← Тараджим

Тараджим · id 30063

البدر السافر عن أنس المسافر

كمال الدين الأدفوي

Полный текст (1 191 стр.). Показаны 771–810 · переход к 776.

стр. 771

ذكره ابن سعيد وقال: كان يتردد إلي ويسألني حتى استفاد مني أشياء، ثم سار إلى دمشق فعذب شربه ونما عشبه، وخاطبني بما اتهمت خاطره فيه، لعلو طبقته عليه، ومن ذلك أبيات، ومنها "قوله: شعر يمر اختلاسًا في رُباها نسيمها … فأحسبه من روضها سارق نشرا وقوله: رعى الله روضًا قد حللنا ظلاله … وطاب لنا فيه مقيلٌ ومسرح سعينا إليه خلسةً كنسيمه … وعدنا كأغصان به نترنَّح وقال: إنه توفي في سنة سبع وخمسين وست مئة، ﵀. ٣٩٨ - محمد بن رضوان بن إبراهيم بن عبد الرحمن العذري المحلى، ينعت بالزين، ويعرف بابن الرعَّاد (١). كان نحويًا، أديبًا شاعرًا. أخذ النحو عن العلامة أبي عمرو ابن الحاجب. وكان خياطًا بالمحلة، صيِّنًا مترفِّعًا عن أبناء الدنيا، لا يتردد إليهم. كتب عنه شيخنا أثير الدين أبو حيان، وأنشدني الشيخ الزين في صبي اسمه إبراهيم قوله: شعر رأيت حبيبي في المنام معانقي … وذلك للمهجور مرتبةٌ عليا وقد رقَّ لي من بعد هجرٍ وقسوةٍ … وما ضرَّ إبراهيم لو صدَّق الرؤيا

стр. 772

وقوله: أشكو إلى الله قصَّاصًا يجرعني .... بالصدِّ والهجر أنواعًا من الغُصَص إن تحسن القصَّ يمناه فمقلته … أيضًا تقص علينا أحسن القصص وقوله: قالوا وقد شاهدوا نُحولي … إلام في ذا الغرام تشقى فنيتَ أو كدتَ فيه تفنى … وأنت لا تستفيق عشقا فقلت لا تعجبوا هذا … ما كان الله فهو يبقى وقوله: نار وجدي لا تقرّي لهبًا … وامنعي أجفان عيني أن تناما فإذا نحن اعتنقنا فارجعي … نار إبراهيم بردًا وسلامًا قال: وأخبرني شيخنا أثير الدين، قال: قال لي الزين المذكور: أرسلَ إلي شهاب الدين الخُويي، حين كان قاضي الغربية، أن أرسل إلى الكتاب الذي استعرته مني، فقلت له: ما استعرت دهري من أحد شيئًا، فأعاد الرسالة، فكتبت إليه بهذه الأبيات هي: غنيتم فأطغاكم غناكم فأغنتنا … قناعتنا عنكم ومن قنع استغنى ألا ما لكم سدتم فساءت ظنونكم … ومن عادة السادات أن يحسنوا الظنا عسى سفرة شرقية حلبية … تروح بكم منا وتبعدكم عنا وأرسلتها إليه، فلما فرغ من قراءتها إلا وبريديٌ وصل إليه أن يتوجه إلى حلب قاضيها. وله أيضًا قوله: شعر، قال:

стр. 773

أعد نظرًا فما في الخد نبتٌ … حماه الله من ريب المنون ولكن رقَّ ماء الوجه حتى … أراك مثال أهداب الجفون توفي بالمحلَّة مدينة الغربية، في سنة سبع مئة. ٣٩٩ - محمد بن زبلة بن جابر أبو عبد الله الربعي الطبيب (١). كان موصوفًا بالحذق في الطب، وله شعر حسن، وسمع الحديث الكثير. كتب عنه الحافظ السلفي. أجاز لي غير واحد عن الحافظ المنذري، قال: حدثنا مرتضى بن أبي الجود لفظًا، عن السلفي، قال: أنشدنا ابن زبلة بالإسكندرية لنفسه قوله: مالي وللنفس اللَّجوج ومالها … في كل أحوال تغير حالها إن قلت لا والحق أبلج وفق لا … قالت نعم ويكون ذاك وبالها قد غرَّها إمهال خالقها لها … فتخيلت إمهالها إهمالها قال الحافظ المنذري: توفي في رجب، سنة ثلاث وأربعين وخمس مئة، ﵁. ٤٠٠ - محمد بن سالم بن نصر الله بن سالم بن واصل المازني - مازن تميم - الحموي، المنعوت بالجمال، قاضي حماة، الفقيه الشافعي (٢). كان عالمًا بالعلوم النقلية والعقلية، جامعًا للفنون الأدبية والحكمية والرياضية، خُتِمت به المئة السابعة في جمعه للعلوم والفضائل.

стр. 774

روى عن الحافظ أبي عبد الله البرْزَالِي. وأفتى ودرَّس، وشرح وصنَّف، وكُتب عنه، واستفاد منه الأعيان، وكان من نوادر الزمان. ومن تصانيفه: "مختصر الأربعين في أصول الدين"، و"شرح الموجز في المنطق"، و"شرح الجمل" (١) فيه أيضًا، و"هداية الألباب"، و"مختصر المجسطي" (٢)، و"شرح قصيدة أبي عمرو ابن الحاجب" في العروض والقوافي، وصنَّف "التاريخ الصالحي" (٣)، والتاريخ المسمى بـ "مفرج الكروب في أخبار بني أيوب" (٤)، و"مختصر الأغاني" (٥)، و"مختصر كتاب ابن البيطار" في الأدوية المفردة، وغير ذلك. أنشدنا شيخنا العلامة أثير الدين، أنشدني العلامة جمال الدين ابن واصل لنفسه، مما كتب به لصاحب حماة المنصور، وكانت العادة أن تصل الجامكية منه إليه في صفر، فلم تصل إليه قال: فكتب إليه يقول شعر: يا مالكًا ما زال نجم سعده … في فلك العليا يعلو الأنجما بإحسانك الغمر ربيعٌ دائمٌ … فلم ترى في صفرٍ محرما

стр. 775

وله قال: شعر وأغيدُ مصقول العذار صحبته … وربُع سروري بالتأهّل عامرُ وفارقته حينًا فجاء بلحيةٍ … تروع وقد دارت عليها الدوائرُ فكرَّرت طرفي في رسوم جماله … وأنشدت بيتًا قاله قبل شاعر كأن لم يكن بين الحجون إلى الصَّفا … أنيسٌ ولم يسمر بمكة سامر فقال مجيبًا والفؤاد كأنما … يقَلْقِله بين الجوانح طائر بلى نحن كنا أهلها فأبادنا … صروف الليالي والجدود العواثر ولد بحماة، في ثالث شوال، من سنة أربع وست مئة. وتوفي بها في يوم الجمعة، ثاني عشرين شوال، سنة سبع وتسعين وست مئة، رحمة الله عليه. ٤٠١ - محمد بن سعد بن عبد الله بن مفلح بن هبة الله بن نمير الأنصاري المقدسي المَحْتِد، الدمشقي المولد، الحنبلي المذهب، المنعوت بالجمال (١). شيخ من شيوخ الكُتَّاب وفضلائهم وأدبائهم وشعرائهم، كتب عن الملك الكامل، ثم لزم خدمة الناصر ابن المعظم عيسى صاحب الكَرك. وسمع الحديث من أبي الفرج يحيى بن محمود الثقفي، وأبي عبد الله محمد بن علي بن صدقة، وأبي الطاهر الخشوعي، وغيرهم.

