قل لي نعم قد ضجرت من لا … وضاع مني بها الزمان
فارجع إلى الله من قريب … فبعض ما قد جرى كفاك
من دمع عيني ومن نحيبي … وادي الحمى أنبت الأراك
والله ما كنت في حسابي … وإنما عشقك اتفاق
ولا أنا من ذوي التّصابي … فَلِم دمي في الهوى يراق
وكَّلت بي تبتغي عذابي … بالصدّ والهجر والفراق
ثلاثة قد غدت نصيبي … يا ليتها لا عدت عداك
فإن تكن ترتضي الذي بي … فإن كل المنى رضاك
إن طال وجدي وزاد شوقي … فإنني عاشق صبور
اسمع حديثي بقيت بعدي … أنا وحق النبيِّ غيور
ما أشتهي أن يكون ضدّي … يمشي حواليك أو يدور
كأنما شخصه رقيبي … ملازمي عندما أراك
يسعى إلى الناس في مغيبي … يقول هذا يحب ذاك
وله موشحة أيضًا، أولها قوله: شعر
يا لائمي في الهوى كفاني … فعدِّ عن بعض ذا الملام
لم لا تلوم الذي جفاني … وصدَّ عن جفنيَ المنام
هواك من أشكل المسائل … كم حار في شرحه فقيه
стр. 422
وفيه ما تنفع الوسائل … أخشاه جهدي وأتَّقيه
وكم عتاب وكم رسائل … أعدُّها حين ألتقيه
أهتزّ من نشوة العيان … كأنما لحظه مدام
وتعتري سكتة اللسان … أصير لا أفصح الكلام
أقسام هجرانه كعشقي … ماض ومستقبل وحال
خاطرت في حبّه بنطقي … إذ قلت لا بدّ من وصال
أخلصت عزمي له وصدقي … وقد تعرضت للسؤال
عسى بعين الرّضى يراني … من غير عُجب ولا احتشام
يبدِّل البعد بالتأني … وعبسة الوجه بابتسام
وهي طويلة.
توفي في شهر رمضان، سنة ثلاث وتسعين وست مئة بالقاهرة.
١٩٦ - عبد الله بن عمر بن موسى أبو محمد البَسْكري (١).
كان فاضلًا عالمًا، مشهورًا بالرواية والنزاهة والصيانة، ممّن يُزار وتتبرّك به الزوار.
استوطن المدينة النبوية على صاحبها أفضل الصلاة والتسليم، راجيًا ثواب الله العظيم، متشفعًا بذاك النبيّ الكريم، فصار بإقامته بها وجيهًا إلى أن آتته منيّته فيها.
стр. 423
وكان له حظ من نظم القريض، ومدح صاحب الجاه العريض.
أنشدني عنه بعض أصحابنا قصيدته التي أولها، قوله: شعر
دار الحبيب أحقُّ أن تهواها … وتحنُّ من طربٍ إلى ذكراها
يقول منها: شعر
إني اهتديت من الكتاب بآية … فعلمت أن عُلاه ليس يضاهى
ورأيت فضل العالمين محدّدًا … وفضائل المختار لا تتناهى
ماذا يقول المادحون بحق من … قال الإله له وحسبك جاها
إن الذين يبايعونك إنما … في ما يقول يبايعون الله (١)
توفي ليلة السبت، ثامن شهر الله المحرم، سنة ثلاث عشرة وسبع مئة.
١٩٧ - عبد الله بن محمد بن أحمد بن خالد بن محمد بن نصر بن صغير القرشي المخزومي بن القيسراني، المنعوت بالفتح (٢).
كان فاضلًا أديبًا، كتب الإنشاء، ووزر بدمشق.
وسمع الحديث بحلب من ابن رواحة، وابن خليل.
стр. 424
وبمصر من العلّامة أبي الحسن هبة الله، والسّاوي، وابن الجبّاب.
وصنّف "أسماء الصحابة الذين في الصحيحين" (١)، في مجلدين وترجم لهم، وروى عنهم من حديثهم بإسناده.
وحدّث، سمع من الحافظ الدِّمْيَاطِي، وهو آخر شيوخه موتًا، وكتب عنه الناس.
من نظمه، قال صاحبنا الفاضل الحافظ أبو الفتح ابن سيّد الناس: أنشدني لنفسه قوله:
بوجه معذّبي آيات حسن … فقل ما شئت فيه ولا تحاشي
ونسخة حسنه قرئت وصحّت … وها خطّ الكمال على الحواشي
ولد بدمشق، في يوم الأربعاء من عشر شوال، سنة ثلاث وعشرين وست مئة.
وتوفي بالقاهرة، في يوم الخميس خامس عشرين شهر ربيع الآخر، سنة ثلاث وسبع مئة، وأصله من قيسارية الشام.
١٩٨ - عبد الله بن محمد بن السِّيْد أبو محمد البَطَلْيَوْسِي (٢).
стр. 425
كان عالمًا بالنحو واللغة والآداب، عارفًا بالمعقولات.
تصدّى ببلنسية للإقراء، وكان حسن التعليم، وقصده الناس، وقرأ عليه الجمّ الغفير.
روى عن أخيه علي، وأبي بكر عاصم بن أيّوب الأديب، وأبي سعيد الورّاق، وأبي علي الغسّاني، وغيرهم.
وألّف كتبًا، منها: كتاب "الاقتضاب في شرح أدب الكتاب" (١)، تصنيف ابن قتيبة، وكتاب "التنبيه في الأسباب الموجبة لاختلاف الأئمة" (٢)، وكتاب "شرح موطّأ الإمام مالك" (٣)، و"شرح الجمّل" للزجّاجي (٤)، و"شرح ديوان المعرّي" (٥).
ونقد عليه ابن خُلْصَة النحوي شرح أدب الكاتب، وذكر أنه سرقه من غيره، وخطّأه وجهّله، وقذفه ابن السيّد، فطلبه ابن خلصة للقاضي ليدّعي عليه، فهرب.
ووقع بينه وبين ابن الصّائغ بحث في قول الشاعر: شعر
وأنت التي حبّبت كل قصيرة … إليّ ولم تشعر بذاك القصائر
عنيت قصيرات الحجال ولم أرد … قصار الخطى شرّ النساء البحاتر
стр. 426
هل: شر النساء مبتدأ، والبحاتر الخبر، أو العكس، وصنف كل منهما في ذاك تصنيفًا.
