أجرت دموعك ساعات الفراق دمًا … لما رعيت خؤونًا ليس يرعاك
يا روضة البان جادتك السحاب بما … أهدى لنا طيب ريَّا طيب رياك
ويا صبا الجزع لولا من صبوت له … حيَّاك بالعَرف منه ما عرفناك
يا أهل رامة ما للريم عندكم … يُشكى إليه فلا يحنو على الشاكي
وما لغزلانكم تغزوا القلوب إذًا … من كل طرف حديد اللحظ فتَّاك
يا ظبية بظبا ألحاظها سفكت … دمي كفاك الذي تجنيه كفَّاك
لم تنقدح بين قلبي والهوى زندٌ … حتى اشتكت ضيقة القلبين زنداك
ولم تحل في جفوني للكرى سنةٌ … مذ جال كالخنصر الممشوق خصراك
قاسيت من قلبك القاسي أليم جفًا … رفقًا به خلقت للعطف عِطْفَاك
أراك مؤثرة عوْد الأراك على … أن الخواطر والألباب مرعاك
حرَّمْتِ ظَلمك أن تدنو الشَّفَاه له … فكيف حللت ظلم الواله الشاكي
ما للكرى ضل عن عيني الخيال به … ألَّا أهتدى بك يا سلمى فأهداك
لا أنت تسري ولا أسري إليك فما … أقصاك يا لذة الدنيا وأقساك
خذي يميني يمينًا غير خائنة … إني على كل حال لست أنساك
وكيف يأتي سلوًا أو يهمُّ به … مَن إن تناهت أمانيه تمناك
إن كان أحلا من الوصل الفراق بدا … فإن قلبي معمورٌ بذكراك
لِمْ أنت يا كعبة الفردوس ساخطة … وفي مقاصيره رضوان ربَّاك
سكنت قلبي فأسكنتِ الحريق به … ألا بردت بماء الوصل مأواك
كظمت للبين غيظًا يوم كاظمة … فكيف أسخطني سخطٌ وأرضاك
стр. 702
نويت قبل النوى هجري فلا عجبٌ … إن التفرق من ناديك ناداك
يا نفس أنفسُ شيء أحرزته يدي … حلم حرزت به في المجد لقياك
منها في المدح قوله:
مولى أقام الليالي حوله خدمًا … واستخدم السعد في فلك وأفلاك
سعى إلى الغاية القصوى فأدركها … وأعجز الخلق عن سعيٍ وإدراك
فوق الثَّرى والثريَّا من سعادته … ركنٌ شديدٌ وفرع في العلى زاك
يا دولة الآمر المنصور طبت بما … أعطاك ربك من فضل وأولاك
سلالة المصطفى فيك الإمام ومن … كفيله سيف تأييد بيُمناك
نوران من جوهريْ دين ومملكة … حُفَّا بجندين من نصر وأملاك
سقيًا لأيامك الغرِّ التي حسُنت … فحار في وصفها أو وضعها الحاكي
أصبحت جنَّة عدن لا نعيمك ممزوج ببؤس ولا للحزن عقباك
وظلك الأمن أمسى من تفيَّأه … في جَنَّة جُنَّة من صرف دنياك
لم نعرف العيش في الدنيا ولذتها … ولا انتفعنا به حتى عرفناك
إليك يا مصر وافى كل ذي أملٍ … رآك أو في نصير حين وافاك
صدَّت عن الماء هيم الناجيات بنا … فما وردنا الغنى حتى وردناك
أصبحت كعبة جود للعفاة فما … تنفك تسعى الأماني حول مسعاك
ملكٌ حكى نيلك الفياض نائله … فلو غدا النيل غورًا فيك روَّاك
يا كفَّه السمحة البيضاء ظَلْتِ فما … أوفاك جودًا وما بالعهد أوفاك
стр. 703
لو كنت في زمن ألفيت حاضرة … أغنت حقيقًا عن النعمان نعماك
دنياي إن يدي بالأفضل اعتصمت … إياك عني ببؤس العيش إياك
ويا صروف الليالي ويحك انصرفي … فجوده بشهاب قد تصدَّاك
وله يمدحه أيضًا قوله: شعر
املا كُوسَك بالغرام وهاتها … إن الهوى للنَّفس من لذاتها
واصرف عن المشتاق صرف مدامةٍ … رشف الرُّضاب ألذُّ من رشفاتها
ومريضة الأجفان سامت في الهوى … تلفي فهان عليَّ في مرضاتها
مازلت أصفح في القلى عن جرمها … وأغضُّ في الإعراض عن هفواتها
حتى توهمت الصدُّود زيادة … في حسنها عندي وفي حسناتها
يا هذه رفقا بنفس متيَّم … أفسدت بالهجران طيب حياتها
يا هند قتل العاشقين ظلامةٌ … لا يهتدى في الحسن من ظلماتها
فأنهى جفونك عن إراقة مهجتي … إني أخاف عليك من تبعاتها
يا أهل رامة ما لظبية بانكم … سلَّت ظباء الفتك من لحظاتها
أعلى أسود الغاب تجسر في الهوى … ما أخطر الهجمات في أجماتها
لا والقساوة في القلوب قسامةً … تختص بالعشاق في قسماتها
ما للأسود الضاريات على الورى … ما للعيون النُّجل من فتكاتها
أستودع الله القباب وأوجُهًا … فيهنَّ كالأقمار في هالاتها
الخمر والكافور في أفواهها … والورد والتفاح في وجناتها
стр. 704
حتى وريتُ من التأسف بعده … نارًا دموعي الحمر من جمراتها
فمن المحال خفاء أسرار الهوى … والدَّمع من رُقبائها ووُشاتها
ومنها في المدح قوله: شعر
ما زلت أنظر طيب ذكرك عنبرًا … أرجًا خلال الدُّر من خالاتها
حتى إذا نشر الصباح رداءه … عن مثل نشر المسك من نفحاتها
وتمثّلت عقدًا تود كواكب … الجوزاء لو عقدته في لبَّاتها
أعددتها للقاء مجدك منحةً … أدعو بها وأنال من بركاتها
ومدائح الكرماء خير وسيلة … شفعت نهى الآمال في حاجاتها
وأحقها بالنُّجْح مدحك إنه … للنَّفس عند الله من قرباتها
وله يمدحه أيضًا قوله: شعر
نصحت ولكن غيُّه عنك شاغله … وهيهات يهدي ذاهب العقل ذاهله
هوىً عقد التبريح صفقته فمن … يقابله فيها بما أنت قابله
فدعه ووجدًا ساررته شجونه … ووسواس شوقٍ أسعرته بلابله
فقد فَقَد الصبر الجميل وساقه … إلى حتفه غَيُّ التصابي وباطله
رمى الحبُّ بالأشواق حبَّة قلبه … فطاح وقد أصمى الرمية نابله
أعاذله عنَّفته غير عادلٍ … فحسبك منه ذائب الجسم ذابله
فإن كنت مرتابا بما في فؤاده … فذا الدَّمع سائله لم احمرَّ سائله
ففي دمه الجاري من العين آيةٌ … تدلّ على أن قد أصيبت مقاتله
стр. 705
أما وغرام لا يزال غريمه … يعاملني في صحتي وأعامله
لقد أودعوا قلبي عشية ودَّعوا … حديثا أتتني بالعيون رسائله
ضمنتُ لربَّات الدلال جفاءة … فلما استمرَّ البين بانت دلائله
وأذهل عقلي يوم منعرج اللوى … تحمُّل سرب لم تعرِّج عقائله
يسير وقلبي في يد الشوق عنده … أسيرٌ تعاديه النوى وتعادله
وأحْوَر ساجي المقلتين كأنما … بجفنيه ما يحوي من السحر بابله
