إلا القليل الذين كانوا … بالحق في المسلك الأسد
والكل للترب في سباسب … قد أودعُوا أضيق الحُفَر
قد عُوملوا بالذي يناسب … من كل خير وكل شر
كم آمن للزمان غيًّا … مستيقظٌ وهو في كرى
لم يدْرِ جهلًا بما تهيا … في الغيب يا ليته درى
بات من الكبر في الثريا … فحطَّه الموت في الثرى
فشامتٌ بعده ونادب … أعلن كلٌّ بما أسر
ومادحٌ فعله وعايب … أحزن هذا وذاك سر
يا جاهلًا غافلًا ذهولًا … عمَّا إليه غدا يصير
قد قاربت شمسك الأفولا … فلا تُضِع عمرك القصير
يَكفيك مما ترى دليلًا … أن ليس في ذا الورى نصير
على دفاع الأذى المواثب … أو ردَّه عنك إذ حضر
كل خليلٍ وكلُّ صاحب … إذا رأى هوله نفر
يا عجبًا من فتى لبيبٍ … يغفل عن مثل ذا المصاب
يزري على الناس بالعيوب … وهو على فعله يعاب
لما اكتسى حُلَّة المشيب … زادت به غرة الشباب
وليس يخشى ولا يراقب … وليس يُبقي ولا يذر
ولا له قط في العواقب … فكر صحيح ولا نظر
стр. 737
المرء عن فعله مكافى … من حسنٍ كان أو قبيح
من كدَّر الناس لن يصافى … ولم يعش وهو مستريح
وكل من شاء أن يعافى … فلا يدفِّف على جريح
البعد عمَّا يسوء واجب … والجهل في فعله خطر
ولا تقل للأذى مراتب … فليس في الكلِّ محتقر
نظرت جهدي فصحَّ عندي … إنَّا من العيش في غرور
قد ازدحمنا على التردِّي … في هوة الغي والشرور
نرضى بما لا نراه يجدي … من ظاهر اللهو والسرور
لكن قضاء الإله غالب … وليس عن حكمه مفر
يدرك بالقهر كل غالب … والمرء لا يغلب القدر
وشادنٍ فاتنٍ غرير … يسحر بالحسن والدَلال
تنظر من وجهه المنير … للشمس والبدر والهلال
ما دار بالفكر في ضميري … إن اهتدى فيه للضلال
لم يرض عقلي من المطايب … بلذة بعدها سقر
وإنَّ من أجمل المناقب … عفةَ من عفَّ إن قدر
ونقلت من خطه هذه الأبيات، وكان قد أنشدنيها لنفسه، أولها قوله: شعر
مللت من الشكوى إلى غير راحمِ … ولم تر عيني راغبًا في المكارم
وإني لأستحي لنفسي أن أُرَى … ومازلت مخدومًا على باب خادم
стр. 738
وما بي سوى أني وثقت بخادعٍ … قرعت على قصدي له سنَّ نادم
ألم يك لي في ما صحَّ لي من تجاربي … وعلمي بالأيام تنبيه حازم
بلى غير أن الحزم يذهب ضائعًا … إذا عالم لاقى به غير عالم
علام وفي رأسي من العزِّ نخوةٌ … أذِل لذي أنف من اللوم راغم
تجاوزت الجوزاء مجدًا وحلَّقَت … تريد العُلا والعزَّ فوق النعائم
إذا جمع الناس الدراهم لم تزل … ترى لذةً تفريقَها للدراهم
إلى كم أمنِّي القلب يقظة ماجدٍ … وأخدعها منها بأحلام نائم
وحتى متى أشتاق سلة صارمٍ … يصول على الأعداء كفٌّ بصارم
أرى الدهر في قلب الحقائق عاملًا … على ضدِّها من فعله المتقادم
أقام أُناسًا يشكرون بلؤمهم … وينجع منهم بالأذى كلُّ ظالم
فأكرَمُ حرٍّ عندهم مثل مادرٍ … وألأَم عبدٍ بينهم مثل حاتم
وذي جسدٍ قد أحرق الهم قلبه … ولكنه لم يرمني بالمآثم
ولا قال أني قد رضيت لهمتي … وديني بشيءٍ فيه عذرٌ للائم
بغى وابتغى لي زلةً كي يشيعها … عليَّ فتنمى بين أهل النمائم
فلم ير لي عيبا يعاب بمثله … كريمٌ سوى فرط اجتناب المحارم
أبت لي أن أرضى بما يغضب العلى … أنَوَّهَ حرٌّ من لدنه لآدم
وهل حسنٌ أن يبتني المجد والدي … وأهدمُه إني إذًا شرُّ هادم
أعاب بأني لا أنافق صاحبي … وأوذى بأني لا أحارب شاتمي
ومعتقدٍ أني أذل لعزه … فلم أره إلا كبعض البهائم
стр. 739
وما خدع الآمال مما يذلني … لواجد جاهٍ للمروءة عادم
وما زلت في حجر السيادة ناشئًا … وفي العز مذ نيطت علي تمائمي
إذا لم يكن للحرِّ نفسٌ شريفةٌ … تمكَّن من إذلاله كل ظالم
ولكنني أنقاد حيث يقودني … محاسن أخلاق الرجال الأكارم
وله نوادر ظريفة؛ حكى قال: كنت أجلس دائمًا فوق الصدر سليمان المالكي، فجاء مرة بمجلس قاضي القضاة ابن مخلوف المالكي، فجلس من فوقي، فقلت لقاضي القضاة: قال ابن شاس: إن مالك، ﵀، كره طول اللحية جدًا، وصفٌ للكراهة أو اللحية؟ وكان الصدر طويل اللحية، فقام من المجلس.
وقال له مرة: أنت من أي بلد؟ فقال: من شبرا مرّيق، قال فقلت له: بلدة مليحة هي؟ فقال: ما فيها أكثر من الشعير، فقلت: لأجل هذا أخذت في وجهك مخلاة.
وطلبوه مرة ليرسل رسولًا إلى العراق، فجلس مع الفتح يشكو له، فقال: يا صدر الدين، ما أوقعك في هذه الخرية إلا هذه الدّقن، فتوجه الصدر رسولًا، ثم حضر، فقال له الفتح: أي شيء غنمت في هذه السفرة؟ قال: كبرت لحيتي، فقال له: هذه الغنيمة الباردة، وجمع من هذه كراسة وسماها: نتف الفضيلة في اللحية الطويلة (١).
وقال له الفخر الأحدب المعروف بابن القابلة: كان والدي يدعو الله أن يرزقه ولدًا نجيبًا، فقال: لا جرم أنك جئت بُخيتًا.
وكان حَسَن المحاضرة، مليح المحاورة، يصلح لمنادمة ظرفاء الملوك، ومؤانسة الصعلوك.
توفي في ليلة تسفر عن ثالث عشر جمادى الأولى، سنة خمس وعشرين وسبع مئة.
стр. 740
وكان والده (١) فقيهًا فاضلًا أديبًا، تولى القضاء بالمحلة، وتوفي سنة خمس وتسعين وست مئة.
٣٧٩ - محمد بن أسعد بن علي الحسيني، المكنى بأبي علي الشريف النسابة الجَوَّانيّ (٢).
حدث بمصر عن أبي محمد عبد الله بن رفاعة بن غدير السعدي، وغيره.
روى عنه أبو الجود مرتضى بن حاتم.
قال الحافظ عبد العظيم المنذري: أصول سماعاته كلها مظلمة مثبّجة مكشطة، وكان شيوخنا لا يحتفلون بحديثه ولا يعتمدون عليه، وكان مشهورًا بعلم النسب.
قال: ويقال إنه ربما يخوَّن فيه، أخذ علم النسب عن الشريف ثقة الدولة أبي الحسين يحيى بن محمد بن حَيدرة الحسيني الأرْقَطِي، وغيره، وذكر مشايخه في جزء.
