وله نظم في أنواع.
أنشدني صاحبنا الفقيه العالم الأديب الفاضل تاج الدين ابن مكتوم، أنشدني أبو عبد الله ابن سالم البغدادي، أنشدني قاضي القضاة شمس الدين ابن خَلِّكان لنفسه، رَحِمَهُ اللهُ تعالى: قوله شعر:
قلت للائم في الدمع وقد نمّ بحالي … منذ أحببت عليًا صار دمعي متوالي
وأورد له مصنف الكتاب المسمّى بـ "نسيم البان في شعراء الزمان"، ﵁ قوله: شعر
تمثلتُم لي والبلاد بعيدة … فخيّل لي أنّ الفؤاد لكم مغنى
وناجاكم قلبي على القرب والنّوى … فأوحشتم لفظًا وآنستم معنى
وله في الدّوبيت قوله: شعر
لاحت سحرًا عن أيمن الخيف بروق … فازددت بها شوقًا وما زلت مشوق
مالي ولبارق على الخيف أضاء … ما أومض إلا واعترى القلب خفوق
ولد بإربل، في حادي عشرين ربيع الآخر، سنة ثمان وست مئة.
وتوفي بدمشق، في يوم السبت سادس عشرين شهر رجب، سنة إحدى وثمانين وست مئة، رَحِمَهُ اللهُ تعالى.
٦٥ - أحمد بن محمد بن منصور بن أبي بكر الجُذَامي الإسكندراني، المنعوت ناصر الدين، المكنى بأبي العباس، المعروف بابن المنير، الفقيه المالكي، الأصولي، النحوي، المفسر، الأديب الشاعر (١).
стр. 177
كان فاضلًا في فنون، وتولّى القضاء بالإسكندرية، وكان فصيحًا مفوهًا.
سمع الحديث ببلده من جماعة من أصحاب السِّلَفي.
وحدّث، سمع منه جماعة من الفضلاء، ومنهم الشيخ العلامة جلال الدين، وولده، وشيخنا أبو الفتح محمد بن أحمد القُوصي ابن الدَّشْنَاوي.
وصنّف تصانيف، منها "تفسير كتاب الله العزيز"، في مجلّدات، ومنها كتابه المسمّى بـ "الانتصاف من صاحب الكشاف" (١)، ومنها كتاب "المقتفى" (٢)، وله خطب وترسّلٌ.
وكان قد قرأ الفقه والأصولين على ابن الأبياري، والنحو على المُحيي المازوني.
وناب في الحكم أولا عن ابن أبي الفرج، ثم صار أصلًا، وعُمل عليه، وصودِرَ هو وأخوه، ثم عاد إلى القضاء.
ثم خطر له أن يُصنّف في الردّ على الغزالي في الإحياء، فحكى ابن أخيه القاضي عزّ
стр. 178
القضاة عبد الواحد أن أم الفقيه خاصمته، وقالت له: فرغت من مضاربة الأحياء وجئت تضارب الأموات، اتركه، فتَركه.
ومباحثه ليس فيها تحقيق، رأيت له فتوى مطولة في درج كامل، وقد سئل عن السّماع والألحان بالشبابة والدفّ، فأطال ولم يلمّ بالجواب.
وفي "المقتفى" من الفوائد الذي ذكرها في حديث الإسراء، في قول جبريل ﵇: لمّا دقّ الباب، فقيل له: من معك؟ فقال: محمد (١)، قال الفقيه: يؤخذ منه ما يفعل في بلدنا في العرس، من غلق الباب حتى يدقّ العروس ويفتح له، وأمثال ذلك في التفسير.
وقال لي شيخنا أبو حيان: قال الرّضي الشّاطبي: فاضلان في بلادهما ما يستويان حتّى يقيما بالقاهرة: ابن دقيق العيد، وابن المنير، فأما ابن دقيق العيد، فحضر ولقي العلماء، وابن المنير لم يحضر إلا مجتازًا.
وحكى لي الشيخ أيضًا: أنهم حضروا في درس بالمدرسة المجاورة لضريح الشافعي، وحضر ابن رزين، والأصبهاني، وابن عبد الرحيم، وابن المنير، فبحث ابن المنير وابن عبد الرحيم، وطال عياطهما، فقال رزين للأصبهاني: افصل بين الجماعة، فقال: ما المدّعى؟ فقال ابن المنير: كذا، فقال: ممنوع، فقال: الجواب كذا، فاعترض عليه، فقال: الجواب الثاني، فقال: حتى ينتهي الأول، فوقف ابن المنير.
وسُئِل الشيخ تقي الدين القشيري عنه، فقال: من نمط أخي السّراج، وكان يقول عن أخيه: أنه ما يقف في البحث على حدٍّ.
стр. 179
وحكى الفقيه الصنهاجي، أنه حضر مرة عند الشيخ تقي الدين بالمدرسة الفاضلية بالقاهرة، فسأل الشيخ الفقيه ابن المنير: ما الحجّة في كون عمل أهل المدينة حُجَّة؟ فقال: أو يتّجه غير هذا؟ وتكلم كلامًا طويلا، فلم يتكلم الشيخ معه، فلما خرج سئل الشيخ عن ترك الكلام معه، فقال: رأيت رجلًا لا يُنْتَصف منه إلا بالإساءة عليه.
وكان تيّاهًا متعاظمًا، وفيه يقول الشاعر الغزولي: شعر
أقول لخلٍّ قد غدا متكبّرا … عليَّ ترفّق إنني منك أكبر
فإن كنت في شكّ فعندي دليله … لأني غزولي وأنت منيّر
وخاطبه مرة بنون التعظيم، فقال فيه أيضًا: شعر
يعشق نون التعظيم حتى … لو قيل قدت قال قدنا
وتركت البيت الثاني.
