وصنّف تصانيف (١)، منها "شرح صحيح مسلم" (٢) في مجلدات، و"كتاب ابن الحاجب" في الفقه (٣)، ولم يكمله، واختصر "كتاب ابن يونس" في الفقه.
وكانت له معرفة بالفرائض والحساب، ومعرفة البلاد والأقاليم، ويحفظ جملة من أشعار العرب، وكان لا يقيم الوزن ويصحِّف، وكانت فيه مكرمة وودٌ لأصحابه.
ودارت عليه الفتيا، وتولى تدريس المدرسة السَّيْفية منكوتمر بالقاهرة، والإعادة بالمدرسة الناصرية، والمدرسة الصالحية، وتولى تدريس مدرسة المالكية بمصر.
وحصَل له بَلْغمٌ منعه عن الحركة مدة.
وتوفي ليلة الخميس مستهل رجب، سنة أربع وأربعين وسبع مئة.
ومولده سنة أربع وستين وست مئة.
стр. 667
حرف الغين المعجمة
٣٤٠ - غالب بن عبد الرحمن بن عطية (١).
وقد تقدم بقية نسبه في ترجمة ابنه المحاربي، المكنى بأبي بكر.
ذكره ابن بشكوال، وقال: كان حافظًا للحديث وطرقه وعلله، عارفًا بأسماء رجاله، منسوبًا إلى فهمه، ذاكرًا لمتونه ومعانيه، أديبًا شاعرًا لغويًا.
سمع من أبيه عبد الرحمن، وأبي على الحسن بن عبيد الله الحضرمي المقرئ، ومحمد بن حارث (٢)، وأبي علي الغساني.
ورحل إلى المشرق فسمع بمكة من الحسين بن علي الطبري صحيح مسلم، وأبي عبد الله محمد بن أحمد النحوي، ولقي بمصر أبا الفضل الجوهري، وبالمهدية محمد بن معاذ التميمي، وسمع منه البخاري عن أبي ذر، وغيره.
قال: وقرأت بخط بعض أصحابنا، أنه سمعه يقول: أنه كرَّر صحيح البخاري سبع مئة مرة (٣).
وله نظم فائق، ونثر رائق.
ومن نظمه ما أورده له ابن خاقان، وهو قوله:
كيف السبيل ولي حبيبٌ هاجرٌ … قاسي الفؤاد يسومني تعذيبا
стр. 668
لما درى أن الخيال مواصلي … جعل السُّهاد على الجفون رقيبا
وقوله:
لا تحسبن رمضان شهر فكاهة … تلهيك فيه من الطعام فنونه
واعلم بأنك لا تنال قبوله … حتى تكون تصومه وتصونه
وقوله:
إذا لم يكن في السمع مني تصاونٌ … وفي بصري غضٌّ وفي منطقي صمت
فحظي إذن من صومي الجوع والظما … وإن قلت أني صمت يومي فما صمتُ
وأخذ عنه الناس الكثير، وكُفَّ بصره في آخر عمره.
ومولده سنة إحدى وأربعين وأربع مئة.
وتوفي ليلة الجمعة، سادس عشرين رجب، وقيل: جمادى الآخرة سنة ثمان عشرة وخمس مئة، في ما ذكره المقدسي.
وقال ابن بشكوال: توفي بغرناطة، لست بقين من جمادى الآخرة من السنة، عفا الله عنه.
٣٤١ - غياث بن محمود بن أبي المكارم الهلالي الفضالي المنفلوطي (١).
أديب شاعر، حدث بشيء من شعره.
روى عنه الحافظ المنذري.
أخبرني غير واحد إجازة، أخبرنا الحافظ عبد العظيم المنذري، قال: أنشدنا الشيخ الصالح لنفسه، قوله: شعر
تقول رجال الحي حين تحملوا … وقلبي مع الحادي أمام رحاله
стр. 669
أتطمع في ليلى وقلبك مائلٌ … إلى غيرها خلِّ الهوى لرجاله
فقلت وواشيها على القرب سامعي … مقال معنَّى في هواها وواله
جنيتم على قلبي وقلتم بأنه … سلاها سَلُوها فهي أدرى بحاله
ولكن تجنَّى الحب في الهجر والرضى … فلا راحة في سلمه وقتاله
قال: وتوفي بمنفلوط، في ثاني عشرين ذي الحجة، سنة اثنتين وعشرين وست مئة.
стр. 670
حرف الفاء
٣٤٢ - فتح بن موسى بن حماد الأندلسي القصري المنشأ، الأسيوطي الوفاة، المكنى بأبي نصر (١).
كان فقيهًا أصوليًا، أديبًا شاعرًا.
سمع الحديث بدمشق من أبي اليمن الكندي، وببغداد من أبي عبد الله ابن الدبيثي (٢).
وحدَّث، وصنَّف، ودرَّس.
ولد بالجزيرة الخضراء، في شهر رجب، سنة ثمان وثمانين وخمس مئة.
وتوفي بأسيوط من صعيد مصر، سنة ثلاث وستين وست مئة.
وله تصانيف (٣).
стр. 671
حرف القاف
٣٤٣ - قاسم بن أحمد بن موفّق بن جعفر اللَّورَقي، المنعوت بالعلم (١).
المقرئ النحوي الأصولي، المتفنن في فنون كثيرة من المنقول والمعقول.
أخذ القراءات عن أبي جعفر الخصَّاف (٢)، وأبي عبد الله ابن سعيد، وأبي الجود، وزيد بن الحسن الكندي.
ورحل ليقرأ المعقول على ابن الخطيب الرازي، فسمع بوفاته.
وصنّف في فنون، وشَرَح "الشاطبية" (٣)، و"الجزولية" (٤)، و"شرح المفصل للزمخشري" (٥) في أربع مجلدات.
قال أبو شامة: إنه كان في ذهنه خلل (٦).
وردّ بعضهم ذلك، وذكر أنه كان حادَّ القريحة، ونَسَب أبا شامة إلى تحامل (٧).
стр. 672
ومولده سنة خمس وسبعين وخمس مئة.
وتوفي في سابع رجب، سنة إحدى وستين وست مئة، عفا الله عنه.
٣٤٤ - القاسم بن الحسين أبو شجاع البغدادي (١).
شاعر محسن لطيف المنزع.
سافر إلى الموصل وديار بَكر، ومدح الملوك.
روى عنه من شعره أبو الفتح عثمان بن عيسى النحوي الموصلي، ومنه قوله: شعر
ليَ بيتٌ تموت فيه السنانير … هُزَالًا والفأر في الأسراب
أنا منه فوق التراب وخيرٌ … ليَ منه لو كنت تحت التراب
وذكره العماد في "الخريدة"، وأثنى على نظمه، وأورد من شعره قوله: شعر
قامت تهزُّ قوامها يوم النوى … فتساقطت خجلا غصون البان
وبكت فجاوبها البكا من مقلتي … فتمثَّل الإنسان في إنساني (٢)
توفي سنة تسع وستين وخمس مئة (٣)، عفا الله عنه.
٣٤٥ - القاسم بن علي بن محمد بن عثمان البصري الحريري (٤).