стр. 776

وحدث بحلب، وبدمشق، وحالت به الأحوال. قال ابن سعيد: لقيته بدمشق وهو خاملُ الجهات، جامدُ الحركات، فسألته أن ينشدني من شعره، فأنشدني قوله: شعر أكذا أقيم بجُلّقٍ لا كاتبٌ … كلَّا ولا مستخدم أسترزق أبدًا تنكّر لي الذين عرفتهم … ويفرُّ عنّي من به أتعلَّقُ وإذا أتيتُ مسلمًا لم يلتفت … نحوي أخو جاهٍ ولا يترفقُ إن دام هذا فالمماتُ غنيمةٌ … والعيش سجنٌ بالخمول مضيَّق وقوله: بالله كيف هجرت من أبصرته … يمسي على دين الغرام ويصبحُ ولقد علمتَ لو أن علمك نافعٌ … أن الجفاء لغير وجهك يصلح قال: ولم يزل متعثرًا في ذيل الخمول، إلى أن توفي بدمشق في ثاني شوال، سنة خمسين وست مئة، ودفن من الغد، رحمة الله عليه. ٤٠٢ - محمد بن سعيد بن حماد بن محسن بن عبد الله الصنهاجي المحتد، الشرف البوصيري (١). أقام بها مدةً فنُسب إليها، ومولده ببهشيم من عمل البهنسا، ونشأ بدلاص (٢). وكان شاعرًا مجيدًا أديبًا.

стр. 777

مدح الأعيان وتقلَّب في الخدم، واستوطن القاهرة إلى حين وفاته. ومدح النبي ﷺ بـ "قصيدة" (١) مطولة طنّانة، أولها قوله: كيف ترقى رقيك الأنبياء … يا سماءً ما طاولتها سماءُ وقصيدته المسماة بـ "البُردة" (٢)، رُزق فيها حظًا وسعادةً وقَبولًا، وبلغ بها مَرامًا وبغيةً وسولًا، ونقلها وحفظها أهل العلوم والآداب وأولوا الحجى والألباب، وسارت مسير الكواكب، وطلعت بالمشارق، وأشرقت بالمغارب، وتُجمِّل بها في المحافل والمواكب، واستشفى الناس من البلوى بها، وقصدوا ناظمها من البلاد المتباعدة بسببها. وكتب عنه الأفاضل والأعيان الأماثل. أنشدنا المسند صدر الدين محمد بن محمد الميدومي، أنشدني البوصيري إجازةً، وقوله: أمن تذكر جيرانٍ بذي سلم … مزجتُ دمعًا جرى من مقلةٍ بدم أم هبّت الريح من تلقاء كاظمةٍ … وأومضَ البرقُ في الظلماء من إضم فما لعينيك إن قلت أكففا همتا … وما لقلبك إن قلت استفق يهم أيحسب الصبُّ أن الحبَّ منكتمٌ … ما بين منسجمٍ منه ومضطرم لولا الهوى لم تُرق دمعًا على طللٍ … ولا أرقتُ لذكر البان والعلم فكيف تنكر حبًا بعدما شهدت … به عليك عدول الدَّمع والسقم

стр. 778

وأثبت الوجد خطَي عبرةٍ وضنىً … مثل البَهار على خدَّيك والعنم نعم سرى طيف من أهوى فأرّقني … والحب يعترض اللذات بالألم يا لائمي في الهوى العذريّ معذرةً … مني إليك ولو أنصفت لم تلم عدتك حالي لا سري بمستترٍ … عن الوشاة ولا دائي بمنحسم محَّضتني النصح لكن لست أسمعهُ … إن المحبَّ عن العذَّال في صمم إن اتهمت نصيح الشيب في عذلي … والشيب أبعد في نصحٍ عن التهم فإن أمَّارتي بالسوء ما اتَّعظت … من جهلها بنذير الشيب والهرم ولا أعدَّت من الفعل الجميل قرى … ضيفٍ ألمَّ برأسي غير محتشم لو كنت أعلم أني ما أُوَقِّره … كتمت سرًا بدا لي منه بالكتم من لي بردِّ جماحٍ من غوايتها … كما تردُّ جماح الخيل باللُّجم فلا تَرُم بالمعاصي كسر شهوتها … إن الطعام يقوي شهوة النَّهم والنفس كالطفل إن تهمله شبَّ على … حبِّ الرضاع وإن تفطمه ينفطم فاصرف هواها وحاذر أن تولّيه … إنّ الهوى ما تولى يُصْم أو يَصِم وراعها وهي في الأعمال سائمةٌ … وإن هي استحلت المرعى فلا تسم كم حسَّنت لذةٌ للمرء قاتلة … من حيث لم تدر أن السمَّ في الدسم واخش الدسائس من جوع ومن شبع … فرب مخمصة شر من التخم واستفرغ الدَّمع من عين قد امتلأت .. من المحارم والزَم حمية الندم وخالف النفس والشيطان واعصهما … وإن هما محضاك النصح فاتَّهم ولا تطع منهما خصمًا ولا حكمًا … فأنت تعرف كيد الخصم والحكم

стр. 779

أستغفر الله من قولٍ بلا عملٍ … لقد نسلت به نسلًا لذي عقم أمرتك الخير لكن ما أتمرت به … وما استقمت فما قولي لك استقم وما تزودتُ قبل الموت نافلةً … ولم أصلِّ سوى فرضٍ ولم أصم ظلمت سنة من أحيا الظلام إلى … أن اشتكت قدماه الضر من ورم وشد من سغبٍ أحشاءه وطوى … تحت الحجارة كشحًا مترف الأدم وراودته الجبال الشمُّ من ذهبٍ … عن نفسه فأراها أيُّما شمم وأكدت زهده فيها ضرورته … إن الضرورة لا تعدو على العصم وكيف تدعو إلى الدنيا ضرورة من … لولاه لم تخرج الدنيا من العدم محمدٌ سيِّدُ الكونين والثقلين … والفريقين من عربٍ ومن عجم نبينا الآمر الناهي فلا أحدٌ … أبرُّ في قول لا منه ولا نعم هو الحبيب الذي ترجى شفاعتهُ … لكل هولٍ من الأهوال مقتحم دعا إلى الله فالمستمسكون به … مستمسكون بحبلٍ غير منفصم فاق النبيِّين في خَلقٍ وفي خُلقٍ … ولم يُدانوه في علمٍ ولا كرم وكلهم من رسول الله ملتمسٌ … غرفًا من البحر أو رشفًا من الديم وواقفون لديه عند حدهم … من نقطة العلم أو من شكلة الحكم فهو الذي تمَّ معناه وصورته … ثم اصطفاه حبيبًا بارئُ النَّسم منزهٌ عن شريك في محاسنه … فجوهر الحسن فيه غير منقسم دع ما ادَّعته النصارى في نبيهم … واحكم بما شئت مدحًا فيه واحتكم وانسب إلى ذاته ما شئت من شرفٍ … وانسب إلى قدره ما شئت من عظم

стр. 780

فإنَّ فضل رسول الله ليس له … حدٌّ فيعرب عنه ناطقٌ بفم لو ناسبت قدره آياته عظمًا … أحيا اسمه حين يدعى دارس الرَّمم لم يمتحنّا بما تعيا العقول به … حرصًا علينا فلم نرتب ولم نهم أعيا الورى فهمُ معناه فليس يرى … للقرب والبعد فيه غير منفحم كالشمس تظهر للعينين من بعدٍ … صغيرة وبكل الطرف من أمم وكيف يدرك في الدنيا حقيقته … قومٌ نيام تسلوا منه بالحلم فمبلغ العلم فيه أنه بشرٌ … وأنه خير خلق الله كلِّهم وكل آيٍ أتى الرسل الكرام بها … فإنها اتصلت من نوره بهم فإنه شمس فضلٍ هم كواكبه … يظهرن أنوارها للناس في الظلم أكرم بخلق نبي زانه خلقٌ … بالحسن مشتملٌ بالبشر متَّسم كالزَّهر في ترفٍ والبدر في شرفٍ … والبحر في كرمٍ والدهر في همم كأنه وهو فردٌ في جلالته … في عسكر حين تلقاه وفي حشم كأنها اللؤلؤ المكنون في صدفٍ … من معدني منطقٍ منه ومبتسم لا طيبَ يعدل تربًا ضمَّ أعظمه … طوبى لمنتشقٍ منه وملتثم أبان مولده عن طيب عنصره … يا طيب مبتدإٍ من طيب مختتم يوم تفرَّس منه الفرس أنهم … قد أنذروا بحلول البؤس والنقم وبات إيوان كسرى وهو منصدعٌ … كشمل أصحاب كسرى غير ملتئم والنار خامدة الأنفاس من أسفٍ … عليه والنهر ساهي العين من سدم وماء ساوة إن غاضت بحيرتها … وردَّ واردها بالغيظ حين ظمي

