وقال لي الشيخ شمس الدين ابن عدلان: بحث معه الشيخ ضياء الدين ابن عبد الرحيم فقال: يا ضياء لا تخبط.
وحكى لي السفطي قاضي قوص: أن بعض الطلبة جلس بين يديه، وقال له: انظر في أمري، لي أربع سنين في هذا الموضع، وحفظت أربعة كتب، وجامكيتي أربعةِ دراهم، وكَسَرَ الهاء في الجميع (١)، فقال: يا فقيه، من بنى أربعتك على الكسر.
وحكى لي القاضي أبو الطاهر السفطي، أن القرافي حضر مرة عنده الدرس وهو يتكلم في مسألة من الأصول، فقال: مسألتكم أصولية، وقد حضر شهاب الدين، فشرع القرافي يتكلم وأطال، فقال له الوجيه: اسكُت عن خُبَاطك.
وتكلم بين يديه بعض الطلبة فقال له: فَرُّوج يصيح بين الديكة.
توفي في جمادى الآخرة، سنة خمس وثمانين وست مئة، رحمة الله عليه.
٢٦٠ - عبد الوهاب بن خلف بن بدر العلامي الدميري القاضي الوزير الفقيه الشافعي، المنعوت بالتاج، ويعرف بابن بنت الأعز (٢).
سمع الحديث من جعفر الهمذاني، والحافظ عبد العظيم المنذري.
стр. 527
وتفقه في مذهب الشافعي، ودرّس بالصالحية، وبالمدرسة المجاورة لضريح الإمام الشافعي.
وولي وكالة بيت المال بالديار المصرية، ثم وُزِّر بعد أن تقلب في الخدم.
وكان ذكي الفطرة، حادّ القريحة.
قال لي القاضي أبو عبد الله محمد بن أحمد الشهير بابن القماح: قال لي الشيخ تقي الدين القشيري: قلت للقاضي تاج الدين: لو تفرغتَ للعلم كنتَ فيه أعظم من الشيخ، يعني ابن عبد السلام.
وسألت شيخنا التاجي عنه، فقال: كان صحيح الذهن، تولى، ﵀، القضاء بالديار المصرية، فسار فيه السيرة المرضية، وأطلق في العدل يده ومقاله، وأنقذه من عثر الجور وأقاله، ووضع في يد التقوى عقاله.
سمعت قاضي القضاة أبا عبد الله محمد الكتّاني يقول: سمعت قاضي القضاة ابن الصائغ يقول: قاضيان حجة الله على القضاة؛ ابن البارزي قاضي حماة، وتاج الدين ابن بنت الأعز.
وأخبرني بعض أصحابنا أنه ركب وتوجه معه إلى القرافة، ودخل على الفقيه المفضل حتى تولى عنه الشرقية، فقيل له: يا سيدنا تروح إلى شخص حتى توليه، فقال: لو لم يفعل قبَّلت رجله حتى يقبل، فإن هذا يسدُّ عني ثُلمة من جهنم.
وكان الأمراء الكبار يشهدون عنده، فلا يقبل شهادتهم، فتحدثوا مع السلطان الملك الظاهر، وحسَّنوا له أن يولي بقية المذاهب، فولَّوا معه ثلاثة، وولي الوزارة، وقطع بعض المكوس وسرَّ القلوب، وأحيا النفوس، ولم يزل في وزارته وقضائه في خيرٍ يُوليه، وجميل يُسديه، منتصبًا لبرٍّ يصنعه، وشرٍّ يرفعه، وضر يحمله عن الخلق ويضعه، إلى أن
стр. 528
انقضى أجله، وانقطع من هذه الدار عمله، وسار إلى رحمة الرحيم الكريم، وصار إلى من يجزيه بعمله، وهو بكل شيء عليم.
ورثاه المنفلوطي بمرثية، منها قوله:
يا دهر بع رتب المعالي بعده … بيع السماح ربحت أم لم تربح
قدِّم وأخِّر من تشاء وتشتهي … مات الذي قد كنت منه تستحي
توفي، ﵀، وجزاه عن المسلمين خيرًا، في ليلة السابع والعشرين من شهر رجب، سنة خمس وستين وست مئة بالقاهرة.
ومولده مستهل رجب، سنة أربع، ﵀.
٢٦١ - عثمان بن أيوب بن أبي الفتح الأنصاري العسقلاني الأصل، المنعوت بالفخر، المكنى بأبي عمرو، الأديب الشاعر (١).
قدم القاهرة، وحدث بشيء من شعره، كتب عنه الفضلاء.
أنشدنا شيخنا العلامة الأستاذ أثير الدين أبو حيان محمد بن يوسف الأندلسي، أنشدني أبو عمرو المذكور لنفسه، يمدح شخصا يُنْعَت بالعلم، قوله: شعر
أتاني كتاب خِلْت في نشر طيِّه … بريق ضياء يخجل القمرين
إلى علمٍ أسعى به من سميّه … فَنِلتُ منىً بالسَّعي والعلمين
ومن أخرى يمدح بها أيضًا، قوله: شعر
ومن ريقها وِرْدي ومن وجناتها … وَرْدي وخمري لحظها والسَّاقي
стр. 529
يا هند عندك مُنيَتي ومَنيَّتي … بوعيد هَجْر أو بوَعْد تَلاق
منها في المدح قوله: شعر
يا طالب المعروف لُذ بجنابه … فبراحتيه مفاتح الأرزاق
يعطي لصفر الكف صفر نضارة … والبيض من حمر وحمر عتاق
٢٦٢ - عثمان بن سعيد بن عبد الرحمن بن أحمد بن أحمد بن تُوْلُوَا (١) القرشي التينمَليُّ المولد، المنعوت معين الدين، المقرئ النحوي اللغوي الأديب الشاعر المالكي المذهب (٢).
سمع بالمغرب، وبمصر، ودمشق.
وحدَّث عن أبي نصر ابن الشيرازي، وكتب عنه الفضلاء.
سمع منه من شعره أشياخنا وأصحابنا، منهم العلامة أبو حيان، والشيخ عبد الكريم بن عبد النور، وغيرهما.
أنشدنا الشيخ أثير الدين، أنشدني ابن تُوْلُوَا لنفسه قوله: شعر
أما السَّماح فقد أقوت معالمه … فما على الأرض مَنْ تُرْجَى مكارمُهُ
стр. 530
فلا يغرَّنك من يلقاك مبتسمًا … فطال ما غرَّ برقٌ أنت شائمهُ
لا تتعب النفس في استخلاص راحتها … من باخلٍ لؤمه في الجود لائمهُ
آخى المذلةَ إعزازًا لدرهمه … ويصحب الذل من عزَّت دراهمهُ
ماذا أقول لدهر عاش جاهله … غِنىً ومات بسيفِ الفقر عالمهُ
قد سالمَ النَّقص حتى ما يحاربه … وحارب الفضل حتى ما يسالمهُ
وله قال شعر، قوله:
إلى الله أشكو أنني في ضرورة … تُحمّلني ما لا أطيق له حملا
تُكلّفني إتيان كل مذمَّم … أرى منه وجهًا لست أرضاه لي نعلا
مخافة قول الناس هذا لبخله … أعاد حذاءًا مدة الدهر لا يبلى
وله:
يا أهل مصرٍ رأيت أيديكم … عن بسْطها بالنَّوال منقبضهْ
فمذ عدمتُ الغذاء عندكم … أكلت كتبي كأنني أرضهْ
له:
ولما تلاقينا ولم نخش واشيًا … يُنمُّ ولا خلًا من الحب يعذل
جرى بيننا شكوى هوىً لو شكوتها … إلى يَذْبل مستعطفا لانَ يذبُل
ولد بتينمل (١) في إحدى الجمادين، سنة خمس وست مئة.
