كان فقيهًا فاضلًا أديبًا.
صنَّف تصانيف، منها: "شرح المقامات" (١)، مدَّ فيها الباع وتعصَّب للحريري.
ورحل في طلب الحديث، وسمع بدمشق، وبغداد، وأصبهان، ومرو الرّوذ، والكوفة، والموصل، وكَرْمَان، والإسكندرية، وغيرها.
فسمع من أبي الوقت، والسلفي، وابن عوف، وابن بري النحوي، وخلائق.
روى عنه علي بن المفضل الحافظ، وجماعة كثيرة، والشيخ بهاء الدين علي بن هبة الله بن سلامة الشافعي.
وكان من أظرف المشايخ، وأحسنهم هيئة، وأجملهم لباسًا.
ومولده سنة إحدى وعشرين، كذا قال الحافظ ابن النجار.
وقال الحافظ أبو الحسين العطار: مولده في شهر ربيع الأول، سنة اثنتين وعشرين وخمس مئة، وكذا قال المنذري: سنة اثنتين (٢).
وقال المنذري: توفي يوم السبت تاسع عشرين (٣)، وصلي عليه الظهر.
وقيل: يوم الأحد، سابع عشرين شهر ربيع الأول، سنة أربع وثمانين وخمس مئة.
وقال الحافظ العطار: توفي بدمشق، آخر يوم من شهر ربيع الأول.
وقيل: مستهل ربيع الآخر (٤).
وقال ابن النجار: توفي ليلة السبت، سابع عشرين الشهر.
стр. 807
قال: وكان من الفضلاء في كل فن من الفقه، والحديث، والأدب.
وأورد من شعره قوله أيضًا:
قالت عَهِدتك تبكي … دمًا حذار التنائي
فلم تعوَّضتَ عنها … بعد الدِّماء بماء
فقلتُ ما ذاك مني … لسلوةٍ وعزاء
لكن دُموعي شابت … من طول عمر بُكائي
وذكره المنذري في "تاريخ مصر"، وقال: قدم مصر قديمًا، ثم قدمها ثانيًا رسولًا، وحدَّث بها، وكتب عنه الحافظ السلفي أناشيد، وكان واسع الرواية، كثير الدراية، عالمًا، أديبًا، فاضلًا.
قال: وسألت شيخنا المقدسي: هل كان يُدلِّس؟ فقال: ما يحسن ذلك، يعني: أنه يحتاج إلى معرفة بأشياء.
وجرى منه كلامٌ فاغتاظ السِّلفي، وقال له: قم في رحمة الله، فوقف وكشف رأسه على طريقة الصوفية فسكت.
وقال الحافظ ابن خليل الدمشقي: ليس بثقة.
وذكره جماعة من الحفاظ، ولم يمتهنه منهم أحدٌ غير ابن خليل.
وقال المنذري: نقلت من خطّ المسعودي، ولدت ليلة الثلاثاء غرّة ربيع الآخر، سنة اثنتين وعشرين وخمس مئة (١)، ﵁، وعفا عنه.
стр. 808
٤١٣ - محمد بن عبد الرحيم بن سليمان القيسي الغرناطي أبو حامد (١).
كان شيخًا فاضلًا، فقيهًا، أديبًا، شاعرًا.
سمع مع الحافظ السِّلفي على عدة من شيوخه.
وحدَّث ببغداد، وصنَّف كتاب العجائب (٢) التي رآها بالمغرب.
وسمع منه أبو الفضل أحمد بن صالح بن شافع، والقاضي أبو المحاسن القرشي، وغيرهما، وتكلم فيه الحفاظ، والحافظ أبو القاسم ابن عساكر (٣).
وقال ابن النجار: قرأت بخط الحافظ يوسف البغدادي أنه تكلم فيه ابن عساكر، والعمدة عليه، فإني ما علمته إلا أمينًا.
وقال أبو المواهب الحسن بن صَصْرى: إن سماعه صحيح، وأما الحكايات التي حكاها من العجائب، فالله تعالى أعلم بصحتها.
وله شعر، منه قوله ﵀:
تكتب العلم وترمي في سفط … ثم لا تحفظ لا تفلح قطُّ
إنما يفلح من يحفظه … بعد فهمٍ وتوقٍ من غلط
وله شعر:
стр. 809
العلم في القلب ليس العلم في الكتب … فلا تكن مغرمًا باللهو واللعب
فاحفظه وافهمه واعمل كي تفوز به … فالعلم لا يُجتنى إلا مع التَّعب
مولده سنة ثلاث وسبعين وأربع مئة.
وتوفي سنة خمس وستين وخمس مئة، في سادس صفر يوم الخميس.
٤١٤ - محمد بن عبد الرحيم بن محمد الصفي الهندي، الفقيه الشافعي، الأصولي المتكلم (١).
كان جده لأمه فاضلًا، فقرأ عليه، وخرج من دهلي في رجب سنة سبع وستين وست مئة، فدخل اليمن، فأكرمه صاحبها الملك المظفر، وأعطاه تسع مئة دينار، وحجَّ وأقام بمكة ثلاثة أشهر، ثم ركب البحر، وقدم ديار مصر سنة سبعين، وأقام بها أربع سنين، ثم توجه إلى الروم، فأقام إحدى عشرة سنة، ودرَّس بقونية وسيواس، واجتمع بالقاضي سراج الدين الأرموي فأكرمه.
وخرج من الروم سنة خمس وثمانين، فقدم دمشق، فأقام بها، وتصدى للإشغال، فتخرَّج عليه جماعة من الفضلاء منهم: الشيخ صدر الدين ابن الوكيل، وغيره، ودرَّس بالمدرسة الدَّوْلعية، والمدرسة الرَّوَاحية، والأتابكية، والظاهرية.
وكان مقصودًا بالفتاوى.
стр. 810
وصنَّف في أصول الفقه (١) كتابًا جيِّدًا في ثلاث مجلدات، وصنَّف في غير الأصول (٢).
وكان متديّنًا متعبدًا، ويحكى عنه حكايات، منها: أنه كان في بعض مدارسه ناظرٌ لا ينصفه، فقال الصفي: هذه المدرسة يُعملُ فيها بآيتين من كتاب الله: ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ﴾ (٣)، والناظر: ﴿لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ﴾ (٤).
ولما عُقد مجلس لابن تيمية، عُيِّنَ الصفي لمناظرته، فلما وقع الكلام، قال: له الصفي: أنت عصفور تنطُّ من ها هنا وها هنا.
وكان يكتب خطًا في غاية الضعف.
وحُكي عنه أنه أُرسل إليه حمل دبْس هدية، فعوَّقه أهل المكوس، فكتب إليهم ورقة فيها: الصفي الهندي حمل دبس إن يك هو هو فهو هو، ونفى بعضهم هذه الحكاية عنه.
ولد بالهند، ليلة الجمعة ثالث عشر شهر ربيع الآخر، سنة أربع وأربعين وست مئة.
وتوفي بدمشق، في ليلة الثلاثاء سادس عشرين صفر، سنة خمس عشرة وسبع مئة، عفا الله عنه، ورحمة الله عليه.
٤١٥ - محمد بن عبد الرزاق بن رزق الله بن أبي بكر بن خلف بن أبي الهيجاء بن أبي بكر بن عبد الخالق القرشي المخزومي الرسعني، من رأس العين، المنعوت بالشمس، المعروف بابن المحدث الحنبلي (٥).
стр. 811
كان أديبًا شاعرًا، حسن الأخلاق، لطيفًا ظريفًا، متوددًا إلى الناس، متواضعًا، كثير المزاح والانشراح.