أريقت شمول الحسن في صحن خدِّه … فراقت معانيه ورقَّت شمائله
تقسَّم فيه بالسواء جماله … فلم يتحاسد خاله وخلاخله
قضيبٌ سقى ريحان بهجته الصبَّا … وغنَّت بأنداء النعيم خمائله
يقدُّ فؤادي قدُّه واعتداله … ويضعف صبري لينه وتمايله
يكلفني صبرا على شدة النوى … عشيّة زمت للرواح رواحله
منها في المدح قوله:
وسائلة ما سوَّغ العيش بعدما … تقضت شفاعات الصِّبا ورسائله
فقلت عطاءَ الأفضل الملك الذي … تزايد حتى أخجل النيل نائله
سحابٌ من المعروف والبشر برقه … ومن غلس الإحسان والعدل وابله
يطبِّق أطباق البسيطة قطره … إذا ضاق هامي الغيث عنها وهامله
كَفَتْنَا جنايات الحوادث كفه … وقامت بأرزاق الأنام أنامله
جواد ينال الخلق غامرَ طوله … ويعجز عن عليائه من يطاوله
стр. 706
تُغِيرُ على أمواله خيل جوده … ببذلٍ تصيب الآملين مخائله
توحَّد إلا من جميل صفاته … وأعزب حتى لم يجد من يماثله
ولما رأى الأوصاف تقصر دونه … وأن ليس يحصى فضله وفضائله
تجلَّى لنا إحسانه عن جلاله … فأفهمنا أن لا نظير يشاكله
بسيف بلأ لاء البهاء فريده … فيشرق منه دسته ومحافله
له بهجةٌ تغشي العيون كأنما … تقابل قرن الشمس حين يقابله
تعزُّ ملوك الأرض حين تطيعه … ويدنو إليها الحين حين تقابله
تسهَّل صعب الأمر همته فلو … أراد سهيلا لم يفته تناوله
تعوَّد نصر الله في كل موقفٍ … فعاجله وقف عليه وآجله
ومنتصِرٍ بالله تحيا بنصره … فرائضه في خلقه ونوافله
حمى بيضة الإسلام بالبيض والقنا … فصينت رعاياه وعزَّت معاقله
ومدَّ على الإسلام من ظلِّ عدله … رِواق أمانٍ سائغ الذَّيل سابِلُه
صَفَت لذَّة الدنيا لنا عند مالك … يعمُّ الورى إحسانه وفواضله
وباتت عيون الحزم والعزم والنهى … تخادعه عن نومه وتخاتله
يدبِّر ملك الأرض شرقا ومغربًا … برأيٍ كفاه خجلة النَّقص قابله
ومنها أيضًا:
كفى شرفًا للنيل أنك جاره … وأنَّ قصورًا أنت فيها سواحله
وأنك تهديه إلى طرق النَّدى … فيفعل فيها مثل ما أنت فاعله
стр. 707
فإن يك من عام لعام وفاؤه … ففيك وفاءٌ لا تكاد تزايله
تبارك من أعطاك من بركاته … طويل زمانٍ لا تخاف غوائله
وهي قصيدة طويلة بديعة، وكل شعره غرر غريب المنزع، غزيرٌ مستبدع.
وقد ذكر له ابن جلب راغب (١) قطعة جيدة، وذكر أنه ولد بصقلية، في العشرين من ذي قعدة، من شهور سنة ثلاث وستين وأربع مئة.
وتوفي بمصر، في سنة سبع وثمانين وخمس مئة، عفا الله عنه.
٣٦٠ - محمد بن إبراهيم بن أحمد بن طاهر بن محمد بن طاهر بن أحمد الفارسي الشيرازي الخَبْريُّ الفيروزباذي الشافعي الصوفي، المنعوت بالفخر، المكنى بأبي عبد الله (٢).
كان مشهورًا بالصلاح، سمع الحديث من الحافظ السلفي، والحافظ القاسم بن عساكر، وأبي الغنائم المطهر بن خلف النيسابوري، وأبي القاسم محمود بن محمد بن الحسين القزويني، وغيرهم.
وكتب بخطه عن السِّلفي قطعة كبيرة.
стр. 708
وحدَّث بمصر وبقوص.
سمع منه الحافظ المنذري، وأبو العباس الأبرقوهي، ووالده، وجماعة.
وتفقه على مذهب الشافعي بجماعة الحرستاني، ولبس خرقة التصوف من أبيه.
وله نظم، منه قوله: شعر
أسقني طاب الصَّبوح … ما ترى النجم يلوحُ
أسقني كاسات راحٍ … فهي للأرواح روح
غنِّني باسم حبيبي … فلعلِّي أستريح
نحن قومٌ في سبيل العشق نغدوا ونروح
قال المنذري: سألته عن مولده، فقال: في شهر رمضان، سنة أربع وعشرين وخمس مئة، وقال: سنّي الآن خمس وثمانون سنة.
وتوفي بمعبد ذي النون، بقرافة مصر، عشية يوم الخميس، ودفن يوم الجمعة سابع عشرين ذي الحجة، سنة اثنتين وعشرين وست مئة (١).
وقال بعضهم: توفي سنة أربع وعشرين.
وصنف في الطريقة تصنيفًا كبيرًا، وتُكلّم فيه، وتعصب له بعضهم واعتذر عنه.
قال ابن مَسْدي: والسبب الذي أوقعه في الغلط والوهم في التخريج، عدم الفهم في هذا الشأن، وتقليد من هو كذلك، واعتذر عنه وعظمه.
ولكنه في تصانيفه أتى بأشياء مشعرة بفلسفة، وخطبته في كتابه "برق النَّقا" (٢)، دالة
стр. 709
على حال رديء، وكان كثير الوقوع في الناس.
وذَمّه الحافظ ابن نقطة، وقال: إنه لما جرى عنده ذكر يحيى بن معين، وقع فيه وسبَّه وأساء القول فيه (١)، والله أعلم، عفا الله عنه.
٣٦١ - محمد بن إبراهيم الجيّاني أبو عبد الله ابن السَّماد (٢).
أديب شاعر.
أورد ابن سعيد من شعره قوله:
إياك أن تكثر الإخوان مغتنمًا … في كل يوم إلى أن يكثر العدد
في واحد منهم تصفي الوداد له … من التكاليف ما يَفْنى به الجلد
وقوله:
تحنُّ ركابي نحو أرضٍ ومالها … ولا لي من ذاك الحنين سوى الهمِّ
وكم راغبٍ في موضعٍ لا يناله … ويمسي منه مثل يونس في اليمِّ
بهذا قضى الرحمن في كل ساخطٍ … يموت على كرهٍ ويحيى على رغم
توفي في سنة أربعين وست مئة، في ما ذكر ابن سعيد (٣)، ﵀.
стр. 710
٣٦٢ - محمد بن إبراهيم بن ثابت بن فرج المكنى بأبي عبد الله، المعروف بالكيزاني الشافعي (١).
كان عالمًا زاهدًا، مقرئًا، أديبًا شاعرًا.
قرأ القراءات على أبي الخير، وسمع من أبي الحسن علي بن الحسين بن عمر الموصلي الفراء، وأبي علي الحسن بن محمد بن حسن الجيلي، وأبي الحسن علي بن إبراهيم بن الحسن بن حاتم البغدادي، وأبي طاهر أحمد بن محمد.
روى عنه أبو محمد أرسلان بن (٢) عبد الله بن شعبان الزاهد، وأبو عبد الله محمد بن عمر بن أحمد بن جامع ابن البنّاء، وحاتم بن سنان بن بشر، وأبو عمران موسى بن عيسى بن عبد الرحمن الجندي (٣)، وغيرهم.
وللحافظ علي بن المفضل منه إجازة.
وكان يُنسب إلى بدعة، ويقول بقدم الأعمال وبشيءٍ من التجسيم.