стр. 531
وتوفي بمصر في سلخ ربيع الأول، سنة خمس وثمانين وست مئة، ﵁.
٢٦٣ - عثمان بن عبد الكريم بن أحمد بن خليفة الصنهاجي المحتد التِّزْمَنْتِي المولد، ينعت بالسَّديد، ويكنى أبا عمرو (١).
كان فقيهًا على مذهب الشافعي فاضلًا.
سمع من الإمام أبي محمد ابن عبد السلام، وتفقه به وبغيره.
ودرَّس بالمدرسة الفاضلية، وناب في الحكم بالقاهرة، وكان متدينًا متورعًا.
مولده بتِزْمَنْت (٢) من عمل البهنسا، سنة خمس وست مئة.
وتوفي بالقاهرة في خامس عشر ذي قعدة، سنة أربع وسبعين.
وقال الشريف: حادي عشر ذي قعدة (٣).
٢٦٤ - عثمان بن علي بن يحيى بن هبة الله بن إبراهيم بن المُسَلِّم [الأنصاري الشافعي القاضي، المنعوت بالفخر، المعروف بابن بنت أبي سعد (٤).
стр. 532
قوله، يصف بِرْكة:
وجلا بياض النهر في مخضرها … فكأنه إذ لاح للأبصارِ
سبك اللجين على بساط زمرد … والشمس فيه تلوح كالدينار
وكأنما أرض الرياض صحيفة … منقوشة تبدو لعين القاري
ومهفهف حلَّا الأقاحي ثغره … يرنو بطرف فاتر سحَّارِ
أبكي ويضحك إذ رآني باكيًا … وبمهجتي من ذاك جذوة نار] (١)
… (٢)
وبالرغم مني أن أوسده الثَّرى … وأغدو بقلب من جوى الحُبِّ مُمتَلي
ولما رأيت الحيَّ غاب جماله … ومنزله المعمور من أنسه خلي
وقفت حزينًا أنشد الجود والعُلا … قِفَا نَبْك من ذكرى حبيبٍ ومنزل
٢٦٥ - عتيق بن أحمد بن ميسرة الفُرْغُلّيطِي، وفُرْغُلّيط (٣) من قرى شقور، كنيته أبو بكر (٤).
كان أديبًا شاعرًا.
стр. 533
ذكره ابن سعيد، وقال: هو أحد الشيوخ الذي شرب الدَّهر عليهم وأكل، المتنقِّصين الرجال في كل قول وعمل، عقربي الطبع، مشنو الوضع، نحيف الشّكل، ركيك الفرع والأصل، لا يَسلَمُ أحدٌ من لسانه ولا يبيت في أمانه، ولو أنه غريق في إحسانه.
وأورد من شعره قوله:
توحَّد إذا أحببت عن كل ناصح … فسحقًا لمن يبغي شَريكا لحبِّه
فهم حدَّثوني ما استطاروا بنقله … وهم أبعدوني كي يفوزوا بقربه
قال: وحالت به الحال إلى أن وقعت الحركة بإشبيلية، في سنة خمس وأربعين وست مئة، فانطلقت أيدي العامة في كل من ركب فيها من أجناد النّصارى، فهرب جنديٌ منهم فدخل دربًا غير نافذٍ، فصادف أبا بكر خارجًا من داره، فطعنه في سلعة كبيرة كانت في وجهه حان بها حينه، وكُفَّ عن المسلمين لسانه وعينه، فإنه كان معروفًا إذا نظرَ نظر استحسان حصل المنظور إليه في أنياب نوب الزمان (١).
٢٦٦ - عثمان بن محمد بن عثمان بن أبي بكر بن محمد بن داود التَّوْزَري المحْتِد، المصري المولد، المنعوت بالفخر، الفقيه المالكي المحدث الرحَّال (٢).
سمع الكثير، وقرأ بنفسه، قرأ صحيح البخاري أكثر من ثلاثين مرة، وقرأ مسند الإمام أحمد، والمعجم الكبير للطبراني.
стр. 534
وكتب بخطه كثيرًا، وحدَّث.
سمع من العلامة أبي الحسن علي بن هبة الله بن سلامة، ومن سبط الحافظ السّلفي، ومن أصحاب البوصيري، والخشوعي.
وجاور بمكة، شرَّفها الله تعالى، إلى حين وفاته بها، في حادي عشرين ربيع الأول، سنة ثلاث عشرة وسبع مئة.
ومولده بمصر، سنة ثلاثين وست مئة.
٢٦٧ - عَطا مَلِك بن محمد بن محمد الجويني، ينعت بالعلاء، ويكنَّى أبا المظفر (١).
كان فاضلًا أديبًا، مشاركًا في العلم.
تولَّى ديوان المكاتبات ببغداد.
وكان له مجلسٌ يجتمع فيه الفضلاء يتذاكرون العلم، ويبحث معهم، وله ببغداد آثار حسنة.
وحصلت له نكبة وضُيّق عليه، وجعل في عنقه غلٌّ من حديد، وأجلس على الرمل في يوم شديد البرد وهو صابرٌ راضٍ، فكتب إليه العلامة أبو الحسن الإربلي بأبيات يتوجع إليه فيها، فأجابه أبو المظفر المذكور بهذين البيتين، وهما قوله:
لا تعجبنَّ لما ترى … فالخيرُ فيه لعلَّه
قَد كُنتُ عَبْدًا آبِقًا … يعصِي الإلَه فغلَّه
стр. 535
ومن شعره أيضًا، قوله البيتين:
ومَنْهل العيش في هجرانكم كدرٌ … يا ليت شعري متى يصفو من الكدر
يا حسرتا لِلَيالٍ أشرقت بكم … وتلك الَّليالي التي عُدَّت من العُمُر
ولد يوم الأربعاء، عاشر ربيع الأول، سنة ثلاث وعشرين وست مئة.
وتوفي بأَرَّان (١)، ونقل منها، فدفن بتبريز في شعبان، وقيل: في ذي الحجة سنة إحدى وثمانين، وقيل: كانت وفاته في يوم الأربعاء، خامس عشر ربيع الآخر.
٢٦٨ - علي بن إبراهيم بن سعد الخير الأنصاري البلنسي الأستاذ أبو الحسن (٢).
كان إمامًا في العربية والآداب، وله رسائل بديعة، ونظم رائق.
صنف تصانيف، منها: كتابه المسمى بـ "الحُلل في شرح الجُمّل"، ابتدأ حين انتهى ابن السّيد، وكتاب "جذوة البيان وفريدة العِقْيان".
وذكره الأبار في "التحفة" (٣) أيضًا، وأورد من شعره قوله:
بأبي من بني الملوك غريرٌ … قد تردَّيت فيه بُرْد التَصابي
стр. 536
ضاعفت حُسْنه ضفيرة شعر … هي منه طراز بُرْد الشباب
يتلوَّى على الرَّداء مِرَاحًا … كحَبَابٍ يَنسَاب فوق حبَاب
وقوله يصف دولابًا:
لله دولاب يفيض بسَلْسَلٍ … في روضة قد أينعت أفنانا
قد طارحَتْه بها الحمائمُ شجوها … فيُجيبها وترجّع الألحانا
فكأنه دَنِفٌ يدور بمعهد … يبكي ويسأل فيه عمَّن بانا
ضاقت مجاري طرفه عن دمعة … فتفتَّحت أضلاعُه أجفانا
وكان مع فضله منسوبًا إلى غفلة تنتاب عليه.