стр. 673
الفقيه الشافعي، النحوي اللغوي، الأديب الكاتب، الناظم الناثر.
المخترع المبتدع في الإنشاء والبلاغة والفصاحة ما عجز عنه أهل أعصاره، ولم يجرِ أحدٌ في مضماره.
روي عن أبي تمام محمد بن الحسن المقرئ، وأبي القاسم ابن الفضل القصباني النحوي، وجماعة.
وتفقه في مذهب الشافعي على الإمامين أبي إسحاق الشيرازي، وأبي نصر ابن الصباغ، وقرأ الفرائض والحساب على الخُبري، وأبي الفضل الهمذاني، والنحو والأدب على ابن فضال المجاشعي.
وحدّث ببغداد بـ "جزء من حديثه" (١)، وبـ "المقامات" (٢) التي أنشأها، فعجزت البلغاء في عصره وما بعده عن الإتيان بمثلها، ورامت الأدباء معارضتها، فلم يكونوا من خلِّ بقلها، فأقر كل منهم بالقصور عن شأوها، واعترف بفضلها، فلا محيد للأديب عنها، ولا ينبغي للفاضل أن يخلِّي بأموره منها، ولغرائبها في شكلها، وسموها في نبلها، نفاها عنه طائفة من الخلق، وجحدوا نسبتها إليه، حسدًا من عند أنفسهم من بعد ما تبين لهم الحق، فلم يحصل لهم المراد، ويأبى الله إلا ما أراد.
стр. 674
وقد رُوِيت عنه من وجوه عدة ممن لا يمارى في نقله، وثبت أنها بنت فكره، وأبى الفضل إلا أن يكون لأهله.
روى عنه من أهل بغداد أبو الحسن علي بن جعفر بن المتوكل، ومحمد بن ناصر السَّلامي الحافظ، وأبو بكر ابن النَّقُّور، وأبو القاسم علي بن المظفر بن الظهيري، وابن الناعم، وجماعة.
واعتنى بها الناس رواية وفهمًا، وشرحها جماعة ممن أوتيَ أدبًا وحازَ علمًا، ونقد ابن الخشاب عليها مواضع (١)، وردَّها ابن برّي عليه (٢)، ونسب الجهل في معرفتها إليه.
وشرحها (٣) الفقيه العلامة أبو عبد الله محمد المسعودي شرحًا نافعًا، ومدَّ فيه باعًا واسعًا، وملكته محبَّتها حتى ملكته العصبية، وتعصَّب لها حتى غيَّبه عن عيبها العصبية.
وشرحها (٤) المطرّزي شرحًا لطيفًا، إلا أنه أتى في مقدمته بأنواع من البديع مفيدة.
وشرحها (٥) ابن عبد المؤمن الشريشي شرحًا كبيرًا كثير الفوائد.
وشرحها بعض البغداديين شرحًا واسعًا، في خمسة عشر مجلدًا (٦).
وعلّق عليه الناس تعاليق كثيرة.
وله تصانيف مفيدة منها: "الملحة في النحو" (٧)، مفيدة للمبتدئ قريبة المنال، وله "درَّة
стр. 675
الغوَّاص في أوهام الخواص" (١)، في اللغة، حسنة في بابها.
وله نظم حسن، منه ما أورده العماد الأصبهاني، وهو قوله ﵀، وهي هذه الأبيات: شعر
طيف ألم به وهنًا فأحياه … لما حباه برؤياه ورياه
سرى إليه يُسرِّي الهمَّ عنه فما … أسره عند مسراه وأسراه
أعجِب به كيف وافى غير محتشم … ومن هدَاه وأهداه وهدَّاه
من بعد ما كان عنَّى المستهام به … حتى استهلت لما عاناه عيناه
ظبيٌ له مرُّ إدلال يقبحه … وإنما الحسن حلاه وجلاه
أزوره وهو مُزْورٌ وأنصحه … فيستريب وأخشاه وأغشاه
في كل يوم له إضرام ملحمة … يُصلى بها من تولاه ومالاه
وهي مطولة (٢).
وقال أبو سعد ابن السمعاني: أنشدني ابنه عبد الله، قال: أنشدني أبي لنفسه قوله: شعر
لا تخطونَّ إلي خطءٍ ولاخطإٍ … من بعد ما الشيب في فوديك قد وخطا
فأي عذر لمن شابت مفارقُه … إذا جرى في ميادين الصِّبا وخطا
وأورد له أيضًا قوله: شعر
وقلت للائمي أقصر فإني … سأختار المَقام على المُقام
стр. 676
وأنفق ما جمعت بأرض جمعٍ … وأسلوا بالحَطيم عن الحُطام
وقوله:
أخمد بحلمك ما يذكيه ذو سفهٍ … من نار غيظك واصفح إن جنى جان
فالحلم أفضل ما ازداد اللبيب به … والأخذ بالعفو أحلا ما جنى جاني
ومع فضيلته في الأدب، وقدرته على الإنشاء المنتخب، ولي ديوان الإنشاء، فلم تسمح قريحته بما أسلفت، واندثرت ربوعها العامرة بالفضائل وعفت، فاختبر في شيء فلم يأت بطائل، والتحق فيه بباقل.
وكان شيخنا أثير الدين يقول: إنه لم يعجَز وإنما قصد ذلك.
ولد سنة ست وأربعين وأربع مئة.
وتوفي في رجب، سنة ست عشرة وخمس مئة، وسنه سبعون سنة.
٣٤٦ - القاسم بن هبة الله بن محمد بن محمد بن أبي الحديد المدائني، ينعت بالموفق، يكنى أبا المعالي الأصولي (١).
كتب عنه أبو الحسن ابن الساعي، والحافظ الدمياطي، وأبو الحسن ابن سعيد، وجماعة.
وذكره ابن سعيد، وقال عنه: الأديب الشاعر الكاتب الماهر.
قال: وأنشد لنفسه قوله: شعر
стр. 677
وزائر زارني والخوف يقلقه … يمشي ويكمنُ في الأعطاف والطرق
قبَّلت أطراف كفيه على ثقة … بالأمن منه وخدَّيه على فرق
وكان في أخريات السكر مختلطًا … فلو أراد انتظام القول لم يطق
لله ما أحسن الصهبا منعمة … عليَّ إذ علَّمته طيبة الخلق
أهدت إلي سرورًا نلت معظمه … كالفعل ينصب مفعولين في نسق
وقوله:
لله مجلسُ لهوٍ بات يجمعنا … مع الصبا بين أصالٍ وأغلاسِ
يسعى النديم فيبطي الكأس في يده … عن شربها فيحتُّ الكأس بالكاس
كأن إبريقنا قد حار حين رأى … مصارع الترك بين الورد والآس
فمدَّ إحدى يديه فعل منزعج … منها ورد اليد الأخرى على الرَّاس
وقوله أيضًا:
لو عاد وَصلك لي لما عاد الزمن … وا حسرتا مضت الشبيبة والسكن
لم ألق إلا من يَذمُّ زمانه … قبل الممات فهذه الدنيا لمن
وكان الوزير العلقمي يُكرمه وينوِّه بذكره، فمات الوزير ومات الموفق بعده بأربع ليال، ورثاه أخوه العز، فقال: شعر
أبا المعالي هل سمعت تأوهي … ولقد عهدتك في الحياة سميعا
عيني بكتك ولو تطيق جوانحي … وجوارحي أجْرَت عليك نجيعا
ووفيت للمولى الوزير فلم تعش … من بعده شهرًا ولا أسبوعا
стр. 678
وبقيتُ بعدكما فلو كان الرَّدى … بيدي لفارقت الحياة جميعا
وكانت وفاته في خامس جمادى الآخرة، سنة ست وخمسين وست مئة.