وذكره ابن بشكوال وعظّمه، وقال: كان ثقة حافظًا متبحرًا في اللغة والآداب، قيّمًا بمعرفتهما، وله نظم، قال: أنشدني صاحبنا محمد بن يوسف، قال: أنشدني ابن السيّد لنفسه، قوله: شعر
أخو العلم حيٌّ خالدٌ بعد موته … وأوصاله حيث التراب رميم
وذو الجهل ميتٌ وهو ماشٍ على الثرى … يظنُّ من الأحياء وهو عديم (١)
قال: وأخبرني الشيخ الفقيه أبو بكر يحيى بن محمد بن زيدان بقرطبة، قال: كان ابن السيّد عندنا بقرطبة في مدة ابن الحاج صاحب قرطبة، وكان كاتب ابن الحاج يسمّى عليًّا، وكان ولي التدبير وعليه تدور الأمور، وكان له بنون ثلاثة، أحدهم اسمه عزون، والآخر رحمون، والآخر حسُّون، وكانوا صبيانًا في حدّ الحلم، وكانوا من أجمل الناس صورة، وكانوا يقرؤون على المقرئ بالجامع، وكان ابن السيّد قد أولع بهم ولا يمكنه صحبتهم، إذ كان من غير صنفهم، فكان يجلس تحت شجرة في الجامع ومعه كتاب يقرأ فيه، ويتحيَّن وقت دخولهم وخروجهم ليلحظهم، لم يكن له حظ منهم غير ذلك، فقال فيهم، قوله: شعر
أخْفيتُ حبيَ حتّى كاد يُخفيني … وهمتُ في حبِّ عزُّون فعزُّوني
ثم ارحموني برحمون فإن ظمئتْ … نفسي إلى ريق حسّون فحسُّوني
ثم خاف على نفسه أن تشيع عنه، فهرب من قرطبة، ودخل بلنسيّة، فاستوطنها إلى حين وفاته، وألف تآليفه بها.
стр. 427
وكانت وفاته في منتصف رجب، سنة إحدى وعشرين وخمس مئة.
ومولده سنة أربع وأربعين وأربع مئة.
١٩٩ - عبد الله بن محمد بن الحسين بن نَاقِيَا الفقيه الحنفي، المعروف بابن البَنْدَار (١).
كان فاضلًا أديبًا، عذب الألفاظ، مليح المعاني، متقنًا لما يعاني.
صنَّف تصانيف مفيدة في فنون، وصنع "مقامات أدبية" (٢)، وله كتاب "الجمان في تشبيهات القرآن" (٣)، و"ملح المكاتبة في الرسائل"، و"شرح الفصيح" (٤)، و"ملح الممالحة"، و"أغاني المحْدَثين".
وكان مستورًا في عقيدته (٥)، وكان كثير الهزل والمجون، ومضى على جميل.
стр. 428
قال أبو الحسن الدهَّان: دخلت عليه لأغسّله فوجدت يده اليسرى مضمومة، فاجتهدت في فتحها، فإذا فيها كتابة، فتمهلت حتى قرأتها، فإذا فيها مكتوب: شعر
نزلت بدار لا يخيّب ضيفها … أُرَجِّي نجاتي من عذاب جهنم
وإني على جرمي من الله واثق … بإنعامه والله أعظم منعم (١)
توفي رابع المحرّم، سنة خمس وثمانين وأربع مئة.
٢٠٠ - عبد الله بن محمد بن عسكر بن مظفَّر بن نجم بن شادي بن هلال الطائي القيراطي، ينعت بالشرف، ويكنى أبا محمد، الفقيه الشافعي الأديب (٢).
سمع الحديث من الحافظ عبد المؤمن الدِّمْيَاطِي، والإمام أبي الفتح محمد بن علي بن وهب القشيري، وقاضي القضاة أبي عبد الله محمد بن إبراهيم الكناني، وغيرهم.
ورحل إلى الإسكندرية، فسمع بها من الموجودين في سنة سبع مئة، وقرأ الأصول على الشيخين الباجي، والخطيب الجزري، وقرأ العربية على الأستاذ أبي حيان.
وولي القضاء بالمنوفية، وبدمياط، وبسيوط، ودرّس بالمدرسة السنجارية المجاورة لضريح الإمام الشافعي، وبمشهد السيدة نفيسة، وأعاد بالمدرسة القُطبية، وبـ[قبّة] (٣) الشافعي، وترك القضاء، فطلب لقضاء حلب، فبكى بين يدي السلطان وسأل إعفاءه، وعيّن لقضاء الغربية فلم يجب، وقال لي: ما بقيت أدخل في القضاء، فإني ما وجدت فيه خيرًا.
وله نظمٌ جيّدٌ، ومدح المصطفى بقصائد، ونقلت من خطّه هذه القصيدة التي أولها،
стр. 429
قوله: شعر
حمامٌ بدا فوق الغصون مغرّدا … فهيَّح شوقًا في الفؤاد وجدّدا
وذكرني عهدًا تقادم عهده … نفى ذكره طيْبَ الرُّقاد وشرَّدا
ليالٍ قطعناها بطيْبةَ لم نخف … رقيبًا ولا نخشى على الوصل حُسَّدا
وهي طويلة، ونقلت من خطّه أيضًا يرثي ولده: شعر
يا دارهم باللّوى حييت من دار … ولا تعدّاك صوب العارض السّاري
تُرى تعود ليالينا بقربهم … قبل الممات ونقضي فيك أوطاري
ودَّعتُ طيب حياتي يوم فرقتهم … فالطّرف في لجةٍ والقلب في نار
لله عيش مضت أيّامه هدرًا … لم يبق فيها سوى أوهام تذكار
وهي طويلة.
ومدح شيخنا أبا حيان بقصيدة جيدة.
وكان كثير المحفوظات في الأدب والتاريخ، وعلى ذهنه في التفسير أشياء حسنة ومُلح مستحسنة، ومضى على جميل وسداد.
وتوفي بالقاهرة، في ليلة يُسْفِرُ صباحها عن ثاني عشرين شهر ربيع الآخر، سنة تسع وثلاثين وسبع مئة.
ومولده ببلبيس سنة اثنتين وسبعين (١).
стр. 430
٢٠١ - عبد الله بن محمد بن عبد الله بن الحسن بن علي بن أبي القاسم صدقة بن حفص، أبو الصّلاح ابن أبي المكارم الصفراوي، ينعت بالمحيي، ويعرف بابن عين الدّولة (١).
سمع الحديث من ابن باقا، وغيره.
وحدّث بمصر، سمع منه حصوان، وغيره.
وتفقّه على مذهب الشافعي، وولي القضاء بمصر والوجه القبلي سنة خمس وستين وست مئة، وكان السَّاعي في عدالة الصّاحب بهاء الدين في ولاية أبيه، فصار يرعاه، وكان محسنًا إلى طلبة العلم، كان الصّاحب بهاء الدين إذا ثَقَّل عليه في تعديل شخص عَدَّل معه طالبًا من الفقهاء، ويقول: هذا يجبر هذا: ﴿خَلَطُوا عَمَلًا صَالِحًا وَآخَرَ سَيِّئًا عَسَى اللَّهُ﴾ (٢).
وكانت سيرته في القضاء جميلة، وكان شديد البأس جَبَّاهًا.