стр. 781

كأن بالنار ما بالماء من بللٍ … حزنا وبالماء ما بالنار من ضرم والجنّ تهتف والأنوار ساطعةً … والحق يظهر من معنى ومن كلم عموا وصمُّوا فإعلان البشائر لم … يسمع وبارقة الإنذار لم تشم من بعد ما أخبر الأقوام كاهنهم … بأن دينهم المعوج لم يقم وبعد ما عاينوا في الأفق من شهبٍ … منقضَّة وفق ما في الأرض من صنم حتى غدا عن طريق الوحي منهزمٌ … من الشياطين يقفو إثر منهزم كأنهم هربًا أبطال أبرهة … أو عسكر بالحصى من راحتيه رمى نبذًا به بعد تسبيحٍ ببطنهما … نبذ المسبِّح من أحشاء ملتقم لا تنكر الوحي من رؤياه إن له … قلبًا إذا نامت العينان لم ينم فذاك حين بلوغ من نبوَّته … فليس ينكر فيه حال محتلم تبارك الله ما وحيٌ بمكتسب … ولا نبيٌّ على غيبٍ بمتهم كم أبرأت وصبًا باللّمس راحته … وأطلقت أربًا من ريقه اللمم وأحيت السنة الشهباء دعوته … حتى حكت غرَّة في الأعصر الدُّهَم بعارضٍ جاد أو خلت البطاح بها … سيبٌ من اليمِّ أو سيلٌ من العرم سعت لدعوته الأشجار ساجدةً … تمشي إليه على ساقٍ بلا قدم كأنما سطّرت سطرًا لما كتبت … فروعها من بديع الخط في اللَّقم مثل الغمامة أنَّى سار سائرةٌ .... تقيه حرّ وطيسٍ للهجير حمى أقسمت بالقمر المنشق إن له … من قلبه نسبةً مبرورة القسم وما حوى الغار من خيرٍ ومن كرمٍ … وكل طرفٍ من الكفار عنه عم

стр. 782

فالصِّدقُ في الغار والصدِّيق لم يرما … وهم يقولون ما بالغار من أرم ظنوا الحمام وظنوا العنكبوت على … خير البرية لم تنسج ولم تحم وقاية الله أغنت عن مضاعفة … الدروع وعن عالٍ من الأُطُم ما سامني الدهر ضيمًا واستجرت به … إلا ونلت جوارًا منه لم يضم ولا التمست غنى الدارين من يده … إلا استلمت الندى من خير مستلم دعني ووصفي آياتٌ له ظهرت … ظهور نار القرى ليلًا على علم فالدرُّ يزداد حسنا وهو منتظم … وليس ينقص قدرًا غير منتظم فما تطاول أمال المديح إلى ما … فيه من كرم الأخلاق والشيم آياتٌ حقٍّ من الرحمن محدثةٌ … قديمة صفة الموصوف بالقدم لم تقترن بزمانٍ وهي تخبرنا … عن المعاد وعن عادٍ وعن إرم دامت لدنيا ففاقت كل معجزة … من النبيين إذ جاءت ولم تدم محكماتٌ فما يبقين من شبه … لذي شقاقٍ ولا يبغين من حكم ما حوربت قطُّ إلا عاد من حربٍ … أعدى الأعادي إليها ملقِيَ السَّلم ردَّت بلاغتها دعوى معارضها … ردَّ الغيور يد الجاني عن الحرم لها معانٍ كموج البحر في مددٍ … وفوق جوهره في الحسن والقيم فما تعدُّ ولا تُحصى عجائبها … ولا تسام على الإكثار بالسأم قرَّت بها عين قارئها فقلت له … لقد ظفِرت بحبل الله فاعتصم إن تتلها خيفة من حرّ نار لظى … أطفأت حر لظى من وردها الشيم كأنها الحوض تبيضُّ الوجوه به … من العصاة وقد جاؤوه كالحمم

стр. 783

وكالصراط وكالميزان معدلهُ … فالقسط من غيرها في الناس لم يقم لا تعجبن لحسود راح ينكرها … تجاهلًا وهو عين الحاذق الفهم قد تُنكر العين ضوء الشمس من رمدٍ … وينكر الفم طعم الماء من سقم يا خير من يمَّم العافون ساحته … سعيًا وفوق متون الأنيق الرسم ومن هو الآية الكبرى لمعتبرٍ … ومن هو النعمة العظمى لمغتنم سريتَ من حرمٍ ليلًا إلى حرمٍ … كما سرى البدر في داج من الظلم وبتَّ ترقى إلى أن نلت منزلةً … من قَاب قوسين لم تدرك ولم ترم وقدّمَتكَ جميع الأنبياء بها … والرسل تقديم مخدومٍ على خدم وأنت تخترقُ السبع الطباق بهم … في موكب كنت فيه صاحب العلم حتى إذا لم تدع شأوًا لمستبق … من الدنوِّ ولا مرقىً لمستنم خفضت كل مقامٍ بالإضافة إذ … نوديت بالرفع مثل المفرد العلم كما تفوز بوصل أي مستترٍ … عن العيون وسرٍّ أي مكتتم فحزت كل فخار غير مشتركٍ … وجزت كل مقام غير مزدحم وجلّ مقدار ما وليت من رتبٍ … وعز إدراك ما أوليت من نعم بشرى لنا معشر الإسلام إن لنا … من العناية ركنًا غير منهدم لما دعا الله داعينا لطاعته … بأكرم الرسل كنا أكرم الأمم راعت قلوب العدى أنباء بعثته … كنبأةٍ أجفلت غفلًا من الغنم مازال يلقاهم في كل معترك … حتى حكوا بالقنا لحمًا على وضم

стр. 784

ودّوا الفرار فكادوا يغبطون به … أشلاء شالت مع العقبان والرخم تمضي الليالي ولا يدرون عدَّتها … ما لم تكن من ليالي الأشهر الحرم كأنها الدين ضيفٌ حلَّ ساحتهم … بكل قرمٍ إلى لحم العدى قرم يجرُّ بحر خميسٍ فوق سابحه … يرمي بموجٍ من الأبطال ملتطم من كل منتدبٍ لله محتسبٍ … يسطو بمستأصلٍ للكفر مصطلم حتى غدت ملّة الإسلام وهي بهم … من بعد غربتها موصولة الرحم مكفولةً أبدًا منهم بخير أبٍ … وخير بعلٍ فلم تيتم ولم تيم هم الجبال فسل عنهم مصادمهم … ماذا رأى منهم في كل مصطدم وسل حُنينًا وسل بدرًا وسل أحدًا … فصول حتفٍ لهم أدهى من الوخم المصدري البيض حمرًا بعدما وردت … من العدى كل مسودٍ من اللمم والكاتبين بسمر الخطِّ ما تركت … أقلامها حرف جسم غير منعجم شاكي السّلاح لهم سيما تميزهم … والورد يمتاز بالسّيما من السّلم تهدى إليك رياح النَّصر نشرهم … فتحسب الزهر في الأكام كل كمي كأنهم في ظهور الخيل نبت رُبىً … من شدة الحزْم لا من شدة الحُزُم طارت قلوب العدى من بأسهم فرقًا … فما تُفَرّق بين البَهم والبُهم ومن يكن برسول الله نصرته … إن تلقه الأسد في آجامها تجم ولن ترى من وليٍ غير منتصرٍ … به ولا من عدوٍّ غير منقصم أحل أمته في حرز ملته … كالليث حلَّ مع الأشبال في أجم كم جدلت كلمات الله من جدلٍ … فيه وكم خصم البرهان من خصم