وصنف عدة تصانيف (٣)، منها: كتاب "طبقات النسابين الطالبيِّين"، وكتاب "طبقات الطالبيين"، وكتاب "بيوت الطالبيِّين"، وكتاب "نسب بني إدريس"، وكتاب "نسب بني الأرقط"، وكتاب "الذهب في كشف أسرار النسب"، وكتاب "الواضح في
стр. 741
العيب الفاضح"، ذَكَر فيه من انتسب إلى غير أبيه، أو انتمى إلى غير مواليه، وكتاب "تاج الأنساب"، نسب الدولة العلوية والخلافة الفاطمية، وكتاب "بني الجوان"، مشجَّر، وألف في جميع الأنساب، وصنف لأبي هاشم "مشجَّرة في نسب بني حسن".
أجاز لي غير واحد عن الحافظ المنذري، قال: أنشدني مرتضى بن حاتم، أنشدني الشريف أبو علي المذكور لنفسه إجازة، قوله: شعر، قال:
وجرَّبت إخواني على السخط والرِّضى … فلم أر إلا خائنًا أو مداجيًا
فصرتُ لما جرَّبت من كل صاحبٍ … أخاف يميني أن تخون شِمَاليا
ووُجد بخطه، أن مولده ليلة الأربعاء، سلخ جمادى الأولى، سنة خمس وعشرين وخمس مئة.
وتوفي بمصر، سنة ثمان وثمانين وخمس مئة، ﵁.
٣٨٠ - محمد بن إسماعيل الأرزني (١).
وأرزن من ثغور الجزيرة.
فاضل أديب شاعر.
صنف كتابًا سماه "فلك الأدب"، رتَّبه على أبواب.
روى عنه أبو الحسن علي ابن سعيد في "تاريخه الكبير"، وقال: أنشدني لنفسه في ولد له فتَّان الصورة، وطلب منه أن يحذو حذوه، فأبى إلا اتّباع الشيطان، قوله: شعر
لقد أسخن الرحمان عيني بمن به … أقرَّ عيون العالمين على رغمي
يغالطني فيه صديقٌ وشامتٌ … فأنطق عن غيظٍ وأسكت عن علم
وقوله:
стр. 742
ولقد وقفت على الخمائل وقفةً … علَّمت فيها البان كيف يميلُ
وتسمَّعَت ورق الحمام شكايتي … فغدا لها فوق الأراك هديلُ
وقوله:
هات حدّث عن الحيام بجِدٍّ … فلها لا لغيرها كل وجدي
وأروِ عني حديث من قتل الحب فأسوارهم تجمَّعن عندي
وقال: إنه توفي بدمشق، في سنة إحدى وخمسين وست مئة.
٣٨١ - محمد بن إسماعيل بن أحمد بن علي بن منصور بن محمد بن الحسين الشيباني المصري الآمدي المحتد، المعروف بابن التيتي، المنعوت شمس الدين (١).
كان أحد الأمراء بالديار المصرية، وكان أديبًا شاعرًا.
روى عن الشيخ بهاء الدين ابن بنت الجمَّيزي، وأبي الحسن ابن المقيَّر، وجماعة.
وله مشاركة في النحو واللغة.
سمع منه أصحابنا الفضلاء؛ قطب الدين عبد الكريم بن عبد النور، وفتح الدين محمد بن محمد اليعمري، وجماعة.
وكان نائب دار العدل في الدولة المنصورية لاجين.
ومن نظمه قوله: شعر
إذا ما الدهر مال عليك يومًا … وصال بصرفه وسطا وجارا
стр. 743
فثق بالله معتمدًا عليه … يكن لك من صروف الدَّهر جارا
وإن دارت دوائره ببغي … عليك وعنك بالإقبال دارا
وشطَّ بك المزار فلا مزارٌ … وباعد عنك أحبابًا ودارا
فلا تجزع ودار وكن صبورًا … فمن يرجو رجاه منه دارا
ولا تركن إلى الدنيا وبادر … بفعل الخير واغتنم البدارا
فإن أخا الجهالة من تولى … ولم ينظر إلى الدنيا اعتبارا
ولد بمصر، في يوم الأحد ثالث عشر المحرم، سنة سبع وثلاثين وست مئة.
وتوفي بالقاهرة، في ليلة الثلاثاء ثامن جمادى الآخرة، سنة أربع وسبع مئة.
وكان والده (١) فاضلًا، وله شعر حسن، رحمة الله عليه.
٣٨٢ - محمد بن باخل بن عبد الله بن أحمد بن عبد الله بن أبي الخليل بن مرزبان بن أبي الحسن بن حسن الأموي الهكَّاري، المنعوت شمس الدين، المكنى بأبي المعالي (٢).
كان أميرًا فاضلًا، أديبًا شاعرًا.
سمع الحديث من عبد اللطيف بن يوسف البغدادي، وغيره.
وخرّج له الحافظ منصور بن سُلَيْم "مشيخة".
وحدَّث، سمع منه العلامة قاضي القضاة الشيخ تقي الدين القشيري، والسيد الشريف الغرّافي، وشيخنا أثير الدين أبو حيان.
стр. 744
وحدث بـ "المقامات" عن عبد اللطيف البغدادي.
وولى نيابة السلطنة بالإسكندرية، وله فيها حكايات حسنة.
أنشدنا الفقيه الفاضل المحدث معين الدين محمد بن أحمد المصغوني الإسكندراني بها، أنشدنا ابن باخل لنفسه في ما أجاز لي، هذه الأبيات وهي قوله:
انظر إلى الدنيا بعين بصيرة … ودع التشاغل بالذي لا ينفع
كم رامها في ما مضى من جاهلٍ … ليفوز منها بالذي هو يطمع
ويكون فيها آمنا في سربه … لا يختشي ريبًا ولا يتوقَّع
قلبت له ظهر المجنِّ فما درى … إلا وأسياف المنية تلمع
فأجاب دهرًا خانه في سلمه … والعين من فرط الكآبة تدمع
قبحًا لوجهك يا زمان فإنه … وجهٌ له من كل لوم بُرْقُعُ
وقوله:
يقولون كافات الشتاء كثيرة … وما هي إلا فرد كاف لمن درى
إذا صحَّ كاف الكيس فالكل حاصلٌ … عتيد وكل الصيد يوجد في الفرا
وكان بينه وبين العلامة أبي العباس ابن المنير صورة في الباطن، وبينهما في الظاهر مودَّة، فتوجه ابن المنير مسافرًا، فضعف فرجع، وتوفي، وتحدث الناس أن ابن باخل دسّ عليه سمًا، فتوفي بعده بأيام يسيرة، في سنة ثلاث وثمانين وست مئة.
٣٨٣ - محمد بن بختيار بن عبد اللَّه الجوهري البغدادي، المعروف بالأبله (١).
стр. 745
كان شاعرًا جيد الشعر، من شعراء الديوان ببغداد.
وله "ديوان" شعر (١)، وحدث بشيء من شعره.
وله حكايات في التغفُّل، أوردها ابن النجار الحافظ، منها: أن أمه أعطته شيئًا، وقالت له: اجعله في الشمس واجلس عنده، ولا تتركه تأكله العصافير، فتركه ونزل، وقال: تركتُه في موضع عال، ورفعت السلم، فما يصل إليه العصفور، فلهذا قيل له الأبله.
وقيل: كان في غاية الذكاء، فقيل: أبله من أسماء الأضداد.
