← Тараджим

Тараджим · id 30063

البدر السافر عن أنس المسافر

كمال الدين الأدفوي

Полный текст (1 191 стр.). Показаны 456–495 · переход к 461.

стр. 456

سمع ببغداد من أبي الفتح عبيد الله بن عبد الله بن شاتيل (١)، وأبي السعادات نصر الله بن عبد الرحمن بن محمد القزاز، وأبي ياسر عبد الوهاب بن هبة الله بن أبي حيَّة، وأبي سعد فارس بن أبي القاسم الحفَّار، وأبي القاسم يحيى بن أسعد بن بَوْش، وأبي الفرج عبد المنعم بن عبد الوهاب بن كليب، وغيرهم. وسمع بواسط من القاضي أبي الفتح محمد بن أحمد بن المنْدَائي، وغيره، وبإربل من أبي حفص عمر بن محمد بن طبرزد، وبنيسابور من المؤيد بن محمد الطوسي، وغيره، وبهراة من أبي روح ابن عبد العزيز بن محمد الهروي، وغيره، وبما وراء النَّهر من جماعة، وبأصبهان من جماعة من أصحاب زاهر بن طاهر الشَّحامي، وبدمشق من أبي اليمن زيد بن الحسن الكندي، وأبي القاسم عبد الصمد بن محمد الحرستاني، وبمصر من جماعة، ولقي بثغر الإسكندرية الحافظ أبا الحسن علي بن المفضل المقدسي. وحدث ببغداد وبدمشق. قال الحافظ عبد العظيم المنذري: علقت عنه بمصر فوائد، وسمعت منه شيئًا من نظمه، وكان حادّ القريحة، فقيهًا متأدبًا شاعرًا (٢). قال: وأنشدني لنفسه قوله: شعر علم الحديث أجلُّ علم يذكر … وله خصائص فضلها لا ينكر ركن من أركان الشريعة مونق … وبنصه آيُ الكتاب تفسر وهو الطريق إلى الهدى وضياؤه … لظلام أشكال الأمور منوّر

стр. 457

فهو الذريعة في معالم ديننا … وبه الفقيه اللَّوذعي يُعَبَّر لولاه لم تعرف لقوم سيرة … فلسانه عن كل قرن يُخبر ورجاله أهل الزهادة والتقى … وهم بتحقيق المناقب أجدرُ ينفون عنه كل إفك معاند … بدلائل متلألآت تزهر ويقونه شبه الشكوك بجهدهم … فيظل بعد الشكّ وهو مشهَّر ويميزون صحيحه وسقيمه … بمقالةٍ تبيانها لا يقصر لله درُّهم رجالًا مالهم … في هذه الدنيا معانٍ تغمر في الله محياهم وفيه مماتهم … وهم على كلف المحبة صُبَّر قنعوا بمجرى قوتهم من دارهم … ورضو بأطمار رثاث تستر ما ضرّهم ما فات من دنياهم … فلذيذ عيشهم الهني مؤخر وأورد أبو الحسن علي بن موسى بن سعيد من شعره، يصف حمَّامًا: وحمَّام حكى الأزهار أرضًا … وجام سمائه زهر النجوم حوى حرًّا وبردًا باعتدالٍ … تولَّد منهما طيب النعيم تنفَّس روحه عن كل روح … ويشفي عارض الجسم السقيم تريك العيش كيف يكون غضًا … وكيف تزاحُ غادية الهموم قال المنذري: مات شهيدًا في فتنة الكفار بخراسان، في سنة ثماني عشرة وست مئة، والحديثي هذا منسوب إلى حديثة النورة؛ قلعة في وسط الفرات، قريبة من هيت،

стр. 458

والحديثي أيضًا نسبه إلى حديثة الموصل، والحديثي نسبه إلى الحديث (١). ٢٢٣ - عبد الرحيم بن محمد بن محمد بن يونس الموصلي، المنعوت تاج الدين (٢). كان من أعيان الشافعية، برع في الفقه والأصول، وصنف فيهما، و"اختصر الوجيز" للغزَّالي مختصرًا جامعًا، وسمَّاه "التعجيز" (٣)، و"شرحه" (٤)، وليس شرحه بطائل، واختصر "المحصول في الأصول"، تصنيف ابن الخطيب، وكان قد عزم على شرح "التنبيه"، فلمَّا شرحه شرف الدين، قال له: ما شرحته ولا خلّيتنا نشرحه. ولد بالموصل، سنة ثمانٍ وتسعين وخمس مئة. وتوفي ببغداد، في جمادى الأولى، سنة ست وسبعين وست مئة، ﵁. ٢٢٤ - عبد السلام بن الحسن بن عبد السلام بن علي بن أحمد الفهري القَيْسَرَاني الأصل، المصري المولد والدَّار، المعروف بابن الطُّوير العدل الكاتب (٥).

стр. 459

سمع من الحافظ أبي طاهر أحمد بن محمد السلفي، وكتب الخط الجيّد، وقال الشعر، وتقلَّب في الخدم الديوانية في الدولتين المصرية والأيّوبية، وأقام يشهد/ ستين سنة وزيادة عليها (١). وحدّث، سمع منه الحافظ المنذري، وقال: أنشدني لنفسه قوله: شعر بالله ربي ثقتي … دخلت عشر المئة تسعون عامًا كملت … في النصف من ذي الحجة ممتَّعًا بناظري … ومسمعي وقوّتي وإنني أطمع أنْ … يغفرَ لي خطيئتي قال: وبلغ اثنتين وتسعين سنة، وهو يكتب الخط الجيد، وذهنه حاضرٌ، وسمعته يقول: ولدت في ذي الحجة، سنة أربع وعشرين وخمس مئة (٢). وتوفي ليلة الأحد، منتصف المحرَّم، سنة سبع عشرة وست مئة، وهو ابن اثنتين وتسعين سنة وسبعة وعشرين يومًا، ﵁. ٢٢٥ - عبد السلام بن عبد الله بن الخَضر بن محمد الحرَّاني الحنبليُّ، المنعوت بالمجد، والمكنَّى بأبي البركات، والمعروف بابن تيمية (٣).

стр. 460

كان عالمًا بالفقه والحديث والأصول، نظَّارًا، قرأ القراءات على عبد الواحد بن سلطان، أخذ عنه القراءات الفقيه أبو عبد الله القيرواني. وحدَّث، روى عنه ابنه شرف الدين، والحافظ الدِّمْيَاطِي، وأبو العباس ابن الظاهري، وجماعة. وأخذ النحو عن أبي البقاء، وسمع الحديث من عمِّه محمد، وتفقَّه به وبأبي بكر ابن غنيمة، وسمع من عبد القادر الرَهَاوي الحافظ، وحنبل بن عبد الله البغدادي. ودخل بغداد، فسمع بها من عبد الوهاب بن سكينة، وأبي حفص عمر بن محمد بن طبرزد، وأبي الفتوح يوسف بن كامل الخفَّاف، وعبد العزيز بن الأخضر، وغيرهم. وصنَّف تصانيف مفيدة، منها: "المنتقى في الحديث" (١)، جمع فيه من أحاديث الأحكام جملة غالبة، ومنها: "شرح الهداية" بها الفقه، كتاب جليل كثير النقل والبحث، عمدة للمصنفين في مذهب أحمد، وغيره، وما أظنه أكمَلَه، وكتاب "المحرر في الفقه" (٢)، كتاب جامع صغير حجمه، عمدة في المذهب، و"أرجوزة في القراءات"، وكان من أفراد الدَّهر. ولد بحرَّان، سنة تسعين وخمس مئة، وقيل: بها حدودها.

