وإن ير من آثاره أثرًا هملت له من غروب المقلتين سجال
كحالي وقد أبصرت نعلًا مثالها … لنعل النبي الهاشمي مثال
عراني ما يعرو المحب إذا بدا … لعينيه من مغنى الأحبة آل
فقبّلت في ذاك المثال معاودًا … أرى أن ذلي في هواه جلال
ومثلته نعلَ الرسول حقيقةً … وإني لأدري أن ذاك محالُ
ومن سنّة العشاق أن يبعث الهوى … مثالٌ ويقتاد الغرام خيال
ولا فرق إلا أن حبَّ محمدٍ … هدىً والهوى في من عداه ضلال
وحضر الغزاة بأنيشة، واستشهد مقبلا غير مدبر، ﵀، ضحى يوم الخميس العشرين من ذي الحجة، تمام شهور سنة أربع وثلاثين وست مئة.
ومولده خارج مرسية أول ليلة الثلاثاء، مستهل شهر رمضان، سنة خمس وستين وخمس مئة، وكان يقول: إنه منتهى عمره لرؤيا رآها في صغره.
ورثاه الأبار بقصيدته، أولها وهي قوله: شعر
ألما بأشلاء العلا والمكارم … تقدُّ بأطراف القنا والصَّوارم
وعوجا عليها مأرَبًا وحفاوةً … مصارع غصت بالطلا والجماجم
نُحييِّ وجوها في الجنان وجبهة … بما لقيت حمرًا وجوه الملاحم
وأجسادَ إيمان كساها نجيعها … مجاسد من نسج الظُّبا واللهاذم
مكرمة حتى عن الدفن في الثرى … وما يكرم الرحمن غير الأكارم
هم القوم راحوا للشهادة فاغتدوا … وما لهمُ في فوزهم من مقاوم
стр. 352
تساقوا كؤوس الموت في حومة الوغى … فمالت بهم ميلَ الغصون النواعم
مضوا في سبيل الله قدمًا كأنما … يطيرون من أقدامهم بقوادم
يرون جوار الله أكبرَ مغنم … كذاك جوار الله أسنى المغانم
عظائم راموها فخاضوا لنيلها … ولا روع يثنيهم صدور العظائم
وهان عليهم أن تكون لحودهم … متون الرَّوَابي أو بطون التهائم
ألا بأبي تلك الوجوه سواهما … وإن كنّ عند الله غيرَ سواهم
عفا حسنها إلا بقايا مباسم … يعزُّ علينا وطؤها بالمناسم
وسور أسارير تنير طلاقة … فتكسف أنوار النجوم العوائم
لئن وكفت فيها العيون سحائبًا … فعن بارقات لحْنَ منها لشائم
ويا بأبي تلك الجسوم نواحلًا … بأجرائها نحو الأجور الجسائم
تغلغل فيها كلُّ أسمرَ ذابلٍ … فجدَّل منها كلَّ أبيض ناعم
فلا يبعد الله الذين تقربوا … إليه بإهداء النفوس الكرائم
مواقف أبرار قضوا من جهادهم … حقوقًا عليهم كالفروض اللوازم
أصيبوا وكانوا في العبادة إسوة … شبابًا وشيبًا بالغواشي الغواشم
فعامل رمح دق في صدر عامل … وقائم سيف قُدّ في رأس قائم
ويا رُبَّ صوَّامِ الهواجرِ واصلٍ … هنالك ومصروم الحياة بصارم
ومنقذ عانٍ في الأداهم راسفٍ … ينوء برجلي راسف في الأداهم
стр. 353
أضاعهمُ يوم الخميس حفاظهم … وكرَّهُم في المأزق المتلاحم
سقى الله أشلاءً بسفح أنيشة … سوافح تزجيها ثقال الغمائم
وصلى عليها أنفسًا طاب ذكرها … فطيّب أنفاس الرياح النواسم
لقد صبروا فيها كرامًا وصابروا … فلا غرو أن فازوا بصفو المكارم
وما بذلوا إلا نفوسًا نفيسة … تحن إلى الأخرى حنين الروائم
ولا فارقوا والموت يتلع جنده … بحيث التقى الجمعان صدق العزائم
بعيشك طارحني الحديث عن التي … أراجع فيها بالدموع السَّواجم
وما هي إلا عاديات فجائعٍ … تعبر عنها رائحات مآثم
جلائل دقَّ الصبر فيها فلم نطق … سوى غض أجفان وعضّ أباهم
أبيت لها تحت الظلام كأنني … رميُّ نصال أو لديغ أراقم
أغازل من برح الأسى غير بارح … وأصحب من سامي البكا غير سائم
وأعقد بالنجم المشرِّق ناظري … فيغرب عني ساهرًا غير نائم
وأشكو إلى الأيام سوء صنيعها … ولكنها شكوىً إلى غير راحم
وهيهات هيهات العزاء ودونه … قواصم شتى أردفت بقواصم
ولو برَّد السلوان حرَّ جوانحى … لآثرت عن طوع سلو البهائم
ومن لي بسلوان يحلُّ منفرًا … بجاث من الأرزاء حولي جاثم
وبين الثنايا والمخارم رمة … سرى في الثنايا طبها والمخارم
стр. 354
بكتها المعالي والمعالم جهدها … فلهف المعالي بعدها والمعالم
سعيد صعيد لم ترمه قراره … وأعظم بها بين العظام الرمائم
كأن دمًا أذكى أديم ترابها … وقد مازجته الريح مسك اللطائم
يشق على الإسلام إسلام مثلها … إلى خامعات بالفلا وقشاعم
كأن لم تبت تغشي السراة قبابها … ويرعى حماها الصيد رعي النَّواسم
سفحت عليها الدمع أحمر وارسًا … كما تنثر الياقوت أيدي النَّواظم
وسامرت فيها الباكيات نوادبًا … يؤرقن تحت الليل ورق الحمائم
وقاسمت في حمل الرزية قومها … وليس قسيم البر غير المقاسم
فوا أسفًا للدّين أعضل داؤه … وأيأس من آسٍ لمسراه حاسم
ويا أسفا للعلم أقوت ربوعه … وأصبح مهدود الذرى والدَّعائم
قضى حامل الآثار من آل يعرب … وحامي هدى المختار من آل هاشم
خبا الكوكب الوقَّاد إذ خنع الضحى … ليخبط في ليل من الجهل فاحم
وخابت مساعي السامعين حديثه … كما شاء يوم الحادث المتفاقم
فأي بهاء غار ليس بطالع … وأي سناء غاب ليس بقادم
سلام على الدنيا إذا لم يلح بها … محيَّا سليمان بن موسى بن سالم
وهل في حياتي متعة بعد موته … وقد أسلمتني للدواهي الدواهم
فها أنا ذا في خوف دهر محارب … وكنت به في أمن دهر مسالم
стр. 355
أخو العزة القعساء كهلًا ويافعًا … واكفاؤه ما بين راض وراغم
تفرد بالعَلياء علمًا وسؤددًا … وحسبك من عال على الشهب عالم