وللفقيه نظم، أنشدني القاضي عبد العال بن عبد الوهاب ابن عبد الكريم السّعدي، قاضي دَرْشابة (١) بها، أنشدني الفقيه لنفسه، ما كتب به إلى قاضي القضاة سليمان الحنفي المنعوت بالصّدر، يشفع في شخص بخاري فقيه استشفع بالفقيه، فكتب إليه بقوله هذه الأبيات: شعر
فقيه جاء من أقصى بخارى … يؤمّل عندنا حسن الجوار
فنرعاه لحُسن الظن فينا … ونكرمه لإكرام البخاري
أحلناه على صدر البرايا … وقطب الوقت ذي السحب الغزار
стр. 180
سليمان الزمان بلا مجاز … ونعمان الأوان بلا مماري
وأنشدني أيضًا، قال: أنشدني الفقيه لنفسه: ما كتب به إلى ابن باخل، وإلى الثغر يستشفع عنده:
يستشفعون إليك بي ظنًّا … بما أحسنت قدما
فالآن حقق ما يقال … فليس كل الظن إثمًا
وقال صاحب "نسيم البَان": كتب القاضي ناصر الدين ابن المنير للوزير الفائزي، يسأله رفع التّصقيع (١) عن أهل الثغر، فقال ﵁: شعر
إذا اعتل الزمان فمنك ترجو … بنو الأيام عافية الشفاء
وإن ينزل بساحتهم قضاء … فأنت اللطف في ذاك القضاء
قال: وقال يهجو ابن أبي الفرج، لمّا نازعه في الحكم: شعر
قل لمن يبتغي المناصب بالجهل … تنحّ عنها لمن هو أعلمْ
إن تكن في ربيع ولّيت يومًا … فعليك القضاء أمسى محرّم
وأنشدني بعض أصحابنا له، رحمة الله عليه: شعر
بمهجتي هيفاء ريفية … لا تعرف الذنب من الذنب
تقول والدّمع على خدّها … منهمل كاللؤلؤ الرّطب
стр. 181
ضاعت ذُبيلَاتي فقلت اقصري … هذي ذبيلاتك في قلبي
وقال يرثي أبا عمرو ابن الحاجب: شعر
ألا أيها المختال في مَطْرف العمر … هلمّ إلى قبر الفقيه أبي عمر
ترى العلم والآداب والفضل والتّقى … ونيل المنى والعز غُيّبن في قبر
نعم وتيقن أن لا بدّ يرجع مرّة … إلى صدف الأجداث مكنونة الدرّ
وبالجملة، فكان من حسنات الزّمان، ومن فضلاء ذلك الأوان.
ومدحه العلاء بن الحاجب، أجازت لي وجيهيّة بنت علي الصّعيدي، قالت: أنبأنا ابن الحاجب، يمدح الفقيه ناصر الدين ابن المنير، ﵁، يقول: شعر
لقد سئمت حياتي البحث لولا … مباحث ساكن الإسكندريه
كأحمد سبط أحمد حين يأتي … بكل غريبة كالعبقريه
تذكرني مباحثه صحابًا … وإخوانا صحبتهم سريه
زمانًا كان لا يباري فينا (١) … مدرّسنا وتحسدنا البريه
مضوا فكأنهم إما نيام … وإما صبحهم أضحى عشيه
وكان ابن باخلٍ (٢) في نفسه منه، فقيل: إنه دسّ عليه سمًّا، فمات به في يوم الخميس مستهل ربيع الأول سنة ثلاث وثمانين وست مئة.
стр. 182
ومولده ثالث ذي القعدة سنة عشرين منها.
٦٦ - أحمد بن محمد بن عبد الكريم بن عطاء الله الإسكندراني، المنعوت تاج الدين، المكنى بأبي العباس، الفقيه المالكي الصوفي (١).
سمع الحديث من الأبرقوهي، وأخذ النحو عن المُحيي المازوني.
وشارك في الفقه والأدب، وتصوَّف، وصحب أبا العباس المرسي، واشتهر بالصلاح، وأقبلت عليه العوام وكثير من المتفقهة، وصحبه جماعة، وصاروا تلامذته، وتكلَّم على طريقة طائفة الصوفية ﵃.
أخبرني شيخنا أبو حيان قال: أخبرني القاضي شرف القضاة ابن الرّيغي (٢)، قال: كان ابن عطاء يجتمع بنا، ولم يكن يتكلم في هذا النوع، فاجتمعنا يومًا فقال: أتمرجن لكم؟ فقلنا نعم، فتكلم فقلنا له: حكيت المرجاني، فاستمر على ذلك وتمّ له الأمر.
وحكى لي العدل الفقيه جمال الدين أحمد ابن المكين الإسنائي (٣)، قال: حكى لي الشيخ أبو عبد الله المراكشي، وأنا أعرفه وهو مشهور بالصلاح، قال: كنت أصحب
стр. 183
فقيرًا وأتردّد إليه، فأنا يومًا عنده في السَّحَر، وإذا حِسّ خيل وركض، فطلع إلى ذلك الفقير الصّاحب فخر الدين عمر بن عبد العزيز بن الخليلي، وكان إذ ذاك وزيرًا، وكان يعتقد في ذلك الفقير، فقال: يا سيّدي لا تخلي عندك أحدًا، فقال له: ما عندي أحد، وهذا الحاضر أنا ما أخفي منه شيئًا للثقة به، قُل ما عندك، فقال: جاءني ابن عطاء الله الإسكندراني وقال لي: الليلة ترى النبي ﷺ ، واجعل شكرانة ذلك أن توليّني خطابة الإسكندرية، فأجبتُه إلى ذلك، ثم مضت الليلة ولم أر شيئًا، وقد عزمتُ على ضربه بالمقارع (١)، فقال له الفقير: لا، أنت أكلت الآن شيئا؟ قال: لا، فقال: انْوِ الصّوم، وأكثر الذكر، واجتهد في فعل الخير، وتحرّ الفطور على حلال، وأكثر من الصّلاة على رسول الله ﷺ ، وتبصر الليلة، فمضى ثم أتى ثاني يوم، وقال للفقير: فعلت جميع ما قلت لي ولم أر شيئًا، فقال: افعل اليوم مثل أمس، فمضى على ذلك ثلاثة أيام ولم ير شيئًا، وعزم على إيقاع الفعل به، فلاطفَه الفقير ورجّعه عن ذلك.
ولابن عطاء تصانيف في التصوّف (٢).
وله نظم؛ أنشدني بعض أصحابنا له هذه الأبيات، أولها قوله ﵁: شعر
أعندك عن ليلى حديث محرّر … لإيراده يُحيي الرميم وينشر
فعهدي بها العهد القديم وإنّني … على كلّ حال في هواها مقصّر
وقد كان عنها الطّيف قدمًا يزورني … ولما يزر ما باله متعذّر
وأمثال ذلك.
стр. 184
توفي بالقاهرة، في ليلة السبت حادي عشر جمادى الآخرة، سنة تسع وسبع مئة، ﵁ وغفر له.
٦٧ - أحمد بن محمد بن عبد الله الظّاهري الحلبي، المنعوت جمال الدين (١).
كان محدثًا حافظًا ثقة.
سمع الكثير من عبد الله بن اللّتّي، ومحمد بن إبراهيم الإربلي، وأبي القاسم ابن رواحة الحموي، والعلامة أبي الحسن علي بن هبة الله بن سلامة الشافعي المصري، وخلائق.
وحدّث بالقاهرة، سمع منه الفضلاء والحُفّاظ، منهم الحافظ أبو الحجاج المزي، والحافظ أبو محمد الحارثي قاضي القضاة الحنبلي، والقاسم البرْزَاليّ، وشيخنا أبو حيّان، والشيخ عبد الكريم بن عبد النور الحلبي، والشيخ أبو الفتوح محمد بن محمد اليعمري، وخلائق.
وخرّج التخاريج الحسنة المفيدة (٢)، وانفرد بمعرفة الأجزاء والعالي والنازل، وكتب بخطّه الكثير.
стр. 185
وقال بعضهم: هو محدث مصر (١)، وكتب بخطّه "الذَّيْل" لابن النجار.
وكان صاحبنا العلامة ركن الدين ابن القوبع يعيب كتابته جدًا، ويقول: فيها من اللحن والخطأ والتحريف ما لا يُحصَى.