حكى لي الشيخ تقي الدين المقرئ الشهير بالصائغ، وكان إمام ابن عين الدولة هذا وقارئ الميعاد بين يديه، قال: وكان الشيخ تقي الدين ابن رزين قاضي القاهرة والوجه البحري، وابن عين الدولة هذا قاضي مصر والوجه القبلي، فقريء يومًا بحضرتهما أسجالا على ابن رزين، وذكروا نعوته، ثم ذكروا من نعوت أبيه القاضي، فقال له ابن عين الدولة: أبوك كان قاضيًا؟ فقال: لا، فقال: فكيف تُقِرّ الكاتب على الكذب في أسجالك؟ قال: وكان إذا طلب العلامة الوجيه البهنسي يقول: اطلبوا ابن حسين، وأشياء شبه ذلك.
стр. 431
ومضى على جميل، وكان قد حصل له فالج، فأقام مدة، وكاتبه يعلِّم عنه، ثم أقعد وصرف عن القضاء، وأقام سنين، ثم توفي.
ومولده سنة سبع وتسعين وخمس مئة.
وتوفي بمصر، عشية السّبت خامس رجب، سنة ثمان وسبعين وست مئة.
٢٠٢ - عبد الله بن محمد المرجاني، يكنّى أبا محمد الفقيه المالكي الصوفي (١).
قدم مصر، وعقد مجلسًا للوعظ والتذكير، وانتاب مجلسه العلماء والوزراء والأمراء والكبراء، وكان مشهورًا بالصلاح والزهادة، ويقرئ مذهب الإمام مالك.
وله معرفة بالكلام وتفسير الكتاب العزيز على طريقة التصوّف، ورأيت له "كلامًا على سور وآيات من القرآن" (٢)، وتكلم على سور، وعلى الأحاديث على عادة من فيه فضيلة من الصّوفية، غير متوقف على مدلولات الألفاظ اللغوية، والقوانين العربية، والقواعد الفقهية.
وأخبرني بعض أصحابنا الثقات أنه حضر مجلسه، فذكر قوله ﷺ : "من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم ضيفه ولا يؤذي جاره". الحديث (٣)، فقال: الضيف اليوم،
стр. 432
والجار الملك، والقاصد المنادي إلى الصلاة، وشبه ذلك من المقالات التي أكثرها جهالات وضلالات تقدّمه غيره إليها، ولا يعوّل ذو علم عليها.
قال الإمام أبو الحسن الواحدي: صنّف أبو عبد الرّحمن السُّلمي كتابًا سمّاه: "حقائق التنزيل" (١)، فإن أراد به تفسيرًا لكتاب الله فهو كُفْر، وإن أراد ضربَ أمثال وأشباه ذلك فقريب.
وقدم المرجاني قوص، وحجّ وزار، وعاد إلى تونس، فتوفي بها في سنة تسع وتسعين وست مئة.
٢٠٣ - عبيد الله بن الحسين الصّعيدي (٢).
أديبٌ شاعر، حدّث بشيء من شعره.
روى عنه أبو الحسن علي بن هبة الله بن عبد الصمد الكاملي سنة أربع وخمسين وخمس مئة، وقال: وأنشدنا لنفسه قوله: شعر
يُجْني ويَعلم ما يجني وينكره … والقلب يعذله حينًا ويعذره
ومن أياديه عندي جمّة فعلى … ظلمي يؤيده قلبي وينصره
وكلّما قلت إن العتب يعطفه … رأيته بما هو آتي يذكِّره
فعدت للدّهر بالعتبى أعنّفه … جهلا لتعيير مولىً كنت أذخره
وكان من قولهِ ليْ وهو يهزأُ بي … من ذا الذي فيَّ لا يخشى تغيره
فأيُّ دهرِ وفاءٍ لست أندبه … وليلِ هجرِ خليلٍ لست أسهره
стр. 433
والدّهر حين ثنى مني العنان إلى جدواك لم يأت شيئًا لست تأمره
يا من تماثل أولاه وآخره … في المجد واستصغر الأخبار مخبره
أصبحت تلزمني ذنيّا تُسَتِّره … بغيره ولسان الحال يظهره
ونحن في زمن قد زال ريُّقه … عنّا وعمرٍ قصير مرَّ أكثره
٢٠٤ - عبد الحق بن إبراهيم بن محمد بن نصر بن محمد بن نصر بن محمد بن سبعين، ينعت بالقطب، ويكنى بأبي محمد الرُّقُوطي (١).
ورُقُوط: حصن من عمل مرسية.
كان فاضلًا في فنون، وله نظمٌ وتفلسفٌ وتصوّف، وجرى على طريقة غُلاة الصوفية، فنُسب إلى الزندقة.
وصنّف كتابًا سمّاه "البُدّ الأكبر" (٢)، وآخر سمّاه: "البدّ الأصغر"، ونُسبت إليه معرفة بالسّيمياء والشعبذة، وحفظ عنه كلام غريب.
من قوله: نَصَبتُ قُبّتي بإزاء الحق، فضمّني ضمّة، فغبت عن مشاهدة إياي، فلما سيبني ناديت سبحاني ما أعظم شاني.
стр. 434
وقوله: لقد زرَّب ابن آمنة على نفسه، حيث قال: "لا نبيَّ بعدي" (١).
والعجب أن يُعتقد في شخص يقول هذا الكلام بالإسلام، فكيف بالصّلاح، ومن يصدر منه مثل ذاك بعيد عن صدور توبة أو حصول فلاح، وله أصحاب يُنسبون إليه ويعولون عليه، وكثير من العوام الأغمار مغترٌ بما أتيح له من أعمال الأخيار، وبعض من فيه فضيلة، وله في القول بالحلول أوطار، استحوذ عليهم الشيطان فأوردهم النّار وبئس القرار.
وسمعت شيخنا قاضي القضاة أبا عبد الله محمد بن إبراهيم بن سعد الله بن جماعة يقول: سمعته يتكلم زمانًا طويلا بكلام تفهم مفرداته ولا تفهم مركباته.
وحكى لي شيخنا أبو حيّان أن الشيخ تقي الدين القشيري قال له مثل ذلك.
وكان بعض تلامذته عندنا بأدفو متخرقًا، ويقال له: حج، فينشد ويغنّي بقوله:
من زار ومن لا يزور … من ذا يقبّل الصخور
وكان يعرف بمحمد الخارجي.
وكان ابن سبعين مرتاض النفس؛ حكى لي عيسى بن إسحاق الإسنائي قال: رأيته بمكة جالسًا وقد قدم شخصٌ من المغاربة، فضربه ضربًا كثيرًا وهو ساكت، وأراد بعض الحاضرين منعه، فأشار أن لا يمنع، حتى تركه ومضى.
وأقام بمكة سنين، وذكر عنه أنه أظهر لسلطانها أبي نُمَي شيئًا من الشعبذة ومن
стр. 435
الكيمياء، فأكرمه ورعاه، واستمرّ فيها حتى توفي بها في ثامن عشرين شوّال، سنة تسع وستين وست مئة.
ومولده سنة أربع عشرة وست مئة.
٢٠٥ - عبد الحق بن أبي علي بن حسّان المرسي، يكنّى أبا العلاء (١).
قال ابن سعيد: هو من بيت معروف بالحسب، موصوف بالكتابة والأدب، وأمه بنت العلامة أبي محمد عبد الحق بن عطية، فجمع أبو العلاء هذا بين صفتي أبيه وجدّه حتى خرج في العلوم القديمة من الطب والفلسفة وغيرهما نسيج وحده، وكان أديبًا بارعًا ناظمًا ناثرًا.