سمع من أبي الحسن روزبَه، وعبد اللطيف بن القبيطي، وأبي عبد الله محمد بن المني، وجماعة، وبدمشق من كريمة، والحافظ الضياء المقدسي.
كتب عنه جماعة، منهم العلامة أبو حيان، وأنشدنا عنه قوله:
أأحبابنا إن جادت المزن أرضكم … فما هي إلا من دموعي تقطر
وإن لاح برق فهو نار أضالعي … وإن ناح وُرْق عن حنيني يخبر
وإن نسمت ريح الصبا وتأرَّجت … فمن طيب أنفاسي بكم تتعطر
وإن رنَّحت أغصان دجلة وانثنت … فعني بإبلاع السلام تبشر
ومن عجب أني أكتم لوعةً … وأودعها طي الصبا وهي تنشر
أجيرة شاطيء النَّهر إن شطت النوى … فكم ليَ من شاطي دموعي أنهر
ويا ساكني الحدباء ساكن لوعتي … يحرِّكه من عامل الشوق مضمر
وهبكم نسيتم لا نسيتم عهودنا … فمالي من إشفاق قربى تذكُّر
وهب أنَّ بعد الدار يورث جفوةً … ولكن ولا بقيا حنين تؤثر
ولولا رجائي أن جامع وصلكم … يراض بأيدٍ من غرام ويزجر
ويسفر ليلُ الهجر عن فجر وصلكم … وتورق أغصان الأماني وتثمر
لجدت بنفسي أن تسرَّ حياتها … وإني إذا لم أقض شوقًا مقصِّرُ
وهي مطولة.
وأنشدنا عنه أيضًا قوله: شعر
стр. 812
أعيذ قلبك من همٍّ ومن فكر … وطرفك البابلي السحر من سهر
ولو علمت سهادي أو ضنى … ما كان قلبك لي أقسى من الحجر
أطلت ليلي فلا أرجو له سحرًا … روحي فداك وهل ليلٌ بلا سحر
ما أومض البرق من علياء كاظمةٍ … إلا وسحَّت له الأجفان بالمطر
شوقًا إلى بارقٍ بالثغر مطلعه … في باردٍ شبم من ريقك الخصر
أجرى له لؤلؤًا في فيك منتظمًا … يمطي عقيق على الخدين منتثر
ولا سرت نسمة تثنى الغصون لها … في طيِّها أرَجٌ من نشرك العطر
إلا وهمت بها وجدًا ورنَّحني … شوقٌ إلى مائسٍ من قدك النضر
يا ظلم من قال أنت الشمس طالعةٌ … كم في جبينك من شمسٍ ومن قمر
منها:
واستعبَرت أعين الوادي لغيبتكم … واستوحش الورق بين البان والسمر
شدا بلحن تذيب الصخر رقَّته … شوقًا إليكم على عالٍ من الشجر
وقوله:
ولو أن إنسانًا يبلغ لوعتي … وشوقي وأشجاني إلى ذلك الرشا
لأسكنته عيني ولم أرضها له … ولولا لهيب القلب أسكنته الحشا
قال: وأنشدنا لنفسه مما نظمه في المنام، وهو قوله أيضًا:
ما ابيضَّ من لمتي سوداء من عمري … إلا وقد سوَّدت بيضاء في الصحف
ولا خلوت مدى الأيام من تعبٍ … إلا ورُحت به صبًّا أخا كلف
وليس لي عملٌ أرجو النجاة به … إلا الرسول وحبي ساكن النَّجف
стр. 813
ولما رجع من القاهرة، غرق في الشريعة (١) في يوم الأحد ثاني عشرين جمادى الآخر، سنة تسع وثمانين وست مئة.
ومولده ثالث عشرين ربيع الآخر، سنة إحدى وعشرين.
٤١٦ - محمد بن عبد الصمد بن عبد القادر السنباطي، المنعوت بالقطب، الفقيه الشافعي (٢).
سمع الحديث من الحافظ الدمياطي، وقاضي القضاة أبي عبد الله محمد بن إبراهيم الحموي، وغيرهما، وتفقه بالشيخ تقي الدين ابن رزين، والظهير التزمنتي.
وبرع في مذهب الشافعي، وأفتى، ودرَّس، وتصدَّر للاشتغال، وانتفع به الطلبة.
وكان كثير النقل، حافظًا لفروع المذهب، ساكنًا متديِّنًا.
وناب في الحكم بالقاهرة، وولي وكالة بيت المال بالديار المصرية، ودرَّس بالمدرسة الفاضلية، والمدرسة الحسامية، وأعاد بالمدرسة الصالحية، وما برح يَشتَغل ويُشْغِل إلى حين وفاته.
وصنف "تصحيحًا لكتاب التعجيز" (٣)، و"أحكام المبعض" (٤)، ومضى على جميل.
وتوفي في يوم الجمعة، رابع عشرين ذي الحجة، سنة اثنتين وعشرين وسبع مئة.
ومولده بشُبْرا من عمل الغربية، سنة ثلاث وخمسين وست مئة ظنًا.
стр. 814
٤١٧ - محمد بن عبد العظيم بن علي بن سالم المصري، ينعت بالجمال، ويعرف بابن السقطي، الفقيه الشافعي القاضي (١).
كان رئيسًا عاقلًا، لبيبًا وقورًا، متدينًا، من قضاة العدل، سلك في القضاء أحسن سيرة، وسار سيرًا يرضاه عالم العلانية والسريرة.
تولَّى نيابة الحكم بمصر، والجيزة، وبالقاهرة، والقليوبية سنين كثيرة، ومدة كبيرة لم يُؤخذ عليه في حكمٍ حكمه، ولا نُقِض عليه أمرٌ أبرمه، لتيقُّظه وتثبته، وتحريزه ونزاهته.
بلغني أنه شهد عنده جماعةٌ في قضية، فتثبت فيها، ثم ركب إلى القرافة فقرأ على قبر المشهود عليه تاريخ وفاته ورجع، فحضروا إليه وطلبوا منه الحكم، فقال: امضوا إلى قبره واقرأوا تاريخ وفاته، فوجموا منه وتركوه.
وحكى لي العالم الثقة أبو إسحاق إبراهيم الإسنائي قاضي قوص، قال: وقعت لشخص عنده قضية احتيج فيها إلى التعريف بحاله، فقال له: أحضر من يُعرِّف بك، فأحضر الشيخ علاء الدين الباجي، فقام إليه وأجلسه معه وبجَّله، فقال ذاك الشخص: سيدي علاء الدين يُعرِّف بي، فقال القاضي: سيدي علاء الدين أكبر من ذلك، امض وآتِ بمن يُعرِّف بك.
وجاء إليه الملطي قاضي العسكر ومدرس الظاهرية ليشهد عنده، فلما رآه مقبلًا قام ولبس مداسه، وراح من الناحية الأخرى، فقال له الملطي: أنا مثل أصلك، ولم يسمع شهادته.
وقال لي صاحبنا أبو عبد الله محمد الإخميمي الشهير بابن القاسح: طلبت من قاضي
стр. 815
القضاة الشيخ تقي الدين القشيري ولاية العقود بالقاهرة، وسألته أن يفوض ذلك إلى ابن السقطي أن يولّيني، فقال: ما يفعل، فقلت: بلى يفعل، فقال: أنا أقرب في ذلك منه.
وكان محتاطًا في أحواله، كانت له بنتٌ متزوجة بقليوب، وكان يروح إلى قليوب وهي في ولايته، فيرسل إلى الشرائحي يطبخ له، فقال له صهره: يا سيدنا أرسل اللحم والحوائج إلى بيتك، فقال: لا، ما أفعل، يرى الناس طبقًا جاء من عندكم وما يعلمون أن الحوائج من عندي.
