ما صرفته، هو عزل نفسه، فقال: فلم لا يعيده سيدنا؟ فقال: هو جرى على الإثبات، واستمرّ على العزل إلى أن مات.
وتولّى الحسبة بمصر إلى حين وفاته، وكان مُحبًّا للعلم ملازمًا للاشتغال، رأيته وبه وجع المفاصل، وهو يَفرَق من الثوب يلمس جسمه، وبين يديه كتاب ينظر فيه، وهو مكبوب على وجهه يطالع، وكان كثير الصدقة، وقف وقفًا على درس بالجامع العتيق بمصر، ومضى على جميل.
وكانت وفاته بمصر، ليلة الجمعة ثامن عشر رجب سنة عشر وسبع مئة.
٥٨ - أحمد بن محمد البلْويّ، أبو القاسم الإشبيلي الكاتب الأديب (١).
ذكره ابن سعيد، وقال: هو كاتب شهير المكانة في الصناعة، أديب غير مُزْجَى البضاعة، صنّف كتابًا في رسائل كُتّاب عصره، وترجم فيه بخبره عن خبره.
واشتهرت قصيدته التي مدح بها أبا العلاء، حين جلس للهناء بقبّة وادي إشبيلية، وقد جاءت البشائر بقتل البيّاسي، وأولها قوله: يا هبة السّعد هذي قُبّة الوادي (٢).
قال: ولم ألق من يحفظها، قال: وأنشدني لنفسه وهو في بيته كأنه في رمسه، شعر قوله:
لمن أشكو مصابي في الرزايا (٣) … وما ألقى سوى رجل مصاب
أمور لو تدبّرها حكيم … لعاش مدى الزمان أخا اكتئاب
أما في الدّهر من أفشو إليه … بأسراري فيؤنس بالجواب
стр. 166
يئست من الأنام فما جليسي … وعزّ على نهاي سوى كتابي
قال: وتوفي سنة اثنتين وثلاثين وست مئة (١).
٥٩ - أحمد بن محمد بن الحسن الأَرَّجَاني (٢)، المنعوت ناصح الدين (٣).
كان فقيهًا شافعيًا، فاضلًا، أديبًا، شاعرًا.
ولي قضاء تُسْتَر (٤)، وسمع الحديث من أبي بكر ابن محمد بن الحسن ابن ماجه الأبهري.
стр. 167
وحدّث، روى عنه أبو بكر محمد بن القاسم الشهرزوري، وأبو الفضل عبد الرّحيم ابن الإخوة، وأبو زيد محمد بن الفضل القزازي (١).
وله "ديوان" شعر (٢)، وكان يقول: أنا أفقه الشعراء وأشعر الفقهاء.
وذكره العماد في "الخريدة"، وبالغ في الثناء على فضله (٣).
وقال الحافظ السِّلَفي: أنشدنا أبو بكر محمد بن القاسم، أنشدنا الأرَّجَاني لنفسه: قوله شعر، قال:
ولما بلوت النّاس أطلب عندهم … أخا ثقة عند اعتراض الشدائد
تطلّعت في حالَيْ رخاء وشدّة … وناديت في الأحياء هل من مساعد
فلم أر في ما ساءني غير شامت … ولم أر في ما سرّني غير حاسد
وله:
ما جئت آفاق البلاد مطوّفًا … إلا وأنتم في الحقيقة مطلبي
سعيي إليكم في الحقيقة والذي … تجدون عندكم فهو سعي الدّهر بي
أنحوكم فيرد وجهي القهقرى … عنكم فسيري مثل سير الكوكب
فالقصد نحو المشرق الأقصى لكم … والسّير رأى العين نحو المغرب
стр. 168
وله: شعر
شاور أخاك إذا نابتك نائبة … يومًا وإن كنت من أهل المشورات
فالعين تبصر منها ما دنا ونأى … ولا ترى نفسها إلا بمرّات
وله شعر، ﵁:
ولمّا تلاقينا وللعين عادة … تثير بكاءً عند كلّ لقاء
بدت أدمعي في خدّها من صفائه … فغاروا وظنّوا أن بكت لبكائي
وقصيدة الشيخ الجيدة المشهورة، التي أوّلها، قوله: شعر
طربت لآلام الخيال المعاود … ومسراه في جنح من الليل هاجد
وزورة ذات الخال من غير موعد … فيا حسنها لو أنني غير راقد
تمتعتما يا ناظريَّ بنظرة … فأوردتما قلبي أمر الموارد
أعيناي كُفَّا عن فؤادي فإنه … من البغي سعي اثنين في قتل واحد
وفضائله كثيرة، وموادّه غزيرة.