стр. 461

وتوفي يوم عيد الفطر، سنة اثنتين وخمسين وست مئة ببلده، وكان يومًا مشهودًا، ﵁. ٢٢٦ - عبد السلام بن أحمد بن غانم المقدسي الواعظ (١). كان فاضلًا أديبًا، ووعظ بدمشق، ورُزق القبول، ووُصف بزهد وصلاح. وله تصانيف مفيدة (٢)، وإشارات لطيفة، ونظم ونثر. ومن نظمه قوله: شعر يا قلب لا يُودي بك الخفقانُ … رضي الحبيب وواصل الغضبان وصفت أُوَيْقات السرور بوصله … فعليك في شرع الهوى شكرانُ اليوم ينسخُ بَيْنَنا من بَيْنِنا … لا الصد يخشى لا ولا الهجرانُ تلك الصحائف بالعتاب قد انطوت … لما محاها العفو والغُفران أبياتًا كثيرة (٣). توفي بالقاهرة، يوم الأربعاء ثامن عشر شوال، سنة ثمان وسبعين وست مئة، ﵁.

стр. 462

٢٢٧ - عبد السلام بن علي بن منصور الكناني الدِّمْيَاطِي، المنعوت بالتّاج، المكنى بأبي محمد، الفقيه الشافعي القاضي، المعروف بابن الخرَّاط (١). قرأ القراءات على أبي محمد عبد السلام بن عبد الناصر التنيسي المعروف بابن عُدَيسَة، وقرأ بواسط على أبي بكر عبد الله بن منصور المعروف بابن الباقلاني، ودخل بغداد، فسمع الحديث بها من عبد المنعم بن عبد الوهاب بن كليب الحرَّاني، وأبي الحسن علي بن عبد الرحمن الفارسي، وأبي شجاع محمد بن أبي محمد، وأبي الفرج عبد الرحمن بن علي بن الجوزي، وأبي الفتح محمد بن محمد بن بختيار المندائي، وأبي طاهر المبارك بن المبارك، وأبي أحمد عبد الوهاب بن علي، وغيرهم. وتفقه بالمدرسة النظامية على الأمين أبي الأسعد مظفر بن أبي الخير التبريزي، وغيره، ورجع إلى دمياط، وولى القضاء بها والتدريس بمدرستها مدة، ثم تولى القضاء بمصر، والوجه القبلي، وسمع بها من جماعة، منهم: أبو عبد الله محمد بن المحلي، وأبو الحسين محمد بن أحمد بن جبير. وأقرأ وحدَّث، سمع منه الحافظ المنذري، وخرَّج له جزءًا من حديثه، وعُزل من مصر، فتولى القضاء بدِمْيَاط إلى حين وفاته. قال المنذري: سمعته يقول: وُلِدْتُ في سابع رمضان، سنة إحدى وسبعين وخمس مئة (٢).

стр. 463

وتوفي ثالث ربيع الأول (١)، سنة تسع عشرة وست مئة، ﵁ وغفر له. ٢٢٨ - عبد اللطيف بن محمد بن سند التّكريتي ثم الإسكندراني، يُنعت بالسرّاج التاجر، الكارمي الشاعر (٢). كان من أعيان الكارم، كثير المكارم، رئيسًا وجيهًا. سمع الحديث من النَّجيب الحرَّاني، وابن فارس، وغيرهما. ونظم نظمًا جيدًا، وشعره كله مدائح في النبي ﷺ ، وله "ديوان". وحدّث، سمع منه الأعيان، منهم شيخنا أبو حيان، وبنى مدرسة بالإسكندرية، وقف عليها أوقافًا جيدة. ومن نظمه، قوله: شعر ما بعد رامة للقلوب مرامُ … كلَّا ولا دون العقيق مَقَامُ دِمنٌ لها في كل قلب منزلٌ … وبكل جارحة لها إلمام قسمًا بمن حلَّ الوفود ببابه … وسعت وطافت نحوه الأقدام إن شارف الحادي ثُنيات اللوى … وتراءت الهضبات والآكام لأقبلنَّ من المطيِّ مكان ما … وطئت عليه وقادهن زمام ولأفرشنَّ الخدَّ عند مسيرها … شوقًا له لتطأه وهي قيام ولأنثرنَّ على العقيق شبيهه … دمعًا حلالًا والدماء حرامُ

стр. 464

وأحطُ أوزاري بأشرف بقعة … حُطَّت بها الأوزار والآثام وأبيتُ جارَ الأكرمين بطيبةٍ … أرأيت جار الأكرمين يُضامُ يا سعد إنْ وافيت بأنات اللوى … وبدت لك الأثلاتُ والأعلامُ وشممت عَرفًا كالعبير مع الصبا … سحرًا وشاقك إدْخِرٌ وخُزَامُ فأسأل عن العُرب اللواتي بالحمى … ضربت لهم دون الأثيل خيام نزلو بألوية الصريم فخيَّموا … وعلى الحقيقة في الصَّميم أقاموا يا نوق ما بعد الثنية مطلب … كلَّا ولا بعد النخيل مرام فمتى حللت بأرض طيبة فابشري … لا مسَّ ظهرك بعدها إيلامُ عُربٌ متى حلَّ النزيل بحيِّهم … شملته منه خفارة وذمام سنُّوا المكارم للأكارم والنَّدى … فلهم على نهج الهُدى إقدَامُ ولهم إذا حَمِيَ الوطيسُ مواقفٌ … زلَّت لغيرهم بها الأقدامُ وهي طويلة. وله أيضًا: شعر باتت تجرُّ إلى العقيق ذيُولًا … ليلًا ولا تبغي الغداة مقيلا هوجٌ يجد بها الغرام إلى الحمى … شوقًا وسيرُ اليعمُلات ذميلًا تهوى السير ولو على أحداقها … والشَّانُ لو وجدت إليه سبيلًا وأبيك لو تجد المسير لعلَّلتْ … بالوعد قلبًا لا يزال عليلا قسمًا لقد عشقت مليحًا لم نجد … لجماله في العالمين مثيلًا

стр. 465

وعليك يا حادي المطيّ أليَّةٌ … عَرِّس متى جئت الخيام قليلا فهناك مجتمع القلوب وغاية … المطلوب لا نبغي سواه بديلا وهي طويلة أيضًا. قوله: شعر ما شاقه البان ولا يشوقه … مُذ لمعَتْ ببارقٍ بروقُهُ حَنَّ إلى المغنى القديم فانثنى … وشوقه إلى الحمى يسوقه بدْرٌ حنايا أضلعي بروجه … ظبيٌ وسفح مدمعي عقيقهُ يهوى بأكناف الحمى مُحجبًا … حكاه من غُصن النَّقا وريقه مَلَّكته قلبي وطَرْفي فغدا … أسيره ذلك وذا طليقهُ يا أهل ذيَّاك الحمى نزيلكم … يَجْمُل أن تُرعى له حقوقه حمَّلتموه يوم توديعكم … من الغرام فوق ما يطيقه هَلَّا سألتم بالغضا عن والهٍ … فارقه يوم النوى فريقه مزَّقتُ ثوب الصبر يوم بينكم … ولذَّ لي في حُبكم تمزيقه وحقكم لا أمَّ غير بابكم … ولا سرت إلى سواكم نوقه كلا ولا راق له منذ ناء عن حيَكم مغنىً ولا يروقه ولا تغنَّى بكم حادي السُّرى … إلَّا انثنى ودَمعه خلوقه يَودُّ لو زار على أحداقه … سعيًا وأحكام القضا تعوقه يا طيبًا منزله بطيبةٍ … ومن صميم هاشمٍ عريقهُ