ومن تأمّل "تاريخ" ابن النجّار تبيّن له ما قال الركن، وهو معظّم عند المشتغلين بالرواية وأهل هذه الطريقة.
ولد بحلب، في رابع عشر شوال، سنة ست وعشرين وست مئة.
وتوفي بالقاهرة، سحر الثلاثاء سادس عشرين شهر ربيع الأول، سنة ست وتسعين منها، ﵁.
٦٨ - أحمد بن محمد الصّنهاجي المكنى بأبي العباس، ويعرف بابن العريف، من أهل المرية (٢).
كان زاهدًا ناسكًا عالمًا، قرأ بسرقسطة على المشايخ، وتولى الحسبة ببلنسية.
وكان من أهل الأدب والنظم المستعذب، ثم تنسَّك، وبَعُدَ صيته في العبادة،
стр. 186
وظهرت له كرامات، ومال الناس إليه من أجلها، وانثالوا من كل أفق عليه بسببها.
وله مجالس وتصانيف (١).
ذكره الحافظ أبو عبد الله الأبار في كتابه "تحفة القادم" (٢)، وأورد من شعره، قوله ﵀: شعر
شدّوا الرحال وقد نالوا المنى بمنى … وكلهم بأليم الشوق قد باحا
راحت ركائبهم تبدي روائحها … طيبًا فما طاب ذاك الوفد أشباحا
نسيم قبر النبي المصطفى لهم … راح إذا سكروا من أجله فاحا
يا راحلين إلى المختار من مضر … زرتم جسومًا وزرنا نحن أرواحا
إنا أقمنا على شوق وعن قدر … ومن أقام على شوق كمن راحا
قال: وسأله أبو عبد الله ابن عثمان المقرئ أن ينظُم أبياتًا، في معنى أبيات إسحاق بن إبراهيم الموصلي (٣)، التي أولها قوله: شعر
وآمرةٍ بالبخل قلت لها اقْصِري … فذلك أمر ما إليه سبيل
أرى الناس خُلّان الوفاء ولا أرى … بخيلا له في العالمين خليل
وكيف أخاف الفقر أو أحرم الغنى … ورأي أمير المؤمنين جميل
стр. 187
فنظم أبو العباس ﵁ قوله: شعر
تعاتبني في الجود والجود شيمتي … وما لي بتبديل الطّباع زعيم
ولم أر مثل الجود أما مذاقه … فحلو وأما حبُّه فقديم
ذريني فإن البخل عارٌ لأهله … وما ضرّ مثلي أن يقال عديم
ولا خير في مالٍ يعيش بعيشه … ولو أنه فوق السماء مقيم
أرى كلّ طلق كل قلب يحبه … وليس لمقبوض اليدين حميم
وكيف يخافُ الفقر أو يحرم الغنى … كريم وربّ العرش كريم (١)
وله "ديوان" شعر.
ولما اشتهرت كراماته، وأقبل الناس عليه، وُشيَ به وسُعي به إلى السلطان، وحُذّر من جانبه، فأمر بإشخاصه إلى مراكش، فلم يُقِم بها إلا قليلا، وتوفي، وقيل: إنه سُمّ في الطريق.
وتوفي في آخر شهر صفر، سنة ست وثلاثين و [خمس] مئة (٢).
٦٩ - أحمد بن محمد بن الورد التميمي، من أهل المرية، يكنى أبا العباس (٣).
стр. 188
كان من الفقهاء الأدباء، وتولّى القضاء.
قال الأبار: سمعت أبا الربيع ابن سالم يقول: سمعت أبا الخطاب ابن الحسن يقول: ليس بالأندلس مثل ابن الورد، لا أحاشي أحدًا (١).
قال: وأنشدني ابن الورد قول أبي حامد الغزالي ﵁، في طلبه العلم، وقال فيه: شعر
إذا اجتمعوا جاؤوا بكل ظريفة … فيزداد بعض القوم من بعضهم علما
فنظم بيتًا وجعله قبل بيت الغزالي ﵀:
ولله قوم كلّما جئت زائرًا … وجدت شخوصًا كلها ملئت فهما
وقال بيتًا آخر جعله ثالثًا، وهو قوله:
أولئك مثل الطّيب كل له شذى … ومجموعه أذكى أريجًا إذا شُمّا
وله:
كل خلّ صحبته … من ذوي المجد والعلا
أنا منه بواحد … من عظيمين مبتلى
باصطباري على الأذى … أو فراق على القلى
فاعتبر حال من دنا … منهم بالذي علا
ودع النّاس كلهم … تعف من قادح البلا
стр. 189
غير تسليمة اللقا … والذي بعدها فلا
هاكها من مجرّب … فاغتنمها معجّلا
وقال أبو بكر ابن إبراهيم ابن الحاج: دخلنا عليه نعوده في مرضه الذي مات فيه، فأنشدنا لنفسه: شعر
عشر الثمانين وعمر طويل … لم يبق للصحّة إلا قليل
لا تحسبوني ثاويًا بينكم … فقد دنا الموت وآن الرّحيل
توفي سنة أربعين وخمس مئة.
٧٠ - أحمد بن محمد بن خلف المعافري الغرناطي، المكنى بأبي جعفر، والمعروف بابن خديجة، الفقيه المالكي النّحوي (١).
سمع الحديث من أبي القاسم ابن سمجون (٢)، وحدّث عنه، وعن أبي جعفر ابن شراحيل (٣)، وأبي زكرياء الأصبهاني.
سمع منه شيخ شيخنا؛ الأستاذ أبو جعفر ابن الزبير، وأخذ عنه علم العربية.
وكان فاضل النفس، حسن التعليم.
وتوفي سنة ثمان وأربعين وست مئة، وله نحو من سبعين سنة.
стр. 190
٧١ - أحمد بن محمد بن سلمان بن حمائل بن علي بن معلّا بن طريف الكاتب، المنعوت شهاب الدين، المكنى بأبي العباس، المعروف بابن غانم، نسبة إلى جد أبيه لأمه (١).
كان أبو العباس أديبًا فاضلًا، حسن الأخلاق، ممتع الحديث، كثير المحفوظات، رأسًا في التوقيع السلطاني.
سمع الحديث من الشيخ شمس الدين ابن أبي عمر الحنبلي، ومن ابن عبد الدائم، وابن الجيشاني، وجماعة.
وقرأ النحو على أبي عبد الله محمد بن مالك، وعلى ولده، وقرأ المقامات الحريرية على ابن الظهير الإربلي، وقرأ عليه "ديوان" البحتري، و"ديوان" المتنبي.
وحدّث بدمشق والقاهرة، سمع منه جماعة من أصحابنا.