معرّسه فوق السما ومقيله … ومورده قبل النسور الحوائم
بعيد مداه لا يشق غباره … إذا فاه فاض السحر ضربة لازم
تقوَّض منه كل ناد ومنبر … إلى ناجح مسعاه في كل ناجم
متى صدم الخطب الملم بخطبه … كفى صادمًا منه بأكبر صادم
له منطق سهل النواحي قريبها … فإن رمته ألفيت صعب الشكائم
وسحر بيان فاق كل مفوه … فبات عليه قارعًا سن نادم
وما الرَّوض حلاه بجوهره النَّدى … ولا البرد وشّته أكف الرَواقم
بأبدع حسنًا من صحائفه التي … تسيّرها أقلامه في الأقالم
يمان كلاعي نماه إلى العلا … تمام حواه قبل عقد التمائم
يروق رواق الملك في كل مشهد … ويحسن وسمًا في وجوه المواسم
ويكثر أعلام البسيطة وحده … كمالُ معالٍ أو جمال معالم
لعًا لزمان عاثر من جلاله … بواق من الجُلّى أصيب بواقم
مناد إلى دار السلام منادم … بها الحور واهًا للمنادي المنادم
أتاه رداه مقبلًا غير مدبر … ليحُظى بإقبال من الله دائم
إمامًا لدين أو قوامًا لدولة … تقضَّى ولم تلحقه لومة لائم
стр. 356
وإن عابه حساده شرقًا به … فلن تعدم الحساد أمًّا لدائم
فيا أيها المخدوم عالٍ محله … فذلك من ساداتنا كل خادم
ويا أيها المختوم بالفوز سعيه … ألا إنما الأعمال حُسن الخواتم
هنيئا لك الحسنى من الله إنها … لكل تقي خيمه غير خائم
تبوأت جنات النعيم ولم تزل … نزيل الثريا قبلها والنعائم
ولم تالُ عيشًا راضيًا أو شهادة … ترى ما عداها في عداد المآثم
لعمرك ما يبلى بلاؤك في العدى … وقد جرَّت الأبطال ذيل العزائم
وتالله لا ينسى مقامك في الوغى … سوى جاحد نور الغزالة كاتم
لقيت الردى جذلان في الروع باسمًا … فبوركت من جذلانَ في الرّوع باسم
وحُمتَ على الفردوس حتى وردته … ففزت بأشتات المنى فوز غانم
أجدُّك لا تثني عنانًا لأوبةٍ … أداوي بها برح الغليل المداوم
ولا أنت بعد اليوم واعد هبّة … من النوم تحدو لي إلى حال حالم
لسَرْعَان ما قوَّضت رحلك ظاعنًا … وسرت على غير النواحي البواسم
وخلفت من يرجو دفاعك يائسًا … من النصر أثناء الخطوب الصوائم
كأنيَ للأشجان فوق هواجر … بما عادني من عاديات سواجم
عدمتك موجودًا يعز نظيره … فيا عزَّ معدوم ويا هون عادم
ورمتك مطلوبًا فأعيا مثاله … وكيف بما أعيا منالًا لرائم
стр. 357
وإني لمحزون الفؤاد صديعه … خلافًا لسالٍ قلبه عنك سالم
وعندي إلى لقياك شوقٌ مبرحٌ … طواني من حامي الجوى فوق حاجم
وفي خلدي والله ثكلك خالد … أليَّة برٍّ لا ألية آثم
ولو أن في قلبي مكانًا لسلوة … سلوت ولكن لا سلوَّ لهائم
ظلمتك إن لم أقض نعماك حقها … ومثلي في أمثالها غير ظالم
يطالبني فيك الوفاء بغاية … سموت لها حفظا لتلك المراسم
فأبكي لشلوٍ بالعراء كما بكى … زياد لقبر بين بصرى وجاسم
واعبر أن يمتاز دوني عِبْرَة … بعلياء في تأثير قيس بن عاصم
وهذي المراثي قد وفيت برسمها … مسهَّمة جهد الوفي المساهم
فمدَّ إليها رافعًا يد قابل … أكبّ عليها حافظًا فم لاثم
١٦٦ - سند بن عنان بن إبراهيم بن حريز الأنصاري الإسكندراني الفقيه المالكي (١).
ترجمه ابن العمادية، وقال: كان من العلماء الزهَّاد والصلحاء العباد، سمع من العلامة أبي بكر الطرطوشي، وتفقه عليه، وسمع من أبي الحسن علي بن المشرَّف الأنماطي (٢)، ومن الحافظ أبي طاهر السلفي.
стр. 358
وحدَّث؛ روى عنه ابن أخيه أبو محمد عبد الله بن مكي، وتصدّر بعد شيخه الطرطوشي يفتي ويدرس، وتخرّج عليه جماعة.
وصنّف كتابًا جيِّدًا سماه "الطِّراز" (١)، انتصر فيه لمذهب مالك ولم يتمه.
وله نظم، وساق بسنده إليه منه قوله: شعر
وزائرةٍ للشيبِ لاحت بمفرقي … فبادرتها بالنتف خوفا من الحتف
فقالت على ضعفي استطلت ووحدتي … رويدك بالجيش العرمرم من خلفي
توفي ببلده، في جمادى الآخرة، سنة إحدى وأربعين وخمس مئة، ﵁.
١٦٧ - سهل بن محمد بن سهل بن مالك الأزدي الغرناطي، يكنى أبا الحسن (٢).
كان فقيهًا مالكي المذهب، عالمًا فاضلًا، أديبًا شاعرًا، رئيسا مشاورًا.
سمع من ابن حبيش، وابن حميد، والسهيلي، وابن الجد، وابن رشد، وأجاز له ابن زرقون، وابن بشكوال، وعبد الحق الإشبيلي.
رَوَى عنه ابن مَسْدِي وأثنى عليه، وقال: تفقهت عليه.
стр. 359
وترجمه أبو الحسن ابن سعيد فقال: لو لم تأت غرناطة إلا بهذا الجليل المقدار لكان حسبها في الشرف والفخار، برع في العلوم الحديثة والقديمة، وبنى له في بلده أعظم أرومة، واكتسب العزَّ والمال، وبلغ في نظرائه مبلغ الكمال، وله في المشاهد حكايات مشهورة ومقامات مذكورة، وله على الملوك وفادات.
وكان أبو عبد الله ابن عياش إذا جرى ذكره يقول: هو رجل الأندلس ما وفد على الحضرة مثله، وقال فيه: شعر
إنما سهل جنابٌ … صعب المرقى إليه
يا له شخصًا كريمًا … أجمع الناس عليه
وله عندي ودادٌ … مثل ما أزري لديه
فلما بلغ ذلك سهل، كتب إليه: شعر
ألا قدس الله المكان الذي ثوى … به ذو المعالي صاحب العلم الأعلا
وما كنتُ أهلًا للذي قد أنالني … ولكنَّ صدق الودّ صيَّرني أهلا
وامتحن محنة جرتها إليه المنافسة، فغُرِّب، ثم رُدَّ إلى بلده بعد موت محمد بن يوسف ابن هود (١).