стр. 466

به سمت بنو معد نسبًا … إذ قام يومًا للفخار سُوقه وهي طويلة. وله أيضًا قوله: شعر لي بالأُجيرع دون وادي المنحنى … قلب تُقلبه الصبابة والضَّنى غاروا عليه بالغوير ويمَّموا … نجدًا سُحيرًا واستقلوا أيمنا ملكوه مني بالمكارم والعُلى … وحموه عني بالصوارم والقنا أبعثهم يوم استقلَّت عيسهم … بحشاشةٍ ألِفت معاناة العنا ونثرت من دمعي عقيق مدامعي … حين التفرق فاستحالت أعينا وسرت بي الهوج البوازل ترتمي … ليلًا ولذَّ لها الفناء على الفنا حتى إذا أهدت لها ريح الصبا … عَرف الخُزَامى زال عنها ما عنا فأنَخْتُ نَضْوُي ثم قلت لها قفي … مهلًا رويدك فالمعرِّس ها هنا وهي طويلة. توفي بالإسكندرية، سنة أربع عشرة وسبع مئة. ٢٢٩ - وكان ابنه محيي الدين يحيى (١) لطيفًا ظريفًا، غاية في الكرم. لم تر عيني أكرم منه، عزيز النَّفس، يحفظ من النظم والنثر كثيرًا. وله بعض نظم، ووُزِّر باليمن، وكان له حظٌّ عند السلطان الملك الناصر بمصر.

стр. 467

وكان محبوبًا عند الخاصَّة والعامَّة، صحب جماعة من الصالحين، وكان جماعة من أصحابه يلومونه على كثرة العطايا والنفقة، فيقول: قال لي جماعة ممن لهم كَشْفٌ: تموت سعيدًا. توفي بمصر، سنة ثلاث وعشرين وسبع مئة، وسنّه ست وأربعون سنة ظَنًّا، ﵀ رحمة واسعةً. ٢٣٠ - عبد العزيز بن أحمد بن سعيد الدَّميري، ينعت بالعزّ، ويعرف بالديريني (١). كان شيخًا متصوفًا فاضلًا أديبًا شاعرًا، فقيهًا، مُشاركًا في فنون عدَّة من نحو وأصولٍ وتاريخ، وكان متقشفًا متقللًا من الدنيا مخشوشنًا. صحب الشيخ بهرام، والشيخ أبا الفتح الواسطي. وكان كثير الأسفار متنقلًا في القرى والأمصار، كثير النَّظم والتفسير والتصنيف، رجَّز "الوجيز"، و"التنبيه". ويقال: إنه كان لا يتوقف في الفتوى على مذهب معيَّن، بل يفتي في بعض الأوقات بمذهب سفيان الثوري، وبمذهب الأوزاعي، وغيرهما. وصنَّف في المواقيت (٢)، وغير ذلك.

стр. 468

وله نظم سائر، منه ما أنشدني محمد بن حسن الكناني الدَّميري، قال: أنشدني الشيخ عبد العزيز لنفسه، قوله: شعر في كل شيء خيار الأمر أوسطه … والناس ما بين تفريط وإفراط فهالك عطشًا أو موغل غرقًا … والسالمون مشو رِفْقًا على الشاطي وله، قال ﵁ أيضًا: شعر وعن صُحبة الإخوان والكيمياء خذ … يمينًا فما من كيمياء ولا خلِّ لقد دُرت أقطار البلاد بأسرها … وعاينت من شغلٍ وعاينت من شكل فلم أر أحلى من تفرد ساعة … مع الله خالي البال والسِّر من شغل أناجيه في سرّي وأتلو كتابه … وأشهد ما يَسلي عن المال والأهل وله: اقتصد في كل حالٍ … واجتنب شُحًّا وغُرما لا تكن حُلوًا فتؤكلْ … لا ولا مُرًّا فتُرمى وأنشدنا علي الدّميري، قال: أنشدني الشيخ عبد العزيز لنفسه ارتجالًا، وقد مرَّ بقاضٍ توفي ابنه، فقال فيه، قوله شعر، وهي هذه: مضى ابنك محمودًا سليمًا ولم يُعبْ … بعيبٍ ولم يأثم بقولٍ ولا فعل رأى أنه لو عاش ساواك في العُلا … فآثر أن تبقى فريدًا بلا مثل أخبرني بعض أصحابنا أنه توفي سنة أربع وتسعين وست مئة (١).

стр. 469

ومولده بخطّه سنة اثنتي عشرة، ووُجد أيضًا بخطّه: ثلاث عشرة، ﵁. ٢٣١ - عبد العزيز بن أحمد بن عثمان بن عيسى بن الخضر بن عيسى الهكاري، المنعوت بالعزِّ، المكنى بأبي محمد الأشموني القاضي، المعروف بابن خطيب الأشمونين (١). سمع الحديث من الحافظين أبي الفتح القُشيري، وأبي محمد الدِّمْيَاطِي، ومن جماعة من المتأخرين، وتفقه على مذهب الشافعي بأبيه، وغيره، وقرأ الأصول على شيخنا الجزريِّ الخطيب، والنحو على العلامة ابن النَّحَّاس. وكان كريمًا رئيسًا صدرًا، وولي القضاء ببلده، وبمنية ابن خصيب، وبالفيوم، وأشموم، وبلبيس، وقوص، والغربية، وأعاد بالجامع الطولوني، ودرَّس. وله نظم ونثر، وكتب الخط الجيد، وجمع فوائد في مجلدين، وكتب على حديث الجماع في رمضان (٢)، وذكر فيه فوائد كثيرة.

стр. 470

وحدَّث، سمعت منه بقُوص. ومن نظمه، ما كتب به لأخيه في صدر كتاب، منه قوله: سلام كريَّا المسك نافح عنبرًا … وكالروض إيناقًا ونشرًا مُعطّرَا يروق كما تُهدى عروس خريدة … كَسَتْ من حُلالها الحلي دُرًّا وجَوْهَرا وعهد كريعان الشباب مُجدَّد … وذكر مع الأنفاس يُحيي تكرُّرا له بشغاف القلب أصفا موارد … من الحب لا يُلفي لها الدَّهر مصدرا أيا من حياةُ السَّمع ترداد ذكره … ورؤيته للعين أحلا من الكرى أبياتًا. توفي بالقاهرة، في ثامن شهر رمضان، سنة سبع وعشرين وسبع مئة بالصَّرَع. ومولده بالأشمونين (١)، سنة ست وستين، في ما أخبرني به بعض أقاربه. ٢٣٢ - عبد العزيز بن الحسين بن عبد الله بن أحمد بن الجبَّاب المصري، يُنعتُ بالمَكين، ويكنى أبا المعالي، ويعرف بالجليس؛ لأنه كان جليسًا لملوك مصر (٢). تولّى ديوان المكاتبات في أيام الصالح بن رُزِّيك، وكان فاضلًا أديبًا شاعرًا ناثرًا. ذكره القاضي الرَّشيد ابن الزبير الأُسْواني في كتابه المسمى بـ "الجنان"، وأثنى على