توفي بإشبيلية، أوائل شهر ربيع الآخر، سنة إحدى وسبعين وخمس مئة (١)
وقال في "الذيل": سنة اثنتين (٢).
ومولده في حدود عشرة، وجمع على كتاب "الكامل" للمبرد "حواشي".
وسمع من أبي الوليد ابن الدبَّاغ، وابن خِيرَة، وأبي الحسن ابن النعمة، وكتب لبعض الولاة.
ذكره الأبَّار في "الذيل" (٣).
стр. 537
٢٦٩ - علي بن إبراهيم بن علي بن عبد الرحمن بن حسن الأموي (١) الشَّريشي، المكنى أبا الحسن، الكاتب النحوي الأديب (٢).
قال ابن مَسْدي: كان ذا فنون من العلم، مع نباهة وفهم، كتب في ديوان الإنشاء عن جماعة، وتصرَّف في الأحكام مشكور الحلِّ والإبرام، وقرأ فنونًا قراءةً وتبيينًا، واختصَّ بأبي بكر ابن محمد بن أحمد بن عبيد السكسكي، فأكثر عنه، وتأدَّب بأبي الحسن علي بن أحمد القاضي، وسمع منه، ومن أبي بكر محمد بن مالك بن يوسف الفهري.
قال: وأنشدني لنفسه، مما قاله يُودّع بعض إخوانه عند سفره للحج، قوله هذه الأبيات: شعر
خليليَّ قد وافيتما أرض طيبة … هنيئًا لقد فازت ركابٌ تزورها
وإلا فما للأرض يندى ترابها … وما للمطايا من هواها مسيرها
غدًا تلتقي الأحباب إن ثبتَت لنا … نفوسٌ تناهى شوقها وسرورها
ونمشي على الخدّين منا كرامةً … لأرضٍ حوت خير الأنام قبورها
وقال: مولده في ربيع الأول، سنة اثنتين وسبعين وخمس مئة.
وبلغني أنه توفي في ربيع الأول، سنة ست وأربعين وست مئة، رحمة الله عليه.
стр. 538
٢٧٠ - علي بن أحمد بن الحسن بن أحمد بن إبراهيم الكِنْدي التُّجِيبي المراكشي، يكنى أبا الحسن (١).
أديب شاعر.
روى عنه المنذري من شعره وقال: أنشدني لنفسه قوله: شعر
أمكنتني من الوصال فأحْيَت … ميِّتًا في الهوى بروح الوصال
وأدارت عليَّ من ريقها العذب كؤوسًا من خمرة بزلال
وألاحت للعين والسَّمع منها … لؤلؤيْ ثغرها وحسن المقال
ثم ألقت من ضمها نشر مسك … من شذا عَرفه تفوح الغوالي
قال: وسألته عن مولده، فقال: في عشر ذي الحجّة، سنة اثنتين وثمانين بسبتة.
وتوفي بحماة، ثاني عشر شعبان، سنة ثمان وثلاثين وست مئة، ودُفن ليلة الثالث عشر (٢)، رحمة الله عليه.
٢٧١ - علي بن أحمد بن عرَّام الرَّبعي الأسواني، يكنى أبا الحسن (٣).
стр. 539
كان عالمًا، أديبًا شاعرًا، بارعًا في النظم، مَدَح الملوك والوزراء والأعيان.
ذكره العماد في "الخريدة"، وبالغ في الثناء على فضله (١).
وله "ديوان" شعر دالٌّ على نُبله، وله في الأدب باع وساع وغررٌ، أبرزتها كثرة الموادِّ وقوة الطباع، وها أنا أثبت من نظمه ما يسرُّ الصَّديق الودود، ويسخن عين الكاشح الحسود، فمن ذلك قصيدته التي مدح بها الصّالح ابن رُزِّيك التي أولها قوله: شعر
إليك فما أصغي إلى عذل عاذلي … وقَدْكَ فما لي من جوى الحب شاغلي
فليس يفيد اللوم عند متيَّم … غريم غرام ذاهب اللب ذاهل
وأضيعُ شيء في الهوى نصح قائل … ملحٍّ على من قلبه غير قابل
فأقلل فعذري في عذار بنفسج … وفي نرجس أضحى بعينيه ذابل
وبي رشا زرَّت غلائله على … قضيب لجين مائد القلب مائل
أسكرُ شمولٍ أم شمالٌ ذعرته … لها ماس أم هزَّته حسن شمائل
أيَسْطُو غزالٌ واهن البطش والقوى … بليث عرين صادق البأس باسل
إذا ما رنا أضحى فتور جفونه … عقالًا لربات الخدور العقائل
وما بلبل الصُّدغين فوق مورّد … من الخد إلا كيْ يُهيج بلا بِلي
فرفقًا بقلبٍ أنت مستوطنٌ له … وجسمٍ سقيمٍ شاحبِ اللون ناحل
فداك الرزايا كل غيداء غادة … وأغيد خالٍ بالمحاسن عاطل
стр. 540
حللت مع البين المشتِّ بمنزل … من القلب معمور بذكراك آهل
فواهًا لريعان الشباب وحسن ما … مضى لي به لو أنه غير زائل
فكم ليلة بُلّغت أمنيتي بها … وأسعفت فيها بالغزال المغازل
وأحببتها أجلو دُجَاها بشادن … هو البدر إلا أنه غير آفل
متى شئت غناني وشاحٌ لخصرها … ولكن لها ساق صموت الخلاخل
سقى مدمعي أيام لَهوِي فإنها … لأشرف أن تسقى بسحب هواطل
فيا بردها المحبوب في وقدة الضحى … ويا طيبَ ريَّاها لنا بالأصائل
سرقنا لذيذ العيش فيهنَّ من يديْ … حوادث أيام غوافٍ غوافل
ولم ندر أن الدهر يعقب عطفه … بصدٍّ ونعماه ببؤس مواصل
سقانا مياهًا آسناتٍ وعهدنا … بهن معينات عِذَاب المناهل
فدع عنك نادي معشر أنت إنما … تنادي بهم تالله صمَّ الجنادل
وهاجر إلى الباب العزيز معوّلًا … عليه وأطلق من زمام الرواحل
فثمَّ مقيل الخلق من عثراتهم … بلى ومقيلٌ من هجير النَّوازل
وهي طويلة.
وقال يمدح الأمير عز الدين ابن مُوسَك، بقصيدة أولها:
بلغت بسعي المجد أسنى المكاسب … فناج إذا ما شئت زهر الكواكب
نزعت إلى جرثومة من خؤلةٍ … نمتك وأعمامٍ كرام المناصب
стр. 541
يبيحون في سبل المكارم ما غدت … تبيحهمُ في الرَّوع بيض القواضب
إذا وعدوا أوفوا وإن أوعدوا عفوا … وإن سُئِلوا أعطوا جزيل الرَّغائب
فآراؤهم تكفي النصال نصالهم … كما كتبهم تغني غناءَ الكتائب
لئن سبقوا واستأثروا بفضائلٍ … وقت مجدهم في ما مضى عيبَ عائب
فإنك قد شَيَّدت بنيان مجدهم … وبرَّزت عن غاياتهم في المناقب
وهي قصيدة طويلة.