مولده سنة ستّين وأربع مئة.
وتوفي بتُسْتر، في شهر ربيع الأول سنة أربع وأربعين وخمس مئة، رَحِمَهُ اللهُ تعالى.
٦٠ - أحمد بن محمد بن عبد الرحمن بن علي بن محمد بن محمد الحسني الشريف، عزّ الدين أبو العباس (١).
стр. 169
نقيب الأشراف بديار مصر.
كان محدثًا جليلًا، فقيهًا شافعيًا، سُنّيًا، ليس بمتشيّع، حَسَن الشكل والهيئة، كريمًا، وجيهًا.
سمع الكثير من الجمّ الغفير، سمع من ابن الجبّاب، والحافظ المنذري، والحافظ أبي الحسين العطّار، وخلائق، وتفقه بالعَلَم العراقي، وغيره.
وصنّف كتابه الذي ذيّل فيه على "وفيات شيخه المنذري" (١)، من سنة إحدى وأربعين وست مئة، إلى سنة خمس وسبعين منها.
وحَدَّثَ، سمع منه شيخنا أبو حيّان، والشيخ عبد الكريم بن عبد النور، والحافظ أبو الفتح محمد بن محمد اليعمري، وجماعة.
وكان ثقة ثبتًا، ومضى على سداد.
مولده ليلة الخميس، العشرين من شوّال، سنة ستّ وثلاثين وست مئة بالقاهرة.
وتوفي بها ليلة الثلاثاء سادس المحرّم، سنة خمس وتسعين منها، رَحِمَهُ اللهُ تعالى.
стр. 170
٦١ - أحمد بن محمد بن علي بن محمد بن سليم، المنعوت زين الدّين، حفيد الصّاحب بهاء الدّين (١).
سمع الحديث من السّبط، وتفقّه على مذهب الشافعي، ودَرَّس بمدرسة جدّه بزقاق القناديل بمصر، وحدّث.
وكان متدينًا مبجّلًا عند الخاص والعام، متحرزًا في الطهارة، محبًّا لأهل الخير، ومضى على جميل.
وتوفي بمصر، في الثامن من صفر سنة أربع وسبع مئة.
ومولده بها، في ليلة الأحد ثالث صفر سنة ثلاث وأربعين وست مئة، رَحِمَهُ اللهُ تعالى.
٦٢ - أحمد بن محمد بن أحمد بن الحاج الأزدي الإشبيلي (٢).
كان بارعًا في النحو والأدب، ومشاركًا في الفقه على مذهب مالك، وفي الأصول مشاركة جيّدة.
أخذ علم العربية والأدب عن الأستاذين أبي علي الشلوبين، وأبي الحسن الدبّاج، وأخذ شيئًا من القراءات عن الدبَّاج أيضًا.
قال ابن سعيد: كان أبوه تاجرًا، فترقّت همة ابنه هذا إلى مجالسة الصدور، فنشأ منتهضًا بالأدب، مائلًا إلى لسان العرب، وبرع فيه حتى لم يبق فيه من يفوقه أو يُدَانيه، حتى قال: إذا متُّ فليقل ابن عصفور في كتاب سيبويه ما شاء، فإنه لا يجد من يردّ عليه.
стр. 171
وله تصانيف مفيدة، منها "شرح كتاب سيبويه"، و"كتاب في القوافي"، مجلدة جيدة، جامعة في هذا الفن ما لا يوجد في غيرها، و"كتاب في المصادر"، وكتاب "الإبانة"، وكتاب "النقود على ابن عصفور"، و"النقود على صحاح الجوهري"، و"مختصر الخصائص" تصنيف ابن جنّي، و"مختصر في الأفعال"، واختصر كتاب المستصفى في أصول الفقه، تصنيف أبي حامد الغزالي رحمة الله عليه، وشرح مشكلاته، واختصر سرّ الصناعة، تصنيف أبي الفتح ابن جني، وله "حواش على الإيضاح والتكملة"، وله "نظم في النحو".