стр. 471

فضله ثناءً كثيرًا، وقال: لم أزل في ما أورده من محاسن العصريّين من المصريين قابضًا عنان القلم في مجاري الاختيار، قاصرًا خطى القول عن غاية الإكثار، قاضيًا لمن ذكرته من الشاميين بالسبق في ميدان الإحسان والإجادة، مُسلّما لهم عهد ولاية البلاغة، مقرًا لهم بالإعجاز في آية البراعة، إلى أن خُضتُ لجج بحره، واستخرجت درر نظمه ونثره، فتحققت أني لو اقتصرت من محاسن المصريين على ما أبداه من شُهُب المعاني المتألقة، وأظهره من رياض البدائع المونقة، لأتيت بما يشهد له بفصل الخطاب، وإصابة شاكلة الصَّواب، فإنه كان واري زناد البديهة، ذاكي نار القريحة، أخذ من الأدب بأوفر نصيب، وضرب في الفضل بقدح مُصيب، وقد جعل شفقهم فلقًا لائحًا، ومصباحهم صباحًا واضحًا. وذكر فصلًا من فضله. وله قصيدة يمدح فيها ابن رُزِّيكْ، ويذكر ظفره بمن يعاديه، أولها قوله: طريدك لا يفوتك منه ثأر … وخصمك لا تُقال له عثارُ وفي ما نلتَهُ من كل باعٍ … لمن عاداك لو فهم اعتبارُ يُبلِّغُك المنى حدٌّ وجدٌّ … ومقدورٌ وقدرٌ واقتدارُ فلو نوت الكواكب فيك غدرًا … لأهواها إلى الأرض انتثارُ ومجدك إرثُ أسلاف كرامٍ … ومجد سواك مجدٌ مستعارُ فكيف تماثل الحصباء دُرًّا … وكيف يقاس باليمنى اليسارُ وله يعاتب الموفق يوسف بن محمد، شريكه في ديوان المكاتبات، وقد جرى بينهما شيء في مجلس الصَّالح بن رُزِّيك، فنظم قوله: شعر ولي أخ نفسي فدى نفسه … مع قُبح أفعال يواليها تفاوتت أخلاقه فاغتدت … صدورها ضدَّ تواليها

стр. 472

إن خِلَّةً سرَّتك من فعله … أعقبها أخرى تُنَافيها بيناه يبني درجًا للعلا … بما يرقِّيها ويُعليها حتى أتت منه لإخوانه … داهية يعني تلافيها فينثني يهدم تلك التي … شيَّدها حتَّى يعَفّيها ويقتل النفس الذي طال ما … قد كان بالإحسان يُحييها قلت له حين تمادت به … أخلاقُ سوء لست أحصيها قبحًا لأخلاقك هذا الذي … تفسد ماضيها بآتيها فقال وهو المرء لا حجة … تعي عليه حين يُبغيها يُزهق بالحق أقاويله … ويثبت الباطل تمويها أما ترى النخلة تُبدي جنىً … يروق حسنًا حين تجنيها لكن قرين الرُّطب المجتنى … سُلاؤه تلسع جانيها والنّحل إن جادت لمشتارها … بالعسل الخالص من فيها فربّما أسقته من سمِّها … كأسًا غدت كالصّاب تشبيها وهذه العين إذا نابها … عارضُ سقمٍ ظلَّ يشكيها بعض حجار الأرض كُحلٌ لها … يبرئها والبعض يُعْمِيها ونحنُ كالأرض ومِن تُربها … فنحن في الأفعال نَحكيها ولهُ أيضًا شعر، قال قوله: رُبَّ بيضٍ سَللن باللحظ بيضًا … مرهفاتٍ جفونهن الجفون

стр. 473

وخدود للدمع فيها خُدودٌ … وعيونٌ قد فاض منها عيونُ وله: زار وجنح الليل محلولكٌ … داجٍ فجلَّاه مُحيَّاهُ مُكتتمًا يبديه لألاؤه … والبدر لا يكتم مسراه نمَّ عليه طيبُ أنفاسه … كما وشى بالمسك ريَّاه وتوفي في شهر ربيع الآخِر، سنة إحدى وستين وخمس مئة. ٢٣٣ - عبد العزيز بن عبد السلام بن أبي القاسم بن حسن بن محمد بنُ مُهذَّب الدِّمَشْقي المولد المغربي المحتد، ينعتُ بالعزّ، ويكنى أبا محمد (١). شيخُ دهره، وإمام عصره، وواحد شامه ومصره، أحد سلاطين العلماء في زمانه، والقائم بالأمر والنَّهي، فلا يقاربه فيهما أحدٌ من أقرانه، ولا يساويه أحدٌ في قُوَّة جنانه، وهو في العِلْم المفرد والعلَمْ، والجامع فيه بين فصاحة اللسان والقلم، صحيح الاعتقاد،

стр. 474

سالمٌ في عقيدته من الانتقاد، رَادعًا كُلّ جَريء مانعًا في ذلك كل مفتري، قائمًا بنصرة مذهب الأشعري، وهو الذي طاف ذكره وطار وجاوز أجواز الفلوات، وأثباج البحار، كريم بما ملكته يداه، جواد يخجل الجود نداه، جارٍ إلى العلياء في ميدان السباق، فلا يلحق أحدٌ مداه، ذلك الذي تنفس الدَّهر فسمح به، وراق الزمان، ولاق المقام في مصرنا بسببه. رأيت بخط الشيخ الإمام عالم العلماء الأعلام أبي الفتح محمد بن وهب القشيري، وقد ذكره وقال: هو أحدُ سلاطين العلماء في وقته، شيخنا الإمام أبو محمد عبد العزيز ابن عبد السلام. وحسبُك هذا الكلام من هذا الإمام، برع في مذهب الشافعي، فانتهت الرئاسة فيه إليه، ووردت الفتاوى من الأمصار عليه. سمعت الشيخ الثقة المفتي أبا الفتح محمد بن أحمد الدشناوي يقول: قال لي الشيخ سراج الدين موسى ابن دقيق العيد: قال العلامة أبو عمرو بن الحاجب: ابن عبد السلام أفقه من الغزالي، وأشدُّ من الشافعي. قال: فحكيت ما قال لأخيه تقي الدين فقال: أمَّا الأول فمُسلّم، وأما الثاني ففيه نظر. سمع الحديث من القاسم بن علي بن عَسَاكِر الدِّمَشْقي الحافظ، وعبد اللطيف بن إسماعيل بن أبي سعد البغدادي، وأبي حفص عمر بن محمد بن طبرزد، وحنبل بن عبد الله الرُّصافي، وعبد الصمد بن الحرستاني، وغيرهم. وحضر عند الخُشوعي وحدَّث، سمع منه العلماء والحفاظ، منهم: الحافظ عبد المؤمن الدِّمْيَاطِي، والعلَّامة أبو الفتح القشيري، والعلامة أبو العباس أحمد الدَّشناوي،

стр. 475

والعلامة هبة الله بن عبد الله بن سيد الكُل القفطي، وأبو الفتح محمد بن الدشناوي شيخنا، وخلائق، وتفقه بالفخر ابن عَسَاكِر وأجازه بالفتوى، وقرأ الأصول على السيف الآمدي. وولي الخطابة بجامع بني أميَّة بدمشق، ووقع بينه وبين صاحب دمشق الصالح أبي الجيش، فلم يدعُ له على المنبر، فقال له: لم تركت الدُّعاء لنا؟ فقال: ما أقول! سلَّمت صَفَد والشقيف للفرنج، وفعلت كذا، فقال له: هذا البلد لي أو لك، فخرج من دمشق، فخرج له صاحب الكَرَك، وعرض عليه الإقامة بها، فقال: بلدك قليلة على علمي. ثم قدم القاهرة، فتلقاه سلطانها الصالح أيوب بن الكامل، فأكرمه، وولاه الخطابة بالجامع العتيق بمصر، والقضاء بها، وبالوجه القبلي مدَّة، وعزل نفسه بعد أن أسقط الوزير وجماعة من الأعيان، فأخبرني أقضى القضاة شمس الدين ابن القمَّاح أنَّ السلطان أرسل رسولًا إلى الخليفة المستعصم ببغداد، فلما وصل إليها وأدى الرسالة، قال له الخليفة: السلطان شافهك بهذه الرسالة؟ فقال له: لا، الوزير شافهني بها عن السلطان، فقال: الوزير أسقطَه ابن عبد السلام فلا تُقبل روايته، فرجع حتى شافهه السلطان. وبنى السلطان المدرسة التي بين القصرين بالقاهرة، فدرَّس بها الشيخ، وانتفع الناس بعلومه وبركته وصلاته وصَدَقته، حتى كان يركب وعلى رأسه عمامة، فيقطع قطعة بعد قطعة، يتصدق بها. وحكى لي الخطيب منتصر بن الحسن خطيب أدفو، عن الفقيه زيد، قال: كان الشيخ يكرهني وفي نفسه مني لإساة أسأتها، فنُقلَتْ له عني، وكانت الصدقة تأتي إليه يصرفها فيعطيني ويقول: خذها على رغم أنفي، أنا ما أشتهي أعطيك شيئا، لكني أعلم أنك مستحق.