وقال ابن مَسْدِي: طُلِب ابن سهل لكتابة الإنشاء في الدولة المؤمنية، فاعتذر بالتصامم، واستمر على إظهاره، قال: وأنشدني لنفسه: شعر
تجري الهموم على العموم مطيفة … بالكل منا لا تخص فريقا
стр. 360
وإذا نظرت إلى الزمان وأهله … لم تلف إلا سالكًا ومضيقا
فانفض يديك من الأنام فقلَّ ما … يجد الكريم من اللئيم صديقا
وانظر لنفسك قبل رحلة ظاعن … جعل الفناء إلى البقاء طريقا
وبالغ أبو الحسن علي ابن سعيد في تعظيمه وتبجيله والثناء عليه.
قال: وقال أبو عمران ابن سعيد: مرض سهل في أيام عبد الواحد المخلوع بغرناطة، فكلف وزيره بعيادته، فأبى ذلك، ثم سأله ذلك فاعتذر، فركب عبد الواحد إليه بنفسه، فمدحه سهل بقصيدة منها هذه الأبيات، أولها قوله: شعر
نظرت بعيني ملء عيني وهمّتي … وقلت لنفسي دونك الغيث فاستسقي
وقبّلت كفًا دونها واكفُ الحيا … وقابلت بِشْرًا دونه خطفة البرق
وألثمت خدي من مواطئ نعله … مواضع آثار السعادة والرزق
وألزمت نفسي شكرها ما ترنَّمت … على الأيكة الغنَّاء صادحة الورق
قال: وكان سهل كثير التواضع، ولا يرد نادرة، فكان يوما عند والي غرناطة، فدخل القائد أبو محمد ابن سعيد المعروف باليربطول، وكان وجهه غير مقبول، فدنا من الوالي ليحدثه، وردَّ ظهره إلى ابن سهل وقال: لك المعذرة فقال المعذرة للوالي.
قال: ومرت له سنون وهو في غاية الأمنية إلى أن أتته المنية.
قال: ومن نظمه مرثية، قوله:
وعد الإله فأُنْجِزَ المقدار … فالكل عبد والبسيطة دار
قل ما تشاء كما تريد فإنما … يجري القضاء بكل ما يختار
стр. 361
أين الذي شرف الزمان بذكره … وتعطرت بحديثه الأسمار
وافيت مجلسه المقدس تربه … فوقفت حيث العالم المختار
ودنوت ألثم كفه متبركًا … فرأيت كيف تفجر الأنهار
وقال يرثي القاضي أبا الوليد ابن رشد ﵀: شعر
قضى علم الدين الذي ببيانه … تبيَّن خَافِيهِ وبان طريقَه
أخلَّايَ إني من دموعي بزاخر … بعيد عن الشطين منه غريقه
وما كان ظني قبل فقد جلاله … بأن مصابًا مثل هذا أُطيقه
ومن شاهد الأحوال بعد مماته … تيقن أن الموت نحن نذوقه
رجوعًا إلى الصبر الجميل فحقه … علينا قضاء أن لا تُؤدَّى حقوقه
أعزّيكم في البعد عنه وإنني … أهنّيه قربًا من جوار يروقه
ولم أدر من أشقى البرية بعده … أأبناؤه أم دهره أم صديقه
وما كان فينا منه إلا مكانه … وفي العالم العلوي، كان رفيقه (١)
وله في ما ذكر بعضهم قوله: شعر
وكنت وعدتني يا قلب أني … متى ما تبتُ عن ليلى تتوب
فها أنا تائبٌ عن حب ليلى … فما لك كلما ذُكِرت تذوب
стр. 362
وأنشدنا شيخنا أبو حيان: أنشدني الرضي الشاطبي لسهل ﵀:
لمّا حططت بسبتة قتب النَّوى … والقلب يرجو أن تحوَّل حاله
عاينت من تلك الجزيرة كُنَّسًا … والبحر يمنع أن تصاد غزاله
كالشكل في المرآة تبصره وقد … قربت مسافته وعزَّ مناله
وهذان البيتان ذكرهما ابن النجّار لأبي الحسين محمد بن المظفَّر، وفيهما تغيير يسير.
وتوفي ابن المظفر هذا سنة خمس وخمسين وأربع مئة.
وولد سهل سنة تسع وخمسين وخمس مئة.
وتوفي سنة أربعين (١)، وقيل تسعٍ وثلاثين وست مئة (٢).
стр. 363
حرف الشين المعجمة
١٦٨ - شافع بن علي بن عباس بن إسماعيل الكناني العسقلاني، المنعوت ناصر الدين، ويعرف بابن عبد الظاهر (١).
كتب الإنشاء للملك المنصور.
وكان أديبًا شاعرًا، له رسائل وخُطب، ونثر ونظمٌ كثير.
وسمع الحديث من عبد الرحيم بن يوسف بن خطيب المزّة، ومن محيي الدين ابن عبد الظاهر، وغيرهما.
وحدَّث، كتب عنه الفُضَلاء.
ومن نظمه، قوله شعر:
عصر الشبيبة قد ولى بأجمعه … وما عملت به شيئًا لخَلَّاقي
والحال مستصحب في اللهو وما … عن غيها بمبادي الشيب أخلاقي
أقول في قابل أرجو المتاب وقد … جرَّت يد الموت للنيران أطواقي
واضيعةَ العمر لا الماضي انتفعت به … ولا حصلت على شيء من الباقي
ولما عَثُر فتح الدين ابن عبد الظاهر ووقع، التقى الأرض بكفّه، فكتب إليه شافع: شعر
стр. 364
ما خرّ كفك نحو الأرض عن عبث … إلَّا لمصلحةٍ محمودة الأثر
لما غدا النيل لم ينزل بساحتها … أوما إليه لتُكفى منه بالمطر
وكان قد أصابته سِهَامٌ بوقعة حمص، وكُفَّ بصره، وأُجريَ عليه راتبه إلى حين وفاته.
توفي في ليلة الأربعاء، رابع عشرين شعبان، سنة ثلاثين وسبع مئة.
ومولده ليلة الجمعة، خامس عشرين ذي الحجة، سنة تسع وأربعين وست مئة.
١٦٩ - شاكر بن عبد الله بن محمد بن عبد الله بن محمد بن عبد الله بن سليمان بن محمد بن سليمان بن أحمد بن سليمان بن داود التنوخي الشيزري المعرّي، يكنى أبا اليسر (١).
قال الحافظ ابن عَسَاكِر: هو من بيت القضاء، وهو فاضلٌ، كتب الإنشاء للملك العادل محمود بن زنكي، ولد بشيزر، ونقله أبوه إلى حماة عند جده القاضي أبي المجد، فقرأ عليه الأدب وغيره من العلوم، ورحل إلى حلب، فقرأ على أبي عبد الله الحسين بن العجمي، وقدم دمشق فسكنها، فسمعتُ منه نسخة محمد بن سُلَيْم (٢) عن أبي هدبة (٣).