стр. 785

كفاك بالعلم في الأمي معجزة … الجاهلية والتأديب في اليتم خدمته بمديحٍ أستقيل به … ذنوب عمرٍ مضى في الشعر والخدم إذ قلَّداني ما تُخشى عواقبه … كأنني بها هديٌ من النَّعم أطعت غيَّ الصبا في الحالتين وما … حصلت إلا على الآثام والندم فيا خسارة نفسٍ في تجارتها … لم تشتر الدين بالدنيا ولم تسم ومن يبع عاجلًا منه بآجله … يبن له الغبن في بيع وفي سلم إن آت ذنبًا فما عهدي بمنتقضٍ … من النبي ولا حبلي بمنصرم فإن لي ذمَّةً منه بتسميتي … محمدًا وهو أوفى الخلق بالذمم إن لم يكن في معادي آخذًا بيدي … فضلًا وإلا فقل يا زلّة القدم حاشاه أن يحرم الجاني مكارمه … أو يرجع الجار منه غير محترم ومنذ ألزمت أفكاري مدائحه … وجدته لخلاصي خير ملتزم ولن يفوت الغني منه يدًا تربت … إن الحيا ينبت الأزهار في الأكم ولم أرد زهرة الدنيا التي اقتطفت … يدا زهيرٍ بها أثنى على هرم يا أكرم الخلق مالي من ألوذ به … سواك عند حلول الحادث العمم لن يضيق رسول الله جاهك بي … إذ الكريم تجلّى باسم منتقم فإن من جودك الدنيا وضرَّتها … ومن علومك علم اللوح والقلم يا نفس لا تقنطي من زلةٍ عظمت … إن الكبائر في الغفران كاللَّمم لعل رحمة ربي حين يقسمها … تأتي على حسب العصيان في القسم يا رب واجعل رجائي غير منعكسٍ … لديك واجعل حسابي غير منخرم

стр. 786

والطف بعبدك في الدارين إن له … صبرًا متى تدعه الأهوال ينهزم وأذن بسحب صلاةٍ منك دائمةٍ … على النبي بمنهلٍ ومنسجم ما رنَّحت عذبات البان ريح صبا … وأطرب العيس حادي العيس بالنغم وأنشدني شيخنا العلامة أبو حيان محمد الأندلسي، قال: أنشدني البوصيري لنفسه، قوله: بقبة قبر الشافعي سفينةٌ … رست من بناءٍ محكمٍ فوق جلمود ومذ غاض طوفان العلوم بموته … استوى الفلك من ذاك الضريح على الجودي وقوله: إذا خان من أهوى طوى سبب الهوى … وغطت يد التقبيح عني جماله وصار كمثل الميت يأسى لفقده … فؤادي ويأبى قربه ووصاله وله: وإني اختبرت الناس في حالتي غنىً … وفقر فما أحمدت من أحدٍ خيرا وقد هذَّب التجريب كل مغفلٍ … فما أبقت الأيام من أحدٍ غرّا وله "ديوان" شعر (١). مولده ببهشيم، في يوم الثلاثاء مستهل شوال، من شهور سنة ثمان وست مئة. وتوفي في البيمارستان المنصوري بالقاهرة، سنة خمس وتسعين وست مئة، عفا الله عنه، ورحمة الله عليه.

стр. 787

٤٠٣ - محمد بن سعيد بن محمد بن هشام الكناني الشاطبي، المكنى بأبي الوليد، المنعوت فخر الدين والمعروف بابن الجنَّان (١). كان فقيهًا فاضلًا، أديبًا شاعرًا، دمث الأخلاق، كريم الشمائل. وصحب بني العديم، فصار حنفيًا، ودرَّس بالإقبالية، وحدث بشيء من شعره. سمع منه جماعة من الأعيان منهم: الحافظ عبد المؤمن الدمياطي، وأبو الحسن علي بن سعيد الأندلسي. قال ابن سعيد: هو من بيت بشاطبة، توارثوا المراتب التي تحسدهم عليها النجوم، وأبو الوليد أعرَفهم بالشعر من العلوم، وهو أشعرهم، وقد تجدد به في أقطار المشرق مفخرهم، وتصدر لإقراء النحو، فعُدَّ من أئمة النحويين، ورُتِّب في الشعراء المبرزين في الديوان الناصري صاحب الشام، وأشعاره الغراميات قلائد أهل الغرام. قال: وصحبته بمصر والشام وحلب، وجريت معه طلق الجموح في ميادين الأدب، وأنشدني لنفسه قوله: شعر أنا من سكر هواهم ثملُ … لا أبالي هجروا أم وصلوا وبشعري وحديثي فيهم … زمزمَ الحادي وسار المثل إنَّ عُشَّاق الحمى تعرفني … والحمى يعرفني والطلل رحلوا عن ربع عيني فلذا … أدمعي عن مقلتي ترتحل

стр. 788

مالها قد فارقت أوطانها … وهي ليست لحماهم تصل لا تظنوا أنني أسلو فما … مذهبي عن حبهم منتقل وقوله أيضًا: بالله يا بانة الوادي إذا خطرت … تلك المعاطف حيث الشيح والغار فعانقيها عن الصبِّ الكئيب فما … على معانقة الأغصان إنكار وعرِّفيها بأني فيك مكتئبٌ … فبعض هذا لها في الحب أخبار وأنتم جيرة الجرعاء من إضمٍ … لي في حماكم أحاديثٌ وأسمار وأنتمُ أنتم في كل آوبةٍ … وإنما حبكم في الكون أطوار ويا نسيمًا سرى تحدوا ركائبه … لي بالغوير لبانات وأوطار وقوله أيضًا: هات المدام فقد ناح الحمام على … فقد الظلام وجيش الصبح في غلب وأعين الزهر من طول البكا رمدت … فكحَّلتها يمين الشمس بالذهب والكأس حلتها حمراء مذهبةٌ … لكن أزرَّتها من لؤلؤ الحبب كم قلت للأفق لما أن بدا صلفًا … بشبهها عندما لاحت من الحجب إن تِهْتَ بالشمس يا أُفُقَ العلى فلي … شمسان وجه حبيبي وابنة العنب قم سقنيها وثغر الصبح مبتسم … والليل يبكيه عين البدر بالشهب والسحب قد لبّست سود الثياب وقد … قامت لتربية الأطيار في القضب وقوله أيضًا:

стр. 789

عليك في ذاك الحمى يا رسول … بشر علامات الرضى والقبول جئت وفي عطفيك منهم شذىً … يسكر من خمر هواه العذول أحبابنا ودَّعتم ناظري … وأنتم بين ضلوعي نزول حللتم قلبي وهو الذي … يقول في دين الهوى بالحلول أنا الذي حدَّث عنّي الهوى … بأنني عن حبِّكم لا أحول فليزد العاذل في عذله … وليقل الواشي لكم ما يقول (١) وله: يا بانة الوادي التي نادمتها … بأُهيل وادي المنحنى وكثيبه ما مال عطفك بالنسيم وإنما … طربًا لطيب حديثه ونسيبه يا حبذا فيك النحول فإنَّه … بضناي فيه أمنت خوف رقيبه ما كان في علم الغرام بأنه … يطفى بماء الدمع نار لهيبه وأشعاره كثيرة شهيرة حسنة. ومولده بشاطبة، منتصف شوال، سنة خمس عشرة وست مئة. وهو في النهر ببستان ابن الصائغ بدمشق، في يوم الأحد، رابع عشرين جمادى الآخرة، سنة خمس وسبعين، وقع في النهر فمات فيه. ٤٠٤ - محمد بن سعيد بن ند الجزري المنعوت محيي الدين، وزير الجزيرة (٢). كان فاضلًا أديبًا شاعرًا.