وقال أيضًا يمدح الأمير نَصيرَ الملك مالك بن محمد بن شيبان الطَّوْدي، بقصيدة طويلة، أولها قوله: شعر
تذكرت والذكرى عناءٌ وباطلُ … معالم محَّتها صبا وشمائل
مقرِّ صباباتي وربع شبيبتي … ومثوى لداتي والذين أغازل
بهم لذَّ طعم العيش في جنباته … وطابت بمغناه ضحى وأصائل
كهول وشبَّان وشيب وصبية … خلت عرصات منهم ومنازل
هم القوم يلقى زائد العلم عندهم … وباغي ندى راحاتهم ما تحاول
بهاليل ديَّانُون حقًا أعفةً … وإن ناب خطب فالكفاة الكوافل
إذا كَتَبُوا أو أكْتَبُوا لعدوِّهم … أطاعتهم أقلامهم والذَّوابل
وإن ركبوا أبصرت أفرس عصبة … وأشجعهم أرحام حام منازق
مضوا ومضى شرخ الشباب وريقه … وعاجلني شيبٌ لفوديَّ شامل
وقد كنت ذا بأس بوجدان مثلهم … إلى أن تجلَّى لي هَزبرٌ مناضل
стр. 542
بضرب يعز العرب فارس تغلبٍ … إذا اصطدمت عند اللقاء الجحافل
فشاهدت ملءَ العين والقلب شيمةً … يميت ويحيي منه بأسٌ ونائل
فعولٌ بما تقضي عليه يد العلا … قؤولٌ إذا أعيا الإجابة قائل
له عزمات هنَّ أمضى من الضُّبا … يعاضدها السيف الذي هو حاملُ
سريع إذا يُدعى ليوم كريهة … بطيءٌ على داعي الخنا متثاقل
خبير بأوضاع الرياسة محكم … لأحكامها قاض بما شاء فاصل
بساحته أحبب بها وعراصه … تحقق آمالٌ وتقضى وسائل
وله: شعر
وما المرء إلا من وقى الذم عرضه … وعزَّ فلا ذامٌ لديه ولا غشّ
وليس بمن يرضى الدناءة والخنا … طباعا ولا من دأبه الهجر والفحش
وله: شعر
سأحلم عن خصمي بمجلس لغوه … ولست حليمًا عنه في حومة الوغى
وأستر طول الدهر في الغيب عيبه … حفاظًا ولا أبغي رضاه إذا بغى
وله أيضًا قوله: شعر
وقد كنت معذورا بآلفة الصبا … فهل لك بعد الشيب يا صاحِ من عذرِ
فقد يُعذَر السَّاري إذا ظل مدلجًا … ويُزرى به إن ضلَّ في وضح الفجرِ
وكان نَصير الملك بن شيبان المذكور، قد سمع موشحة يُغنَّى بها، فاقترح على ابن
стр. 543
عرام المذكور أن يعمل مثلها، فنظم هذه الموشحة ومدحه فيها، وهي قوله:
أقلّي العتب ويحك والملاما … فإن العذل يغري في الغراما
ذريني قبل غادية الليالي … أسابقها إلى خلس الوصال
وألهو بالغزالة والغزال … مع الإمكان من قبل ارتحال
وأهجر في لذاذاتي المناما … وأمزج ريق حبي بالمداما
وإن سَكِرت غدوت لها وشاحا
وقد أمست حماها لي مباحا
ونلت بها المراد ولا جُناحا
فسادي عندها أضحى صلاحا
وكم من قبلها عزت مراما … ولم ترحم كئيبًا مستهاما
وأزهار مفَتَّحة الكِمَام
بكى مزنٌ بدمع منه هامى
عليها فاغتدت ذات ابتسام
تفوح كعَرف جنات السلام
إذا نسمت بها ريح النعاما … ظننت المسك فاح ولا ختاما
منها في المدح:
نصير الملك أسنا الناس مجدا
وأشرفهم أبا برًا وجدّا … وأوثق منهم عقدًا وعهدا
وأشجعهم وأفرسهم وأندَى
стр. 544
فرد من فيض راحته غماما … وجرّد من عزيمته حُساما
أمالك أنت مالكُ كل فضل
لقد أنسيتني بالبر أهلي … بمغناك الرحيب حططت رحلي
وأذهب جودك الفيَّاض محلي
فزادك ربنا نعمًا جساما … وعزًا ما تلا صبح ظلاما
وله مكفِّر، أوله قوله: شعر
خذ أهبة الرّواح فالدهر قد صدح … بألسن فصاح من طارق الغير
قد نلت كل حظٍّ من كل باطل … ولم أصخ لوعظ من قول قائل
ولم أمل بلحظي نحو العواذل
فاكفف عن الجماح فالشيب قد وضح … وحلَّ في نواحي فوديك وانتشر
كوني على يقين يا نفس بالنشور
واسعي لما يقيني أن بعثر القبور … وراقبي وديني لخالق غفور
فمنهج النجاح باد لمن طمح … بأعين صحاح قويَّة النّظر
فأقدم على المعاد بصالح العمل
فذاك خير زاد لمن به وجل
وكن أخا اجتهاد وسابق الأجل
واعدل عن المزاح وازجر هوى طمح … واخفض من الجناح واغضض من البصر
وبِتْ وأنت جاهد في طاعة الجليل … معفِّرًا وساجدًا في ليلك الطويل
стр. 545
مشمرًا ورائدًا لعفوه الجزيل
فليس من جناح على أمر جنح … طوعًا إلى الصلاح وتاب واعتبر
يا خالق الأنام يا واهب العقول
يا مرسل الغمام في أزمة المحول
عفوًا بلا انتقام عن قائل يقول
بادر بصرف راح فالدّيك قد صدح … وقم إلى اصطباح بالزّمر والوتر
قال العماد الأصبهاني (١): سألت عنه في سنة ثلاث وسبعين وخمس مئة، فقيل لي: إنه حيٌّ بأسوان.
стр. 546
آخر الجزء الأول، يتلوه الجزء الثاني: علي بن أحمد بن أبي فوة الأزدي، والحمد لله وحده وصلواته [على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلّم] (١).
فرغ من تحرير هذا الكتاب بحمد اللَّه وحسن توفيقه على يد العبد الفقير إلى رحمة اللَّه تعالى: أبو عبد الله محمد بن الحسن بن علي بن محمد الأصفهاني الشافعي القادري الداودي، عفا اللَّه عنه وتاب عليه توبة نصوحا، ورحم اللَّه من يترحّم عليه آمين، وذلك بتاريخ: الاثنين سابع شهر ربيع الأول من سنة تسعين وسبع مئة، والحمد لله وحده عدد عفوه عن خلقه وصلّى [اللَّه على أشرف المرسلين: محمد خاتم النبيين وعلى آله وصحبه أجمعين، والحمد لله ربّ العالمين] (٢).
كتب في الحاشية أسفل الورقة على اليسار بخط مغاير:
أنهاه مطالعة: فقير الفيض الصمدي: موسى بن محمد الحسيني الحمداني، غفر اللَّه له ولوالديه ولمن دعا له بالمغفرة ولجميع المسلمين، وذلك في يوم الجمعة المباركة ثامن عشر شهر صفر الخير من شهور سنة ثمان وخمسين وألف، والحمد لله وحده.
وكتب في الوجه الآخر من الورقة بخط مغاير:
نظر فيه متأملًا زبد معانيه: محمد ابن الحاج أحمد الأغرار، وذلك في سنة ١١٣٠.
стр. 547
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
رب يسِّر وبه نستعين
٢٧٢ - علي بن أحمد بن أبي قوة الأزدي، يكنى أبا الحسن (١).
سكن مراكش، وكان أديبًا شاعرًا.