أنشدنا الشيخ أبو حيان، أنشدنا ابن غانم لنفسه في صائغ، قوله: شعر
بأبي صائغٌ مليح التثنّي … بقَوام يُزري بخيط البان
أمسك الكلبتين يا صاح فاعجب … لغزال بكفّه كلبتان
وقوله: شعر
أفدي الذي بحبّها تزايدت أمراضي … تُرى بقتلي في الهوى ساخطة أم راضية
وقوله:
стр. 191
يا راكبًا يطوي الفلا جز بالحمى وعج به … واقري السّلام قاتلي بصدّه وحجبه
وقوله: شعر
طرفك هذا به فنون … أضحى لقلبي به فتون
قد كنت لولاه في أمان … لله ما تفعل العيون
مولده في ليلة خامس عشرين جمادى الآخرة، وقيل: في غرة رجب سنة خمسين وست مئة.
وتوفي بدمشق، في ثامن شهر رمضان، سنة سبع وثلاثين وسبع مئة، ﵀.
٧٢ - أحمد بن مسعود الخزرجي القرطبي، المكنى بأبي العباس، الفقيه الشافعي (١).
قدم من المغرب صبيًا، وطاف بالبلاد مغربًا ومشرقًا، وطالت إقامته بمدينة السلام بغداد، وتفقه بها.
ودرّس بالمدرسة النظامية، ودرّس بمدرسة دُنيْسر (٢) في فنون كثيرة من العلوم.
قال ابن الرّبيب: وكان مع شهرته في العلوم والورع؛ مولعًا بحب السّماع وحضور مواضعه، وله في ذلك أشعار وأخبار.
стр. 192
وله نظم، منه قوله:
مِلتَ عنّي لما يقول العذول … أيّ غصن مع الصبا لا يميل
كل حين تصغي لما قال هلا … بعض حين تصغي إلى ما أقول
أنا عبد وكلما شئت يقضى … فالتجنّي والعتب لم ذا يطول
ويقول النّصيح أرسل إليه … بخضوع لعلّ حالا تحول
أنا أرسلت للحبيب ولكن … ليت شعري بما يعود الرّسول
وقوله:
وفي الوجنات ما في الروض لكن … لرائق زهرها معنى عجيب
وأعجب ما التعجّب منه أني … أرى البستان يحمله قضيب
قال ابن سعيد: وأنشدني عنه بدُنَيْسر، أديبها وشاعرها الجلال ابن الصفار هذه الأبيات، وهي قوله ﵁: شعر
لاموا علي صبوتي والشّيب مبتسم … كالزّهر يبدي ابتسامًا في خمائله
فقلت والوجد يطويني وينشرني … أواخر النوم أحلى من أوائله
لم أترك الآس حينًا من أحاينه … فكيف أغفل عنه في أصائله (١)
قال: وتوفي في سنة ثلاث وست مئة (٢).
стр. 193
وقال ابن الرّبيب ﵀: سنة إحدى منها، والله أعلم.
٧٣ - أحمد بن معد بن عيسى بن وكيل التُّجِيبي الأندلسي الأُقْلِيشي (١).
ذكره الحافظ عبد العظيم المنذري في "تاريخ مصر"، وقال: كان من أهل المعرفة باللغات والنحو والعلوم الشرعية.
أخذ عن أبي محمد ابن السيّد البطليوسي، وأبي الحسن ابن الدّاني، وآخرين، وقدم الإسكندرية، فسمع بها من الحافظ السّلفي.
وألف تآليف حسنة (٢)، وله شعر حدّث بشيء منه، كتب منه عنه السّلفي.
قال المنذري: قرأت على أبي المعالي عبد الرحمن بن علي المخزومي، عن أبي طاهر السّلفي، قال: أنشدني الشيخ أبو العباس المذكور لنفسه، قوله: شعر
كان حقّي أن لا أذكِّر غيري … وأنا ما كفيت شرّي وضيري
стр. 194
غير أني برحمة الله ربّي … أرتجي أن يفيدني كلّ خير
وقوله رَحِمَهُ اللهُ تعالى:
تنحدر العبرات عن أحداقه … فترى لها في خدّه آثارا
ولربّما امتزجت دمًا من قلبه … حتى كأن الدّمع يطلب ثارا
قال المنذري: وأنشدني أبو القاسم عبد الرحمن بن محمد بن رسلان بقراءتي عليه، أنشدنا الشيخان الصّالحان أبو الرّضى ابن أيي يعلى، وأبو الجود حاتم بن سنان بن بشر، قالا: قال أبو العباس يمدح كتاب الترمذي ﵁، قوله: شعر
كتاب الترمذي رياضُ علم … حكت أزهاره زهر النّجوم
به الآثار واضحة أُبِينت … بألقاب أقيمت كالرسوم
فأعلاها الصّحاح وقد أنارت … نجومًا للخصوص وللعموم
ومن حسن يليها أو غريب … وقد بان الصحيح من السّقيم
فعلله أبو عيسى مبينًا … معاليه لطلاب العلوم
وطرّزها بآثار صحاح … تخيّرها أولوا العقل السليم
من العلماء والفقهاء قدمًا … وأهل الفضل والنهج القويم
فجاء كتابه علقًا نفيسًا … تنافس فيه أرباب الحلوم
ويقتبسون منه نفيس علم … يفيد نفوسهم أسنا الرّسوم
كتبناه لنرويه ونروي … من التّسنيم في دار النّعيم
стр. 195
وغاص الفكر في بحر المعاني … فأدرك كل معنى مستقيم
وأخرج جوهرًا للتاج نورًا … يقلد عقده أهل الفهوم
لنصعد بالمعاني للمعالي … بسعد بعد توديع الجسوم
محل العلم لا يأوي ترابًا … ولا يبلى على الزّمن القديم
جزى الرحمن خيرًا بعد خير … أبا عيسى على فعل الكريم
وكان سميّه فيه شفيعًا … محمد المسمى بالرّحيم
توفي بمكة شرّفها الله تعالى، سحر يوم الأربعاء رابع شهر رمضان، سنة تسع وأربعين وخمس مئة (١).
٧٤ - أحمد بن منصور بن أَسْطُوْرَاس الدِّمْيَاطِي، المنعوت شهاب الدين، المعروف بابن الجبَّاس (٢).
قرأ القراءات وتأدب، ونظم النظم الجيد، وقال الشعر الحسن، كتب عنه أصحابنا.
أنشدنا الشيخ أبو حيّان، أنشدنا ابن الجبّاس لنفسه، يصف الموز ولا أعلم من وصفه غيره، فقال:
كأنما الموز في عراجنه … وقد بدا يانعًا على شجره
فروع شعر برأس غانية … عقّص من بعد ضم منتشره
стр. 196
كأن من ضمّه وعقصه … أرسل شرّابة على أثره
وفي اعتدال الخريف أحسن ما … تراه في ورده وفي صدره
كأن أشجاره وقد نشرت … ظلال أوراقها على ثمره
حاملة طفلها على يدها … تظله بالخمار من شعره
كأنما ساقها الصّقيل وقد … بدت عليه نقوش معتبره
ساق عروس أميط مئزرها … فبان وشي الخضاب في حبره
تصاغ من جدول خلاخلها … فتنجلي والنثار من زهره
حدائق خفقت سناجقها … كأنها الجيش أمَّ في زمره
زها فراق العيون منظره … فما تملّ العيون من نظره
كأنه بعد قطعه وقد … اصفرّ لما نال من أذى حجره
متيم قد أذابه قلق … يبيت من هجره على خطره
معلّق بالرّجاء ظاهره … يخبر عمّا أسرّ من خبره
يطيب ريحًا ويستلذ جنًا … على أذى زاد فوق مصطبره
لذلك الحرّ حال محنته … يزيد صبرًا على أذى ضرره
وقد تقدمه في وصف الموز محمد بن عمر الجنوي.