قال: وقد رأيته بإشبيلية وقد قذفَت به تلك الفتن التي اضطرمت نيرانها، ثم سكن الجزيرة الخضراء، وكتب إلى أبي عمران من نظمه، قوله: شعر
يا أبا عمران دعني والذي … لم يمل بي خاطري إلا إليه
ما نديمي غير من يخدمني … لا الذي يجلسني بين يديه
يرفع الكُلفة عنّي ويرى … أنها واجبة منّي عليه
وقال: إنه توفي بمراكش، سنة إحدى وأربعين وست مئة (٢).
стр. 436
٢٠٦ - عبد الحق بن غالب بن عبد الرحمن بن غالب بن عطية بن غالب بن عطية بن تمام بن عبد الرؤوف بن عبد الله بن تمّام بن عطية الغرناطي، أبو محمد القاضي الفقيه المالكي المفسر (١).
روى عن أبيه الحافظ الجليل غالب، وأبوي علي الغسّاني والصّدفي، وأبي عبد الله محمد مولى الطلّاع، وأبي المطرف الشعبي، وغيرهم.
وكان عارفًا بالأحكام والتفسير والحديث، أديبًا بارعًا نحويًا شاعرًا لغويًا، ضابطًا أصوليًا، ولي قضاء المرية، فتوخى العدل والحق وأعزّ الشرع.
وكان متوقّد الذهن، صنّف "التفسير" (٢) فأحسن فيه، حتى قيل عنه: تاج المفسرين.
وله شعر حسن الديباجة، فمنه قوله: شعر
سقيًا لعهد شباب ظَلْتُ أمرح في … ريعانه وليالي العيش أسحار
أيّام روض الصبا لم تذوِ أغصنه … ورونق العمر غضٌّ والهوى جار
والنفس تركض في تضمير شرَّتها … طرفٌ له في رهان اللهو إحصار
عهد كريم لبسنا منه أردية … كانت عيوبًا ومُحَّت فهي آثار
стр. 437
مضى وأبقى بقلبي منه نار أسىً … كوني سلامًا وبردًا منه يا نار
أبعد أن نقهت نفسي وأصبح في … ذيل الشباب لصبح الشيب إسفار
ونازعتني الليالي فانثنت كبرًا … عن ضيغم ماله نابٌ وأظفار
إلا صلاح خلال أخلصت فلها … في منهل المجد إيرادٌ وإصدار
أصبو إلى خَفْض عيش ماؤه خضلٌ … أو يثني بي عن العلياء إقصار
إذن فعطّلت كفّي من شبا قلم … أثاره في رياض العلم أزهار
همّي من العيش ودٌّ طاب مورده … ولم تشب صفوه للنقص أكدار
ومن سناكم أبو إسحاق طالعني … منه هلال له في النَّفس إبدار
ألظَّ بالقلب يسري منه في أفق … هالاته فيه إجلال وإكبار
نورٌ ألمَّ به من بعدكم حلكٌ … كالرّاح حفّ بها في دنها القار
لئن تمطّى بجور الليل مرتقيًا … لقد أنارت به للكتب أقمار
وإن عدانا بعادٌ عن تزاورنا … فإننا ببنات الفكر زُوَّار
وله من أبيات، قوله: شعر
نرجسٌ باكرت منه روضة … لذَّ قطع الدّهر فيها وعذب
جنت الرّيح بها خمر حيا … رقص النبت لها ثم شَرب
فغدا يهتزُّ عن وجنته … نوره الغض ويهتز طرب
خلت لمع الشمس في مشرقه … لهبًا يحمل منه ماء لهب
стр. 438
وبياض الصبح في صفرته … نقط الفضة في خطّ الذّهب (١)
وذكره الفتح ابن خاقان في "القلائد" (٢)، وذكر نبذة من نظمه ونثره (٣).
ولد سنة إحدى وثمانين وأربع مئة.
وتوفي في الخامس والعشرين من شهر رمضان، سنة اثنتين في ما قاله الحافظ المقدسي، وقال غيره: إحدى وأربعين وخمس مئة (٤)، بمدينة لورقة، ﵁.
٢٠٧ - عبد الحكم بن [أبي] (٥) إسحاق بن إبراهيم بن منصور بن المسلم المصري، يعرف بابن العراقي الفقيه الشافعي الأديب (٦).
تولّى الخطابة بجامع مصر، وناب في الحكم بها، وله نظم حسن، واشتغل بالفقه على أبيه، وقيل: إنه كان ينشئ لكلّ جمعة خطبة، وحدّث بشيء من شعره.
سمع منه الحافظ المنذري وقال: أنشدني لنفسه، وذكر أنه عملها بحلب، وقد رأى
стр. 439
رجلًا وجب عليه القتل، فرماه رجل بسهم فأصاب كبده فقتله، فنظم قوله فيه: شعر
أخرجت من كبد القوس ابنها فغدت … تئنّ والأمّ قد تحنو على الولد
وما درت أنها لما رميت به … ما سار من كبد إلا إلى كبد
وأورد ابن سعيد من نظمه قوله:
نفسي فداؤك كم أموت معذّبا … في مقلتيك ووجنتيك وثغركا
ما قلت أصبح بي الصباح بوجهه … إلّا انثنيت إلى الدجى من شعركا
وأورد له أيضًا قوله: شعر
قامت تطالبني بلؤلؤ نحرها … لما رأت عيني تجود بدرّها
وتبسمت عجبا فقلت لصاحبي … هذا الذي اتهمت به في ثغرها (١)
توفي سحرًا ثامن عشرين شعبان، سنة ثلاث عشرة وست مئة.
ومولده ليلة الأحد، سابع عشر جمادى الآخرة، سنة ثلاث وستين وخمس مئة.
٢٠٨ - عبد الحميد بن عبد المحسن الكتامي الأسيوطي (٢).
كان أديبًا شاعرًا مجيدًا.
ذكره ابن سعيد، وأورد من نظمه قوله: شعر
والرّوض قد راض الخواطر عندما … ركضت خيول الغيث في جنباته
стр. 440
قد أشرع الأغصان أرماحًا وقد … نشر الشّقيق هناك من راياته
وترنّحت أغصانه بنسيمه … لتشاجر الأطيار في شجراته
كتب الغمام به سطورَ منمِّق … في خطّه ودواته من ذاته
ورأت طيور الدّوح حسن كتابه … فغدت له همزًا على ألفاته
٢٠٩ - عبد الحميد بن عيسى، المنعوت بالنجم، كنيته أبو محمد الخُسْرَوشاهي الفقيه الشافعي الأصولي (١).
سمع من المؤيد الطوسي، وقرأ الأصول على الإمام فخر الدين ابن الخطيب.
وبرع وصنّف (٢)، وكان عالمًا بالمعقولات.
ولد بخُسْرَوشاه (٣) سنة ثمانين وخمس مئة.