ونُقِل عنه أنه كان يميل إلى شاب، فمرَّ على باب داره، وكتب عليها قوله: شعر
دارك يا بدر الدُّجى جنةٌ … بغيرها نفسي لا تلهو
وقد روي في خبر أنه … أكثر أهل الجنة البله
ومن شعره يمدح ابن عضد الدين أستاذ الدار، بقوله: شعر
ألَمَّت وواشيها مع الصبح راقدٌ … وقد عبقت بالمسك منها القلائد
يرنِّحها سكر الشباب فتنشي … كما اهتزَّ ممطورٌ من البان مائد
ولولا ابتسام الثغر ما نمَّ كاشحٌ … عليها ولولا الطيب ما ارتاب حاسد
ذروني ومأثور العتاب فإنني … أكابد من لدغ الهوى ما أكابد
ولا تنكروا مرَّ النسيم فعنده … حديث على عهد الصبابة شاهد
стр. 746
يذكِّرني مسراه ربعًا ألفته … وعيشًا تقضَّى ليت باديه عائد
وأهيف معسول الشمائل بينه … وبين وصالي برزخٌ متباعد
أقلُّ بلائي أنني فيه راغبٌ … وأكثر حزني أنه فيَّ زاهد
له من بديع الحسن خدٌّ مورَّدٌ … ولي من دموعي فوق خدي موارد
يهون عليه أن أبيت مسهدًا … يذود الكرى عن جفن عيني ذائد
تمر الليالي دونه وهو هاجرٌ … وأقضي ولا يقضي الذي هو واعد
لعل الهوى يحلو فينعم عاشقٌ … ويظفر مشتاق ويطرب شاهد
إذا هبَّت النكباء مال كأنه … نزيفٌ سقته الراح هيفاء ناهد
إليك فما يشتد للمرء ساعدٌ … إذا كان من تهواه ليس يساعد
فأقسم أني في الصبابة واحدٌ … وأن كمال الدين في الجود واحد
مهوَّنةٌ أمواله وعداته … مكرَّمةٌ قصاده والقصائد
كريم المساعي والجدود مهذَّبٌ … له موردٌ ما ذمَّه الدهرَ وارد
وجودٌ كصوب الغيث يهمي فتستوي … لديه الأداني والأقاصي الأباعد
شهاب رداه للمعَادين محرق … وظل نداه للموالين بارد
سريع القِرى للضيف في كل أزمة … طويل نجاد السيف أروع ماجد
ومنها:
تقلده العلياء أبهي عقودها … وتلقى إليه في الأمور المقالد
وتستقبل الآمال غرَّة وجهه … كما استقبل البيت المعظم ساجد
стр. 747
إذا رِفْد قوم جاء بالمطل ناهضًا … أتى رفده سعيًا له وهو رائد
ومنها:
تهنيت عيد النحر يا ابن محمد … ولا برحت وقفا عليك المحامد
فإنك للنعما معيدٌ ومبدئٌ … والله عند المنعمين عوائد
فلا حطَّت الأقدار من أنت رافع … ولا حلَّت الأيام ما أنت عاقد
وله: يمدح الخليفة المقتفي لأمر الله:
راحت لسرحة نعيان وواديها … غُرُّ السحائب تعدوها غواديها
من كل وطفاء يوري البرق مزنتها … كأنما ثغر سلمى ضاحك فيها
أضحت محلتها بالشام نائية … يا بعدها منك والأشواق تدنيها
بيضاء عاندت فيها من يعاندها … عمدًا وصافيت فيها من يصافيها
صدت فلا هي يوم البين ذاكرة … عهدي ولا أنا يوم البين ناسيها
تمشي فيثقلها ريٌّ إذا خطرت … كأنها بانة طُلَّت حواشيها
كأن ريحانة في ثني بردتها … بات النسيم قبيل الصبح يثنيها
زارت على غرة الواشي مراقبةً … تهدي الغرام لقلبي في تهاديها
تسري اختلاسًا وليل الشعر يسترها … عن العيون وصبح الثغر يبديها
لا يعرف الشوق إلا من يكابده … ولا الصبابة إلا من يعانيها
ولا السماحة إلا المستهام بها … خليفة الله منشيها ومبديها
وهي مطولة.
سئل عن مولده، فقال: سنة عشرين وخمس مئة.
стр. 748
وتوفي ليلة الثلاثاء، لليلتين بقيتا من جمادى الأولى، وقيل: جمادى الآخرة سنة تسع وسبعين، وقيل: ثمانين، عفا الله عنه، ﵁.
٣٨٤ - محمد بن بركات بن علي بن هلال بن عبد الواحد السعيدي المصري النحوي، يكنى أبا عبد الله (١).
روى عن أبي الحسين نصر بن عبد العزيز الشيرازي، وأبي علي الفاقوسي، وعبد الباقي بن فارس المقرئ، وأبي القاسم سعيد بن علي الزنجاني، والقاضي أبي عبد الله القضاعي.
وحدَّث بمصر، روى عنه الحافظ السلفي، وأبو القاسم البوصيري، والشريف الخطيب ناصر بن الحسن.
وبرع في النحو، واللغة، والأدب؛ قال القاضي الرشيد ابن الزبير الأسواني في كتابه "الجنان": كان السعيدي عالي المحل في النحو، وسائر فنون الأدب، منحطًا في الشعر إلى أدنى الرتب، واتفق أن الأفضل بن أمير الجيوش مرَّ راكبًا، فوقف له السعيدي في الطريق، وأنشده شعر:
يا رحمة الله التي … واسعها لم يضقِ
لم يبق إلا رمقي … فاستبق مني رمقي
تسعون عاما فنيت … وخمسة في نسق
стр. 749
وعن قليل لا أرى … كأنني لم أخلق
فقال: من ذا؟ فقيل: بحر العلم السعيدي، فقال له: أنت شيخ معروف، وفضلك موصوف، وقد حملنا عنك الوقوف، وأورد له بشيءٍ.
وأورد السلفي من نظمه قصيدة، أولها قوله: شعر
يا من لقلبٍ بان عنه عزاؤه … لما أبان الصبر عنه بلاؤه
لفتىً أسير أسىً حليفٌ للضَّنى … حشيت بنار همومه أحشاؤه
قلَّت معونته على خلَّانه … بقناعته فتضاعفت أعباؤه
لسنٌ عليم بالخطاب وفضله … كثرت على إنجازه غرَّاؤه
فكأن روضًا ناضرًا ما خطَّه … والشكل نورٌ فتَّحته سماؤه
وله: شعر
يا عُنق الإبريق من فضة … ويا قوام الغُصن الرطب
هبك تجافَيت فأقصيتني … أفيك أن تخرج من قلبي
قال السّلفي: كان السعيدي ثقة فاضلًا، وقال ابن القَطاع عنه: مزبلةُ علمٍ.
مولده سنة عشرين وأربع مئة.
وتوفي بمصر، في ربيع الآخر، سنة عشرين وخمس مئة، ﵁.
٣٨٥ - محمد بن بشائر القوصي الإخميمي، ينعت بالكمال (١).
كان أديبًا شاعرًا، وتقلَّب في الخدم الديوانية بمصر وغيرها، وكان كريمًا جوادًا، وبنى موضعًا للحديث النبوي بإخميم، وكان له اشتغال بالحديث.
حكى لي صاحبنا أبو عبد الله محمد بن الحسن المعروف بابن العجمي، قال: كان
стр. 750
الكمال يباشر "ديوان" المحمدي الأمير، فغضب السلطان على المحمدي، ورماه بالجبّ، فهرب الكمال، وجاءنا إلى الخانقاه بالقاهرة، وأرسلني اشتريت له ورقًا، ونظم قصيدة يمدح بها سيدنا رسول الله ﷺ ، وأنشدنا بعد صلاة العصر في الخانقاه، بحضور شيخها شمس الدين الأيلي، والصوفية، فطرب الأيلي وارتاح، وخلع عليه فرجية، وأعطاه مئتي درهم، فما غابت الشمس حتى جاء إليه ابنه، وقال: أُطلق الأمير وخُلع عليه، واستقرّ على خُبزه وَطَلَبك.
وأول القصيدة قوله: شعر
بمدح خير البرايا يفرج الضِّيقُ … وتفتح السدد الصمُّ المغاليق
وله القصيدة المشهورة التي أولها قوله: شعر
صلاة الله ما هبت قبولٌ … على الزهرا ووالدها الرسول
على أبياتكم نزل المثاني … ومن أبوابكم عرف الجميل
فكيف أخاف من هولٍ هجومًا … وعرب حماكم حولي نزول
وبلغني أنه أنشدها للشريف ابن نمي صاحب مكة، فارتاح، وهزّته الأمداح، وخلع عليه خلعة سنية، وعامله بأخلاق رضية.
