وروى عنه أبو عبد الله محمد بن النجار الحافظ وهو شيخه، وأبو الفرج محمد بن حامد بن دهمان، وعبد المؤمن بن خلف الدمياطي الحافظ، وابن الكسار، وغيرهم.
وكان فقيهًا لطيفًا، دمث الأخلاق، كريم الطباع.
وله تصانيف كثيرة منها: "كشف كلمات الكتاب العزيز"، مرتبًا على الحروف، وكتاب "الجمان في تفسير القرآن"، مجلدان، وكتاب "الغرر في تفسير آي الشمس والقمر"، مجلدان، وكتاب "الدرّ الثمين في فضل بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ"، وكتاب "الأخبار النبوية في القواعد الفقهية"، وكتاب "شرح الأحاديث النبوية في الأحكام الشرعية"، ثلاث مجلدات، وكتاب "إرشاد الطالب إلى معرفة المذاهب"، مجلدان، وكتاب "جهد الطاعة في شرح نهج البلاغة"، أربع مجلدات، وكتاب "شرح المقامات في التصوف"، مجلدان، وكتاب "الغايات"، أيضًا في التصوف، خمس مجلدات، وكتاب "نهاية الفوائد الأدبية في شرح المقامات الحريرية"، خمسة وعشرون مجلدًا، وكتاب "الذيل على تاريخ ابن الأثير"، خمس مجلدات، وكتاب "لطائف المعاني في شعراء زماني"، عشر مجلدات، وكتاب "الجامع المختصر في التواريخ والسير" (١)، ستة وعشرون مجلدًا، وكتاب "معجم الأدباء" (٢)، خمس مجلدات، وكتاب "طبقات الفقهاء" (٣)، ثمان مجلدات، وله غير ذلك (٤).
стр. 562
وله النظم البديع، ومن نظمه قوله: شعر
للثمانين بقلبي لوعةٌ … بدَّلتني بعد نفعي بالضّرر
تُضعِف الأعضاء مني كلها … عند ذوق وسماع ونظر
وإذا ما رُمت سعيًا خانني … عظم ساق ورباط ووتر
تُرعش الأعضاء مني فأنا … من صعودي وحدوري في خطر
وإذا استنجدت عزمي قال لي … عندما أدعوه كلا لا وزر
ووقَف كُتُبه على المدرسة النظامية ببغداد، ومضى على جميل وسداد.
ومولده يوم الأربعاء، خامس عشرين شعبان، سنة ثلاث وتسعين وخمس مئة.
وتوفي في ليلة الأحد، العشرين من شهر رمضان، سنة أربع وسبعين وست مئة، رحمة الله عليه.
٢٨٠ - علي بن أبي القاسم بن غُزّي بن عبد الله الدّمياطي، المعروف بابن قُفْل (١).
أحد المشهورين بالكرامات، المعروفين بالمعارف والبركات.
روى عنه الحافظ المنذري حكاية.
وقال منصور بن سليم: إنه صحب أبا مروان عبد الملك بن عمر بن قُفْل الدمشقي واشتهر به، وروى بالإجازة عن أبي الحسين أحمد بن جبير، قال: وصحبته وانتفعت به.
قال: وكان مرصدًا لقضاء الحاجات وإيصال الراحات.
وذكره ابن مَسْدي، وأثنى عليه، وقال: سمع بمكة من يونس بن يحيى، وغيره.
وقال: إنه سأله عن مولده، فقال: قبل الثمانين وخمس مئة، بتقدير ثلاث سنين.
стр. 563
ولما استولى الإفرنج، خذلهم الله، على دمياط أُسِر، ولكنهم كانوا يعظّمونه ولا يمتهنونه، وكان ذا سمت حسن، وقدم مصر، وصحبه جماعة، وانتُفع به، وله بالقرافة رباط، ووَلَد بمصر أولادًا، ومضى على جميل.
وقال الشريف أبو العباس النقيب الحافظ: مولده تقريبًا سنة ست وخمسين وخمس مئة، وتوفي في يوم الأربعاء، رابع عشرين ذي الحجة، سنة سبع وأربعين وست مئة، ودفن برباطه في قرافة مصر، في خامس عشرين ذي الحجة، وقبره يزار (١).
زُرته أنا ودعوت عنده، تقبّل الله مني.
٢٨١ - علي بن بلبان بن عبد الله الفارسي الأصل، المنعوت علاء الدين، المكني بأبي الحسن الفقيه الحنفي (٢).
كان فاضلًا مشاركًا في فنون من فقه وأصول وعربية ومنطق وأدب، وكان جنديًا.
وسمع الحديث بدمشق من القاسم بن محمود بن عساكر، وبالقاهرة من الحافظ عبد المؤمن بن خلف الدمياطي، وأبي الحسن نصر الله بن الصواف، وغيرهما.
وتفقه بقاضي القضاة أبي العباس أحمد السّروجي، وفخر الدين عثمان بن التركماني، ومحيي الدين الدمشقي، وغيرهم، وقرأ الأصول والمنطق على شيخنا علاء الدين علي القُوْنَوي، والنحو على شيخنا أثير الدين أبي حيان محمد بن يوسف، وصحب نائب السلطنة سيف الدين أرغون، وصارت له وجاهة.
وكان فيه ديانة، وصنف تصانيف منها: "شرح كتاب الجامع"، تصنيف الشيخ صدر
стр. 564
الدين الأخلاطي (١)، ورتّب "صحيح ابن حبان" على أبواب الفقه (٢)، وكذلك "معجم الطبراني الكبير"، وأعانه عليهما الشيخ قطب الدين عبد الكريم بن عبد النور.
وله نظم حسن، على طريقة الفقهاء، منه قوله: شعر
سَرت نسمة طابت بطيبة الذكر … فأرجت الأرجاء من عرفها العطر
وجاءت بها البشرى فسرت بما سرت … وأحيت بما حيَّت إلى مطلع الفجر
فيا حسنها نجدية زمزمية … أضاء لها من ثغرها زاهر الدُّر
تنسم منها كل قلب وقالب … فتيق نشيق الشيح والرّند والزهر
تجلَّت فجلَّت بالشفا كل غلة … وحلت فحلَّت بالصفا عقدة الهجر
أباحت خباءً من حبائل حسنها … فصيد به صيد الصناديد عن قسر
وغادرت الأسرار أسرى بأسرها … تسرُّ بما لاقت وذاقت من الأسر
فأصبحت مشتاقًا إلى ساكن الحمى … ولم أستطع من بعد شيئًا من الصبر
وأجمعت أرباع المسير لعلني … أوافي فيافي السهل والحزن والوعر
إلى مكة والمروتين وزمزم … وكعبتها الغراء والركن والحجر
стр. 565
وخيف منى والمازمين ملبِّيًا … ونيل منى بالموقفين وبالنفر
وبالرمي ثم الحلق غير مقصر … لأُكسى الرضا من مجمل الستر والستر
أميس به عند الطواف وأنثني … لتكمل حجي راميًا نسك الجمر
وأنفر للبيت العتيق مودّعا … وداع محبٍّ واله القلب مضطر
أخلِّف نفسي والحشاشة راحلًا … دموع عيوني كالعيون إذا تجري
أروح بلا روح أجاور جيرتي … برسم حياتي إذ أمرُّ إلى مرّ
لأحيي برشفي من شراب رضابه … ولثمي برسمي باسم الدرِّ في الثغر
وضمي لعزمي صدر مغناه صادرًا … إلى مورد الصفراء ذي الرفرف الخضر
أسير إلى وادي العقيق مؤمِّلا … زيارة خير الأرض من روضة القبر
جناب الندى والفضل والحلم والتُّقى … وباب الهدى والعدل والعلم والبرّ
وصفوة خلق الله شرقًا ومغربًا … سماءً وأرضًا وهو في العلم والذر
محمد المهدي إلى خير أمة … به وضع الأغلال عنها مع الإصر
نبي الهدي والعاقب الحاشر الذي … به ختم الله النبوة في الدهر
نبيٌّ زكيٌّ كامل الوصف عادل … مناقبه جلت عن الحد والحصر
تقي نقي ليس في الكون مثله … سنا نوره يربو على الشمس والبدر
صفيٌّ وفيٌّ حاز خلقًا معظمًا … كما جاء بالتنزيل في محكم الذكر
شفيعٌ رفيعٌ قدره عند ربه … وسيلته في الحشر من أعظم الذخر
جليل خليل للإله مفضَّل … على الخلق من بيض وسود ومن حمر
إمامٌ همامٌ سيدٌ متواضعٌ … سليمٌ من الأهواء والعُجْب والكبر
стр. 566
عزيز وجيز لفظه الجزل جامعٌ … بدائع أعيت ناطق القل والكثر
حبيبٌ نجيب من سلالة هاشم … وعبد مناف من قصي ومن فهر
لمولده نيران فارسَ أخمدت … وإيوان كسرى ناله الصدع بالكسر
وصارت له شهُبُ السماء ثواقبًا … تريد مريد الجن بالذل والذعر
وهي طويلة، ذكر فيها جملة من معجزاته ﷺ .