قال ابن سعيد: جرى منه مرّة في المذاكرة، شيء بين يدي شيخنا الدّبّاج، فأوجب ما جرى منه أن أكتب إلى الدبّاج بهذه الأبيات، وهي قوله: شعر
عذرًا لفضلك يا أستاذ من صخب … إذ ليس يخلو ذوو الآداب من شغب
فالكلّ منهم يروم السبق مجتهدًا … لكي يرى سابقًا نوعا من الغلب
وما نطقت بشيء قد نطقت به … إلا وقد ملكتني نشوة الأدب
قال: وركب في البحر، فحصل في الأسر، فخلّصه السلطان، فنظم قصيدة، منها قو له: شعر، ﵀
ناديت والبحر الخضم معارض … بحرًا لجودك لا يعب ببرّه
فأجبتني إذ لا مغيث ولم يكن … إلَّاك يشعر بالغريب وشعره
وأنفت للآداب من أسري فقد … أسديت ما حاز الثناء بأسره (١)
стр. 172
وله فضائل كثيرة.
توفي ببسكرة (١) من إفريقية بعد سنة سبع وأربعين وست مئة (٢)، وعفي أثره لأمر صدر منه يتعلق بالسلطان، رَحِمَهُ اللهُ تعالى ورضي عنه.
٦٣ - أحمد بن محمد بن مُفرج النَّباتي، نُسب إلى النبات، الإشبيلي، المكنّى بأبي العباس، ويعرف بابن الرُّومية (٣).
كان فاضلًا محدثا أديبًا، وله معرفة تامة بالحشائش.
روى عن أبي بكر ابن الجد، وأبي عبد الله ابن زرقون، وأبي محمد ابن حزمون، وغيرهم، وجال في طلب العلم وسماع الحديث، وحجّ، وسمع ببغداد، والموصل، ودمشق، وغيرها، من جماعة من أصحاب أبي الوقت، وأبي الفتح ابن البطر، والفراوي.
стр. 173
قال الأبار: اجتمعت به ولم أسمع منه، وسمع منه أصحابنا، وله فهرست حافل، أفرد فيه مشايخه بالمغرب، وتفقه على مذهب مالك بأبي الحسين ابن زرقون، ولزمه مدة، ثم صار ظاهريًا مدة، متعصبًا لأبي محمد ابن حزم، وكان بصيرًا بالحديث ورجاله، كثير العناية بذلك.
وصنّف كتابًا ضخمًا سماه بـ "الحافل"، استلحق فيه على "الكامل" لابن عدي، واختصر "كتاب الدارقطني" في غريب حديث مالك، وكانت له معرفة بالنبات، وتمييز العشب وتحليته، فاق فيه أهل عصره، وقعد في دكّان ليبيعه، وله فيه تصنيف، وصنّف كتابًا سمّاه بـ "المعلم بما زاد به البخاري على مسلم"، و"كتابًا اختصر فيه الكامل" لابن عدي (١).
قال ابن سعيد: كان ابن الرّومية جوَّالا في البلاد المشرقية والمغربية، وجالسته فوجدته متعلقًا بالأدب، مرتاحًا إليه ارتياح البحتري إلى حلب، وكان غير متظاهر بالشّعر، وكان أصحابه يسمعونه منه ويروونه عنه، وحملت عليه في بعض الأوقات، فأنشدني، وقال: تكفيك مني هذه الأبيات: شعر
خيّم بجلَّق (٢) بين الكأس والوتر … في جنّة هي مثل الشمس والقمر
ومتّع الطرف في مرأى محاسنها … بروض فكرك بين الرّوض والزهر
وانظر إلى ذهبيات الأصيل بها … واسمع إلى نغمات الطير في الشجر
وقل لمن لام في لذّاته بشرًا … دعني فإنك عندي من سوى البشر
стр. 174
قال: وتوفي ببلده في سنة إحدى وثلاثين وست مئة (١).
وقال الأستاذ أبو جعفر ابن الزبير: توفي ببلده (٢) بين الظهر والعصر من يوم الأحد، سلخ ربيع الأول سنة سبع وثلاثين.
ومولده في المحرّم سنة اثنتين وستّين وخمس مئة.
وقال الأبّار: مولده سنة إحدى وستين، وتوفي ليلة الاثنين سنة سبع وثلاثين (٣)، رَحِمَهُ اللهُ تعالى برحمته.
٦٤ - أحمد بن محمد بن إبراهيم ابن أبي بكر بن خَلِّكَان (٤) الإربلي، المنعوت شمس الدين، الفقيه الشافعي الأديب القاضي المؤرخ (٥).