وفي معجم الحافظ الدمياطي أنه توفي في رجب.
وقال الحافظ ابن الذهبي: والأول أصح (١).
стр. 679
حرف الكاف
٣٤٧ - كافور بن عبد الله الحبشي المصري المولد، سكن صور، فقيل له الصُّوري، يكنى أبا الحسن، وقيل: أبا المسك (١).
وكانت له معرفة تامة باللغة والأدب، ونظم نظمًا جيدًا، وكتب الكثير من الحديث.
ورحل فدخل العراق، ودخل خراسان، وغزنة، وما وراء النهر، وأقام ببُست، وبخارى مدة.
وكان كثير المحفوظ من الملح والحكايات.
سمع بدمشق من نصر المقدسي، وقال ابن النجار: سمع من نصر بصور.
وبالإسكندرية من المقلد بن القاسم، وببغداد من مالك بن أحمد، وبطبرستان من أبي المحاسن الرُّوياني.
وحدث ببغداد، سمع منه الحافظ أبو القاسم الدمشقي، وأبو القاسم بن بَوش.
له نظم أورد منه أبو سعد ابن السمعاني قوله: شعر
إن فاض دمع أو أصيب صميمُ … فعلام يعذل عاذل ويلومُ
لا نفعَ في عذل وعندي منهم … خوف التفرق مقعد ومقيم
ماذا يضرُّ العاذلين صبابتي … قلبي الكئيب ودمعي المسجوم
ولقد أراني ذا اشتياقٍ بعدهم … إن هبَّ من أرض الغوير نسيم
هل عندكم درياق من هُوَ في الهَوى … بلحاظ آرام الخدور سليم
стр. 680
قال ابنه: وأنشدني لنفسه قوله:
هبني سمعتُ على الهوى التقريعا … وأرحت منه جوانحًا وضلوعا
ومنعت عن عيني سهادًا كلما … عاينت دارًا بالنقا وربوعا
من أين لي صبرٌ إذا لم يأتني … طيفٌ يلذُّ به المحب هجوعا
ما ضرَّهم لو أشعروا برحيلهم … صبًا فيدرك منهم التوديعا
مه يا عذول وخلِّ عن عذل امرءٍ … لا يستطيع عن الحبيب رجوعا
لا تأمر القلب الكئيب بسلوةٍ … فيظل من فرط الجوى مصدوعا
لو أبصرَتْ عيناك أنَّةَ عاشقٍ … متسترٍ يدعو الحبيب مَريعا
لعلمت أن العذل يتلف قلبه … ويزيده بالغانيات ولوعا
وذكره العماد الأصبهاني، وأثنى عليه (١).
وحضر ليلة عند الوزير عون الدين بن هُبيرة، وقد اجتمع الفضلاء والقراء، وكلما أراد ينشد شيئًا، قرأ قارئ، فحلف أن لا يقوم حتى يختم الختمة، فقرأها، فأكرمه الوزير وأعطاه.
توفي يوم الثلاثاء، ثاني عشر جمادى الأولى، سنة ثمانين وخمس مئة.
ومولده بالكوفة، سنة سبع وتسعين وأربع مئة.
стр. 681
حرف الميم
٣٤٨ - مالك بن عبد الرحمن بن علي بن عبد الرحمن بن فرج المالَقي، المعروف بابن المرحَّل، المقرئ، الفقيه المالكي، الأديب الشاعر، القاضي (١).
أخذ القراءات عن المقرئ أبي جعفر الفحام، والنحو عن أبي علي الشلوبين، وأبي الحسن الدباج.
ولما قدم سبتة، ولاه أميرها أبو القاسم العزفي كتابة سرِّه، وتولى القضاء.
روى عنه شيخنا أبو حيان، وأنشدني عنه مما أجاز له، قوله: شعر
ألا يا نسيم الصَّبا خبِّري … بحال الأحبة أو عبِّري
أبياتا، وله قوله: شعر
في الصدر من عهد الحبيب علائقُ … ومثيرها نظرٌ وطيفٌ طارقُ
فالطيف إن أغفيت ليل هائجٌ … والطرف إن أصغيت يومًا شائق
يا منكر الأشواق لستَ بعاشق … ما يعرف الأشواق إلا العاشق
ممن له نَفَسٌ كمثلي خافتٌ … أو من له قلب كمثلي خافق
ما بين أضلعه حبيب قاطنٌ … يبني بموضعه رحيب ناطق
إن يذكر السِّلوان قال خطيبه … عبد المحبَّة يوم يسلو آبق
стр. 682
كيف السلو عن الذي أهوى وفي … عُنقي عهود للهوى ومواثق
زعم الحبيب بأن دمعي كاذبٌ … والله يعلم أن دمعي صادق
من ذا يسابق لوعتي أو زفرتي … وكلاهما عند التذكر سابق
وقوله:
مَذهبي تقبيل خدِّ مُذهبي … سيدي ماذا ترى في مَذهبي
لا تخالف مالكًا في رأيه … فبه تأخذ أهل المغرب
وقوله:
يا أيها الشيخ الذي عمره … قد حاز عشرًا بعد سبعينا
سكرت من أكْوس خمر الصّبا … فحدَّك الدهر ثمانينا
وليته زادك من بعد ذا … لأجل تخليطك عشرينا
ووقع بينه وبين ابن أبي الربيع في مسألة: كان ماذا، فنظم مالك:
عاب قومٌ كان ماذا … ليت شعري لم هذا
وإذا عابوه جهلًا … دون علم كان ماذا
وجهَّله ابن أبي الربيع، وصنّف في المنع من المسألة "مصنفًا" (١).
توفي سنة تسع وتسعين وست مئة، عن خمس وتسعين سنة، ﵁.
٣٤٩ - المبارك بن أحمد بن علي بن الإخوة الدقيقي، نسبةً إلى شارع دار الدقيق ببغداد، يكنى أبا البركات (٢).
стр. 683
فقيه حنبلي، مقرئ، فاضل خيِّر، وله معرفة بالأدب، وله شعر ومشاركة في النحو.
تفقه بأبي الوفاء ابن عَقِيل.