وكان بين نجم الدين حمزة وبين أبي طالب ابن النابلسي صورة، فنظم الكمال قوله: شعر
أبا طالب ما أنت قرنٌ لحمزة … لأنكما في الدين مختلفان
دعاك النبي الهاشمي فلم تجب … وحمزة لبَّاه بكل لسان
وكان قد بلغ الصاحب بهاء الدين علي بن محمد عنه شيء، فتوعَّده، فهرب، وأقام زمانًا هاربًا، فضجِر ونظم بُليقيته المشهورة، مدح فيها حفيديّ الصاحب.
стр. 751
أنشدني الأديب علم الدين محمد بن عمر القرشي، أنشدني الكمال ابن بشائر لنفسه هذه البُلَّيْقة، التي أولها قوله:
ليمونة مع الكسر لي مونة … قالت لا ما تأكل إلا مقلّا
ماذي إلا رقيّعة مجنونة … ذي البلهاء تهوى الخراف ما أجهلها
وأنا أشهى ما لي خبيز طابونة … من أين لي هي تحسب أني الحلي
هات قل لي أو إنني العارونة … لا خبزي ولا قماشي الخزي
لا رزّي ولا غلتي المخزونة … لا تاجر ولا لـ "ديوان" ناظر
غير شاعر بصفقة مغبونة … تاج الدين ابن الوزير فخر الدين
زين الدين الدرة المكنونة … بالبقيا ندعوا لهم والمحيا
الدنيا لها بهذين زينة
وهي مطولة.
وحفظها لمن غنّى بها في الأسواق ومجتمع الرفاق، حتى وصلت إليهم، فبحثوا عن ناظمها، فعُرِف، فشفعا له عند جدِّهما الصاحب بهاء الدين، فعفي عنه، وأمَّنه منه.
توفي في سنة اثنتين وتسعين وست مئة تخمينًا، ﵁.
٣٨٦ - محمد بن ثابت الأندلسي، يكنى أبا عبد الله (١).
ترجمه الأديب المؤرخ أبو الحسن ابن سعيد، وقال عنه: إنه كان أستاذ الجزيرة الخضراء، وشيخ من لقيته بها من الأدباء.
قال: وجالسته كثيرًا، وكان كثير الغاشية، رقيق الحاشية، يرجع إلى دين متين، وخُلق أرقّ من النسيم، وأرجٍ من مسك دارين.
стр. 752
قال: وكنت معه في الجزيرة الخضراء بمجلس إقرائه، فمرَّ بنا غلام وسيم يميس في برد شبابة ويهيم، فقلت أنا شعر:
هذا هو المنظر الجميل
فقال الأستاذ:
فكل قلب له يميل
فقلت:
قد حال بيني وبين عقلي
فقال:
أفي الهوى تُطلَب العقول (١)
قال: وآل أمر الأستاذ أبي عبد الله المذكور إلى أن جاز إلى سبتة، فغُيّر عليه رئيسها في ذلك الوقت، وحصل له منه ما اقتضى انتقال الأستاذ إلى مدينة سجلماسة، وفيها قطع الحين أمراسه.
وكانت وفاته في سنة ست وأربعين وست مئة.
٣٨٧ - محمد بن جنكلي بن محمد بن البابا بن جنكلي بن خليل بن عبد الله العجلي، المنعوت ناصر الدين (٢).
الأمير، الفقيه الحنبلي، الأديب، الجواد الكريم، صاحب الفضل الجزيل والإحسان العميم، الجامع بين فضيلتي السيف والقلم، ومن له في الفتوة والمروءة لواء وعلم، وفي الجوفى والسخاء رسوخ قدم، وفي الجاه والوجاهة سابقة قدم، ومن شهد له عدل من
стр. 753
سجاياه غير متهم، إنه سرّ أبيه في السيادة والكرم، ومن أشبه أباه فما ظلم، كم فرَّج من كُرْبة، وكم من عثرة أقال، وكم من موثق بحبال شدة قد حلَّه من عقال، وكم له من مقعد صدق ومجلس حق لم يدع لسواه فيه من مقال، وكم تجمَّلت به المجالس وتزيَّنت به الدروس، وكم رفع للعلم من عَلَم، وأحيى معالم السنة بعد الدروس، لم يزل ناديه بالنَّدى عامرًا، وفيض كفه من ديم الكرم هامرًا، ومغناه كعبة وفود الإفادة عاكفة عليه، وحرمًا تُهدى هدايا الفضل إليه، يشح على الأدب أن تصح مغانيه داثره، وتسحُّ راحته بالكرم إذا شحَّت السَّحاب الهامرة، لا جرم أنه لما اتصف بالوصف الجميل، سار وقد أبقى له الذكر الجميل والثناء الجزيل، شعر:
تيقَّن أن المال يفنى وأهله … تزول وما يُبقي الثنا غير زائل
فلم يُبْق وجهًا في الجميل يفوته … ولا في مقال الحقِّ قولا لقائل
سمع الحديث من جماعة من أشياخنا، كالأمير عبد القادر بن عبد العزيز ابن الملك المعظم عيسى، والمسند عبد الله الصنهاجي، والواني، وسمع من الحافظ الأديب أبي الفتح محمد بن محمد اليعمري الكثير، وتخرج عليه في الحديث والأدب.
واشتغل بالفقه على مذهب أبي حنيفة، ثم على مذهب أحمد.
وقرأ الأصول والمنطق على التاج التبريزي، وشارك في تفسير وبيان، وموسيقى، وكتب الخط الحسن، ونظم ونثر وحدث.
وخرَّج له صاحبنا العالم الفاضل أبو العباس أحمد الدمياطي "مشيخة".
وسمعتُ منه، وسمع مني، وأجاز لي، ونقلت من خطه قوله: شعر
بك استجار الحنبلي محمد بن جنكلي … فاغفر له ذنوبه فأنت ذو التفضِّل
وجُدْ له بتوبة صادقة يا أملي … ورحمةٍ شاملةٍ تمحُ عظيم الزَّلل
стр. 754
واختم له بصالح عند انقضاء الأجل … مسامحًا عما جنى من سيئات العمل
وله، ونقلته من خطه أيضًا، قوله:
وإذا اعتبرت سني عمرك في الدنا … ومرورها في أعصر الخسران
وعلمت أن المرء منها راحلٌ … سفرًا به للسخط والرضوان
أيقنت أن الفوز فيها للتُّقي … ولمن يقوم بمحكم الفرقان
فاجهد لنفسك يا أخيَّ مخلصًا … فلقد نصحتك في جميل بياني
وكان محبًا لي، ومتفضلًا علي، ومحسنًا إليَّ، وكان ذخيرة لأهل العلم وأولي الفضائل، عونًا لهم عند حدوث النوازل.
ومع رفعة منزلته فهو في غاية الاتضاع، رافعٌ من يغش مغناه إلى المكان اليفاع، وما زال متصفًا بخير يوليه، وجميل يبديه، ومعروف ينيله ويسديه، إلى أن ساح إلى ساحة القبور، وصار إلى من يعلم خائنة الأعين، وما تخفي الصدور، والدعاء يُهْدى إليه، والعبرات تُسْكب عليه: شعر
أبكي عليه بدمعةٍ كتبت على … صفحات خدٍّ للكئيب سُطُورا
تجري من العين التي إنسانها … ما زال من إحسانه مسرورا
سالت عقيقًا فاستحالت عَنْدَما … شابت فصارت لؤلؤًا منثورا
توفي ﵀ بالقاهرة، ليلة السبت رابع عشرين رجب، سنة إحدى وأربعين وسبع مئة.
ومولده سنة سبع وتسعين وست مئة، عفا الله عنه.
стр. 755
٣٨٨ - محمد بن الحسن بن يوسف اللخمي المرسي، المكنى بأبي بكر، المعروف بابن حَبيش (١).