ذكره الأبار في "التحفة"، وأورد من شعره قصيدة يهنِّيءُ بها في فتح قفصة، منها في المهنَّى قوله:
فصلُ القضية أن حزبك غالبٌ … عند الكفاح وحزبهم مخذول
ذكَّرتَهم يومَ الحساب فلم يَسَلْ … منهم هناك عن الخليل خليل
منها:
ترك الفريسة وهي منه بمخلبٍ … إنَّ الصقور على البغاث تصول
كتبتْ يراعُ الصقر بين ضلوعه … سطرًا يرى في سفكه التأويل
فالثغر ثغر بالبشائر باسمٌ … والدين جفنٌ بالسَّرور كحيل
ومنها:
المجد يشهد والبسالة والنَّدى … والحلم أنك للإمام سليل
أحييتم الإيمان بعد مماته … وشفيتم الإسلام وهو عليل
لولا بيانكمُ ونور هداكمُ … لم يُعرف التحريم والتحليل
стр. 548
وقال يرثي أبا القاسم ابن حُبَيْش الخطيب (١)، بقوله:
يا سرحة العلم التي لما ذوت … طُمست عيونٌ بعدها وعيون
ما كنت إلّا الشَّمس يجهل قدرها … من لم تعاوده ليالٍ جون
إيهٍ ثمالَ الطالبين وظلَّهم … كلُّ المصائب ما عداك تهون
ومنها:
يأيها الروح المقدَّس لم تفِض … إلا لتسعف فيك حور عين
لله نعشك يوم حملك إنّه … لجميع أشتات العلوم ضمين
ومنها:
هذي المنابر باكياتٌ بعده … فلها عليه زفرة وأنين
ولطالما طربت به حتى تُرى … عيدانها قد عدن وهي غصون
غضبانُ في حق رفيقٌ بالورى … كالسَّيف فيه مع المضاءِ اللين (٢)
توفي بمراكش، سنة ثمان وست مئة، ﵀.
٢٧٣ - علي بن أحمد بن علي بن محمد بن الحسن بن عبد اللَّه بن أحمد بن الميمون القيسي، المصري المولد، الفقيه المالكي، المنعوت بالتاج، المعروف بابن القسطلاني (٣).
سمع الكثير من الجم الغفير، وروى عن زاهر بن رستم، ويحيى بن ياقوت،
стр. 549
وغيرهما، وأجاز له الخشوعي، وعفيفة (١).
روى لنا عنه قاضي القضاة أبو عبد الله محمد بن إبراهيم الحموي.
وكان متدينًا.
أفتى ودرَّس، وتولى دار الحديث بالقاهرة بالمدرسة الكاملية، ومدرسة المالكية بمصر، ومضى على جميل.
مولده ليلة السابع عشر، من جمادى الأولى، سنة ثمان وثمانين وخمس مئة بمصر.
وبها توفي، في سابع عشر شوال، سنة خمس وستين وست مئة.
٢٧٤ - علي بن أحمد بن علي بن لبَّال الشريشي القاضي أبو الحسن (٢).
ذكره الأبار، وقال: كان فقيهًا ورعًا ديِّنًا.
قرأ القراءات على شريح بن محمد، وسمع عليه صحيح البخاري.
وشَرَح "مقامات الحريري".
وكان أديبًا شاعرًا، ومن نظمه قوله: شعر
ما كنتُ أحسب قبل رؤية وجهه … أن البدور تدور في الأغصان
غازلته حتى بدا لي ثغرهُ … فحسبته درًّا على مرجان
كم ليلة عانقته فكأنما … عانقتُ من عطفيه غصنَ البان
стр. 550
يطغى ويلعب تحت عقد سواعدي … كالمهر يلعب تحت ثني عنان
وله:
ألبسني حلَّة الضنى قمرٌ … ألبسه الحسن حلة الخفر
أرسل من صدغه لعارضه … ذوابةً تحت لمَة الشعر
يفتر عن فضة وعن بَرَدٍ … وعن أقاحِ نَدٍّ وعن درَّ
وله:
لما تقوَّس مني الظهر عن كبر … وابيضَّ ما كان مسودًّا من الشعر
جعلت أمشي كأني نصف دائرة … تمشي على الأرض أو قوس بلا وتر
ومن هذا أخذ بعضهم قوله: شعر
تقوس بعد طول العمر ظهري … وداستني الليالي أيَّ دوس
فأمشي والعصا تمشي أمامي … كأن قوامها وترًا لقوسي
توفي ببلده، سنة ثلاث وثمانين وخمس مئة.
ومولده سنة ثمان وخمس مئة.
٢٧٥ - علي بن إسماعيل بن حسن بن عطية التُّلُكَّاتي، قال: وتُلُكَّاتة: بضم التاء واللام وتشديد الكاف، الصنهاجي الأبياري المولد الفقيه المالكي الشاهد العدل (١).
стр. 551
ذكره الحافظ منصور بن سليم الإسكندراني، وقال: كان من العلماء الأعلام أئمة الإسلام، برع في فنون من الفقه والأصول والكلام، وناب في الحكم بالإسكندرية عن قاضيها أبي الحسن عبد الرحمن بن سلامة، ودرّس بمدرسة أبي الفرج.
وصنف تصانيف (١)، منها: "شرح البرهان في الأصول" (٢)، تصنيف إمام الحرمين الجويني.
وروى الحديث عن أبي الطاهر إسماعيل بن عوف، وأبي القاسم بن جاره، وأبي عبد الله محمد بن محمد الكِرْكَنْتي.
وتفقه على ابن عوف، وأبي طالب أحمد بن المسلم اللخمي، والكِرْكَنْتِي المذكور.
قال منصور: وجدت بخط ابن الأبياري المذكور، مما كتب به إلى أبي محمد عبد العزيز بن عبد الله بن الصواف، جوابًا عن كتابٍ كتبه إليه أبو محمد المذكور، وأجابه ابن الأبياري عنه بهذه الأبيات وهي قوله:
أتاني كتابك يا سيدي … فجلّى الهموم وأهدى السّرورا
وصار فديتك لي مؤنسًا … وقد كنت في وحشة مستطيرا
فأما دعاؤك فهو المنى … وأما دعائي أراه يسيرا
وأما سؤالك عن حالتي … فمن ألف الشوق أضحى أسيرا
أخذ عنه الفقه والأصول الإمامان أبو عَمرو ابن الحاجب، وأبو الحسن علي بن وهب بن مطيع القشيري المنفلوطي، وغيرهما.
ولد بأبيار، سنة سبع وخمسين وخمس مئة.
стр. 552
وتوفي بالإسكندرية، سادس شمهر رمضان، سنة ست عشرة وست مئة.
وتُلُكَّاتة: قبيلة من البربر (١).
٢٧٦ - علي بن إسماعيل بن علي بن عبد الله القرشي الطوسي الأصل، المنعوت المعروف بابن السيوري، الإسكندراني المولد، المكنى بأبي الحسن (٢).
كان نحويًا فاضلًا، أديبًا شاعرًا.
روى عن الحافظ أبي طاهر السلفي، وحدث بشيء من شعره.
روى عنه عبد الوهاب بن رواج، وعلي بن المفضل المقدسي الحافظ، وأبو القاسم الصفراوي، وغيرهم.