وأخبرني الشيخ تقي الدين محمد الشهير بابن الصائغ المقرئ، وهو ابن عم القاضي جمال الدين، قال: لما ولى القضاء صدر الدين ابن بنت الأعز، رسم أن لا يجلس أحدٌ بحوانيت الشهود حتى يعرف حاله، فقام الناس وجئت إلى القاهرة، فرأيت خلائق وزحمة، فقال شخص لرفيقه: هذا أول من يجلس بمصر، فإن ابن عمه ابن السقطي يعرف به، والقاضي يرجع إليه، قال: فزاحمت إلى ان اجتمعت به، فقال: ارجع إلى مصر واجلس، فقلت ما أروح إلى القاضي، فقال: لا، فسألته أن يحكي لي ما قال، فقال: وقع ذكرك في المجلس فأثنى عليك الوجيه البهنسي والعماد ابن الشكري، فقلت: ما قلت أنت؟ قال: لما شكراك التفت إلي القاضي، فقلت: هو ابن عم المملوك، فقال: يجلس.
وأخبرني القاضي أبو الطاهر إسماعيل السفطي، قال: لما ولي قاضي القضاة بدر الدين ابن جماعة القضاء بالديار المصرية، في سنة اثنتين وسبع مئة، كنت قاضيًا بقوص، فتوقف في ولايتي، وذكرني له جماعة، وطالت القضية فصرت إلى مصر، وسألت صهري الشيخ تقي الدين الصائغ عن القاضي جمال الدين هل ساعدنا أو ذكرني؟ فقال: قلت له، وقال: ما أتكلم إلا إذا سألني القاضي.
قال: واتفق أني أقمتُ بمصر أيامًا وولاني القاضي، وكتب التقليد وأحضر إليه، فالتفت إلي ابن السقطي، وقال هذا تقليد قوص، كيف نعمل ما تهيأ لنا غير من بها، فقال له: أرى سيدنا يتكره القضية، هذا فلان جرب فصحَّ، فعلم القاضي على التقليد وأعطاه له.
стр. 816
وكان يدرس بالمدرسة الطيبرسية بمصر، وبالجامع الأقمر بالقاهرة.
سمع الحديث من العلم ابن الصابوني، وأجاز له ابن باقا.
وخرَّج له "مشيخة" التقي عبيد الإسعردي، وسمع منه هو وجماعة.
وترك القضاء مدة، فلما ولى قاضي القضاة ابن جماعة، بعث إليه وكلَّفه، واستمر فيه مدة، وتركه، ومضى على جميل وفضل جزيل.
وكان يتفقَّد كتب الأوقاف ويشتري الرقوق ويثبتها، وإن كان الشهود أمواتًا سعى في إثباتها عند المالكية، ويصرف من عنده في ذلك ما يحتاج إليه، وسيجده نورًا يسعى بين يديه.
توفي ليلة الاثنين، حادي عشر شعبان، سنة سبع وسبع مئة.
ومولده سنة اثنتين أو ثلاث وعشرين وست مئة، عفا الله عنه، ورحمة الله عليه.
٤١٨ - محمد بن عبد المحسن بن أبي الحسن بن عبد الغفار الأزجي، المنعوت بالعفيف، والمكنى بأبي عبد الله، والمعروف بابن الدواليبي البغدادي، الفقيه الحنبلي (١).
كان فيه أدبٌ، وله نظمٌ ونثرٌ، وكان متديِّنًا صيِّنًا، قائمًا بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ويعظُ الناس، ووليَ مشيخة الحديث بالمدرسة المستنصرية ببغداد.
سمع الحديث من إبراهيم بن محمود بن غانم بن الخير، وأبي عبد الله محمد بن أبي البدور، وأبي الفضائل الأعزِّ بن فضائل، وأبي القاسم يحيى بن أبي السعود بن القميرة، وأخيه، وأحمد، وعجيبة بنت الحافظ أبي بكر بن محمد بن غالب، ويوسف ابن الحافظ أبي الفرج ابن الجوزي، وغيرهم.
стр. 817
وحدَّث؛ سمع منه الأنجب بن الكسَّار، وأبو عبد الله محمود بن أبي بكر الفرضي، وأحمد بن علي بن عبد الله القلانسي، وابن الفوطي، والحافظ أبو الحجاج المزي، والحافظ أبو عبد الله محمد بن أبي محمد، وأبو العباس أحمد بن الذهبي، والبرزالي، ومحمود الدقوقي، والنصير ابن الكتبي، وجمعٌ كثير من أهل بغداد والشام، وغيرهم.
ومن نظمه قوله، ﵁، وأعاد من بركاته:
ساعات ذكرك للنفوس خمار … وحديث حبك في الدجى خمَّار
ولقد خلونا والحبيب نديمنا … والوقت صافٍ والكؤوس تدار
بين الحبيب وبين أرباب الهوى … وقلوبهم ومدامهم أسرار
أبياتا كثيرة.
ونقلت من خط بعضهم من نظمه، قوله:
كم قد صفت لقلوب القوم أوقات … وكم تقضَّت لهم بالليل لذَّاتُ
فالليل دسكرة العشَّاق يجمعهم … ذكر الحبيب وصرف الدمع كاسات
ماتوا فأحياهم إحياءُ ليلهم … ومن سواهم أناسٌ بالكرى ماتوا
لما تجلَّى لهم والحجب قد رُفعت … تهتَّكوا وصبت منهم صبابات
وغيبتهم عن الأكوان في حجبٍ … وأظهرت سر معناهم إشارات
ساقي القلوب هو المحبوب يشهده … صبٌّ له بقيام الليل عادات
إذا صفا الوقت خافوا من تكدُّره … وللوصال من الهجران آفات
ونظم المواليا، وكان وكان (١).
стр. 818
ومولده سنة سبع وثلاثين وست مئة.
وتوفي يوم الخميس، ودفن يوم الجمعة، خامس عشرين جمادى الأولى، سنة ثمان وعشرين وسبع مئة ببغداد، رحمة الله عليه، و- ﵁.
٤١٩ - محمد بن عبد الملك بن محمد الكرجي (١).
من الكَرَج، أحد بلاد الجبل، كان من فضلاء وقته.
أخذ عن أبي منصور محمد بن أحمد الأصبهاني، ثم الكرجي الفقيه الزاهد، وعن الشيخ أبي إسحاق الشيرازي (٢).
قال شيرويه: كان أبو الحسن ثقةً فاضلًا.
وكتب عنه السمعاني الكثير، وأورد من شعره قوله:
تناءت داره عني ولكن … خيال جماله في القلب ساكن
إذا امتلأ الفؤاد به فماذا … يضرُّ إذا خلت منه المساكن
وقوله أيضًا شعر، ﵀:
والعلم ما كان فيه قال حدثنا … وما سواه أغاليطٌ وإظلامٌ
دعائمُ الدِّين آياتٌ مبيَّنةٌ … وبينات من الأخبار إعلام
стр. 819
قول الإله وقول المصطفى وهما … لكل مبتدعٍ قهر وإرغام
ولد في الحجة، سنة ثمان وخمسين وأربع مئة.
وتوفي في شعبان، سنة اثنين وثلاثين وخمس مئة، عفا الله عنه.
٤٢٠ - محمد بن عبد الله الشهرزوري، المنعوت بالكمال، المكنى بأبي الفضل، قاضي الشام، الفقيه الشافعي (١).
كان عالمًا فاضلًا.