ولما مات دفن بالقرب من الإمام الشافعي، فنُبِش، ودفن ثانية، فنبش، وجرى ذلك مرات، واستقر أخيرًا بمكانه الذي هو مشهور بالقرافة.
وله نظم حسن، منه قوله: شعر
أراني ما حدَّثتُ نفسي بتوبةٍ … تعرَّض لي من دون ذلك عائق
стр. 711
تقضَّت حياتي باشتغالي وغفلتي … وأعمال سوء كلها لا توافق
طردت وغيري بالصلاح مقرَّب … ودون وصولي مسلكٌ متضايق
وكيف وزلات المسيءِ كثيرة … يقرب عبدٌ من مواليه آبق
وله:
يا حياتي لا تجزعي من حمامي … قد وفى لي أهل الهوى بذمام
علموا أنني سقيم فلما … أن رأوني تعطفو السقامي
أكرموني بفضلهم لا لأني … مستحق لذلك الإكرام
وأنالوا المراد من غير وعدٍ … ربَّ صيد يكون من غير رام
حققوا بالوصال ما كنت أرجو … وأراحوا لوائمي من ملام
وله أيضًا:
إن كنت لا بدَّ المخالط للورى … فاصبر فإن من الحجى أن تصبرا
وإذا لقوك بمنكرٍ من فعلهم … فتلق بالمعروف ذاك المنكرا
كالأرض تلقى فوقها أقذارها … أبدا وتنبت ما يروق المنظرا
توفي ليلة الثلاثاء، تاسع شهر ربيع الأول، سنة اثنتين وستين وخمس مئة.
٣٦٣ - محمد بن إبراهيم بن محمد بن أبي نصر الحلبي، المنعوت بالبهاء، المعروف بابن النحاس المقرئ النحوي الأديب (١).
стр. 712
انتهت إليه الرئاسة في علم العربية بالديار المصرية، وقرأ عليه الأعيان، وكان معظمًا وجيهًا، كثير المروءة، يسعى في قضاء حوائج الناس بنفسه.
قرأ القراءات على ابن فارس، وسمع الحديث من ابن رواحة، وابن خليل، وابن فيره، ويعيش، وروى عن ابن اللتِّي، وأخذ النحو عن ابن عمرون، وقرأ الخلاف.
قرأ عليه جماعة من الأعيان، منهم شيخنا العلامة أثير الدين، وكتب عنه من نظمه، وكان يكتب خطًا حسنًا.
وحفظ ثلث كتاب سيبويه.
وعُلِّق عنه على المقرب تعليقًا لم يكمله (١).
أنشدنا شيخنا أثير الدين، أنشدني الشيخ بهاء الدين لنفسه، قوله: شعر
ضاع مني خصر الحبيب نحولا … ولهذا أضحى عليه أدور
لطفت حرقتي ورقَّت فجلَّت … عن نظيرٍ لما حكتها الخصور
أكتمُ السرَّ عن رقيب لهذا … بيَ يخفي دموعه المهجور
وقوله:
إني تركت لذا الورى دنياهم … وظللت أرتقب الممات وأرقب
стр. 713
وقطعت في الدنيا العلائق ليس لي … ولدٌ يموت ولا عقار يخرب
وقوله أيضًا في مُصَارع:
مصارعٌ تصرع الآساد شمرته … تيهًا وكل مليح دونه همج
لما غدا راجحًا في الحسن قلت لهم … عن حسنه حدِّثوا عنه ولا حرج
وقال لي شيخنا المذكور، قال لي الشيخ بهاء الدين: اجتمعت أنا والشهاب مسعود السنبلي، والضياء المناوي، وأنشد كل منا لنفسه بيتين.
فأنشد مسعود في مُكَاري، قوله:
علقته مكاريًا شرَّد … عن عيني الكرى
قد أشبه البدر فما … يمَلُّ من طول السُّرى
وأنشد المناوي في صبي جمري، قوله: شعر
أفدي الذي يكتب بدر الدجى … لحسنه الماهر من عبده
سمُّوه جمريًا وما أنصفوا … ما فيه جمري سوى خدِّه
قال: وأنشدت أنا في مشروطٍ، قوله: شعر
قلت لما شرطوه وجرى … دمه القاني على الخد اليقَق
غير بدعٍ ما أتوا في فعلهم … هو بدرٌ ستروه بالشفق
وله نثر جيد، وأدب مبدع، وكان يقرأ النحو والآداب، وكان ثقة ثبتًا.
توفي بالقاهرة، سنة ثمان وتسعين وست مئة، يوم الثلاثاء سابع جمادى الأولى.
ومولده بحلب، في يوم الأربعاء، سلخ جمادى الآخرة، سنة سبع وعشرين، ﵁.
стр. 714
٣٦٤ - محمد بن إبراهيم بن أبي المحاسن بن رسلان الدمشقي، ينعت بالشمس، ويعرف بابن الكلي الطبيب (١).
سمع بدمشق من ابن الحرستاني، وحدث عنه.
وكان طبيبًا، مشاركًا في الأدب والتاريخ.
ومولده بدمشق، سنة سبع وتسعين وخمس مئة.
وتوفي بالقاهرة، في ثالث عشر المحرم، سنة خمس وتسعين وست مئة.
وقيل له الكلي؛ لأنه اشتغل بكليات "القانون" (٢)، عفا الله عنه.
٣٦٥ - محمد بن أحمد بن إبراهيم بن حيدرة، المنعوت شمس الدين الشهير بابن القماح، الفقيه الشافعي (٣).
كان شيخًا فاضلًا، مشاركًا في فنون كثيرة.
سمع الحديث من ابن مضر، والنجيب، والعز الحرانيين، وابن خطيب المزة، وجمع كبير.
وحدَّث، سمع منه جمع كثير من أصحابنا، وسمعت منه.
وكان حسن الخلق، حلو المحاضرة، عنده نكتٌ، وفوائد، ومسائل في فنون، وعنده تواريخ المصريين وتراجم تستفاد منه، وفتاويه لا بأس بها.
стр. 715
وكان كثير التلاوة وقراءة القرآن العظيم، ومتى سئل عن آية ذكر ما قبلها.
ويعمل كذلك في التنبيه في الفقه، وجمع مجاميع كثيرة، واختصر كتبًا في الفقه (١).
ودرّس بالمدرسة المجاورة لضريح الإمام الشافعي، وتولى الإعادة بالجامع الطولوني في الفقه وفي الحديث، وكان يؤم به، ودرَّس بدار الحديث الكاملية نيابة عن شيخنا قاضي القضاة ابن جماعة، وناب في الحكم بالقاهرة والشارع والحكر.
وكان عاقلًا لبيبًا، ثقة في الكلام، متسامحًا في الأحكام، حتى كان قاضي القضاة ابن جماعة يمنعه من الإثبات في كثير من الأوقات، ولما تولى قاضي القضاة عز الدين ابن قاضي القضاة ابن جماعة القضاء لم يولِّه، وانقطع للإشغال وقراءة القرآن، إلى أن حدَّت المنون شفارها، وأنشبت فيه أظفارها.
فتوفي بالقاهرة، في العشرين من شهر ربيع الآخر، سنة إحدى وأربعين وسبع مئة.
ومولده سنة خمس وخمسين وست مئة.
ورأيته في المنام وكأني شهدت عليه في مكتوب، وأنا أكتب نعوته، فقال لي: اكتب المقرئ، وكرَّر ذلك، ﵀.
٣٦٦ - محمد بن أحمد بن الحسين الشّاشي الفقيه الشافعي، المكنى بأبي بكر (٢).
стр. 716
سمع من الخطيب البغدادي، وأبي يعلى محمد بن الحسين بن الفراء، وأحمد بن محمد ابن النَّقُّور.