стр. 790

وُزِّر للملك المعظم عيسى مدة، ثم اجتمع بالملك الكامل بمصر، فأمسكه عنده، وصار عنده من أكابر دولته. قال ابن سعيد: أنشدني بالقاهرة لنفسه، قوله: مذهبي أن لا ترى عيني … سوى وجه المليح وكذا سمعي فما … يصغي إلى غير المديح أنا أدرى الناس بالناس … وتهذيبي مريحي وكان له ثلاثة أولاد فضلاء شعراء: عبد العزيز، وعبد الحميد، ومحمد، تقدم ذكرهم. قال: وتوفي بدمشق، سنة إحدى وخمسين وست مئة، ﵀. ٤٠٥ - محمد بن سعيد، أخو المذكور، ينعت بالعماد يكنى أبا القاسم (١). كان عالمًا عاقلًا، لبيبًا أديبًا. كان عند الملك الكامل، ثم ابنه الصالح، فرتَّبه في قلعة المقياس بروضة مصر. قال ابن سعيد: لقيته وأنشدني لنفسه: أنا ما أبصرت هذا … النيل ذا هَزٍّ ومدِّ لا أمد الرَّاح إلا … نحو راحٍ مثل ورد فُتِحَت بالمزج منها … أعينٌ باتت بسُهد بين ألحانٍ وريحان … على جردٍ ومُرد قال: ولم يكن وزير الجزيرة ولا أخوه العماد هذا ممن يدير كأس الراح، ولا ممن يقول بالاغتباق والاصطباح، وإنما كانا من الشعراء الذين يقولون ما لا يفعلون، وفي المكارم

стр. 791

يفعلون ما لا يقولون. وذكره الشريف التيفاشي في "تاريخه"، وذكر أنه حضر عند الملك الأشرف ابن العادل بسنجار في بستان، فأنشد ارتجالًا قوله: شعر اقدح زناد اللهو بالأقداح … وأضف إليه لطائف الأفراح هذا الربيع ووجه من أحببته … فاشرب على الألحان صفو الراح فعلام تهجع والحمائم سُجَّعٌ … والزهر في غررٍ وفي أوضاح سافر بطرفك في الرياض وحسنها … تستغن عن حسناء ذات وشاح فالخدُّ من وردٍ وعين جمالها … من نرجس والثغر نور أقاح توفي آخر سنة إحدى وخمسين وست مئة. ٤٠٦ - محمد بن سعيد بن يحيى بن علي بن حجاج الدُّبَيْثِي المولد، الواسطي المنشأ، البغدادي الدار، يكنى أبا عبد الله الفقيه الشافعي المؤرخ (١). سمع بواسط من أبي طالب محمد بن علي، وأبي العباس هبة الله بن نصر الله، وبالحجاز من عبد المنعم بن عبد الله الفراوي، وببغداد من عبد الله بن عبد الله بن سليل، ومحمد بن جعفر بن عقيل، وأبي السعادات نصر الله بن عبد الرحمن القزاز، وغيرهم.

стр. 792

قال ابن نقطة: وصنف "تاريخًا" (١) ذيّل به على أبي سعد ابن السمعاني، في ثلاث مجلدات، وكان له معرفة وحفظ (٢). قال ابن مَسْدي: كان حافظًا جليلًا، ومحدثًا نبيلًا، موصوفًا بالحذق والإتقان، وحسن العناية بهذا الشأن، قرأ القراءات، وصنَّف فيها، وسمع الحديث الكثير، وذيَّل على تاريخ الخطيب كتابًا حرَّره، وكتب لي بقوله هذه الأبيات: شعر وغادية من بنات الترك تحسبها … شمس الضحى طلعت صحوًا بلا كدر نبهتها وظلام الليل معتكرٌ … ونور غرَّتها تغني عن القمر فاستيقظت فأرتنا الفجر معترضًا … لما بدا وجهها من سدفة الشعر وذكره ابن المستوفي، وأثنى على فضله، وقال: أنشدني لنفسه قوله: شعر خبرت بني الأيام طرًّا فلم أجد … صديقًا صدوقًا مسعدًا في النوائب وأصفيتهم مني الوداد فقابلوا … صفاء ودادي بالقذى والشوائب وما اخترت منهم صاحبًا وارتضيته … فأحمدته في فعله والعواقب (٣) ولد يوم الاثنين، السادس والعشرين من رجب، سنة ثمان وخمسين وخمس مئة. وتوفي ببغداد، ثامن ربيع الأول، يوم الاثنين، سنة تسع وثلاثين وست مئة. ودُبَيْثَا: قرية من عمل واسط (٤).

стр. 793

٤٠٧ - محمد بن علي بن عبد الله بن علي الشمس بن العفيف التلمساني الأصل المصري (١). كان أديبًا، شاعرًا، مفلقًا، كاتبًا، لطيفًا، ماجنًا، ظريفًا. وليَ كتابة الخزانة السلطانية بقلعة الجبل بالقاهرة مدة. وأُمُّه بنت عبد الحق بن سبعين، حكى لنا شيخنا أثير الدين، قال: جاء محمد هذا إلى الشيخ شمس الدين الأصبهاني، فسلم عليه، فقال الشيخ: من أنت؟ فقال: محمد بن العفيف، فقال: عريقٌ في الألوهية أبوك العفيف، وأمك بنت ابن سبعين. وله نظم فائق، كتب عنه أشياخنا، ومن نظمه قوله: شعر ما أنت عندي والقضيب … اللّدن في حدٍّ سوى هاذاك حرَّكه الهوا … وأنت حرَّكتَ الهوى مولاي حُبُّك نِيَّتي … ولكل امرئ ما قد نوى من قاس قدَّك بالقضيب … رشاقة فلقد غوى وقوله: ما للحشيشة فضل عند آكلها … لكنه غير مهديٍّ إلى رشده صفراء في وجهه خضراء في فمه … حمراء في عينه سوداء في جسده وله من قصيدة أولها قوله: شعر

стр. 794

لا تُخفِ ما صنعتْ بك الأشواقُ … واشرح هواك فكلنا عُشَّاقُ فعسى يعينك من شكوت له الهوى … في حمله فالعاشقون رفاق لا تجزعنَّ فلست أول مُغرمٍ … فتكت به الوجنات والأحداق واصبر على هجر الحبيب فربَّما … عاد الوصال وللهوى أخلاق وله: يا زائر الطرف ما للطرف إغفاءُ … ارجع وحدث فما للوجد إخفاء أين اللياليَ والأيام من غزلي … في الحسن والحب إنباءٌ وأنباء إذ كل نافرةٍ في السرب آنسةٌ … وكل مائسةٍ في الشعب خضراء وكل ورقاء تثني نحوها غصنًا … وكل غصنٍ يناجي منه ورقاء ولذة العيش بحرٌ والهوى سفن … وللخلاعة إرساءٌ وإسراء يا ساكني مصر شمل الشوق مجتمعٌ … بعد الفراق وشمل الفكر أجزاء كأن عصر الصبا من نار بُعْدكم … عصر التصابي به للهو إبطاء إذا تشوقتم أرسلت نحوكم … أبيات شعرٍ بها للشَّوق إنطاء لم يقوَ فيهن إقواءٌ لقافيةٍ … ولم يطأهنَّ بالألفاظ إيطاء وله: رأتني ضئيلًا فاستقلت لبعضها … جميعي فظنت مَخبري مثل منظري فقلت لها عندي الذي تطلبينه … خذي بيدي ثم ارفعي الثوب تنظري وله:

