قال ابن السّمعاني عنه: إنه كان إمام الحنابلة في عصره، قرأ القرآن على أبي الحسن ابن الحمَّامي، وسمع الحديث من أبيه، وعبد العزيز بن محمد الفارسيّ، وأبي الحسن علي بن أحمد بن عمر الحمَّامي المقرئ، ومحمد بن الحسين بن العطّار، والحسن بن أحمد بن إبراهيم بن شاذان البزَّاز، وخلائق.
روى عنه الجمّ الغفير، ودخل إصبهان رسولًا، فروى عنه من أهلها أكثر من سبعين نفسًا، منهم الحافظ إسماعيل بن محمد بن الفضل، وأبو نصر أحمد بن محمد، وأبو مسعود ابن كوتاه، وبهمذان أحمد بن سعيد العجلي، وببسطام أبو الحسين محمد بن محمد السَّهلكي، وببغداد أبو القاسم ابن السّمرقندي، وعبد الوهاب بن المبارك الأنماطي، وأبو القاسم علي بن طراد الزينبي، وغيرهم، وبدمشق نصر الله بن محمد المَصيصيّ، وهبة الله بن أحمد بن طاوس، وبمكّة آمنه بنت إسماعيل، وبعُكبرا المبارك بن عبد الوهاب، وبواسط سعيد بن عبد الكريم الغِنْدَجَاني.
وكان قد قرأ الأصولين، والتفسير، والفرائض، واللغة العربية، وعُمِّر، وقُصد من كل جانب، وكان يجلس للفتوى والوعظ بجامع المنصور.
وكان فصيحًا حسن الأخلاق، مليح المحاورة، جمّ الفوائد، كثير المحفوظ، ينشد الأشعار الرائقة، وكان يمضي في رجب وشعبان أربع مرّات في كل سنة إلى مقبرة الإمام أحمد، ويعظ ويجتمع العالم.
وكان أديبًا، وله نظم، منه ما رواه عنه ابن طاوس، قال: أنشدني لنفسه، قوله: شعر
стр. 317
وما شنآن الشَّيْب من أجل لونه … ولكنه حادٍ إلى البين مسرع
إذا ما دنت منه الطَّليعة آذنت … بأن المنايا خلفها تتطلّع
فإن قصّها المقراض صاحت بأختها … فتظهر يتلوها ثلاث وأربع
وإن خُضبت حال الخضاب لأنه … يغالب صنع الله والله أصنع
فيضحى كريش الدّيك فيه تلمع … وأفظع ما تكساه ثوب ملمّع
إذا ما بلغت الأربعين فقل لمن … يريدك في ما يشتهيه ويسرع
هلموا لنبكي قبل فرقة بيننا … فما بعدها عيش لذيذ ومجمع
وخلِّ التصابي والخلاعة والهوى … وأمَّ طريق الحق والحق أنفع
وخذ جنة تنجي وزادًا من التّقى … وصحبة مأمون فقصدك مفزع
وقال الحافظ إسماعيل: أنشدنا لنفسه، قوله:
مررنا على رسم الديَّار فسلمنا … وقلنا له يا ربع أين ثأوا عنَّا
وَجُدْنا بدمع كالرذاذ على الثرى … فَصُمَّ المنادى فانصرفنا كما كنّا
وما ذاك إلا أن رسم ديارهم … به كالذي نلقى فقد زادنا حزنا
فلمّا يئسنا من جواب رسومهم … نزلنا فقبّلنا الثّرى قبل أنْ رحنا
قال: وأنشدنا لنفسه ﵀، قوله:
ولم أستطع يوم الفراق وداعه … بلفظي فناب الدمع مني عن القول
وشيَّعه صبري ونومي كلاهما … فعدت بلا أنس نهاري ولا ليلي
стр. 318
فلمّا مضى أقبلت أسعى مولّهًا … يدي فوق رأسي ثم ناديت يا ويلي
تبدّلت يوم البين بالأنس وحشةً … وجررت بالخسران يوم النّوى ذيلي
قال ابن ناصر: توفي شيخنا أبو محمد ليلة الثلاثاء منتصف جمادى الأولى، سنة ثمان وثمانين وأربع مئة.
ومولده سنة أربع، وقيل إحدى (١)، ﵁.
١٤٨ - رضوان بن خالد المالقي، يكنّى أبا النَّعيم (٢).
ذكره ابن سعيد وقال: إنه مشهور في الشعراء بالإحسان، مخالط للكبراء والأعيان، دَمث الأخلاق، مفتون بالجمال بعدما كان فتنة العُشَّاق.
قال: ولقيته بمالقة يهيم من الغرام في كلَّ وادٍ، واغتنمت صحبته بها أيامًا، هي جُمع وأعياد. وأنشدني لنفسه يرثي أبا عامر ابن حسّون صاحب مالقة، وهي قوله: شعر
سكنت فحرّكت الأسى والتفجّعا … ونمت فأيقظت البُكا والتوجّعا
ومتّ فأحييت النّوائب كلَّها … وغبت فأحضرت المصائب أجمعا
وله أيضًا:
لمَّا بدى قلت ما هذا بشر … ولا حوى بعض حُلاه القمر
من أين للبدر الذي حازه … من ذلك الدّلّ وذاك الخفر
стр. 319
وقامة الغصن وردف النّقا … وناظر الظبي إذا ما نظر
ونكهة الرّوض إذا ما سرت … فيه الصَّبا غبَّ نزول المطر
هذا لعمري بعض ما حازه … وما اختفى أحسن ممَّا ظهر
لام عليه عاذل ظالمٌ … ولو رأى بعض حلاه عذر
وأنكر المحمرَّ من أدمعي … وهو لنارٍ من ضلوعي شرر
قال: وتوفي في سنة خمس وثلاثين وست مئة (١)، ﵁
стр. 320
حرف الزاي
١٤٩ - زاهر بن طاهر بن محمد بن محمد بن أحمد، أبو القاسم النيسابوري الشّحامي (١).
كان شيخ وقته في علوّ الإسناد والتفرّد بالروايات في تلك البلاد.
قدم بغداد سنة خمس وعشرين وخمس مئة، سمع الكثير، وحدّث وجمع العوالي، وعُمّر حتى رُحل إليه، وسُمع منه.
ورَوى عن الأئمة والحفاظ، وكان صدوقًا من أعيان المعدَّلين بنيسابور ووجوه مشايخها.
قال ابن السّمعاني: أملى في جامع نيسابور قريبا من ألف مجلس، سمع أباه، والحافظ البَيْهَقي، والأستاذ عبد الكريم القشيري، وخلائق.
قال: وسألت عنه الحافظ أبا القاسم إسماعيل بن محمد بن الفضل الإصبهاني، فقال: محدث كثير السماع، ولكنه كان يخلّ بالصلوات إخلالًا كثيرًا ظاهرًا، وقيل له في ذلك، فقال: لي عذرٌ وأنا أجمعها وأقضيها.