سمع من ابن خميس الموصلي، وتفقه ببغداد على أسعد الميهني.
وكان أديبًا شاعرًا، ومن نظمه قوله: شعر
وجاءوا عشاءً يهرعون وقد بدا … بجسميَ من داء الصبابة ألوان
وقالوا وكلٌّ معظم بعض ما رأى … أصابتك عينٌ قلت إنَّ وأجفان
وله:
قلت له إذ رآه حيًّا … ولامه واعتدى جدالا
خفى نحولًا عن المنايا … أعرض عن حجَّتي وقالا
الطيف كيف اهتدى إليه … قلتُ خيالٌ أتى خيالا
وله:
стр. 820
ولي كتائب أنفاسٍ أجهِّزها … إلى جنابك إلا أنها كتبُ
ولي أحاديث من نفسٍ أسرُّ بها … إذا ذكرتك إلا أنها كذب
ولد بالموصل، سنة اثنتين وتسعين وأربع مئة.
وتوفي بدمشق، يوم الخميس سادس المحرم، سنة اثنتين وسبعين وخمس مئة، رحمة الله عليه.
٤٢١ - محمد بن عبد الله بن عبد الله بن مالك الطائي الجيَّاني، المنعوت بالجمال (١).
شيخ زمانه في علم العربية واللغة.
قرأ القراءات، وسمع الحديث من مُكرم، وأبي صادق الحسن بن يحيى، وأبي الحسن السخاوي، وغيرهم.
وقرأ النحو على ثابت بن الخيار الجياني، وأقام بحلب مدة يشتغل بالنحو.
وقرأ الفقه على مذهب الشافعي، وكان يميل إلى مذهب أهل الظاهر.
وكان كثير العبادة والصمت والوقار، ثقة صدوقًا، وأقام بدمشق إلى حين وفاته.
وصنَّف في النحو، واللغة، والتصريف، والقراءات.
стр. 821
وقرأ عليه الفضلاء والأعيان، منهم الشيخ العلامة محيي الدين النووي، وابن العطار، وقاضي القضاة أبو عبد الله ابن جماعة، والشهاب محمود، والفارقي.
وصنَّف "الألفية" (١)، والمنظومة المسماة بـ "الكافية" (٢)، و"شرحها" (٣)، و"التسهيل" (٤)، وشرح منه ثلاثة أخماسه (٥)، و"العمدة" (٦)، و"شرحها" (٧)، و"المثلث في اللغة" (٨)، و"قصيدة" أيضًا في اللغة، و"كتابين في التصريف"، و"الفرق بين الضاد والظاء" (٩)، ومنظومتين في القراءات: "دالية" (١٠)، و"لامية"، وكتاب "إكمال الإعلام بتثليت الكلام" (١١)، وكتاب "المقصور والممدود" (١٢)، وكتاب "فعل وأفعل"، و"النظم الموجز في
стр. 822
ما يهمز ولا يهمز" (١)، و"التوضيح على ما وقع في كتاب الصحيح" (٢).
وأملى على قاضي القضاة ابن جماعة التحفة.
وأفاد كثيرًا، وأبرز علمًا غزيرًا، وانتفع الناس به وبمصنفاته إلى حين وفاته، وبعد وفاته.
ومولده بجيان من الأندلس، سنة ست مئة، أو إحدى وست مئة.
وتوفي بدمشق، ليلة الأربعاء ثاني شهر رمضان، سنة اثنتين وسبعين بالمدرسة العادلية، ودفن ثالث رمضان بتربة ابن الصائغ.
ورثاه العلامة بهاء الدين ابن النحاس الحلبي، رحمة الله عليه، بهذه الأبيات:
قل لابن مالك إن جرت بك أدمعي … حمرًا يحاكيها النجيع القاني
فلقد جرحت القلب حين نُعيت لي … فتدفقت بدمائها أجفاني
لكن يُهوِّن ما أجنُّ من الأسى … علمي بنقلته إلى رضوان
٤٢٢ - محمد بن عبد الله بن عبد العزيز بن عمر الزناتي المازوني، المنعوت بالمحيي، والمعروف بحافي رأسه النحوى (٣).
أخذ النحو عن الأعز أبي محمد عبد العزيز عرف بالجراد، وأبي محمد عبد الله المهدوي شارح الجمل، وأبي زيد ابن الزيات.
стр. 823
وتصدر بالإسكندرية، قرأ عليه العلامة أبو العباس أحمد بن المنير، والقاضي عماد الدين الكندي، وطلبة الإسكندرية.
حكى الكندي عنه أنه قال: قرأت النحو، وجلست في مسجد الإقراء، فمُنِعت من ذلك، وقالوا: لا تُقرئ إلا بإذن من شيخ، فدُلِلْتُ على شخص قزاز مشهور بالصلاح، وقيل لي: إنه صاحب الخزرجي، خذ كتابه إليه، فرحت إليه وقلت له: إني فقير، وقصصت عليه القصة، فكتب لي كتابًا، وأعطاني رغيفين وجُبَّته، ومشيت إلى مصر، وسألت عن الخزرجي، فقرأ الكتاب، وسألني عن مسائل، فأجبت، فكتب إلي أن أقرِئ، فرجعت إلى الإسكندرية وأقرأت.
وله نظم، منه قوله: شعر
إن شهر الصيام شهرٌ كريمٌ … وقِرى الضَّيف لازمٌ للكرام
وهو راضٍ بصومه هل سمعتم … قبله الضيف راضيًا بالصيام
وله أيضًا من خمرية قوله، شعر:
لم تبتدر بدر الحباب بكأسها … إلا لصيدِ بلابل الأرواح
مزجت فأنجزت الذي وعدت به … من نفخ روح اللهو في الأشباح
ومما كتب به إلى نور الدين الصوابي، وهو قوله أيضًا:
شكوت إليك نور الدين حالي … وحسبي أن أرى وجه الصَّواب
فكُتْبي بعتها ورهنت حتى … رجعت من المجوس بلا كتاب
أورد ذلك كله له الموفق أبو بكر عبد الله بن عمر الأنصاري في كتابه "نسيم البان".
وقوله أيضًا:
ومعتقدٍ أن الرياسة في الكبرِ … فأصبح ممقوتًا بها وهو لا يدري
стр. 824
يجرُّ ذيول العجب طالب رفعة … ألا فاعجبوا من طالب الرَّفع بالجر
توفي بالإسكندرية، في سنة إحدى وتسعين وست مئة (١).
وله ولدٌ ينعت بالتاج، تكلم معه ابن طاهر الشاعر، فنظم فيه ابن طاهر قوله: شعر
كذَّب الناس دعيَّا … قد نفاه الاحتجاجُ
ليس هذا لأبيه … ما لحا في الرأس تاج
٤٢٣ - محمد بن عبد الله الداني المحتد، الإشبيلي المولد، أديب شاعر (٢).
ذكره ابن سعيد، وقال: كان كثير الهجو والوقوع في الناس، جالسته مرات، ثم تركته خشية أن تصلني منه مضرة، ثم بلغ السلطان ابن الأحمر أنه يعامله بتلك المعاملة، وخرق في خدمته سرَّ المجاملة، فصلبه على نهر قرطبة، والقلم مربوط ببنانه، ليعلم أنَّ ضارب عنقه سيف لسانه، وذلك في سنة إحدى وثلاثين وست مئة.