روى عنه الحافظ السلفي، وابن السمرقندي، سمعته يقول: رأيت كأني أنشد في النوم، ولم يكن على فكري: شعر
قد نادت الدنيا على نفسها … لو كان في العالم من يسمعُ
كم واثقٍ بالعمر أفنيته … وجامعٍ بددتُ ما يجمع
وأورد ابن النجار له أيضًا قوله: شعر
مدحتكم أرجو فواضل بركم … فما نالني منكم نوالٌ ولا برُّ
سأرحل لم أظفر لديكم بطائل … وكفاي مما كنت آمله صفر
لحى الله دهرًا سُدتمُ فيه أهله … وأفضى إليكم فيهم النهي والأمر
فلم تسعدوا إلا وقد أنحس الورى … ولم ترأسوا إلا وقد خرف الدهر
إذا لم يكن نفع وضر لديكم … فأنتم سواء والذي ضمَّه القبر
وكان بارعًا في الفقه، أخذه عن المشايخ الأئمة: أبي إسحاق الشيرازي، وأبي محمد الكازروني، وأبي نصر ابن الصباغ، وقرأ عليه "الشامل" (١) من تصانيفه، وشرحه في عشرين مجلدًا، وشرح "مختصر المزني"، وله في الفقه كتاب سماه بـ "الترغيب" مجلدة، وله أيضًا "المستظهري" (٢)، و"المعتمد" (٣)، و"العمدة" (٤).
стр. 717
وله معرفة بالأدب ونظم حسن، منه قوله:
إني وإن بعدَت داري المقتربٌ … منكم بمحض موالاة وإخلاص
وربَّ دانٍ وإن دامت مودَّته … أدنى إلى القلب منه النازح القاصي
ووقع بينه وبين القاضي الدامغانيّ الحنفي، فنظم فيه هذين البيتين، أوردهما ابن السمعاني، وابن الجوزي (١)، والحافظ أبو عمرو ابن الصلاح له، وهما قوله:
حجاب وإعجابٌ وفرط تصلُّف … ومدُّ يد نحو العلى بتكلُّف
فلو كان هذا من وراء كفايةٍ … لهان ولكن من وراء تكفف
وقال الحافظ ابن عساكر: انتهت إلى أبي بكر رئاسة مذهب الشافعي (٢).
وتوفي ببغداد، في يوم السبت خامس عشرين شوال، سنة سبع وخمس مئة، ودفن مع شيخه الشيخ أبي إسحاق الشيرازي في قبر واحد.
ومولده بميافارقين، يوم الأحد سابع المحرم، سنة سبع وعشرين وأربع مئة.
٣٦٧ - محمد بن أحمد بن عبد الله بن محمد بن أبي بكر الطبري المكي، المنعوت بالجمال، الفقيه الشافعي القاضي الأديب (٣).
سمع من أبيه شيخ الحرم المحب، ومن العلامة أبي الحسن علي بن هبة الله بن سلامة، وتفقه بأبيه.
стр. 718
وتولى القضاء بمكة، شرّفها الله، وأصابه فالج، فأقام به مدة.
وصنف كتابًا سماه "التشويق إلى البيت العتيق" (١)، ذكر فيه أشياء حسنة.
ومن نظمه قصيدته التي أولها قوله: شعر
أنخ أيها الصادي الشديد ضماؤه … ورد منهلًا أحلى من الشهد ماؤه
وسل عند قبر المصطفى أيَّ حاجة … تريد وما تبغي فرحبٌ فناؤه
ولا تخش إذ أصبحت جارًا لمن غدا … كفيلًا بأمن الخائفين التجاؤه
ليهنك يا قلبي فذا ثمر المنى … بساحة خير المرسلين اجتناؤه
وبشراك يا من قد حلَّ في ذلك الحمى … وبلَّ غليلا وانجلت بُرَحاؤه
فيا قاصدنه قم أمام ضريحه … وحسبك فخرًا إن حواك إزاؤه
وقَبِّل وضع في الترب خدَّك خاضعًا … ولذ عائذًا واطلب وسل ما تشاؤه
ففي ذلك النادي منى كلِّ أملٍ … وفيه لمن وافى عليلًا شفاؤه
لعمري لقد جلت مفاخر أحمد … وجمَّت أياديه وعمَّ ثناؤه
ولم لا وهذا المجتبى من ذرى العلى … وبيت لمحض المكرمات بناؤه
خلاصة عزٍّ من لؤي بن غالب … وجوهر إفضالٍ تبدَّى صفاؤه
سما في سماوات السموِّ فأشرقت … شموس سماه واستبان بهاؤه
فيالك من مجد أثيلٍ وسؤدد … أصيل ومن جد جديد علاؤه
وكم معجزٍ لا يستطاع انحصاره … وأي مبين لا يرام انتهاؤه
стр. 719
ومنطق فضل لا يُملُّ حديثه … وميزانُ عدل لا يميل استواؤه
بشيرٌ نذيرٌ شافعٌ ومبشّرٌ … ختام لسمط الرسل وهو ابتداؤه
وهي طويلة.
توفي بمكة، في ذي قعدة، سنة أربع وتسعين وست مئة.
٣٦٨ - محمد بن أحمد بن مكتوم البعلبكي، المنعوت شمس الدين، المكنى بأبي عبد الله (١).
اشتغل بمذهب الإمام أحمد، ثم انتقل إلى مذهب الإمام الشافعي، وتولى الإعادة بالمدرسة الأمينيّة ببعلبك.
وكان أديبًا شاعرًا، ومن نظمه من قصيدة أولها قوله:
رام أن يترك الهوى فبدا له … إذ رأى حسن وجهه قد بدا له
كلما لمته على الجهل يزداد ضلالًا فَخَلِّه والجهاله
كيف يرجى الشفاء يومًا لصبٍّ … لم يخلِّ السقام إلا خياله
ناقصٌ صبره يزيد بكاءه … لو رآه عذوله لرثى له
دنف ظل مستهاما ببدرٍ … عمَّه الوجد حين عاين خاله
فاتر الطَّرف فاتن الوصف ألمى … يفضح البدر حسنه والغزاله
يخجل الأسمر المثقف منه … إن رأى حسن قده واعتداله
стр. 720
قلت لما عاينته يا منى النفس إلى كم هذا الجفا والملاله
أي يوم أنال منك به الوصل فولَّى وقال لي لن تناله
أنا صبٌّ به وإن حال عني … وعبيدٌ له على كل حاله
فاق كل الورى جمالا وحسنًا … ضاعف الله حسنه وجماله
وكتب إلى شخص كبا به جواده بهذين البيتين، وهما قوله:
فديتك لا تعجب لطرفك إن كبا … وخامره ضعف فليس له ذنبُ
فمَن فوقه طود وبحرُ سماحة … ومعقله من شامخٍ كيف لا يكبو
ثم حضر وقعة حمص، فمات شهيدًا، رحمة الله عليه، وذلك في سنة ثمانين وست مئة.
٣٦٩ - محمد بن أحمد بن إبراهيم القرشي الهاشمي (١).
ترجمه الحافظ عبد العظيم المنذري، وقال عنه: الزاهد العارف، شيخ السالكين، وإمام العارفين، قدم مصر، وجعله الله سعادةً لمن شاهده وصحبه وأحبَّه (٢)، وكان واحد الزمان، وأدركته ولم أحفظ عنه شيئًا.
روى عنه أبو العباس أحمد بن القسطلاني، وأبو عبد الله محمد بن عمر الأنصاري، وأبو الطاهر محمد بن الحسين الأنصاري.
وله كلام على طريقة التصوف.