وأنشدنا الشيخ أيضًا قال: أنشدني ابن الجبَّاس أيضًا لنفسه، قوله رَحِمَهُ اللهُ تعالى: شعر
وقائلة ما بال دمعك أسودًا … ولم أر دمعًا فاض وهو كحيل
فقلت دمي والدّمع أفناهما البكا … فها مقلتي منها السواد يسيل
стр. 197
وقوله ﵁ هذه الأبيات: شعر
أأحبابنا ما زرت ربعكم غبّا … ليعقبني غبّ المزار بكم حبا
ولكنّني أخشى الرقيب عليكم … وإلا فمن لي أن أفوز بكم قربا
على أن ما في الجسم موضع شعرة … خلا منكم إلا كأنَّ به قلبا
أحبّكم حبًّا يزيد على النّوى … ويعظم أن يشفي الدنوّ له كربا
تضرّم منه النّار بين جوانحي … ويسفح ماء الجفن منهملًا سكبا
يلوم عليه العاذلون جهالة … ولو فهموا معناه ما اعترضوا عتبا
أحبّتنا لا فرّق الدّهر بيننا … قلوبًا وأدنى أنفسًا ألفت قربا
تجمّعت الأهواء فيكم فلن ترى … بكم أحدًا إلا غدا والهًا صبّا
وشنّ علينا حسنكم كلّ غارة … وسلّ علينا من لواحظكم عضبا
أُلام على فيض الدّموع على النوى … وهل لسوى يوم النّوى أدمعي تُخبا
شكوت إلى الآسي شكاية موجع … فقال هوىً لا أستطيع له طبا
تمكّن فيك الدّاء من أمّ مالك … ويوشك أن يقضي المحب به نحبا
ولد بدمياط سنة ثلاث وخمسين وست مئة.
وتوفي بها سنة اثنتين وأربعين وسبع مئة، ﵀.
٧٥ - أحمد بن مُنِير بن أحمد بن مفلح الأَطْرَابُلْسِي، المكنى بأبي الحسين الرّفاء، الأديب الشاعر (١).
стр. 198
كان أبوه منشدًا ينشد الأشعار في الأسواق يغني، فنشأ ابنه هذا، فحفظ القرآن العظيم، وتعلم اللغة والأدب، وقال الشعر الجيد، وسكن دمشق.
قال الحافظ أبو القاسم الدِّمَشْقي: كان رافضيًا خبيثًا، يعتقد مذهب الإمامية، وكان هجّاءً خبيث اللسان، كثير الفحش في شعره، ويستعمل في شعره الألفاظ العامية، ولما أكثر منه الهجو، حبسه بوري بن طغتكين (١) أمير دمشق مدّةً، وعزم على قطع لسانه، فاستوهب منه يوسف بن فيروز الصّاحب جرمه، فوهبه له وأمر بنفيه، فنُفِيَ، فلما ولي دمشق إسماعيل بن بوري (٢) بعد أبيه، عاد إلى دمشق، ثم إنه تغيّر عليه لشيء بلغه عنه، فطلبه وأراد صلبه، فهرب واختفى في مسجد الوزير، ثم خرج من دمشق ولحق بالبلاد الشمالية، وصار ينتقل من حماة إلى شيزر، وإلى حلب، ثم لما قدم الملك العادل وحاصر دمشق الحصر الثاني، قدم في صحبته ابن مُنير، فلما استقرّ الصلح، رجع معه مع العسكر إلى حلب، فمات بها. قال: وقد رأيته ولم أسمع منه.
وأنشدني الأمير أبو الفضل إسماعيل ابن الأمير أبي العَسَاكِر سلطان بن منقذ (٣)، قال: أنشدني ابن منير المذكور لنفسه، وذكر قصيدة، قوله: شعر
стр. 199
وإذا الكريم رأى الخمول نزيله … في منزل فالحزم أن يترحلا
كالبدر لمّا أن تضاءل نوره … طلب الكمال فحازه متنقلا
ساهمت عيشك مرّ عيشك قاعدًا … أفلا فليت بهنّ ناصية الفلا
لا ترض من دنياك ما أدناك … من دنس وكن طيفا جلا ثم انجلى
وصل الهجير بهجر قوم كلما … أمطرتهم عسلا جنوا لك حنظلا
من غادر خبثت مغارس ودّه … فإذا محضت له الولاء تأولا (١)
لله علمي بالزمان وأهله … ذنب الفضيلة عندهم أن تكملا
طبعوا على لوم الطباع فخيرهم … إن قلت قال وإن سكت تقوّلا (٢)
ولد بأطرابلس، سنة ثلاث وستين وأربع مئة.
وتوفي بحلب، في شهر جمادى الآخرة، سنة ثمان وأربعين وخمس مئة، ﵁ ورحمه برحمته.
٧٦ - أحمد بن نصر الله بن باتكين بن سعيد بن حبيب القاهري الدّميري الأصل، المنعوت محيي الدين، المكنّى بأبي العباس (٣).
كان شاعرًا فاضلًا وجيهًا مُبجَّلًا، مدح الأعيان والأكابر، وحدّث بشيء من شعره.
стр. 200
كتب عنه الفضلاء، سمع منه أشياخنا وأصحابنا، وممن سمع منه: أبو عبد الله محمد بن أحمد الشهير بابن القمّاح، وشيخنا أبو حيّان.
وأخبرني جماعة من أصحابنا ومنهم أبو عبد الله محمد بن القاسح الإخميمي: أنه رأى قاضي القضاة أبا الفتح محمد بن علي القشيري يجلّه، ويجلسه إلى جانبه فوق نواب الحكم.
وأنشدني الشيخ أبو حيّان، أنشدني ابن باتكين لنفسه، يمدح الصاحب فخر الدين محمد ابن الصاحب بهاء الدين، بقصيدة أولها هذه الأبيات، قوله: شعر
يا جفن مقلته سكرت فعربد … كيف اشتهيت على فؤاد مكمد
ورميت عن قوس الفتور فأصبحت … غرضًا لأسهمك القلوب فسدّد
لم تغمض الجفن الكحيل تغاضيًا … إلا لتقتلنا بسيف مُغْمد
من لم يبت بعذاب قلبك حبه … متنعما لا فاز منك بموعد
للصبّ أسوة خال خدك إنه … متنعم في جمره المتوقّد
أهوى قوام الغصن يعطفه الصّبا … فعلَ الصَّبا بقوامك المتأود
طربًا وأصبو للغدير مجعّدًا … بيد النسيم حكى صحيفة مبرد
إذ أشبهاك تأرجًا وتموجًا … بين الروادف والقضيب الأملد
لاموا على ظمئي إليك وما دروا … في ماء خدّك ما حلاوة موردي
طورًا أحيّا بالأقاح وثاره … في الخدّ بالريحان والورد النّدي
وجه كما سفر الصباح وحوله … حسنًا بقايا جنح ليل أسود
стр. 201
وكأنما خاف العيون فألبست … وجناته زردًا نحافة معتد
أنّى يخاف من استجار محبه … بمحمد بن علي بن محمد
وله شعر كثير، ومقاطع حسنة.