قال: ولعله تاب، وأول من أظهر عنه ذلك أبو القاسم ابن عَسَاكِر، وكان الحافظ أبو القاسم الإصبهاني قد سمع منه، فخطّ على ما سمعه منه.
ولد يوم الاثنين، رابع عشر ذي القعدة، سنة ستّ وأربعين وأربع مئة.
стр. 321
وتوفي ليلة الرابع عشر من شهر ربيع الآخر، سنة ثلاث وخمس مئة بنيسابور.
وفي ما رأيت من "وفيات المقدسي": ثلاث وثلاثين (١).
١٥٠ - زهير بن محمد بن علي بن يحيى بن الحسن المكي المهَلَّبي، ينعت بالبهاء، ويكنى أبا الفضل (٢).
ولد بالحجاز، ونشأ بقوص، ثم انتقل إلى القاهرة، وكتب الإنشاء للملك الصالح أيوب، سمع … (٣)
[أغصن النقا لَوْلَا القوام المهفهف … لما كَانَ يهواك المعنى المعنف
وَيَا ظَبْي لَوْلَا أَن فِيك محاسنًا … حكين الَّذِي أَهْوى لما كنت تُوصَف
كلفت بِغُصْن وَهوَ غُصْنٌ مقرطقٌ … وهمت بِظَبْيٍ وَهوَ ظَبْي مشنف
أقاسي النوى فيه فألفيه قاسيًا … وأضعف عن هجرانه وهو يضعف
وَمِمَّا دهاني أَنه من حيائه … يقال كليلٌ طرفه وَهْوَ مرهف
стр. 322
وَذَلِكَ أيضًا مثل بُسْتَان خَدِّه … بِهِ الْورْد يُسمى مضعفًا وَهوَ مضعف
فيا ظَبْي هلا كَانَ فِيك التفاتة … وَيَا غُصْن هلا كَانَ فِيك تعطف
وَيَا حرمَ الْحسن الَّذِي هوَ آمن … وألبابنا من حوله تتخطف
عَسى عطفة بالوصل يَا وَاو صدْغه … وحقِّك إِنِّي أعرف الْوَاو تعطف
له أيضًا:
لعَلّكَ تُصْغي ساعةً وَأقولُ … لقد غابَ وَاشٍ بَيْنَنا وعَذولُ
وفي النّفس حاجاتٌ إليكَ كثيرَةٌ … أرَى الشّرْحَ فيها وَالعتاب يَطولُ
تعالَ فما بيني وبينكَ ثالثٌ … فيذكرُ كلٌّ شجوهُ ويقولُ
وإياكَ عن سر الحديثِ فإنني … بهِ عن جَميعِ العالمينَ بخيلُ
بعيشكَ حدثني بمنْ قتلَ الهوى … فإني إلى ذاكَ الحديثِ أميلُ
وَما بَلَغَ العُشّاقُ حالًا بَلَغتُه … هناكَ مقامٌ ما إليهِ سبيلُ
فما كلّ مخضُوبِ البَنَانِ بُثَيْنَةٌ … وما كلّ مَسلوبِ الفؤادِ جَميلُ
ويا عاذِلي قد قُلمتَ قَوْلًا سَمِعتُهُ … ولكنهُ قولٌ عليَّ ثقيلُ
عذرتكَ إنّ الحبّ فيهِ مرارةٌ … وَإنّ عَزيزَ القوْمِ فيهِ ذَليلُ
أأحبابَنا هذا الضّنى قَد ألِفْتُهُ … فلوْ زالَ لاستوحشتُ حينَ يزولُ
وحقكمُ لم يُبْقِ فيَّ بقيةً … وكَيفَ حَديثي وَالغرامُ طَوِيلُ
وَإنّي لأرْعَى سرّكمْ وَأصونُهُ … عنِ النّاسِ وَالأفكارُ فيّ تجولُ
стр. 323
دعوا ذكرَ ذاكَ العتبِ منا ومنكمُ … إلى كمْ كتابٌ بَينَنا وَرَسولُ
وردوا نسيمًا جاءَ منكمْ مخبرًا … فإني عليلٌ والنسيمُ عليلُ] (١)
[وله أيضًا] (٢):
يا روضة الحسن صِلي … فما عليك ضير
وهل رأيت روضة … إلا لها زُهير
ولد بمكة شرفها الله تعالى، سنة إحدى وثمانين وخمس مئة.
وتوفي ﵀ بالقاهرة، سنة ست وخمسين وست مئة.
١٥١ - زيد بن الحسن بن زيد بن الحسن بن سعيد الكندي، أبو اليُمن البغدادي الفقيه الحنفي (٣).
كان إمامًا في النحو واللغة والأدب.
стр. 324
قرأ القراءات العشر وهو ابن عشر على أبي محمد عبد الله بن علي، والشريف أبي الفضل محمد بن عبد الله، وأبي منصور ابن خبرون، وأبي بكر خطيب المحوّل.
وسمع الحديث من المذكورين، ومن أبي القاسم هبة الله بن أحمد الحريري، والقاضي أبي محمد عبد الباقي الأنصاري، وأبي منصور عبد الرحمن بن محمد القزّاز، وسعد الخير بن محمد الأنصاري، وخلائق.
وأخذ النحو عن أبي السعادات ابن الشجري، وأبي محمد ابن الخشاب.
وأخذ اللغة عن أبي منصور موهوب بن أحمد الجواليقي.
وقرأ الفقه بهمذان سنين على سعد الرازي.
قال ابن النجار: ما رأيت شيخا أكمل منه فضلا ولا أتم منه عقلا ونبلا، ثقة صدوق ثبت محقق ديّن، دمث الأخلاق، لطيف المعاشرة، طيب المجالسة، مهيب وقور، أشبه بالوزراء من العلماء لجلالته عند الملوك والناس، أعلم أهل زمانه بالنحو.
قال: وأظنه كان يحفظ كتاب سيبويه؛ لأني ما دخلت عليه إلا وجدته في يده يطالعه، وله منه نسخة بخط دقيق خطّ الدقّاق النحوي، ويقرؤها بلا كلفة.
قال: وكان قد شرب دواء فمرض منه، فأنشدنا لنفسه قوله: شعر
تداويت لا من علة خوف علة … فأصبح دائي في حشاي دوائي
فيا عجب الأقدار من متحذلق … يحاول بالتدبير ردَّ قضاء
قال وأنشدنا لنفسه في ذم التنجيم، قوله:
دع المنجم يكبو في ضلالته … إن ادّعى علم ما يجري به الفلك
تفرد الله بالعلم القديم فلا … الإنسان يشركه فيه ولا الملك
أعدَّ للرزق من إشراكه شركًا … فبئست العُدتان الشِّرك والشَّرك
стр. 325
وله "ديوان" شعر.
وانتهت إليه رئاسة النحو، ورُحل إليه، وشُبِّه بسيبويه. قال بعضهم (١):
لم يكن في عصر عمر مثله … وكذا الكندي في آخر عصر
وهما زيد وعمرو إنما … بني النحو على زيد وعَمر
وجرى بينه وبين الحافظ ابن دحية منازعة في قوله في الحديث وراء وَراء (٢)، وصنّف ابن دحية في الرد عليه جزءا سمّاه: "الصارم الهندي في الرد على الكندي"، ورد عليه الكندي وسماه: "نتف اللحية في الرد على ابن دحية".