стр. 365
قال: وأنشدني لنفسه، وكتبَه لي بخطه وصية لأولاده، شعر:
لله محبوب ظَفِرْتُ بنظرة … منه ففاز من الفؤاد بشطره
وأقام في سوادئه مستوطنًا … لما دنَوْتُ إليه ساعة نَفْرِه
ظَفَرتْ يداي بدرة منقوشة … من وُدِّه والودُّ أنفس درِّه
مَرِضَتْ لواحظه فأعدى سقمها … حبل الوفاء لنا فجد بعذره
وسرت عقارب صدغه في ليلة … حتى إذا انكسفت بواضح فجره (١)
ولقد هجرت فكدت أهلكُ فاستعذ … بالله من ملل الحبيب وهجره
وعلمت أن الحُكم فينا نافذ … فرضيت منه بحلوه وبمره
أمحمَّد ولأنت فرعٌ أصله … من معدن الكرم العريق ونجره
خطفت أباك يد الفراق فطوَّحت … عنكم به ومحلكم في صدره
يا قرب موتاكم وبعد مزاركم … أنتم بمقلته وموضع سرّه
إن فاض مدمعه فمن نار الحشا … ينبوعها الجاري ومسبل قطره
وأبا العلاء ولست أملك عبرة … تجري الدّماء إذا هتفت بذكره
ودَّعته والقلب رهنٌ عنده … فلذاك لا يخلو به من فكره
وإذا سليمان غدت أقلامه … في طرسه تجري بمعرب نثره
أهدى إلى قلبي سرورًا كاملًا … ببلاغة في كتبه مع قُصره
إن قال أوجز في المقالة معربًا … عن ألف سطر في الكتاب بسطره
стр. 366
يرضيك أو يكفيك في قهر العدى … بلسانه وبكفه وبزجره
والمرء للوقت الذي هو فيه لا … ما قد مضى أو ما بقي من عمره
واظب على الصلوات في أوقاتها … والصوم فاجهد أن تفوز بأجره
واحذر صداقة ذي الجهالة واستعذ … بالله ﷻ من شرّه
واقطع مصاحبة اللئيم فإنها … ثقل عظيم لا تنوء بإصره
وإذا ظفرت بعالم مُتورّع … فأشدد عليه فهو أوحد عصره
لا تبكيّن على عزيز فائت … فالمرء يظهر فضله في صبره
وهي طويلة.
وله أيضًا قوله: شعر
وزائر زار لما نم عارضه … فزاد وجدي به إذ شاء في النظر
كأنما المسك والكافور وجنته … حسنًا وما هو إلَّا الخد والشعر
مهفهف القد مثل الغصن معتدلًا … يسبي العقول دلالٌ منه والخفر
أجفانه قاتلاتٌ للأنام ولا … عين لأسهمها فيهم ولا أثر
إذا شدا رافعا للصوت خافضه … شجى القلوب ولا عودٌ ولا وتر
وذكر أنه ولد بشيزر يوم الخميس ثاني عشر جمادى الأولى، سنة ست وتسعين وأربع مئة (١).
стр. 367
وتوفي في ثالث عشرين المحرم، سنة إحدى وثمانين وخمس مئة (١).
١٧٠ - شبيب بن الحسين بن عبيد الله بن الحسين، أبو المظفر القاضي (٢).
من أهل بَرُوجِرْد (٣)؛ بلدة بالجبل، تولى قضاءها.
تفقه على الشيخ أبي إسحاق الشيرازي على مذهب الشافعي، وبرع وصار إمامًا مفتيًا مناظرًا، أديبًا شاعرًا، مليح المحاورة، حلو المنطق، متواضعًا.
سمع ببغداد من شيخه أبي إسحاق، وإسماعيل بن مسعدة، وأبي نصر محمد الزينبي، وببلده من أبي يعقوب يوسف بن محمد الهمذاني، وبأصبهان من أبي بكر ابن أحمد الأبهري.
سمع منه ابن السمعاني، وأورد من شعره قوله: شعر
أمن ذكر دارٍ قد تعفَّت رسومها … بعينيك أنواء غزير همومها
وقلبٌ به من ذكر من حلَّ بالحمى … سهامُ هموم ليس تبرى كلومها
رويدًا فما ذكر الطلول بنافعٍ … لنفسك بل يزداد شجوًا وجومُها
أجدُّك هل في دار عزَّة بعدها … أنيس وأين الدَّار إلَّا رسومها
стр. 368
منها في مدح سيف الدولة صدقة بن منصور (١):
أقرَّت له الأعراب بالسبق في العلا … وفي الجود حتى طَيُّها وتميمها
إذا عدَّ أجواد الورى فإمامها … فأمَّا على التحقيق فهو كريمها
فما نفس من يفدي ويحمى تكلفًا … لنفس غدت والمجد والجود فيهما
أقول وحلم الملك يُطلق مقولي … بنطقي وأخيار الملوك حليمها
أتيناك من بُعدٍ وما العدم ساقنا … إليك ولا دنيا لديك نرومها
ولكن زمانٌ عضّنا بنيوبه … وصرف خُطوب حلَّ فينا جسيمها
حَنَانَيْك سيف الدولة ابن بهائها … فقد أضحت الدنيا وأنت زعيمها
وأنت نعيم للزمان وأهله … فدامت لك الدنيا ودام نعيمها
توفي ببغداد بعد عوده من حجّته الثالثة، ليلة الاثنين لأربع ليالٍ خلون من شهر ربيع الأول، سنة أربع وثلاثين وخمس مئة، ودفن عند شيخه أبي إسحاق.
وكان من مفاخر العراق، ﵁.
١٧١ - شبيب بن حمدان بن شبيب بن حمدان بن شبيب الحرَّاني، ينعت بالتقي (٢).
стр. 369
روى عن ابن رُوزْبه (١)، والفخر الإربلي.
كتب عنه الحافظ عبد المؤمن الدِّمْيَاطِي.
وكان فاضلًا، أديبًا، عارفًا بصنعة الكحل (٢) والطبّ.
أنشدني حفيده الفقيه العدل نور الدين علي بن عبد الرحمن بن شبيب المذكور، أنشدني جدي لنفسه، قوله: شعر
ومهفهف الأعطاف تحمل راحهُ … راحًا تُنفِّس كُربة الأرواح
صهباء تحسبها لساطع لونها … قدحت لنا النِّيرانُ في الأقدَاح
لولا شِباك جواهر نسجت لها … طارت لخفَّتها بغير جناح
وله:
ومهفهف برأ الملاحة ربُّها … فيه فأبدعه بغير مثال
فبخدّه النعمان روض شقائق … ولثغره النَّظام عقد لآل
ولَطرفه الغزَّال إحياء الهوى … وكذلك الإحياء للغزَّالي
وله:
إنِّي لأعجب وَهي شمس أشرقت … بظلام طرّتها وليل عذار
وتغيّبت بنهار شيبي إذْ بدا … والشمس منها ضوء كل نهار
وله:
стр. 370
زارني والدُّجى عليه إزار … وبعطفيه نشوةٌ وخُمارُ
مرحبا زائري أرحت جفوني … في الليالي الطّوال وهي قصارُ
رشأٌ زارني وفيه نفُور … وبجفنيه مثل قلبي انكسارُ
فرأيت البدور وهي حيارى … وشهدت الغصون وهي تغارُ
ولد بحرَّان، سنة إحدى وعشرين وست مئة.