وكان في نفس قاضي القضاة تاج الدين ابن بنت الأعز منه شيء، فإن قاضي القضاة لما ولي القضاء أسقط خلائق، وكان يكتب كتب عبد الوهاب بغير زيادة، فنظم ابن باتكين أبياتًا منها: شعر
لا تعجبوا من كثرة إسقاطه … فإنه أسقط حتى أباه
فصار قاضي القضاة يكتب بعد ذلك: فلان بن فلان، وصار في نفسه منه، وخاف المحيي منه، فأمَّنَه القاضي.
وكان يهوى شابًا يسمّى بعمر ويعرف بالألف، وكان قاضي القضاة يميل إلى ذلك الشاب، وصار يرسل خلفه فلا يجده، ويسأل عن ذلك فيقال: هو عند ابن باتكين.
فحكى لي الشيخ أبو حيان قال: حكى لي ابن باتكين أن السنجاري أرسل خلفه، وقال له محيي الدين: العدالة حرفة شريفة، وبلغني أنه يلازمك شاب يقال له: الباء والجيم، قال: فقلت: مولانا، هذا الشاب يقال له الألف، ووالله الذي لا إله إلا هو هذا الشاب ما يهواني، وأنا أعشقه وأجري خلفه من مكان إلى مكان، وأتبعه من موضع إلى موضع، قال: فضحك القاضي وانفصلت منه على جميل، وصار ذلك الشابّ إذا جاءني أقول له: رح إلى القاضي.
وله حكايات ظريفة، وعلت سنه.
وأخبرني ابن القاسح الإخميمي، أنه توجّه إليه لما انقطع، فوجده بحارة الديلم وقد
стр. 202
بليَ، وعلى يديه ورجليه لفائف، فقال لي: أنا أشتهي الموت، فإن الذباب إذا قعد على جسمي آذاني.
ولد بحارة الديلم من القاهرة، ليلة الاثنين عاشر جمادى الأولى، سنة أربع عشرة وست مئة.
وتوفي بها في حدود عشر وسبع مئة.
٧٧ - أحمد بن هبة الله بن محمد بن محمد بن حسّان بن أبي الحديد المدائني، المنعوت بموفق الدين، المكنى بأبي المعالي، الفقيه الشافعي الأديب الكاتب (١).
كان شاعرًا فاضلا، قدم بغداد، وكتب في ديوان الإنشاء للخليفة المستعصم.
وله "ديوان" شعر، حدّث بشيء منه، ومن شعره، قوله:
حُبُّ الصّبا للأديب دين … وفيه تستحسن المجون
ما اخترع الناس فيه فنا … إلا ولي فوقه فنون
القصد أن لا يكون أنثى … ولا أبالي بمن يكون
وله:
قد كنت قد أفلح أتلو وقد … بدّلت منها سورة الكهف
стр. 203
ما الضبعة العرجاء من صيدي … ولا أصيد غير الرّيم والخشف
ولا بطون السّفن من شرطي … ولا أركب غير الظّهر والرّدف
والخلف لا القدام من مذهبي … وإن مشى حالي إلى خلف
وله:
إذا أرخى الخمول عليك ذيلا … فنم في ظلّه وَصِل الملاحا
فمن لم تسأل الجيران عنه … ولا ما حاله فقد استراحا
ولما صنّف أخوه عبد الحميد (١) كتابه المسمّى بـ "الفلك الدّائر على المثل السّائر" (٢)، تصنيف الضيّاء ابن الأثير، ووقف عليه الموفق المذكور، ونظم قوله: شعر
المثل السّائر يا سيّدي … صنّفت فيه الفلك الدّائرا
لكن هذا فلك دائر … تصير فيه المثل السّائرا
ولد الموفّق بالمدائن، في شهر جمادى الآخرة، وقيل: في ربيع الأول، سنة تسعين وخمس مئة.
وتوفي ببغداد، سنة ست وخمسين وست مئة، رَحِمَهُ اللَّهُ تعالى، والله أعلم.
стр. 204
٧٨ - أحمد بن يوسف بن أحمد بن أبي بكر بن أحمد بن حجاج بن ميمون بن سليمان بن سعد، أبو الفضل القيسي التِّيفَاشِي (١).
وتِيفَاش (٢): من قرى قفصة.
كان فقيهًا فاضلًا أديبًا مؤرخًا.
سمع ببلده من أبي العباس أحمد بن أبي بكر القرشي، وتأدّب عليه، وقدم مصر، فقرأ على عبد اللطيف بن يوسف بن أبي الفضل البغدادي، ثم دخل دمشق، فقرأ على أبي اليمن زيد الكندي (٣)، ثم رجع إلى بلاده، وولي قضاء قفصة، ثم رجع إلى مصر.
وصنّف تصانيف حسنة في فنون عدّة (٤).
وله نثر حسن ونظم جيّد، حدّث بشيء منه.
قال أبو بكر ابن مَسْدِي رَحِمَهُ اللَّهُ تعالى: أنشدني لنفسه قوله:
стр. 205
تدانيت حتى ليس دونك مذهب … تجافيت حتّى ما إليك سبيل
ملكت زمام القلب فانقاد طائعًا … تميل به الأشواق حيث تميل
أخذت عليك كل وجه من الهوى … فأين تراه بعدُ عنك يحول
ورأيت منسوبًا له في مقطوط الشمعة قوله: شعر
وغُصنٍ من فضةٍ … أمسى بتبرٍ مثمرا
يجني المقطّ وردة … منه ويلقي عنبرا
وله التاريخ الكبير في عشرين مجلدة، ومجاميع حسنة.
ولد بقفصة، ليلة الثالث عشر من جمادى الآخرة، سنة ثمانين وخمس مئة.
وتوفي بالقاهرة، ثالث عشر المحرّم، سنة إحدى وخمسين وست مئة، رَحِمَهُ اللَّهُ تعالى، والله أعلم.
٧٩ - أحمد بن يعيش بن علي بن شَكِيل الصدفي الشريشي، أبو العباس (١).
ذكره الحافظ أبو عبد الله الأبار في "الذيل"، وقال: أخذ عن مشايخ بلده، وأخذ علم العربية عن أبي عبد الله البلنسي، وعلم الكلام عن أبي بكر ابن خليل، وسمع الحديث من أبي الحسين ابن زرقون، وولي قضاء بعض البلاد (٢).
