← Тараджим

Тараджим · id 30063

البدر السافر عن أنس المسافر

كمال الدين الأدفوي

Полный текст (1 191 стр.). Показаны 596–635 · переход к 601.

стр. 596

قال: وأنشدنا لبعضهم قوله: شعر لا يغرنك من المرء قميصٌ رَقَعهْ … وإزارٌ فوق نصف السَّاق منه رَفَعهْ وجبينٌ لاح فيه أثر قد قلعَهْ … أرِهِ الدّرهم تعرف غَيَّهُ أو ورَعهْ توفي سنة تسع وسبعين وخمس مئة، عفا اللَّه عنه. ٣٠٠ - علي بن محمد بن أبي الحرم (١) الدمشقي، المنعوت علاء الدين، ويعرف بابن النفيس (٢). كان عالمًا بالطبّ بارعًا فيه، وله يدٌ في المنطق، ومشاركةٌ في النحو والفقه على مذهب الشافعي، وصنّف في كل ذلك. وله في الطب مصنفات منها: "الشامل" (٣)، في مجلدات كثيرة، و"شرح القانون" (٤) شرحًا كبيرًا في عدة مجلدات، و"الموجز" (٥)، كتاب لطيف جيِّد نافع. وأخذ الطب عن المهذب الدّخوار، وتولى تدريس المدرسة المسرورية بالقاهرة، وتخرج عليه في الطب الجم الغفير، وكان يقرئ هيأة وفنونًا متعددة.

стр. 597

وطُلب مرة ليصادَر، فقيل لمن يصادره: هذا ماهر في الطب، فسأله عن البيض، فشرع يقسمه ويتكلم عليه زمانًا طويلًا، فقال له: يا شيخ اشتغلت قط بغير البيض، وتركه. ووقف كُتُبه على البيمارستان المنصوري. وتوفي بالقاهرة، ليلة الجمعة حادي عشرين ذي قعدة، سنة سبع وثمانين وست مئة، ودفن يوم الجمعة بالقرافة، رحمة اللَّه عليه. ٣٠١ - علي بن محمد بن أحمد بن حبيب الكاتب الأديب الشاعر (١). كان فاضلًا، وشعره في التشبيهات والأوصاف جيّد جدًا. روى عنه ابن الجلال، وقال: أنشدني لنفسه في صفة الهلال والنجوم والخمر قوله: شعر وصافية بات الغلام يديرها … على الشرب في جنح من الليل أدعج كأنَّ حباب الماء في وجناتها … فرائدُ درٍّ في عقيق مدحرج ولا ضوء إلا من هلال كأنما … تفرَّق منه الغيم عن نصف دُمْلج وقد جال نحو المشتري من شعاعه … وميضٌ كمثل الزّئبق المترجرج كأن الثريا في أواخر ليلها … نجيّةُ وردٍ فوق زهر البنفسج وقوله: في ليلةٍ أُنُفٍ كأن هلالها … صدعٌ تبيّن في إناء زجاج

стр. 598

كفل الزمان لأختها بزيادة … في نورها فبدا كوقف العاج تتطاول الجوزاء تحت جناحها … فكأنها من نوره في تاج وكأنما كيوان نقرة فضة … وكأنما المريخ ضوء سراج وقوله في وصف الشمس: شعر والشمس من تحت الغمام كأنها … نار تضرَّم خلف جام زجاج حتى إذا ضمَّ السحاب رداءه … عن جانبٍ منها كمثل التاج رقَّت حواشي الغيم من لألائها … عن مثل لون التبر فوق العاج وقوله: خيال على رغم الفراق يزورني … فأحبب به مِن هَاجِر يتودّد أَلَمَّ وجنح الليل عاد كأنما … بقيته في مقلة الفجر إثمد وقوله: ووارى ضياء الشمس ليل غمامة … قد اكتحلت منها السماء بإثمد كأن شعاع الشمس من جنباتها … معادن تبر من جبال زبرجد وقوله: يومٌ ترى الشمس فيه خافية … تحت رواق الغمام في خِدر تحسب أنوارها إذا انبعثت … ألسن نار خفيَّة الجمر كأنما شمَّرت سحائبه … أذيالها عن غلائل صُفرِ

стр. 599

٣٠٢ - علي بن محمد بن أحمد بن سلمة المخزومي أبو الحسن البلنسي (١). ذكره ابن مَسْدي، وقال: شيخ الآداب شرقًا ومغربًا، تأدب بالقاضي أبي عبد اللَّه ابن حميد، وألَّف في الأدبيات (٢). وقال: أنشدني لنفسه، قوله: شعر يا صاحبي وما البخيل بصاحبي … هذي الخيام فأين تلك الأدمع أتمرُّ بالعرصَات لا تبكي بها … وهي المعاهد منهم والأربع يا سعد ما هذا المقام وقد نأوا … أتقيم من بعد القلوب الأضلع هيهات لا ريح اللواعج بعدهم … زهوٌ ولا طير الصبابة يرفع وأبى الهوى إلا الحلول بلعلعٍ … ويح المطايا أين منها لعلعُ لم أدر أين ثووا فلم أسأل بهم … ريحًا تهبُّ ولا بريقًا يلمع وكأنهم في كل مدرج ناسم … فعليه منهم رقة وتضوُّع فإذا منحتهم السلام تبادرت … تبليغه عني الريَّاح الأربع

стр. 600

قال: وأخبرني أن مولده في سنة إحدى وخمسين وخمس مئة. وتوفي ببلنسية، سنة اثنتين وعشرين وست مئة. ٣٠٣ - علي بن محمد بن عبد الرحمن بن خطاب الباجي، المنعوت بالعلاء، الفقيه الشافعي الأصولي المتكلم (١). كان عالمًا بالمعقولات، صحيح الذهن، طلق العبارة، مناظرًا. سمع بدمشق من أبي العباس التلمساني جزء ابن جَوْصا، وصنف ودرّس وأفتى، وناب في الحكم بالشارع خارج القاهرة، واشتغل الناس عليه طائفة بعد طائفة. واختصر "المحرر في الفقه" (٢)، و"المحصول في الأصول" (٣)، مختصرين: كبير وصغير، واختصر "كشف الحقائق في المنطق"، وصنَّف في الفرائض والحساب، وردّ على ما بيد اليهود من التوراة (٤)، وردّ على اليهودي الذي سأل العلماء عن مسألة القضاء والقدر نظمًا، وردّ عليه الباجي نظمًا. وكان الإمام أبو الفتح ابن دقيق العيد يقول عنه: العلاء يطلق عليه عالم. وأخبرني صاحبنا شرف الدين محمد بن محمد الإخميمي، قال: كنا في درس الشيخ