أنشدنا الفقيه المفتي أبو العباس أحمد بن المصفى الإسكندراني إجازة، أنشدنا الإمام الحافظ منصور بن سليم الإسكندراني الفقيه، أنشدنا عبد الوهاب بن رواج، أنشدني أبو الحسن المذكور لنفسه قوله: شعر
إذا تخلفت عن صديقٍ … ولم يعاتبك في التخلُّف
فلا تعد بعد ذا إليه … فإنما ودّه تكلُّف
وبه إلى أبي القاسم الصفراوي، قال: أنشدنا على بن إسماعيل لنفسه، قوله: شعر
قل للذي يجمع الأموال مجتهدًا … بجمعها فرحًا قد غرَّه الأمل
لا تفرحنَّ بدنيا قد شغفتَ بها … عمَّا قليل لعمر الله ترتحل
стр. 553
فاجعل لنفسك دارًا إن حللت بها … حمَدْتَ أمرك فيها حين تنتقل
وله:
تشاغل الناس بالدنيا وزخرفها … بالمال والخيل والأولاد والخَول
وعرَّجوا عن طريق الحقِّ إذ جهلوا … سبل الرشاد بطول العمر والأمل
والحق أبلج لا يخفى على أحدٍ … إن السلامة خير القول والعمل
ولد بالإسكندرية ليلة عرفة، سنة ثمان عشرة وخمس مئة.
وتوفي في رجب، سنة أربع وست مئة.
٢٧٧ - علي بن إسماعيل بن يوسف القُوْنَوِي، المنعوت بالعلاء، الشافعي العلامة الصوفي (١).
شيخ الشيوخ وقاضي القضاة، شيخ الدهر وعالمه، ومن شادت به أركان التصوف ومعالمه، إن ذُكِر التفسير فالزمخشري، أو الفقه فالطبري، أو البيان والبديع فالسكاكي والجزري، أو النحو فالجياني أو العكبري، أو التصريف فصاحب "الممتع" (٢) منه يمتار وفي معرفته لا يمتري، أو التصوف فالجنيد والسّري، أو الأصول فالبحر العجاج،
стр. 554
والعارض الصيب، أو الكلام فابن فورك وابن الطيب، أو الجدل والخلاف فالنسفي والعميدي (١) يسلِّمان له فيه، أو المنطق فالخونجي والأبهري يتلقياه مِن فيه.
هذا مع عقل وافرٍ، وثوب يلبسه مما حرم الله طاهر، ونسك باهر، ودين ظاهر.
أقام بالقاهرة قريبًا من ثلاثين سنة، يلقي دروسًا تُحيي قلوبًا، وتسُرُّ نفوسًا، وتدير من العوارف على أهل المعارف كؤوسًا.
وقد جمع إلى ما منحه الله من الفضائل الأخلاق الرضية، والسيرة المرضية، والملازمة للتلاوة والذكر، والاشتغال بالنظر في العلوم والفكر، إذا طلع الفجر خرج من مسكنه للصلاة بسكون ووقار، ثم يستمر في إفادة الطلبة إلى منتصف النهار، ثم من بعد الظهر إلى وقت العصر في شفاعة يشفعها، أو مَضَرَّة يدفعها، أو سلام على قادم، أو عيادة إلى أن يتوجه للخانقاه للذكر والعبادة، قد قطع دون ذلك العلائق، فلم يُعِقه عن القيام بهذه الوظائف عائق، والتيسير للأعمال الصالحة شاهدٌ لصاحبه بالسعادة الأبدية، وقاض له بالنعمة الأخروية.
سمع الحديث من إبراهيم بن عنتر المعروف بالمارداني، وأبي العباس أحمد بن عبد الله اليونيني، ومن أبي العباس أحمد بن عبد الواحد بن الزملكاني، وأبي الفضل أحمد بن هبة الله بن عساكر، وإسماعيل بن عثمان ابن المعلم، وأبي الخير سلامة بن سالم الجعبري، وعبد الله بن محمد الرصافي، وأبي حفص عمر بن القواس، وبمصر من الأبرقوهي، وابن الصوّاف، وابن القيم، ومن الحافظ عبد المؤمن الدمياطي، وقاضي القضاة أبي الفتح محمد بن علي بن وهب القشيري، ولازمه زمنًا طويلًا، وكتب له بخطه مع تحرِّيه، وضبطه على "مختصر ابن الحاجب"، على النسخة التي هي ملكه:
стр. 555
باحثتُ صاحب هذا الكتاب ونعته، وقال: فوجدته يطلق عليه اسم الفاضل استحقاقًا، وناهيك به من عالم متضلع، ومحتاط في ما يكتبه أو يقوله، متورع، وهو حقيق بكل وصف جميل، وجدير بكل ثناء جزيل.
رحل إليه الطلبة من الأقطار، وأتوا لفوائده من كل النواحي والأمصار، وصار مجلسه تنتمي إليه الأفاضل وترتمي عليه الأماثل.
رحلتُ إليه من أمد بعيد، وقصدته من أعلى الصعيد، ولازمته سنين، أقرأ عليه ما يفيد، وآخذ عنه وأستفيد، وكان مشفقًا عليَّ ومحسنًا إليَّ، فجزاه الله عني خير الجزاء، وجعل جزاءه في الآخرة من أوفر الجزاء.
درَّس بدمشق بالمدرسة الإقبالية، ثم تولى بالقاهرة المدرسة الشريفية، ومشيخة الخانقاه الصلاحية.
وصنف تصانيف منها: "شرح الحاوي الصغير" (١)، شرحه شرحًا جيدًا، واختصر "منهاج الحليمي"، وسماه: "الابتهاج في اختصار المنهاج" (٢)، وشرح كتابًا في التصوف سماه: "حسن التصرف في شرح التعرف" (٣)، واختصر المعالم في الأصول، وله نظم ونثر.
وما زال بالقاهرة ملازمًا لعلم يفيده وخير يبديه ويعيده، إلى أن تولى قضاء القضاة بالشام فتوجه إليه، وخرج الناس باكون عليه سائرون بين يديه، وذهبت تلك الفوائد بذهابه، وغابت تلك العوائد بغيابه، وتشتت شمل الاجتماع، وفُقِدت تلك اللطائف التي كانت تمر على الأسماع.
стр. 556
وأقام بدمشق إلى أن حدَّت له المنية شفارها، وأنشبت فيه أظفارها، فغيَّبته عنها، وأودعته عند التي خلق منها.
وكانت وفاته بدمشق، في يوم السبت رابع عشر ذي القعدة، ودفن يوم خامس عشر سنة تسع وعشرين وسبع مئة، وسنّه اثنتان وستون سنة، رحمة الله عليه.
٢٧٨ - علي بن إسماعيل بن إبراهيم بن جُبَارَة (١) بن المختار بن مرهف بن إبراهيم الكندي السخاوي، المنعوت بالشرف، المكني بأبي الحسن (٢).
كان نحويًا أديبًا شاعرًا.
سمع الحديث من الحافظ السِّلَفي، وغيره، وتأدب بأبي بكر محمد الإسكندراني، وغيره، وقرأ "ديوان" المتنبي على عثمان الموصلي.
وله "ديوان" شعر، في مجلدين، وحدَّث بشيء من شعره.
سمع منه الحافظ عبد العظيم المنذري، والفقيه الحافظ منصور بن سليم، وغيرهما.
وتولى نظر الديوان بالغربية، وكُفَّ بصره بآخره، وانقطع وصار يشتغل بالنحو والأدب.