روى عنه أبو سعد ابن السمعاني، وقال: أنشدني لنفسه قوله، في ورود كتاب: شعر
ورد الكتاب كتابكم فجعلته … من فوق جفن النّاظر (١)
وغسلته وشربت ماء مداده … وكتمته حتى خفي عن خاطري
قال: وسمعته يقول: خرج رجل يتفرج، فجلس على الجسر، فأقبلت امرأة من جانب الرصافة، فاستقبلها شاب، فقال: رحم الله علي بن الجهم، فقالت: رحم الله المعرّي، ولم تقف، فتبعتُها وقلت: متى لم تقولي لي ما أرادَ وما أردْتِ، وإلا فضحتكما وتعلقت بك، فقالت: أراد قول ابن الجهم قوله: شعر
عيون المهى بين الرصافة والجسر … جلبن الهوى من حيث أدري ولا أدر
وأردت قول المعري حيث قال:
فيا دارها بالحزن إنّ مَزَارها … قريبٌ ولكن دون ذلك أهوال
وذكره ابن النجار، وقال: كان شيخًا حسنًا، ذا مروءة ظاهرة، محبًّا للخير، قاضيًا للحوائج، حفِظةً للحكايات والأشعار، قرأ عليه جماعة القرآن.
ومولده بالحريم الطَّاهري ببغداد، في آخر ذي الحجة سنة ثمانين وأربع مئة.
وتوفي ليلة الثلاثاء، سادس عشرين ذي قعدة، سنة اثنتين وخمسين وخمس مئة، عفا الله عنه.
стр. 684
٣٥٠ - المبارك بن أحمد بن المبارك بن موهوب بن غنيمة بن غالب اللخمي، ينعت بالشرف، ويكنى أبا البركات الإربلي، ويعرف بابن المستوفي (١).
سمع من أبي حفص عمر بن محمد بن طبرزد، وأبي المظفر ابن طاهر الزاهد، والشريف أبي الهيجاء علي بن أحمد، ومن الحافظ أبي الخطاب ابن دحية.
وذكره الحافظ المنذري، وقال: كان فاضلًا كثير المحفوظ، حسن الإيراد، جيد الخط، وكان بيته مجمع الفضلاء والفقهاء، وله شعر جيد، ونثر حسن (٢).
قال: وأجاز لي تصانيف، وذكر منها: "تاريخ إربل" (٣)، وكتاب "النظام في شرح شعر المتنبي وأبي تمام" (٤)، في عشر مجلدات، و"شرح أبيات المفصل" (٥)، في مجلدين، وكتاب سماه "أبا قُماش" (٦)، وغير ذلك.
وكان عالمًا بالحديث، والنحو، واللغة، والتاريخ، وغيرها.
وذكره ابن نقطة الحافظ، وأثنى على فضله، وقال: روى عنه جماعة، وقال: إنه عالم فاضل ثقة.
стр. 685
ونقلت من خط الحافظ الرشيد ابن الحافظ عبد العظيم المنذري، أنشدني أبو البركات لنفسه، وكتب به إليَّ غير مرة، قوله:
لجاجة شوق لا تزال تنوبه … إذا العارض النجدي هبَّ جَنوبه
وإن لاح محمرَّ الذوائب برقه … أجدَّ لهيبًا في حشاه لهيبه
غرامًا قديم الشكو أعوَز برؤه … إذا طال مطل الداء عزَّ طبيبه
وفي الجيرة الغادين من أيمن الحمى … غزال نقا سهل القياد ربيبه
سريع الرضا سهل الدلال شهيه … بديع الصّبا فرد الجمال غريبه
خلوت به مستمتعًا بجماله … فقولوا لشوقي هل رأى ما يريبه
وأهرب منه أتقي سحر لحظه … ويخدعني عن مَقْتلي فيصيبه
قال: وأنشدني لنفسه إذنًا قوله: شعر
ملَّ العواذل في هواك صبابتي … وكذاك ملَّ العائدات أنيني
لي منك ما للناس إلا أنني … أفردت عنك بلوعة المحزون
أنفقت عمري في هواك وعدت من … ندمي أعضُّ أنامل المغبون
الذنب لي في ما فعلت لأنني … أودعت قلبي عند غير أمين
قال: وأنشدنا لنفسه أيضًا إذنًا قوله: شعر
يا من تدعو بالتفرق بغتة … ما هكذا تتعامل الأحباب
إني لمعتذرٌ إلى شغفي بكم … من أن أعيش وأنتم غُيَّاب
قال: وأنشدنا لنفسه أيضًا إذنًا، قوله: شعر
стр. 686
عشقتكم صغير السن طفلًا … فشِبْتُ هوىً وحبكم غلامُ
ولم أرَ عندكم فرجًا ولكن … عرفت بعشقكم كيف الغرام
يلومني العذول وما يبالي … بما يجني على سمعي الملام
ومن شرف الهوى أن لا تراه … يموت بدائه إلا الكرام
وعندي للهوى قلب تمادت … به البلوى وعينٌ لا تنام
وله قال أيضًا:
يا من تجنى ظالمًا … وقسا عليَّ فما تلين
ما كنت أحسب أنَّ مثلك في ملاحته يكون
إني أغار عليك أن … تجني محاسنك العيون
ولد بإربل، منتصف شوال، سنة أربع وستين وخمس مئة.
وتوفي خامس المحرم، سنة سبع وثلاثين وست مئة.
ورثاه الشمس يوسف بن النفيس الإربلي، المعروف بشيطان الشام، بقوله:
أبا البركات لو درت المنايا … بأنك فرد عصرك لم تُصبكا
كفى الإسلام رزءًا فقدُ شخصٍ … عليه بأعين الثقلين يُبكى
٣٥١ - المبارك بن أحمد بن محمد البغدادي، المنعوت ركن الدين، المكنى بأبي السعادات، المعروف بحَرّكها، الفقيه الحنفي (١).
ذكره ابن النجار، وقال: كان من أعيان الفقهاء، ودرَّس بمدرسة سعادة، وله في الأدب يدٌ، وينظم نظمًا حسنًا.
стр. 687
سمع من الوزير أبي المظفر ابن هُبيرة.
روى عنه ولده أبو الكرم المظفر، والمبارك بن كامل الخفاف، وأبو المحاسن إسماعيل بن عبد الله الخوارزمي.
قال الخفاف: أنشدني لنفسه قوله: شعر
لحى الله حادٍ حدا بالمطيِّ لقد حثَّ بالبيداء أحمالها
أما كان يدري بأن النفوس غدت للمحبين أجمالها
أهاج لها بعض أشواقها … ونارُ التفرِّق أحمى لها
وله أيضًا:
لقد أسفرت عن وجهها وتنقَّبت … وماست وأغصان الكثيب رطاب
وللشمس من ذاك السفور تبرُّجٌ … وللبدر من ذاك النقاب نقاب
وذكره ابن كامل في "كتابه"، وتوفي ابن كامل قبله بنحو من خمس وثلاثين سنة.
ولد أبو السعادات في ربيع الأول، سنة ست وتسعين وأربع مئة.
وتوفي يوم الاثنين، الحادي والعشرين من ربيع الآخر، سنة ثمان وسبعين وخمس مئة.
٣٥٢ - المبارك بن كامل بن الحسين بن محمد بن عمر الخفاف، المكنى بأبي بكر (١).
كان محدثًا كثير السماع، كثير الفوائد.