وأورد من شعره قصيدة في حاله، منها: أولها قوله:
قد كنت في قربك ذا غلظةٍ … وسقطةٍ في الدهر لا تستقال
أدعوك بالخال ولكنها … مردفة بالداء عند المقال
أنسيت ما تذكره نادمًا … يا تاركي عند اختبار الرجال
لكل شخص في الورى لقيةٌ … تخرج والأيام مثل الخيال (٣)
стр. 825
٤٢٤ - محمد بن عبد الله بن محمد بن عبد الله بن أحمد بن محمد بن عبد الله القاضي أبو بكر ابن العربي المعافري الإشبيلي (١).
ذكره الحافظ ابن بشكوال، وقال عنه: الإمام الحافظ المستبحر، ختام علماء الأندلس، وآخر أئمتها وحفاظها، لقيته بمدينة إشبيلية، وأخبرني أنه رحل مع أبيه إلى المشرق سنة خمس وثمانين وأربع مئة، ودخل معه الشام، ولقي به أبا الوليد الطرطوشي، وتفقه عنده، ودخل بغداد، فسمع بها من أبي الحسين المبارك بن عبد الجبار، والشريف أبي الفوارس طراد بن محمد الزينبي، وأبي بكر ابن طرخان، وغيرهم، ثم حج سنة تسع وثمانين، وسمع بمكة من أبي علي الحسين الطبري، وغيره، ثم عاد إلى بغداد، وصحب بها أبا بكر الشاشي، وأبا حامد الطوسي الغزالي، وغيرهما من العلماء والأدباء، وأخذ عنهم وتفقه عندهم، ولقي بمصر والإسكندرية جماعة من المحدثين، وكتب عنهم، واستفاد منهم وأفادهم، وعاد إلى الأندلس سنة ثلاث وتسعين، وقدم بلدة إشبيلية بعلم كثيرٍ، لم يُدخله أحدٌ قبله ممن كانت له رحلة إلى المشرق.
стр. 826
وكان متفننًا في العلوم، متقدمًا في المعارف كلها، متكلمًا في أنواعها، نافذًا في جميعها، حريصًا على أدائها ونشرها، ثاقب الذهن في تمييز الصواب منها، ويجمع إلى ذلك آداب الأخلاق، وحسن المعاشرة، وكثرة الاحتمال، وكرم النفس، وحسن العهد، وثبات الودِّ.
واستُقضيَ ببلده، فنفع الله به أهلها لصرامته وشدة بأسه، وقوة أحكامه، وكانت له في الظَّلَمة سورة مرهوبة، ثم صُرف عن القضاء، فأقبل على نشر العلم.
سمعت منه بإشبيلية وقرطبة كثيرًا من رواياته وتآليفه.
وسألته عن مولده فقال: ولدت ليلة الخميس، لثمان بقين من شعبان، سنة ثمان وستين وأربع مئة. انتهى (١).
ولابن العربي مصنفات، منها: "أنوار الفجر" (٢)، في تفسير القرآن الكريم، في مئة مجلد، و"شرح الترمذي" (٣)، في أربع مجلدات، و"أحكام القرآن" (٤)، وله "العواصم من
стр. 827
القواصم" (١)، مجلدة، وله "القبس في شرح موطأ مالك بن أنس" (٢)، في مجلدين، وله "كتاب على ترتيب كتاب الشهاب" (٣) للقاضي القضاعي، إلا أنه لم يذكر فيه إلا الصحيح، وله "الرحلة" (٤)، وهو يحيل عليها في مصنفاته.
وله شعر، منه ما نظمه، وقد مرَّ به فتى من أبناء الروم عليه طلاوة الحسن وبهاؤه، وبيده شمعة، فنظر القاضي إليه، وقال ارتجالًا قوله: شعر
وشمعة يحملها شمعة … يكاد يطفئ نوره نارها
لولا نهى نفسي نهى غيَّها … لقبّلته وأتت عارها
فقال أبو عمران موسى بن حسين الزاهد: لو كنت أنا لقلت:
لولا الحياء وخوف الله يمنعني … وأن يقال صَبا موسى على كبره
إذن لأمتعت لحظي من نواظره … حتى أوفِّيَ حق اللحظ من نظره
ذكر ذلك الأبار في "سنده" (٥).
وتوفي بالعدوة، ودفن بمدينة فاس، في ربيع الآخر، من سنة ستٍّ وأربعين وخمس مئة (٦)، رحمة الله عليه.
стр. 828
٤٢٥ - محمد بن عباس بن محمد بن أحمد بن عبيد بن صالح الربعي الدُّنيْسري الطبيب، المنعوت بالعماد (١).
كان فاضلًا في الطب، وله معرفة بالأدب والتاريخ، وله النظم الجيد.
سمع الحديث، وروى عن ابن المقير، وجماعة من أصحاب الحافظ السلفي، وصحب البهاء زهير ولازمه، ثم صحب الصاحب فخر الدين ابن لقمان.
وحدث بشيء من شعره، ومنه قوله:
فيم التعلل بالألحاظ والمقل … وكم أشير إلى الغزلان والغزل
وكم أعرِّض عن فرط الغرام به … عن قدِّه بغصون البان في المَيَل
ما لذة العيش إلا أن أكون كما … قد قيل في ما مضى في سالف المثل
صرَّحت باسمك يا من لا شبيه له … أنا الغريق فما خوفي من البلل
معقرب الصّدغ في تكوين صورته … معنىً يجلُّ عن الإدراك بالمقل
وطرفه سحر هاروتٍ ومقلته … أعارت الظبي ما فيه من الكحل
إن رمت أن تنظر الأقمار طالعةً … على قوامٍ كغصن البان معتدل
فانظر إلى وجهه تبدو محاسنه … كالبدر في التمِّ أو كالشمس في الحمل
أو رمت أن تنظر العشَّاق كلهم … فانظر إليَّ ترى العشّاق في وجل
стр. 829
يا واحد الحسن طرفي منك في غرقٍ … والجسم في حرقٍ والقلب في وجل
أرسلت عارض خدٍّ بات يظلمني … يعامل القد أو بالناظر الكَحِل
ونمت عن عاشقٍ جدَّ الغرام به … مبلبل البال بين الخوف والأمل
دعاه داعي الهوى من كل ناحيةٍ … فجاء يسعى بلا عجزٍ ولا كسل
وله أيضًا قوله: شعر
كم ليلةٍ بتُّ أستجلي المدام على … وجه الحبيب وبدر التمِّ في السجف
حتى إذا أخذت منه المدامة … والواشون في غفلةٍ عنا فلم نخف
عانقته عندما قبلت مبسمه … حُبًّا له كاعتناق اللام للألف
وله أيضًا صدر كتاب إلى بعض الأحباب، قوله: شعر
وما تأخر كُتْبِي عنكم مللًا … مني ولي عندكم عهدٌ وميثاق
ولا نسيت هواكم بعد ما نزحت … عنا الديار وفي الأحشاء إحراق
لكنني كلما ناحت مطوَّقة … وهزها في ظلام الليل أشواق
عجزتُ عن حمل ما ألقاه من حرقٍ … فكيف تحمله كتبٌ وأوراق
وله:
هذا العقيق وهذه كتبانه … فظباؤه تسبيك أم غزلانه
أم أنت مفتونٌ بعامل قدِّ من خضعت لحسن قوامه أغصانه
ظبيٌ له بين الجوانح مسكنٌ … وبمهجتي دون الأنام مكانه
أشتاقه والوجد يشهد بالجوى … ويقيمُ برهان الهوى وسنانه
стр. 830
وإذا اعتبرت فكل عضوٍ ناطق … مني بوجدي والدموع لسانه
وإذا سألت الجسم عن برحائه … ردَّ الجواب عليك منه عيانه
فلأيِّ حالٍ لا ترقُّ لعاشقٍ … نمَّت بفرط غرامه أجفانه
وغدا وفيه للصبابة موضعٌ … لا يهتدي لمكانه سلوانه
مولده بدُنَيْسر، سنة ست وست مئة.