وقُرئ على الكندي كتب الأدب، ورأيت بخطه على نسخ كثيرة من الحماسة بالقراءة عليه، ورحل إليه ابن يعيش، وكانت له حاجة، فلما حضر عنده، ذكر أنه جاء ليقرأ عليه المقامات الحريريّة، فقُرئت المقامة الأولى التي فيها اقتعدت، فتكلم ابن يعيش فيها، فقال له الكندي: ما حاجتك؟ أنت جئت في حاجة لا للقراءة عليّ، فذكرها له وقضاها له.
ولد ببغداد، في خامس عشرين شعبان، سنة عشرين وخمس مئة.
وتوفي بدمشق، في سادس شوال، سنة ثلاث عشرة وست مئة.
стр. 326
١٥٢ - زيد بن علي بن عبد الله الفسوي الفارسي، ينعت أبا القاسم النحوي اللغوي (١).
قال الحافظ ابن عَسَاكِر: سمع منه أبو الحسن علي بن طاهر النحوي، وجدي القاضي أبو الفضل، وكان عالمًا أديبًا شاعرًا.
قال أبو الحسن ابن طاهر: سمعت من شيخنا في العربية أبي القاسم غير مرّة الإنكار لصحة أحكام النجوم، وتسفيه عقل المصدِّق لها.
قال: وكان قد اطلع على كل علم ومقالة (٢)، وأنشدنا لنفسه هذه الأبيات: شعر
الزم جفاك لي ولو فيه الضّنا … وارفع حديث البين في ما بيننا
فسموم هجرك في هواجره الأذى … ونسيم وصلك في أصائله المنى
مالي إذا مارمت عتبًا رمت لي … ذنبًا جديدًا من هناك ومن هنا
مثنٍ عليك ما استفاد رغيبة … عجبًا ومعتذر إليك وما جنى
ليس التلون من أمارات الرّضى … لكن إذا ملَّ الحبيب تلوّنا
ما جرَّ هذا الخطب غير تغرّبي … لُعِن التغرّب ما أذلّ وأهونا (٣)
توفي بطرابلس، سنة تسع وتسعين وأربع مئة (٤)، ﵀.
стр. 327
حرف السين المهملة
١٥٣ - سعد بن علي بن القاسم بن علي الخطيري (١)، نسبه إلى الخطيريّة، موضع بقرب بغداد، أبو المعالي الكتبي الفقيه الحنفي الأديب الشاعر (٢).
صنف تصانيف منها: كتابه المسمى بـ "مُلح الملح" (٣)، وكتاب "زينة الدّهر" (٤).
وله "ديوان" شعر (٥)، ومن شعره قوله: هذه الأبيات:
ومعذَّرٍ في خده … ورد وفي فمه مدام
ما لان لي حتى تغشّى صبح وجنته الظلام
كالمهر يجمح تحت راكبه ويعطفه اللجام
стр. 328
قال: وله شعر:
أحدقت ظلمة العذار بخدّيه … فزادت في حبّه حسراتي
قلت ما الحياة في ريقه العذب … دعوني أخوض في الظلمات
توفي يوم الاثنين خامس عشرين، وقيل: خامس عشر صفر، سنة ثمان وستين وخمس مئة.
١٥٤ - سعد بن محمد بن سعد الصيفي التميمي الكرخي الفقيه الشافعي الأديب، يكنى أبا الفوارس، ويلقب بالحيْص بيْص (١).
سمع ببغداد من الشريف أبي طالب الزينبي، وبواسط من أبي المجد [ابن] (٢) جهور.
قال ابن السّمعاني عنه: شاب فاضل، له معرفة تامة بالأدب واللغة، حسن الشعر، مليح الخط، فصيح اللهجة.
стр. 329
روى عنه ابن السمعاني وغيره، وقال: سألته عن مولده؟ فقال: أعيش جزافًا.
وله أخٌ يلقب بهرْج مرْج، وأخت لقّبت بدخْل خرْج.
ولد بالكرخ، وطلب العلم، وسار إلى الري، فقرأ مذهب الشافعي والخلاف على رئيسها محمد بن الوزان الشافعي، وتكلم في مسائل الخلاف، وناظر، وقرأ على أسعد الميهني، وأعطي خطاب الفصاحة في النظم والنثر، وفُضّل على شعراء وقته، ولزم الوقار، وكان وافر الحرمة عند الخاص والعامّ، ولقب ملك الشعراء، وكان يلبس القباء والعمامة، ويتزيّا بزيّ العرب العرباء.
قيل: وإنما لقب بالحيْص بيْص؛ لأنه قال لبعض أصحابه في عتابه: وقعت منك في حيص بيص، أي في شدة، فلُقّب به.
ومن شعره (١) قوله:
لا تضع من عظيم قدرٍ وإن كنت مشارًا إليك بالتعظيم
فالعظيم الجليل ينحطُّ قدرًا … بالتجرّي على الجليل العظيم
ولع الخمر بالعقول رمي الخمر بتنجيسها وبالتحريم (٢)
وله قال: شعر
تعّمم أو تشوبش أو تقبّا … فلا والله لا تزداد (٣) حبا
стр. 330
ملكت ببعض حسنك كل قلب … فإن ترد ازديادًا هات قلبا
وقال ابن السمعاني: أنشدني لنفسه قوله:
لا تلبس الدهر على غرّة … فما لموت الحي من بُدّ
ولا يخادعك طويل البقا … فتحسب الطول من الخلد
ينفد ما كان له آخرٌ … ما أقرب اللحد من المهد
ولد سنة اثنين وتسعين وأربع مئة.
وتوفي في خامس عشر شعبان، سنة أربع وسبعين وخمس مئة، رَحِمَهُ اللَّهُ تعالى.
١٥٥ - سعيد بن المبارك بن علي أبو محمد ابن الدّهان النحوي (١).
سمع من أبي القاسم ابن الحصين، وأبي غالب ابن البناء، وغيرهما.
وكتب عنه المبارك بن كامل الخفّاف، وذكره في "معجم شيوخه"، وروى عنه ابن عَسَاكِر الحافظ، وابن السمعاني، وعبد الخالق بن أسد الحنفي الدِّمَشْقي.
واستوطن الموصل إلى أن مات بها.
стр. 331
وكان إمامًا في النحو، وصنف مصنفات عدة فيه، منها: كتاب "شرح الإيضاح"، في ثلاث وأربعين مجلدة، و"شرح لمع ابن جني" (١)، ثلاث مجلدات، وكتاب "الدروس في النحو" (٢)، و"كتاب في النكت النحوية"، وكتاب "الفصول في العربية" (٣)، وله "كتاب في العروض" (٤)، و"مختصر في القوافي" (٥)، و"كتاب في الضاد والظاء"، و"تفسير"، في أربع مجلدات، وكتاب "المقصور والممدود"، و"النكت والإشارات على ألْسُن الحيوانات"، وله "رسائل"، و"ديوان" شعر (٦).