أنشدنا الفقيه المفتي أبو العباس أحمد بن عبد العزيز الإسكندراني إجازةً، أنشدنا العلامة منصور بن سليم الإسكندراني، أنشدنا ابن جُبارة المحلِّي بالقاهرة لنفسه، قوله: شعر
стр. 557
قفوا في رُبا نجدٍ ففي الحي مرباه … وغنُّوه إن أبصرتم ثَمّ مغناهُ
أما هذه نجدٌ أما ذلك الحمى … فهل عميت عيناه أم صُمَّ أذناه
متى ما رأى ظلّ الأراك وماءه … فإنَّ خطاه دون أن يتخطّاه
دعوه يوفِّى تربَه بالتّثامة … دويْن هواه قبل أن يتوفاه
ولا تسألوه سلوة فمن العنا … رياضةُ من قد شاب في الحبّ فوداه
أيحسب من أصلى فؤادي بهجره … بأني أسلو عنه حاشاه حاشاه
متى غدر الصب الكئيب وفَى له … وإن أتلف القلب الحزين تلافاه
وإن سألوا عن داره داره الحشى … وإن طلبوا مثواه فالقلب مثواه
وإن ذكروا مغناه أو صرَّحوا به … فإن مُعنَّاه أحقُّ بمغْناه
فيا سابقًا ركب الغرام لقصده … أكل أذىً في الحبِّ يغشاه تخشاه
أرحها فقد ذابت من الشوق والسُّرى … ولم يبق إلا عظمها أو بقاياه
وعرِّج على وادي العقيق لعلَّني … أُسائل عمن كان بالأمس مأواه
ويا منيتي عرج على الخيف من مِنىً … وأما النَّقا من لي بأنيَ ألقاه
وقل لليالٍ قد سلفن بعيشةٍ … وعيشٍ على رغم العذول قطعناه
هل العود أرجوه أم العمر ينقضي … فأقيم ولا أقضي الذي أتمّناه
وقوله أيضًا: شعر
لست أشكو لهواها ألمًا … إن أباحت لفمي ذاك اللَّمى
ما عليها وهي عندي قبلةٌ … لو دنا منها فمي واستلما
стр. 558
أنا أسلمت إليها مهجتي … فاستباحت في الهوى من أسلما
كلما قلتُ دنا منها الرِّضى … جرَّدت سيف صدودٍ كلما
قل ما أبقى وقد صِرت بها … من نحول الجسم أحكي قلما
وله:
يا أهل نجد وجودي بعدكم عدمُ … عمرٌ يُذمُّ وعيش كله ندم
نأيتمُ فسلونى بعدَ بعدكمُ … مستسلمٌ للأسى والصبر منهزم
بنتم فلا أنتم نحوي فأنظركم … ولا الخيال الذي يسري به الحلم
وأقسمت مقلتي لا مسَّها وسنٌ … فقال دمعي وفي جريي جرى القسم
لي هجركم ولغيري صفوُ وصلكم … والهجر والوصل في شرع الهوى قسم
أثاركم في ثراكم أثرت حرقًا … بين الضلوع فجمر الوجد مضطرم
أطوف فيها وأستملي حديثكم … من ضُجْعِها وتسمِّيكم فأستلم
ما أنصف البرق لما شمت بارقه … من ربعكم أنا أبكي وهو يبتسم
تراه أبصركم دوني فأطربَه … مرآكم فدموعي منه تنسجم
سقيت ربعكم من أدمعي فرقًا … من أن تسابقني في سقيها الدّيم
كيف انتصافي من خودٍ محجَّبة … تسطو على الصبِّ وهي الخصم والحكم
لقيتها في منىً وهي المنى أمما … ومشهد الخيف قد حفَّت به الأمم
ما بالها ألفت لا كلما سألت … نفسي الوصال أما يعنو لها نعم
فقلت أين المواعيد التي سلفت … والعهد أجدر أن ترعى له الذمم
стр. 559
قالت إذا ما انقضى الشهر الحرام أقم … بحيث تُثنى القبابُ البيض والخيم
يا هذه قد تقضَّى في مطالك لي … عمري فكل زماني أشهرٌ حرم
أليس لي حرمة ترعين واجبها … قالت وحرمة من قد ضمه الحَرَمُ
لآتينك إلا أن يُعَوِّقَني … صرفُ الزمان الذي يقضي ويحتكم
وها يميني إن برَّت بما وعدت … يمينها لا اعتراني بعدها ألم
وأخذ في المدح.
وله هذه الأبيات من قصيدة أولها، قوله: شعر
كم للحمائم فوق الدوح ألحان … من أجل تلك المعاني يرقص البان
تشدوا ويُنْشِد وجد الصَّبِّ مِنْ ولهٍ … أفي الحمام على الأشجان أعوان
مِنِّي ومنها إذا جنَّ الظلام على … كأس الصبابة ندمان وإدمان
خذي حديثي أو هاتِ الحديث ففي … رجع الأحاديث للندمان سلوان
لولا مخافة أن يصلى بنار جوىً … لعاد سرُّ غرامي وهو إعلان
لوَجْهِها ولذاك الحسن قد سجدت … في طاعة الحسن أقمار وأغصان
لو لم تمس غصنًا لم يبد من ثمر … في الخد والصدر تفاح ورمان
وشبَّهوا قدَّها رمحًا ومقلتها … سنانه أسنان وهو وسنان
وريقها الخمر والمسواك شاهدها … وكيف يشهد عدل وهو سكران
إن أَتْهَمَتْ ففؤادي غير متَّهم … في حبها وهو بالأشواق ملآن
أو أنجدت أنجدتني أدمعي ومعي … وجدي المقيم وما للوجد كتمان
стр. 560
قال منصور بن سليم: سألته عن مولده؟ فقال لي: وُلدت بسخا في سنة أربع وخمسين وخمس مئة.
زاد غيره: في المحرم (١).
قال منصور: وتوفي بالقاهرة، في خامس ذي الحجة، سنة إحدى وثلاثين وست مئة.
وقال غيره: توفي ليلة الأربعاء، خامس الشهر، سنة اثنتين وثلاثين وست مئة، رحمة الله عليه.
٢٧٩ - علي بن أنجب بن عثمان بن عبد الله بن عبيد الله بن عبد الرحمن بن عبد الرحيم البغدادي، المنعوت بالتاج، والمكنى بأبي طالب، والمعروف بابن الساعي، المقرئ الفقيه الشافعي المؤرخ المحدث (٢).
قرأ القراءات على أبي البقاء العُكبري، وسمع الحديث من أبي الحسن علي بن محمد بن علي الموصلي، وأبي القاسم سعيد بن معالي بن فتوح المعروف بابن كمُّونة، وأبي حفص عمر بن كرم الدينوري، وأبي الحسن محمد بن أحمد القطيعي، والحسن والحسين ابني المبارك بن الزبيدي، وأبي طالب عبد اللطيف بن القُبَيطي، وأبي محمد يوسف ابن الحافظ أبي الفرج ابن الجوزي، وخلائق غيرهم.
ولبس خرقة التصوف من الإمام أبي حفص عمر السهروردي.
стр. 561
وروى عنه أبو عبد الله محمد بن النجار الحافظ وهو شيخه، وأبو الفرج محمد بن حامد بن دهمان، وعبد المؤمن بن خلف الدمياطي الحافظ، وابن الكسار، وغيرهم.
وكان فقيهًا لطيفًا، دمث الأخلاق، كريم الطباع.
وله تصانيف كثيرة منها: "كشف كلمات الكتاب العزيز"، مرتبًا على الحروف، وكتاب "الجمان في تفسير القرآن"، مجلدان، وكتاب "الغرر في تفسير آي الشمس والقمر"، مجلدان، وكتاب "الدرّ الثمين في فضل بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ"، وكتاب "الأخبار النبوية في القواعد الفقهية"، وكتاب "شرح الأحاديث النبوية في الأحكام الشرعية"، ثلاث مجلدات، وكتاب "إرشاد الطالب إلى معرفة المذاهب"، مجلدان، وكتاب "جهد الطاعة في شرح نهج البلاغة"، أربع مجلدات، وكتاب "شرح المقامات في التصوف"، مجلدان، وكتاب "الغايات"، أيضًا في التصوف، خمس مجلدات، وكتاب "نهاية الفوائد الأدبية في شرح المقامات الحريرية"، خمسة وعشرون مجلدًا، وكتاب "الذيل على تاريخ ابن الأثير"، خمس مجلدات، وكتاب "لطائف المعاني في شعراء زماني"، عشر مجلدات، وكتاب "الجامع المختصر في التواريخ والسير" (١)، ستة وعشرون مجلدًا، وكتاب "معجم الأدباء" (٢)، خمس مجلدات، وكتاب "طبقات الفقهاء" (٣)، ثمان مجلدات، وله غير ذلك (٤).