وتوفي بدمشق، يوم الثلاثاء من صفر، سنة ست وثمانين وست مئة، عفا الله عنه، ورحمة الله عليه.
٤٢٦ - محمد بن عبد الرحمن بن المعالي بن منصور بن الحسين بن أحمد القزويني، المكنى بأبي عبد الله (١).
ترجمه الإمام أبو القاسم الرافعي، فقال: كان له حظ موفور من العربية، والتفسير، والفقه، والفرائض، والشعر، والترسل، والشروط، وغير ذلك.
سمع الحديث من الإمام ملكداد بن علي، وهو آخر من حدث عنه، وسمع من أبي الفضل خليفة بن إسماعيل، وأقرانهما بقزوين، وسمع بأصبهان من أبي مسعود المعروف بكوتاه، وأجاز له الفراوي، والأرغياني، وهبة الله السندي، وغيرهم.
وحدَّث بعد انقراض أقرانه في الحديث، فسمع منه البلديون والغرباء، وتردّدوا إليه، وراجعه الخواص والعوام في الفتاوى، وغيرها.
وكانت له كتابة جيدة، وعبارة حسنة، وطبع مستقيم، وقريحة صائبة، وهمَّةٌ، وعزة نفس، ووقعٌ في ما بين الناس، ورأيٌ يستمد منه في المشاورات، وكان يجيد في كتب
стр. 831
الوثائق، ويؤدي فيها المعاني الكثيرة في ألفاظ مختصرة، وكان ذلك فنه وفن أبيه من قبله، وعلى قلمه في شبابه وكهولته اعتماد معارف البلد والقضاة.
ثم إنه ضعف في آخر عمره، وفترت حواسه أعوامًا، فصار لا يخرج من بيته، ولا يُنتَفع به، وكان قد رُزِق كفافًا فقنع به، ولم يشرع قط في ما لا يليق بأهل العلم.
قال: وكان في ما بلغني رطب اللسان بذكر الله إلى أن برد، ورثيته بأبيات.
ومولده في المحرم، سنة عشرين وخمس مئة.
وتوفي آخر يوم من سنة إحدى عشرة وست مئة (١).
٤٢٧ - محمد بن عبد الله بن أبي بكر القضاعي الأبار أبو عبد الله (٢).
الحافظ المشهور، الأديب المذكور، والمؤرخ المعروف، والكاتب الموصوف.
سمع من أبيه، ومحمد بن أيوب بن نوح، وأبي الخطاب ابن دحية، وأبي سليمان داود ابن حوط الله، وأبي الربيع ابن سالم، ولازمه.
وكتب عن ولاة بلنسية، وورد رسولًا حين أخذ النصارى تلك الجهات، وأنشد قصيدته السينية.
стр. 832
أنشدنا العلامة أبو حيان محمد الغرناطي، أخبرنا الخطيب أبو عبد الله محمد بن صالح، وغير واحد إذنًا عن الأبار المذكور بهذه القصيدة، يستنجد بها الأمير أبا زكرياء يحيى بن عبد الواحد ابن أبي حفص الهنتاتي، صاحب إفريقية، أولها قوله: شعر
أدرك بخيلك خيل الله أندلسا … إن السبيل إلى منجاتها درسا
وهب لها من عزيز النصر ما التمست … فلم يزل منك عزُّ النصر ملتمسا
وحاش مما تعانيه حُشَاشتها … فطالما لاقت البلوى صباح مسا
ما للجزيرة أضحى أهلها جُزرًا … للنائبات وأمسى جدها تعسا
في كل شارقةٍ إلمام بارقةٍ … يعود مأثمها عند العدى عُرُسا
وكل غاربةٍ إجحاف نائبةٍ … يرى الأمان حذارًا والسرور أسى
تقاسم الروم لا نالت مقاسمهم … إلا عقائلها المحجوبة الأنسا
وفي بلنسية منها وقرطبة … ما ينسف النفس أو ما ينزف النفسا
مدائنٌ حلّها الإشراك مبتسما … جَدْلان وارتحل الإيمان مبتئسا
وصيَّرتها العوادي العابثات بها … يستوحش الطرف منها ضعف ما أنسا
فمن دساكر كانت دونها حرمًا … ومن كنائس كانت قبلها كنسا
ما للمساجد عادت للعدى بيعًا … وللنداء يرى أثناءها جرسا
لهفًا عليها إلى استرجاع فائتها … مدارسًا للمثاني أصبحت دُرُسا
وأربُعًا لعبت أيدي الربيع بها … ما شئت من خلعٍ موشية وكُسى
كانت حدائق للأحداق مونقةٍ … فصوَّح النصر من أداوحها وعسا
وحال ما حولها من منظر عجبٍ … يستجلس الركب أو يستركب الجلسا
стр. 833
سرعان ما عاث جيش الكفر واحربا … عيث الدبا في مغانيها التي كنسا
وابتز بزتها مما تحيفها … تحيف الأسد الضاري بما اختلسا
فأي عيشٍ جنيناه بها خَضِرا … وأي غصنٍ جنيناه بها سلسا
محا محاسنها طاغ أتيح لها … ما نام عن هضمها حينًا ولا نعسا
ورجَّ أرجاءها لما أحاط بها … وغادر الشم من أعلامها خنسا
خلا له الجو فامتدت يداه إلى … إدراك ما لم تنل رجلاه مختلسا
وأكثر الزعم بالتثليث منفردًا … ولو رأى آية التوحيد ما نبسا
صل حبلها أيها المولى الرحيم فما … أبقى المراس لها حبلا ولا مرسا
وأحي ما طمست منها العداة كما … أحييت من دعوة المهدي ما طمسا
أيام سِرْتَ لنصر الحق مستبقًا … وبتَّ من نور ذاك الهدي مقتبسا
وقمت فيها لأمر الله منتصرًا … كالصارم اهتزَّ أو كالعارض انبجسا
تمحو الذي كتب التجسيم من ظلمٍ … والصبح ماحيةٌ أنواره الغلسا
ويقتضي الملك الجبار مهجته … يوم الوغى لا ترقب الخلسا
هذي رسائلها تدعوك من كتبٍ … وأنت أفضل مرجوٍ لمن يئسا
وافتك جارية بالنجح راجيةً … منك الأمير الرضى والسيد الندُسا
خاضت خضارة تعليها وتخفضها … عناية وتعاني اللين والشرسا
وربما سبحت والريح عاثيةٌ … كما طلبت بأقصى خدِّه الفَرسا
تؤم بحي ابن عبد الواحد بن … أبي حفص مقبلة من تربه القدسا
ملكٌ تقلدت الأملاك طاعته … لينا ودينًا تغشّاها الرضى لُبَسا
стр. 834
من كل غادٍ على يمناه مستلما … وكل صاد إلى نعماه ملتمسا
مؤيَّدٌ لو رمى نجما لأثبته … ولو دعا أفقًا لبَّى وما احتبسا
تا الله إن الذي ترجى السعودَ له … ما جال في خلدٍ يومًا ولا هجسا
إمارة يحمل المقدار رايتها … ودولة عزّها يستصحب القعسا
يبدي النهار بها من نوره قبسا … ويطلع الليل من ظلمائها لعسا
ماضي العزائم والأيام قد نكلت … طلق المحيا ووجه الدهر قد عبسا
كأنه البدر والعلياء هالته … تحف من حوله شهب القنا حرسا
تدبيره وسع الدنيا وما وسعت … وعرف معروفه أسا العِدى وأسا
قامت على العدل والإحسان دولته … وأنشرت من وجوه الجود ما رُئسا
مباركٌ هديه بادٍ سكينته … ما قام إلا بحسناه ولا جلسا
قد نوَّر الله بالتقوى بصيرته … فما يبالي طروق الخطب ملتبسا
يرى العصاة وراش الطائرين فقل … في الليث مفترسا والغيث مرتجسا
ولم يغادر على سهل ولا جبلٍ … حيًا لقاحًا إذا وافيته بخسا
فرب أصيد لا تلقى به صيدًا … ورب أشوس لا تلقى له شوسا
وهي قصيدة مطولة، طنانة، غريبة في نوعها، لطيف منزعها.