وتوفي بدمشق، في الخامس والعشرين من شوال، سنة اثنتين وخمسين وست مئة.
стр. 441
٢١٠ - عبد الحميد بن هبة الله بن محمد بن محمد بن حسين، ينعت بالعزّ، ويعرف بابن أبي الحديد المدائني (١).
كان عالمًا بفنون كثيرة من العلوم الحديثة والقديمة، وكان ينسب إلى الاعتزال.
وصنَّف كتابًا سمّاه "الفلك الدَّائر على المثل السّائر".
وله نظم بديع وأدب يُشيعُه ذو الفضل ويذيع.
أورد ابن سعيد له قوله هذه الأبيات: شعر
لو كنتَ ممّن يندب الأطلالا … لبكيتَ ربعًا بالغوير مدالا
جرت الرّياح على عهود رسومه … وعليه صال حيا الغيوم وسالا
يا ريح أين أحبّتي ما بغيتي … إلا همُ ولذا أطلت سؤالا
ولد بالمدائن، يوم السبت مستهل ذي الحجة، سنة ستّ وثمانين وخمس مئة.
وتوفي ببغداد، سنة خمس وخمسين وست مئة.
وقيل: توفي بعد أخيه الموفّق بأربعة عشر ليلة في سنة ستّ، رَحِمَهُ اللَّهُ تعالى.
стр. 442
٢١١ - عبد الرحمن بن إبراهيم بن سباع الفزاري ثم الدِّمَشْقي، ينعت بالتاج، ويشهر بالفِرْكَاح الفقيه الشافعي (١).
كان فقيهًا نظارًا متفنّنًا.
سمع الحديث، وحدّث بدمشق عن ابن اللتّي، وابن الزبيدي، ومكرّم بن أبي الصّقر، وأبي الحسن السّخاوي، والبكري، وابن الصّلاح، والصريفيني، وغيرهم، وتفقه على الإمام أبي محمد ابن عبد السلام.
وأفتى ودرّس وصنّف، وتخرج عليه الأعيان، كولده العلامة برهان الدين (٢)، وابن الوكيل، وابن الزملكاني، وغيرهم.
وكان لطيفًا ينبسط ويمزح، وينشرح مع الطلبة، ويحضر السّماع، وله أدب جيّد ونظم حسن.
ولما ورد التتار أرسل أهله إلى العود (٣) بجزّين، وكتب إليه بقصيدة أولها قوله: شعر
عرّج بجزّين يا مستبعد النّجف … فإن فيها إمامًا بالعلوم حفي
стр. 443
و"شرح التنبيه" (١)، ولم يكمله، وله جزء في إباحة السّماع سمّاه: "نور القبس" (٢)، وله "كلام على مسألة الغنيمة" (٣)، حدّثنا عنه به الشمس بن ميكائيل البلبيسي.
ومولده في شهر ربيع الأول، سنة أربع وعشرين وست مئة.
وتوفيّ بدمشق، يوم الاثنين الخامس من جمادى الآخرة، سنة تسعين، رحمة الله عليه.
٢١٢ - عبد الرحمن بن إبراهيم الموصلي المولد، ثم الإربلي، المنعوت بالبدر (٤).
كان أديبًا شاعرًا، مدح الملوك والأكابر، وحصل له من ذلك مالٌ كثيرٌ.
قال: ومن لطيف شعره قوله:
لمّا رأيت الأقحوانة جادها … غيثٌ كثغرٍ أشنبٍ فيه لمى
قبَّلتها وجدًا بثغر معذّبي … وجرت شؤون مدامعي شوقًا دما
ومن قوله في مغنيَّة: شعر
وغريرة هيفاء ناعمة الصّبا … طوع العناق مريضة الأجفان
غنّت وماس قوامها فكأنَّها … الورقاء تسجع فوق غصن البان
وكان كثيرًا ما يقول: شعري مما ينبذ ويرمى لا ما يحفظ ويروى، ثم صار يتَّجر.
стр. 444
ولد بالموصل، يوم الثلاثاء تاسع ذي الحجة، سنة ثمان وثلاثين وست مئة.
وتوفي بإربل، سلخ شوال، سنة سبع عشرة وسبع مئة، رحمة الله عليه.
٢١٣ - عبد الرحمن بن إسماعيل بن إبراهيم بن عثمان بن أبي بكر المقدسي، ينعت بالشهاب، ويعرف بأبي شامة، لشامة كبيرة على حاجبه (١).
قرأ القراءات على العلامة أبي الحسن السّخاوي، وسمع منه ومن بقيّة المشايخ الاثني عشر رواة صحيح مسلم، ومن الإمام أبي محمد ابن عبد السلام، والشيخ الموفّق بن قدامة الحنبلي، ومن جماعة كثيرة، وتفقه على الإمام أبي محمد ابن عبد السلام.
وبرع في التفسير والحديث واللغة والأصول والعربية، حتّى ادُّعي فيه أهلية الاجتهاد.
سمعت قاضي القضاة أبا عبد الله محمد بن إبراهيم الكناني الحموي يقول: ذكروا يومًا عند العلامة تاج الدّين الفزاري، أن الشيخ شهاب الدين مجتهد، فقال: أو في ذلك شك؟
стр. 445
وتولّى تدريس دار الحديث الأشرفية بدمشق، فاجتمع الناس لحضور درسه، فوجده بعض الفقهاء يشتري شيئًا، فقال النّاس: اجتمعوا ما ينظر سيّدنا في الدّرس الذي يلقيه؟ فقال: وأيّ شيء عملته في سبعين سنة، ومشى، فأخذ الدّرس بغير مطالعة.
و"شرح القصيد" (١) شرحًا جيّدًا، وصنّف كتاب "الحوادث والبدع" (٢)، وهو قليل الفائدة لا يناسب ما اشتهر به، وله كتاب "أخبار الدولتين" المسمى: بـ "الروضتين" (٣)، و"الذيل" (٤)، وله أدب جيد.
توفي بدمشق، في تاسع شهر رمضان، سنة خمس وستين وست مئة، ودفن بمقبرة باب الفراديس (٥).
ومولده ليلة الخميس، سادس عشرين شهر ربيع الآخر، سنة سبع وتسعين وخمس مئة.
وقيل: تسع، في ليلة الجمعة ثالث عشرين ربيع (٦).
ودخل عليه شخص داره بفتوى، فضربه وآذاه، وعلم الشيخ أنه مزرَّق عليه (٧)، فصبر وثبت ولم يشْك، ونظم أبياتا تتضمن التوكل على الله تعالى، ﵁.
стр. 446
٢١٤ - عبد الرحمن بن داود بن رسلان بن صاحي بن عبد الله بن جعفر بن عبد الملك المخزومي السِّمِرْبَائي (١)، المنعوت بالعماد (٢).
كان عالمًا صالحًا، أديبًا ناظمًا، متصوفًا.
حدَّث بشيء من شعره؛ سمعه منه المحدِّث العالم الشريف أبو العباس أحمد النقيب، وغيره.