وتوفي بالقاهرة، ليلة الاثنين ثامن عشرين ربيع الآخر، وقيل: في جمادى الأولى سنة خمسٍ وتسعين. (١).
وله "مدائح في المصطفى" (٢)، مطولة جيدة.
١٧٢ - شعيب بن محمد بن محمد بن محمد بن ميمون المريّي القاهري الدَّار، المغربي الأصل، الحجازي المولد، يُنعتُ بالشرَفِ (٣).
كان فقيهًا، شافعي المذهب، فاضلًا، أديبًا، شاعرًا، عدلًا، مقبول القول عند الحكام.
وأعاد بالمدرسة السّيفية منكو تمر بالقاهرة.
كتب عنه شيخنا أثير الدين شيئًا من نظمه، والشيخ فخر الدين اليعمري، والمحدِّث زين الدين عمر الدِّمَشْقي، وغيرهم.
стр. 371
واجتمعت أنا به كثيرًا ولم أسمع منه.
أنشدنا الشيخ أثير الدين، أنشدني شعيب بن [محمد] (١) لنفسه، قوله: شعر
هزُّوا الغصون معاطفًا وقدودا … وجلوا من الورد الجنيِّ خدودا
وتقلَّدوا فترى النحور مباسمًا … وتبسَّموا فترى الثغور عقودا
وغدا الجمال بأسره في أسرهم … فتقاسموه طارفًا وتليدا
فإذا وردن أهلَّةً وإذا سرحن … جآذرًا وإذا حملن أسودَا
وإذا لووْا زرد العذار على النّقا … جعلوا اللَّوى فوق العقيق زرودا
رحلوا عن الوادي فما لنسيمه … أرجٌ ولم أر في رباه الغيدا
وذوت غصون البان فيه فلم تمس … طربًا ولم اسمع به تغريدًا
فكأنما هم بانه وغصونه … وَظِبا رُبَاه وظله ممدودا
نصبوا على ماء العذيب خيامهم … فلأجلهم عذب العُذيب ورودَا
وتحمَّلتْ ريحُ الصَّبا من عرفهم … مِسكًا يضوع به النَّسيم وعودا
وأنشدنا أيضًا قال: أنشدنا شعيب لنفسه أيضًا، قوله:
سلوا نسيم الصبا عن لوعتي خبرا … واستخبروا البرق إن وافاكم سحرَا
يحكي خفوق فؤاد في تألقه … كما حكى ثغر سلمى باسمًا دررا
يا جيرتي لو أجرتم من صدودكم … ما رُحت منكم طليق الدمع في الأسرا
لو أنّ طيفكم كالضيف زار لما … شكا عليلكم التعذيب والسَّهرا
стр. 372
وكان يشفى غليلا من عليل أسىً … لو أن طيف الحبيب العامري سرى
وسائلٍ عن غرام قد عزمت به … وعبرة صيَّرتني في الهوى عبرا
خُذ من حديث غرامي ما تشاهده … ولا تسل عن حديث الدمع كيف جرى
في غادة صيرت قلبي أسير أسى … مكابدًا للهوى العذري ما غدِرَا
غراءَ تخجل منها الشمس إن برزت … وقامة الغصن لكن أثمرت قمرا
تبدي التغضُّب دلًّا وهي راضية … يا حسن أنسيَّةٍ كالظبي إذْ نفرا
تلين لفظًا وتبدي ما يناقضه … وتفعل الذنب أغضى عنه معتذرَا
أما وَزوْرتَها والدَّجنُ يسترها … والحلي يفضحها والطيب قد شهرا
والبدر يحسدها والنجم يرقبها … والليل رقَّت حواشيه وقد قطرا
وما بتلك الحلى من حُليها قلقًا … وما بقامتها من ردفها ضجرا
لولا التظلم من أجفان مقلتها … لم ألق للظلم في أيامكم أثرا
وأنشدني أبو الحسن علي بن إبراهيم الجزري، أنشدنا شعيب لنفسه:
يا ماطلين لقد كلَّت حروف إلى … ولن يطيق فؤادي فوق ما احتملا
تداركوا قبل أن يُقضى محبكم … وربما ندم الجاني إذا قتلا
تزايد الداء عمَّا تعهدون به … وحالَ جثمانه أمَّا هواه فلا
وأنشدني له أيضًا قوله: شعر
رعى الله أيام الشبيبة أنَّها … يروق بها صفو الهوى ويطيب
زمان ذنوبي فيه يغفرها الصبا … ولي من وصال الغانيات نصيب
стр. 373
وله:
وكيف أطمع أن أسلوا محاسنها … وأن يقيِّدني عن حبها العذل
وها يدي من شذا أعطافها عبقت … وفي فمي من بقايا ريقها عسل
وأنشدني له قوله:
يظنُّون إذ لم أبد شكواي أنني … سليم من الأوجاع خِلقٌ من البلوى
ألم يعلموا أن الضعيف لما به … إذا ما تناهى داؤه منع الشكوى
ولد ببرّ الحجاز، بموضعٍ يُسمى: قبر عنتر، في ثاني عشرين ذي القعدة، سنة ستين وست مئة.
وتوفي بالقاهرة، في أواخر ذي القعدة، سنة تسع عشرة وسبع مئة.
стр. 374
حرف الصاد المهملة
١٧٣ - صالح بن جعفر بن نفاثة بن شريف بن فضيل بن بكران بن عبيد بن يحيى البارنباهي، يُنعت بالشرف، ويكنى أبا الفضل (١).
كان شيخًا على مذهب العرب، يتعمَّمُ عمامة بحنك.
كتب عنه شيخنا أثير الدين أبو حيان.