стр. 601

تقي الدين القشيري بالمدرسة الصالحية، فوقع تحت كلام الغزالي في الوسيط، فقال الباجي: الغزالي عدلٌ في العبارة المقتضية كذا، حتى لا يرد عليه كذا، وهذه العبارة التي قالها يرد عليه خمسة عشر سؤال، وسردها، فقال الشيخ تقي الدين: كم سنّك؟ فقال: كذا، فقال: وهذا العلم كله حصّلته في هذا السن؟ وقال لي شيخنا الفقيه العالم الثقة نجم الدين الأسفوني: حضرت درس الشيخ تقي الدين، فقال: يا فقهاء، جاء شخص يهودي وطلب المناظرة، فسكت الناس، فقال الباجي: أحضروه نحن بحمد اللَّه مليئون بدفع هذه الشبه. وقال لي، ﵀: لما أحضروا ابن تيمية، طُلِبت من جملة من طُلِب، فجئت لقيته يتكلم، فلما حضرت قال: هذا شيخ البلاد، فقلت: لا تُطريني، ما هنا إلا الحق، وحاققته على أربعة عشر موضع، وغيَّر ما كان قد كتب بخطّه فيها. وكان كثير البحث لا يمتنع منه مع صغير ولا كبير، ولم يُحفظ عنه بحثٌ نازلٌ قطّ. وكان قد نُسب له كلامٌ، واختفى بسببه مدّة. وكان له ابنان فاضلان تكلّما عنه، ثم تقشَّف، وصار بفرجيَّة مفتوحةٍ قصيرة، وعمامةٍ بكرَّاثة لطيفة جدًا، لا تكاد تظهر. وتولى تدريس السَّيفيَّة، وكان معيدًا بالصالحية، والمنصورية. لزمْتُهُ مدّة، وقرأتُ عليه قطعة من شرح التنقيح للقرافي (١). وله نظم، أنشدني لنفسه قوله: شعر رَثُوا لي عُوَّدي إذ عاينوني … وسحبُ مدامعي مثل العيون وراموا كحل عيني قلتُ كفّوا … فأصلُ بليّتي كحل العيون

стр. 602

مولده سنة إحدى وثلاثين وست مئة. وتوفي بالقاهرة، بكرة يوم الأربعاء، سادس ذي القعدة سنة أربع عشرة وسبع مئة. ٣٠٤ - علي بن محمد بن عبد الصمد بن عبد الأحد السَّخاوي، ينعت بالعلم المقرئ النحوي الأديب، المكنى بأبي الحسن (١). قرأ القراءات على الشاطبي، وغيره، وسمع من السِّلفي، وأبي الطاهر ابن عوف بالإسكندرية، وبمصر من أبي الجيوش عساكر بن علي، ومن البوصيري، والأرتاحي، وأبي الفضل الغزنوي، وفاطمة بنت سعد الخير، والحافظ القاسم بن أبي القاسم الدمشقي، ومن أبي اليمن الكندي. وشرح القصيد (٢) شرحًا جيدًا، وشرح المفصَّل (٣) في أربع مجلدات، وله "مفاخرة بين مصر والشام".

стр. 603

وكان بينه وبين العلامة أبي الحسن ابن بنت الجُمَّيزي منافرةٌ، فحطّ من قدره في كتاب "المفاخرة، حيث قال على لسان دمشق: أما كان في سفرجلها البرزي، ومشمشها اللوزي، ما تفضل به على بلد، فاكهتها الجمّيز، وفقيهها ابن الجُمَّيزي، ثم قال في الجواب عن مصر: أما الجمّيز فليس بفاكهة فنذكره، وإنما يغرس لخشبه لا لثمره، وأما الجميزي فما هو من العلماء، يعلم ذلك المتأخرون والقدماء، أي كتاب قطعه، ومن رآه يتكلم في فقهٍ أو سمعه، إنما ادَّعى، وهو ابن عشر، علم الأولين، فكبَّر الطيلسان وتكلم في المحافل عنه أبوه؛ إذ هو بغير لسان، وما زاد إلا ما نقص من ذلك الآن إلى هذا الأوان، ثم ذكر أنه أخذ منه مِسْجدًا، فبيّن أن له غرضًا، وأن في قلبه مرضًا. وله نظم جيد، ونثر حسن، وكان معظّمًا، مقصودًا للقراءة عليه. قال ابن خلكان: رأيته والناس تزدحم عليه، ولا تصحّ لواحد منهم نوبة إلا بعد زمان (١). ومن نظمه يصف مصر، قوله: شعر بينا ترى أرضها شمطاء إذ كسيت … ثوبًا من اللؤلؤ المنسوج بالذهب ثم انبرى عن شيات واكتست حللا … خضرًا فمبصرها يهتز بالطَّرب ثم اغتدت درةً بيضاء ثم بدت … شمطاء هذا لعمري أعجبُ العجب ولما حضرته الوفاة، أنشد لنفسه قوله: شعر قالوا غدًا تأتي ديار الحمى … وينزل الركب بمغناهم وكل من كان مطيعًا لهم … أصبح مسرورًا بلقياهم قلت فلي ذنبٌ فما حيلتي … بأي وجه أتلقَّاهم

стр. 604

قالوا أليس العفو من شأنهم … لا سيما عن من ترجَّاهم ومولده سنة ثمان أو سنة تسع وخمسين وخمس مئة. وتوفي بدمشق، في ثاني عشرين جمادى الآخرة سنة ثلاث وأربعين وست مئة. وقال ابن خلكان: بلغ من العمر نيفًا وتسعين سنة (١). ٣٠٥ - علي بن محمد بن عبد الكريم بن عبد الواحد الجزَري، المنعوت بالعزّ، المكنى بأبي الحسن، المعروف بابن الأثير (٢). سمع بالموصل من الخطيب أبي الفضل عبد اللَّه بن أحمد الطُّوسي، وأبي الفرج يحيى بن محمود الثَّقَفِي، وأبي منصور ابن مسلم الموصلي، وغيرهم. ودخل بغداد قاصدًا للحج ورسولًا، فسمع بها من الفقيه أبي القاسم يعيش بن صدقة الشافعي، وأبي أحمد عبد الوهاب بن علي، وغيرهما. وسمع بدمشق من جماعة، وحدّث بالموصل، وبحلب. وصنَّف تصانيف مفيدة، منها: "الكامل في التاريخ" (٣)، واختصر "الأنساب" (٤) لابن

стр. 605

السمعاني، وزاد واستدرك مواضع، وله "أخبار الصحابة" (١). وكان عارفًا بالسِّيَر وأيام الناس، حافظًا. سمع منه غير واحد من الحفاظ والأفاضل، منهم: ابن نقطة، وأجاز لابن النجار الحافظ، وكان منزله مجمع الفضلاء وأصحاب الحديث بالموصل. وله نظم حسن، وذكره ابن سعيد، وقال: أنشدني له أقاربه من شعره، قوله: زهَّدني في الجاه والمال ما … أراه في كسبهما من هوان إذْ لا يُنالان بغير ابتذال النفس والميْن بطول الزمان قوله أيضًا: أتنزل أكناف الحمى وتحلُّ في … زرودٍ ولا ماء لديها ولا مرعى هو الحب ما فيه اختيارٌ لمن به … يلوذ ولا رأيٌ فطَوْعًا له سمعا ولد بالجزيرة، في رابع جمادى الأولى سنة خمس وخمسين وخمس مئة. وتوفي بالموصل، في شعبان سنة ثلاثين وست مئة، عفا الله عنه. ٣٠٦ - علي بن عبدوس الواسطي (٢). أديب شاعر، اتصل بالملك العزيز، ونادَمه. ونظم في حال منادمته فيه، قوله فيه شعر، وهي هاذين البيتين: لله ذو أدب حلوٌ شمائله … لقياه عندي إذن من جملة النّعم

стр. 606

أمسى يحدثني والكأس في يده … فَبِتُّ أشرب راح الكَرْم والكرم وله في الغزل والغراميات أشعار كثيرة يغنى بها، منها قوله: شعر ليلي بلا سحر من ساحر المقل … أشتاقه وهو مشتاق إلى السَّحر ولو أتى زائري ما كان يمنعني … لقرب ما بين حال الورد والصدر والليل عندي سواء إن نأى ودنا … أشكو من الطول ما أشكو من القصر يا خاليًا حاليا بالحسن ها كبدي … أمست بلا جلدٍ قوسًا بلا وتر الظبي أنت وقد حوشيت من خنس … البدر أنت موقَّى كلفة القمر والخمر أنت ولكن سكرها أبدًا … والغصن أنت ولكن دائم الزَّهر لا خفَّف الله عن قلبي هواك ولا … مُتّعت عن غير ذاك الوجه بالنظر ودخل مصر، واتَّصل بخدمة الملك العادل. وتوفي بها في خامس صفر، سنة إحدى وست مئة، ذكره المنذري (١)، عفا الله عنه. ٣٠٧ - علي بن محمد بن محمد بن النضر الإسنائي القاضي أبو الحسن (٢). كان نحويًا، أديبًا شاعرًا، متصرفًا في فنون كثيرة، وله "ديوان" شعر. روى عنه العلامة أبو محمد عبد الله بن بري، وأبو الحسن علي بن هبة الله الكاملي، وأبو عبد الله محمد بن إبراهيم المقرئ الكيرزاني. قال ابن بري: كان القاضي أبو الحسن أحد قضاة الصعيد من ذوي النباهة ومن أهل الأدب، له منه مادة غزيرة، وقريحة في الشعر جيدة.