стр. 476

وقال لي قاضي القضاة بدر الدين: حكى لي جماعة بدمشق، أنه لما كان بها، وقع غلاء كثير، حتّى صارت البساتين تباع بالثمن القليل، فأعطته زوجته مُصَاغها وقالت: يا سيدي اشتر لنا به بستانًا نبقى نتفرَّج فيه، فأخذ المصاغ وتصدّق به على الفقراء، فقالت له: اشتريت بستانا؟ فقال: نعم في الجنة، وجدت الناس في شدّة فتصدّقت به، فقالت: جزاك الله خيرًا. وكان قوَّاما بالمعروف وينهى عن المنكر، لا يحاشي فيه أصغر ولا أكبر، يرتكب فيهما الأمر الأشقّ، ويسلك المسلك الأخطر. حكى لي الخطيب منتصر المذكور وهو ثقة ثبت، قال: حكى لي الشيخ أبو عبد الله محمد بن النعمان قال: لقيت الشيخ عز الدين يومًا نازلًا من القلعة، وسقت معه، وتحدثنا فقال: اليوم أهنت الملك الصّالح لله، وجدتُه جلس جلسةً عظيمة والناس صفوف سكوت، فلما جلست معه، قلت له: يا أيوب، ما حجّتك عند الله إذا قال لك: ألم أنُوِّلُك ملك مصر من غير احتياج إليك تبيح الخمور؟ فقال: أنا فعلت هذا! فقلت: نعم، هذه حانة بالمكان الفلاني مضمَّنة، فقال: أنا ما فعلت هذا، بل وجدته كذلك من أيام الملُوك المتقدمة، قال: فقلت له: فأنت ممَّن يقول يوم القيامة: ﴿إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ﴾ (١)، فسكت ساعةً، ورسم بإبطال ذلك. قال الشيخ أبو عبد الله: فقلت للشيخ: يا سيدي ما خفتَ منه؟ فقال: استحضرت هيبةَ الله، فكان قُدَّامي أصغر من قِطّ. وكان يَنقم على البحرية الظاهر والمنصور وأشباههم، ويقول: ما صحَّ عندي عتقهم، فيجتمعون ويركبون إليه ليقتلوه، فيجلسون بين يديه سكوتًا، ويخرجون من عنده ويقولون: هبناه ما لقينا لنا جبائر.

стр. 477

ويلومونه أولاده، فيقول: يا أولادي أنا إلى الآن ما حُلِقت لحيتي في الله، ولا ضربتُ في الله، ﵀. وأفتى يومًا بشيء، وكتب على ورقة الاستفتاء، وناولها للمستفتي، فلمَّا توجَّه من عنده، أفكر فبان أنه خطأ، فنادى في البلد: من أفتى له فلان بكذا لا يعمل به، فإنه خطأ، ووردت عليه فتاوى من الموصل، وقد جُمعت، وله الفتاوى المصرية (١) في مجلَّدة. ووقع بينه وبين الشيخ أبي عمرو ابن الصلاح، وتنافرا بسب مسألة الرغائب؛ أفتى الشيخ أبو عمرو بجوازها، وخالفه الشيخ عزّ الدين، وردَّ كل منهما على الآخر، وصوَّب الفضلاء ما قاله ابن عبد السلام، ورجعوا على ابن الصلاح بالملام، ومنهم العلامة أبو شامة، وعظَّم الشيخ عز الدين تعظيمًا كثيرًا، وذكر نبذة من ذلك في كتاب "الحوادث والبدع" تصنيفه. وصنَّف الشيخ عز الدين "القواعد الكبرى" (٢)، و"الصغرى" (٣)، نهاية له في هذا الباب، قاضيان له بسعة العلم والتقدم على الأقران، وصنَّف كتاب "المجاز" (٤)، أتى فيه بالعجَب العُجاب، واختصر "تفسير الزمخشري"، و"تفسير الماوردي" (٥)، وهو الذي جعل درسًا يقرأ في التفسير ويتكلم عليه، وهو أول من فعل ذلك بديار مصر، واختصر

стр. 478

"الرعاية للمحاسبي" (١)، وكان قد لبس خرقة التصوف من الشيخ شهاب الدين أبي حفص السّهروردي. وله "فوائد" في فنُونٍ من التفسير والحديث والفقه والعربية والبيان (٢)، في مجلد، واختصر النهاية في الفقه في كتاب سمّاه "الغاية" (٣)، وفضائله وفوائده كثيرة، ومواده في العلم غزيرة، واختصر "صحيح مسلم" (٤)، بها مجلدة صغيرة. وصنع له ابن خطيب الأشموني قاضي الغرْبِيَّة سيرةً، وصفا به الدَّهر وراق، وفارق، فبلغت الأنفس التراق، ومضى وجميل الذكر عنه باق، ولمَّا ولي القضاء وسلك فيه ما يُرْتضى نظم الأديب أبو الحسن الخرّاز قصيدته التي يُرحل إليها، وإن شطَّ المزار، ويُقصد إليه لأجلها ويُزار، أولها قوله: شعر سار عبد العزيز في الحكم سيرًا … لم يسره سِوَى ابن عبد العزيز عمَّنا حكمه بفضلٍ بسيطٍ … شاملٍ للورى ولفظ وجيز ولم يعرف للشيخ عز الدين نظمٌ إلَّا بيتًا واحدًا أنشده للطلبة، وقال لهم: أجيزوه، وهو قوله هذا البيت: شعر

стр. 479

لو كان فيهم من عَرَاه غرام … ما عنفوني في هواه ولاموا قال: فأجازه القاضي الفقيه العالم الأديب شمس الدين عُمر بن عبد العزيز بن المفضل الأسواني، فقال: وأحسن المقال: شعر لكنهم جهلوا لذاذة حسنه … وعلمتها ولذا سهرت وناموا لو يعلمون كما علمت حقيقة … جنحوا إلى ذلك الجناب وهاموا أو لو بدت أنواره لعيونهم … خَرُّوا ولم تثبت لهم أقدام مولاي عزُّ الدين عزَّ بك العلى … فخرًا فدون جداك منه الهام لمَّا رأينا منك علمًا لم يكن … في الدّرس قلنا إنه إلهام لولاك عز الدين يُنعش خاطري … ما كان لي في البلدتين مقام فعليك يا عبد العزيز تحيَّة … وعليك يا عبد السلام سلام توفي بالقاهرة، عاشر جمادى الأولى سنة ستين وست مئة. قال الشريف النَّقيب في "وفياته": ومولده سنة سبع أو ثمان وسبعين وخمس مئة (١). وقال الحافظ أبو بكر ابن مَسْدِي: وجدنا سماعه مع أبيه على الخُشوعي سنة إحدى وثمانين، وفيه أنه ابن أربع سنين. وحُكِي لي أن شخصًا جاء إليه وقال: رأيتك في النوم تُنشد: شعر وكنت كذي رجلين رجلٌ صحيحة … ورِجلٌ رمى فيها الزمان فشُلَّت فَسَكت، ثم قال: أعيش من العمر ثلاثًا وثماثين سنة، فإن هذا الشعر لكُثَير عَزَّة،