وله "ديوان" شعر، أكثره في الحكم والمواعظ على طريقة التصوف.
ومن نظمه قوله: شعر
اجعل لربّك ما تأتي وما تذرُ … تفز لديه بما لا تبلغ الفِكَر
وبادر الوقت في الخيرات مجتهدًا … إن النفيس لخوف الفوت يبتدر
ولا تضع لاهيًا عمرًا شرفت به … فالعمر عقد له ساعاته دُرر
وهي قصيدة مطولة.
وله أيضًا: شعر (٣) … (٤)
стр. 447
٢١٥ - [عبد الرحمن بن عبد المجيد بن إسماعيل] (١) بن عثمان بن يوسف بن الحسين أبو القاسم الصَّفْرَاوي السَّكندري المقرئ الفقيه المالكي الشاهد العدل (٢).
قال منصور بن سليم: كان أبو القاسم هذا من العلماء الأئمة الصلحاء، قرأ القراءات على عبد الرحمن بن خلف الله، وسمع الحديث من أبي الطاهر الأصبهاني الحافظ، والقاضيين أبي محمد عبد الله العثماني، وأبي عبد الله محمد بن عبد الرحمن الحضرمي، وابن جاره، وأبي الطاهر ابن عوف، وتفقَّه به، وبأبي القاسم ابن جاره، وأبي طالب ابن المعافى.
وقرأ الناس عليه القراءات، وانتُفِعَ به، وحدَّث، ودرَّس بمدرسة القاضي الموفق ابن أبي الفَرَج.
وصنف تصانيف، منها: كتاب "زهر الرياض"، وكتاب "نزهة القلوب"، وكتاب "الأربعين المشروحة".
وكان كثير التواضع مسدّدًا في الفتوى، مُرصَدًا لقضاء حوائج الناس.
سمع منه منصور بن سليم، وأبو عبد الله ابن النجار الحافظ.
وله نظم، منه ما أنشدنا ابن المصفَّى الإسكندراني الفقيه، أنشدنا الحافظ منصور بن سليم، أنشدنا أبو القاسم الصَّفْرَاوي لنفسه، قوله: شعر
стр. 448
ثابر على عزِّ التقى واقنع بفضل العيش تُشكر
واخمل وكن ما عشت محجوبًا عن الأقران تذكر
ما دنَّس البز الرفيع سوى انتشار حين ينشر
إياك من طلب الرئاسة واحذرنْ من ذاك واحذر
النار في جنباتها أبدًا تشبّ بها وتسعر
وبه إلى الإمام الحافظ منصور، قال: أنشدني الصفراوي لنفسه إجازة، قوله: شعر
يا من تشاغل بالدنيا وزينتها … أفنيت عمرك في لهو وفي لعب
أفق لعمرك قد جاوزت أكثره … وما ظفرت بما ينجو من العطب
مولده في المحرّم، سنة أربع وأربعين وخمس مئة.
وتوفي ببلده، يوم الأحد سادس عشر ربيع الأول، سنة ستّ وثلاثين وست مئة.
٢١٦ - عبد الرحمن بن علي بن محمد بن علي بن مِهْران بن علي بن مِهْرَان القرمسيني الأصل، الإسكندراني المولد والدار، الفقيه الشافعي، المنعوت بالصّدر (١).
ترجمه المنذري، وقال: كان عالي الهمّة، حادّ القريحة، وتأدب، وقال الشعر الحسن، وسمع معنا من الشيوخ، وولي الحكم بالغربية، وتقلّب في الخدم الديوانية بالإسكندرية، وغيرها، ودرّس بمصر بالزاوية المعروفة بالمجد البهْنَسي بالجامع.
стр. 449
قال: وكتبت عنه أناشيد، وبيته بيت فضل وصلاح (١).
وتوفي بمصر، مستهل صفر، سنة أربع وثمانين وست مئة.
٢١٧ - عبد الرحمن بن عبد الوهاب بن خلف العلامي، ينعت بالتقي، ويعرف بابن بنت الأعزّ، الفقيه الشافعي القاضي (٢).
روى عن الحافظين: المنذري، والعطّار.
كتب عنه الحافظ الدِّمْيَاطِي، وشيخنا أثير الدين أبو حيّان.
وتفقّه، وقرأ الأصول على أبي العباس أحمد … (٣)
٢١٨ - [عبد الرحمن بن وهيب، ينعت بالنجم، ويكنى أبا القاسم الكاتب (٤).
ما تسمح الأيام بالقرب ساعةً … فيشفي غليلي من عتاب حبيب
حرام على الأيام أن يجمع الهوى … حبيبين إلا ثلَّثتْ برقيب
ولي قمر يستوقف البرق حسنه … وريح الصبا والريح ذات هبوب
стр. 450
تثنى فلا والله ما الغصن مثله … غلطت ولا من قده بقريب
غريب جمال هام قلبي بحبه … ومن أجله أحببت كل غريب
إلى الله أشكو قربه وبعاده … ولم يحظني من وصله بنصيب
دوائي ودائي منيتي ومنيّتي … وحزني وحبي مسقمي وطبيبي
أيا ظالمًا رفقًا بقلبي فإنه … أسير خطوب في الهوى وحروب
وخذ عنه تسمعْ ما روي من ملاحم … جرت بين ألحاظ وبين قلوب
أسيرك فارحمه على كل حالةٍ … دعاك فكن بالعفو خير مجيب
فما بكت العشاق إلا بأدمعي … ولا انتحبوا إلا بفضل نحيبي
سلام على عصر الشباب فإنه … وإن بان عني مؤنسي وحبيبي
وله:
الحب ما فنيت به الأجسام … فلئن قضيت به فليس أُلام
قل للعذول يطيل لست بسامع … بيدي ضممت البدر وهو تمام
أحبابنا هذا الفراق إلى متى … عزَّ اللقاء ودامت الأسقام
لا تستقلوا ساعة من بعدكم … ساعات أيام النوى أعوام
لا تبعثوا طيف الخيال يزورني … النوم بعدكم علي حرام
أين الوفاء وأين صدق عهودكم … هيهات ما للعاشقين ذمام
أنا من علمتم حبه ووداده … من لا تغير حاله الأيام
стр. 451
ما كان أحلاها ألذَّ لياليًا … مرَّت لنا فكأنها أحلام
إذ نحن في حجر الصبا وحنوِّه … حتى وددنا أننا أيتام
ظلٌ صفا زمنًا فزال ولم يعد … ويلاه ما للظل قط دوام
من شاء فليسمع أحاديث الهوى … مني فإني في الغرام إمام
فكتب إلى السلطان قصيدة، قوله:
قل يا رسول فما عليك ملام … بلغ الوشاة بسعيهم ما راموا
اليوم يُستحلى البكاء ويُشتهى … فيض الدموع وتعبث الأسقام
شملٌ تفرق بعد طول تآلف … عبثت به الأيام واللوَّام
يا رب من زمني إليك المشتكى … جارت عليَّ بصرفها الأحكام
٢١٩ - عبد الرحيم بن إسماعيل بن أحمد، صدر الدين النيسابوري البغدادي، يكنى أبا القاسم، شيخ الشيوخ (١)] (٢).