وذكره في كتابه المسمّى "تحفة القادم"، وقال عنه إنه: كان أحد الشعراء الفحول مع نزاهة سابغة الذيول، وله "ديوان" شعر، وأورد له من نظمه: شعر
стр. 206
الدّار تنطق لكن ليس يسمعها … إلا قلوب يُرى منها توجّعها
وأنفس قطعت أنفاسها أسفًا … كانت تلم بها والشّوق يجمعها
وأعين بسجال الدّمع قد سفحت … حلّت عراها غداة البين أدمعها
وقائلٍ ليَ ما أبكاك قلت له … مصيف ذي الدّار أبكاني ومَرْبعها
نظرت فيها إلى الآثار فاشتبهت … على العيون وفي الأكباد موضعها
من شك أن مطاياهم مشرّقة … فلينظر الشمس صبحًا أين مطلعها
فليس تطلع إلا من هوادجهم … أو تحت راية يحيى حين يرفعها
قد ألبستنا العدل أبرادًا مفوّفة … ونحن بالحمد والذكرى نوسِّعها
ذُمَّ الزمانُ فأبداكم لنحمده … وتلك حجة صدق ليس ندفعها
ومنها:
وشقّ حجب خفاياه فلحت كما … ينشق عن جبهة الغراء برقعها (١)
وقال يمدح القاضي أبا محمد ابن حوط الله، وقد وليَ بعد أبي حفص، قصيدة أولها قوله: شعر
ألم يُهْدِ هذا الليل برقًا يمانيًا … تنكّب نجدا وانتحى الغور ساريا
ولو زار نجدًا واستطار وميضه … إذن لاجتلى برقًا من الثغر ثانيا
سنًا وسنا لكن جوادٌ وباخلٌ … وفي الجَثْل البرقين أمسيت راجيا
стр. 207
ألم تعلمي أني أحوك قصائدي … فأكسو رجالا ثم أصبح عاريا
لئن سرّني أني أسمّى بشاعر … لقد ساءني أني ألقّب عافيا
محا شرّ هذا خير ذاك بأسره … فكان كفافًا لا عليَّ ولا ليا
وما شأن هذا الشعر إلا ضراعتي … وإلا فما أبقيت للناس باقيا
فسوف أكفّ النفس عن كل مطمع … غنىً ببقايا همتي أو تغانيا
وإلا فإني سوف أحدث همة … لقصد ابن حوط الله بورك قاضيا
فما قصد عبد الله عار على الفتى … ولكنَّ عارًا أن ترى عنه وانيا
تعلَّمَ منه الدّهر كيف يسوسنا … ألست تراه جارحًا ثم آسيا
فإن يك ذا عزم من البطش آمر … فإن له من زاجر الحلم ناهيا
ظفرت من العلم المصون بسرّه … فأضحى بك السرّ المكتّم فاشيا
وأوضحت من سرّ الرواية منهجًا … يزل به لولاك ما كان خافيا
وله من أبيات في الحمَّام، قوله: شعر
تلهى العيون رقومها فتخالها … قد ألبست ساحته ديباجا
مجموعة أضداده فترى بها … نار الغضا والوابل الثجّاجا
وله قوله: شعر
مفتتن في نفسه فاتن … لغيره ليس له كنهُ
جال على مرآته لَحْظُه … وانعكس السّحر به عنهُ
стр. 208
أبرزه الحمّام في حلية … من عرق لؤلؤها منهُ
يحيا به الوجد وذاك اسمه … فلا يسلني أحد من هُو
قد قلت يا بدر امتحانًا له … كن مثله يا بدر أو كنهُ
توفي سنة خمسين وست مئة.
ومولده سنة ثمان وسبعين وخمس مئة، رَحِمَهُ اللَّهُ تعالى برحمته.
ومنهم:
٨٠ - أحمد بن يوسف بن أحمد بن يوسف بن إبراهيم بن أحمد بن خلف بن الحسن بن الوليد بن فرتون السلمي الفاسي، المكنى بأبي العبّاس (١).
روى عن أبي ذر الخشني، وأبي القاسم عبد الرّحيم بن الملجوم، وابن عمّه عبد الرحمن، وأبي محمد قاسم بن علي بن يحيى الشريف الحسني، وأبي محمد ابن حوط الله، وغيرهم.
وانتقل إلى سبتة قبيل سنة ثلاثين، فأخذ عن عَالَمٍ من أهلها والواردين عليها، ودخل الأندلس سنة خمس وثلاثين، فأخذ بالجزيرة الخضراء وبمالقة عمّن وجد، ودخل إلى حصن بكش، ثم رجع إلى سبتة.
وكتب بخطّه كثيرًا، وقيّد واعتنى بهذا الباب غاية الاعتناء، فكان آخر المكثرين،
стр. 209
وكان ذاكرًا للرجال والتاريخ، والكثير من المتون، وقسط صالح من الجرح والتعديل، وطبقات الناس.
وصنّف كتابًا استدرك فيه على السهيلي مواضع في كتابه "التّعريف والإعلام"، وسمّاه بـ "الاستدراك والإتمام"، وله كتاب "الذيل على كتاب الصلة" لابن بشكوال.
قال شيخ شيخنا الأستاذ أبو جعفر ابن الزبير: كان ابن فرتون فاضلًا ورعًا زاهدًا، ما اعتنى قطّ بغير دينه، ولا تصدّى لأحد من أهل الدنيا، إلا أنه كانت فيه غفلة هي الموجبة لكثرة أوهامه في كتاب "الذيل".
قال: وقرأت عليه، وسمعت من لفظه بسبتة سنة خمس وأربعين، وآنسني وقصدني في موضع سكَني.
وتوفي بسبتة، سادس عشرين شعبان سنة ستّين وست مئة، وقد جاوز الثمانين، ﵁.
٨١ - أحمد بن يوسف بن حسن بن رافع الكواشي، نسبة إلى قلعة بالموصل، ينعت موفّق الدين (١).
стр. 210
كان عالمًا بتفسير كتاب الله العظيم، منقطعًا في جامع الموصل للعبادة، مجتهدًا في العمل، كثير المجاهدات، متقلّلًا من الدنيا، ولا يقبل شيئًا من أحد، وله كرامات تنقل عنه، وكفّ بصره قبل موته بعشر سنين، فتلقّى ذلك بالرضا والتسليم.
وصنّف في التفسير "كتابًا كبيرًا"، وآخر "صغيرًا" (١)، وبلغ من العمر تسعين سنة.
وتوفي في سابع رجب سنة ثمانين وست مئة.
وقيل كانت وفاته في سابع عشر جمادى الآخرة من السنة المذكورة، وقد بقي له من التسعين أشهر، ﵀.
٨٢ - إدريس بن الحسن بن علي بن عيسى بن عبد الله بن محمد بن القاسم الحسني الشريف، أبو الحسين الإسكندراني (٢).
كان عالمًا أديبًا حكيمًا عارفًا بعلوم الأوائل.
وصنّف "كتابًا في الحكمة".
ثم غلب عليه في آخر عمره حُبّ الخمر ومعاشرة السّفَلة، ويقول: هؤلاء لا أعبأ بهم، فلا أتحفَّظ منهم.