وسأله شيخنا أثير الدين أبو حيان أن يشارك الجماعة في نظم القصيدة الزائية التي نظموا فيها، وكان الشيخ متوجهًا إلى الحجاز، فودَّعه، ورجع ونظم هذه القصيدة، أولها قوله: شعر
ليهنك خير الدهر ما نلت ناجزًا … بحجك مبرورًا وعودك فائزا
حججت إلى أم القرى تبتغي القِرى … تجوب إليها بِيدَها والمفاوزا
فلبيت إذ نوديت حجًا وعمرة … فطفت ببيت الله سبعًا نواجزا
وفزت بصفو العيش في مروة الصفا … وفي الخيف أمن الخوف أصبحت جائزا
وفي عرفات قد منحت عوارفًا … فكمَّلت مفروضا حباك الجوائزا
ويمّمت روضات الجنان بطيبة … فتمَّمت بالتسكين ما كنت عائزا
وعاودت أوطانًا لبيتك أوحِشَت … فألبستها أنسًا بوصلك آرزا
فعش سالمًا في ظل فضلك وارثًا … لتحيي دروس العلم مادمت بارزا
وتجلي عروس النظم في حلل الرضى … بأمرك والشطرنج يتلو الغرائزا
وبعد فإني قد نظمت قلائدًا … وإن كنت عن شأو المجلين عاجزا
ورصَّعت فيها من جواهر حكمة … مقاطعها فصلتها فيه لاغزا
стр. 567
تألّفتها حتى استراضت فأصبحت … أوانس درٍّ خاضعات بَوَارزا
غرائب أبدى العقل فيها لطائفًا … يضيق نطاق الحصر عنها مجاوزا
جنود وفرسان تحارب مثلها … يرى الخصم أكل الخصم حلا وجائزا
تصف بأرض من أديم مخطط … تبوأ منها كل صف مراكزا
مقسمة بالقسط والعدل أربعًا … وستين بيتا قسمها ليس ضائزا
جيوش بلا جاس وأبطال باطل … مقانب حرب قد برزن نواهزا
فسمرٌ كجيش فانيات فواتك … وحمرٌ كأتراك صددن نواشزا
تزيِّن منها كل خد ووجنة … بخال وأوضاح تصيد المبارزا
إذا ما مررت الدهر وافيت معشرًا … عكوفًا على الأصنام منها رواكزا
هي النفس إن دبَّرتها عزَّ فقرها … ونلت بها أيدًا تقيك الهزاهزا
وإن أهملت جارت عليك بحكمها … فأودعت القلب الجوى والحزائزا
فصنها عن التفنيد واللعب الذي … يحلل معنَّى للمكاره كالزا
فخذها أثير الدين رحلة دهره … إمام الورى لازلتَ للفضل مارزا
عروسًا أتت من غير مهر ودعوة … إلى الشيخ تقفو صبية وعجائزا
وأبياتها خمس وسبعون يُسّرت … بها الحسن والإحسان قد ظل راكزا
ولو شئت ضاعفت القوافي مكثرًا … وأطنبت في تلك المعاني مُعاوزا
ولكنَّ قصد الفضل أكمل حالة … كما أن خير القول ما كان واجزا
مولده سنة خمس وسبعين وست مئة.
стр. 568
وتوفي بمنزله، بشاطئ النيل خارج القاهرة، في تاسع شوال، سنة تسع وثلاثين وسبع مئة.
٢٨٢ - علي بن جابر بن علي اللخمي الإشبيلي، أبو الحسن الدباج النحوي المقرئ (١).
قرأ القراءات على أبي بكر ابن صاف، وغيره، والنحو على أبي ذر، وابن خروف.
روى عنه أبو علي ابن أبي الأحوص، وأبو بكر ابن مَسْدي، وأبو الحسن ابن سعيد، وغيرهم.
وترجمه ابن سعيد فقال: كان من الأدب بمنزلة عالية، لا تزال مجالسه بمحاضرها غالية، ونَسَخ بخطه الرائق من تصانيفه كثيرًا.
قال: وهو ممن قرأت عليه مدة، ورويت عنه من الكتب عِدَّة، وكان مع لطافته أمتن الناس دينًا، وأجلَّهم ثقة يقينًا (٢)، حتى ارتضاه أهل إشبيلية للجامع إمامًا، ورُزق عند الخاصة والعامة ما صير حبَّه لزامًا، فحيث ما توجه رُزق القبول والبر الموصول، وكانت له في أثناء إقرائه نوادر، وثوبٌ (٣) مما حرَّم الله طاهر.
قال: ومما أخذ عنه من شعره هذين البيتين، ورواهما عنه أيضًا ابن مَسْدي، وهما قوله: شعر
стр. 569
لما تبدَّت وشمس الأفق بادية … أبصرت شمسين من قرب ومن بعد
من عادة الشمس تغشى عينَ ناظرها … وهذه نورها يشفي من الرَّمد
قال: وخرج مع طلبته للفُرجة وأكل المجبنات يوم خميس أبريل، على عادة أهل البلد في ذلك، فنظم قوله أيضًا: شعر
أَجْلى مواقعها إذا قرَّبتها … وبخارها فوق الموائد سامي
إن أحرقت لمسًا فإن أُوَارها … في داخل الأحشاء بردُ سلام (١)
ومن شعره أيضًا، ما أنشدنا شيخنا أثير الدين، أنشدنا القاضي أبو علي ابن أبي الأحوص، أنشدنا الدبَّاج لنفسه، قوله: شعر
رضيت كفافي رتبةً ومعيشةً … فلست أسامي موسرًا ووجيها
ومن جرَّ أثواب الزمان طويلة … فلا بد يومًا أن سيعثر فيها
توفي ببلده في شعبان، سنة ست، وقيل خمس وأربعين وست مئة (٢)، وعمره ثمانون سنة.
وقال ابن مَسْدي: سألته عن مولده، فقال: بعد الستين وخمس مئة، ﵀.
٢٨٣ - علي بن جابر بن علي، المعروف باليمني (٣).
وذكر أنه هاشمي، ونُوزع فيه، وهو محدث أديب شاعر.