стр. 795

زار وجنح الظلام معتكر … فانشقَّ ثوب الدُّجى عن الفجر وبتُّ من صدغه ومبسمه … أجمع بين الحشيش والخمر وله في عَجَّانة قوله: شعر عجّانة جلت الظلام بوجهها … وبثغرها لما أميط لثامها عجنت ولكن مهجتي بغرامها … والماء دمعي والدقيق قوامها وله في نحويٍّ قوله: شعر يا ساكنًا قلبي المعنَّى … وليس فيه سواه ثاني لأيِّ معنًى كسرت قلبي … وما التقى فيه ساكنان وله: بدا وجهه من فوق ذابل قدِّه … وقد لاح من سود الذوائب في جنح فقلت عجيبٌ كيف لم يذهب الدجى … وقد طلعت شمس النهار على رمح وله في الدوبَيْت: شعر كم تشمت بي في حبك العذال … كم يكثر فيك القيل لي والقال الصبر بكل حالة أليق بي … أحتاج أُدَاريك ويمشي الحال وأيضا قوله: شعر يا من بفؤادي نار وجدي غادر … من قاس إليك حسنه من فاخر لا تخش إذا قلتُ فلانٌ حسنٌ … عن غيرك الشيخ عدى شيءٌ آخر توفي بدمشق، ليلة الأربعاء رابع عشر رجب، سنة ثمان وثمانين وست مئة.

стр. 796

ورثاه أبوه (١) بقصيدة طنّانة (٢)، عفا الله عنه. ٤٠٨ - محمد بن سليمان بن الحسن المقدسي المولد، البلخي المحتد، المنعوت بالجمال، الفقيه الحنفي، المفسر الصوفي، المعروف بابن النقيب (٣). كان فاضلًا، مشاركًا في الفقه، والتفسير، والأصول، والأدب. سمع من ابن المخيلي، وصحب ابن الفارض، وتلمذ له. ودرَّس بالمدرسة العاشورية بالقاهرة، ثم ترك وتزهد، وكان قد باشر أخصَّ البلاد، فنادى: من له عليَّ شيءٌ فليحضر يستوفيه، وأقام بالجامع الأزهر. وجمع في التفسير "كتابًا" (٤) كبيرًا، في مئة مجلد.

стр. 797

وله نظم، منه يمدح الشيخ قطب الدين القسطلاني، وهو قوله (١): سألت أخاك البحر عنك فقال لي … شقيقيَ إلا أنه السَّاكن العذب لنا ديمتا مالٍ وماء فديمتي … تساكب أحيانًا وديمته سكب إذا نشأت بريَّة فلي النَّدى … وإن نشأت بحريةً فله السحب أقل عليه من سماع صفاته … فإنِّي لأخشى أن يداخله العُجب وله من قصيدة أولها قوله: شعر نسيم الصبا هيَّجت من قلبي المضنى … فُنُونًا من الأشواق يفنى ولا تفنى وعهدي بأنفاس الصّبا تبرد الجوى … وتهدي إلى الأرواح راحًا لمن أنَّا فمالي إذا هبَّت سُحيرًا يهزُّني … غرامٌ كما هزَّت جنوبية غصنا ومالي إذا هبَّت صبا شأم بارقٍ … من الحزن أنساني صميم الحشا حزنا ولد بالقدس منتصف شعبان، سنة إحدى عشرة وست مئة. وتوفي بعد رجوعه من القاهرة، في شهر المحرم، سنة ثمان وتسعين وست مئة، رحمة الله عليه. ٤٠٩ - محمد بن سوار بن إسرائيل بن الخضر بن إسرائيل الشيباني الدمشقي، المنعوت بالنجم، الأديب الشاعر (٢).

стр. 798

صحب الشيخ علي الحريري، وله "ديوان" شعر، أكثره على طريقة التصوف والغراميات. روى عنه القاسم بن يوسف البرزالي، وغيره. ووقع بينه وبين ابن الخيمي منازعة، قدمتها في ترجمة ابن الخيمي (١). ومن نظمه قوله: شعر وراقدة عض النعاس جفونها … وأجفاننا وجدًا بها ليس ترقد تطلع بدر الأفق في نور وجهها … فبات لها في الحسن والنور يحسد وأبصر غصن البان لين قوامها … فكاد لها من شدَّة العشق يسجد وأعجب شيء أن سيف جفونها … يؤثر في عشَّاقها وهو مغمد وله في رامي بندق قوله: شعر وغصن مثمر في كل حينٍ … لمن يهواه بالبدر المنير كأن القوس في يده هلالٌ … بنادقه رجومٌ للطيور ولد يوم الاثنين، ثاني عشر ربيع الأول، سنة ثلاث وست مئة. وتوفي يوم الأحد، رابع عشر ربيع الآخر، سنة سبع وسبعين وست مئة، عفا الله عنه، ورحمة الله عليه.

стр. 799

٤١٠ - محمد بن شريف بن يوسف الزرعي الشرف ابن الوحيد، الكاتب الشاعر (١). كتب الخط الحسن، وكتب الإنشاء بالقاهرة، وكان يتكلم بألسنٍ، وله نثر ونظم. روى عنه منه البرزالي (٢)، وقاضي القضاة جلال الدين القزويني، وأصحابنا. وكتب بخطه ختمات، ومن نظمه قوله: شعر يقولون لي من أرغد الناس عيشةً … ومن بات عن سبل المخاوف نائيًا فقلت لبيبٌ عارفٌ فهم الهوى … فصار بحكم الله والرزق راضيا وله من مديح في المصطفى ﵇: وكان يرى من خلفه كأمامه … ويستره في الحرِّ غيمٌ ليبردا وآياته أعلى وأعظم أنها … يحاط بها في الشعر أو أن تحدَّدا فلست بمحصٍ مدحه غير أنني … أردت العُلى إذ قمت بالمدح منشدا وإن شرَّف المدحُ الرجال فإنني … تشرَّفت لما أن مدحت محمدا وله أيضًا قوله: شعر الله باري قوس حاجبه التي … مدَّت وإنسان العيون النابل ولحاظه نبل لها من هدبه … ريشٌ وأفئدة الأنام مقاتل

стр. 800

ولد بدمشق، ليلة العاشر من جمادى الآخرة، سنة سبع وأربعين وست مئة. وتوفي بالبيمارستان المعمور بالقاهرة، يوم الثلاثاء سادس عشر شعبان، سنة إحدى عشرة وسبع مئة. ٤١١ - محمد بن طاهر بن علي بن أحمد الشيباني المقدسي، المكنى بأبي الفضل، ويعرف بابن القيسراني، الحافظ الجليل (١). رحل في طلب الحديث، وسمع بمصر، والشام، والثغور، والجزيرة، والحجاز، والعراق، والجبال، وفارس، وخراسان. وكتب الكثير، وصنَّفَ تصانيف مفيدة، وكان متقنًا، حادَّ القريحة. سمع ببيت المقدس الفقيه نصر بن إبراهيم، وبمصر أبا إسحاق إبراهيم بن سعد الحبال، وأبا الحسن الخلعي، وبدمشق أبا القاسم علي بن محمد المصيصي، وبمكة أبا القاسم سعد بن علي الزنجاني، والحسن بن عبد الرحمن الشافعي، وهيّاج بن عبيد الحطيني، وببغداد أحمد بن محمد بن النَّقُّور، وعبد الله بن محمد الصريفيني، وعبد الله بن الحسن بن محمد الخلّال، وعلي بن أحمد بن البُسري، وبأصبهان عبد الوهاب بن منده، وأبا مسعود سليمان بن إبراهيم الحافظ، وبجرجان إسماعيل بن مسعدة الإسماعيلي، وبنيسابور الفضل بن عبد الله بن المحب، وأحمد بن علي بن خلف الشيرازي، وبهراة