ومن نظمه، قال:
وأخ رخصتُ عليه حتى ملّني … والشيء مملولٌ إذا ما يرخص
ما في زمانك من يعز وجوده … إن رمته إلا صديق مخلص
وله:
стр. 332
لا تجعل الهزل دأبًا فهو منقصة … والجد تعلو به بين الورى القيم
ولا يغرّنك من ملك تبسمه … ما تصخب السحب إلا حين تبتسم
وقال ابن السمعاني: أنشدني لنفسه: شعر
أهوى الخمول لكي أظلّ مرفها … مما تعانيه بنو الأزمان
إن الرياح إذا عصفن رأيتها … تولي الأذية شامخ الأغصان
قال: وأنشدني لنفسه: شعر
بادر إلى العيش والأيام راقدة … ولا تكن لصروف الدهر تنتظر
فالعمر كالكأس يبدو في أوائله … صفو وآخره في قعره الكدر
قال: وسمعت الحافظ ابن عَسَاكِر يقول: سمعت ابن الدهّان يقول: رأيت شخصًا أعرفه وهو ينشد شخصا كأنه حبيب له، قال: شعر
أيها الماطل ديني … أملي وتماطل
علّل القلب فإني … قانعٌ منك بباطل
قال ابن السمعاني: سألته عن مولده؟ فقال: في رجب سنة أربع وتسعين وأربع مئة.
وقال ولده: توفي والدي ليلة الفطر بالموصل، سنة تسع وستين وخمس مئة.
١٥٦ - سعيد بن حكم بن عمر بن حكم القرشي أبو عثمان (١).
стр. 333
كان نحويًا يقرئ النحو، وكان سلطان [مَنُورَقَة] (١)، وأخذ النحو عن أبي علي الشلوبين، وصار كاتبًا، ثم وزيرًا، ثم ملكًا.
وكان شاعرًا ماهرًا.
له في شمعة في ما ذكر ابن سعيد:
وصفراء من غير ما علة … لها أدمع أبدًا سائله
تطيل الوقوف على واحد … مدى ليلها فتُرى ناحِلَه
تزيد على الشمس في نورها … إذا ما غدت للدجى واصله
تحارب دأبا جيوش الظلام … فتبصر مقتولة قاتله (٢)
وله: وقد مرت عليه امرأة جميلة زوجها شرطي: شعر
وجنة قد حازها مالك … يا ليتني كنت لها مالكا
أسجد في محرابها سجدة … نسكًا ومثلي لم يزل ناسكا
وكيف أرجو القرب منها وقد … أضحى حُسامًا لحظها فاتكا
يحرس من وجنتها ما بدا … روضًا غدا من أدمعي ضاحكا
من لي بها شمس ضحى أطلعت … ليل دجى من شعرها حالكا
стр. 334
سلكت سبيل الغي في حبها … ولم أكن قبل له سالكا (١)
توفي بمنورقة، ودفن في السابع والعشرين من شهر رمضان، سنة إحدى وثمانين وست مئة، ﵁.
١٥٧ - سعيد بن محمد بن سعيد بن جحدر التيمي الجزري أبو منصور (٢).
سمع من محمود بن نصر الشعَّار (٣)، وأبي الحسين أحمد بن إسماعيل القزويني ببغداد، وقدم مصر فسمع من عبد الرحيم بن الطفيل.
وله نظم، حدّث بشيء منه، روى عنه أبو بكر بن مَسْدِي قوله: شعر
وما كنت أرضى أن أكون كما ترى … ولكنها الدنيا تجيء وتذهب
فلا تجزعي يا نفس وارضي بما قضى … فإن قضاء الله ما منه مهرب
إذا كنت أسعى والمقادير حكمها … خلاف مرادي فالمقادير أغلب
لئن كانت الأيام غيَّرن حالتي … فما ذاك بدْعٌ أنها تتقلّب
ولا تعجبي إن كان دهري يضيمني … فقدمًا إلى الأحرار ما زال يذنب
وما أنا ممن تعتريه كآبة … على فائت يوما فيشكي ويندب
صبرت على البلوى وأضمرت عفّة … فلا زمني أشكو ولا الخلّ أعتب
стр. 335
مولده في رابع عشرين جمادى الآخرة، سنة تسع وأربعين وخمس مئة.
وتوفي في رمضان، سنة ثمان وثلاثين وست مئة، ﵁.
١٥٨ - سليمان بن عبد القوي بن عبد الكريم بن سعيد الطوفي، ينعت بالنجم (١).
كان فقيهًا على مذهب الإمام أحمد، وكان فاضلًا أديبًا شاعرًا، له مشاركة في الحديث والأصول والنحو واللغة والتاريخ والأدب.
وكان شيعيًا متظاهرًا بذلك، وَوُجِد بخطه هجوٌ في الشيخين.
وكان قاضي القضاة أبو محمد الحارثي الحافظ يكرمه ويجلّه، ورتبه في مواضع في دروس الحنابلة، وأحسن إليه، ثم وقع بينهما وكلمه في الدرس كلاما لا يناسب الأدب، فقام عليه ابنه شمس الدين وفوّضوا أمره إلى بدر الدين ابن الحبّال، وشهد عليه بالرفض، ثم ضُرب، ثم قدم قوص وأقام بها سنين، وفي أول قدومه نزل عند بعض النصارى، وصنف تصنيفًا أنكرت عليه ألفاظًا فيه، فغيرها ولم نر منه ولا سمعنا عنه شيئًا يشين، ولم يزل ملازمًا للاشتغال وقراءة الحديث والمطالعة والتصنيف وحضور الدروس معنا، إلى حين سفره من قوص إلى الحجاز، وكان كثير المطالعة، أظنه طالع أكثر كتب خزائن قوص، وكانت قوته في الحفظ أكثر من الفهم.
وصنف تصانيف، منها "مختصر الترمذي" (٢)، في مجلدين، واختصر "الروضة في
стр. 336
أصول الفقه" (١)، تصنيف الشيخ الموفق، وشرحها (٢)، وشَرَح الأربعين في الحديث (٣) للشيخ أبي زكرياء يحيى النووي، وشَرَح التبريزي في مذهب الشافعي، وكتب على مقامات الحريري "شرحًا"، رأيته يكتب فيه من حفظه، وما أظنه أكمله، وصنف في مسألة كاد، وسمَّاه: "إزالة الإنكاد عن كاد"، وتكلم على آيات من الكتاب العزيز (٤).