стр. 570
سمع باليمن في ما ذكر من أبي أحمد ابن البيلقاني، وبالقاهرة من أبي بكر محمد بن إبراهيم المقدسي، والعز الحرّاني، وشامية بنت البكري، وأبي بكر ابن الأنماطي، وابن خطيب المزة، وغازي الحَلاوي، وبالإسكندرية من عبد الوهاب بن الفرات، وغيره.
ومن نظمه، قوله في أصحاب الطيالس، قال: شعر
قوم لهم سيرة سارت ببغيهم … قد ارْتَدَوا برداء الكبر والحمق
خفَّت رؤوسهم إذ خفَّ عقلهمُ … لولا طيالسهم طارت من العنق
وله في أصحاب العذبات قوله: شعر
قوم إلى الثيران أقرب نسبة … وحقيقة قل لُبِّسُو أثوابا
سترت عمائمهم شعوب قرونهم … أو ما ترى عذباتهم أذنابًا
وله:
يفخر زيد بحسن عمَّتِه … يخطر بالكُمِّ إذ رأى عذبه
كمثل ثور يدور ملتهيًا … يمرح عجبًا إذا رأى ذنبه
وله من قصيدة قوله: شعر
هو المجدُ لا زورُ الأماني الكواذبِ … وليس العلا إلا ابتذال الرغائب
وما فاح نشر الروض إلا لأنه … بذولٌ لما أولاه قطر السحائب
وما طاب ذكر الحمد إلا لأنفس … لها في اقتناء الحمد أسنى المكاسب
حَنَانيْك من عصر خلت منه سادةٌ … غياث لمستجد وغوث لراغب
وله أيضًا قوله: شعر
نال من صدها الفؤاد سلوًا … ربَّ خيرٍ أتى بغير اعتماد
стр. 571
شيمة في الحسان بغض المحبين فلا ترجون صفو الوداد
وكان فاضلًا، قارئًا للحديث، جهوري الصوت.
وتولى تدريس الحديث بالقبة التي بالمدرسة المنصورية.
وكان حسن الأخلاق، متواضعًا في نفسه ولُبْسِه، وكان محتفلًا بتحصيل الكتب حتى حصَّل منها جملة كثيرة.
وأصحابه ينسبونه إلى شيء من التساهل في ما يقوله ويدَّعيه.
وكان الشيخ أبو عمرو ابن سيد الناس يذكر عنه أنه ذكر شيئًا وكتبه بخطه، ثم ادَّعى غيره وأصلحه.
وكانت فيه مكرمة، ويوصف بحسن الجوار والمخالطة.
توفي بالقاهرة، في الثالث والعشرين من جمادى الآخرة، سنة خمس وعشرين وسبع مئة.
ومولده بمكة، سنة سبع وأربعين، وقيل: ثمان وأربعين وست مئة، يوم عاشوراء في ما ذُكر.
٢٨٤ - علي بن جحدر الإشبيلي، المكنى بأبي الحسن (١).
قال ابن سعيد: أكثر (٢) اشتهاره بالزجل، وهو ممن جال وارتحل، وكان حافظًا للكتب (٣)، متعلقًا بالأدب، قائلًا من الشعر ما يُستحلى في بعض الأوقات، ويكتب في ما ينتخب.
стр. 572
قال: وقد جالسته كثيرًا بإشبيلية، فمرَّ يومًا علينا فتىً، فالتفتُّ إليه، وأنشد مُسَلّمًا عليه قوله: شعر
كيف أصبحت أيهذا الحبيبُ … نحن مرضى الهوى وأنت الطبيبُ
لا تزيد الزمان إلا نفارًا … ويحها يا عليُّ منك القلوب
كل أنس يغيب عني إذا ما … كنت يا نور عيني تغيب
ودخل يومًا أبو العرب ابن منظور، ووجهه يومئذ بكل لحظ منظور، فقمنا إليه، وتحرك بعضنا له، ولم يتحرك ابن جحدر، ففهم الإنكار من الصبي (١).
فأنشد ارتجالًا قوله:
اعذر أباك المسنَّ واطلب … بالأدب المستحب غيري
فما يطيق القيام مني شيءٌ … إذا جئت غيرُ أيري
فخجل الصبي، وقال: لا بارك الله فيك شيخًا.
فقلنا: هذا موزون، وقالت الجماعة:
ما عنده موضع لخير
ولا أقام الإله أيرًا … يسير إن قام شر سير
وطال عمره حتى جاوز التسعين.
وتوفي في سنة ثمان وثلاثين وست مئة (٢)، ﵀.
стр. 573
٢٨٥ - علي بن الحسن بن عنتر الحلّي، الملقب بشُمَيْم (١).
وسبب هذا اللقب أنه كان توَسْوَس، وزعم أنه ترَوْحَن، وصار لا يأكل إلا من تراب الجبال، فإذا دخل عليه أحدٌ، قال له: شُمّ ثُفلي، فإنه ليست فيه رائحة كما في ثفل هذا العالم السفلي.
وكان قد تأدب بابن الخشّاب النحوي، وحصَّل طرفًا من النحو واللغة، وحفظ جملة من أشعار العرب.
وله حماسة، رتّبها على أبواب حماسة أبي تمام، ولم يورد فيها شيئًا غير نظمه.
قال ابن الربيب: وحماسته مع طولها ليس فيها طائل (٢).
وكان جوّالًا في الآفاق، ومن شعره قوله أيضًا: شعر
أقول لامرأة بالخضاب … تحاول رد الشباب النضير
أليس المشيب نذير الإله … ومن ذا يسود وجه النذير
وذكره ياقوت الحموي في كتاب "الأدباء"، وقال: اجتمعت به، وكان [شيخًا كبيرًا، قضيف الجسم في حجرة من المسجد، وبين يديه جامدان مملوء كتبًا من تصانيفه فحسب] (٣)، فرأيته كثير الدعاوي، وأنشدني لنفسه في الخمر، قوله: شعر
стр. 574
خفَقَتْ لها شمسان من … لئلائها في الخافقين
في ليلة بدأ السرور … بها تطالبنا بدين
فمضى طليق الراح مَن … قد كان مغلول اليدين
فقلت له: أحسنتَ، فغضب وقال: ما عندك غير الاستحسان؟ فقلت: وما أصنع؟ فقال: تصنع هكذا، ثم قام ورقص وصفق وجلس وهو يقول: قد بليت بنفر لا يفرقون بين الدر والبعر، والياقوت والحجر (١).
وقال ابن سعيد: لما دخلت دُنَيسر ونزلت مدرستها، أخبرني أحد المشايخ بها، أن شُميمًا قدم عليهم بناموس العلم والصلاح، ونزل هذه المدرسة، وبسط سجَّادة، وأخذ في يده سبحة، وأتاه الناس من كل جانب، ما بين طالب علم وبين متبرك بالصلاح.
وعهدي به يقول لجماعة منهم، وقد طاب وقته معهم: جسدي الآن يتكلم مع جسدكم، وأما روحي فقد صعدت إلى الملكوت، والعامة تصيح: سبحان الله جلَّ الله، وتتمسح بثيابه.
واشتهر أمره، وعمل مدة على أن يجتمع به صاحب ماردين، ودُسّ عليه من يُحسِّن له ذلك ويحرضه عليه، فنزل السلطان مرة على دُنَيسر، وأظهر أنه لم يأت إلا لزيارة الشيخ، فلما وصل إلى الباب، قيل للشيخ: السلطان بالباب، وأشاروا عليه أن يقوم ويتلقّاه، فعقد أنفه، وقال: إنما جاء السلطان لزيارة العلم والعمل، فما فائدة قيامي بين هذين، فأخبروا السلطان بما قاله، فاغتاظ ورجع، وقال: نحن أغنياء عما لديه من العلم والعمل، وقد عشنا دهرنا دونه، ولوّى وجهه وركب إلى ماردين (٢).