стр. 607

وقال الكاملي: كان القاضي متصرفًا في علوم كثيرة. وذكره أمية بن أبي الصلت في "رسالته" (١) وأثنى عليه (٢). وذكره ابن بشكوال في "الصلة" (٣)، وقال: كان قاضي قوص وإخميم. وقيل: إنه كان يحفظ كتاب سيبويه (٤). أنشد عنه ابن بري قوله في مديح: شعر حُسِمت بحدّ حسامك الأدواء … وتظافرت بفتوحك الأنباء لا تنكرن قبل العراك إباءها … فكذا تكون الغادة العذراء خطبتْ معاقلها القنا … وبضدّ ذلك تُخطب الحسناء فأتتك في زي العرائس أرضها … مخضوبةً ومن الدم الحنَّاء قال: وأنشدني لنفسه، يمدح هلال الدولة ابن بشر صاحب عيْذاب، قوله: كم دون عيذابَ من هول ومن خطر … وكم بهالي من سؤل ومن وطر لما تصفَّحت هذا الخلق منتقد (٥) … وجدتكم آل بشر جوهر البشر يا ابن الأُلى ذكرهم سيرًا أحلى الحديث … إذا جرى ومستنزه الأسماع والفكر المالئوا صحف الأسفار من سير … والشاغلوا ألسُن السُّمار بالسمر إذا استفاضوا بشيء من حديثهم … جاؤوا بمثل نسيم الروض في السَّحر

стр. 608

أغنوا عن القطر منهَّلًا وحين مضوا … أبقوا لنا سيرا تغني عن القطر من كل ندْبٍ كأن التاج مكتنفًا … جبينه هالةٌ دارت على قمر إذا تأملته والسيف في يده … رأيت أمضى من الصمصامة الذَّكر إني ومدح هلال الدولة بن حسام الدين … الدين الملك بالوصف للآباء والأثر مُهْدٍ من الجهل أبرادًا إلى عدن … وجالبٌ سفها تمرًا إلى هجر في ذكر سؤدده عن ذكر محتده … مغنٍ لمثن وليس العين كالخبر وهل يقال بأن الشمس مشرقةٌ … طبعًا وأن الندى من شيمة المطر من لي بشكرك أم من للأنام به … يا منقذي بعد موتي من أذى الحفر وددت أعضاء جسمي عُدْنَ ألسنة … تثنى بشكرك حتى السمع والبصر وقال الكِبْرانيّ: أنشدني لنفسه قوله: شعر قسما لقد حُمّلت ما لم أحمل … ورُميت بالأمر الذي لم أفعل وتوصَّل الساعي بألطف سعيه … متسبِّبًا حتى رماني من علِ من منقذي من ورطة الشعر الذي … أصبحت منه بقوص رهن المنزل لا أستطيع إقامةً فيها ولا … متمكنًا من رحلة وتنقل يا نفس صبرًا واحتسابًا إنها … غمرات أيام تمرُّ وتنجلي لا تيأسي من روح ربك واحذري … أن تستقري بالقنوط فتخذلِ في الله هَلكُك إن هلكت حميدةً … وعليه أجرُك فاصبري وتوكَّلي (١)

стр. 609

وقال الكاملي: أنشدني لنفسه قوله: شعر أأوطاننا هل لي إليك ميمّمٌ … وهل لركابي في هواك مخيم تجهّمتني حتى احتويتك ثم قد … رمى بي إليك الحادث المتجهِّم فما عنك لي مستوفزٌ متزحزحٌ … ولا فيك لي مستوطن متلوِّم وفيَّ على هذا وذاك بقية … يُصان بها العرض الصحيح المسلم فلا يطمعن في ماء وجهي طامع … فأهون عندي من إراقته الدَّم فأما انثنت عني الخطوب مهابة … وذلك تقديري الذي أتوهَّم وأما تراخت بالقضاء معونتي … فموتيَ مستورًا أعفّ وأكرم سألبس من حسن اليقين مفاضةً … تردُّ حسام الدهر وهو مثلّم وقوله: يرثي عيسى بن أحمد بن عرَّام الأسواني، بقصيدة قوله: من يصاحب هذا الزمان … يكن نصب الأرزاء والأسقام ليس ينفك من فراق حبيب … ينكأ القلب أو لقاء حمام وإذا سرَّه بيوم رضاعٍ … ساءه بعده بعام فطام لو تخطّت صروف دهر كريمًا … لتخطت فتى بني عرَّام علمًا في العلوم بحرَ عطاء … طود حلم حسام رأي اعْترام لم تزل واحد الروية والمقدار … حتى حلَلْتَ دار المقام وقال يرثي القاضي الرشيد إبراهيم بن الزبير الأسواني، بقوله: يا مزن ذا جدَثُ الرشيد فقف معي … نسفح بساحته مزاد الأدمعِ

стр. 610

وامسح بأردان الصبا أردانه … كيلا تلم به شحوب البلقع فبودِّ نفسي لو سقيت ترابه … دمَ مهجتي ودفنته بالأضلع يا قبر إبراهيم بل يا تربة … الإحسان طُرًا والتكرم أجمع عكفت عليك مراحم كفلت لمن … واريت جملته ببردِ المضجع وتنفَّستْ فيك الصبا مفتوقة … بنسيم مسك رياضها المتضوع ولقد جمعت من المكارم والحجى … والبر والآلاء ما لم يجمعِ أو ما عجبتُ لطود عز بادخٍ … مستودعٍ في ذي الثلاث الأذرع ولجدَّ من وطئ الكواكب راقيًا … كيف ارتضى من بعدها باليرمع هيهات أي الناس لم يعت الرَّدى … فيهم وأيُّ الشمل لم يتصدَّع يا ابن الزبير وفيك أعظمُ عبرة … لشجٍّ وأكبر أسوة لمفجّع صُمَّت مسامع عارف بك لم يُصخ … لمواعظ الأيام فيك ولم يع ولقد وقفت على ربوعك شاكيًا … وبها الذي بي من جوىً وتوجُّع فحمدتُ طرفي كيف أنجدني بها … وذممت قلبي كيف لم يتقطع وذكرت مزدحم الوفود ببابها … في كلِّ حين وفادةٍ أو مطمع صبرًا سليليه الغداة وحسبةً … فالصبر أجمل حالة في مجمع إن لم يكن لكما على ما نابكم … طبع الجليد فعادة المتطبِّع وهي قصيدة جمعت إلى الطّول حسن الطوْل. وأورد ابن سعيد له مما كتب لابن عم له، لم ينصفه في السلام، قوله: شعر خفِّض عليك فما لي عنك منصرف … إن لم يكن بي غنًا عنكم فبي ظلفُ

стр. 611

منحتني منك أنفًا ملؤه أنَفٌ … تجنبًا وجبينًا ملؤه صلف طوى لك البعد عنه غير ما صحف … تاتيكم وستطوى بينا الصحف حتَّام أدنو ونفس منك نائيةٌ … وكم أرق وأنتم معشر أنف أرى القطيعة قد صارت تجاذبني … عِطفي وأحسبه يومًا سينعطف وله "ديوان" شعر كبير، وقفت عليه بقوص، وأكثره في تشكي الزمان والإخوان. ٣٠٨ - علي بن محمد بن علي الحضرمي الإشبيلي أبو الحسن ابن خروف (١). وكان يقال له الرندي؛ لأنه منها، والقرطبي لإقامته بها، وتأدب بها. وكان نحويًا جليلًا، مشاركًا في الأصولين، وعلم الفرائض. أخذ النحو عن ابن ملكون، والأستاذ أبي بكر ابن طاهر المعروف بالخدب. وصنف تصانيف، منها: "شرح كتاب سيبويه" (٢)، وكتاب "الجمل" (٣)، وله ردٌّ على السهيلي، وابن ملكون، وابن مضاء، وله على كتاب "الإرشاد" لإمام الحرمين نقدٌ، ونقدَ على الإمام أيضًا مواضيع في الأصول والنحو.