وأنشدنا الشيخ، أنشدنا صالح لنفسه بدمياط، سنة ثمان وثمانين وست مئة، من قصيدة مدح بها المصطفى ﷺ ، منها قوله ﵁: شعر
وإني لأرجو بامتداح محمدٍ … يسارًا به حالات صالح تصلح
وتُنضي إلى ذاك الضريح أيانقًا … من البزل تعروري الفلاة وتجنح
نجائب من نسل الجديل وشَدقَم … حوامل ما فيها الفحولة تلقح
رعى البيد منها ما رعتْ منه فاغتدى … عظامًا وجلدًا فوقها يتقرَّح
إذا ثوَّب الحادي بذكر محمدٍ … تظلُّ مآقيها من الشوق تسفح
قال: وأنشدنا لنفسه في المديح أيضًا من قصيدة، منها: شعر:
وما زال في دين الإله مُجرِّدًا … سيوفًا حدادًا كلما سقيت تَظْمَا
فينثر بالآصال أوصالهم بها … وينظم بالأسحار أسحارهم نظما
بأيدي كماة صيَّروا الموت بينهم … حياة وموت المرء في أهله غُرما
وعدُّوا بقايا المال عارًا مؤبدًا … وعدوا نفاد المال في عزمهم غنما
стр. 375
شرت أنفسًا في الله هانت عليهم … وعزت بأن تلقى غداة اللقا هزما
فلو واحدٌ منهم رأى الموت نازلًا … ينازلهم لم يتق السيف والسَّهما
أبى أن يُرى يومًا عن الموت حائدًا … ولا هائبا يخشى المعايب والإثما
ومنها في مدحه ﷺ :
وخُلق رَضيٍّ ضمن خلق مكرَّم … ووجه وضيّ يما وضاءته عمَّا
عليه إله الناس أثنى ومن ينل … ثناءً من الرحمن ذاك الذي تمَّا
وقال: وأنشدنا لنفسه أيضًا قصيدة غزلية أولها قوله:
الحبُّ أفتك للرِّجال من الظُبا … فاسأل بذلك إن سألت مجرّبًا
أنا ذاك فأسأل إنني مذْ لم أزل … بالبيض والسّمر الحسان معذَّبا
كلفًا بهن مولّعًا لا أبتغي … عن مذهبات النسك يوما مذهبا
من كل ظمياء الحشا بهنانة … ريَّا الروادف طفلة ملء الخبا
ما قابلت شمس الضحى إلَّا اختفت … خجلًا ولا قمر الدجى إلَّا اختبا
الليل فاحمها وطلعتها الضحى … والنحل ريقتها وناظرها سبا
وإذا مشت تهتز من ترف الصِّبا … كالغصن حين تهزه ريح الصَّبا
وبخدّها وردٌ جنيٌ مضعفٌ … بعثت عليه من السوالف عقربا
فإذا لمست لمست منها أرنبًا … وإذا شممت شممت منها زرنبا (١)
يا ما أمرَّ ملالها ومطالها … ووصالها يا ما ألذَّ وأعذبا
стр. 376
طالبتها دينًا قديمًا عندها … فثنت به عِطفًا وهزَّت منكبا
واستضحكت عجبًا وقالت اتئد … تغدوا بجلباب الحياء متجلببا
تسموا إلى الغايات طفلًا أشنبًا … وتغازل الغادات شيخًا أشيبَا
وهجرت سعدي وهي بكرٌ كاعبٌ … وتروم وصلتها عوانًا ثيبَا
هلَّا سلكت طريقة الحبر الذي … ما زاغ عن طرُقِ الهوى متنكبَا
١٧٤ - صالح بن الحسين بن طلحة الجعفري، ينعت تقي الدين (١).
كان فقيهًا على مذهب الشافعي، فاضلًا أديبًا.
سمع الحديث بمكة من أبي الحسن ابن الخلَّال، وسمع بغيرها من جماعة.
وحدَّث، سمع منه أبو بكر بن مَسْدِي الحافظ، والحافظ عبد المؤمن الدِّمْيَاطِي، والشريف أبو العباس أحمد النقيب، وأحمد بن عبد القوي القوصي، وجماعة.
وتولى الحكم بقُوص ثم عزل، ثم تولى نظر الديوان بها، ثم عُزل، ثم تولى الحكم بها، ثم عُزل، ثم تولى الخطابة بها.
وله تصانيف منها: "الألمعة"، وكتاب "تخجيل من حرّف التوراة والإنجيل" (٢)، وكتاب "مجالس الأنس"، وكتاب "المناجاة"، وكتاب "الكبائر".
وله خطب، و"ديوان" شعر، ومَدَح الخليفة بقصيدة أولها قوله:
стр. 377
بهمَّتك البيضا ورايتك السودا … شفيت نفوس الأولياء من الأعدا
وصبرك في صون البرية دائمًا … تذود الرَّدى عنهم وآثارهم شُهَدا
وهدمك ما شاد الضلال هو الذي … بنى قبَّة الإسلام حتى علت مجدا
أمتَّ بإحياء الليالي طوائفًا … من الكفر جازوا في جهالتهم حدَّا
تبيتُ أمير المؤمنين مسهَّدا … تناجي الذي يولي أحبَّته وُدَّا
وتسأله مستمنحًا لعباده … وتتلو كتاب الله تسرده سردًا
وهي طويلة.
وكان بينه وبين العماد ابن الصّفي خطيب قوص منازعات بسبب الخطابة والحكم، فبلغني أن العماد جاء إلى مسكن القاضي، وقال: يا تقي، عُزلتَ، فقال: لا، فقال: ما أبالي.
وهجاه بعضهم، فقال: شعر
يهدّدنا صالح الصالحي … حليف دهاء ومكرومين
وليس تقيًا ولا صالحًا … ولا صالحيا ولا ابن الحسين
قال الأبيوردي (١): ولد بنفيا (٢) من عمل الغربية، سنة إحدى وثمانين وخمس مئة.
وقال ابن مَسْدِي: أخبرني أنه ولد بطندتا (٣)، سنة ثلاث وثمانين.
стр. 378
وتوفي بالقاهرة، مستهل ذي القعدة، سنة ثمان وستين وست مئة.
ورثّاه الكمال بن البرهان القوصي بأبيات منها قوله: شعر
سقى الله قبرًا ضمّ صالح رحمة … وعفوًا وغفرانًا وأمنًا ورضوانا
وبوّأه من جنة الخلد مقعدًا … يقرُّ به عينًا وجازاه إحسانا
١٧٥ - صالح بن يزيد بن علي بن موسى النفزي الرُّنْدِي، يكنى أبا الطيب (١).
أديب شاعر مجيد.
روى عنه شيخنا أثير الدين شيئًا من نظمه، وأنشدنا عنه هذه القصيدة، أولها قوله: شعر
من الظباء تروع الأسد بالمقل … وما رَمَتها بغير الغنج والكحل
من كلّ رود ترد الشمس مسرعة … وما اتقتها بغير الحلي والحلل
وربّما أقدمت والخيل محجمة … فتطعن الطعنة النجلاء بالنجل
[تلك الشموس التي قد أطلعت قزحًا … أذيالهن ولا غيمٌ سوى الكلل
وليلةٍ باللوى ما كان أطيبها … زالت معاهدها والعهد لم يزل
بتنا نساقي المنى والأنس ثالثنا … والراح من شنب والنقل من قُبَل
حتى بدت غرة للشمس مشرقة … كمثل وجه ولي العهد حين ولي
стр. 379
يا يوم سعد كأن العيد عادية … فالناس في مرح والدهر في جدل
شهدته فرأيت الأرض قد بهرت … والشمس قد سترت وجها من الخجل
وللطبول به خفق يساجله … خفق البنود على الخطية الذُبل
وله أيضًا:
ولم أنس ما الأيام لا أنس ليلة … سدلنا الدجى دون الرقيب حجبا
وبتنا ضجيعي لوعة وصبابة … كأنَّا على حكم المنى والصهبا
نرد رداء الغضب عنا بلطفه … بغصن نقًا ما كاد يحتمل الغضبا
ومن حولنا قضب بزهر تذيبها … ولم أرَ زهرًا قبلها ذوّب القضبا
ودر حباب في كوس كأنها … سماء عقيق ذائب مليت شهبا
وهبت لتوديعي فضلنا صبابة … فمًا لفم كالطير يلتقط الحبا
وعانقتها حتى تناثر عقدها … فقلدتها من أدمعي لؤلؤًا رطبا
١٧٦ - صدقة بن سعيد بن أبي السعود، ينعت بالعفيف التاجر (١).