стр. 575
فقال لشميم بعض أصحابه: هدمت بكلمة ما بنينا في أشهر، وأنت لا تترك خُلُقَك أبدًا، فقال: وإذ وقع ذلك فمالنا في مجاورته راحة، ورحل وهو يقول، قوله: شعر
لا تطلبن سوى الرحمان متكلًا … ولا تجاور سواه تربح التعبا
وذكره ابن المستوفي (١)، وأساء القول فيه، وذكر عنه أنه كان يخلُّ بالصلوات، وأنه كان كثير الوقوع في الناس.
توفي في العشر الآخر من شهر ربيع الآخر (٢).
وقال ابن خلكان: توفي ليلة الأربعاء، ثامن عشرين ربيع الآخر، سنة إحدى وست مئة بالموصل (٣)، ﵁.
٢٨٦ - علي بن خلف بن معرور (٤) بن علي بن عبد الله الفنتروسي الكومي المحمودي التلمساني الفقيه المالكي (٥).
تفقه ببلاده، ونظر في الأصولَيْن والحديث.
وكان ورعًا زاهدًا، وكان صاحب المغرب يحضر عنده، وله منه جانب.
وآثر الآخرة والرحلة، فرحل إلى المشرق، وقدم ثغر الإسكندرية، وأقام بها مدة، واشتغل بها على الإمام أبي طالب صالح بن إسماعيل، المعروف بابن بنت معافى مدة.
стр. 576
وحجَّ وجاور بمكة سنين، فسمع بها من أبي جعفر أحمد بن علي بن أبي بكر القرطبي، وغيره، ورحل إلى بغداد، فسمع من أبي القاسم يحيى بن ثابت بن بُنْدَار، وأبي محمد عبد الله بن أحمد بن الخشاب النحوي، وأبي بكر عبد الله بن محمد ابن النَّقُّور، وأبي علي أحمد بن محمد بن أحمد بن الرحبي، وأبي عبد الله محمد بن محمد بن علي ابن السكن، وأبي محمد عبد الله بن منصور بن هبة الله بن الموصلي، وأبي المكارم المبارك بن محمد بن المعمر البادرائي، وأبي محمد لاحق بن علي بن منصور بن كاره، وأبي عبد الله محمد بن نسيم بن عبد الله العيشوني، وشُهْدَة بنت أحمد الكاتبة، وغيرهم.
وكان شديد العناية بالسماع والكتابة.
وحدث بمصر وبمنية ابن خصيب، واستوطنها، وتولى الخطابة بها ودرَّس بها.
وعرض عليه القضاء بالإسكندرية، فامتنع منه، ومضى على جميل وثناء جليل.
وتوفي بمنية ابن خصيب، في رابع عشرين رجب، من سنة تسع وتسعين وخمس مئة.
والمحمودي: نسبة إلى بني محمود من كومة.
والفنتروسي: وفنتروسة، بالفاء المفتوحة والنون والتاء (١): فخذ من بني محمود، ﵁، والحمد لله وحده.
٢٨٧ - علي بن سالم الحديثي (٢)؛ حديثة الفرات.
ذكره ابن نقطة الحافظ، وقال: إنه شاعر مجيد، سمعت منه أبياتًا من شعره ببغداد، منها قوله: شعر
стр. 577
همُّ الفتى في طِلاب المجد متصلُ … وصاحب العزم مقرون به الأمل
والمرء ساعٍ فإما بالغٌ أملًا … أو قاصرٌ يختليه دونه الأجل
فانهض إلى شرف العليا وكن رجلًا … تسمو به همم من دونها زحل
ولا تخف ما يخاف القوم من عطبٍ … في مأزق لَجبٍ يعنو له البطل
فالعمر منتهبٌ والغم مستلبٌ … والعيشُ مقتضبٌ أيامه دول
لا تقنعنْ بالأماني والخمول فما … نال المعالي قديمًا معشر خملوا (١)
ولا تقم بديار الهون مقتنعًا … ببلغةٍ فالمعالي أصلها النقل
لولا مفارقة الأغماد ما حُمدت … بيض الصفاح ولا الخطية الذبل (٢)
وقال ابن سعيد: أخبرني أحد مشايخ الحديثة، أنه رحل إلى بغداد يمدح الخليفة الناصر بقصيدة، فأنشدها بين يدي أحد وزرائه، فلم يُصْغ إليها، قال: فارتحل، وقال قوله: شعر، وهي هذه:
أقول وقد لحاني من رآني … أحب السير عن دار الخليفة
حرام قربها وله وزير … يموت الشعر بين يديه جيفة
قال: ثم انتقل إلى البرية، وتعبَّد ورضي سكنى الخيام، فقلت له: كيف رضيت بالظعن والنزول مع العرب، واحتمال شظف عيشهم؟ فقال بعد فكر: شعر
стр. 578
شظف العيش ولا … رؤية وجهٍ للئيم
وانتقالٌ في البراري … وسُرى الليل البهيم
واحتمال الظعن والـ … ـضرب وإخلاف الغيوم
لي خير من وقوف … عند باب لزعيم
عندكم عدن ولكن … دونها نار جحيم
توفي سابع المحرم، سنة ست وعشرين وست مئة (١).
٢٨٨ - علي بن سنجر بن عبد الله البغدادي، المعروف بابن السَبَّاك، الفقيه الحنفي المقري، المنعوت بالتاج (٢).
قرأ القراءات على الشيخين المنتجب التكريتي، والمبارك الجزري، وسمع الحديث من أبي نصر محمد بن المبارك، ومن أبي عبد الله محمد بن أبي القاسم، وأبي هاشم عيسى بن محمد العباسي، وعبد الرزاق بن الفوطي، وغيرهم، وتفقه بأبي الفضل عبد الله بن محمود، والظهير محمد بن عمر البخاري، وقرأ عليه، وعلى ابن الساعاتي الأصول، وقرأ النحو واللغة على ابن أياز.
وصنف "شرح الجامع الكبير" (٣)، و"أرجوزة" في مذهبه.
ودرَّس بالمستنصرية، وألقى الدرس في "تفسير الزمخشري"، وقرأ الفقه والأصول والعربية والبيان، وقرأ الفرائض، وكتب الخط الحسن، وولى القضاء ببغداد.
وقرأ عليه جماعة، منهم: حسام الدين الحسن الغوري.
стр. 579
ولما ولي الغوري القضاء ببغداد، دخل على شيخه المذكور بالخلعة، وقال: الحمد لله الذي جعل من غلمانك قاضي قضاة، وله نظم، منه قوله، عفا الله عنه: شعر
يا نهار الهجير قد طلت بالصوم … كما طال ليل هجر الحبيب
ذاك قد طال بانتظار طلوعٍ … مثل ما طلت بانتظار غروب
وله:
يخفى السلام على خوف وشاته … ويبيت لي حتى الصباح نديما
فلسانه حتى التقينا صامتٌ … ولحاظه تقرينني تسليما
وله:
لما غدا والشهد من ريقه … ودونه يستشهد المستهام
ازدحم النمل على خدِّه … والمورد العذب كثير الزحام (١)
مولده سنة ستين وست مئة في شعبان، عفا الله عنه (٢).
٢٨٩ - علي بن شجاع بن سالم بن علي بن موسى بن حسان بن عبيد الله بن سند [بن علي] (٣) بن الفضل بن علي بن عبد الرحمن بن علي بن موسى بن عيسى بن موسى بن محمد بن علي بن عبد الله بن العباس الهاشمي المصري، المنعوت بالكمال الضرير المقرئ الفقيه الشافعي (٤).