стр. 612

وكان عزبًا لم يتزوج ولا تسرَّى، ومع ذلك لم يُتَّهَم، مع لزومه سكن الخانات طول عمره، وكان يقول: أفكرت في لذة النكاح، فرأيتها لا تبلغ إلا بمشاق، إحداها: تكلف ملازمة المرأة، والاشتغال بها عن النَّسخ والمطالعة، والثانية: تكلُّف دار لها لا يكون فيها من أغار منه، والثالثة: تكلف خادمة لها وعجوز تؤنسها، والرابعة: تكلف الكسوة والنفقة وهي أعظمها، وأنا رقيقُ الوجه، وليس لي إلا ما يصل إليَّ من أجرة الإقراء، فإن كفاني حمدتُ الله تعالى، وإن قصَّر عني صبرت، والموت عندي أهون من سؤال الناس، والخامسة: خشية أن تأتي بولد، وهذا كله إذا وافقَت أخلاقي، وأنا رجلٌ غيور، ولذة النكاح واحدة، والموانع كثيرة، فتركتُ الواحدة لأشياء. ولم يزل منفردًا في الخان إلى أن مات فيه بإشبيلية، ولم يوجد له إلا ما على بدنه، وما تحته فراش، وكتاب سيبويه مخدّته تحت رأسه، فقال الأستاذ هذيل: أراد أن لا يفارقه إلى الممات. توفي سنة تسع وست مئة. وقال ابن سعيد: سنة ست، وقيل سنة عشر وست مئة (١)، عفا الله عنه. ٣٠٩ - علي بن محمد بن منصور بن أبي القاسم بن مختار بن أبي بكر الإسكندراني، المنعوت بالزين، ويعرف بابن المنير الفقيه المالكي القاضي (٢). سمع الحديث من ابن المخيلي، وغيره، وكان محدثًا فاضلًا.

стр. 613

صنف "كتابًا على تراجم البخاري" (١)، وأتى في بعضه أشياء حسنة، وتكلّف في بعضها أشياء بعيدة. وتولى القضاء بالإسكندرية مدة، وجرت له محنة وصودر، ثم زالت، ومضى على جميل. ولد بالإسكندرية، في العشر الأول من ربيع الأول، سنة تسع وعشرين وست مئة. وتوفي في بلده يوم الأضحى، سنة خمس وتسعين. حدثنا عنه المحدث معين الدين المصغوني، ﵁. ٣١٠ - علي بن محمد بن يوسف القيسي، المعروف بابن خروف القرطبي، يكنى أبا الحسن (٢). كان أديبًا شاعرًا، أخذ عن مشايخ قرطبة، وسمع الحديث. ووصل من المغرب إلى ديار مصر، ورحل إلى دمشق، فأقام بها مدة، ثم انتقل إلى حلب، وقصد ملكها الظاهر، ونظم أبياته المشهورة التي منها قوله: حلبتُ الدهر أشطره … وفي حلب صفا حلبي قال: وأقام مدة يتردد بين حلب والموصل، ويمدح نور الدين أرسلان شاه بالموصل، ويمدح الظاهر بحلب، إلى أن حضر عند الظاهر في ليلة في رمضان، والشريف تاج العُلا يعظ، وكان يطوّل، وكان ابن خروف قد أتى بمديح في الظاهر،

стр. 614

وأول القصيدة قوله: شعر شمسُ الهداية في أبناء أيوب … أخت النبوة في أبناء يعقوب هم الملائك في زيّ الملوك وهم أسد الحروب وأقمار المحاريب ثم خرج ليُريق الماء في ظلمة، فسقط في جبِّ طعام وهو حار، فمات فيه، والقصيدة في يده وهي مضمومة عليها، فأمر الظاهر أن تجعل صلة القصيدة في تجهيزه والصدقة عنه، وأظهر الأسف عليه. واتَّفق بعد ذلك أن ابن السُّنينيرة الشاعر (١) حضر ومعه قصيدة ينشدها للظاهر، فوجد الشريف تاج العُلا في الدّهليز، وهو يقصد الدخول ليعظ، قال: فبادر وكتب إلى الظاهر بقوله: شعر العبد قد وافى لينشد مدحةً … بُنِيَت قواعدها على التخفيف وأخاف من تاج العُلا تطويله … ليلًا فألحق ملحق ابن خروف وأورد أبو البحر إدريس في كتابه "زاد المسافر" (٢)، من شعر ابن خروف قوله: شعر ومُنوَّع الحركات يلعب بالنُّهى … لبس المحاسن عند خلع لباسه متأوِّدٌ كالغصن بين رياضةٍ … متلاعبٌ كالظبي عند كناسه بالعقل يلعب مقبلًا أو مدبرًا … كالدّهر يلعب كيف شاء بناسه ويضمُّ للقدمين منه رأسه … كالسيف ضمَّ ذبابه لرياسه قال ابن سعيد: وأنشدني له شيخنا الأعلم أبو إسحاق البطليوسي قوله: شعر

стр. 615

لا تُظهرنَّ صفاء … ولا لمن تصطفيه لولا صفاءُ زجاجٍ … لم ينظر البول فيه وقوله: وكان غريب الحسن قبل عذاره … فلما التحى صار الغريب المصنَّفا وقوله: مثلي يسمى أديبًا … مثلي يسمى أريبًا متى وجدت كثيبًا … غرست فيه قضيبًا ولا أبالي خصيبًا … وجدته أم جديبًا وقوله عند رحيله: وأصبحت أصبو للمشارق طالعًا … لأني رأيت الشمس تنحط في الغرب قال: واجتمعت في دمشق بابن اللهيب، فأخبرني أن أباه دعا ابن خروف دعاء لم يَرْضَه، فنظم فيه قوله: شعر دعاني ابن لهيب … دعاء غير نبيه إن عدت يومًا إليه … فوالذي في أبيه (١) قال: فعتبه أبي، فقال: أعذرني ولو دعوتني إلى الجنة ثم وقع لي منك هذا ما أضعته، وقد قيل: وعداوة الشعراء بئس المقتنى، وواجبٌ أن يقال: وصداقة الشعراء، ولا خير في صحبتهم ولا في عداوتهم.