ترجمه تلميذه العلامة أبو عبد الله محمد بن القوبع التونسي صاحبنا، وقال: كان من نوادر الدهر، جامعًا للعلوم، حافظًا للحديث، متقنًا للنحو واللغة والأدب والأنساب والعروض والقوافي والبيان، صدرًا في أهل الآداب، كاتبًا بليغًا، وشاعرًا مُفلقًا، أقدر الناس على النظم والنثر، وأحفظهم للأخبار والأشعار.
وذكر من محفوظاته: "السيرة" (٢) لابن هشام، و"زهر الآداب" (٣) للحصري.
وأخذ عن أبي عيسى ابن أبي السداد، وأبي بكر ابن محرز، وأبي الحسن سهل بن مالك، وأبي محمد ابن برطلة، وأبي عبد الله ابن عسكر، وغيرهم.
وله "ديوان" شعر، وشعره حسن الديباجة، ريّان من ماء السلاسة وجميع الفنون.
قال: ولا أعلم له في الهجاء قيلًا، نزاهةُ نفسٍ، ورئاسةُ طبعٍ، وله الإجادة التامة في التوشيح والأزجال البديعة، ويُخَمِّس شعر غيره، حتى يكاد يكون أحق به منه.
خمَّس قصائد كثيرة، منها قصيدة ابن زيدون المشهورة بالرثاء، فجاء لا يفرق بين كلامهما، وكانت طريقتهما واحدة.
стр. 756
قال: ولو قلت أن ابن حَبيش أشعر وأقدر لم أجازف لكثرة بدائعه وصفاء شرائعه، ثم إن الله ألهمه رشده، ورغَّبه في ما عنده، فوقف نظمه ونثره في آخر عمره على مدح نبيه المصطفى ورسوله المجتبى، وعلى ما ينحو ذلك المنحى، والحضّ على الرغبة في خير الأخرى، فخلد من ذلك ما خلَّد له الذكر الجميل في الدنيا والثواب الجزيل في العقبى.
ومن القصائد التي خمَّسها قصيدة الشقراطسي، خمَّسها ثلاث تخميسات، وسدَّسها، وثمَّنها، ووشَّحها، فجاء ذلك سفرًا.
وعشَّر قصيدة أبي تمام التي مدح بها المعتصم ورثى الواثق، ﵀، التي أولها قوله: ما للدموع تروم كل مرام
فجعلها ابن حَبيش في رِثَاء الحسين بن علي، ﵄.
وخمَّس قصيدة ابن أبي الخصال التي أولها قوله: شعر
إليك فهمي والفؤاد بيثرب
وهي مرتفعةٌ في الحسن والجودة.
قال الشيخ ركن الدين: قال لنا لما أراد تخميسها: خفتُ أن أنقطع قبل إتمامها، قال: فاختبرت نفسي ببيتين منها ليس فيها أصعب منهما بالنسبة إلى ما أخذ به نفسه من الالتزام والإجادة، أحدهما قوله:
تمشي جفانٍ كالجوابي منيخة … ملين غبيطات السّديف المرغّب
فقال:
إذا ندف الصنبر كل سنيخة
وصُمَّت لعصف النوح مصيخة … دعا الجفلى من غلمةٍ ومشيخة
وهذا أصعب من جهة التزام الخاء، مع أنه لا يلزمه.
стр. 757
والثاني: قوله لما ذكر حَسَب النبي ﷺ ، وقال:
كروض الرُّبى كالشمس في رونق الضحى … كناشئ ماء المزن قبل التصوُّب
فقال في تخميسه:
كفاه من الرحمان مدحًا مصرَّحًا
بشرح ألم نشرح وإيضاح والضحى … فقد أفحم القرآن من قال مفصحا
وقال: إنه لم يبدل في تخميسه واوًا بفاءٍ، ولا فاءً بواوٍ، ولا حرفًا من حروف المضارعة بآخر منها، على جاري عادة المخمسين لاضطرارهم إلى ذلك، إلا في أول بيت من القصيدة، فإنه تغزّل فيه لمؤنَّث، فدعاه ذلك إلى كسر الكاف المفتوحة، فقال:
جَلَتْ عن ذكاء الحسن غيمُ التنقُّب … لتثني غربي عن ثنايا التغرُّب
بأحور ساج أو بألعس أشنب … إليك فهمي والفؤاد بيثرب
ثم لم تطب نفسه بذلك حتى غيَّره، وأبقى الكاف على الفتح.
وخمّس أيضًا قصيدة أبي الفضل ابن النحوي التي أولها: اشتدي أزمة تنفرجي.
بما جاد، وزاد أبياتًا.
وله موشحة بديعة، يمدح بها المصطفى ﷺ التي أولها قوله: شعر
إذا حنت الأزهار … بناسمها المعطار
وهبَّت صبًا تفضح … شذا المسك بل أفوح
بليلًا بما تسمح … من دمع الحياء
المدرار على مقل النوار … محيًا ترى يثرب
واستمر على هذا المنوال.
стр. 758
وله من قصيدة طويلة قوله: شعر
طرقت لولا تبسّمها … كاد جنح الليل يكتمها
ظبية لولا تأنُّسها … دِمية لولا تكلُّمها
ومحاسنه كثيرة.
قال: وكان كثير التواضع لا يُثبت لنفسه حقًا، جميل العشرة، يعظِّم الصغير والكبير، ولا يدَّعي معرفة شيءٍ، وكل من يلقاه كأنه دونه.
واستوطن في آخر عمره تونس، إلى أن توفي بها سنة سبع وثمانين وست مئة.
ومولده سنة خمس عشرة وست مئة، رحمة الله عليه.
٣٨٩ - محمد بن الحسين بن عبد الرحمن الأنصاري الجابري المحَلي، المكنى بأبي الطاهر الفقيه الشافعي (١).
كان عالمًا فاضلًا ديّنًا، صحب الشيخ أبا عبد الله القرشي، وولي خطابة جامع مصر.
روى عنه الحافظ المنذري، وكان شرابيًا (٢)، فطُلب ليولى قضاء القضاة بالديار المصرية، فامتنع، وطلع أعيان من المصريين ليتلقوه، فلما رآهم قال: رجل شرابي، ويحكى عنه كرامات، وبه تخرج الجمال يحيى، وغيره من الفضلاء.
قال المنذري: سمعت الإمام أبا طاهر يقول: سمعت الشيخ أبا عبد الله محمد بن أحمد القرشي يقول: سمعت أبا الربيع يقول: ثلاثة لا أطيق مكافأتهم: رجل أَمَّ بي في صلاة، ورجل أكل طعامي، ورجل سألت عن مسألة فبادرني بالجواب.
стр. 759
وقال المنذري سمعته يقول: مولدي بجوجَر من عمل الغربية، سنة أربع وخمسين وخمس مئة ظنًا.
وتوفي سَحَر يوم الأحد، سابع ذي قعدة، سنة ثلاث وثلاثين وست مئة بمصر (١).
تفقه على الخطيب أبي عبد الله محمد بن هبة الله الحموي المنعوت بالتاج، وغيره، وسمع الحديث من الفقيه أبي إسحاق إبراهيم بن عمر الإسعردي، وأبي القاسم عبد الرحمن بن عبد الله المعرِّي، ودرَّس بمدرسة الأمير يازكوج الأسدي.
كتب عنه الحافظ المنذري فوائد، وأثنى عليه ثناء صالحًا، ووصفه بأوصاف جميلة (٢).
٣٩٠ - محمد بن الحسين بن رَزين بن موسى بن عيسى بن موسى العامري الحموي، ينعت بالتقي، ويكنى أبا عبد الله، قاضي القضاة (٣).
كان شيخًا عالمًا بارعًا في مذهب الشافعي.
стр. 760
وله يدٌ في التفسير، وله كلام على آيات في كراريس.
وكان مشاركًا في الأصول والنحو، سمع الحديث من العلامة أبي عمرو ابن الصلاح، وكريمة المروزية، والسخاوي، وتفقه بابن الصلاح.
وحدَّث، سمع منه قاضي القضاة أبو عبد الله محمد بن إبراهيم الحموي، وعليه تخرَّج في الفقه والأصول.
وله فتاوى مجموعة.