стр. 480

ونظرت في النسب الذي بيني وبينه فلم أجد شيئًا، فإني سُنيٌّ وهو شيعيٌّ، وهو قصير وأنا غير قصير، وهو شاعرٌ ولست بشاعر، وأنا سُلَميٌّ وهو غير سُلمي، لكنه عاش كذا فأعيش مثله، رحمة الله عليه. ٢٣٤ - عبد العزيز بن عبد الجليل النَّمراوي، ينعت بالعزّ (١). كان من فضلاء الشافعية المتقنين، والفقهاء المفتين، مشاركًا في فنون من الفقه والأصول والعربية، ذكيُّ الفطرة، قُوته الحافظة قويَّة. سمع الحديث من الحافظين عبد المؤمن الدِّمْيَاطِي، وقاضي القضاة أبي الفتح القشيري، وغيرهما، وقرأ الفقه على أبي العباس أحمد بن محمد بن الرّفعة، وعبد الكريم بن بنت العراقي، وقرأ عليه الأصول، وقرأ النَّحو على العلامة ابن النَّحَّاس. ودرَّس بالمدرسة النَّابلسية، وتولّى قبة المدرسة المنصورية في التفسير، ولمَّا وقعت المناظرة بين المصريين وبين صدر الدين ابن الوكيل الدِّمَشْقي، انتدب عز الدين له، وقضى له الشيخ تقي الدين القشيري، وحسَّن ما قاله، فصارت له صورة عند الترك، وصحب الأميرين سيف الدين سلَّارْ نائب السَّلطنة، وركن الدين بيبرس [الجاشنكير] (٢)، وصارت له وجاهة جيدة.

стр. 481

توفي بالقاهرة، ليلة الأربعاء سابع ذي القعدة، سنة عشر وسبع مئة. ٢٣٥ - عبد العزيز بن عبد الغني بن سرور بن سلامة بن بركات بن داود بن أحمد بن زكرياء بن يحيى بن القاسم بن عبد الله بن أحمد بن إبراهيم طَبَاطِبا الشريف المنُوفي الصُّوفي (١). صحب الشيخ فتح الواسطي، وابن العربي الصُّوفي، فظهر بالصلاح، وصحبه جماعة، منهم: عبد الغفار بن نوح القُوصي (٢)، وابن الصابوني الأقصري، والفقيه أبو الحسن الونائي، وكلٌّ منهم كان يحكي عنه كرامات ويذكر عنه مكاشفات. وله "ديوان" شعر (٣) على طريقة هذه الطائفة، كتب عنه جماعة من شيوخنا، ومن مشهور شعره قصيدته المسماة بـ اليعسوبة. أنشدنا عنه جماعة من أصحابنا القوصيين والأدفويين، والقصيدة التي أولها قوله، وهي هذه: شعر يا سائل الغير عن سرّي وإعلاني … وعن حقيقة ما في طيّ جثماني يبغي الإحاطة بي والأمر يغرب عن … من لا له قدمٌ في ترب ميداني من أين يعرفني غيري وقد أخذت … بائي على ألفي ميثاقها الثاني

стр. 482

ومدّع في رجال الغيب معرفة … فقلتُ كم بين ظمآن وريّان تعنى أولي الأمر منهم أو عمومهم … فإنهم عند أهل الحق صنفان أما تراني من شوقي لرؤيتهم … ومن تباريح ما ألقى وأشجاني أجوب شرقًا وغربًا في تتبعهم … مفارقًا لأُصَيْحابي وأوطاني لعلَّ عينًا تراني من عيونهم … بعين ما أتمنّاه وترعاني في كلّ إقليم منهم خمسة وكذا … قال المخبِّر عن كشف وفرقان الغير والوتدان الخادمان له … والقطب والبدل المخفى والشاني وهي مطولة، وعلى مواضع منها اعتراض، أولها قوله: الغير؛ والألف واللام لا تدخل على غير وكل وبعضَ وبابه. إلا أن النووي حكى أن الإمام أبا نزار الحسن بن أبي الحسن النووي النحوي، ذكر في كتابه "المسائل السفرية": أن قومًا منعوا من دخول الألف واللام على غير وشبهها، وعندي: أن اللام تدخل عليها، فيقال: فعل الغير ذلك، والكل خير من البعض، وهذا؛ لأن الألف واللام هنا ليست للتعريف، وإنما هي المعاقبة للإضافة. كقول الشاعر: كأن بين فكها والفك إنما هو: بين فكّها وفكها، وقد نصّ بعضهم على أن غيرًا تنصرف بالإضافة في بعض المواضع، والغير تحمل على الضد، والكل يحمل على الجملة، والبعض يحمل على الجزء، فصلح دخول الألف واللام من هذا الوجه. وقوله: كل إقليم منهم منع إقليم الصّرف، وفي جواز منع الصرف المنصرف في الشعر خلاف، وفيها مواضع غير هذا من حيث المعنى.

стр. 483

وله قصيدة، أولها قوله: شعر، قال: رعى الله أياما مضت بالمآزم … مع الخرّد البيض الحسان النواعم وحيِّ لياليها اللواتي تصرَّمت … بحضرة ذاك الخال بين المعالم فما كان أهنا العيش فيهن إذ خلت … أويقاتنا من كل واشٍ ولائم لعلك يا ريّا ترين لمدْنَف … يؤرقه في الليل نوح الحمائم وجودي له بالوصل منك فإنما … تتمة أخلاق الرِّضى بالمكارم لئن سَرَّت الأعرابَ يومًا غنيمة … فإن لقا الأحباب أهنا الغنائم وإن قرَّ عينًا غائب بإيابه … فقرَّةُ عيني أن ترى أمَّ سالم كلفت بها من قبل أن أعرف الهوى … وحُمِّلتُها بالرضع قبل التمائم ولي ولها بالرّقمتين (١) مواقفٌ … مبرَّأةٌ من مرهفات المآثم ومن أعجب الأشياء أن بعادها … رحيق وأن الوصل سمُّ الأراقم وله مشيرًا إلى أبي عبد الله الأسواني، حيث إنه ادّعى أنه يرى المصطفى ﷺ في اليقظة، قوله أيضًا: شعر ذكرت اللوى والأجرع الفرد والسّقطا … فأصبحت سطحًا يجمع الخطّ والنقطا وأطلقت من قيد الخيال مظاهرًا … تريك رحيق النّفس سُمًا من الرّقطا

стр. 484

فمن يدّعي في هذه الدّار أنه … يرى المصطفى حسًّا فقد فاه مشتطا ولكنَّ بين النوم واليقظة التي … تباين هذا الأمر مرتبةً وسطى توفي في ليلة الاثنين، خامس عشر ذي حجة، سنة ثلاث وسبع مئة، ودفن بقرافة مصر، وقد أسنّ وتعدّى المئة، ﵁. ٢٣٦ - عبد العزيز بن محمد بن عبد الله بن محمد بن أحمد بن خالد بن محمد بن نضر بن صغير ابن القيسراني، ينعت بالعزّ (١). أحد كتّاب الإنشاء، كان فقيهًا فاضلًا. سمع الحديث من قاضي القضاة القُشيري، والشريف موسى، وغيرهما. ودرّس بالمدرسة الفخرية على مذهب الشافعي، وله نظم حسن ونثر مستحسن. كتب عنه البرزالي وجماعة من أصحابنا شيئًا من نظمه، وكان كريمًا لطيفًا ظريفًا. توفي بالقاهرة بين الظهر والعصر، من يوم الخميس الثامن من صفر، سنة تسع وسبع مئة، ودفن من الغد بالقرافة، ولم يكمّل الأربعين. ٢٣٧ - عبد العزيز بن محمد بن علي الطّوسي، المنعوت بالضيّاء، الفقيه الشافعي (٢).