سمع الكثير من الجمّ الغفير؛ فسمع من أبي القاسم ابن بيان، وأبي علي ابن نبهان،
стр. 688
وأبي طالب، وأبي طاهر ابني يوسف، وأبي سعد ابن الطيوري، وأبي الغنائم ابن النرسي، وأبي غالب الذهلي، وأبي العز ابن المختار، وأبي علي ابن المهدي، وأبي الغنائم ابن المهتدي، وأبي بكر ابن بدران الحلواني، وأبي القاسم ابن الحصين، وخلائق.
وكتب عن أقرانه ومن هو دونه، وأفاد الطلبة والغرباء، وانتهت إليه المعرفة بمشايخ العراق.
وكتب بخطه كثيرًا، وخرَّج تخاريج، وجمع مجاميع.
وصنف كتابًا سماه "سلوة الأحزان" (١)، نحو ثلاث مئة جزء.
وحدّث بالكثير، وسمع منه الفضلاء والكبار والقدماء.
قال ابن النجار: وكان صدوقًا مع قلة فهمه ومعرفته.
وقال بعضهم: أنشدنا ابن كامل من لفظه وكتابه:
ما لم يكن عنصره طيبًا … لم يخرج الطِّيبُ من فيه
أصلُ الفتى يخفى ولكنه … في فعله يظهر خافيه
كل امرئٍ يشبهه فعله … وينضح الكوز بما فيه
وقال ابن النجار: سمعت أحمد بن عبد الملك الخُرَيْمي يقول: كنت واقفًا بدرب يعقوب بشارع دار الرقيق، وكنت صبيًا، فأقبل ابن كامل وهو متكئ على قصبة، وبه استسقاء وبطنه كبير، وقد تورَّم قدماه، فسلَّمت عليه، فقال: تعال معي، وقصد منزل
стр. 689
علي بن محبوب، فأخرج من كُمّه جزءًا فقرأه عليه، وكان سريع القراءة، وأفنى عمره في طلب الحديث، وما دخل أحدٌ بغداد إلا سمع منه.
ومولده يوم الخميس، ثاني عشر ذي الحجة، سنة تسعين وأربع مئة.
وتوفي بالاستسقاء يوم الجمعة، تاسع عشر جمادى الأولى، سنة ثلاث وأربعين وخمس مئة.
٣٥٣ - المبارك بن المبارك بن سعيد بن أبي السعادات، ينعت بالوجيه، كنيته أبو بكر ابن الدهان، الواسطي النحوي المقرئ الضرير (١).
كان فاضلًا في النحو، والأدب، واللغة، وفنون كثيرة.
وتفقه في صباه على مذهب أبي حنيفة، ثم انتقل إلى مذهب الشافعي على كبر.
وقرأ بالروايات على جماعة، وقرأ الأدب على أبي سعيد نصر بن المؤدب، وغيره، وقدم بغداد في صباه مع أبيه، فقرأ الأدب على أبي محمد ابن الخشاب، وصحب أبا البركات عبد الرحمن بن محمد الأنباري النحوي، وقرأ عليه جملة من كتب اللغة، والنحو، وأشعار العرب من حفظه.
стр. 690
قال الحافظ أبو عبد الله ابن النجار قال لي: إنه قرأ نصف كتاب سيبويه من حفظه على الأنباري، وأنه كان كل يوم يحفظ كراسًا من النحو، ويفهمه ويُطَارح به، حتى برع في النحو، وصار من أعيان الشيوخ ببغداد.
وكان شديد الذكاء، حادَّ القريحة، وكان حسن التعليم، مليح التفهيم، كثير المحفوظ، متضلعًا بعلوم كثيرة، من النحو، واللغة، والتصريف، والعروض، ومعاني الشعر، والتفسير، وإعراب القرآن، وتعليل القراءات، ويَعرِف الفقه، والطب، وعلم النجوم، وعلوم الأوائل.
وينظم نظمًا جيدًا، وينثر نثرًا حسنًا، وينشئ الخطب والرسائل، بلا كلفة ولا روية.
ويتكلم بالفارسية، والتركية، والرومية، والأرمنيَّة، والحبشية، والهندية، والزنجية، بكلام حسن فصيح.
وكان حليمًا، بطيءَ الغضب، عظيم الاحتمال، كريم الأخلاق، متواضعًا، متحببًا إلى الخلق، ديّنًا، صالحًا، جميل السيرة، كثير الصَّدقة، متفقدًا للفقراء وطلاب العلم، راغبًا في فعل الخير.
وتولى تدريس النحو بالمدرسة النظامية، وشرطها أن يكون المدرس شافعيًا، فانتقل إلى مذهب الشافعي.
وفيه يقول أبو البركات التكريتي، ﵀: شعر
ومن مُبلغٍ عني الوجيه رسالة … وإن كان لا تُجدي إليه الرسائلُ
تمذهبت للشافعي بعد ابن حنبل (١) … وذلك لما أعوزتك المآكل
وما اخترت رأي الشافعي تديّنًا … ولكنما تهوى الذي هو حاصل
стр. 691
وعمَّا قليلٍ أنت لا شك صائرٌ … إلى مالك فانظر لما أنا قائل
وسمع الحديث من أبي زرعة طاهر بن محمد، وأبي القاسم يحيى بن ياسين، وأحمد بن المبارك، وغيرهم.
قال ابن النجار: قرأت عليه القرآن، والفقه، والنحو، واللغة، والشعر، والأدب، وهو أول شيخ فتح فمي بالعلم، سلَّمني له والدي وأنا ابن عشر سنين، وقرأت عليه الطبَّ، وعلم النجوم، وما ترك فنًّا من العلوم إلا وأشغلني منه بشيء.
وكان ثقةً صدوقًا نبيلًا.
وقال: أنشدني لنفسه قوله: شعر
أيها المغرور بالدنيا انتبه … إنها حالُ ستَفْنى وتحول
واجتهد في نيل مُلك دائم … أيُّ خير في نعيم سيزول
قال: وأنشدني لنفسه أيضًا قوله: شعر
تنهى عن اللهو ولا تنتهي … عنه وأنت اللاعب اللاهي
نفسك عظ وازجر وعظ تتَّعظ … إن كان ذا وعظك لله
وجدَّ في تخليصها من لظىً … ولا يَكُن هَمُّك إلا هي
سُئِل عن مولده، فقال: في سنة أربع وثلاثين وخمس مئة، بواسط.
قال: وقرأت بخطّه، والأصح بخط والده، أنه وُلد ضاحي نهار السبت، ثامن عشرين جمادى الآخرة، سنة أربع وثلاثين.
وتوفي ليلة الأحد، سادس عشرين شعبان، سنة اثنتي عشرة وست مئة ببغداد، ﵁.
стр. 692
٣٥٤ - المبارك بن محرز بن الديدبان المدائني، المكنى بأبي نصر (١).
كان شاعرًا جيد النظم.
روى عنه القاضي أبو الحسين هبة الله بن محمد بن محمد بن أبي الحديد، ورثى النقيب أبا الحسين، نقيب العلويين، بهذه الأبيات.