وولي وكالة بيت المال بدمشق، ودرَّس بالشامية، ثم قدم القاهرة، ودرَّس بالمدرسة الظاهرية، ثم ولي القضاء بالقاهرة والوجه البحري، ومحيي الدين ابن عين الدولة مصر والوجه القبلي، ثم جُمِع لابن رَزين العَمَلين بعد وفاة ابن عين الدولة، وصُرِف، ثم أعيد.
وكان فيه لطافة؛ كتب إليه بعض الطلبة المشتغلين بالنحو يطلب منه شيئًا من الوقْف، فكتب له على ورقته: حالت أبنية الوقف بين العائد والصلة، فاستحالت المسألة.
وكان الفقيه أبو العباس أحمد بن الرفعة يبالغ في الثناء على فقهه، ويقول عنه: شيخ مشايخ الإسلام.
وكان شيخنا قاضي القضاة ابن جماعة يبالغ في الثناء على علمه مطلقًا (١).
ولد بحماة، في ثالث شعبان، سنة ثلاث وست مئة.
وتوفي بالقاهرة، ليلة الأحد ثالث رجب، سنة ثمانين وست مئة.
стр. 761
٣٩١ - محمد بن الحسين بن عبد الله بن أحمد بن يوسف بن الشّبل بن شامة، من أهل الحريم الطاهري، يكنى أبا علي، الأديب الشاعر (١).
روى عن أحمد بن علي المنادي، والأمير أبي محمد الحسن بن عيسى المقتدر.
وحدَّث، روى عنه ابن السمرقندي، وأبو الحسن ابن عبد السلام، وشجاع الذُّهلي، وكثيرون، وكتب عنه من شعره أبو عبد الله الصوري الحافظ، وله "ديوان" شعر، ورسائل، علق عنه شيئًا من رسائله الحافظ أبو بكر الخطيب.
ومن شعره قوله:
عَلِق الهوى قلبي فليس مفارقي … حُبّي حتى كأنَّ هواكم يهواني
وشغلتم قلبي بكم فكأنما … في كل وجهٍ شخصكم يلقاني
طرفي جنى نظرًا فعذَّب مهجتي … شَقِيَ البريءُ بكم ولذَّ الجاني
وله قوله: شعر
يا قلب مالك لا تفيق وقد رأت … عيناك ذُل مصارع العُشَّاق
فَتَكَت بك الحور الحسان ولم تزل … تُشقي القلوبَ جنايةُ الأحداق
لو مسَّ وجدي الماء غيَّر عذبه … والنار أذهلها عن الإحراق
مرّوا على أبوابكم بلديغكم … يُشفَى فلاسعه هناك الرَّاقي
стр. 762
واستوهِبُوا لي نظرة يُحيَي بها … ما مات مني أو يموت الباقي
فَرُقَى العقارب في السوالف رشقها … والسُّم ممزوج مع الترياق
وله:
عوّد ركابك كل يومٍ منزلًا … وتنقلًا كيلا تملَّ وتُضْجَرا
فالماء يعذب ما جرى وتراكضت … أمواجه وإذا أقام تغيَّرا
وله:
لا تظهرنَّ لعاذلٍ أو غادرٍ … حاليك في السرَّاء والضرَّاء
فلرحمة المتوجعين مضاضةٌ … في القلب مثل شماتة الأعداء
وذكره ابن النجار، وقال: توفي في حادي عشرين المحرم، سنة ثلاث وسبعين وأربع مئة.
ومولده سنة إحدى وأربع مئة، ﵁.
٣٩٢ - محمد بن الحسين بن عتيق بن الحسن بن عتيق بن الحسين بن عبد الله بن رشيق المصري الربعي، الفقيه المالكي، المنعوت بالعلم، المكنى بأبي الحسن (١).
كان فقيهًا فاضلًا مفتيًا، وجمع فتاوى والده ورتّبها.
ودرَّس بمصر بالمدرسة المعروفة بابن رشيق.
وسمع من الحافظ علي بن المفضل، وابن جبير، وابن المحلّي.
стр. 763
وحدث بمصر، سمع منه أشياخنا.
ولد بمصر، في يوم الأحد العشرين من رجب، سنة خمس وتسعين وخمس مئة.
وتوفي بها سحر يوم الجمعة ثامن ذي الحجة، سنة ثمانين وست مئة، عفا الله عنه ورضي عنه.
٣٩٣ - محمد بن الحسين بن محمد بن الحسين بن زيد بن الحسن بن ظفر الحسيني الأرموي، المنعوت بالشمس، المكنى بأبي عبد الله، الفقيه الشافعي الأصولي الفرضي (١).
سمع الحديث من فاطمة بنت سعد الخير.
وحدَّث، ودرَّس بمصر بالمدرسة المعروفة بزين التجار، وبلغني أنه درَّس "المنتخب في الأصول" (٢) أربعين مرة، وشرح "فرائض الوسيط".
ودخل بغداد رسولًا، وولي بمصر قضاء العسكر، ونقابة الأشراف.
وأخذ الفقه عن شيخ الشيوخ ابن حمُّويه، وصحبه مدة طويلة.
وكان أحد الرؤساء الأعيان الفضلاء.
ولد سنة ثمان وسبعين وخمس مئة.
وتوفي بالقاهرة، في ثالث عشر شوال، سنة خمسين وست مئة، ودفن من الغد بسفح المقَطَّم.
وغلط ابن مَسْدي فقال: توفي في حلب، عفا الله عنه.
стр. 764
٣٩٤ - محمد بن خليفة بن محمد بن الحسين بن عبيد بن شَنف بن علَّان النميري، المكنى بأبي عبد الله، المعروف بالسَّنبسي (١).
وليس منها، وإنما أم جده الحسين منها، ونزل عندهم، فلما عاد إلى وطنه، قيل له: السَّنْبَسي.
وكان أديبًا شاعرًا فاضلًا.
أقام بالحلّة المزيدية عند سيف الدولة صدقة مدة، وكان شاعره، وكان يحسن إليه، فلما مات مدح ابنه دُبيسًا، فلم يحسن إليه، فقدم بغداد ومدح الوزير أبا علي، فأحسن إليه، وأقام بها إلى حين وفاته.
وحدث بشيء من شعره، روى عنه شيئًا من شعره الحافظ السِّلَفي، وأورد من نظمه الذي رواه عنه قوله:
ومما شجاني يوم بانت حمولها … حمام بأعلى دمنة الدار تهتفُ
عشيَّة راحوا بالجمال فغرَّبوا … وأصبحت في آثارهم أتعرَّف
فلما رأيت الدار قفرًا وما بها … سوى العين فوضى والحمام المطرَّف
بكيت إلى أن لان من ماء أدمعي … صميم الحصا أو كاد بالدَّمع ينطف
وقلت لأصحابي وقد وقدَ الهوى … على كبدي والعيس في الدار وُقَّف
أقيموا صدور اليعمُلات لعلَّنا … نسائل عنها من يدل ويسعف
فما الحي بالحي الذين ألفتهم … ولا الدار بالدار التي كنت أعرف
وله من قصيدة قوله: شعر
стр. 765
ووالله لا أنسى عشية بيننا … ونحن عجالٌ بين غادٍ وراجعِ
وقد سلَّمت بالطرف منكم فلم يكن … من النطق إلا رجعنا بالأصابع
فرحنا وقد روَّى السلام قلوبنا … ولم تجرِ منا في خروق المسامع
وأضرَّ بآخره، توفي سنة خمس عشرة وخمس مئة، وقد جاوز التسعين، ﵀.
٣٩٥ - محمد بن دانيال الموصلي، المنعوت بالشمس (١).
كان طبيبًا كحالًا، أديبًا شاعرًا، كثير المجون والنوادر.
ومدح الأمراء، والوزراء، والقضاة، والأعيان.
وصنَّف كتابًا سماه "طيف الخيال" (٢)، أتى فيه بأمور بديعة في بابه، وجمع "قضاة مصر" (٣) نظمًا، وله "شعر" (٤) جيد.