стр. 721
وكان يذكر عن الشيخ القُرشي كرامات، ويذكر أنه مبتلى، وادّعوا أنه خرج مرة لزوجته سالمًا من الابتلاء، وقال لها: إن أحببت أن أخرج إليك هكذا فعلتُ، فأبت إلا أن يكون على حالته، وهي أم الشيخ قطب الدين ابن القسطلاني.
وله ببلبيس برنس يتبرك به عند بني سيف، وتوجه إلى بيت المقدس فأقام به إلى حين وفاته.
وكانت وفاته عشية الخميس، سادس ذي الحجة، سنة تسع وتسعين وخمس مئة، وله من العمر ست وخمسون سنة.
٣٧٠ - محمد بن أحمد بن علي بن محمد بن الحسن بن عبد الله بن أحمد بن الميمون القيسي التّوزري، المنعوت قطب الدين والمعروف بابن القسطلاني (١).
كان فقيهًا على مذهب الشافعي، أديبًا، صوفيًا، محدثًا، كريمًا، متواضعًا.
وله تصانيف ومجاميع كثيرة، وله نظم ونثر.
وتولى مشيخة دار الحديث الكاملية بالقاهرة.
سمع بمكة من أبيه، والشيخ شهاب الدين عمر السهروردي، ولبس منه خرقة التصوف، وسمع بدمشق من جماعة من أصحاب الحافظ ابن عساكر، وبمصر من جماعة من أصحاب السلفي، ودخل بغداد، وسمع من جماعة من شيوخها.
стр. 722
سمع منه قاضي القضاة أبو عبد الله ابن جماعة، والسيد الشريف عز الدين النقيب، وجماعة من شيوخنا، وحدثونا عنه.
وكانت أمه زوجة الشيخ أبي عبد الله القرشي، فدخل بها الشيخ قطب الدين بغداد، ولم يذكر أنها أمّه، ويقول: زوجة القرشي، فينعتونها كذا.
حكى عنه الحافظ الدمياطي، ومن نظمه المشهور عنه قوله: شعر
إذا طاب أصل المرء طابت فروعه … ومن غلطٍ جاءت يد الشوك بالورد
وقد يخبث الفرع الذي طاب أصله … ليظهر صنع الله في العكس والطرد
وأنشدنا البدر الفارقي وجماعة إجازة، أنشدنا لنفسه قوله: شعر
إذا كان أنسي في التزامي لخلوتي … وقلبي من كل البرية خالي
فما ضرَّني من كان لي الدهر جافيًا … وما سرَّني من كان فيَّ موالي
ولد يوم الاثنين، سابع عشر ذي حجة، سنة أربع عشرة وست مئة.
وتوفي ليلة السبت، ثامن عشرين المحرم، سنة ست وثمانين، ﵁.
٣٧١ - محمد بن أحمد بن عبد الله بن داود بن محمد بن علي بن يحيى بن زيد بن يحيى بن أحمد بن داود بن صالح بن محمد بن عبد الله بن سليمان بن محمد بن عبد المطلب بن ربيعة بن الحارث بن عبد المطلب بن هاشم الكوفي الفقيه الحنفي الأديب المصنف (١).
سمع الحديث وحدَّث، سمع من يوسف ابن الحافظ أبي الفرج ابن الجوزي، ويوسف بن محمد بن علي بن سرور، وعبد الله بن محمد بن يعقوب الأزجّي، وأبي الفضل عبد الله بن محمود، وأبي محمد عبد الله بن القاسم بن علي بن ورخز، وأبي العباس
стр. 723
أحمد بن عبد الرحمن المصري، وأبي عبد الله محمد بن محمد بن عبد الخالق الحنفي، وأبي البركات إسماعيل بن علي بن أحمد الأزجّي.
سمع منه الفقيهان الفاضلان محمد بن يحيى بن هبة الله العباسي الحنفي، وابن المسمع المذكور وهو أبو هاشم الحنفي، وتفقها عليه، وسمع منه أبو الحسن علي بن محمد الكازروني، وعلي بن عبد الصمد بن أبي الجيش.
وكان فصيحًا، ظريفًا، حسن الخَلق والخُلق، أديبًا شاعرًا، ذا مروءة وفتوة، ودرَّس وصنف.
هكذا ترجمه صاحبنا المحدث الرحَّال سعيد الذهلي، وأورد من نظمه قوله: شعر
إن لم تُقَرّح أدمعي أجفاني … من بعد بُعدكم فما أجفاني
إنسان عيني مذ تناءت داركم … ما راقه نظرٌ إلى إنسان
ولقد سألت الدار بعد رحيلكم … ووقفتُ فيها وِقفة الحيران
وسألتها لكن بغير تكلُّمٍ … وتكلمت لكن بغير لسان
ناديتها يا دار ما فعل الألى … هم غاية الأوطار والأوطان
وقوله: شعر
منع المتيَّم من لذيذ منامه … وَلِعَ الهوى بضرام نار غرامه
بك يا حبيب القلب أشرق قلبه … حتى استنار له سواد ظلامه
وإذا هو اختار الرُّقاد فإنما … يختاره ليراك في أحلامه
لليل سرٌّ ليس يعرف قدره … إلا أولوا الألباب من قُوّامه
يأتي النسيم إليهم برسائل … يَحيا بها ذو فطنة لكلامه
стр. 724
لو باشرت ميتًا وقد فتك البلى … بعظامه أحيت رميم عظامه
لولا الصَّبا النجدي ما علم الورى … سرِّي ولا ظفروا بفض ختامه
يا أهل نجد قلبي العاني بكم … متلذذٌ بغرامه وهيامه
وإذا ترنَّمت الحداة بذكركم … أخذ الغرام إليكم بزمامه
إن كان غيري ما وفَى بعهوده … فأنا الوفي بعهده وذمامه
كم في الحمى عَلَم يلوح وإنما … في الفرد معنى ليس في أعلامه
يا من غدا نحو الحمى متوجِّهًا … إن فاز قلبك في الحمى بمرامه
قف في ثُمام المنحنى وأراكه … فالسر بين أراكه وثُمامه
أقْرِي السلام على ظباء كناسه … رمزًا بذلك عن ظباء خيامه
واحفظ بحقك ما تهيَّمه الصبا … سَحَرًا وما توحيه سجع حمامه
واكفف لحاظك عن مسارح سربه … إني أخاف عليك من آرامه
فإذا أتاك من القباب مبشّرٌ … فاخضع لديه وقع على أقدامه
فهو الرَّسول من الرَّسول المصطفى … من حظنا الإكرام من إكرامه
الأنبياء كواكبٌ في حندسٍ … والمجتبى المختارُ بدر تمامه
قال: ونظم وهو ابن اثنتي عشرة سنة متغزلًا، قوله: شعر
حبذا من ليلةٍ سلفت … نلت فيها بغيةً ولقا
بت فيها والحبيب معي … في قميص عفة وتقى
يا له من أهيفٍ غنجٍ … بتُّ من حُبِّيه مغتبقا
стр. 725
مذ رمى عن قوس حاجبه … لم يذر للعاشقين بقا
فسمعه أبوه ينشدها، فاستعادها منه، فخاف منه أن ينكر عليه التغزل، فقال ارتجالًا: شعر
إنما الدنيا لطالبها … إحنٌ مقرونة بشقا
كم عزيز سات مصطبحًا … من هوى الدنيا ومغتبقا
فرحًا جاءت منيَّته … ببقايا كأسه شرقا
ولد ليلة الأحد، رابع عشر جمادى الأولى، سنة أربع وعشرين وست مئة.
وتوفي يوم الأحد، حادي عشر شهر المحرم، سنة خمس وسبعين ببغداد، عفا الله عنه.
٣٧٢ - محمد بن أحمد بن حسن بن عامر بن أحمد بن محمد بن حسن التّجيبي، من أهل بلش، حصن من حصون الأندلس، يكنى أبا القاسم (١).