قال ابن النجار: أنشدني ابن أبي الحديد قال: أنشدني المبارك لنفسه، وهي هذه المرثية، وهي قوله:
قد قلت للرجل المولَّى غسله … هلا أطعت وكنت من نصحائه
جنبه ماءك ثم غسِّله بما … أجرته عين المجد عند بكائه
وأزل أفاويه الحنوط وطيبه … عنه وحنطه بطيب ثنائه
ومر الملائكة الكرام بحمله … شرفًا ألست تراهم بإزائه
لا تُوهِ أعناق الرجال بحمله … يكفيك ما فيهن من نعمائه
وهذه المرثية رأيتها منسوبة إلى دنيس المدائني، والله أعلم.
وأورد ابن النجار من شعره، قوله أيضًا: شعر
أتمنى والأماني ضلة … أن أرى ذاك الكثيب الأيمنا
ولقد أصبو إلى نجد وإن … لم تكن نجد لقلبي وطنا
أنت يا ورقاء قد هيجتني … أفنَوْحٌ منك هذا أو غنا
وتوفي بعد سنة خمس وستين وخمس مئة.
وكان قد هجا الوزير ابن البلدي، وخاف، فهرب إلى ديار بكر، فمات بها.
стр. 693
وكان الوزير به أسْر البول، فقال فيه المبارك: شعر
قالوا فلانٌ غدا يبول حصىً … وليس يدرون ما السرُّ
فقلت هذا مما يدلكم منه على أن وجهه صخر
تنقر فيه معاول الدم فالخارج منها يحثه النقر
فقيل أبعدت في القياس وهل … بين حصاة ووجهه نجر
قلت نعم إنها إذا وُجِدت … لم يبد فيه الوجه ذلك الشعر
وذاك أدنى لأن منحدر الأشياء سهلٌ والمرتقى وعر
وقد نُسب هذا الشعر للجمال البغيديدي، وتقدم، والله أعلم.
٣٥٥ - المبارك بن محمد بن عبد الكريم ابن الأثير الجَزَري، ينعت بالمجد، ويكنى أبا السعادات (١).
أحد الفضلاء المشهورين، والنبلاء المذكورين، والفقهاء الموصوفين، والكتاب المعروفين، أقام بالموصل، وسمع بها الحديث من أبي بكر يحيى بن سعدون أبي تمام، وأبي
стр. 694
الفضل عبد الله بن أحمد الخطيب، وغيرهما، وببغداد من يعيش بن صدقة الفراتي، وعبد المنعم بن كليب، وعبد الوهاب بن علي، وغيرهم.
وحدَّث، وصنَّف تصانيف، منها "تفسير الكتاب العزيز" (١)، جمع بين الثعلبي والزمخشري، وكتاب "الأدعية والأذكار" (٢)، و"كتاب في صنعة الكتابة"، وكتاب "جامع الأصول والحديث" (٣)، و"شرح مسند الشافعي" (٤)، وفيه نقول ونصوص غريبة، وكتاب "النهاية في غريب الحديث" (٥)، وهو كتاب جامع، وكتاب "البديع في النحو" (٦)، وكتاب "أسد الغابة في معرفة الصحابة" (٧)، و"رسائل مدونة" (٨).
стр. 695
وقرأ النحو على أبي الحرم مكي بن ريان الضرير، وابن الدهَّان، وغيرهما.
وبرع في مذهب الشافعي، وولي في أول عمره ديوان الإنشاء من جهة غازي، صاحب الجزيرة، ثم كتب بالموصل لصاحبها مسعود بن القطب.
ثم اختصَّ بولده نور الدين أرسلان شاه، فراسله أن يلي الوزارة، فاعتذر بالمرض وعلو السن، فجاء إليه بنفسه فقال له: جئتك عائدًا وعاتبًا، فقال: يا مولاي أنا كبير السن، وقد خدمت العلم عمري، واشتهر عني في البلدان، واعلم أني لو اجتهدت في إقامة العدل جهدي ما قدرت كلى أن أؤدي حقه، وإن وقع ظلمٌ في أقصى بلاد السلطان نُسِب إلي، ورجعتَ أنت بالملامة عليَّ، والملك يا مولاي لا يستقيم إلا بالتسامح في العسف، وأخذ الخلق بالشدة، وأنا لا أقدر على ذلك، فأشفق السلطان عليه واستحسن كلامه، وقال له: لا نكلفك إلا ما يخفُّ عليك.
وحج المبارك، ووقف داره على الصوفية، ومضى على جميل وسداد.
ومولده في أحد الرَّبيعين، سنة أربع وأربعين وخمس مئة.
وتوفي يوم الجمعة، منسلخ ذي الحجة، سنة ست وست مئة.
وقد ذكره ابن المستوفي، والمنذري (١)، وأثني كل واحد منهما عليه.
وذكره ابن نقطة وقال: كان فاضلًا ثقة (٢).
وذكره ابن سعيد في "تاريخه الكبير"، وأورد من شعره أيضًا قوله: شعر
ما تعودتُ ذا الجفا من حبيبي … فسلوه من الذي أغراهُ
стр. 696
هجره فتح باب هلكي ولا … عيش لمثلي يومًا بغير رضاه
٣٥٦ - المبارك بن يحيى بن أبي الحسن بن أبي القاسم المصري، الفقيه الشافعي، المنعوت بالنصير، والمعروف بابن الطباخ (١).
برع في الفقه، ودرس بالقطبية التي بالبندقانيين بالقاهرة، وأعاد بالصالحية عند الإمام ابن عبد السلام.
وكان معتنيًا بكتاب "التنبيه" (٢)، ويدّعي أنه يخرج جميع المسائل منه، فقيل له: من أين تأخذ منه، أن لكل جرية حكم في الماء الجاري، فقال من قوله في كتاب الطلاق: وإن قال لها وهي في ماء جار إن خرجت من هذا الماء فأنت طالق، وإن أقمت فيه فأنت طالق، لم تطلق خرجت أو أقامت، فقد جعل لكل جرية حكمًا، وأشباه ذلك.
قال شيخ شيوخنا العلامة أبو العباس أحمد الدشناوي: وأنا لا أنفي ولا أثبت، والسلامة في التسليم، وفوق كل ذي علم عليم.
وله نظم منه كل بديع.
ولد، ﵀، في خامس عشرين ذي قعدة، سنة سبع وثمانين وخمس مئة.
وتوفي بالقاهرة، في حادي عشر جمادى الآخرة، سنة سبع وستين وست مئة، عفا الله عنه.
стр. 697
٣٥٧ - مُبَشِّر بن أحمد بن علي بن أحمد الرازي المحتد البغدادي المولد (١).
كان إمامًا في علم الحساب، والجبر، والمقابلة، والفرائض، والمساحة، وخواص الأعداد، واستخراج الضمائر، والحساب الهندسي، وحساب الوفق، والمنطق، والفلسفة، والرياضيات، وأنواع العلوم القديمة، وله في ذلك تصانيف (٢).
وكان شديد الذكاء، حاد القريحة، قادرًا على حل الإشكال.
وله معرفة بالأدب، واشتغال بعلوم الشرع.