رأيته بقوص، ومن طرائفه أنه لما طلع إلى قوص في صحبة نائب السلطنة سيف الدين سلّار، ومعه حسن الحليق، وكان من جملة مماليكه خادم جميل له منزلة عند أستاذه، فتمشى الحليق وتمشَّى معه الخادم، فوجد ظل جُميّز وجدولًا يجري، فرقد
стр. 766
الحليق هناك، ونام، ونام الخادم أيضًا، فطلبه أستاذه فلم يجده، فرسم بطلبه، وتفرقت المماليك والنقباء في طلبه، فوُجد على تلك الحالة، فأُحْضِر هو والحليق، وقد اشتد غضب سلار، فلما رأى ابن دانيال ذلك تقدم إليه، وقال: يا خَوَنْد أقول لك ما تفعل بهذين؟ قال: قل، قال: احلق دقن هذا القوّاد حسن، واخْص هذا الخادم، فتبسم سلّار وسكن غضبه، وقال: ابن دانيال به نفع في مثل هذه المواضع، كنت عزمت على كذا وكذا، فسرَّي عني.
واجتاز به الأديبان الوراق والجزار، وهو شاب على حانوت يكحل الناس، فقال له أحدهما: خذ عندك رزمة عكاكيز، فقال: قفوا، قودوا لله، وله نوادر كثيرة.
ومن نظمه يمدح الملك الصالح علي ابن السلطان الملك المنصور بقصيدة أولها، قوله:
نعم أخجلت ورد الرياض خدودها … وأزرت برمَّان الغصون نهودها
رداحٌ تجافت أن يلامس متنها … لأردافها عند التثني برودها
هي الظبي لا ما للظباء قوامها … هي البدر لا ما للبدور عقودها
وللبدر منها وجهها ومكانها … وللظبي منها مقلتاها وجيدها
ونافرة عني سأنصب في الكرى … حبائل أحلامٍ لَعلِّي أصيدها
ومن لي بعين تألف الغمض ليلةً … إذا ألفت طيف الخيال رقودها
إلى الله أشكو قلب من لا يريدني … على مقتضى حظّي وقلبي يريدها
ولا ذنب لي إلا تكتم لوعة … أبى الصبر أن تبدو ودمعي يعيدها
وهي طويلة.
وله في أمير شكار: شعر
стр. 767
بي من أمير شكارٍ … نارٌ تذيب الجوانح
لما حكى الظبي حسنًا … حنت إليه الجوارح
وكتب وهو أرمد لنور الدين الكحّال: شعر
كتبت ولحظي قد تبدل نرجسًا … بورد ودمعي قد تساقط منثورا
ولي زمن يا نور لم أركم به … وغاية بُرْء العين أن تبصر النورا
وهما منسوخان من بيتين لطه بن إبراهيم، والقافية في بيتيه: أن تبصر الشمسا.
وقال أيضًا: شعر
أقول وقد لاح الهلال مغرِّبا … ويا ليته في الأفق غير مغرِّب
ثقيلٌ هلال الصوم أنت على أمرئٍ … وليس عجيبٌ هكذا كل مغربي
وله في المعين: شعر
أرى لي وجهًا إن لعنتك جائزًا … وأنت بتحقيق الكلام قمين
إذا كان معنى اللام والميم واحدًا … برأي تميم فالمعين لعين
وأنشدنا شيخنا أثير الدين أبو حيان، أنشدني ابن دانيال لنفسه ببلبيس قوله:
ألا إن أرض الغرب أفضل بقعةٍ … يُساق إليها الواخدات النجائب
ولو لم يكن في الأرض كل فضيلة … لما حرَّكت شوقًا إليه الكواكب
توفي بالقاهرة، ليلة الأحد ثامن عشر جمادى الآخرة، سنة عشرة وسبع مئة.
٣٩٦ - محمد بن رائق الأُسْواني، يكنى أبا عبد الله (١).
стр. 768
أديب شاعر، جزل الشعر مفلقه.
ذكره العلامة ابن عرَّام الأسواني، وأورد من نظمه في مدح بني الكنز الأمراء بأسوان قصائد منها، قصيدته التي أولها قوله: شعر
بالسفح من ربع سلمى منزلٌ دثرا … فاسفح دموعك في ساحاته دررا
واستوقف الركب واستسق الغمام له … والثُم صعيد ثراه الأذفَرَ العطرا
واستخبر الدار عن سلمى وجيرتها … إن كانت الدار تعطي سائلًا خبرا
وكيف تسأل دارًا لم تدع جلدًا … لسائليها ولا سمعًا ولا بصرا
منازلٌ إن تقضى الحب أو نسيت … عهوده فلقد أبقين لي ذكرا
وربَّ ليل سرى غادرت أنجمه … تسري لتدرك من آثاره أثرا
قطعتُ فيه مشمعِّلًا فوق ناجيةٍ … لا تشتكي وصبًا منه ولا سَدَرَا
تدحو القفار بأخفاف مؤيدة … فعل الصوالج تدحوا سرعة أُكَرا
حتى أناخت بملك لا نظير له … سمح الخليقة يزهو الملك إن ذكرا
هو الأجل نصير الملك أكرم من … يُقري الضيوف ويعطي الخيل والبدرا
إن قال بقل قُسًّا في بلاغته … أو جال أدرك ما قد غاب واستترا
وإن عفا وهب الأموال (١) صارمة … وإن سطا ترك الرئبال منعفرا
تلقاه في الحرب مقدامًا أخا عجلٍ … وفي نداه حليمًا سيّدًا وقِرا
مطهَّر العرض عفًّا في سرائره … معظّم القدر يعفو كلما قدرا
стр. 769
أقسمت لو كان في الماضين مولده … لأنزل الله في أوصافه سورا
كأنه الحرم المحجوج تقصده … وفوده لا يملُّ الورد والصدرا
ملكٌ له شرف لو ظل مفتخرًا … لأخجل الملأين البدو والخضرا
لما نهضْتَ لهم ذاك النهوض وقد … حازت أكفّهم الأسلاف والأسرا
أمتعت في الركض في آثارهم طلبًا … لا تسأم السير والإدلاج والسهرا
غادرتهم لسباع الطير مطعمة … وللمواضي القواضي حتفهم جزرا
وهي مطولة.
وأورد أيضًا له قصيدة، منها في التغزل قوله: شعر
منعمة يصب الحليم حديثها … إذا طارحتهم يوم لهو مقالها
يميل بها سكر الصبا ونسيمه … فلله ما أشهى نسيمًا أمالها
خضعت لها والذل من شيم الهوى … غداة أرتني دلها ودلالها
ألا عدَّ عن ذكر الغواني فإنه … غواية نفسٍ ما أشدَّ ضلالها
نهاني النهى والشيب عن كل غادة … فلست وإن أصبيت أريد وصالها
منها في المدح قوله: شعر
وفيٌّ إذا أعطى ذمامًا لخائف … أمينٌ إذا خانت يمين شمالها
تراه غداة الروع فارس حومةٍ … إذا الحرب أدنت للمدالي مجالها
وقوله أيضًا شعر:
تداركت شمل المجد بعد شتاته … وأنشرته حيًا عقيب وفاته
стр. 770
وجئت مجيء الغيث تُسْقى بوبله … من البلد الحرَّان صادي نباته
حمى الله من حام عن المجد جهده … وقام على حفظ المعالي بذاته
حوى قصبات السبق في حلبة الندى … ففاز بما قد حاز من قصباته
وقام بأمر الملك مطلعًا له … فتى السن مشغولًا به عن لِدَاته
فحِلمٌ ولا عجزٌ وحكمٌ ولا هوىً … وعزٌّ ولا ضعف لدى عزماته
من الحنفيين الذين عليهم … من البأس يوم الروع أبهى سماته
منها:
أسيف أمير المؤمنين ومن غدا … به الجود في الأحياء بعد مماته
أبوك الذي بث الصنائع غارسًا … فيا طيب ذاك الغرس من نفحاته
وساس أمور الناس في كل موطن … سياسة من قد راضها بأناته
فلا مشرق إلَّا له فيه مادح … ولا مغربٌ يثني بغير صفاته
فسِر في المعالي والمكارم سيرةً … فقد ملكت كفاك صدر قناته
أسيف أمير المؤمنين ومن غدا به … تهز ما به نلته وأبشر بطول ثباته (١)
وَمُلَّيته ما شئت مستمتعًا به … مدى الدهر لا ترتاع من نبواته
أظنه توفي في حدود الست مئة، عفا الله عنه.