أمنْ أجلِ برقٍ لاح من أرض بابلِ … سمحت بإجراء الدموع الهواطل
وأذكرك الأوطانَ وهنًا وميضُه … فهجتَ إلى سكَّان تلك المنازل
وأصبحت لا تصغي إلى قول عاذلٍ … وأين من المشتاق قولُ العواذل
стр. 380
وهانت فلا الصبر الجميل براجعٍ … عليك ولا الشوق الممض بزائل
تحن إلى الأفق العراقي ضلَّةً … وكم دونه من مهمه للرواحل
ولِمْ لا يهيم القلب بالبلد الذي … سحبت به ذيل النعيم المواصل
فصرت به دهرًا تولَّى نعيمه … حميدًا فأكرم بالحميد المجامل
١٧٧ - صفوان بن إدريس، يكنى أبا البحر (١).
ما هب من أرضهمُ بارقُ … إلا وقلبي مثله خافق
أو أرسلت ريح الصبا عَرفها … إلا وعندي مدمع دافق
إن لم يجد دمعي على فقدهم … فما دليلي أنني عاشق
ألفت جود الحزن من بعدهم … وبنت صبري عنهم طالق
كنت صدوق الصبر حتى نأوا … وقال حاديهم لهم فارقوا
أكذبني صبري على صدقه … عند النوى يكذبك الصادق
وقوله:
стр. 381
حمى الهوى قلبه وأوقد … فهو على أن يموت أو قد
وقال عنه العذول سالٍ … قلده الله ما تقلد
وباللوى شادن عليه … جيد غزال ووجه فرقد
علّله طرفه بخمر حتى … انتشى طرفه فعربد
لا تعجبوا لانهزام صبري … فجيش أجفانه مؤيد
أنا له كالذي تمنى عبد … نعم أنا عبده وأزيد
له علي امتثال أمرٍ … ولي عليه الجفاء والصد
وله:
يا حسنه والحسن بعض صفاته … والسحر مقصور على حركاته
بدر لو أنَّ البدر قيل له اقترح … أملًا لقال أكون من هالاته
يعطي ارتياح الحسن غصنٌ أملدٌ … حمل الصباح فكان من زهراته
والخال ينقط في صحيفة خده … ما خط مسك الصدغ من نوناته
وإذا هلالُ الأُفق قابلَ وجهه … أبصرتَه كالشَّخص في مرآتهِ
عَبثت بقلبِ عَمِيده لحظاتُهُ … يا ربِّ لا تَعْتب على لحَظاته
رَكب المآثم في انتهاب نُفوسنا … فالله يَجعلهنَّ من حَسناتهِ
ما زلتُ أخطُب للزمانِ وِصالَه … حتَّى دنا والبعدُ من عاداتهِ
فغفرتُ ذنبَ الدَّهر فيه لليلةٍ … سَترت عليَّ ما كانَ من زَلَّاتهِ
стр. 382
غَفل الزَّمان فنِلْت منه نظرةً … يا ليته لو دام في غَفَلاتهِ
ضاجعتُه واللَّيلُ يُذكي تحته … نارَيْن من نفسي ومن وَجناتهِ
فضممتُه ضمَّ البَخيل لمالِهِ … أحنُو عليه من جَميع جهاتهِ
أوثقتُه في ساعديَّ لأنه … ظبيٌ خَشيتُ عليه من فَلتاتهِ
والقلبُ يدعو أن يُصيَّر ساعدًا … ليفوز بالآمال في ضمَّاتهِ
حتَّى إذا هامَ الكرَى بجفونِهِ … وامتدَّ في عَضُديَّ طَوْعَ سِناته
عَزم الغرامُ عليَّ في تَقبيله … فنفضتُ أيدي الطَّوْعِ من عَزماته
وأبى عفافي أن أقبِّلَ ثَغره … والقلبُ مَطويٌّ على جَمَراتهِ
فاعجبْ لمُلْتَهِب الجوانح غُلَّةً … يشكو الظَّما والماءُ في لَهَواتهِ
стр. 383
حرف الضاد
١٧٨ - الضحاك بن سلمان بن سالم بن عبد الوهاب (١).
ما أنعم الله على عبده … بنعمة أوفى من العافية
وكل من عوفيَ في جسمه … فإنه في عيشة راضية
والمال حلوٌ حسنٌ جيدٌ … على الفتى لكنه عارية
وأسعد العالم بالمال من … ودَّاهُ للآخرة الباقية
ما أحسن الدنيا ولكنها … مع حسنها غدارة فانية
وله:
قد طال عن جيرة الزوراء تسآلي … وكنت أحسب أني عنهم سالي
وكيف أسلو وما ينفك يطرقني … منهم خيال غضيض الطّرف مكسال
الله يعلم أني من تذكرهم … أغصُّ في كل عذب الطعم سلسال
وأسأل الركب عنهم كيف حالهمُ … دهري وما يسألون الركب عن حالي
إني رحلت ولم ترحل محبتهم … عن الفؤاد ولا همت بترحال
يا حادي العيس عللني بذكرهم … لأن في ذكرهم برءًا لإعلالي
стр. 384
وحيِّ أطلالهم عني وإن درست … فمن هواها أُحيِّ كل أطلال] (١)
١٧٩ - [ضرغام بن عامر بن سوار الملك المنصور فارس المسلمين، أبو الأشبال اللخمي المنذري] (٢).
فقال يا مولاي شاع الخبر
فقلت دعنا من كلام البشر
حُبِّي واصلني وجديا ضنين … وارع اليمين وصير الباطل حقًا يقين
يا معشر العشاق ماليْ براح
عن أهيف الخصر هضيم الوشاح
قد صار في الحسن أمير الملاح
سميُّه القاتل للمشركين والملحدين … وذا بعجبٍ قاتل العاشقين
يا ملك ما مثله من ملك
يختال من سطوته في حُبَكْ
سنا محيَّاه كشمس الفلك
стр. 385
نداه كالغيث على الواردين والقاصدين … فلا خلا يومًا من الحاسدين
وغادة ما مثلها في البشرْ
لمَّا رأته مزمعًا للسَّفرْ
غَنَّته لما أن بدا كالقمرْ
عوَّذت بالله من الحاسدين … والناظرين ورَدَّك الله من السالمين
وذكره أبو القاسم الصفراوي في كتابه "زهر الرياض"، وقال: توفي بالقاهرة قتيلًا في شهر جمادى الآخرة (١)، سنة تسع وخمسين وخمس مئة.