… (٣) غزير الأدب، عالي الهمة، مشهور الحسب، وجيهًا عند الخواصّ والعوام، مشتغلًا على الدوام.
سمع أباه وأبا القاسم ابن الحصين، وزاهر بن طاهر الشَّحامي.
стр. 452
روى عنه العلَّامة أبو الحسن علي بن سلامة الشافعي المصري، وجماعة.
وله تصانيف ونظم ونثر.
قال الشيخ بهاء الدين ابن بنت الجُمّيزي: أنشدنا أبو القاسم لنفسه قوله:
قد عشت في الدنيا مليًا يا فتى … وغدًا تُغادر ثاويًا في الرّمْس
إن كنت ذا طلبٍ لأسباب الهدى … ورزقت حظًا من ضياء الحسِّ
سافر بهمِّك في مقامات الرضى … واسرح بقلبك في رياض الأنس
تصفو صفاتك من كدورات الهوى … وَتَعشْ فريدًا من جميع الإنس
شمِّر فقد وضح الطريق إلى الهدى … والحرُّ موعده زوال اللَّبس
من عاف شهوته وعفَّ ضميره … فهو المعافى من عيوب النفس
ولد في ذي الحجة سنة ثمان وخمس مئة.
وتوفي في رجب سنة ثمانين.
٢٢٠ - عبد الرحيم بن عبد الكريم بن هوازن القشيري، الفقيه الشافعي، المُفسِّر، الأديب الشاعر (١).
стр. 453
سمع الحديث من جماعة كثيرة، وتفقه بأبيه، ثم لما توفي والده، قرأ على إمام الحرمين ولازمه، حتى حصَّل الفقه والخلاف والأصول، وحضر عند الشيخ أبي إسحاق الشيرازي، ولما قدم بغداد نصر مذهب الأشعري، ووقع بينه وبين الحنابلة.
وكان لطيفًا خفيف الرّوح.
وصنَّف "تفسيرًا" على طريقة الصوفية.
وله نظم جيد منه قوله: شعر
أستودع الله من ودَّعتها سحرًا … وأودعت قلبي الأحزان والفكرا
قالت وقد أبصرت دمعي يفيضُ دمًا … والعين باكية ما ملَّت النظرا
فضحتنا أيها الباكي بدمعك ذا … وقد تهتك للواشين ما استترا
فقلت لا تصرفوني عن رِكَابكم … واستصحبوني لكي أقضي بكم وطرا
أسقي ركابكمُ دمعي إذا عطشت … وأقدح النار من قلبي لكم شررا
قالوا وما ضرَّنا لو كنت تصحبنا … لو لم تكن علمًا في الحب مشتهرا
وله أيضًا شعر:
لياليَ وصل قد مضين كأنها … لآليْ عقود في نحور الكواعب
وأيام هجر أعقبتها كأنها … بياضُ مشيب في سواد الذوائب
وكان إمام الحرمين يعتدُّ به، ويستفرغ أكثر أيامه معه، مستفيدًا منه بعض المسائل الحسابية، والفرائض، والدور، والوصايا.
وكان له مجلس للوعظ والتذكير، يحضره العلماء والجم الغفير، وقلَّ ما يخلو مجلسه من أن يُسلم فيه أحدٌ من أهل الذمة، وحجّ مرتين.
стр. 454
وأثنى الفارسي (١) في "الذيل" (٢) عليه، وبالغ في تعظيمه (٣).
توفي سنة أربع عشرة وخمس مئة، ليلة الجمعة، ثامن عشر جمادى الآخرة، بنَيْسَابور.
٢٢١ - عبد الرحيم بن علي بن الحسن بن أبي الفرات القاهري، المنعوت بالعز، الفقيه الحنفي (٤).
صاحبنا ورفيقنا، جدَّ واجتهد فحصل من الفضائل ما قصد، وسلك المسلك الأسدَّ، فكان الشبل بل الأسد، وبرع بها مذهب أبي حنيفة، وبلغ فيه الرتبة المنيفة، وانتهت الرئاسة في الاشتغال والفتوى إليه، وصارت العمدة في مذهبه نقلًا وفهمًا عليه، وحضرت الطلبة بين يديه، فتصرَّف فيه وأجاد، ونظر وأفاد، ودرَّس وأعاد، وعمل بما علم، وصان الفرج والبصر، والقلم والكلم، وحجَّ مع قلة رزقٍ مرتين، ومتع السمع والعين، وزار ووضع عن كاهله الأوزار، وقام من الليل ما يشهد له يوم المعاد، وتزوَّد
стр. 455
التقوى، والتقوى خير زاد، وأنفق عمره في ما يُرضى، وأتى من أفعال البر بما يحكم له بالفوز ويقضى، ولم يزل متصفًا بجميل الأوصاف متزرًا بالنقاء والعفاف، شديد القوة في الدّين، متحليًا بما يزين، وثيق العُرى إلى أن استردّته التي منها خُلق، فأودع في بطن الثرى، فأودع القلوب حسرات، وأجرى من العيون عبرات.
سمع الحديث من قاضي القضاة أبي عبد الله محمد بن إبراهيم الكناني الحموي، وأبي عبد الله محمد بن أحمد الشهير بابن القمَّاح، وعبد الله الصنهاجي، وجماعة من المتأخرين، وتفقه على المحيي المعروف بالدِّمَشْقي، وقاضي القضاة أبي عبد الله محمد بن الحريري، وقرأ الأصول على العلامة شيخ الشيوخ علي بن إسماعيل القونوي.
ودرَّس بالمدرسة الحسامية بالقاهرة، وبتربة ابن الحريري بالقرافة، وأعاد بالمدرسة المنصورية وغيرها، وناب في الحكم بمصر، ثم تركه ومضى على جميل.
وتوفي بالمدرسة الصَّالحية ليلة الجمعة، ودفن قبيل الصلاة يوم الجمعة الحادي والعشرين من شهر ذي الحجة، سنة إحدى وأربعين وسبع مئة.
ومولده يوم/ الجمعة، الثامن أو العاشر من جمادى الأولى، سنة ثلاث وسبع مئة.
٢٢٢ - عبد الرحيم بن أبي جعفر النفيس بن هبة الله بن وهبان بن رومي بن سلمان بن محمد بن سلمان بن صالح بن محمد بن وهبان السَّلمي الحديثي المولد، البغدادي الدار والمنشأ، الفقيه الأديب المكنى بأبي نصر، المعروف والده بابن البزوري (١).
стр. 456
سمع ببغداد من أبي الفتح عبيد الله بن عبد الله بن شاتيل (١)، وأبي السعادات نصر الله بن عبد الرحمن بن محمد القزاز، وأبي ياسر عبد الوهاب بن هبة الله بن أبي حيَّة، وأبي سعد فارس بن أبي القاسم الحفَّار، وأبي القاسم يحيى بن أسعد بن بَوْش، وأبي الفرج عبد المنعم بن عبد الوهاب بن كليب، وغيرهم.