стр. 616

قال: وكتب إلى ابن كبير، يطلب منه أضحية، قوله (١): يا من سما في المعالي … جدُّه وبجده أتاك نجل خروف … فامنن عليه بجدِّه قال: وتوفي في شهر رمضان، سنة أربع وست مئة (٢)، ﵁. ٣١١ - علي بن محمد بن محمود بن أبي العز بن أحمد بن إسحاق بن إبراهيم الكازروني البغدادي، ينعت بالظهير، الفقيه الشافعي (٣). سمع الحديث من الأمير أبي محمد الحسن بن علي بن المرتضى، وأبي عبد الله محمد بن عبد الرحمن بن محمد، وأبي عبد الله محمد بن سعيد الواسطي. وكان فرضيًا حاسبًا، مؤرخًا، شاعرًا، كثير التلاوة والعبادة، متواضعًا، مهيبًا وقورًا. وصنف تصانيف، منها كتاب "النبراس المضيء في الفقه"، وكتاب "المنظومة الأسدية في اللغة"، مجلدة، وكتاب "كنز الحساب في الحساب"، مجلدة، وكتاب "الملاحة في الفلاحة"، مجلدة، وكتاب "روضة الأريب" في التاريخ (٤)، سبعة وعشرون مجلدًا، وصنَّف في السِّيَر (٥)، وفي التصوف، وله نظم.

стр. 617

ومن نظمه قوله شعر، قال: زارني في الظلام أهيف كالبدر بوجهٍ منه يلوح النُّور قلت أهلا لو كنت زرت نهارًا … قال مهلا في الليل تبدو البدور وقوله: شعر أقام عذري في حبِّه الميل … ظبي كناس قد زانه كفل مقرطقٌ بالجمال ذو هيفٍ … يضرب فيه بعشقي المثل يرمي بسهم من غُنْج ناظره … يا بِأَبِي مِن نبالها المقل أسهر طرفي فتور ناظره … والعشق داءٌ دواؤه القبل ظلم ثناياه باردٌ شبِمٌ … كأنه في مذاقه العسل بدر جمال بقلب عاشقه … عن لوم عذاله به شغل تاه علينا بحسن صورته … وغُنْجُ طرف يزينه الكحل وهي قصيدة مطولة. مولده يوم الثلاثاء، سابع ذي قعدة، سنة إحدى عشرة وست مئة. وتوفي ليلة الجمعة، رابع عشر شهر ربيع الأول، سنة سبع وتسعين. ٣١٢ - علي بن محمد بن أبي بكر بن عبد الله بن مفرج الأنصاري الإسكندراني المولد، الفُوّي المحتد، المنعوت بالشمس، الفقيه الشافعي (١). كان حسن الذهن، حادّ القريحة، ذكي الفطرة، مشاركًا في الفقه والأصول والنحو والأدب، متواضعًا.

стр. 618

سمع الحديث من الحافظين عبد المؤمن الدمياطي، وقاضي القضاة أبي الفتح محمد بن علي القشيري، ولازمه واستملى له، وعلق عنه "شرح الإلمام" (١). وقرأ الفقه والأصول والنحو على الشيخ علم الدين ابن بنت العراقي. وكان الشيخ تقي الدين قد ندبه في تركةٍ، فلما توفي الشيخ وولي القضاء قاضي القضاة أبو عبد الله محمد الكناني، تُكلِّم عليه عنده، وذُكِر عنه في التركة لعبٌ، وخرج الفوّى إلى حانوت الموقّعين، وذكر أن قاضي القضاة ولّاه العقود، فأنكر عليه، واقتضى فكره التوجه إلى الصعيد، فحضر إلى قوص، وأقام بها مدة، ولم تُحمَد سيرته. ثم لما بنى بقوص أبو العباس أحمد بن علي بن السديد الأسنائي المدرسة التي بقوص، وحضر الدرس بها، حضر الفُوّيُّ الدّرس، وبحث، فأُعْجِب به ابن السَّديد، وكساه كسوة حسنة، وأخذه صحبته إلى مدينة إسنا، وولاه إعادة المدرسة الأقرمية، وأحسن إليه، وصحبه بها بعض الشباب، فتكلم عليه وأعرض عنه ابن السديد، وانتهى في الفقر، إلى أن رأيته عُريانًا مشتملًا بكساء. ثم أحضره أبو المناقب علي بن عبد الوهاب إلى إدفو، ليقرأ عليه ولده أبو العباس أحمد، فأقام مدة وأحسن إليه. ثم توجه إلى أسوان، فأكرمه قاضيها أبو الحجاج يوسف بن محمد الأسيوطي، وقرأ عليه ولده القاضي أبو مدين شعيب، وانتفع بهما، وصحب بسبب شعيب فخر الدين ناظر الجيوش، فأخذ له شهادة الكارم بعيذاب، فحصّل مالًا، وشفع له عند قاضي القضاة جلال الدين محمد بن عبد الرحمن القزويني، فولّاه القضاء بفوه، ثم نقله إلى سيوط، ثم عزل منها، وأقام مدة.

стр. 619

وتوجه إلى مكة، شرفها الله، ليحج، ويقصد اليمن من هناك للتجارة، فخانه الأمل وأدركه الأجل، ودفن بمعالمها، والأعمال بخواتمها. وأجازه القزويني المذكور بالفتوى، وله نظم، وكان بإِسْنا شابٌّ جميلٌ، له شامة في أنفه، فنظم فيه، وأنشدني هذين البيتين، وهما قوله: يا سائلي عن شامةٍ في أنف من … فضح الغصون بمَيْسه في عطفه إن الذي برأ الحواجب صاغها … نونين في وجه الحبيب بلطفه فتنازع النونان نقطةُ حسنه … فأقرَّها ملك الجمال بأنفه وقد نظمت أنا في هذا المعنى ما جاء ذكره بعد. وله نثر لا بأس به، وكتب كثيرًا بخطه في الحديث والفقه واللغة والتصوف، وشرع في "اختصار الروضة" (١)، وذكر أنه أكمله، ووقَفَ بعض كتبه على طلبة العلم. وكانت وفاته في شهر المحرم، سنة أربعين وسبع مئة، وقد جاوز الستين. مرَّ عليَّ بالمدرسة الصالحية يومًا، وقد نظمت هذه الأبيات، فقلت له اسمعها، فوقف، وأنشدته قولي: شعر وقد كنت في عصر الصبا ذا صبابةٍ … وما راق من لهوٍ إليَّ حبيب زمانيَ صفوٌ كلُّه ومسرَّةٌ … ولي من وصال الغانيات نصيب فلما رأيت الشّيب لاح تكدّرتْ … حياتي فحلو العيش ليس يطيب إذا ابيضَّ مسودُّ النبات فإنه … دليلٌ على أن الحصاد قريب ومذ حلَّ هذا الشيب ساءت مسرتي … وصار عليها للهموم رقيب

стр. 620

فلا تعجبوا مما بدا من كآبتي … سروري وقد وافى المشيب عجيب فأظهر التأثر بها، وبكى بسببها. وبعدها بأيام توجّه إلى مكة، فلم يحِد عنها، واستردّته التي خُلق منها، عفا الله عنه. ٣١٣ - علي بن موسى (١) بن محمد بن علي بن أحمد بن محمد بن عمر بن عبد الله بن منظور الحضرمي الإشبيلي الأستاذ أبو الحسن ابن عصفور (٢). كان عالمًا بالعربية والأدب، قرأ على الأستاذ أبي علي الشلوبين سنين كثيرة، وتخرج به، ووقعت بينه وبينه منافرة ووحشة، وقرأ على أبي الحسن الدباج، وقيل: إنه لازم الشلوبين نحوًا من عشر سنين، وقرأ عليه كتاب سيبويه، وكان شيخنا أثير الدين أبو حيان ينفي إكماله عليه "كتاب سيبويه". وصنّف تصانيف مفيدة، نحوًا من عشرين تصنيفًا، منها: كتابه "المقرب" (٣)، كثير التقاسيم، فصيح العبارة، جامع لجملة من الأحكام، وكتابه "الشرح الكبير للجمل" (٤)، و"الشرح الصغير"، وكتاب "الممتع في التصريف" (٥)، فردٌ في بابه، وأملى قطعة على "مقدمة الجزولي"، وعلى "كتاب سيبويه"، وله كتاب "المفتاح"، و"المقدمة الهلالية"،