стр. 485

صنّف ودرَّس وأعاد. وشرح "الحاوي الصّغير" (١) في الفقه، و"مختصر ابن الحاجب" (٢) في الأصول. ودرّس بدمشق، وأعاد بالمدرسة البادِرَائيّة، والمدرسة النّاصرية. وخرج من الحمّام فمات في يوم الأربعاء، سابع عشرين جمادى الأولى، سنة ست وسبع مئة بدمشق، ﵁. ٢٣٨ - عبد العظيم بن عبد القوي بن عبد الله بن سلامة بن سعد بن سعيد، أبو محمد بن أبي محمد بن أبي محمد بن أبي الحسن المصري، المنعوت بالزكي، الحافظ المنذري الفقيه الشافعي المقرئ (٣). العالم المدقّق، والحافظ المحقق، والبحر الزاخر في الرّواية، والرّوض الناضر في الدّراية، والخاشع الناسك، والعابد السّالك، والوَرِع الزاهد، والعامل العابد، سلك في

стр. 486

الحديث النبوي كلّ طريق، وأُتِي إليه من كلّ فجّ عميق، وخاض لججه، وامتطى من بحره ثبجه، فعذب شربه، ونما عشبه، وأينعت ثماره، وزهت أزهاره، وصارت العمدة فيه عليه، وشُدَّت الرّواحل من كل النّواحي إليه، علم أن الدنيا فانية، فاختار الباقي وترك الفاني، فشيّد معالم السُّنّة، وعمَّر بها تلك المغاني والمباني، فإذا شدا بذكره شادٍ فعل في القلوب ما لم تفعله المثالث والمثاني. رأيت بخط الإمام أبي الفتح القشيري على جزء سمعه منه، وكتب عليه: سمعته على شيخنا الإمام نُدرة الوقت عبد العظيم. وأخبرني شيخنا أبو الفتح محمد بن الدّشناوي قال: قال لي قاضي القضاة أبو الفتح المذكور يومًا: يا فقيه، فزت برُؤية الشيخ [زكي] (١) الدين، فقلتُ: وبرؤيتك، فكرّرتُ عليه، فكرّر القول، ثم قال: يا فقيه، كان الشيخ أدينَ منِّي. وقال لي القاضي أبو الطّاهر السّفطي: قال لي الشيخ المذكور: ضيّعنا زمانًا في السفر والرحلة، ولو قطعناه عند الشيخ زكي الدين حصل الغرض. وكان الإمام أبو محمد ابن عبد السّلام يأتي إليه، ويحضر درسه ويقول: نحن هنا أذُنٌ. وبالجملة ففضائله كثيرة، ومناقبه غزيرة، وسيرته شهيرة، سيجازيه عليها عالم العلانية والسّريرة. قرأ القراءات على الأرتاحي، وتفقّه على الإمام أبي القاسم عبد الرحمن بن محمد القرشي ابن الورّاق، وقرأ العربية على أبي الحسين يحيى بن عبد الله النّحوي، وسمع الحديث منهم، ومن الحافظ علي بن المفضّل، وعليه تخرّج.

стр. 487

وذكر ابن مَسْدِي أنه كان على المذهب المعروف بالأثرية، فاستتابه المقدسي على رؤوس الأشهاد، وردّه إلى الطريقة الأشعرية، ولازمه وانتفع به، حتى قيل: ليس في أصحاب ابن المفضّل أحفظ منه. وسمع من أبي حفص ابن طبرزد، والإمام أبي القاسم الرّافعي، وخلائق بمصر، والإسكندرية، والصّعيد، والشام، والرّوم. وولي تدريس المدرسة الكاملية، ولزم الخلوة، وانقطع بها، ما يخرج منها إلا يوم الجمعة، وتوفي ابنه الحافظ الرّشيد، فشيّع جنازته إلى باب المدرسة، وقال: أودعتك الله ورجع. سمع منه الحفّاظ، وتخرّجوا عليه، منهم: عبد المؤمن بن خلف الدِّمْيَاطِي، وقاضي القضاة أبو الفتح محمد بن علي بن وهب القشيري، والشريف أبو العبّاس أحمد بن محمد الحسيني النقيب، والتّقيّ عبيد الإسْعِرْدِي (١)، وخلائق. وصنّف تصانيف مفيدة، منها "مختصر كتاب مسلم" (٢)، و"مختصر السنن لأبي داود" (٣)، وهو غاية في بابه كثير الفوائد، وكتب عليه الحواشي الجيّدة، وشَرَح التنبيه (٤) في الفقه، وذيّل على وفيات شيخه المقدسي (٥)، وخرَّج أسماء شيوخه في مجلدة، وله كتاب "الفوائد السَّفرية"، و"تعاليق"، و"أجزاء" كثيرة، و"تاريخ مصر" في مجلدة كبيرة، فيها تراجم كثيرة.

стр. 488

حدّثنا عنه جماعة من أصحابه، وما زال يدرِّس ويصنِّف، ويسمع ويؤلف، ويكتب ويفيد، ويأتي بكل أمر حميد، إلى أن أتته المنية، وانقطعت به الأمنية. فتوفي بالقاهرة بالمدرسة الكامليّة، في ثالث ذي قعدة، يوم السبت سنة ستّ وخمسين وست مئة. ومولده بمصر، في غرّة شعبان، من شهور سنة إحدى وثمانين وخمس مئة. ٢٣٩ - عبد العظيم بن عبد الواحد بن ظافر بن عبد الله بن محمد بن جعفر، ينعت بالزّكي، ويكنّى أبا محمد، ويعرف بابن أبي الإصبع المصري (١). أديب فاضل شاعر، متصرّف في أنواع البلاغة، صحب أبا اليمن الكندي وتأدّب عليه، وسمع من أصحاب السّلفي، وغيرهم. روى عنه بالإجازة منصور بن سليم، والحافظ عبد المؤمن. وله شعر جيّد، حدّث بشيء منه، روى عنه منه عبد المؤمن بن خلف الحافظ، وأبو الحسن علي ابن سعيد الأندلسي، وأبو الحسين الجزَّار (٢)، وعليه تخرّج الجزّار في الأدب.

стр. 489

أورد له الحافظ الدِّمْيَاطِي في "معجم شيوخه" (١) قصيدته التي مدح بها الملك المعظَّم عيسى، وأولها قوله: تصدَّق بوصلٍ إنَّ دمعي سائلُ … وزوِّد فؤادي نظرةً فهو راحلُ فخدُّك موجودٌ به التِّبرُ للغنى … وحسنك معدومٌ لديه المماثل أيا قمرًا من شمس وجنته لنا … وظلُّ عذاريه الضحى والأصائل إذا ذكرت عيناك للصبِّ درسها … من السِّحر قامت بالدَّلال الدَّلائل تنقّلت من طرفٍ لقلبٍ مع النَّوى … وهاتيك للبدر التمام منازل جعلتك بالتمييز نصبًا لناظري … فَلِمْ لا رفعت الهجر والهجر فاعل أتجحدني أن القوام مثقّفٌ … وناظركَ النفَّاثَ بالسحر عامل غدا القدُّ غصنًا منك يعطفه الصَّبا … فلا غرو إن صاحت عليه البلابل أَعَاذل قد أبصرت حبِّي وحسنه … فإن لُمْتَني فيه فما أنت عاذل محيَّاهُ قنديلٌ لديجور شعره … تُعَلِّقُه للصدغ فيه سلاسل رأى طيف وجدي نار قلبي فظنَّها … وَرَتْ لقراهُ فهو في القلب نازل إذا جنَّ ليلي أخبت الوجد أدمعٌ … همت فهي للصبر الجميل قواتل كراحة عيسى في الرَّدى والنَّدى معًا … يميت ويحيى فهو بؤسٌ ونائل وأخذ في مدحه، وأورد له ابن سعيد قوله: شعر