وله نظم جيد، سأله بعض أصحابنا أن ينظم له "قصيدة في مولد النبي ﷺ "، فنظم قصيدة أولها قوله: شعر
إن ساعدتك سوابق الأقدار … فأنخ مطيك في حمى المختار
هذا ربيع الشهر مولده الذي … أضحى به زند النبوة واري
هو في الشهور يهش في أنواره … مثل الربيع يهش بالأنوار
وله قصيدة يهجو فيها الشام وأهله، أولها قوله: شعر
جد للمشوق ولو بطيف منام … إن لم تكن سمحًا بطيب كلام
стр. 337
فعساه ينفع من غليل قلبه الصادي يزور زيارة الأحلام
أصبحت سلطان الملاحة حاكمًا … فيها بما تهوى من الأحكام
منحتك فرعًا مثل حظي أسودًا … وكطول ليلي فيك ذي الأظلام
ولواحظًا فرت القلوب وما فرت … عنها الجلود بصائبات سهام
لما تهتك في تناسب خلقة … من ظلَّ فيه بلوعة وغرام
جعل التناسب بين خصر ناحل … وروادف ترتج كالآكام
أسر القلوب المطلقات بمبسم … وسبى العقول بواضح بسّام
وبرمح قدٍّ فاتك بنفوسنا … فكأنه أخلاق أهل الشام
قوم إذا حل الغريب بأرضهم … أضحى يفكر في بلاد مقام
بثقالة الأخلاق منهم والهوا … والماء وهي عناصر الأجسام
ووُعورة الأرضين فامشِ وقع … ونم كبعير المستعجل التمتام
لا غرو إن قست القلوب قلوبهم … واستثقلوا خلقًا لدى الأقوام
فجوار قاسيون هم فكأنهم … من جرمه خلقوا بغير خصام
قالوا لها في المسندات مناقب … كسيت بها شرفا حليف دوام
أهل الرواية أثبتوا إسنادها … من كل حبر حافظ وإمام
قلت الأماكن شرفت لا أهلها … بخصوصة فيها من العلَّام
أرض مشرَّفة وقوم جيفة … كالكلب حل بموطن الإحرام
стр. 338
إلا وقد كانت مدينة يثرب … فيها من الله المهيمن حامي
واللطف من تحت اللطائف هامل … سحًا وودق الفضل فيها هامي
ومنافقوها شر من وطئ الثرى … من كل شيخ أحمق وغلام
هذا على أن المناقب فيكم … ما بين واه أو مخلّ كلام
ولعل بعض رواتها متساهل … في الدين في نقض وفي إبرام
وهي قصيدة طويلة نقض فيها ما ادّعوه وأثبت أشياء.
توفي ببلد الخليل عليه أفضل الصلاة في شهر رجب، سنة ست عشرة وسبع مئة.
١٥٩ - سليمان بن علي بن عبد الله بن علي بن ياسين التلمساني، ينعت بالعفيف الأديب الشاعر الصوفي (١).
كان فاضلًا مشاركًا في نحو وأصول ومعقول، وله معرفة بالرياضيات.
و"شرح الأسماء الحسنى" (٢)، و"مقامات النفري" (٣).
وسمع صحيح مسلم بدمشق من ابن الصلاح، والسخاوي، وبقية المشايخ الإثني عشر.
стр. 339
وله كلام على طريقة الصوفية، وتزوَّج ببنت عبد الحق بن سَبْعين، ورُمي بفساد العقيدة.
حكى لنا الأستاذ أبو حيان قال: حضر ابنه محمد عند الشيخ شمس الدين الأصبهاني فقال: من؟ فقال: محمد، فقال: أنت عريق في الألوهية، أبوك العفيف وأمك بنت ابن سبعين.
وله نظم بديع (١)، كتب عنه شيخنا أثير الدين وغيره.
أورد له الموفق عبد الله بن عمر الأنصاري الطبيب (٢) في كتابه المسمى "نسيم البان في شعراء الزمان"، قوله: شعر
بروق الحمى أجفان عيني غمامها … وقضب النقاء نوح المعنى حمامها
إذا أومضت من جانب الحي أوهمت … بأن سليمى قد أميط لثامها
عليَّ لها أن لا أهيم بغيرها … وليس عليها أن يدوم ذمامها
تراءت على الأكوان أترابُ حسنها … فقلن بدورٌ قد تجلّى ظلامها
بدورٌ ولكن الضلوع بروجها … وزهرٌ ولكن القلوب كمامها
وقال أيضًا له:
قد بذلنا النفوس يا أخت سعد … فاقبليها نقدًا وجودي بوعد
стр. 340
ونثرنا دموعنا فانظميها … فهي أبهى من كل لؤلؤ عقد
يا ابنة القوم إن يكن لك بُرد … من بديع الجمال فالسقم بردي
كيف أهوى ورد الرياض ووردًا … لمدامٍ وفيك وردي ووردي
جنةٌ حسنها كحسن وصالٍ … فيه من خالها بقية صدّي
قد تعدت على النفوس ولكن … لا يسميه عاشقوها (١) تعدّي
ما رأينا من صيّر الجفن سيفًا … يخجل الهند حسنه غير هند
قال لي خدها الصقيل وقد صار مرآة ماذا ترى قلت خدّي
وله أيضا: شعر
إلى الراح هبوا حين تدعى المثالث … فما الراح للأرواح إلا بواعث
هي الجوهر الفرد القديم وإن بدا … بها حبب زينت به فهو حادث
وفاح شذى أنفاسها فتصرفت … نفوس عليها الجهل عات وعائث
حلفت لهم ما كاسها غير ذاتها … فقالوا اتئد فيها فإنك حانث
وما غير أضواء الأشعة أوهمت … فقالوا لها في الحسن ثان وثالث
أقم ريثما تفنيك عنها بوصفها … وتذهب عنا منك فيها مباحث
فإن شاهدت منك العيون عيونها … ظهرتَ وإلا فالعيون أخابث
وإن لم تبدل آيةٌ منك آيةً … بها قيل عنها اذهب فإنك ماكث
стр. 341
تنكر في سام وحام حديثها … وعزَّ ولم يظفر بمعناه يافث
وما لبثت في الدهر يوما وإنما … هو الآن فيها إن تأملت لابث
وأنشدنا الشيخ أثير الدين عنه قوله: شعر
ما بعد رامة للمحب مرام … لا سيما إذ لاحت الأعلام
لا تملك العبرات مقلته ولا … تثنى أعنَّة شوقه اللوام
ووراء هاتيك الستور محجَّب … لا تهتدي لجماله الأفهام
لو لاح أدنى بارق من حسنه … للكون رنَّحه جوىً وغرام
يا عرب نجد ما مضى من عيشنا … أترى تعود لنا به الأيام
قصيدة مطولة.
وأنشدنا الأستاذ أبو حيان: أنشدنا العفيف لنفسه، قوله: شعر
عاطني ذكره لأمحو ففي الخمر وإن أسكرت دوا المخمور
وأعد لي حديثه فلسمعي … فرط وجد باللؤلؤ المنثور
ثم صف لي ذوابةً منه طالت … ودجت مثل ليله المهجور
ولد سنة إحدى عشر وست مئة.
وقال البرزالي: سنة عشرٍ (١).
وتوفي في يوم الأربعاء خامس رجب، سنة تسعين بدمشق.
стр. 342
حُكي عنه أنه حضر مكانًا وفيه صبي، فقال للصبي: أنت الله.