стр. 801

عبد الله بن محمد الأنصاري، ومحمد بن علي الفهري، وبمرو محمد بن الحسن، وخلقًا كثيرًا غير ما ذكرناه. وحدّث باليسير لقِصَر عمره، روى عنه الكبار والأئمة والحفاظ، منهم: شيرويه بن شهردار الديلمي، وأبو جعفر محمد بن علي الهمداني الحافظ، وأبو نصر أحمد بن عمر الأصبهاني، وشجاع بن فارس الذهلي. وقدم بغداد ثانية، فسمع منه عبد الوهاب بن المبارك الأنماطي، ومحمد بن ناصر الحافظان، والحافظ السلفي، والمبارك بن أحمد الأنصاري، وعبد الرحمان، وعدنان، ولدا محمد بن عدنان الزينبي، وروى عنه ابنه أبو زرعة، وخلائق. وله نظم جيد، منه ما رواه ابنه المذكور عنه، قال: أنشدني والدي لنفسه، قوله: يا من يدل بخده … وبقده والمقلتين ويصول بالصُّدغ المعقرب … شبه لامٍ فوق عين ارحم فديتك مدنفًا … وسط الفلاة صريع بين قتلته أسهمك التي … من تحت قوس الحاجبيْن الله ما بين الفراق وبين من أهوى وبيني صدَّت فلي في كل عام وقفةٌ بالمشعرين أشكو تباريح الجوى … وأفضُّ ختم الدمعتين سل من حوت عرفات أو … من سعى بالمروتين أو نازلًا شطي منًى … أو من رمى بالجمرتين كلٌّ يخبر أنه … إن دام صدّك حان حيني وقوله:

стр. 802

أضحى العذول يلومني في حبِّهم … فأجبته والنار حشوَ فؤادي يا عاذلي لو بت محترق الحشا … لعرفت كيف تفتّت الأكباد صدَّ الحبيب وغاب عن عيني الكرى … فكأنما كُنَّا على ميعاد وقوله: لما رأيت فتاة الحي قد برزت … من الحطيم تَروم السعي في الظلم ضوء النهار بدا من ضوء بهجتها … وظلمة الليل من مسوَّدها الفحم خدعتها بكلامٍ يستلذُّ به … وإنما تخدع الأحرار بالكلم وقوله: قالت أتى العيد بالبشرى فقلت لها … العيد والبشر عندي يوم ألقاك الله يعلم أن الناس قد فرحوا … فيه وما فرحي إلا برؤياك وقال المبارك بن كامل الخفاف: أنشدني أحمد بن محمد البغدادي، أنشدنا ابن طاهر لنفسه، قوله رحمة الله عليه: ساروا بها كالبدر في هودجٍ … بالعِيس محفوفًا بأترابه فاستعبرت تبكي فعاتبتها … خوفًا من الواشي وأصحابه وقلت لا تبكي على هالكٍ … بعدك لا يبقى على ما به للموت أبوابٌ وكل الورى … لا بد أن يدخل من بابه وأحسن الموت بأهل الهوى … من مات من فرقة أحبابه وقال السِّلفي: أنشدنا لنفسه قوله:

стр. 803

أشارت إلي بعُنَّابةٍ … مُخَضَّبة من دم الأفئده وقالت على العهد يا سيدي … فقلت إلى الحشر يا سيِّدَه ووثَّقه غير واحد؛ قال شهردار بن طاهر: ثقةٌ صدوقٌ، حافظًا عالمًا بالصحيح والسقيم، حسن المعرفة بالرجال والمتون، لازمًا للأثر، بعيدًا عن الفضول والتعصّب، خفيف الروح، قويًّا على السفر، كثير الحج والعمرة. وقال إسماعيل بن محمد الأصبهاني الحافظ: أحفظُ من رأيتُ ابن طاهر. وقال ابن منده: ابن طاهر أحد الحفاظ، حسن الاعتقاد، جميل الطريقة، صدوقٌ، عالمٌ بالصحيح والسقيم. وقال ابن طاهر: بلتُ الدم في طلب الحديث مرَّتين، وذاك أني كنت أمشي حافيًا في حر الهواجر، فلحقني ذلك، وما ركبت في طلب الحديث قطُّ، وكنت أحمل كتبي على ظهري، وما سألت أحدًا قط شيئًا. وقال السِّلفي: سمعته يقول: كتبت صحيح البخاري، ومسلم، وأبي داود سبع مرات بالوراقة، وسنن ابن ماجه عشر مرات. وقال بعضهم: مشى ابن طاهر في ليلةٍ سبعة عشر فرسخًا، وقال كان يمشي على الدوام في اليوم والليلة عشرين فرسخًا. وقال: رحلت من طوس إلى أصبهان لأجل حديث أبي زرعة الرّازي الذي أخرجه مسلم عنه، ذاكرني به بعضهم، فأصبحت رحلت. وقال: كنت أقرأ على أبي إسحاق الحبّال جزءًا بمصر، فجاء شخص أسرَّ إلي أن أخاك قدم، فاختلطت عليّ السطور، فقال أبو إسحاق: ما بالك؟ فأخبرته، فقال: فكم لك ما رأيته؟ فقلت: سنين، فقال: ولم لا تقوم؟ فقلت حتى يفرغ الجزء، فقال: ما أكثر حرصكم يا أهل الحديث، قد تمَّ المجلس، قُمْ.

стр. 804

وقال: بقي معي في يوم درهمٌ، وأنا محتاج إلى حبر وكاغد، فترددت إن صرفته في ذاك لم ألق ما اتقوّت به في ذلك اليوم، فجعلت الدرهم في فمي فبلعته، فضحكت، فقال لي خادم الشيخ الذي كنت أسمع عليه: ما بالك؟ فسألني فلم أجبه، فحلف بالطلاق لتخبرني، فأخبرته، فأدخلني منزله وأطعمني شيئًا، فلما كان وقت الظهر، جاء شخصٌ يسأل عني، فلما عرفني قال: إن فلانًا أمرني أن أعطيك كل يوم عشرة دراهم، وللقضية مدة وقد نسيت، فحاسبني وأعطاني ثلاث مئة درهم، واستمر. وقد تكلم بعضهم فيه؛ فقال عنه محمد بن عبد الواحد الأصبهاني الحافظ: كان ابن طاهر صوفيًا ملامتيًا (١)، وذكر عنه: كان مباحيًا. وقال ابن ناصر: صنَّف ابن طاهر كتابًا في "جواز النظر إلى المُرد"، وأورد فيه حكاية عن يحيى بن معين أنه صلى على واحدة، فقيل له: تصلي عليها؟ فقال: وعلى كل مليح. وسُئِل الحافظ إسماعيل بن الفضل الأصبهاني عنه، فتوقَّف فيه، ثم أساء الثناء. وقال الحافظ ابن عساكر: جمع ابن طاهر أطراف الكتب، وأخطأ في مواضع خطأً فاحشًا (٢). وقال ابن ناصر عنه: أنه كان يصحّف، وأنه قرأ يومًا الحديث الذي فيه: وإن جبينه ليتفصّد عرقًا (٣) بالقاف، فقلت له بالفاء فنازع.

стр. 805

وقال الحافظ أبو عمر وابن الصلاح: أنه كان أحسن حالًا ممن تكلم فيه وأثنى عليه. قلت: وما ذكره عن كلام ابن معين، فقد ذكره غيره من الحفاظ، فلا عيب عليه في ذكره، وهو مبنيٌّ على جواز الصلاة على غير الأنبياء، وأجازه جماعة، وأما كون ابن ناصر ردّ عليه، فلم يرجع إليه، فليس بقادحٍ فيه بمجرَّده. وله تصانيف منها: "رجال الصحيحين" (١)، وفيه أوهام، قيل: سببه أنه كتبه من حفظه، و"الأطراف على الكتب والضعفاء" (٢)، و"جواب المتعنت"، و"صفوة المتصوّف" (٣)، و"إباحة السماع" (٤)، و"الملل"، وغير ذلك. وحجَّ على قدميه حجات كثيرة. ولد في شوال، سنة ثمان وأربعين وأربع مئة. وتوفي في ما قاله شجاع الذهلي: في يوم الجمعة، لليلتين بقيتا من شهر ربيع، سنة سبع وخمس مئة. وقال ابن الخاضبة: توفي يوم الخميس عشرين الشهر. ٤١٢ - محمد بن عبد الرحمن بن محمد بن مسعود بن أحمد المسعودي أبو عبد الله (٥).