стр. 621

وكتاب "الأزهار"، و"إنارة الدياجي"، و"مختصر المحتسب"، و"مفاخرة السالف والعذار"، وكتاب "ضرائر الأشعار" (١)، وشرح "قطعة من الإيضاح" لأبي علي، و"قطعة من شرح المقرب" (٢)، وشرح "الأشعار الستة"، و"قطعة أيضًا من شرح الحراسة"، ومن "شرح ديوان المتنبي". وكان من أصبر الناس على المطالعة ليلًا ونهارًا، وأقام بتونس مدة، ثم انتقل إلى بجاية مع الأمير أبي عبد الله ابن أبي زكرياء بن أبي حفص، ثم عاد إلى الأندلس، ثم عاد إلى إفريقية باستدعاء الأمير أبي عبد الله المذكور. ونُسِب إليه أنه شاركه في استعمال الشراب، وأنه كان ينبسط معه بما لا يناسب العلم. وأنشدنا شيخنا أثير الدين له، ما قاله ارتجالًا، قوله: شعر لما تدنّست بالتفريط في كبري … وصرتُ مغرىً بشرب الراح واللَّغس رأيت أن خضاب الشعر أسترُ لي … إن البياض قليل الحمل للدنس وأعطاه المستنصر فرسًا كُميتًا، وأمره يمدحهُ، فقال: هنيئًا بطرفٍ إذا ما جرى … ترى البرق يتعب في إثره مصغَّرُ لفظٍ ولكنه … يجل ويعظم في قدره قال: ولما توفي رثاه الفقيه العلامة ناصر الدين أحمد بن المنير الإسكندري ببيتين، وهما قوله: شعر

стр. 622

أسندَ النحو إلينا الدؤلي … عن أمير المؤمنين البطل بدأ النحو عليٌّ وكذا … قلْ بحقٍ خَتمَ النحو علي ولد بإشبيلية، في عام سبعة وتسعين وخمس مئة. وتوفي بتونس، يوم الثلاثاء رابع عشرين ذي قعدة (١)، سنة تسع وستين وست مئة، عفا الله عنه. ٣١٤ - علي بن مفضل بن علي المقدسي المحتد الإسكندراني المولد الحافظ، أبو الحسن الفقيه المالكي (٢). كان عالمًا بالحديث والفقه والأصولين، ومشاركًا في الأدب، رَحَل ورُحِل إليه، سَمِع وسُمِع عليه، وأفتى ودرَّس، وصنَّف وألف. سمع الكثير من الحافظ السلفي، وتخرج عليه، سمع من أبي طالب صالح بن إسماعيل بن سند المعروف بابن بنت معافى، وأبي الطاهر إسماعيل بن مكي بن عوف، وأبي محمد عبد السلام بن عتيق السفاقسي، وأبي طالب أحمد بن مسلم التنوخي، وتفقه عليهم. وناب في الحكم بالإسكندرية، ودرَّس بها، ودرَّس بالقاهرة بالمدرسة الصاحبية إلى حين وفاته.

стр. 623

وحدَّث، سمع منه الحُفَّاظ، منهم: الحافظ عبد العظيم المنذري، وعليه تخرَّج، والحافظ الرشيد، وسمع منه أبو عبد الله ابن النجار الحافظ، وسمع منه العلامة أبو الحسن علي بن وهب بن مطيع القشيري، وتفقَّه عليه. وله نظم حسن. قال المنذري: أنشدنا لنفسه، وقال: هو أول شعر قلته عقيب خروجي من المكتب، وهو قوله: شعر وشادنٍ أغْيدَ ذي غُنَّةٍ … مهفهف القدِّ هضيم الحشا مكتحلٍ بالسحر في جفنه … يَصْرِفُ البابَ الورى كيف شا أكننتُ في الأحشاء حُبِّي له … فلم يدَعه الدمع حتى فشا وأورد له ابن مَسْدي قوله: شعر أيضًا وسوداء قد أحللتُها من حشاشتي … محلَّ سوادي ناظري وجناني إذا رمت عنها سلوة قادني الهوى … إليها ومالي بالسلوِّ يدان وما هي إلا المسك لونا وقيمة … ونشرًا وزادت عنه باللمعان وأحببتها حبَّ الشباب لأنني … رأيتهما في العين يشتبهان وقال الحافظ أبو الحسين العطار: أنشدني لنفسه قوله: أعمُّ خلائق الإنسان نفعًا … وأقربها إلى ما فيه راحة أداء أمانةٍ وعفاف نفسٍ … وصدق مقالةٍ وسماح راحة وله أيضًا: يا حبَّذا الصالحون إنهم … في سبل الصالحين قد سلكوا

стр. 624

إن لم أكن قد فعلت ما فعلوا … فليتني قد تركت ما تركوا وله: ثلاث باءاتٍ بلينا بها … البق والبرغوث والبرغش ثلاثة أوحش ما في الورى … ولست أدري أيها أوحشُ وأورد له الإمام أبو الفتح محمد بن علي بن وهب القشيري، مما رواه عن أبيه عنه، قوله: شعر ألا لله أقوامٌ أقاموا … على نهج الحقيقة واستقاموا أطاعوا الله في سرٍّ وجهرٍ … وصلُّوا خاشعين له وصاموا إذا نام الورى في الليل قاموا … على أقدامهم وهم قيام يناجون المهيمن في الدَّياجي … وقد طابوا وطاب لهم كلام فيعطيهم من الإنعام ما لا … يحدُّ ولا ينال ولا يرام ويجعل من محبته عليهم … دليلًا حبذا ذاك المقامُ أمن هو قانتٌ لله داعٍ … كقوم في أسرَّتهم نيام أولئك أولياء الله حقا … وهم خير البرية والسَّلام قال: ونظم أبو الحسين الكتّاني قوله: شعر أراك من الحياة على اغترارٍ … ومالك للإنابة من بدار وتطمع في البقاء وكيف تبقى … وما الدنيا لساكنها بدار فنظم الحافظ المقدسي أيضًا قوله: شعر

стр. 625

بقاءُ المرء في الدنيا قليلٌ … فشمِّر ما استطعت إلى البدار ولا تجعل سوى أُخراكَ دارًا … فما الدنيا لساكنها بدار وقد سمعت أنا من جماعة من أصحاب المنذري، وأصحاب الرشيد، وأجازوا لي. وقال المنذري: كان متورعًا، جامعًا لفنون من العلم، حسن الأخلاق، كثير الإغضاء (١). وله تصانيف مفيدة (٢)، وخرَّج تخاريج كثيرة، وانتهت إليه رئاسة الحديث. وذكر غيره أنه أحفظ أصحاب السِّلفي. ومولده بالإسكندرية، يوم السبت رابع عشرين ذي قعدة، سنة أربع وأربعين وخمس مئة. وتوفي بالقاهرة، بعد أن صلَّى الصبح يوم الجمعة، مستهل شعبان، سنة إحدى عشرة وست مئة، ولما مُرَّ به ميتًا، قال بعض الفضلاء: يرحمك الله، لقد كنت أسقطت عن الناس فروضًا (٣). ٣١٥ - علي بن موسى بن محمد بن عبد الملك بن سعيد بن خلف بن سعيد بن محمد بن عبد الله بن سعيد بن الحسن بن عثمان بن محمد بن عبد الله بن عمار بن ياسر العنسي الأندلسي الأديب النحوي المؤرخ (٤).