стр. 580
قرأ القراءات على أبي الجود غياث بن فارس، وغيره، وتفقه على الإمام أبي القاسم عبد الرحمن ابن الوراق، وسمع الحديث من أبي الحسن شجاع بن محمد المدلجي، وأبي القاسم البوصيري، وأبي عبد الله محمد بن عبد المولى، وأبي الفضل محمد بن يوسف الغزنوي، وأبي عبد الله الأزجّي، وأبي محمد ابن زهير، وأبي روح المطهر بن أبي بكر البيهقي، وأبي نزار ربيعة بن الحسن التيمي، وأبي القاسم عبد الرحمن بن عبد الله المقرئ، وغيرهم، وتأدب على الإمام أبي الحسين يحيى بن عبد الله.
وتصدَّر بالجامع العتيق بمصر، وبمسجد موسك بالقاهرة للقراءات، وانتهت إليه الرئاسة في ذلك.
وكان فاضلًا، حسن الخلق، متواضعًا، لين الجانب.
قرأ عليه الأعيان وسمعوا منه.
توفي بالقاهرة، في سابع ذي الحجة، سنة إحدى وستين وست مئة.
ومولده في سابع شعبان، سنة اثنتين وسبعين وخمس مئة.
٢٩٠ - علي بن عبد الله بن عمر، ينعت بالنور، ويعرف بابن القصري الأديب (١).
كتب لقضاة القضاة.
وله نظم حسن ونثر جيد، كتب عنه شيخنا العلامة أثير الدين أبو حيان، وأنشدني عنه قوله يصف فرسًا:
لما جرى شوطًا بعيد المدى … ألَّف بين الغرب والشرق
فات ارتداد الطرف ثم انثنى … يهزأُ بالريح وبالبرق
стр. 581
وأنشدنا عنه قوله في روضة مصر: شعر
ذات وجهين فيهما خيَّم الحسن … فأضحت بها القلوب تهيم
ذا يلي مصر فهو مصر وهذا … يتولى وسيم فهو وسيم
قد أعادت عصر التصابي صباها … وأبادت فيها الغيوم الغيوم
زاد شيخنا أثير الدين بين البيت الثاني والثالث قوله: شعر
فبِلُجِّ البحار يسبح نون … وبثجِّ القفار يسنح ريم
ومن نثره مما نظمه قوله:
جفن علمه الغرام كيف يكف، ودمع أبى حين وقف بالربع أن يقف.
وكانت فيه مروءة ومكرمة.
أخبرني بكتوت مولى قاضي القضاة معز الدين الحنفي: أن ابن الكبلح تحدث له مع مولاه قاضي القضاة في العدالة، ورسم بكتابة أسجال.
قال بكتوت: فاستأذنته في أن يكتبه ابن القصري، وأعطاني ابن الكبلح أربعة دنانير للكاتب، فركبت وتوجهت إليه، ووضعت الدنانير بين يديه، فقام وفتح صندوقه، فأخرج ورقًا، وكتب الأسجال، وأخرج من عنده دينارين، وأضافهما إلى الأربعة، وقال: هؤلاء ضيافتك لدخولك منزلي.
وتوفي بالقاهرة، في سنة ست أو سبع وتسعين وست مئة.
٢٩١ - علي بن عبد العزيز بن عبد الرحمان بن عبد العلي المصري، المنعوت بالعماد، المعروف بابن السكري، الفقيه الشافعي (١).
стр. 582
حدث بمصر ودمشق عن جده لأمه العلامة أبي الحسن علي بن هبة الله بن سلامة.
ودرّس بالمدرسة التي بمنازل العز بمصر، وبالمدرسة المجاورة لمشهد السيد الحسين بالقاهرة، وتولي خطابة الجامع الحاكمي بالقاهرة، وتوجه رسولًا إلى بغداد من جهة سلطان مصر.
وكان شيخًا عليه مَهَابة، رئيسًا، حسن الشكل والسمت.
حضرتُ مرةً درسه، قال: فأكرمني من غير تقدم معرفة.
وقدم قوص قاصدًا الحج، ومرَّ بإخميم، فاجتمع بأبي عبد الله الأسواني، وحكى عنه مكاشفات في ماضٍ ومستقبلٍ، ومضى على جميل.
ولد بمصر، خامس عشرين المحرم، سنة ثمان وثلاثين وست مئة.
وتوفي بها سَحَر يوم الجمعة، سادس عشرين صفر، سنة ثلاث عشرة وسبع مئة، رحمة الله عليه، والحمد لله وحده.
٢٩٢ - علي بن عبد العزيز بن علي بن جابر القرشي البغدادي، المنعوت بالتقي، ويعرف بابن المغربي الفقيه المالكي (١).
سمع الحديث من عبد الصمد بن أبي الجيش، وأبي طالب علي بن الأنجب الساعي، وأبي الفضل ابن محمود، وأبي عبد الله محمد بن الكسار، وغيرهم، وتفقه على السِراج الشارمساحي المالكي، ونظر في اللغة والعربية.
وكان حسن الشكل، حسن الأخلاق، أديبًا، شاعرًا، مشاركًا في الأصول والأدب، وله شعر حسن ونثر جيد.
стр. 583
كذا ترجمه صاحبنا المحدث نجم الدين سعيد الذُّهلي، قال: قال وذكر من شعره قوله: شعر
سألت حبيبي أن يجود بوعده … وقلتُ له إن الوعود ديون
فمال إلى أترابه متبسمًا … وقال اعْذِروه فالجنونُ فنون
وأورد له أيضًا: شعر
رعى الله أيامًا تقضَّت حميدةً … ظفرنا بها كالطيف في سِنة الكرى
وأطراف ليلاتٍ نعمت بطيبها … تقدَّم لي فيها المنى وتأخَّرا
وقوله أيضًا: شعر
وحق لماك إن الخندريسّا … لتخجل منه إذ تجلى عروسا
وإلا مالها تبدي احمرارًا … وتَقلق حين تودعها الكؤوسا
وجدنا الراح أوفق منك فعلًا … وقس إن كنت تهوى أن تقيسا
خمار الراح يُوسى بالتداوي … ومنك خمارُ عقل ليس يوسى
وتختلس العقول إذا أديرت … ولكن أنت تختلس النفوسا
وقوله هذه القصيدة:
عين رأتك وفازت منك بالنظر … ما بالها شقيتْ بالدمع والسهرِ
ومهجة أنت يا مولاي مالكها … كيف استحلت دوام البؤس والضرر
إن كنت في مرية مما أكابدُه … فاسأل نجوم الدجى تنبئك عن خبري
يهون عندك ما ألقى وأيسره … لو مرَّ بالفلك الدوَّار لم يدر
قد كنت أحذر من بينٍ يفرِّقنا … فما انتفعتُ بما قدمت من حذر
стр. 584
لا والذي يجمع الشمل الشتيت بكم … كما أحب ولو يومًا من العمر
ما عادلت فرصي في حبّكم غصصي … ولا وفي صفو ذاك العيش بالكدر
فإن ظفرت بقرب من جنابكم … وعادَ لي بعض ما قضَّيت من وطر
غفرت ذنب الليالي وهي عالمة … بأنه عند غيري غير مغتفر
وحق تقبيل أقدام البشير بكم … وتلك أحلى يمين عند منتظر
ما كنت أهوي حياتي بعد بُعْدكم … لولا الرجاء ولولا حسن مصطبر
أشكو إلى نهر عيسى ما أكابده … وما شكا عاشقٌ قبلي إلى نهر
أصبو إليك وعندي منك نار هوىً … أخاف منها على أفنانك الخضر
أفنيت دمعي وأفنى ماءه أسفًا … يوم النَّوى فتوافينا على قدر
يا نهر عيسى وكم لي فيك من شجن … يأوي إلى ما على شطّيك من شجر
ما كنتُ أدري وليلي كله سحر … أنى أصير إلى ليل بلا سحر
بلى علمت ولكن قصَّرت حيلي … عن حفظ ما سلبت مني يد القدر
يا قلب لا تستعر يومًا بنار هوىً … ومن أعارك حسن الصبر فاصطبر
وإن فقدت حبيبا فاتخذ بدلًا … فالأرض ملأى من الأرام والعُقُر
وعش مع الناس في أمنٍ وفي دعةٍ … في دولة النيرين الشمس والقمر
وامتدح الصاحب ابن الفخر الإربلي، فلم يجزه، فكتب إليه بقصيدة، أنشدنيها عن ناظمها المذكور عبد القادر بن أحمد البغدادي، التي أولها قوله:
مدحتك مدحًا لو مدحتُ ببعضه … جهامًا أتاني وابلٌ منه أو طلُّ
فما جُدْتَ إلا بالمواعيد والمنى … وها أنت لا منع لديك ولا بذل
стр. 585
فإن لم تجزني فامتدحني بمثلها … فما لامرئٍ منا على أحد فضل
وإلا فعندي من هجائك منحة … تُؤتَّى بها عفوًا ومطلبهم سهل
يريدون أن أشفي غليل صدورهم … بمرِّ هجاء فيك عندهم يحلو
فإن قلت معنىً ألَّفوه وألفوا … وزادوا على ألف وفُتِّحت السبل
ولا عِرض إلا دون أول عائب … وقد تخرج الأفعى فيأكلها النمل
ولد ببغداد، سنة ثلاث وأربعين وست مئة.