قرأ على أبي عبد الله بن مُفَرِّج، والقاضي أبي علي ابن أبي الأحوص.
ورحل واستوطن القاهرة، ينسخ، ويقتات به، متصفًا بالصلاح، وله معرفة بالأدب وينظم النظم الحسن.
كتب عنه شيخنا العلامة أبو حيان.
أنشدنا الشيخ أبو حيان، أنشدني أبو القاسم لنفسه بالقاهرة، قوله: شعر
أتانا العيد في مقلوب شلبٍ … فأمطرنا التأسي والدموعا
كذا شأن الغريب بكل أرضٍ … إذا فقد الأحبة والربوعا
قال: وأنشدنا في مليح عليه رقيب أحول لنفسه، قوله: شعر
стр. 726
بأبي رشأٌ نحوي مع الإحسان … ملكيَّة موضوعها إنساني
أحوى الجفون له رقيب أحولٌ … الشيء في إدراكه شيئان
يا ليته ترك الذي أنا مبصرٌ … وهو المخبَّر في الغزال الثاني
ولد ببلش، في سنة ثلاث وعشرين وست مئة.
وقال الشيخ أبو عبد الله محمد بن محمد اليعمري: سألته عن مولده؟ فقال: في سنة خمس وعشرين.
وتوفي بالحُسَينية ظاهر القاهرة، في ليلة تسفر عن يوم الخميس ثالث عشر صفر، سنة خمس وتسعين وست مئة.
٣٧٣ - محمد بن أحمد بن أبي بكر بن فَرْح، بإسكان الراء، الأنصاري القرطبي، المكنى بأبي عبد الله المفسر الفقيه المالكي (١).
قرأ القراءات الثمان علي أبي العباس أحمد بن محمد بن محمد القيسي الفقيه النحوي، وسمع الحديث من الإمام أبي عامر يحيى بن عبد الله بن عبد الرحمن بن أحمد بن ربيع، ومن أبي محمد عبد العظيم بن محمود بن عبد المعطي اللخمي، ومن أبي عبد الله محمد بن إبراهيم بن عبد الرحمن التلمساني، ومن الفقيه أبي القاسم عبد الله بن علي بن خلف الكومي التلمساني، ومن أبي العباس أحمد بن عمر القرطبي، وتفقه عليه وعلى غيره.
стр. 727
وكان صالحًا، متورعًا، متقللًا من الدنيا، راضيًا بخشونة العيش، متواضعًا، يحمل لوح العجين على رأسه إلى الفرن، ويلبس ما تهيأ.
وغسل ثوبه مرة فلم ينشف، وأدركته الجمعة، فلبس ثوب زوجته، وصلَّى فيه الجمعة.
ووجده إنسان وهو حامل لوح العجين، فقال له: لي عندك شهادة ودعاه إلى أدائها، فسار معه ولوح العجين على قفاه.
وأخبروني بمنية بني خصيب، أنه لا صنف "التفسير" الذي جمع فيه فأوعى، اشتهى أن يقفه على المسلمين، ثم قال: لي زوجة ولها صداق، فلم يوقفه، فأخذته زوجته بعد موته في صداقها ووقفته.
وأخبرت أيضًا أنه لما قرب أجله، حمل كراريس كثيرة من كلامه، وغرَّقها في البحر.
وله "التفسير" (١) في مجلدات كثيرة النقول والفوائد، و"التذكرة" (٢) في ثلاث مجلدات، و"شرح أسماء الله الحسنى" (٣).
واستوطن المنية، وأنسل بها، وتوفي بها في أوائل سنة إحدى وسبعين وست مئة، ودفن عند مسجد إبراهيم شرقي المنية، زرته ودعوت عنده.
حدثنا ابنه أحمد عنه.
стр. 728
٣٧٤ - محمد بن أحمد بن إبراهيم بن محمد بن إبراهيم الإشبيلي، يكنى أبا بكر، ويعرف بابن الصابوني، النحوي الأديب، الشاعر المفلق (١).
قرأ على الأستاذ أبي علي الشَّلَوْبين النحو والأدب.
وجاء نابغة في الشعر، ومدح الملوك.
قال ابن سعيد: هو شاعر إشبيلية الذي لا تمكن الإشارة في هذا الشأن إلا إليه، ولا الإحالة في غيرها من شعراء الأندلس إلا عليه، قلَّ أن يدوم أحد على صحبته أو يرغب في مجالسته.
وأورد من شعره قوله:
بعثت بمرآة إليك بديعة … فاطلع بسامي أفقها قمر السعد
وتنظر فيها حسن وجهك منصفًا … وتعذرني في ما أكنُّ من الوجد
وقوله:
أقبل في حلة مورَّدة … كالبدر في حلَّة من الشفق
تحسبه كلما أراق دمًا … يمسح في ثوبه ظُبَا الحدق (٢)
وأنشدني شيخنا أثير الدين أبو حيان، قال، أنشدني ابن عم أبيه المحدث عبد الله بن محمد بن أحمد بثغر دمياط، قصيدة له، أولها قوله: شعر
ما بي موارد حبِّي بل مصادره … اللحظ أوله والخد آخره
стр. 729
أرسلت دمعي مرتادًا فطلَّ دمي … روضٌ من الحسن مطلولٌ أزاهره
رعيت في حسنه لحظي فأعقبني … جدبًا لجسميَ ما يرويه هامرُه
وبي وإن لم أكن بالذكر أشهره … بالوصف فيه لفقد المثل شاهره
ظبي متى مارنا من لحظه وعطا … يشهد بذلك ليتاه وناظره
أوجدته في النفاد العذر فاتَّسعت … له بتسميتي ظبيًا معاذره
يباشر الوشي من أعطافه بشرًا … يكاد يجرحه قولي يباشره
هو الرِّياض ولكن ربما كمنت … مكان جنته فيه عذائره
فحيَّة الشعر ما تنفك تلدغني … من دونه وهي من دوني تساوره
قدم مصر، ومدح بها ابن يعمر بهذه القصيدة، فلم يجزه بطائل، فحنق ورجع.
فتوفي ببرقة، وقيل: بين مصر والإسكندرية، سنة أربع (١)، وقيل ست وثلاثين وست مئة (٢).
٣٧٥ - محمد بن أحمد بن الخليل بن سعادة بن جعفر بن عيسى بن محمد الخويّي، المنعوت بالشهاب، الفقيه الشافعي القاضي (٣).
стр. 730
كان عالمًا بفنون كثيرة.
وسمع الحديث من ابن المنجّا، وابن اللّتي، وابن المقيّر، وابن الصلاح، والعلم السخاوي، وغيرهم.
وأجاز له جمع كثير من أصبهان، وبغداد.
وخرَّج له التقي عبيد الحافظ الإسعردي "مشيخة"، وخرَّج له أبو الحجاج المزي الحافظ "أربعين متباينة الإسناد".
وكان يحب الحديث وأهله، ويقول: أنا من الطلبة، ودرَّس.
وصنف "كتابًا يشتمل على عشرين فنًا" (١)، وشرح "فصول ابن معطي" (٢) في النحو، ونظم "الفصيح لثعلب" في اللغة، و"كفاية المتحفظ" (٣)، و"علوم الحديث"، تصنيف الشيخ أبي عمرو ابن الصلاح.
فدرَّس بدمشق وهو صبي، ثم قدم ديار مصر، ووُلّي قضاء البهنسا، ثم المحلة، ثم حلب، ثم المحلة، ثم القاهرة، ثم الشام، وبها مولده ووفاته.