وسمع صحيح البخاري من أبي الوقت.
وكان يُرمَى بفساد العقيدة (٣).
توفي سنة تسع وثمانين وخمس مئة.
٣٥٨ - مُجَاهد بن سليمان بن مرهف ابن أبي الفتح المصري التميمي الخياط، ويعرف بابن أبي الربيع (٤).
وكان فيه فضل، وله مشاركة في النحو والأدب، وينظم النظم الجيد.
ومن شعره قوله:
أعد يا برق ذكر أهيل نجد … فإن لك اليد البيضاء عندي
стр. 698
أشيمك بارقًا فيضِلّ عقلي … فوا عجبًا تضلُّ وأنت تهدي
ويبكيك السحاب وليس حقًا … تحمل بعض أشواقي ووجدي
بعثت مع النَّسيم لهم سلامًا … فما جادوا عليَّ له برَدّ
وقال يهجو الأديب أبا الحسين الجزار بقوله:
إن تاه جزَّاركم علينا … بفطنة في الورى وكيس
فليس يرجوه غير كلبٍ … وليس يخشاه غير تيس
تعود السلخ من قديم … كأنه من بني الفقيس
وله في الهجو أيضًا:
يجحدني ما لم يفد جحده … دعه فما ينفعه مينه
كذلك النَّرجس لما ذوى … وكاد يقضي ودنا حينه
ما إن سكبت الماء في قاعه … وقام إلا قويت عينه
وأيضا يهجو الجزار بقوله:
لا تلمه إذا غسلت التعاشير كغسل الكروش مما جناه
فسأشويه بالهجاء ولا أتركه باقيا بشحم كُلاه
وله أيضًا يتغزَّل:
فوق خدّ بنفسج وشقيقٍ … كيف حمَّلتموه ما لا يطيق
وفمٍ فيه ما يجلُّ عن الوصف وتحشوه قبلةً فيضيق
وقوام تزيد فيه قلوبٌ … كلما قام فيه للعشق سوق
стр. 699
وله أيضًا قوله: شعر، قال:
وظبيٍ تظلَّمت من خصره … لقلبي عليه حقوقٌ ودم
أخذت القصاص بتعضيضه … ولم يجر بعد عليه القلم
توفي بالقرافة، ودفن بها يوم الثلاثاء، الحادي والعشرين من جمادى الآخرة، سنة اثنتين وسبعين وست مئة، وقد قارب السبعين.
٣٥٩ - مَجْبَر (١) بن محمد بن عبد العزيز بن عبد الرحمن بن مَجْبَر الصقلي المولد، المصري المنشأ والوفاة، يكنى أبا القاسم (٢).
حدث عن الخلعي، وسمع من جماعة.
روى عنه الحافظ أبو الطاهر السِّلفي.
وكان أديبًا فاضلًا بارعًا، مدح الملوك.
وذكره القاضي الرشيد ابن الزبير الأسواني في كتابه المسمى بـ "الجنان"، وقال عنه: غزير موارد الفكرة، واري زناد القريحة، ترك إنشاد الشعر مدةً تديّنًا وتورعًا لما نُظم في سلك العدول بمصر، ثم عاد بعد زمان طويل.
وله "ديوان" شعر يزيد على بضعة عشر ألف بيت، ومدح الأفضل أمير الجيوش بهذه القصيدة، سنة سبع وخمس مئة، أولها، قوله ﵀: شعر
شفَّت زجاجة دمعة عن دائه … لو كان عند الناس علم شفائه
стр. 700
وألحَّت الزّفرات في إظهاره … لما ألحَّ السقم في إخفائه
صبٌّ إذا سحَّت سحائب دمعه … سُقيت عِطاش حباه من حوبائه
قسمًا بمن قسم الهوى فاختصَّني … دون الأنام عناية بعنائه
لأقبلن على الأسى قلبي عسى … يرثى له من حلَّ في سودائه
يا إخوة المشتاق فكُّوا أسره … من دائه وتفضَّلوا بفدائه
أمن الحفيظة والمودة في الهوى … والحبُّ تخضع أسده لظبائه
رخصت على رخص الأنامل مهجتي … وغلا جنى العُنَّاب من جنَّائه
وهي قصيدة طويلة بديعة.
وله أيضًا يمدح الأفضل أمير جيوش شاه بهذه القصيدة، على وزن قصيدة الشريف الرضي فقال: شعر
يا غرَّة البدر من بالهجر أغراك … أم من بفتك دم العشّاق أفتاك
جنيتِ قتلي ولى في وجنتيك دمٌ … صحَّت عليك به الدعوى لقتلاك
وما بجفنيك من حق الفتور لقد … أصبحت فتنة زهاد ونساك
خُلقت سيفًا على العشاق مشتهرًا … خدَّاه خدَّاك والجفنان جفناك
يا سلم ألقيت سلمي في هواك فلِمْ … سَلَّت عليَّ سيوف الحرب عيناك
تراك أنذرت قلبي قبل صبوته … أن سوف يهوي صريعًا حين يهواك
عيني أعانت على قلبي بنظرتها … فصادني صيد أشراكي بإشراك
يا عين أصبحتِ من جراك في تعبٍ … فمن على نظرٍ في الحسن جرَّاك
لولاك ما قرعت قلبي الخطوب ولا … غرقت في غمرات الحبِّ لولاك
стр. 701
أجرت دموعك ساعات الفراق دمًا … لما رعيت خؤونًا ليس يرعاك
يا روضة البان جادتك السحاب بما … أهدى لنا طيب ريَّا طيب رياك
ويا صبا الجزع لولا من صبوت له … حيَّاك بالعَرف منه ما عرفناك
يا أهل رامة ما للريم عندكم … يُشكى إليه فلا يحنو على الشاكي
وما لغزلانكم تغزوا القلوب إذًا … من كل طرف حديد اللحظ فتَّاك
يا ظبية بظبا ألحاظها سفكت … دمي كفاك الذي تجنيه كفَّاك
لم تنقدح بين قلبي والهوى زندٌ … حتى اشتكت ضيقة القلبين زنداك
ولم تحل في جفوني للكرى سنةٌ … مذ جال كالخنصر الممشوق خصراك
قاسيت من قلبك القاسي أليم جفًا … رفقًا به خلقت للعطف عِطْفَاك
أراك مؤثرة عوْد الأراك على … أن الخواطر والألباب مرعاك
حرَّمْتِ ظَلمك أن تدنو الشَّفَاه له … فكيف حللت ظلم الواله الشاكي
ما للكرى ضل عن عيني الخيال به … ألَّا أهتدى بك يا سلمى فأهداك
لا أنت تسري ولا أسري إليك فما … أقصاك يا لذة الدنيا وأقساك
خذي يميني يمينًا غير خائنة … إني على كل حال لست أنساك
وكيف يأتي سلوًا أو يهمُّ به … مَن إن تناهت أمانيه تمناك
إن كان أحلا من الوصل الفراق بدا … فإن قلبي معمورٌ بذكراك
لِمْ أنت يا كعبة الفردوس ساخطة … وفي مقاصيره رضوان ربَّاك
سكنت قلبي فأسكنتِ الحريق به … ألا بردت بماء الوصل مأواك