قال أبو الحسن ابن سعيد، وقد ذكر هذه القصيدة: أنها عارضها جمع الشعراء بالمغرب حين نظمها الأبار، فكانوا ما بين مُخطئ ومحروم، وأغري الناس بحفظها إغراء بني تغلب بقصيدة عمرو بن كلثوم.
قال: وأنشدني الأبار لنفسه، قوله أيضًا: شعر
стр. 835
يا حبذا لحديقةٍ دولابُ … سكنت إلى حركاته الألباب
غَنَّى ولم يُطرب وسقى وهو لم … يشرب ومنه العود والأكواب
لو يدَّعي لطف الهواء أو الهوى … ما كنت في تصديقه أرتاب
وكأنه بنثاره ومداره … فلك كواكبه بها أذناب
وله أيضًا قوله: شعر
لقد غضبت حتى على السمط نخوةً … فلم تتقلَّد غير مبسمها سَمِطا
وأنكرت الشَّيب الملم بلمَّتي … ومن عرف الأيَّام لم ينكر الوخْطا
وله أيضًا قوله في الخسوف بيتين:
عجبت من الخسوف وكيف أودى … ببدر التم لماع الضياء
كمرآة جلاها الصقل حتَّى … أنارت ثم ردَّت في غشاء
ومن قصيدته التي أولها قوله: جمعت للناس بين الورد والصدر، منها:
ولم تدع كرمًا حتى أتيت به … تضيف مبتدعًا منه لمبتدع
لما وليت جمعت الخير أجمعه … عليهم فبدوا في أجمل الخلع
وحسب جودك ما أولاه جودك من … رفع الدعاء له في كل مجتمع
لله أيامك استوفت محاسنها … فلا مزيَّة للأعياد والجمع
دامت مساعيك والأقدار تسعدها … تولي المساجد إنصافًا من البيع
وفضائله جليلة كثيرة، وموادُّه غزيرة، متفننٌ في الفضائل، ملحق بالأماثل من الأوائل، جار ذيل البلاغة على سحبان وائل.
قال ابن سعيد: إلا أن أخلاقه لم تعنه على الوفاء بأسباب الخدمة، فقلَّصت عنه تلك النعمة، وأُحزَّ عن تلك الغاية، وارتحل إلى دار بجاية.
стр. 836
قال: وتركته بها وهو عاطل من الرتب، خالٍ من حُلى الأدب، مشتغل بالتصنيف في فنونه، متنفلٌ منه بواجبه ومسنونه، ولي معه مجالسات آنق من خلق الشباب، وأبهى من الروض غبّ نزول السحاب. انتهى.
قدم الأبار تونس وأقام بها، وصنف تاريخًا ذكر فيه مساوئ المستنصر (١)، فنمَّ عليه صهره، فضُرب ألف سوطٍ إلى أن مات.
وله تصانيف مفيدة، منها: "الصلة لكتاب الصلة" لابن بشكوال (٢)، و"تحفة القادم" (٣)، وغير ذلك.
ومولده ببلنسية، سنة خمس وتسعين وخمس مئة.
وقُتِل بتونس، في المحرم، سنة ثمان وخمسين وست مئة، عفا الله عنه.
٤٢٨ - محمد بن عبد الله بن محمد السلمي المرسي، المنعوت بالشرف ابن أبي الفضل (٤).
стр. 837
كان عالمًا بالحديث، والفقه، والأصول، والعربية، والأدب، والخلاف، صاحب فنون وقريحة جيدة، وفهم ثاقب، وتدقيق في المعاني، وفيه زهد وورع وكرم، كثير العبادة، متجردًا.
سمع ببلده من الشيوخ بها، وقدم بغداد سنة خمس وستين وست مئة، فسمع من شيوخها، وقرأ بها الفقه، والأصول، والخلاف، ثم سافر إلى خراسان، فسمع بنيسابور، وبهراة، ومرو، وحصَّل الأصول، وعاد إلى بغداد، ثم قدم دمشق، ثم مصر، ثم قدم قوص فحدث بها، ثم توجه إلى مكة.
ثم عاد إلى بغداد سنة أربع وثلاثين، وحدث بالسنن الكبير للبيهقي، عن منصور بن عبد المنعم الفراوي، وبغريب الحديث عنه، وحدث بصحيح مسلم عن المؤيد الطوسي.
سمعته من ابن القرطبي، بسماعه منه.
روى عنه الحافظ ابن النجار، وخلائق من الحفاظ، والعلماء، والوزراء، والأعيان.
وصنف "تفسيرًا" (١)، وصنف في العربية "الضوابط الكلية"، وغير ذلك.
وله نظم؛ أنشدني العلامة الأستاذ أبو حيان الأندلسي، أنشدنا أبو الهدى عيسى السبتي، أنشدنا ابن أبي الفضل لنفسه:
من كان يرغب في النَّجاة فما له … غير اتّباع المصطفى في ما أتى
ذاك السبيل المستقيم وغيره … سبل الضلالة والغواية والردى
стр. 838
فاتبع كتاب الله والسنن التي … صحَّت فذاك إذا اتَّبعت هو الهدى
ودع السؤال بلم وكيف فإنه … باب يجرُّ ذوي البصيرة للعمى
الدِّينُ ما قال النبيُّ وصحبه … والتابعون ومن على منهاجهم قفا
وبه قال: دخل عليَّ أبو العباس المرسي بالمدينة وأنا مريض، فقال لي: ما هيَّأت من الزاد، فما بقي إلا الرحيل، فأنشدته ارتجالًا، وقلت:
قالوا تجهز قد كبرت وقد أتى … داعي الحِمام وما هممت بزاد
قلت القبيح من الكريم لضيفه … عند القدوم مجيئه بالزاد
وهذا أخذ من قول أبي الأصبغ عيسى بن محمد المعروف بابن الواعظ، من أهل المرية، حيث، قال: قوله شعر
رحلت بغير زادٍ للمعاد … ولكني نزلت على جواد
ومن يرحل إلى مولًى كريم … فما يحتاج في سفرٍ لزاد
وسبقهما إلى ذلك أبو الفضل جعفر بن محمد بن شرف القيرواني، فقال قوله:
قالت لي النفس أتاك الرَّدى … وأنت في بحر الخطايا مقيم
هل اتخذت الزاد قلت اقصري … هل يحمل الزَّاد لدار الكريم
وكان لطيفًا؛ قال لي شيخنا أثير الدين: قال لي الشيخ تقي الدين القشيري: نظر إلى شابٍّ حسن الصورة، وقال: وعيناه كحل (١).