وتوفي بها في ثامن شهر ربيع الآخر، سنة أربع وثمانين وست مئة، رحمة الله عليه وعفا عنه.
٢٩٣ - علي بن عبد الله الزّاغوني (١).
من أعيان الفقهاء الحنابلة.
سمع الكثير، وله "مجموعات في مذهبه" (٢)، وفي الأصول (٣)، وفي الوعظ، وجمع "تاريخًا" على السنين، من أول ولاية المسترشد.
стр. 586
وكان ثقة صدوقًا.
ومولده سنة خمس وخمسين وأربع مئة.
وتوفي في سادس المحرم، سنة سبع وعشرين وخمس مئة، ﵁.
٢٩٤ - علي بن عبد المؤمن بن علي بن علوي بن نزار بن غازي الكومي المراكشي أبو الحسن (١).
قال ابن سعيد: قال صاحب "الملتمس": كان من خيار هذا البيت، وكان جوادًا عالي الهمَّة، وولي مملكة بجاية، وبنى فيها القصرين المعروفين بالبديع وبالرفيع على نهرها، وكانت أيامه بها أعيادًا.
قال: ومن حكاياته المشهورة، أن أبا الحسن البلوي الكاتب، كتب عنده مدة، فصدر عن أبي الحسن في حقه ما ضاق له خُلق البلوي، فكسر سبعة أقلام من الدَّوَاة، وحلف أن لا يخدمه، فنُقل ذلك إليه على سبيل الإغراء به، فضحك وأمر له بسبع مئة دينار، وقال: اشتر بها أقلامًا وأنت بالخيار في الخدمة، فجاء الكاتب في غير عقل، وجعل يقبِّل البساط، وهو ينشد شعر:
أأشكر مولاي أم أعتذر … فقد حرتُ في أمري المعتكر
صفحت وجدت فها منطقي … وروحي فقد كان فعلي خطر
فجعل يقول له: لا تثريب عليك، وما جعل الله أمركم في أيدينا إلا لتتسع لخطاياكم صدورنا.
قال: ودخلَت عليه جارية في ثوب أزرق، مطرّز بالذهب يومًا، فقال:
لله درُّ خريدة برزت لنا … مجلوة في حلة زرقاء
стр. 587
وأنفذ إلي شعرائه وكتابه، أن يجيزوا هذا البيت، فقال البلوي:
فحسبتها بدرًا بَدا بتمامه … والشمس قد قسمت على الأرجاء
فأحضره، وقال: من أين علمت قسمة الشمس؟ فقال: قوي في نفسي أن الثوب الأزرق في الفرح لا يكون إلا مذهَّبًا، فأمر له بجائزة.
ومن شعر هذا السلطان قوله:
إن عيني على خطر … من دموعٍ ومن سهر
وانتظارٍ لزائرٍ … ليس يأتي وينتظر
وقوله:
كل شخص لفظه عنوانه … فهو كالفَخار إن طنَّ عُرِفْ
توفي في سنة خمس وست مئة، في ما ذكر ابن سعيد.
٢٩٥ - علي بن علي القيلوي، نسبة إلى قيلوة من قرى النيل، ينعت بالنجم، ويكني أبا القاسم (١).
وقال ابن سعيد: اسمه أحمد بن معلَّى.
أديبٌ، فاضلٌ، شاعرٌ، مؤرّخٌ.
قال ابن سعيد: هو من انتفعت به من مؤرخي ذاك الإقليم، ودفع لي "كتابه في شعراء إقليمه المعاصرين" له، وأنشدني بالعراق لنفسه، قوله:
يا نفسُ صبرًا على ما كان من مُضَضٍ … في الدهر فالحُرُّ عند حدوث الضرِّ يصطبر
فلا تضيقنَّ من أمر تريه فما … يدوم نفع على الدنيا ولا ضرر
стр. 588
وخلّ ناسًا أبوا إلا مقاطعةً … وغبطةٌ بالليالي على صفوها كدر
من عاش أدرك في الأعداء بغيته … ومن يمت فله الأيام تنتصر
قال: وأنشدني لنفسه أيضًا قوله: شعر، عفا الله عنه.
حكمٌ من الله أنني أبدًا … يبكي على قرب رحلتي الجار
كأنني فكرة الموسوس … في الدنيا فلا تستقرُّ بي دار
قال: وكان طيّب النفس، كثير الأنس، يجازي بالكثير عن اليسير، ولا يخلُّ بشيء من واجبات الخليل.
وتوفي بدمشق، سنة أربع وستين وست مئة، رحمة الله عليه.
٢٩٦ - علي بن عمر (١) بن رستم الدمشقي المولد، الخراساني المحْتِد، المنعوت بالبهاء، المعروف بابن الساعاتي (٢)؛ لأن جدّه لأمه كان يشتغل بالساعات التي على باب الجامع.
قال ابن الربيب عنه: إنه لم يكن بدمشق في صباه أمتع ولا أبدع منه، وبرع في صباه في الخط، والشعر والأدب، والفروسية، واللعب بالشطرنج والنرد، وخالط الكبراء، ونادم الملوك إلى أن أمَّره الملك العزيز صاحب مصر، بأن يضرب النقارات على بابه.
стр. 589
قال: ومدح الملوك، وله مدح كثير في السلطان صلاح الدين يوسف، وفي بنيه: العزيز، والأفضل، والظاهر، ومدح الملك العادل أخا صلاح الدين.
وله "ديوان" شعر (١) كبير، وهو كثير التغزل، وقد أفرد غزله.
قال: ومن حكاياته المشهورة عنه في صباه، أنه كان بآمد يقرأ على البديع الأسطرلابي، وكان البديع يهواه، وكان ابن الساعاتي قد جمع ألف دينار ووضعها في حُبِّ (٢) ماء، فدخل سقاءٌ، فغسل الحُبّ فوجدها، فأخذها، وتفقدها ابن الساعاتي فلم يجدها، فقامت قيامته، وذكر ذلك للبديع، فقال ارتجالًا قوله: شعر
يا من إذا غِبت عنه ليس أنساه … ومن أصافيه وُدِّي حين ألقاه
إن كان مالك ماء الحُبّ ألّفه … كما علمت فماء الحُبّ أفناه
فقال له: هذا وقت هذا؟ فقال: وهل له وقتٌ غيره، وأنا أضمن لك ما فقدته، فأرح فكرك ووفر جَزَعك، ثم خرج البديع، وبحث عن السقاء، واستعان بالجاه والسياسة حتى أعاد له الذي فقد، وشاع الشعر الذي نظمه البديع، فأدرك ابن الساعاتي الخجل، فرحل عن آمد، وصار حيث ما سار يَسمَع البيتين ويزيد خجله، ثم أعارهما أذنًا صماء حتى نُسِيا.