стр. 490

فديت التي إذ ودَّعَتنيَ أودعت … من اللفظ سمعي ساعة البين أسطرا فلمّا اعتنقنا ردّ دمعي لنحرها … وديعتها فهي اللآليُ التي تُرَى بكت ورنت نحوي فجرَّد لحظها … من الجفن سيفًا بالدموع مجوهرا وقوله: شعر ينمُّ عليها ثغرها وتنمُّ بي … دموعي فواشي حبِّنا النظم والنثر أيا عبلة الأرداف لحظك عنتر … وما لي على غاراته في الحشى صبر ولد في سنة خمس وثمانين وخمس مئة، وقيل: في تسع، وقيل: خمس وتسعين. وتوفي في ثالث عشرين شوال، سنة أربع وخمسين وست مئة. ٢٤٠ - عبد العظيم بن عوض بن تمَّام أبو محمد المصري (١). الفقيه الأديب الشاعر. روى عنه الحافظ منصور بن سليم. أنشدنا ابن المصفَّى الفقيه إجازة، أنشدنا منصور بن سليم، قال: أنشدني الفقيه عبد العظيم لنفسه، قوله: شعر وغنيّةٍ بالحسن غانيةٍ … لكنّها لم تخل من بخل سقمي وشيبي شاهدان على … ضعفي وحسبي شاهدا عدل السُّقم يأمرها مواصلتي … والشّيب ينهاها عن الوصل

стр. 491

قال: وكتب كثيرًا في الفقه، وغيره، وكان فيه فضل وأدب. وبالإسناد المذكور إلى الوجيه منصور بن سليم، قال: أنشدنا عبد العظيم، رحمة الله عليه، أيضًا لنفسه، قوله: شعر ومن يصحب السلطان قصدًا لماله … كمصطحب كنزًا وفيه الأراقم أيصحب أساد الشُّرى في عرينها … ويأمن أن تأتي عليه الضّراغم توفي في شهر رجب، ودفن مستهل شعبان، سنة ستّ وأربعين وست مئة. ٢٤١ - عبد القاهر بن عبد الله بن محمد السُّهْرَوَرْدي، المنعوت بالنّجيب، الفقيه الشافعي الصوفي (١). سمع الحديث من أبي علي ابن محمد بن سعيد بن نبهان، وزاهر بن طاهر، ومحمد بن عبد الباقي الأنصاري، وأبي القاسم ابن السمرقندي، وغيرهم. وحدّث، سمع منه ابن أخيه أبو حفص عمر، وغيره. وصحب أحمد الغزالي، وتفقه على أسعد الميهني، وغيره، وقرأ النحو، وله أدب وشعر.

стр. 492

وولي تدريس النظامية ببغداد، وظهر أمره، وكان السلطان يزوره عند قدومه وعند رحيله. ولد في صفر سنة تسعين وأربع مئة. وتوفي ليلة السبت، ثامن عشر جمادى الآخرة، سنة ثلاث وستين وخمس مئة، قدّس الله روحه. ٢٤٢ - عبد الكريم بن أحمد بن محمد بن الحسين بن الفرج بن حاتم القدسي، ثم الإسكندراني، يكنّى أبا الرَّضى، وينعت بالزين، الفقيه الشافعي الواعظ (١). سمع الحديث من أبي القاسم عبد الرحمن بن مُوقى (٢). وكان شاعرًا محسنًا. روى عنه الوجيه بن العمادية. أنشدنا ابن المصفَّى الإسكندراني إجازة، أنشدنا الحافظ منصور بن سليم، أنشدني أبو الرضى لنفسه إجازة، قوله: شعر ما حنَّ صبٌّ إلى أحبابه وصبا … إلا وزاد فؤادي وجده وصبا ولا سرى البرقُ من نجد وكاظمة … إلا وسيَّرتُ في أسراره كتبا ولا حدا سائق الأظعان من طربٍ … إلا وناديت واشوقاه واطربا

стр. 493

ولا بكى مُغْرمٌ من طول غربته … إلا ترى من جفوني في البُكا عجبا [فَخلِّ يا عاذلي عني ملامك في … أحباب قلبي فإن الشوق قد غلبا وانظر إلى نار قلبي كيف تحرق من … بعذله في هواهم زاده لهبا حبي لهم في الهوى دينٌ ومعتقدٌ … وفرطُ شوقي أراه في الهوى وجبا وحقهم وكفاني فيهم قسمًا … أني أميل بأشواقي لهم طربا كأنني بشراب الوصل مختبلٌ … وها غراب اغتراب البين قد نعبا] (١) ٢٤٣ - [عبد الكريم بن علي الشهرزوري القوصي زين الدين، المعروف بضامن الزكاة] (٢). يا شهرزوري لا تطيع العذول … وكون في الحب حمولًا زمول وإن صدَّ من تهوى فغنّي وقول حُبَيبيَّ ما أدري من علَّموا … حلَّل صدودوا والوصال حرَّموا وله: من خلاعتي ما نفكر في رياستي دع نعيش خليع ونموت ما نريد كفن

стр. 494

ولا شيء نبيع غير راووق مع قدح ودن حرام الوضيع تتركوا ليت شعري تتركوا لمن لوراثتي أنا أولى من قرابتي وله أزجال كثيرة شهيرة. وانقطع في آخر عمره، ومدح المصطفى بمدائح. وتوفي بقوص، بعد سنة خمس وسبع مئة (١)، والله أعلم. ٢٤٤ - عبد الكريم بن علي بن عمر الأنصاري المصري الأندلسي الأصل، الفقيه الشافعي، المنعوت بالعلم، ويعرف بابن بنت العراقي (٢). تفقه بالإمام أبي محمد ابن عبد السلام، وغيره، وبرع في الفقه والأصول، وكانت له يد في التفسير، وله حظ من النحو، وتصدر للإقراء سنين. أخذ عنه جمع كثير. وتولى تدريس التفسير بالقبة المنصورية، ودرَّس بالمشهد الحُسَيْني الفقه، وأعاد بالمدرسة الشّريفية، وأعاد بالمدرسة الصالحية.

стр. 495

وكان متفننا، وله حظ من الأدب. كتب عنه شيخنا أثير الدين، وأقضى القضاة أبو عبد الله محمد الشهير بابن القمَّاح، وخلائق. وأفتى، ودرَّس، وصنَّف، شَرَح التنبيه في الفقه (١)، وله "ردٌّ على ابن المنير في ردّه على الزمخشري" (٢)، فقيل له عنه، فقال: هذا ردّ الردّ، وله "كتاب أملاه في التفسير" (٣)، وله نظم ونثر. أنشدنا العلامة، قال: أنشدني لنفسه مما نظمه في النوم في قاضي القضاة ابن رَزِين، وكأنه لما صرف من القضاء، قوله: يا سالكًا سبل السَّعادة منهجًا … يا موضح الخطب الجسيم إذا دجا يا ابن الذي دُرِسَت قواعد مجدهم … وسرى ثناهم عاطرًا متأرّجا لا تيأسنْ من عود ما فارقته … بعد السرار ترى الهلال تبلَّجا وأبشر وسرِّح ناظرًا فلقد ترى … عمَّا قريب في الغدا متفرَّجا وله قصيدة على قافية القاف طنَّانة، وله "قصيدة" يمدح بها سيدنا رسول الله ﷺ ، وهي قوله، أولها قال: شوقي إلى تقبيل تربة أحمد … أفنيت فيه تصبُّري وتجلُّدي فقطعت كل علائقي ورفضتها … وعصيت كل معَنِّف ومفنِّد
следующие страницы →