وكان قنوعًا؛ يكتب بالأجرة ويصون وجهه.
قال ابن سعيد: وردَ على إدريس هذا مغنّيان، أحدهما ينعت بالبدر والآخر
стр. 211
بالشمس، وكانا بديعين بها الحُسْن، فاتفق أنّ البدر جاء إلى الحسن، فوجد الشمس عنده، فرجع، فنظم الشريف إدريس: شعر
زار لا واصلا ولكن أتاه … نبأٌ أني عشقت فزارا
بدر حسن لما رأى الشمس عندي … طلعت مطلع البدر توارى
وإذا ما الحبيب أسرف في الهجر … أغره فطبه أن يغارا
وقال: إنه توفي بحلب، قريبًا من سنة عشر وست مئة، والله تعالى أعلم.
٨٣ - أسامة بن مرشد بن عليّ بن المقلّد بن نصر بن منقذ بن محمد بن منقذ بن نصر بن هاشم، أبو المظفر، الملقب بمؤيّد الدولة (١).
ذكره الحافظ أبو القاسم الدِّمَشْقي، وقال: له اليد البيضاء في الأدب والكتابة والشعر، قدم دمشق سنة اثنتين وستين وخمس مئة، وخدم السلطان وقرب منه، وكان فارسًا شجاعًا، ثم خرج إلى مصر فأقام بها مدّة، ثم رجع إلى الشام وسكن حماة.
стр. 212
وأنشدني قصائد من شعره سنة ثمان وخمسين، وذكره لي أبو عبد الله محمد بن الحسن بن الملحي، وقال عنه: هو شاعر أهل الدّهر، مالك عنان النظم والنثر، متصرف في معانيه، لاحق بطبقة أبيه، ليس يستقصى وصفه بمعان، ولا يعبّر عن مدحه بلسان، قصائده الطوال لا يفرق بينها وبين قصائد أبي الوليد، ولا ينكر على منشدها نسبتها إلى لبيد، وهي على طرف لسانه بحسن بيانه، غير محتفل بطولها، ولا يتغير لفظه العالي في شيء من فصولها، فالمُقطّعات أحلى من الشهد، وألذُّ من النّوم بعد السهد، في كل معنى غريب وشرح عجيب.
قال: وكتب على حائط دار كان يسكنها بالموصل: شعر
دار سكنت بها كرهًا وما سكنت … روحي إلى شجن فيها ولا سكن
والقبر أستر لي منها وأشبه بي … إن صدّني الدّهر عن عودي إلى وطني
قال: وكتب إلى أخيه شعرًا:
عجنتني الخطوب حينا فلمّا … عجزت أن تطيق منّي مساغا
لفظتني وسالمتني فقد عاد … حذاري أمنا وشغلي فراغا
وأخو الصّبر في الحوادث إن لم … يلقه الحين مدرك ما أراغا
قال: وأنشدني من نظمه في الضِّرس: شعر
وصاحب لا آمل الدّهر صحبته … يشقى لنفعي ويسعى سعي مجتهد
لم يبد لي مذ تصاحبنا فمذ وقعت … عيني عليه افترقنا فرقة الأبد
وقوله أبيات شعر:
стр. 213
انظر إلى صرف دهرٍ كيف عوّدني … بعد المشيب سوى عاداتي الأول
وفي تغاير صرف الدهر معتبر … وأيُّ حال على الأيام لم تحل
قد كنت مسعر حرب كلما خمدت … أضرمتها باقتداح البيض في القلل
همّي منازلة الأقران أحسبهم … فرائسي فهمُ منّي على وجل
أمضى من الهول من ليل وأهجم من … سيل وأقدم في الهيجاء من أجل
فصرت كالغادة المكسال مضجعها … على الحشايا وراء السّجف والكلل (١)
وفضائله كثيرة.
وله مصنّفات غزيرة، منها "المنازل والديّار" (٢)، ومنها "الشيب والشباب"، و"لباب الآداب" (٣)، و"نصيحة الرعاة"، و"النوم والأحلام"، و"المعاني والاشتقاق" (٤)، و"أخبار التّاء"، و"فضائل أبي بكر وعمر وعثمان"، و"تاريخ البدريّين"، و"أزهار الأقمار" (٥)، و"وسائل المسائل"، و"التجارة المربحة" (٦)، و"شعر الأمراء"، وغير ذلك (٧).
стр. 214
قال الحافظ ابن عَسَاكِر: ذكر لي أن مولده سنة ثمان وثمانين وأربع مئة (١).
زاد غيره: أنه ولد في يوم الأحد سابع عشرين جمادى الآخرة.
وتوفي ثالث عشرين شهر رمضان، سنة أربع وثمانين وخمس مئة.
وقال ابن عَسَاكِر: وتوفي عن سبع وتسعين سنة، ﵀.
٨٤ - إسحاق بن إبراهيم بن برغش الكردي المنوفي، المنعوت شهاب الدين، الفقيه الشافعي (٢).
تفقه بالإمام أبي محمد عبد العزيز بن عبد السلام، ونصير بن الطبّاخ.
وأعاد بالمدرسة الصالحية عند ابن عبد السلام، وناب في الحكم بالحكر من ظواهر القاهرة، وصار من أعيان الفقهاء المفتين، وأكابر الفضلاء.
توفي بالقاهرة سنة ست وثمانين وست مئة.
٨٥ - إسحاق بن يعقوب بن عثمان المراغي، المنعوت جمال الدين، المكنى بأبي إبراهيم (٣).
تفقه بالمراغة على مذهب الشافعي على أبيه يعقوب، وقدم الموصل، فأخذ الفقه وغيره من الكمال ابن يونس (٤)، وسمع الحديث من شيخ الشيوخ صدر الدّين ابن حمّويه (٥)، وصحبه وأعاد عنده، ثم قدم الإسكندرية فدرس بجامعها، ثم قدم القاهرة،
стр. 215
فتولّى الإعادة بالمدرسة الفاضلية وبالمشهد الحسيني.
وصنّف "تعليقة في الخلاف".
وتوفي بالقاهرة، في حادي عشر جمادى الأولى سنة تسع وثلاثين وست مئة، وقد قارب الثمانين.
٨٦ - أسعد بن إبراهيم الإربلي الأديب الشاعر الكاتب (١).
كتب ببلده عن صاحبها مظفّر الدين (٢)، ثم دخل بغداد، وارتسم في شعراء الديوان، واشتهر بالهجو، فحطّ قدره.
قال أبو الحسن ابن سعيد الأندلسي: أنشدني لنفسه، قوله: شعر
بعيشك احمل لي على الصدغ قبلة … فخدّك ماء فيه صدغك زورق
فإن خفت تشويش النسيم فخلّه … عسى أنها في ذلك الماء تغرق
وله في السَّراج الحلبي عارض العسكر ببغداد: شعر
لنا في البيت من خزف سراج … بلا ضوء فتيلته نحيله
يضرّ لمن تعاهده بدهن … فلا كان السّراج ولا الفتيلة