وكان من حذَّاق الشعراء، عذب الألفاظ، حسن الصنعة، ومن شعره قوله:
هزَّ الصبا أعطافه هزّ الصبا … أعطاف غصن البانة الهيفاء
ما ضم صدر ضحىً كطلعته … ولا ينشق عن ثانيه جيب سماء
стр. 590
وبمهجتي الدَّاني القريب خيالها … ومزارها عني البديع النائي
وهبت مباسمها الصباح وقبلها … خلعت ذوائبها على الظلماء
وقفت وقوف الدمع ثم مشت إلى … التوديع مشي الوجد في الأحشاء
وقوله:
عزّ الجفون وذلة الصبر … حكما به عليَّ بطاعة الهجر
ما كنت أعلم قبل كاظمةٍ … أن الوفاء طليعة الغدر
لو كنت أعلم قبل وقفتنا … عن ذاهب لسألت عن صبر
يا كعبة في الحسن ما نصبت … إلا لكسب الإثم لا الأجر
علمت دمعي السعي ثم أخذت الصبر عنك بسنة النفر
لو كنت عادلته على دنف … لمنعت ظلم الرّدف والخصر
ما راعني في وجنتيك ضحىً … غير اصطلاح الماء والجمر
وقوله:
لله يوم في سيوط وليلة … صرف الزمان بأختها لا يغلط
بتنا وعمر الليل في غلوائه … وله بنور البدر فرع أشمط
والطل في تلك الغصون كلؤلؤ … رطب يصافحه النسيم فيسقط
والطير تقرأ والغدير صحيفة … والريح يكتب والغمام ينقط
وله: شعر
يا حبّذا ذاك الزمان وطيبه … والحادثات عن الزمان نيام
стр. 591
ومواقف بالنيربين سهرتها … والعيش غضٌّ والزمان غلام
جمد المدام بهنّ فهو فواكه … تجنى وذاب التبر فهو مدام
في جنة جليت فنقّطها الحيا … بعقود درّ خانهن نظام
كملت فنرجسها المضاعف أعينٌ … والورد خدٌّ والقضيب قوام
توفي سنة أربع وست مئة، يوم الخميس، ثالث عشرين شهر رمضان، وعمره أحَد وخمسون سنة وستة أشهر واثنا عشر يومًا، عفا الله عنه.
٢٩٧ - علي بن عمر بن قزل بن جلدك المصري، ينعت بالسيف، ويعرف بالمشدّ (١).
كان أديبًا شاعرًا مجيدًا.
وله "ديوان" شعر (٢) لطيف، كله حسنٌ، وحدث بشيء منه، سمعه منه الأعيان، وولي شدّ الدواوين بمصر، ثم بدمشق مدة.
قال ابن مَسْدي، أنشدني لنفسه في الشمعة (٣):
стр. 592
ولم أر مثل شمعتنا عروسًا … تجلت في الدجى ما بين جمع
نصَبْنَاها لخفض العيش جزمًا … فآذن ليلها منَّا برفع
كأن عقود أدمعها عليها … سلاسل فضة أو قُضْبُ طلع
ومن مشهور شعره قوله: شعر
هي قامةٌ أم صعدة سمراء … وذوابةٌ أم حيّة سوداء
وإذا نظرتَ إلى اللحاظ وجدتها … لهي السهام ورشقها الإيماء
إن أنكرت نجل العيون جراحتي … فدليل قتلي أنها نجلاء
وبمهجتي من لو سرى متبرقعا … في ظلمة لأضاءت الظلماء
قمر جعلت القلب أخبية له … كيلا يراه رقيبه العواء
خلعَتْ عليه الشمس بهجة حسنها … وحبته رونق ثغرها الجوزاء
في نمل عارضه ونور جبينه … تتنافس الأحزاب والشعراء
فبوجهه الزاهي تهيم صبابةً … وبصدغه يتغزّل الوأواء
وقوله أيضًا: شعر
يعجبني شربي بالدّور على … تسلسل الماء ببطن الجدول
مدامة رقت وراقت فهي … كاساتها مثل العروس تنجلي
أنا الذي تسمع عنّي أنني … أقول بالدور وبالتسلسل
стр. 593
وله:
عجّل إلي فعندي سبعة كملت … وليس فيها من اللذات أعوازُ
طارٌ وطبلٌ وطنبورٌ وطاسُ طلى … وطفلةٌ وطباهيجٌ وطنازُ
قال: وله في مغنٍّ يضرب بالقانون: شعر
ومطرب قد سما ذكاءً … كأن وجناته ذكاء
أورث قلب الكئيب داءً … ليس له غيره دواء
ترى ابن سيناء في يديه … أقلُّ ملعوبه الغناء
قانونه المرتجي نجاةٌ … كل إشاراته شفاء
وكان الشريف المقيم بدروة سريام، بينه وبينه صحبة، فجاء المشدّ إلى الدروة فلم يجده، فسأل عنه، فقيل له: إنه امتحن بجارية يقال لها نسب، وانقطع معها في بستان، فكتب إليه بقوله: شعر
أضحى الشريف شهاب الدين ذا طربٍ … مع كل خَوْدٍ رداحٍ زانها الطربُ
فلا تلوموه في إيثاره نسبًا … فهل رأيتم شريفا ماله نسبُ
ولد بديار مصر في شوال، سنة اثنتين وست مئة.
وتوفي بدمشق، عشية الأحد تاسع المحرم (١)، سنة ست وخمسين.
وقيل: يوم عاشوراء (٢).
стр. 594
ورثاه الكمال بن عبد الرحمن القيسي بقوله: شعر
أيا يوم عاشوراء جُعِلتَ مطيّة … لقصد كريمٍ أو عظيمٍ مبجّل
وقد كان في قتل الحسين كفايةٌ … فقد جلّ بالرزء المعظم في علي
٢٩٨ - علي بن عيسى بن أبي الفتح الإربلي، المنعوت بالبهاء (١).
كان فاضلًا، أديبًا شاعرًا، مشاركًا في فنون.
وكان شيعيًا، إلا أنه متأدب مع علماء السُّنَّة، ويوافقهم في عقائدهم، وكان كريمًا متواضعًا.
وله مجلس ببغداد، يجلس فيه طرفي النهار، ويجتمع عنده الفضلاء، وتجري بينهم بحوث في أنواع من العلوم.
وصنف كُتُبًا، منها كتاب سماه "كشف الغمة في معرفة الأئمة" (٢)، وله "رسالة الطّيف" (٣)، و"المقامة البغدادية"، و"المقامة الدمشقية"، و"المقامة الحلبية"، و"المقامة المصرية"، وله "ديوان" شعر (٤).
وحدَّث بشيء من شعره، سمعه منه الفضلاء: ابن السَّاعي، وابن الكازروني، وابن الفوطي.
стр. 595
ومن شعره قوله: شعر
قل لمن مت في هواه غرامًا … وعصيتُ العُذّال واللّواما
لو ترجَّيتُ أن أراك ولو في النوم ما فارقَت جفوني المناما
فُقْتَ بدر السماء وجهًا … ونظم العقد ثغرًا والخيزران قواما
ولد في جمادى الآخرة.