وله أدب جيد، وشعر حسن، ومنه قوله شعر، عفا الله عنه:
بخَفِيِّ لطفك كلَّ سوء أتقي … فامنن بإرشادي إليه ووفِّق
أحسنتَ في الماضي وإني واثقٌ … بك أن تجود علي في ما قد بقى
أنت الذي أرجو فما لي والورى … إن الذي يرجو سواك هو الشقي
أنت الذي مازلت ترزقني ولولا أن وصلت الرزق من ذا يرزق
стр. 731
أنت الذي وقيتني صرف الرّدى … إذ كنت جارًا للعدو المحنق
أنت الذي شرَّفتني بفضائل … أسمو بها درج الفخار وأرتقي
مولده في شوال، سنة ست عشرة وست مئة.
وتوفي يوم الخميس، خامس عشرين شهر رمضان، سنة ثلاث وتسعين وست مئة، ﵁.
٣٧٦ - محمد بن أحمد بن أحمد بن رشد أبو الوليد الفقيه المالكي العلامة (١).
روي عن أبي جعفر ابن رزق الفقيه، وتفقه به، وروى عن أبي مروان ابن سراج، ومحمد بن خيرة، ومحمد بن فرج، وأبي علي الغساني.
قال ابن بشكوال: كان حافظًا للفقه مقدمًا فيه على أهل عصره، نافذًا في علم الفرائض والأصول، مع الدين والوقار والهدي والسمت الحسن (٢).
وله تصانيف جليلة منها: "المقدمات" (٣)، في ثلاث مجلدات، وكتاب "البيان
стр. 732
والتحصيل" (١)، في مجلدات كثيرة، وكتاب "اختصار المبسوط" (٢)، و"اختصار مشكل الآثار"، تصنيف الطّحاوي، وغير ذلك.
وتولى القضاء بقرطبة، وسار فيه أحسن سيرة، ثم استَعْفَى فأُعفي، وكان حسن الخلق، كثير الإحسان إلى من يصحبه، مؤثرًا له، حافظًا لعهده.
ولد في شوال، سنة خمسين وأربع مئة.
وتوفي ليلة الأحد، ودفن من الغد يوم الحادي عشر من ذي قعدة، سنة عشرين وخمس مئة.
٣٧٧ - محمد بن أحمد بن عمر بن أحمد بن أبي بكر بن عبد الله الإربلي، المنعوت بالمجد ابن الظهير الفقيه الحنفي (٣).
كان عالمًا بالفقه، والنحو، والأدب، واللغة، شاعرًا، ديِّنًا متورعًا، ملازمًا تلاوة القرآن الكريم، كثير الذكر.
стр. 733
سمع بدمشق من أبي الحسن السخاوي، وكريمة القرشية، وببغداد من جماعة.
وحدَّث بدمشق، سمع منه العلامة أبو الفداء القوصي الوكيل، والبرزالي، وغيرهم، ودرّس بالمدرسة القيمازية بدمشق.
وله شعر، ومن شعره قوله هذه الأبيات: شعر
غِشُّ المفنِّد كامنٌ في نصحه … فأطل وقوفك بالغوير وسفحه
واخلع عذارك في محلٍ ريُّهُ … برذاذ دمع العاشقين وسحِّه
ودع الوقار لحب ساكنه ولا … تحفل بذم أخي الوقار ومدحه
جهل الهوى قومٌ فراموا شرحه … جلَّ الهوى وحياته عن شرحه
وبيَ الذي يُعنيه فاتر طرفه … عن سيفه وقوامه عن رمحه
ظبي تعلل بالغرام فغاره … ويجِدُّ في لهب القلوب بمرحه
قلبي وطرفي شاهدان وإنما … تعديل كل منهما في جرحه
والقلب منزلك القديم فإن تجد … فيه سواك من الأنام فنحِّه
وله أيضًا:
نصبت من شعرك أحبولة … لا غرو أن صيد بها شاعر
لا حكم للنادر لكنما … حسنك والحكم له نادر
ومضى على سداد، ومولده بإربل، في يوم الاثنين ثاني صفر، سنة اثنتين وست مئة.
وتوفي بدمشق، في ليلة الجمعة ثاني عشر ربيع الآخر، سنة سبع وسبعين.
стр. 734
٣٧٨ - محمد بن أحمد بن عيسى القليوبي المحتد، المنعوت بالفتح (١).
اشتغل بالفقه على مذهب [الشافعي] (٢) على أبيه، وغيره، وتأدب به، ونظم النظم الجيد.
وكان ذكي الفطرة، كريمًا، كثير التبذير والتنذير، لطيفًا، إلا أنه كان واسع الخيال، وبسببه تحصل له أنكادٌ.
وولي القضاء بأشموم، وبأبيار، وبصفد، وواقعه التخيل في وحشة بينه وبين قاضي القضاة أبي عبد الله ابن جماعة الكناني، وكان مقبلًا عليه ومحسنًا إليه، فأعرض عنه وبعُد منه، وألجأته الضرورة والحاجة إلى قيام الصورة، إلى أن ناب عن عبد العزيز بن أحمد الأشموني بمدينة المحِلّة، ثم حصل بينهما نفرة بسبب الخيال، فجاء إلى القاهرة فأقام مدة لطيفة، وتوفي بها.
قال: كان بيني وبين الجلال الهوريني صحبة ورُفْقة، فولي قضاء منية بني خصيب، وأهدى إلي بُسْرًا، فوجدت نواه كبيرًا، فكتبت إليه، وهي هذه الأبيات: شعر
أرسلتَ لي بُسْرًا حقيقته نوى … عارٍ فليس لجسمه جلباب
ولئن تباعدت الجسومُ فودُّنا … باقٍ ونحن على النوى أحباب
وقال لي: اجتمعت بالصاحب تاج الدين، فأعطاني تفصيلة محرّرًا، فأنشد ارتجالًا:
يا أيها المولى الوزير الذي … إفضاله أوجب تفضيله
أحسنتَ إجمالًا ولم ترض بالإجمال إذ أرسلت تفصيله
стр. 735
وقال لي: توسَّط لي شخصٌ عند قاضي القضاة ابن مخلوف في ولاية العقود، قال فكتبت إليه:
أرى الفضلاء مثل عقود درٍّ … تحلَّى منهم جيد الوجود
وفيك محاسن أربت عليهم … فكنت لذاك واسطة العقود
وأنشدني من شعره أيضًا في محدِّث قوله: شعر
علقته محدِّثًا … نفَّر عن جفني الوسن
حديثه ووجهه … كلاهما عندي حسن
وهذا مسلوخ من قول بعضهم: شعر
حديثه وحديث عنه يطربني … هذا إذا غاب أو هذا إذا حضرا
كلاهما حسنٌ عندي أُسرُّ به … لكنَّ أشهاهما ما وافق النظرا
وقال لي: اجتمعنا نلعب الشطرنج، ومعنا المقرئ نجم الدين الأميوطي، فأنشد موشحة نصير المناوي، التي أولها قوله: شعر
أنت بماء قد سقيت شارب … من رائق كان أو كدر
سهمك في الغير فيك صائب … مالك من نصله مفر
وترنّم بها ابن الأميوطي، وكررها مستحسنًا لها، فنظمتُ أنا قولي: شعر
قد حدَّثَت ألسن التجارب … بكل ما فيه معتبر
وأنت يا حاضر كغائب … فلست تصغي إلى الخبر
تعايش الناس منذ كانوا … بالمكر والحقد والحسد
وخلَّفوا ذكرهم وبانوا … لم يصلحوا منه ما فسد
стр. 736
إلا القليل الذين كانوا … بالحق في المسلك الأسد
والكل للترب في سباسب … قد أودعُوا أضيق الحُفَر
قد عُوملوا بالذي يناسب … من كل خير وكل شر
كم آمن للزمان غيًّا … مستيقظٌ وهو في كرى
لم يدْرِ جهلًا بما تهيا … في الغيب يا ليته درى