كظمت للبين غيظًا يوم كاظمة … فكيف أسخطني سخطٌ وأرضاك
стр. 702
نويت قبل النوى هجري فلا عجبٌ … إن التفرق من ناديك ناداك
يا نفس أنفسُ شيء أحرزته يدي … حلم حرزت به في المجد لقياك
منها في المدح قوله:
مولى أقام الليالي حوله خدمًا … واستخدم السعد في فلك وأفلاك
سعى إلى الغاية القصوى فأدركها … وأعجز الخلق عن سعيٍ وإدراك
فوق الثَّرى والثريَّا من سعادته … ركنٌ شديدٌ وفرع في العلى زاك
يا دولة الآمر المنصور طبت بما … أعطاك ربك من فضل وأولاك
سلالة المصطفى فيك الإمام ومن … كفيله سيف تأييد بيُمناك
نوران من جوهريْ دين ومملكة … حُفَّا بجندين من نصر وأملاك
سقيًا لأيامك الغرِّ التي حسُنت … فحار في وصفها أو وضعها الحاكي
أصبحت جنَّة عدن لا نعيمك ممزوج ببؤس ولا للحزن عقباك
وظلك الأمن أمسى من تفيَّأه … في جَنَّة جُنَّة من صرف دنياك
لم نعرف العيش في الدنيا ولذتها … ولا انتفعنا به حتى عرفناك
إليك يا مصر وافى كل ذي أملٍ … رآك أو في نصير حين وافاك
صدَّت عن الماء هيم الناجيات بنا … فما وردنا الغنى حتى وردناك
أصبحت كعبة جود للعفاة فما … تنفك تسعى الأماني حول مسعاك
ملكٌ حكى نيلك الفياض نائله … فلو غدا النيل غورًا فيك روَّاك
يا كفَّه السمحة البيضاء ظَلْتِ فما … أوفاك جودًا وما بالعهد أوفاك
стр. 703
لو كنت في زمن ألفيت حاضرة … أغنت حقيقًا عن النعمان نعماك
دنياي إن يدي بالأفضل اعتصمت … إياك عني ببؤس العيش إياك
ويا صروف الليالي ويحك انصرفي … فجوده بشهاب قد تصدَّاك
وله يمدحه أيضًا قوله: شعر
املا كُوسَك بالغرام وهاتها … إن الهوى للنَّفس من لذاتها
واصرف عن المشتاق صرف مدامةٍ … رشف الرُّضاب ألذُّ من رشفاتها
ومريضة الأجفان سامت في الهوى … تلفي فهان عليَّ في مرضاتها
مازلت أصفح في القلى عن جرمها … وأغضُّ في الإعراض عن هفواتها
حتى توهمت الصدُّود زيادة … في حسنها عندي وفي حسناتها
يا هذه رفقا بنفس متيَّم … أفسدت بالهجران طيب حياتها
يا هند قتل العاشقين ظلامةٌ … لا يهتدى في الحسن من ظلماتها
فأنهى جفونك عن إراقة مهجتي … إني أخاف عليك من تبعاتها
يا أهل رامة ما لظبية بانكم … سلَّت ظباء الفتك من لحظاتها
أعلى أسود الغاب تجسر في الهوى … ما أخطر الهجمات في أجماتها
لا والقساوة في القلوب قسامةً … تختص بالعشاق في قسماتها
ما للأسود الضاريات على الورى … ما للعيون النُّجل من فتكاتها
أستودع الله القباب وأوجُهًا … فيهنَّ كالأقمار في هالاتها
الخمر والكافور في أفواهها … والورد والتفاح في وجناتها
стр. 704
حتى وريتُ من التأسف بعده … نارًا دموعي الحمر من جمراتها
فمن المحال خفاء أسرار الهوى … والدَّمع من رُقبائها ووُشاتها
ومنها في المدح قوله: شعر
ما زلت أنظر طيب ذكرك عنبرًا … أرجًا خلال الدُّر من خالاتها
حتى إذا نشر الصباح رداءه … عن مثل نشر المسك من نفحاتها
وتمثّلت عقدًا تود كواكب … الجوزاء لو عقدته في لبَّاتها
أعددتها للقاء مجدك منحةً … أدعو بها وأنال من بركاتها
ومدائح الكرماء خير وسيلة … شفعت نهى الآمال في حاجاتها
وأحقها بالنُّجْح مدحك إنه … للنَّفس عند الله من قرباتها
وله يمدحه أيضًا قوله: شعر
نصحت ولكن غيُّه عنك شاغله … وهيهات يهدي ذاهب العقل ذاهله
هوىً عقد التبريح صفقته فمن … يقابله فيها بما أنت قابله
فدعه ووجدًا ساررته شجونه … ووسواس شوقٍ أسعرته بلابله
فقد فَقَد الصبر الجميل وساقه … إلى حتفه غَيُّ التصابي وباطله
رمى الحبُّ بالأشواق حبَّة قلبه … فطاح وقد أصمى الرمية نابله
أعاذله عنَّفته غير عادلٍ … فحسبك منه ذائب الجسم ذابله
فإن كنت مرتابا بما في فؤاده … فذا الدَّمع سائله لم احمرَّ سائله
ففي دمه الجاري من العين آيةٌ … تدلّ على أن قد أصيبت مقاتله
стр. 705
أما وغرام لا يزال غريمه … يعاملني في صحتي وأعامله
لقد أودعوا قلبي عشية ودَّعوا … حديثا أتتني بالعيون رسائله
ضمنتُ لربَّات الدلال جفاءة … فلما استمرَّ البين بانت دلائله
وأذهل عقلي يوم منعرج اللوى … تحمُّل سرب لم تعرِّج عقائله
يسير وقلبي في يد الشوق عنده … أسيرٌ تعاديه النوى وتعادله
وأحْوَر ساجي المقلتين كأنما … بجفنيه ما يحوي من السحر بابله
أريقت شمول الحسن في صحن خدِّه … فراقت معانيه ورقَّت شمائله
تقسَّم فيه بالسواء جماله … فلم يتحاسد خاله وخلاخله
قضيبٌ سقى ريحان بهجته الصبَّا … وغنَّت بأنداء النعيم خمائله
يقدُّ فؤادي قدُّه واعتداله … ويضعف صبري لينه وتمايله
يكلفني صبرا على شدة النوى … عشيّة زمت للرواح رواحله
منها في المدح قوله:
وسائلة ما سوَّغ العيش بعدما … تقضت شفاعات الصِّبا ورسائله
فقلت عطاءَ الأفضل الملك الذي … تزايد حتى أخجل النيل نائله
سحابٌ من المعروف والبشر برقه … ومن غلس الإحسان والعدل وابله
يطبِّق أطباق البسيطة قطره … إذا ضاق هامي الغيث عنها وهامله
كَفَتْنَا جنايات الحوادث كفه … وقامت بأرزاق الأنام أنامله
جواد ينال الخلق غامرَ طوله … ويعجز عن عليائه من يطاوله