стр. 626

جال في الغرب وجاب في المشرق، وأبرز فوائد، فغدت طوالعها تشرق، وقيَّد سوانح الآداب بعد أن ندَّت شواردها، وأرشد الطلاب إلى مناهلها، فعرفت مصادرها ومواردها، وأبرزها كاشفة قناعها، فعلت قيمتها، وغدت غالية الثمن، وأقام لها بكل أرض سوقًا، فلم يُقَل لطالبها السوقَ باليمن، إن نظم فالجواهر منتظمة، أو النثر فالدرر ملتئمة، أو ندر فما يبديه ندرة، أو تغزل أفنى من بقي من بني عذرة، أو أخذ في المضحكات فالنواجذ بادية، أو شرع في الوعظيات فالأعين دامعة والقلوب واعية، وإن امرءًا اجتمع به لقي النعيم المقيم، ودهرًا جاد به لجواد كريم. قرأ النحو والأدب على المشايخ الفضلاء: الأستاذ أبي علي الشلوبين، وأبي الحسن الدبَّاج، والأعلم البطليوسي. وألف تواليف حسنة، منها: "المشرق في أخبار أهل المشرق" (١)، و"المغرب في أخبار أهل المغرب" (٢)، و"المرقص والمطرب" (٣)، و"التاريخ الكبير" على السنين، و"تاريخ صغير" (٤)، ذكر فيه من لقيه من المتأخرين، و"الغرة الطالعة في شعراء المئة السابعة" (٥)، و"ريحانة الأدب"، و"هالة البدر"، و"الأدب الغض"، و"تحقيق نسب الطالبين"، أربعة

стр. 627

مجلدات، و"المختار من شعر الجاهلية" (١)، وغيرهم. وصنّف في الموسيقى، وقد أوردتُ في هذا الكتاب من نظمه ونثره وفوائده كثيرًا. روى عنه الحافظ عبد المؤمن الدمياطي، وجماعة من الأعيان. أنشدنا شيخنا العلامة أثير الدين أبو حيان، أنشدنا الحافظ الدمياطي، أنشدنا ابن سعيد لنفسه: شعر بجُلّقٍ نزلوا حيث النعيم غدا … مطوَّلا وهو في الآفاق مختصرُ القُضْب راقصة والطير صادحة … والنِّسر مرتفعٌ والماء منحدر وقد تجلت من اللذات أوجهها … لكنها بظلال الدوح تستترُ وكلُّ وادٍ به موسى يفجِّره … وكل روض على حافاته خضر وله: أَفدي بروحي كاتبًا متعلمًا … قد حيَّر الأبصار والألبابا لو كان يكتب مثل خط عذاره … كان ابن بواب له بوَّابا وله: والله لا أعشق غير المليح … وخلني في الحبّ لا أستريح ألفُ شريك ورقيب ولا … أشغل فكري بمحيًّا قبيح وله: كم جفاني فرمتُ أدعو عليه … فتوقفتُ ثم ناديت ذاهلْ

стр. 628

لا شفا الله جفنه من سقامٍ … وأراني عذاره وهو سائلْ مولده بغرناطة، سنة عشرة وست مئة، ليلة الفطر. وتوفي في حادي عشر شعبان، سنة ثلاث وسبعين وست مئة (١)، عفا الله عنه. ٣١٦ - علي بن هبة الله بن سلامة بن المسلم بن أحمد بن علي اللخمي المصري الفقيه الشافعي، المنعوت بالبهاء، المكنى بأبي الحسن، المعروف بابن بنت الجُمَّيْزِي (٢). شيخ الشافعية بمصره في عصره، وعليه مدار الفتوى بها، وكان كريمًا جوادًا، كثير المروءة، كثير الفُتوة. قرأ القراءات بالروايات العشر ببغداد، على الشيخ أبي الحسن علي بن عساكر البطائحي، وعلى ابن أبي عصرون، وقرأ أيضًا على الشاطبي. وسمع الحديث بمصر من العلامة أبي محمد عبد الله بن بري النحوي، والشريف أبي علي محمد بن أسعد الجواني، والعلامة أبي القاسم ابن فيره الشاطبي. وسمع بالإسكندرية من الحافظ السلفي، والإمام أبي الطاهر إسماعيل بن عوف، والفقيه أبي طالب أحمد بن المسلم التنوخي، وغيرهم.

стр. 629

وبدمشق من الحافظ أبي القاسم ابن عساكر، والقاضي أبي سعد ابن أبي عصرون، والخطيب أبي القاسم عبد الملك بن زيد الدولعي. وببغداد من أبي الحسين عبد الحق بن عبد الخالق بن يوسف، وأبي الحسن علي بن عساكر، وأبي شاكر يحيى بن يوسف، وأبي عبد الله محمد بن نسيم العيشوني، وفخر النساء شهدة بنت أحمد الإبري، وغيرهم. وتفقه على جماعة بمصر، ودمشق، وبغداد، منهم: أبو إسحاق إبراهيم بن منصور، المعروف بالعراقي، وأبي الفتح محمد بن محمود الطوسي، وأبي سعد ابن أبي عصرون. وحدث بمصر، سمع منه الحافظ المنذري، والحافظ أبو الحسين القرشي العطار. وخرَّج له الرشيد "مشيخة" في جزأين، وأربعين حديثًا (١). وسمع منه الأئمة والحفاظ، منهم: الإمام أبو الفتح محمد بن علي بن وهب بن مطيع بن أبي الطاعة القوصي القشيري بقوص، والشيخ بهاء الدين هبة الله القفطي، والشيخ أبو العباس أحمد الدشناوي، وخلائق. وكان قد قدم قوص قاصدًا إلى الحج، ودرس بالجامع العتيق بمصر بالزاوية المعروفة بالشافعي، وخطب بالقاهرة. وكان وجيهًا عند الخاصة والعامة، وله عند الملك الكامل صورة يجتمع به ويكرمه. وله نظم، وأورد ابن سعيد له، مما أنشده له قوله: كلٌّ له لذَّةٌ يُعني بها أبدًا … وليس لي لذَّةٌ إلا الذي علموا إما كتابٌ يُريني كلَّ مكرمةٍ … أو نائلٍ يتناهى عنده الكرم ولد يوم الأضحى، سنة سبع وخمسين وخمس مئة.

стр. 630

وتوفي ليلة الرابع والعشرين من ذي الحجة، سنة تسع وأربعين. وقال ابن سعيد: سنة خمسين وست مئة. ٣١٧ - علي بن يعقوب بن جبريل بن عبد المحسن بن الحسين بن الحسن بن موسى بن يحيى بن يعقوب بن نجم بن عيسى بن شعبان بن عيسى بن داود بن محمد بن نوح بن طلحة بن عبد الله بن عبد الرحمن بن أبي بكر الصديق البكري، ينعت بالنور (١). كان عالمًا بالفقه على مذهب الشافعي والأصولين، وله مشاركة جيِّدة في النحو، والبيان والمنطق، وغير ذلك. وكان نظَّارًا، صحيح الذهن، ذكي الفطرة. صَحِبْتُه مدةً، وحصل منه إنكارٌ لأمر يتعلق بالسلطان الملك الناصر، وواجهه به، فرسم بقطع لسانه، ثم شُفِع فيه، فرسم بأنه لا يقيم بالقاهرة. وسمع الحديث من المتأخرين، وقرأ بنفسه، ووصى له ابن الرفعة أن يكمل "شرحه للوسيط" (٢)، وصنف "كتابًا في البيان"، وكتب على الفاتحة مجلدة. ومولده سنة ثلاث وسبعين وست مئة.