قبّحه الله إن قاله، وإن كذبوا عليه فقاتلهم الله.
١٦٠ - سليمان بن فَيَّاض الإسكندراني، يكنى أبا الربيع (١).
ذكره مؤرخ الإسكندرية الوجيه ابن العماديّة (٢)، وقال: كان شاعرًا مجيدًا، وخرج إلى العراق، ثم الهند، وبها مات.
وأورد من نظمه قوله: شعر
باتت على فنن الأراك تنوح … تخفي الصّبابة مرّة وتبوح
قُمرية تغدو بحاضر بثها … وتريح غاديةً أوانَ تروح
عجماء ما كادت تبين لسامع … ولها حديث في الوداد فصيح
عجبا لها تبكي الخليع وجفنها … وهي الشحيحة بالدموع شحيح
أمريضة الأحشاء من فرق النوى … مهلا لشملك إنَّه لصحيح
أو ما رأيت تجلُّدي وأنا الذي … شملي على متن الفراق طريح
تتقاذف الأيام بي فكأنني … لجسوم أرباب التناسخ روح
توفي بالهند، في حدود سنة عشر وست مئة.
стр. 343
١٦١ - سليمان بن محمد المالقي، ويكنى أبا الحسن، ويعرف بابن طراوة (١).
ذكره الحافظ أبو عبد الله الأبار في "التحفة"، وقال: كان إمام عصره في النحو، وله تأليف على كتاب سيبويه سمّاه: "المقدمات" (٢)، وكان عارفًا بالأدب، وله نظم أورد منه قوله: شعر
وقائلة أتصبو للغواني … وقد أضحى بمفْرِقِك النهار
فقلت لها حُثِثتُ على التصابي … أحق الخيل بالركض المعار
قال: وقال في فقهاء مالقة: شعر
إذا رأوا جملا يأتي على بعد … مدوا إليه جميعا كف مقتنص
أو جئتهم فارغا لزّوك في قَرن … وإن رأوا رشوة أفتوك بالرّخص (٣)
وقوله في قوم من جراوة انتسبوا إلى كلب: شعر
خرجتم من جراوة ثم قلتم … جراوة في التناسخ من كلاب
стр. 344
صدقتم ليس فيكم غير كلب … ومن تلدون أبناءَ الكلاب
توفي في رمضان، وقيل في شوال سنة ثمان وعشرين وست مئة، ﵀.
١٦٢ - سليمان بن محمد بن سليمان بن علي اليمني الخَلِّي، نسبهُ إلى خَلّة بالخاء المعجمة من بلاد اليمن، ينعت بالجمال، ويكنى بأبي الربيع (١).
كان فقيهًا شافعيًا، إمامًا في اللغة والنحو، ومشاركًا في الأصول، كتب عنه منصور بن سليم، وأبو بكر ابن مَسْدِي.
قال منصور: قال أبو الربيع يومًا: حدثني عبد الله بن محمد الأسحاقي، قال: كنت يومًا عند الفقيه أبي بكر العابدي بعدن، فدخل عليه جماعة فجلسوا وأطالوا الجلوس، فقال لي: اكتب، قال فكتبت: شعر
من مُجيري من الجبال الرواسي … شغلوني وضيّقوا أنفاسي
آنسوني بالقرب منهم وما … الوحشة إلا في ذلك الإيناس
وقال: إنه صحب الملك الكامل، واشتهر بصحبته وتولى في آخر عمره مدرسة بالفيوم.
وقال ابن مَسْدِي: قرأ باليمن، وتأدب على محمد بن أبي القاسم الجبَّائي، وتفقه على عيسى بن علي الشافعي القاضي، وعلى القاضي محمد بن أحمد بن أسعد، وأخذ الأصول عن القاضي مسعود بن علي قاضي اليمن، وغيره.
стр. 345
قال: وبلغني أنه تولى الحكم بالفيوم.
ومولده في جمادى الأولى، سنة ثمان وسبعين وخمس مئة.
وتوفي سنة خمسين وست مئة.
١٦٣ - سليمان بن معروف الكناني الحلي، حلي بني يعقوب (١).
شاعر جيد الشعر.
كتب عنه شيخنا أثير الدين أبو حيان بمكة، شرفها الله تعالى، في سنة تسع وسبعين وست مئة.
حكى لنا الشيخ قال: وجدته بمكة، فقال يا بقيّة تعرف تكتب؟ فقلت: نعم، فأملى علي قصيدة مدح بها ابن أبي نُمي، علق على خاطري منها هذه الأبيات، وهي قوله: شعر
كم جحفل دونها وجحفل لجب … في جانبيه سعير الموت يستعر
صهيل قب المدالي رعده بياض البيض برقٌ سماه والدم المطر
وردته معلمًا بالسيف محتسبًا … في الله إذ ليس من وخز القنا صدر
فالبشر من ثقة بالنصر يتبعه … والضبع فهي على آثارهم زمر
إن جرجر العود فافهم ما بغاربه … ما جرجر العود حتى مسه الدبر
أين الفصاحة والعلم اللذا ذكرا … للناس طرًا وأين الفضل يا عمر
وأين أخلاقك اللاتي عرفت بها … كأنها في البلاد المندل العطر
стр. 346
إن المفاضل بين الناس يا عمر … هي الفضائل لا الأثواب والصور
قال الشيخ: فقلت له: عندكم من يشعر كذا، فقال: أميرنا مهنّا، أمير حلي بن يعقوب أشعر مني، قال: وأنشدني له من شعره قوله: شعر
وليل بتُّ فيه سميرَ بدرٍ … له الشعر الأثيث الجَثْل سحبُ
يعاطيني السلافة من ثنايا … عذاب طعمها في الذوق عذب
من اللاتي أعاليهن قضبٌ … نواعم إذ أسافلهنّ كثب
١٦٤ - سليمان بن النعمان الحميري اليماني، أبو الربيع (١).
من العرب، كان شاعرًا مدّاحًا، مدح الملوك.
كتب عنه شيخ شيخنا الحافظ منصور بن سليم الإسكندراني شيئًا من شعره.
أنشدنا الفقيه المفتي أبو العباس أحمد بن عبد العزيز الإسكندراني إجازة، أنشدني الحافظ منصور بن سُليم قال: أنشدني أبو الربيع اليماني قصيدة، مدح بها الملك الأشرف صاحب دمشق، أولها قوله:
أبى القلب إلا لوعة وتذكُرا … ودمع جفون العين إلا تحدُّرا
غداة تنادوا للرحيل وأزمعوا … فراقًا وزموها قلائصَ ضُمَّرا
وعالوا عليهن الجدوع فلا ترى … هنالك إلا باهتًا متحيَّرا
وليس وداعٌ ثم إلا إشارة … على رُقبة من خوف واش بأن يرى
стр. 347
فأيُّ فؤادٍ ما تقطع حسرةً … هناك ودمع عند ذلك ما جرى
أقول لحادي العيس وهي نوازع … وقد جعلت أعناقها تجذب البرى
رويدك رفقًا إنَّ بين حمولها … قلوبًا مراضًا أوشكت أن تفطَّرا
فردوا قلوب العاشقين فإنها … سرت حرقًا معْ أول الظعن إذ سرى
١٦٥ - سليمان بن موسى بن سالم الكلاعي الحميريّ البلنسي، أبو الربيع الإمام الحافظ الأديب (١).