стр. 806

كان فقيهًا فاضلًا أديبًا. صنَّف تصانيف، منها: "شرح المقامات" (١)، مدَّ فيها الباع وتعصَّب للحريري. ورحل في طلب الحديث، وسمع بدمشق، وبغداد، وأصبهان، ومرو الرّوذ، والكوفة، والموصل، وكَرْمَان، والإسكندرية، وغيرها. فسمع من أبي الوقت، والسلفي، وابن عوف، وابن بري النحوي، وخلائق. روى عنه علي بن المفضل الحافظ، وجماعة كثيرة، والشيخ بهاء الدين علي بن هبة الله بن سلامة الشافعي. وكان من أظرف المشايخ، وأحسنهم هيئة، وأجملهم لباسًا. ومولده سنة إحدى وعشرين، كذا قال الحافظ ابن النجار. وقال الحافظ أبو الحسين العطار: مولده في شهر ربيع الأول، سنة اثنتين وعشرين وخمس مئة، وكذا قال المنذري: سنة اثنتين (٢). وقال المنذري: توفي يوم السبت تاسع عشرين (٣)، وصلي عليه الظهر. وقيل: يوم الأحد، سابع عشرين شهر ربيع الأول، سنة أربع وثمانين وخمس مئة. وقال الحافظ العطار: توفي بدمشق، آخر يوم من شهر ربيع الأول. وقيل: مستهل ربيع الآخر (٤). وقال ابن النجار: توفي ليلة السبت، سابع عشرين الشهر.

стр. 807

قال: وكان من الفضلاء في كل فن من الفقه، والحديث، والأدب. وأورد من شعره قوله أيضًا: قالت عَهِدتك تبكي … دمًا حذار التنائي فلم تعوَّضتَ عنها … بعد الدِّماء بماء فقلتُ ما ذاك مني … لسلوةٍ وعزاء لكن دُموعي شابت … من طول عمر بُكائي وذكره المنذري في "تاريخ مصر"، وقال: قدم مصر قديمًا، ثم قدمها ثانيًا رسولًا، وحدَّث بها، وكتب عنه الحافظ السلفي أناشيد، وكان واسع الرواية، كثير الدراية، عالمًا، أديبًا، فاضلًا. قال: وسألت شيخنا المقدسي: هل كان يُدلِّس؟ فقال: ما يحسن ذلك، يعني: أنه يحتاج إلى معرفة بأشياء. وجرى منه كلامٌ فاغتاظ السِّلفي، وقال له: قم في رحمة الله، فوقف وكشف رأسه على طريقة الصوفية فسكت. وقال الحافظ ابن خليل الدمشقي: ليس بثقة. وذكره جماعة من الحفاظ، ولم يمتهنه منهم أحدٌ غير ابن خليل. وقال المنذري: نقلت من خطّ المسعودي، ولدت ليلة الثلاثاء غرّة ربيع الآخر، سنة اثنتين وعشرين وخمس مئة (١)، ﵁، وعفا عنه.

стр. 808

٤١٣ - محمد بن عبد الرحيم بن سليمان القيسي الغرناطي أبو حامد (١). كان شيخًا فاضلًا، فقيهًا، أديبًا، شاعرًا. سمع مع الحافظ السِّلفي على عدة من شيوخه. وحدَّث ببغداد، وصنَّف كتاب العجائب (٢) التي رآها بالمغرب. وسمع منه أبو الفضل أحمد بن صالح بن شافع، والقاضي أبو المحاسن القرشي، وغيرهما، وتكلم فيه الحفاظ، والحافظ أبو القاسم ابن عساكر (٣). وقال ابن النجار: قرأت بخط الحافظ يوسف البغدادي أنه تكلم فيه ابن عساكر، والعمدة عليه، فإني ما علمته إلا أمينًا. وقال أبو المواهب الحسن بن صَصْرى: إن سماعه صحيح، وأما الحكايات التي حكاها من العجائب، فالله تعالى أعلم بصحتها. وله شعر، منه قوله ﵀: تكتب العلم وترمي في سفط … ثم لا تحفظ لا تفلح قطُّ إنما يفلح من يحفظه … بعد فهمٍ وتوقٍ من غلط وله شعر:

стр. 809

العلم في القلب ليس العلم في الكتب … فلا تكن مغرمًا باللهو واللعب فاحفظه وافهمه واعمل كي تفوز به … فالعلم لا يُجتنى إلا مع التَّعب مولده سنة ثلاث وسبعين وأربع مئة. وتوفي سنة خمس وستين وخمس مئة، في سادس صفر يوم الخميس. ٤١٤ - محمد بن عبد الرحيم بن محمد الصفي الهندي، الفقيه الشافعي، الأصولي المتكلم (١). كان جده لأمه فاضلًا، فقرأ عليه، وخرج من دهلي في رجب سنة سبع وستين وست مئة، فدخل اليمن، فأكرمه صاحبها الملك المظفر، وأعطاه تسع مئة دينار، وحجَّ وأقام بمكة ثلاثة أشهر، ثم ركب البحر، وقدم ديار مصر سنة سبعين، وأقام بها أربع سنين، ثم توجه إلى الروم، فأقام إحدى عشرة سنة، ودرَّس بقونية وسيواس، واجتمع بالقاضي سراج الدين الأرموي فأكرمه. وخرج من الروم سنة خمس وثمانين، فقدم دمشق، فأقام بها، وتصدى للإشغال، فتخرَّج عليه جماعة من الفضلاء منهم: الشيخ صدر الدين ابن الوكيل، وغيره، ودرَّس بالمدرسة الدَّوْلعية، والمدرسة الرَّوَاحية، والأتابكية، والظاهرية. وكان مقصودًا بالفتاوى.

стр. 810

وصنَّف في أصول الفقه (١) كتابًا جيِّدًا في ثلاث مجلدات، وصنَّف في غير الأصول (٢). وكان متديّنًا متعبدًا، ويحكى عنه حكايات، منها: أنه كان في بعض مدارسه ناظرٌ لا ينصفه، فقال الصفي: هذه المدرسة يُعملُ فيها بآيتين من كتاب الله: ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ﴾ (٣)، والناظر: ﴿لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ﴾ (٤). ولما عُقد مجلس لابن تيمية، عُيِّنَ الصفي لمناظرته، فلما وقع الكلام، قال: له الصفي: أنت عصفور تنطُّ من ها هنا وها هنا. وكان يكتب خطًا في غاية الضعف. وحُكي عنه أنه أُرسل إليه حمل دبْس هدية، فعوَّقه أهل المكوس، فكتب إليهم ورقة فيها: الصفي الهندي حمل دبس إن يك هو هو فهو هو، ونفى بعضهم هذه الحكاية عنه. ولد بالهند، ليلة الجمعة ثالث عشر شهر ربيع الآخر، سنة أربع وأربعين وست مئة. وتوفي بدمشق، في ليلة الثلاثاء سادس عشرين صفر، سنة خمس عشرة وسبع مئة، عفا الله عنه، ورحمة الله عليه. ٤١٥ - محمد بن عبد الرزاق بن رزق الله بن أبي بكر بن خلف بن أبي الهيجاء بن أبي بكر بن عبد الخالق القرشي المخزومي الرسعني، من رأس العين، المنعوت بالشمس، المعروف بابن المحدث الحنبلي (٥).
следующие страницы →