وقيل: في رجب، سنة خمس وعشرين وست مئة (١).
ونشأ بإربل، واشتغل بها، ثم دخل بغداد، وأقام بها حتى توفي بها في يوم الجمعة، رابع عشر جمادى الآخرة (٢).
وقيل: في ثالث عشر جمادى الأولى (٣)، سنة اثنتين وتسعين.
٢٩٩ - علي بن فتيان الدمشقي، المنعوت بالبهاء، ويكنى بأبي القاسم الفقيه الشافعي (٤).
كان أحد أعيان الفقهاء، وتولَّى الإعادة بنظامية بغداد.
وكان لطيفًا جميل الأخلاق، عارفًا بالأصول والفقه والخلاف.
وسمع الحديث من الحافظ السلفي، وأبي محمد العثماني، وغيرهما، وتفقه على الإمام أبي المحاسن يوسف بن عبد اللَّه الدمشقي؛ مُدرّس نظامية بغداد.
سمع منه العلامة أبو الحسن علي بن هبة اللَّه بن سلامة المصري، وقال عنه: إنه كان من أعلم الناس.
стр. 596
قال: وأنشدنا لبعضهم قوله: شعر
لا يغرنك من المرء قميصٌ رَقَعهْ … وإزارٌ فوق نصف السَّاق منه رَفَعهْ
وجبينٌ لاح فيه أثر قد قلعَهْ … أرِهِ الدّرهم تعرف غَيَّهُ أو ورَعهْ
توفي سنة تسع وسبعين وخمس مئة، عفا اللَّه عنه.
٣٠٠ - علي بن محمد بن أبي الحرم (١) الدمشقي، المنعوت علاء الدين، ويعرف بابن النفيس (٢).
كان عالمًا بالطبّ بارعًا فيه، وله يدٌ في المنطق، ومشاركةٌ في النحو والفقه على مذهب الشافعي، وصنّف في كل ذلك.
وله في الطب مصنفات منها: "الشامل" (٣)، في مجلدات كثيرة، و"شرح القانون" (٤) شرحًا كبيرًا في عدة مجلدات، و"الموجز" (٥)، كتاب لطيف جيِّد نافع.
وأخذ الطب عن المهذب الدّخوار، وتولى تدريس المدرسة المسرورية بالقاهرة، وتخرج عليه في الطب الجم الغفير، وكان يقرئ هيأة وفنونًا متعددة.
стр. 597
وطُلب مرة ليصادَر، فقيل لمن يصادره: هذا ماهر في الطب، فسأله عن البيض، فشرع يقسمه ويتكلم عليه زمانًا طويلًا، فقال له: يا شيخ اشتغلت قط بغير البيض، وتركه.
ووقف كُتُبه على البيمارستان المنصوري.
وتوفي بالقاهرة، ليلة الجمعة حادي عشرين ذي قعدة، سنة سبع وثمانين وست مئة، ودفن يوم الجمعة بالقرافة، رحمة اللَّه عليه.
٣٠١ - علي بن محمد بن أحمد بن حبيب الكاتب الأديب الشاعر (١).
كان فاضلًا، وشعره في التشبيهات والأوصاف جيّد جدًا.
روى عنه ابن الجلال، وقال: أنشدني لنفسه في صفة الهلال والنجوم والخمر قوله: شعر
وصافية بات الغلام يديرها … على الشرب في جنح من الليل أدعج
كأنَّ حباب الماء في وجناتها … فرائدُ درٍّ في عقيق مدحرج
ولا ضوء إلا من هلال كأنما … تفرَّق منه الغيم عن نصف دُمْلج
وقد جال نحو المشتري من شعاعه … وميضٌ كمثل الزّئبق المترجرج
كأن الثريا في أواخر ليلها … نجيّةُ وردٍ فوق زهر البنفسج
وقوله:
في ليلةٍ أُنُفٍ كأن هلالها … صدعٌ تبيّن في إناء زجاج
стр. 598
كفل الزمان لأختها بزيادة … في نورها فبدا كوقف العاج
تتطاول الجوزاء تحت جناحها … فكأنها من نوره في تاج
وكأنما كيوان نقرة فضة … وكأنما المريخ ضوء سراج
وقوله في وصف الشمس: شعر
والشمس من تحت الغمام كأنها … نار تضرَّم خلف جام زجاج
حتى إذا ضمَّ السحاب رداءه … عن جانبٍ منها كمثل التاج
رقَّت حواشي الغيم من لألائها … عن مثل لون التبر فوق العاج
وقوله:
خيال على رغم الفراق يزورني … فأحبب به مِن هَاجِر يتودّد
أَلَمَّ وجنح الليل عاد كأنما … بقيته في مقلة الفجر إثمد
وقوله:
ووارى ضياء الشمس ليل غمامة … قد اكتحلت منها السماء بإثمد
كأن شعاع الشمس من جنباتها … معادن تبر من جبال زبرجد
وقوله:
يومٌ ترى الشمس فيه خافية … تحت رواق الغمام في خِدر
تحسب أنوارها إذا انبعثت … ألسن نار خفيَّة الجمر
كأنما شمَّرت سحائبه … أذيالها عن غلائل صُفرِ
стр. 599
٣٠٢ - علي بن محمد بن أحمد بن سلمة المخزومي أبو الحسن البلنسي (١).
ذكره ابن مَسْدي، وقال: شيخ الآداب شرقًا ومغربًا، تأدب بالقاضي أبي عبد اللَّه ابن حميد، وألَّف في الأدبيات (٢).
وقال: أنشدني لنفسه، قوله: شعر
يا صاحبي وما البخيل بصاحبي … هذي الخيام فأين تلك الأدمع
أتمرُّ بالعرصَات لا تبكي بها … وهي المعاهد منهم والأربع
يا سعد ما هذا المقام وقد نأوا … أتقيم من بعد القلوب الأضلع
هيهات لا ريح اللواعج بعدهم … زهوٌ ولا طير الصبابة يرفع
وأبى الهوى إلا الحلول بلعلعٍ … ويح المطايا أين منها لعلعُ
لم أدر أين ثووا فلم أسأل بهم … ريحًا تهبُّ ولا بريقًا يلمع
وكأنهم في كل مدرج ناسم … فعليه منهم رقة وتضوُّع
فإذا منحتهم السلام تبادرت … تبليغه عني الريَّاح الأربع
стр. 600
قال: وأخبرني أن مولده في سنة إحدى وخمسين وخمس مئة.
وتوفي ببلنسية، سنة اثنتين وعشرين وست مئة.
٣٠٣ - علي بن محمد بن عبد الرحمن بن خطاب الباجي، المنعوت بالعلاء، الفقيه الشافعي الأصولي المتكلم (١).
كان عالمًا بالمعقولات، صحيح الذهن، طلق العبارة، مناظرًا.
سمع بدمشق من أبي العباس التلمساني جزء ابن جَوْصا، وصنف ودرّس وأفتى، وناب في الحكم بالشارع خارج القاهرة، واشتغل الناس عليه طائفة بعد طائفة.
واختصر "المحرر في الفقه" (٢)، و"المحصول في الأصول" (٣)، مختصرين: كبير وصغير، واختصر "كشف الحقائق في المنطق"، وصنَّف في الفرائض والحساب، وردّ على ما بيد اليهود من التوراة (٤)، وردّ على اليهودي الذي سأل العلماء عن مسألة القضاء والقدر نظمًا، وردّ عليه الباجي نظمًا.
وكان الإمام أبو الفتح ابن دقيق العيد يقول عنه: العلاء يطلق عليه عالم.
وأخبرني صاحبنا شرف الدين محمد بن محمد الإخميمي، قال: كنا في درس الشيخ