وسمع بواسط من القاضي أبي الفتح محمد بن أحمد بن المنْدَائي، وغيره، وبإربل من أبي حفص عمر بن محمد بن طبرزد، وبنيسابور من المؤيد بن محمد الطوسي، وغيره، وبهراة من أبي روح ابن عبد العزيز بن محمد الهروي، وغيره، وبما وراء النَّهر من جماعة، وبأصبهان من جماعة من أصحاب زاهر بن طاهر الشَّحامي، وبدمشق من أبي اليمن زيد بن الحسن الكندي، وأبي القاسم عبد الصمد بن محمد الحرستاني، وبمصر من جماعة، ولقي بثغر الإسكندرية الحافظ أبا الحسن علي بن المفضل المقدسي.
وحدث ببغداد وبدمشق.
قال الحافظ عبد العظيم المنذري: علقت عنه بمصر فوائد، وسمعت منه شيئًا من نظمه، وكان حادّ القريحة، فقيهًا متأدبًا شاعرًا (٢).
قال: وأنشدني لنفسه قوله: شعر
علم الحديث أجلُّ علم يذكر … وله خصائص فضلها لا ينكر
ركن من أركان الشريعة مونق … وبنصه آيُ الكتاب تفسر
وهو الطريق إلى الهدى وضياؤه … لظلام أشكال الأمور منوّر
стр. 457
فهو الذريعة في معالم ديننا … وبه الفقيه اللَّوذعي يُعَبَّر
لولاه لم تعرف لقوم سيرة … فلسانه عن كل قرن يُخبر
ورجاله أهل الزهادة والتقى … وهم بتحقيق المناقب أجدرُ
ينفون عنه كل إفك معاند … بدلائل متلألآت تزهر
ويقونه شبه الشكوك بجهدهم … فيظل بعد الشكّ وهو مشهَّر
ويميزون صحيحه وسقيمه … بمقالةٍ تبيانها لا يقصر
لله درُّهم رجالًا مالهم … في هذه الدنيا معانٍ تغمر
في الله محياهم وفيه مماتهم … وهم على كلف المحبة صُبَّر
قنعوا بمجرى قوتهم من دارهم … ورضو بأطمار رثاث تستر
ما ضرّهم ما فات من دنياهم … فلذيذ عيشهم الهني مؤخر
وأورد أبو الحسن علي بن موسى بن سعيد من شعره، يصف حمَّامًا:
وحمَّام حكى الأزهار أرضًا … وجام سمائه زهر النجوم
حوى حرًّا وبردًا باعتدالٍ … تولَّد منهما طيب النعيم
تنفَّس روحه عن كل روح … ويشفي عارض الجسم السقيم
تريك العيش كيف يكون غضًا … وكيف تزاحُ غادية الهموم
قال المنذري: مات شهيدًا في فتنة الكفار بخراسان، في سنة ثماني عشرة وست مئة، والحديثي هذا منسوب إلى حديثة النورة؛ قلعة في وسط الفرات، قريبة من هيت،
стр. 458
والحديثي أيضًا نسبه إلى حديثة الموصل، والحديثي نسبه إلى الحديث (١).
٢٢٣ - عبد الرحيم بن محمد بن محمد بن يونس الموصلي، المنعوت تاج الدين (٢).
كان من أعيان الشافعية، برع في الفقه والأصول، وصنف فيهما، و"اختصر الوجيز" للغزَّالي مختصرًا جامعًا، وسمَّاه "التعجيز" (٣)، و"شرحه" (٤)، وليس شرحه بطائل، واختصر "المحصول في الأصول"، تصنيف ابن الخطيب، وكان قد عزم على شرح "التنبيه"، فلمَّا شرحه شرف الدين، قال له: ما شرحته ولا خلّيتنا نشرحه.
ولد بالموصل، سنة ثمانٍ وتسعين وخمس مئة.
وتوفي ببغداد، في جمادى الأولى، سنة ست وسبعين وست مئة، ﵁.
٢٢٤ - عبد السلام بن الحسن بن عبد السلام بن علي بن أحمد الفهري القَيْسَرَاني الأصل، المصري المولد والدَّار، المعروف بابن الطُّوير العدل الكاتب (٥).
стр. 459
سمع من الحافظ أبي طاهر أحمد بن محمد السلفي، وكتب الخط الجيّد، وقال الشعر، وتقلَّب في الخدم الديوانية في الدولتين المصرية والأيّوبية، وأقام يشهد/ ستين سنة وزيادة عليها (١).
وحدّث، سمع منه الحافظ المنذري، وقال: أنشدني لنفسه قوله: شعر
بالله ربي ثقتي … دخلت عشر المئة
تسعون عامًا كملت … في النصف من ذي الحجة
ممتَّعًا بناظري … ومسمعي وقوّتي
وإنني أطمع أنْ … يغفرَ لي خطيئتي
قال: وبلغ اثنتين وتسعين سنة، وهو يكتب الخط الجيد، وذهنه حاضرٌ، وسمعته يقول: ولدت في ذي الحجة، سنة أربع وعشرين وخمس مئة (٢).
وتوفي ليلة الأحد، منتصف المحرَّم، سنة سبع عشرة وست مئة، وهو ابن اثنتين وتسعين سنة وسبعة وعشرين يومًا، ﵁.
٢٢٥ - عبد السلام بن عبد الله بن الخَضر بن محمد الحرَّاني الحنبليُّ، المنعوت بالمجد، والمكنَّى بأبي البركات، والمعروف بابن تيمية (٣).
стр. 460
كان عالمًا بالفقه والحديث والأصول، نظَّارًا، قرأ القراءات على عبد الواحد بن سلطان، أخذ عنه القراءات الفقيه أبو عبد الله القيرواني.
وحدَّث، روى عنه ابنه شرف الدين، والحافظ الدِّمْيَاطِي، وأبو العباس ابن الظاهري، وجماعة.
وأخذ النحو عن أبي البقاء، وسمع الحديث من عمِّه محمد، وتفقَّه به وبأبي بكر ابن غنيمة، وسمع من عبد القادر الرَهَاوي الحافظ، وحنبل بن عبد الله البغدادي.
ودخل بغداد، فسمع بها من عبد الوهاب بن سكينة، وأبي حفص عمر بن محمد بن طبرزد، وأبي الفتوح يوسف بن كامل الخفَّاف، وعبد العزيز بن الأخضر، وغيرهم.
وصنَّف تصانيف مفيدة، منها: "المنتقى في الحديث" (١)، جمع فيه من أحاديث الأحكام جملة غالبة، ومنها: "شرح الهداية" بها الفقه، كتاب جليل كثير النقل والبحث، عمدة للمصنفين في مذهب أحمد، وغيره، وما أظنه أكمَلَه، وكتاب "المحرر في الفقه" (٢)، كتاب جامع صغير حجمه، عمدة في المذهب، و"أرجوزة في القراءات"، وكان من أفراد الدَّهر.
ولد بحرَّان، سنة تسعين وخمس مئة، وقيل: بها حدودها.