стр. 631

وتوفي بمصر، ثامن من ربيع الآخر، سنة أربع وعشرين وسبع مئة، وكانت جنازته حفلة. وله شعر، وله "مناسك"، عفا الله عنه وتاب عليه. ٣١٨ - علي بن يوسف بن حريز، بالحاء والراء والياء والزاي، الشطنوفي، ينعت بالنور، المقرئ النحوي (١). قرأ القراءات على التقي الجرائدي، وعلى ابن القلال، وقرأ النحو على الإمام صالح، إمام جامع الحاكم، وسمع من النجيب الحراني. وتولى درس التفسير بجامع ابن طولون، وتصدر للإقراء بالجامع الحاكمي. وكان كثير من الناس يعتقد فيه، وكان القضاة تكرمه. وصنّف "كرامات الشيخ عبد القادر الجيلي" (٢)، قدّس الله سرَّه، وذكر فيه عجائب وغرائب، وطُعِن عليه في أسانيده، وفي ما حكاه. توفي بالقاهرة، يوم السبت تاسع عشر ذي الحجة، سنة ثلاث عشرة وسبع مئة، ﵁. ٣١٩ - عمر بن أحمد بن أحمد بن مهدي المدلجي النشائي، ينعت بالعز، الفقيه الشافعي (٣).

стр. 632

سمع الحديث من الحافظ الدمياطي، وابن الصوَّاف، وغيرهما. وكان بارعًا في الفقه مدقّقًا، وله معرفة بالأصول والنحو، وكان متزهدًا متقشفًا. يحضر السماعات ويطيب ويخشع، ويحصل له حال محمود، وإذا سمع قراءة القرآن بكى وطاب، وقام واقفًا ومشى، وخلع ثيابه في بعض الأوقات بحسب الحال. وله على "الوسيط" إشكالات جيدة في مجلدين. ودرَّس بالمدرسة الفاضلية والهكّارية بالقاهرة، وأعاد بالظاهرية، وورد قوص حاجًا في سنة ست عشرة وسبع مئة. وتوجه إلى مكة، فتوفي بها في ثامن ذي الحجة، ومضى على جميل وسداد، عفا الله عنه. ٣٢٠ - عمر بن أحمد بن هبة الله بن محمد بن هبة الله بن أحمد بن يحيى بن زهير بن هارون بن موسى بن عيسى بن عبد الله بن محمد بن عامر بن ربيعة بن خويلد بن عوف بن عامر بن عقيل الحلبي، المنعوت بالكمال، ويعرف بابن العديم، وبابن أبي جرادة، الفقيه الحنفي الصاحب (١). كان فاضلًا في فنون من الحديث، والفقه، والعربية، والأدب، والتاريخ.

стр. 633

سمع بحلب من عمه أبي غانم محمد، ومن الشريف أبي هاشم، وأبي حفص عمر بن محمد بن طبرزد، وعبد الرحمن بن علوان، وغيرهم، وبدمشق من أبي اليمن الكندي، وابن الحرستاني. ودرَّس وأفتى، وكان من أعيان الرؤساء وجلة الفقهاء وحدث، سمع منه الحافظ الدمياطي، وسمع منه الشريف أبو العباس أحمد النقيب بمصر، وغيرهما من الأعيان. وكتب الخطّ الحسن، ولم يكتب أحدٌ الحواشي في عصره أحسن منه، وهو الذي عناه الشاعر بقوله: بوجه معذبي آيات حسنٍ … فقل ما شئت فيه ولا تحاشي ونسخةُ حسنهِ قُرئت وصحَّت … وها خط الكمال على الحواشي وجمع تاريخًا كبيرًا بحلب (١)، واختصره (٢). وبالغ ابن سعيد في مدحه والثناء عليه. ووصفه الحافظ الدمياطي بعلم وعقل ورئاسة. وله نظم، ذكرت بعضه في بعض التراجم. وولي القضاء بحلب، ودخل بغداد رسولًا إلى المستعصم، فعُظّم وأكرم. وكان كثير المكارم، ممدوحًا مقصودًا من البلاد المتباعدة من أفراد الزمان. مولده في العشر الأول من ذي الحجة سنة ثمان وثمانين وخمس مئة.

стр. 634

وتوفي بظاهر مصر، في العشرين من جمادى الأولى، سنة ستين وست مئة، عفا الله عنه. ٣٢١ - عمر بن سعد بن عمار بن علي الموصلي، يكنى أبا حفص، ويعرف بابن الربيب، الأديب المؤرخ النسابة (١). سمع ببلده من خطيبها أبي طاهر أحمد بن عبد الله الطوسي، وغيره، وبدمشق من جماعة من المتأخرين، وأجاز له أبو الفرج ابن الجوزي الحافظ، وابن كليب، وجماعة من مشايخ العراق. وله تصانيف، ومجاميع مفيدة، وله تاريخ ذكرت جملةً منه في هذا المجموع. ولد بالموصل، في سادس جمادى الآخرة، سنة سبع وثمانين وخمس مئة. وتوفي بالقاهرة، ليلة الثاني عشر من ذي قعدة، سنة ثمان وأربعين وست مئة. وقد نقل ابن سعيد في "تاريخه الكبير" عنه جملة فوائد وآداب. ٣٢٢ - عمر بن أبي الحرم بن عبد الرحمن بن يونس الدمشقي، ينعت بالزين، ويعرف بابن الكتّاني، الفقيه الشافعي الأصولي (٢). سمع بدمشق من ابن عبد الدائم، وإسماعيل بن أبي اليسر، وأسعد بن المظفر، وعمر بن حامد القوصي، وإسرائيل بن أحمد، ومظفر بن أبي الدل الصالحي، والقاضي علي بن الحسين القرشي، وغيرهم.

стр. 635

واشتغل بالفقه والأصولين علي أبي الثناء محمود بن عبد الله المراغي، والعلامة عبد الرحمن الفزاري، وغيره. وبرع في الفقه والأصول، وقدم مصر فولاه قاضي القضاة عبد الرحمن بن بنت الأعز قضاء الحكر مدة، ثم استنابه الإمام العلامة قاضي القضاة أبو الفتح القشيري في مصر، وولاه دمياط والشرقية، ثم استنابه في القاهرة، ثم قدم قاضي القضاة أبو عبد الله ابن جماعة، فولاه الغربية وأحسن إليه. ثم وقعت له بالمحلة واقعة، فعزل نفسه، وأقام بالقاهرة، وترك الاجتماع بقاضي القضاة ابن جماعة، وصار يتكلم عليه، ويسيءُ إليه، وصارت الإساة عادة له، فاستعملها مطلقًا، وتَعَدَّى إلى الأموات، ونَفَّر الناس منه. وتصدر بجامع الحاكم مدة، وأعاد بالمدرسة القَراسُنْقِرية، ثم وُلّي تدريس المدرسة المنكوتمرية، ثم لما مات أبو الحسن علي بن جابر، ولاه الأمير جمال الدين أقوش ناظر البيمارستان. ودرَّس الحديث بالقبة المنصورية، ولم يكن له اشتغال بالحديث، وتكلم الناس في ذلك، فقلت في ذلك شعر: قوله بالجاه تبلغ ما ترومُ فإن تُرِدْ … رُتَب المعالي فليكن لك جاهُ أو ما ترى الزّين الدمشقي قد ولي … درس الحديث وليس يدري ما هو وكان في القضاء محمود السيرة، ظاهر العفة، طاهر الكف، وكان كثير الاشتغال، دائم المطالعة، وانتهت معرفة الفقه إليه، وكان ضنينًا بما لديه فلم يبرز له تصنيف، ولا ظهر له تلميذ. وولي الخطابة بالجامع الصالحي خارج القاهرة، ومشيخة خانقاه طيبرس التي على البحر، ثم شكا منه بعض أولاد الواقف لأمير حاجب، وعُزِل عنها.
следующие страницы →