стр. 386
حرف الطاء المهملة
١٨٠ - طه بن إبراهيم بن أبي بكر بن قزُل بن شيرك بن أحمد بن بختيار الإربلي الهذباني، المنعوت بالجمال، المكنّى بأبي محمد (١).
كان فقيهًا شافعيًا، أديبًا شاعرًا، صوفيًا.
تولَّى القضاء، ثم تركه وانقطع بالخانقاه بالقاهرة إلى حين وفاته.
وحدَّث عن أبي عبد الله محمد بن عماد الحرَّاني.
سمع منه الأبيوردي، وابن مَسْدِي، والحافظ الدِّمْيَاطِي، وشيخنا أبو الفتح محمد بن أحمد الكيدي الدشنائي.
أنشدنا الدَّشْنَائي إجازة، أنشدني طه لنفسه قوله:
البيض أفتك بالحشا … وبمهجتي منها الحسان
والسّمر إن فتكت … فمن بيض يصاغ لها السّنان
قال: وأنشدنا أيضًا لنفسه، قوله في الدُّوبيت: شعر
لمَّا لمعت لنا قباب القوم … ناديت أحقًّا أم أنا في النوم
يا عين ليهنك التلاقي بهم … لا عيب على الزمان بعد اليوم
стр. 387
قال: وأنشدنا أيضًا لنفسه، قوله:
غنَّت فأجاب شدوُها المزمار … ألحانُ شجٍ لنا بها أوْطارُ
ما أحسب إلَّا أنَّ في نغمتها … ألحانَ هوىً تهيجها الأوتَار
وقال الحافظ الدِّمْيَاطِي: أنشدني طه لنفسه:
دع النجوم لطُرقيٍّ يعيش بها … وبالعزائم فانهض أيها الملك
إنَّ النبي وأصحاب النَّبي نهوا … عن النجوم وقد أبصرت ما ملكوا
استكتبه القاضي السنجاري وولاه بلبيس قاضيًا، وعزله، وفي ذلك يقول:
نَفْس لا تأسفي على حكم بلبيس … فذا العزل رافعٌ لك راية
ما ضمنت القضاء خوفًا من الله … فعزلي في مثل هذا ولاية
قال ابن مَسْدِي: وبلغني أنه ترك صحبة السنجاري، وانقطع على حالة حسنَة إلى حين وفاته، ومولده تقريبًا سنة خمس وتسعين وخمس مئة.
وذكر بعضهم أنه وُلد بإربل سنة أربع.
وتوفي بالشارع خارج القاهرة، يوم الثلاثاء الثاني والعشرين من جمادى الأولى، سنة تسع وسبعين وست مئة، ﵀.
стр. 388
حرف الظاء
١٨١ - ظافر بن نصر بن ظافر بن هلال المصري المولد، الحموي المحتِد، المنعوت بالكمال، الفقيه الشافعي (١).
كان رئيسًا فاضلًا، مفتيًا مدرِّسًا.
وولي وكالة بيت المال بالديار المصرية.
روى عن مكرم بن أبي الصَّقر، وابن باقا.
سمع منه الحافظ عبد المؤمن الدِّمْيَاطِي، وجماعة.
وله نظم جيّد ونثر حسن، وكانت له منزلة عند السلطان العادل أبي بكر، وعند أخيه الصالح أيوب، ووصَّى الصَّالح بالوصيَّة به، وأن لا يُغَيَّر عليه شيء من مناصبه إلى حين وفاته.
وكان لا يمكنه إمساك الرِّيح، فكان يخرجه في مجلس السلطان ويُغتفر له ذلك، ومضى على جميل.
ومولده بمصر في ثاني صفر، سنة إحدى وست مئة.
وتوفي يوم الجمعة.
وقال البِرزَالي: يوم السبت بعد العصر، سابع عشر ذي قعدة سنة سبعٍ وسبعين وست مئة (٢).
стр. 389
حرف العين المهملة
١٨٢ - عبد الله بن أحمد بن أحمد بن أحمد بن عبد الله بن نصر، المعروف بابن الخشَّاب (١).
كان إمامًا في النحو، وقيل عنه: إنه في درجة أبي علي الفارسي، وله معرفة بالحديث والفقه، والمنطق والفلسفة، والحساب، والهندسة، وغير ذلك من العلوم والفنون.
سمع الحديث من أبي القاسم علي بن الحسين الرَّبعي، وأبي الغنائم النرسي، وأبي الثناء، ومن ابن السمرقندي، وجمع، وقرأ العالي والنازل، وكتب بخطه كثيرًا من سائر الفنون، وحصَّل الأصول، وما مات أحد من الشيوخ إلَّا واشترى من كتبه، فحصل له من الكتب والأجزاء أشياء كثيرة.
سمع منه الكبار والأعيان، وأخذوا عنه علم العربية، وتخرج عليه جماعة في النحو والأدب، وكان قد تأدب على أبي منصور الجواليقي، وغيره، وقرأ الحساب والهندسة على أبي بكر محمد بن عبد الباقي، وقرأ الفرائض على أبي بكر المَزْرَفي (٢).
стр. 390
وكان ثقة في الحديث صدوقًا حُجَّة نبيلًا، وكان متهتكا متبذلًا، قليل المبالاة بحفظ ناموس العلم، يلعبُ بالشطرنج على الطريق مع العوامّ، ويقف على حلق المشعبذين وأهل اللهو، كثير المزاح، مُبخَّلًا على نفسه في لبسه ومطعمه وعيشه.
وصنَّف كتبًا منها: "المرتجل في شرح الجمل" (١)، و"الرد على ابن بابشاذ" في شرح الجمل، و"الرد على الخطيب التبريزي" في تهذيب إصلاح المنطق، وله أيضًا: "الردّ على الحريري" في المقامات (٢)، وله ثلاث مجلدات، شرح فيها إلى باب النداء من لمع ابن جني، و"شرح مقدمة ابن هُبَيرة" في النحو، فقيل إنه وصله عليها بألْف دينار.
قال ابن السمعاني: سألته عن مولده؟ فقال: أظنه في سنة اثنتين وتسعين وأربع مئة.
وله نظم، منه قوله في الشمعة: شعر
صفراء من غير سقام بها … كيف وكانت أمها السَّاقيه
عارية باطنها مكتسٍ … فاعجب لها عارية كاسيه
وله:
أسبلت للعيون درًّا فلما … جال فوق الخدود عاد عقيقًا
وشُموس ودَّعن عند التلاقي … فكأن الغروب عاد شروقًا
وله في لغز كتاب:
وذي أوجه لكنه غير بائح … بسرٍّ وذو الوجهين للسرِّ يُظهر