ترجمه تلميذه الحافظ أبو عبد الله الآبار (٢)، وقال: كان إمامًا في صنعة الحديث، بصيرًا به، حافظًا، عارفًا بالجرح والتعديل، ذاكرًا للمواليد والوفيات، وأسماء الرجال، وكَتَب الكثير، وكان حسن الخط متقنًا متبحرًا في الآداب، مجيدًا في نظم القريض، فردًا إنشاء الرسائل، فصيحًا مُفَوَّهًا، وكان متكلما عن الملوك في مجالسهم، وولي الخطابة بجامع بلنسية.
سمع الكثير من الجم الغفير، منهم: أبو القاسم ابن حُبَيْش، وأبو بكر ابن الجد، وأبو عبد الله ابن زَرْقون وأبو محمد ابن عبيد الله، وأبو محمد ابن بونَة، وأبو عبد الله ابن الفخَّار، وخلائق.
стр. 348
وعني أتم العناية بالتقييد والرواية، وصنف تصانيف في فنون شتّى، منها كتاب "الاكتفاء في سيرة المصطفى والخلفاء" (١)، وكتاب "ميدان [السابقين] (٢) في ذكر الصحابة والتّابعين"، ولم يكمله، وكتاب "مصباح الظلم"، وكتاب "الإعلام بأخبار البخاري الإمام"، و"المعجم في ذكر من وافقت كنيته كنية زوجته من [الصحابة] " (٣)، وكتاب "جهد النصيح" (٤)، عارض بها خطبة الفصيح للمعرّي، وكتاب "الأمثال" (٥)، وكتاب "مفاوضة العليل في معاوضة ملقى السبيل" (٦) للمعري أيضًا، و"مجاز فتيا اللحن" على طريقة فتيا فقيه العرب، و"نتيجة الحب الصّميم"، وكتاب "جنى الرطب في سنى الخطب"، وإليه كانت الرحلة.
وذكره أيضًا في "التحفة" (٧)، وأورد من شعره قوله في التشبيب:
شاقه البرق بأكناف العقيق … فاسأل الدمع أمثال العقيق
حاول الأدمع فانقادت له … وكذا السحب جنيبات البروق
كلما أومض في عرض الحمى … قالت الأشواق للعين أريقي
من لمضناكم بأن يبقى على … مدمع هام وأحشاء خفُوق
стр. 349
زارنا من أرضكم عرف صبا … هل شممتم أرج المسك الفتيق
هاج نيران الجوى طي الحشا … عادة الأرياح تهييج الحريق
أين أيامي على كاظمة … وارتشافي ريقة العيش الرَّقيق
بين أضغاث رياحين المنى … وهوى يرجع لوعات المفِيق
وعذاري لم يشب صبغته … وضحٌ أشرقني وجدًا بريقي
آه من ذكر شباب ذهبت … خيله عني على غير طريق
وقوله:
ولما تحلَّى خده بعذاره … تسلوا وقالوا ذنبه غير مغفور
وهل تنكر العين اللُّجين منيَّلا … أو المسك مذرُورًا على صحن كافور
وحسبي منه لو تغير خدّه … تمايل غُصْن والتفاتة يعفور
وله قوله: شعر
قالوا اكتست بالعذار وجنته … هل في الذي قلتموه من بأس
أكلفُ بالورد وهو منفرد … فكيف أسلوا إذ شيب بالأس
وقوله:
قالوا التحى واشتكى عينيه قلت لهم … نعم صدقتم وهل في ذاك من عار
بنفسجٌ غيض من وردٍ ونرجسةٍ … تحولت وردة زينت بأشفار
ما مرَّ من حسنه شيء بلا عوض … حسن بحسن وأزهار بأزهار
стр. 350
وله يرثي بقصيدة أولها قوله: شعر
حرام على نفس اللبيب سرور … وقد علمت أن الحياة غرور
هل المرء إلا في حبالة عمره … أسيرٌ إلى ورد الحمام يسير
تغر الدنا هذا الورى بروائها … وذاك الرواء الطلق سوف يغور
وما هي إلا دار فوت وآفة … رحاها بأرواح الأنام تدور
ألا في ضمان الله منها منيَّة … لها متجر في البر ليس يبور
مقسَّمة بين المكارم والتقى … يفك أسيرٌ أو يراش فقير
لئن أنست مذ أودعتها حفائرًا … لقد أوحشت منها الغداة قصور
وأوحش ليلٌ طالما أنست به … وليس سوى طوب القبور سمير
وله: وقد سأله بعض الطلبة بإشبيلية معارضة أبيات الأستاذ أبي الحسن ابن سعد الخير البلنسي، يذكر فيها مثال نعل المصطفى ﷺ ، وهي قوله: شعر
يا مبصرًا تمثال نعل نبيه … قبّل مثال النعل لا متكبرا
واعكف به فلطال ما عكفت به … قدم النبي مروحًا ومبكرا
أولا ترى أن المحب مقبِّلا … طللًا وإن لم يلف فيه مخبرا
فنظم أبو الربيع، سلمه الله، قوله: شعر
خواطر ذي البلوى عوامر بالجوى … ففي كل حال يعتريه خيال
متى يدع داع باسم محبوبه هفا … فيهتاج بلبال ويكشف بال
стр. 351
وإن ير من آثاره أثرًا هملت له من غروب المقلتين سجال
كحالي وقد أبصرت نعلًا مثالها … لنعل النبي الهاشمي مثال
عراني ما يعرو المحب إذا بدا … لعينيه من مغنى الأحبة آل
فقبّلت في ذاك المثال معاودًا … أرى أن ذلي في هواه جلال
ومثلته نعلَ الرسول حقيقةً … وإني لأدري أن ذاك محالُ
ومن سنّة العشاق أن يبعث الهوى … مثالٌ ويقتاد الغرام خيال
ولا فرق إلا أن حبَّ محمدٍ … هدىً والهوى في من عداه ضلال
وحضر الغزاة بأنيشة، واستشهد مقبلا غير مدبر، ﵀، ضحى يوم الخميس العشرين من ذي الحجة، تمام شهور سنة أربع وثلاثين وست مئة.
ومولده خارج مرسية أول ليلة الثلاثاء، مستهل شهر رمضان، سنة خمس وستين وخمس مئة، وكان يقول: إنه منتهى عمره لرؤيا رآها في صغره.