٣٩٧ - محمد بن رستم الإسعردي (٢).
стр. 771
ذكره ابن سعيد وقال: كان يتردد إلي ويسألني حتى استفاد مني أشياء، ثم سار إلى دمشق فعذب شربه ونما عشبه، وخاطبني بما اتهمت خاطره فيه، لعلو طبقته عليه، ومن ذلك أبيات، ومنها "قوله: شعر
يمر اختلاسًا في رُباها نسيمها … فأحسبه من روضها سارق نشرا
وقوله:
رعى الله روضًا قد حللنا ظلاله … وطاب لنا فيه مقيلٌ ومسرح
سعينا إليه خلسةً كنسيمه … وعدنا كأغصان به نترنَّح
وقال: إنه توفي في سنة سبع وخمسين وست مئة، ﵀.
٣٩٨ - محمد بن رضوان بن إبراهيم بن عبد الرحمن العذري المحلى، ينعت بالزين، ويعرف بابن الرعَّاد (١).
كان نحويًا، أديبًا شاعرًا.
أخذ النحو عن العلامة أبي عمرو ابن الحاجب.
وكان خياطًا بالمحلة، صيِّنًا مترفِّعًا عن أبناء الدنيا، لا يتردد إليهم.
كتب عنه شيخنا أثير الدين أبو حيان، وأنشدني الشيخ الزين في صبي اسمه إبراهيم قوله: شعر
رأيت حبيبي في المنام معانقي … وذلك للمهجور مرتبةٌ عليا
وقد رقَّ لي من بعد هجرٍ وقسوةٍ … وما ضرَّ إبراهيم لو صدَّق الرؤيا
стр. 772
وقوله:
أشكو إلى الله قصَّاصًا يجرعني .... بالصدِّ والهجر أنواعًا من الغُصَص
إن تحسن القصَّ يمناه فمقلته … أيضًا تقص علينا أحسن القصص
وقوله:
قالوا وقد شاهدوا نُحولي … إلام في ذا الغرام تشقى
فنيتَ أو كدتَ فيه تفنى … وأنت لا تستفيق عشقا
فقلت لا تعجبوا هذا … ما كان الله فهو يبقى
وقوله:
نار وجدي لا تقرّي لهبًا … وامنعي أجفان عيني أن تناما
فإذا نحن اعتنقنا فارجعي … نار إبراهيم بردًا وسلامًا
قال: وأخبرني شيخنا أثير الدين، قال: قال لي الزين المذكور: أرسلَ إلي شهاب الدين الخُويي، حين كان قاضي الغربية، أن أرسل إلى الكتاب الذي استعرته مني، فقلت له: ما استعرت دهري من أحد شيئًا، فأعاد الرسالة، فكتبت إليه بهذه الأبيات هي:
غنيتم فأطغاكم غناكم فأغنتنا … قناعتنا عنكم ومن قنع استغنى
ألا ما لكم سدتم فساءت ظنونكم … ومن عادة السادات أن يحسنوا الظنا
عسى سفرة شرقية حلبية … تروح بكم منا وتبعدكم عنا
وأرسلتها إليه، فلما فرغ من قراءتها إلا وبريديٌ وصل إليه أن يتوجه إلى حلب قاضيها.
وله أيضًا قوله: شعر، قال:
стр. 773
أعد نظرًا فما في الخد نبتٌ … حماه الله من ريب المنون
ولكن رقَّ ماء الوجه حتى … أراك مثال أهداب الجفون
توفي بالمحلَّة مدينة الغربية، في سنة سبع مئة.
٣٩٩ - محمد بن زبلة بن جابر أبو عبد الله الربعي الطبيب (١).
كان موصوفًا بالحذق في الطب، وله شعر حسن، وسمع الحديث الكثير.
كتب عنه الحافظ السلفي.
أجاز لي غير واحد عن الحافظ المنذري، قال: حدثنا مرتضى بن أبي الجود لفظًا، عن السلفي، قال: أنشدنا ابن زبلة بالإسكندرية لنفسه قوله:
مالي وللنفس اللَّجوج ومالها … في كل أحوال تغير حالها
إن قلت لا والحق أبلج وفق لا … قالت نعم ويكون ذاك وبالها
قد غرَّها إمهال خالقها لها … فتخيلت إمهالها إهمالها
قال الحافظ المنذري: توفي في رجب، سنة ثلاث وأربعين وخمس مئة، ﵁.
٤٠٠ - محمد بن سالم بن نصر الله بن سالم بن واصل المازني - مازن تميم - الحموي، المنعوت بالجمال، قاضي حماة، الفقيه الشافعي (٢).
كان عالمًا بالعلوم النقلية والعقلية، جامعًا للفنون الأدبية والحكمية والرياضية، خُتِمت به المئة السابعة في جمعه للعلوم والفضائل.
стр. 774
روى عن الحافظ أبي عبد الله البرْزَالِي.
وأفتى ودرَّس، وشرح وصنَّف، وكُتب عنه، واستفاد منه الأعيان، وكان من نوادر الزمان.
ومن تصانيفه: "مختصر الأربعين في أصول الدين"، و"شرح الموجز في المنطق"، و"شرح الجمل" (١) فيه أيضًا، و"هداية الألباب"، و"مختصر المجسطي" (٢)، و"شرح قصيدة أبي عمرو ابن الحاجب" في العروض والقوافي، وصنَّف "التاريخ الصالحي" (٣)، والتاريخ المسمى بـ "مفرج الكروب في أخبار بني أيوب" (٤)، و"مختصر الأغاني" (٥)، و"مختصر كتاب ابن البيطار" في الأدوية المفردة، وغير ذلك.
أنشدنا شيخنا العلامة أثير الدين، أنشدني العلامة جمال الدين ابن واصل لنفسه، مما كتب به لصاحب حماة المنصور، وكانت العادة أن تصل الجامكية منه إليه في صفر، فلم تصل إليه قال:
فكتب إليه يقول شعر:
يا مالكًا ما زال نجم سعده … في فلك العليا يعلو الأنجما
بإحسانك الغمر ربيعٌ دائمٌ … فلم ترى في صفرٍ محرما
стр. 775
وله قال: شعر
وأغيدُ مصقول العذار صحبته … وربُع سروري بالتأهّل عامرُ
وفارقته حينًا فجاء بلحيةٍ … تروع وقد دارت عليها الدوائرُ
فكرَّرت طرفي في رسوم جماله … وأنشدت بيتًا قاله قبل شاعر
كأن لم يكن بين الحجون إلى الصَّفا … أنيسٌ ولم يسمر بمكة سامر
فقال مجيبًا والفؤاد كأنما … يقَلْقِله بين الجوانح طائر
بلى نحن كنا أهلها فأبادنا … صروف الليالي والجدود العواثر
ولد بحماة، في ثالث شوال، من سنة أربع وست مئة.
وتوفي بها في يوم الجمعة، ثاني عشرين شوال، سنة سبع وتسعين وست مئة، رحمة الله عليه.
٤٠١ - محمد بن سعد بن عبد الله بن مفلح بن هبة الله بن نمير الأنصاري المقدسي المَحْتِد، الدمشقي المولد، الحنبلي المذهب، المنعوت بالجمال (١).
شيخ من شيوخ الكُتَّاب وفضلائهم وأدبائهم وشعرائهم، كتب عن الملك الكامل، ثم لزم خدمة الناصر ابن المعظم عيسى صاحب الكَرك.
وسمع الحديث من أبي الفرج يحيى بن محمود الثقفي، وأبي عبد الله محمد بن علي بن صدقة، وأبي الطاهر الخشوعي، وغيرهم.