стр. 175
سمع الحديث ببلده من أبي جعفر محمد بن هبة الله بن المكرم الصوفي، وأبي عبد الله الحسين بن أبي صالح التكريتي، وسمع بمصر من العلامة أبي الحسين ابن سلامة، وغيره، وحدّث، وتفقه بالشيخ أبي عمرو ابن الصّلاح.
وتولّى القضاء بدمشق مدّة، ثم صُرِف عنه، وتولّى ابن سنّي الدولة، وقبض على ابن خلكان، ثم أفرِج عنه، ورسم له أن ينتقل من المدرسة العادليّة، ويسلمها لابن سني الدولة، فشق ذلك عليه، وأحضر الحمال لحمل الأثقال، فورد كتاب السلطان بالاعتذار منه، ورسم أن يعود إلى القضاء فأعيد، وكان ذلك عنده يوم عيد.
والصّبر على المصائب نعم العدّة، وما أحسن الفرَج بعد الشدة.
وصنّف كتابه المعروف بـ "وفيات الأعيان" (١)، وهو ثلاث نسخ: صغرى، ووسطى، وكبرى (٢)، ثم في بعضها زيادة على بعض، وهو كتاب ممتع مفيد لا يستغني أديب عنه، وبستكثر الفاضل منه.
стр. 176
وله نظم في أنواع.
أنشدني صاحبنا الفقيه العالم الأديب الفاضل تاج الدين ابن مكتوم، أنشدني أبو عبد الله ابن سالم البغدادي، أنشدني قاضي القضاة شمس الدين ابن خَلِّكان لنفسه، رَحِمَهُ اللهُ تعالى: قوله شعر:
قلت للائم في الدمع وقد نمّ بحالي … منذ أحببت عليًا صار دمعي متوالي
وأورد له مصنف الكتاب المسمّى بـ "نسيم البان في شعراء الزمان"، ﵁ قوله: شعر
تمثلتُم لي والبلاد بعيدة … فخيّل لي أنّ الفؤاد لكم مغنى
وناجاكم قلبي على القرب والنّوى … فأوحشتم لفظًا وآنستم معنى
وله في الدّوبيت قوله: شعر
لاحت سحرًا عن أيمن الخيف بروق … فازددت بها شوقًا وما زلت مشوق
مالي ولبارق على الخيف أضاء … ما أومض إلا واعترى القلب خفوق
ولد بإربل، في حادي عشرين ربيع الآخر، سنة ثمان وست مئة.
وتوفي بدمشق، في يوم السبت سادس عشرين شهر رجب، سنة إحدى وثمانين وست مئة، رَحِمَهُ اللهُ تعالى.
٦٥ - أحمد بن محمد بن منصور بن أبي بكر الجُذَامي الإسكندراني، المنعوت ناصر الدين، المكنى بأبي العباس، المعروف بابن المنير، الفقيه المالكي، الأصولي، النحوي، المفسر، الأديب الشاعر (١).
стр. 177
كان فاضلًا في فنون، وتولّى القضاء بالإسكندرية، وكان فصيحًا مفوهًا.
سمع الحديث ببلده من جماعة من أصحاب السِّلَفي.
وحدّث، سمع منه جماعة من الفضلاء، ومنهم الشيخ العلامة جلال الدين، وولده، وشيخنا أبو الفتح محمد بن أحمد القُوصي ابن الدَّشْنَاوي.
وصنّف تصانيف، منها "تفسير كتاب الله العزيز"، في مجلّدات، ومنها كتابه المسمّى بـ "الانتصاف من صاحب الكشاف" (١)، ومنها كتاب "المقتفى" (٢)، وله خطب وترسّلٌ.
وكان قد قرأ الفقه والأصولين على ابن الأبياري، والنحو على المُحيي المازوني.
وناب في الحكم أولا عن ابن أبي الفرج، ثم صار أصلًا، وعُمل عليه، وصودِرَ هو وأخوه، ثم عاد إلى القضاء.
ثم خطر له أن يُصنّف في الردّ على الغزالي في الإحياء، فحكى ابن أخيه القاضي عزّ
стр. 178
القضاة عبد الواحد أن أم الفقيه خاصمته، وقالت له: فرغت من مضاربة الأحياء وجئت تضارب الأموات، اتركه، فتَركه.
ومباحثه ليس فيها تحقيق، رأيت له فتوى مطولة في درج كامل، وقد سئل عن السّماع والألحان بالشبابة والدفّ، فأطال ولم يلمّ بالجواب.