стр. 562
وله النظم البديع، ومن نظمه قوله: شعر
للثمانين بقلبي لوعةٌ … بدَّلتني بعد نفعي بالضّرر
تُضعِف الأعضاء مني كلها … عند ذوق وسماع ونظر
وإذا ما رُمت سعيًا خانني … عظم ساق ورباط ووتر
تُرعش الأعضاء مني فأنا … من صعودي وحدوري في خطر
وإذا استنجدت عزمي قال لي … عندما أدعوه كلا لا وزر
ووقَف كُتُبه على المدرسة النظامية ببغداد، ومضى على جميل وسداد.
ومولده يوم الأربعاء، خامس عشرين شعبان، سنة ثلاث وتسعين وخمس مئة.
وتوفي في ليلة الأحد، العشرين من شهر رمضان، سنة أربع وسبعين وست مئة، رحمة الله عليه.
٢٨٠ - علي بن أبي القاسم بن غُزّي بن عبد الله الدّمياطي، المعروف بابن قُفْل (١).
أحد المشهورين بالكرامات، المعروفين بالمعارف والبركات.
روى عنه الحافظ المنذري حكاية.
وقال منصور بن سليم: إنه صحب أبا مروان عبد الملك بن عمر بن قُفْل الدمشقي واشتهر به، وروى بالإجازة عن أبي الحسين أحمد بن جبير، قال: وصحبته وانتفعت به.
قال: وكان مرصدًا لقضاء الحاجات وإيصال الراحات.
وذكره ابن مَسْدي، وأثنى عليه، وقال: سمع بمكة من يونس بن يحيى، وغيره.
وقال: إنه سأله عن مولده، فقال: قبل الثمانين وخمس مئة، بتقدير ثلاث سنين.
стр. 563
ولما استولى الإفرنج، خذلهم الله، على دمياط أُسِر، ولكنهم كانوا يعظّمونه ولا يمتهنونه، وكان ذا سمت حسن، وقدم مصر، وصحبه جماعة، وانتُفع به، وله بالقرافة رباط، ووَلَد بمصر أولادًا، ومضى على جميل.
وقال الشريف أبو العباس النقيب الحافظ: مولده تقريبًا سنة ست وخمسين وخمس مئة، وتوفي في يوم الأربعاء، رابع عشرين ذي الحجة، سنة سبع وأربعين وست مئة، ودفن برباطه في قرافة مصر، في خامس عشرين ذي الحجة، وقبره يزار (١).
زُرته أنا ودعوت عنده، تقبّل الله مني.
٢٨١ - علي بن بلبان بن عبد الله الفارسي الأصل، المنعوت علاء الدين، المكني بأبي الحسن الفقيه الحنفي (٢).
كان فاضلًا مشاركًا في فنون من فقه وأصول وعربية ومنطق وأدب، وكان جنديًا.
وسمع الحديث بدمشق من القاسم بن محمود بن عساكر، وبالقاهرة من الحافظ عبد المؤمن بن خلف الدمياطي، وأبي الحسن نصر الله بن الصواف، وغيرهما.
وتفقه بقاضي القضاة أبي العباس أحمد السّروجي، وفخر الدين عثمان بن التركماني، ومحيي الدين الدمشقي، وغيرهم، وقرأ الأصول والمنطق على شيخنا علاء الدين علي القُوْنَوي، والنحو على شيخنا أثير الدين أبي حيان محمد بن يوسف، وصحب نائب السلطنة سيف الدين أرغون، وصارت له وجاهة.
وكان فيه ديانة، وصنف تصانيف منها: "شرح كتاب الجامع"، تصنيف الشيخ صدر
стр. 564
الدين الأخلاطي (١)، ورتّب "صحيح ابن حبان" على أبواب الفقه (٢)، وكذلك "معجم الطبراني الكبير"، وأعانه عليهما الشيخ قطب الدين عبد الكريم بن عبد النور.
وله نظم حسن، على طريقة الفقهاء، منه قوله: شعر
سَرت نسمة طابت بطيبة الذكر … فأرجت الأرجاء من عرفها العطر
وجاءت بها البشرى فسرت بما سرت … وأحيت بما حيَّت إلى مطلع الفجر
فيا حسنها نجدية زمزمية … أضاء لها من ثغرها زاهر الدُّر
تنسم منها كل قلب وقالب … فتيق نشيق الشيح والرّند والزهر
تجلَّت فجلَّت بالشفا كل غلة … وحلت فحلَّت بالصفا عقدة الهجر
أباحت خباءً من حبائل حسنها … فصيد به صيد الصناديد عن قسر
وغادرت الأسرار أسرى بأسرها … تسرُّ بما لاقت وذاقت من الأسر
فأصبحت مشتاقًا إلى ساكن الحمى … ولم أستطع من بعد شيئًا من الصبر
وأجمعت أرباع المسير لعلني … أوافي فيافي السهل والحزن والوعر
إلى مكة والمروتين وزمزم … وكعبتها الغراء والركن والحجر
стр. 565
وخيف منى والمازمين ملبِّيًا … ونيل منى بالموقفين وبالنفر
وبالرمي ثم الحلق غير مقصر … لأُكسى الرضا من مجمل الستر والستر
أميس به عند الطواف وأنثني … لتكمل حجي راميًا نسك الجمر
وأنفر للبيت العتيق مودّعا … وداع محبٍّ واله القلب مضطر
أخلِّف نفسي والحشاشة راحلًا … دموع عيوني كالعيون إذا تجري
أروح بلا روح أجاور جيرتي … برسم حياتي إذ أمرُّ إلى مرّ
لأحيي برشفي من شراب رضابه … ولثمي برسمي باسم الدرِّ في الثغر
وضمي لعزمي صدر مغناه صادرًا … إلى مورد الصفراء ذي الرفرف الخضر
أسير إلى وادي العقيق مؤمِّلا … زيارة خير الأرض من روضة القبر
جناب الندى والفضل والحلم والتُّقى … وباب الهدى والعدل والعلم والبرّ
وصفوة خلق الله شرقًا ومغربًا … سماءً وأرضًا وهو في العلم والذر
محمد المهدي إلى خير أمة … به وضع الأغلال عنها مع الإصر
نبي الهدي والعاقب الحاشر الذي … به ختم الله النبوة في الدهر
نبيٌّ زكيٌّ كامل الوصف عادل … مناقبه جلت عن الحد والحصر
تقي نقي ليس في الكون مثله … سنا نوره يربو على الشمس والبدر
صفيٌّ وفيٌّ حاز خلقًا معظمًا … كما جاء بالتنزيل في محكم الذكر
شفيعٌ رفيعٌ قدره عند ربه … وسيلته في الحشر من أعظم الذخر
جليل خليل للإله مفضَّل … على الخلق من بيض وسود ومن حمر
إمامٌ همامٌ سيدٌ متواضعٌ … سليمٌ من الأهواء والعُجْب والكبر