بات من الكبر في الثريا … فحطَّه الموت في الثرى
فشامتٌ بعده ونادب … أعلن كلٌّ بما أسر
ومادحٌ فعله وعايب … أحزن هذا وذاك سر
يا جاهلًا غافلًا ذهولًا … عمَّا إليه غدا يصير
قد قاربت شمسك الأفولا … فلا تُضِع عمرك القصير
يَكفيك مما ترى دليلًا … أن ليس في ذا الورى نصير
على دفاع الأذى المواثب … أو ردَّه عنك إذ حضر
كل خليلٍ وكلُّ صاحب … إذا رأى هوله نفر
يا عجبًا من فتى لبيبٍ … يغفل عن مثل ذا المصاب
يزري على الناس بالعيوب … وهو على فعله يعاب
لما اكتسى حُلَّة المشيب … زادت به غرة الشباب
وليس يخشى ولا يراقب … وليس يُبقي ولا يذر
ولا له قط في العواقب … فكر صحيح ولا نظر
стр. 737
المرء عن فعله مكافى … من حسنٍ كان أو قبيح
من كدَّر الناس لن يصافى … ولم يعش وهو مستريح
وكل من شاء أن يعافى … فلا يدفِّف على جريح
البعد عمَّا يسوء واجب … والجهل في فعله خطر
ولا تقل للأذى مراتب … فليس في الكلِّ محتقر
نظرت جهدي فصحَّ عندي … إنَّا من العيش في غرور
قد ازدحمنا على التردِّي … في هوة الغي والشرور
نرضى بما لا نراه يجدي … من ظاهر اللهو والسرور
لكن قضاء الإله غالب … وليس عن حكمه مفر
يدرك بالقهر كل غالب … والمرء لا يغلب القدر
وشادنٍ فاتنٍ غرير … يسحر بالحسن والدَلال
تنظر من وجهه المنير … للشمس والبدر والهلال
ما دار بالفكر في ضميري … إن اهتدى فيه للضلال
لم يرض عقلي من المطايب … بلذة بعدها سقر
وإنَّ من أجمل المناقب … عفةَ من عفَّ إن قدر
ونقلت من خطه هذه الأبيات، وكان قد أنشدنيها لنفسه، أولها قوله: شعر
مللت من الشكوى إلى غير راحمِ … ولم تر عيني راغبًا في المكارم
وإني لأستحي لنفسي أن أُرَى … ومازلت مخدومًا على باب خادم
стр. 738
وما بي سوى أني وثقت بخادعٍ … قرعت على قصدي له سنَّ نادم
ألم يك لي في ما صحَّ لي من تجاربي … وعلمي بالأيام تنبيه حازم
بلى غير أن الحزم يذهب ضائعًا … إذا عالم لاقى به غير عالم
علام وفي رأسي من العزِّ نخوةٌ … أذِل لذي أنف من اللوم راغم
تجاوزت الجوزاء مجدًا وحلَّقَت … تريد العُلا والعزَّ فوق النعائم
إذا جمع الناس الدراهم لم تزل … ترى لذةً تفريقَها للدراهم
إلى كم أمنِّي القلب يقظة ماجدٍ … وأخدعها منها بأحلام نائم
وحتى متى أشتاق سلة صارمٍ … يصول على الأعداء كفٌّ بصارم
أرى الدهر في قلب الحقائق عاملًا … على ضدِّها من فعله المتقادم
أقام أُناسًا يشكرون بلؤمهم … وينجع منهم بالأذى كلُّ ظالم
فأكرَمُ حرٍّ عندهم مثل مادرٍ … وألأَم عبدٍ بينهم مثل حاتم
وذي جسدٍ قد أحرق الهم قلبه … ولكنه لم يرمني بالمآثم
ولا قال أني قد رضيت لهمتي … وديني بشيءٍ فيه عذرٌ للائم
بغى وابتغى لي زلةً كي يشيعها … عليَّ فتنمى بين أهل النمائم
فلم ير لي عيبا يعاب بمثله … كريمٌ سوى فرط اجتناب المحارم
أبت لي أن أرضى بما يغضب العلى … أنَوَّهَ حرٌّ من لدنه لآدم
وهل حسنٌ أن يبتني المجد والدي … وأهدمُه إني إذًا شرُّ هادم
أعاب بأني لا أنافق صاحبي … وأوذى بأني لا أحارب شاتمي
ومعتقدٍ أني أذل لعزه … فلم أره إلا كبعض البهائم
стр. 739
وما خدع الآمال مما يذلني … لواجد جاهٍ للمروءة عادم
وما زلت في حجر السيادة ناشئًا … وفي العز مذ نيطت علي تمائمي
إذا لم يكن للحرِّ نفسٌ شريفةٌ … تمكَّن من إذلاله كل ظالم
ولكنني أنقاد حيث يقودني … محاسن أخلاق الرجال الأكارم
وله نوادر ظريفة؛ حكى قال: كنت أجلس دائمًا فوق الصدر سليمان المالكي، فجاء مرة بمجلس قاضي القضاة ابن مخلوف المالكي، فجلس من فوقي، فقلت لقاضي القضاة: قال ابن شاس: إن مالك، ﵀، كره طول اللحية جدًا، وصفٌ للكراهة أو اللحية؟ وكان الصدر طويل اللحية، فقام من المجلس.
وقال له مرة: أنت من أي بلد؟ فقال: من شبرا مرّيق، قال فقلت له: بلدة مليحة هي؟ فقال: ما فيها أكثر من الشعير، فقلت: لأجل هذا أخذت في وجهك مخلاة.
وطلبوه مرة ليرسل رسولًا إلى العراق، فجلس مع الفتح يشكو له، فقال: يا صدر الدين، ما أوقعك في هذه الخرية إلا هذه الدّقن، فتوجه الصدر رسولًا، ثم حضر، فقال له الفتح: أي شيء غنمت في هذه السفرة؟ قال: كبرت لحيتي، فقال له: هذه الغنيمة الباردة، وجمع من هذه كراسة وسماها: نتف الفضيلة في اللحية الطويلة (١).
وقال له الفخر الأحدب المعروف بابن القابلة: كان والدي يدعو الله أن يرزقه ولدًا نجيبًا، فقال: لا جرم أنك جئت بُخيتًا.
وكان حَسَن المحاضرة، مليح المحاورة، يصلح لمنادمة ظرفاء الملوك، ومؤانسة الصعلوك.
توفي في ليلة تسفر عن ثالث عشر جمادى الأولى، سنة خمس وعشرين وسبع مئة.
стр. 740
وكان والده (١) فقيهًا فاضلًا أديبًا، تولى القضاء بالمحلة، وتوفي سنة خمس وتسعين وست مئة.
٣٧٩ - محمد بن أسعد بن علي الحسيني، المكنى بأبي علي الشريف النسابة الجَوَّانيّ (٢).
حدث بمصر عن أبي محمد عبد الله بن رفاعة بن غدير السعدي، وغيره.
روى عنه أبو الجود مرتضى بن حاتم.
قال الحافظ عبد العظيم المنذري: أصول سماعاته كلها مظلمة مثبّجة مكشطة، وكان شيوخنا لا يحتفلون بحديثه ولا يعتمدون عليه، وكان مشهورًا بعلم النسب.
قال: ويقال إنه ربما يخوَّن فيه، أخذ علم النسب عن الشريف ثقة الدولة أبي الحسين يحيى بن محمد بن حَيدرة الحسيني الأرْقَطِي، وغيره، وذكر مشايخه في جزء.
وصنف عدة تصانيف (٣)، منها: كتاب "طبقات النسابين الطالبيِّين"، وكتاب "طبقات الطالبيين"، وكتاب "بيوت الطالبيِّين"، وكتاب "نسب بني إدريس"، وكتاب "نسب بني الأرقط"، وكتاب "الذهب في كشف أسرار النسب"، وكتاب "الواضح في