وفي "المقتفى" من الفوائد الذي ذكرها في حديث الإسراء، في قول جبريل ﵇: لمّا دقّ الباب، فقيل له: من معك؟ فقال: محمد (١)، قال الفقيه: يؤخذ منه ما يفعل في بلدنا في العرس، من غلق الباب حتى يدقّ العروس ويفتح له، وأمثال ذلك في التفسير.
وقال لي شيخنا أبو حيان: قال الرّضي الشّاطبي: فاضلان في بلادهما ما يستويان حتّى يقيما بالقاهرة: ابن دقيق العيد، وابن المنير، فأما ابن دقيق العيد، فحضر ولقي العلماء، وابن المنير لم يحضر إلا مجتازًا.
وحكى لي الشيخ أيضًا: أنهم حضروا في درس بالمدرسة المجاورة لضريح الشافعي، وحضر ابن رزين، والأصبهاني، وابن عبد الرحيم، وابن المنير، فبحث ابن المنير وابن عبد الرحيم، وطال عياطهما، فقال رزين للأصبهاني: افصل بين الجماعة، فقال: ما المدّعى؟ فقال ابن المنير: كذا، فقال: ممنوع، فقال: الجواب كذا، فاعترض عليه، فقال: الجواب الثاني، فقال: حتى ينتهي الأول، فوقف ابن المنير.
وسُئِل الشيخ تقي الدين القشيري عنه، فقال: من نمط أخي السّراج، وكان يقول عن أخيه: أنه ما يقف في البحث على حدٍّ.
стр. 179
وحكى الفقيه الصنهاجي، أنه حضر مرة عند الشيخ تقي الدين بالمدرسة الفاضلية بالقاهرة، فسأل الشيخ الفقيه ابن المنير: ما الحجّة في كون عمل أهل المدينة حُجَّة؟ فقال: أو يتّجه غير هذا؟ وتكلم كلامًا طويلا، فلم يتكلم الشيخ معه، فلما خرج سئل الشيخ عن ترك الكلام معه، فقال: رأيت رجلًا لا يُنْتَصف منه إلا بالإساءة عليه.
وكان تيّاهًا متعاظمًا، وفيه يقول الشاعر الغزولي: شعر
أقول لخلٍّ قد غدا متكبّرا … عليَّ ترفّق إنني منك أكبر
فإن كنت في شكّ فعندي دليله … لأني غزولي وأنت منيّر
وخاطبه مرة بنون التعظيم، فقال فيه أيضًا: شعر
يعشق نون التعظيم حتى … لو قيل قدت قال قدنا
وتركت البيت الثاني.
وللفقيه نظم، أنشدني القاضي عبد العال بن عبد الوهاب ابن عبد الكريم السّعدي، قاضي دَرْشابة (١) بها، أنشدني الفقيه لنفسه، ما كتب به إلى قاضي القضاة سليمان الحنفي المنعوت بالصّدر، يشفع في شخص بخاري فقيه استشفع بالفقيه، فكتب إليه بقوله هذه الأبيات: شعر
فقيه جاء من أقصى بخارى … يؤمّل عندنا حسن الجوار
فنرعاه لحُسن الظن فينا … ونكرمه لإكرام البخاري
أحلناه على صدر البرايا … وقطب الوقت ذي السحب الغزار
стр. 180
سليمان الزمان بلا مجاز … ونعمان الأوان بلا مماري
وأنشدني أيضًا، قال: أنشدني الفقيه لنفسه: ما كتب به إلى ابن باخل، وإلى الثغر يستشفع عنده:
يستشفعون إليك بي ظنًّا … بما أحسنت قدما
فالآن حقق ما يقال … فليس كل الظن إثمًا
وقال صاحب "نسيم البَان": كتب القاضي ناصر الدين ابن المنير للوزير الفائزي، يسأله رفع التّصقيع (١) عن أهل الثغر، فقال ﵁: شعر
إذا اعتل الزمان فمنك ترجو … بنو الأيام عافية الشفاء
وإن ينزل بساحتهم قضاء … فأنت اللطف في ذاك القضاء
قال: وقال يهجو ابن أبي الفرج، لمّا نازعه في الحكم: شعر
قل لمن يبتغي المناصب بالجهل … تنحّ عنها لمن هو أعلمْ
إن تكن في ربيع ولّيت يومًا … فعليك القضاء أمسى محرّم
وأنشدني بعض أصحابنا له، رحمة الله عليه: شعر
بمهجتي هيفاء ريفية … لا تعرف الذنب من الذنب
تقول والدّمع على خدّها … منهمل كاللؤلؤ الرّطب