ورثاه الأبار بقصيدته، أولها وهي قوله: شعر
ألما بأشلاء العلا والمكارم … تقدُّ بأطراف القنا والصَّوارم
وعوجا عليها مأرَبًا وحفاوةً … مصارع غصت بالطلا والجماجم
نُحييِّ وجوها في الجنان وجبهة … بما لقيت حمرًا وجوه الملاحم
وأجسادَ إيمان كساها نجيعها … مجاسد من نسج الظُّبا واللهاذم
مكرمة حتى عن الدفن في الثرى … وما يكرم الرحمن غير الأكارم
هم القوم راحوا للشهادة فاغتدوا … وما لهمُ في فوزهم من مقاوم
стр. 352
تساقوا كؤوس الموت في حومة الوغى … فمالت بهم ميلَ الغصون النواعم
مضوا في سبيل الله قدمًا كأنما … يطيرون من أقدامهم بقوادم
يرون جوار الله أكبرَ مغنم … كذاك جوار الله أسنى المغانم
عظائم راموها فخاضوا لنيلها … ولا روع يثنيهم صدور العظائم
وهان عليهم أن تكون لحودهم … متون الرَّوَابي أو بطون التهائم
ألا بأبي تلك الوجوه سواهما … وإن كنّ عند الله غيرَ سواهم
عفا حسنها إلا بقايا مباسم … يعزُّ علينا وطؤها بالمناسم
وسور أسارير تنير طلاقة … فتكسف أنوار النجوم العوائم
لئن وكفت فيها العيون سحائبًا … فعن بارقات لحْنَ منها لشائم
ويا بأبي تلك الجسوم نواحلًا … بأجرائها نحو الأجور الجسائم
تغلغل فيها كلُّ أسمرَ ذابلٍ … فجدَّل منها كلَّ أبيض ناعم
فلا يبعد الله الذين تقربوا … إليه بإهداء النفوس الكرائم
مواقف أبرار قضوا من جهادهم … حقوقًا عليهم كالفروض اللوازم
أصيبوا وكانوا في العبادة إسوة … شبابًا وشيبًا بالغواشي الغواشم
فعامل رمح دق في صدر عامل … وقائم سيف قُدّ في رأس قائم
ويا رُبَّ صوَّامِ الهواجرِ واصلٍ … هنالك ومصروم الحياة بصارم
ومنقذ عانٍ في الأداهم راسفٍ … ينوء برجلي راسف في الأداهم
стр. 353
أضاعهمُ يوم الخميس حفاظهم … وكرَّهُم في المأزق المتلاحم
سقى الله أشلاءً بسفح أنيشة … سوافح تزجيها ثقال الغمائم
وصلى عليها أنفسًا طاب ذكرها … فطيّب أنفاس الرياح النواسم
لقد صبروا فيها كرامًا وصابروا … فلا غرو أن فازوا بصفو المكارم
وما بذلوا إلا نفوسًا نفيسة … تحن إلى الأخرى حنين الروائم
ولا فارقوا والموت يتلع جنده … بحيث التقى الجمعان صدق العزائم
بعيشك طارحني الحديث عن التي … أراجع فيها بالدموع السَّواجم
وما هي إلا عاديات فجائعٍ … تعبر عنها رائحات مآثم
جلائل دقَّ الصبر فيها فلم نطق … سوى غض أجفان وعضّ أباهم
أبيت لها تحت الظلام كأنني … رميُّ نصال أو لديغ أراقم
أغازل من برح الأسى غير بارح … وأصحب من سامي البكا غير سائم
وأعقد بالنجم المشرِّق ناظري … فيغرب عني ساهرًا غير نائم
وأشكو إلى الأيام سوء صنيعها … ولكنها شكوىً إلى غير راحم
وهيهات هيهات العزاء ودونه … قواصم شتى أردفت بقواصم
ولو برَّد السلوان حرَّ جوانحى … لآثرت عن طوع سلو البهائم
ومن لي بسلوان يحلُّ منفرًا … بجاث من الأرزاء حولي جاثم
وبين الثنايا والمخارم رمة … سرى في الثنايا طبها والمخارم
стр. 354
بكتها المعالي والمعالم جهدها … فلهف المعالي بعدها والمعالم
سعيد صعيد لم ترمه قراره … وأعظم بها بين العظام الرمائم
كأن دمًا أذكى أديم ترابها … وقد مازجته الريح مسك اللطائم
يشق على الإسلام إسلام مثلها … إلى خامعات بالفلا وقشاعم
كأن لم تبت تغشي السراة قبابها … ويرعى حماها الصيد رعي النَّواسم
سفحت عليها الدمع أحمر وارسًا … كما تنثر الياقوت أيدي النَّواظم
وسامرت فيها الباكيات نوادبًا … يؤرقن تحت الليل ورق الحمائم
وقاسمت في حمل الرزية قومها … وليس قسيم البر غير المقاسم
فوا أسفًا للدّين أعضل داؤه … وأيأس من آسٍ لمسراه حاسم
ويا أسفا للعلم أقوت ربوعه … وأصبح مهدود الذرى والدَّعائم
قضى حامل الآثار من آل يعرب … وحامي هدى المختار من آل هاشم
خبا الكوكب الوقَّاد إذ خنع الضحى … ليخبط في ليل من الجهل فاحم
وخابت مساعي السامعين حديثه … كما شاء يوم الحادث المتفاقم
فأي بهاء غار ليس بطالع … وأي سناء غاب ليس بقادم
سلام على الدنيا إذا لم يلح بها … محيَّا سليمان بن موسى بن سالم
وهل في حياتي متعة بعد موته … وقد أسلمتني للدواهي الدواهم
فها أنا ذا في خوف دهر محارب … وكنت به في أمن دهر مسالم
стр. 355
أخو العزة القعساء كهلًا ويافعًا … واكفاؤه ما بين راض وراغم
تفرد بالعَلياء علمًا وسؤددًا … وحسبك من عال على الشهب عالم
معرّسه فوق السما ومقيله … ومورده قبل النسور الحوائم
بعيد مداه لا يشق غباره … إذا فاه فاض السحر ضربة لازم
تقوَّض منه كل ناد ومنبر … إلى ناجح مسعاه في كل ناجم
متى صدم الخطب الملم بخطبه … كفى صادمًا منه بأكبر صادم
له منطق سهل النواحي قريبها … فإن رمته ألفيت صعب الشكائم
وسحر بيان فاق كل مفوه … فبات عليه قارعًا سن نادم
وما الرَّوض حلاه بجوهره النَّدى … ولا البرد وشّته أكف الرَواقم
بأبدع حسنًا من صحائفه التي … تسيّرها أقلامه في الأقالم
يمان كلاعي نماه إلى العلا … تمام حواه قبل عقد التمائم
يروق رواق الملك في كل مشهد … ويحسن وسمًا في وجوه المواسم
ويكثر أعلام البسيطة وحده … كمالُ معالٍ أو جمال معالم
لعًا لزمان عاثر من جلاله … بواق من الجُلّى أصيب بواقم
مناد إلى دار السلام منادم … بها الحور واهًا للمنادي المنادم
أتاه رداه مقبلًا غير مدبر … ليحُظى بإقبال من الله دائم
إمامًا لدين أو قوامًا لدولة … تقضَّى ولم تلحقه لومة لائم