وقال ابن النجار الحافظ، أنشدني لنفسه ﵀ بالمستنصرية، قوله: شعر
стр. 839
قالوا فلانٌ قد أزال بهاءه … ذاك العذار وكان بدر تمام
فأجبتهم بل زاد نور بهائه … ولذا تزايد فيه فرط غرامي
استقصرت ألحاظه فتكاتها … فأتى العذار يمدها بسهام
وكان في غاية المكارم والجود؛ حكى لي الأستاذ أبو حيان، قال: حكى لي أبو العباس الجزائري النحوي بمسجد علي بن زياد، أنه غسل رجلي ابن أبي الفضل بماء سخن ونخالة، فقال: ارفع البساط وخذ ما تحته، فوجدت أربعين دينارًا، فأخذتها.
ومسَّه ابن مَسْدي على عادته بعد تعظيمه، وقال: ليتني لم أقف له على قصة، ولم أتجرع له غصَّة.
ولد بمرسية، سنة سبعين وخمس مئة.
وتوفي بين العريش وغزة، سنة خمس وخمسين وست مئة.
٤٢٩ - محمد بن عبد الله بن محمد أبو المجد ابن أخي أبي العلاء، القاضي الأديب الشاعر (١).
ذكره ابن سعيد، وأورد من نظمه قوله:
رأيتك في نومي كأنك معرضٌ … ملالًا فداويت الملالة بالتَّرك
وأصبحت أبغي شاهدًا فعدمته … فعدت وغلَّبت اليقين على الشك
وعهدي بصحف الود تنشر بيننا … فإن طويت فاجعل ختامك بالمسك
لئن كانت الأيام أبلت جديدها … جديدي وردت من رحيب إلى ضنك
فما أنا إلا السيف أخلق جفنه … وليس بمأمون الغرار على الفتك
стр. 840
وقوله:
تولى الحكم بين الناس قومٌ … بهم نزل البلاء من السماء
يقول القائلون إذا رآهم … لقد جار القضاء على القضاء
وقوله:
كن ساجدًا للقرد في زمانه … ومُدَّ للجاهل في عنانه
ودارِه وخلِّه وشانه … فإنه يعثر في ميدانه
وقوله أيضًا له: شعر
يا من تنكَّب قوسه وسهامه … وله من اللحظ السقيم سيوف
يغنيك عن حمل السلاح إلى العدى … أجفانك المرضى فهن حتُوف
٤٣٠ - محمد بن عبد الله بن عبد الظاهر، المنعوت بالفتح (١).
كاتب الإنشاء السلطاني بالديار المصرية.
كان أديبًا شاعرًا، ناظما ناثرًا، مشاركًا في فنون.
سمع الحديث من العلامة أبي الحسن ابن هبة الله الشافعي، والعلامة أبي عبد الله محمد بن أبي الفضل المرسي، والحافظ أبي محمد عبد العظيم المنذري، وغيرهم.
ومن نظمه في الشملة التي يتعمم بها لغز، وهو قوله:
ومشمولةٍ رقَّت وراقت فأصبحت … على الشرب تُجلى حين تهدى إلى الكاس
стр. 841
معتَّقة ما شمِّست بعد عصرها … لإثمٍ وكم فيها منافعُ للنَّاس
وما عصرت يومًا برجل وكم لها … إذا ما أديرت من صعود إلى الراس
وكتب إلى أبيه وقد بلغه أنه نقل له عنه أنه حصل له ضعفٌ، بهذه الأبيات:
إن شئت تنظرني وتنظر حالتي … قابل إذا هبَّ النسيم قبولا
لتراه مثلي رقَّةً ولطافةً … ولأجل قلبك لا أقول عليلا
فهو الرسول إليك منِّي ليتني … كنت اتخذت مع الرسول سبيلا
مولده يوم الجمعة، منتصف شهر ربيع الآخر، سنة ثمان وثلاثين وست مئة.
وتوفي بدمشق، ليلة السبت منتصف رمضان، سنة إحدى وتسعين وست مئة.
٤٣١ - محمد بن عبد الله بن الحسن بن علي بن صدقة بن حفص الصفراوي الإسكندراني، المنعوت بالشرف، المعروف بابن عين الدولة، الفقيه الشافعي القاضي (١).
نشأ في رئاسة، وكان له معلمان، أحدهما للقرآن الكريم والعربية، والآخر للفقه.
سمع من قاضي القضاة عبد الملك بن درباس.
روى عنه الحافظ المنذري، والحافظ أبو بكر ابن مَسْدي، وغيرهما.
وتفقه بمصر بأبي إسحاق المعروف بالعراقي، وحفظ المهذَّب، ونبغ.
وكان ديِّنًا، متورِّعًا، متقشِّفًا، متقللًا من الدُّنيا، أديبًا، شاعرًا، كاتبًا.
стр. 842
كتب للقاضي زين الدين علي بن يوسف الدمشقي، ثم لقاضي القضاة عماد الدين ابن السكَّري، وناب في الحكم عنهما وعن غيرهما، ثم لما عزل ابن السكري سألوا عمن يصلح للقضاء، فقيل مُوَقّعه، فولي القاهرة والوجه البحري، وولي تاج الدين ابن الخراط مصر والوجه القبلي، ثم لما صرف ابن الخراط جمع لابن عين الدولة العَمَلان في سنة سبع عشرة وست مئة، وسار في القضاء أحسن سيرة.
ولم يكن له غير بدلة واحدة، فإذا غسلها أغلق بابه، وليس له غير بغلة واحدة.
وشهد عنده السلطان الملك الكامل بشهادة فلم يقبلها، فتغيَّر عليه، وكلمه كلامًا خشنًا، فذُكِر له حاله، وما هو عليه من التقشف والتقلل والورع، فاستعطفه وأكرمه وبجَّله.
وكان يكتب إليه القاضي في أمور، فيكتب السلطان بخطه إليه، ويعظمه في كتابته، ويقضي حوائجه، ويجيبه إلى مطلوبه.
والعلم والديانة ينزِّلان الإنسان الأعزَّين مكانًا ومكانة، وتعقد عليه الخناصر، وهما للمتصف بهما أعز ناصر.
وكان القاضي ذكي الفطرة، حاد القريحة، جوادًا، كريمًا، متصدقًا، كثير الإيثار، حسن المقاصد.
ولما ولي الملك الصالح أيوب السلطنة بديار مصر، ووجد على أخيه العادل الصغير، وقُبضَ عليه، وهمَّ بالتشويش على أمه شمسة، فطلع إليه القاضي مهنِّئًا له بالملك وتحدث معه، ثم لما أراد الانفصال، قال: يا مولانا رفعت رقعة إلى أبي الفرج ابن الجوزي وهو على المنبر يعظ، وفيها: يا إمام إن حواء، ﵍، كانت مشتركة مع آدم، عليهما الصلاة والسلام، في القصة، وأُفْرد آدم بالذكر فقال تعالى: ﴿وَعَصَى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوَى﴾ (١)، ولم يذكر حواء، فقرأ الرقعة، وقال: يا عزيزي، ستر الحُرُم من الكرم، فقال السلطان: فهمت ولم يتعرض لشمسة ولا شوَّش عليها.
стр. 843
وله نوادرٌ جمعت واشتهرت، ذكر منها مُوَقعه جملة في سيرته التي جمعها له، منها:
أنه رأى شخصًا على دابة ويقول: امشي بلا نخس، فقال القاضي: انزل عنها فتمشي.
وحضر خصمان عنده، فقام شخصٌ آخر يتكلم ويتفاصح، فقال القاضي: أخرجوا فصيح الدولة.
ويُحكى أن شخصًا ادّعى على آخر أنه أرسل إليه معتصمي، وأنه يطلب قيمته، فأنكر المدَّعَى عليه، فقال القاضي للمدَّعِي: يا كريم الدولة، أنكرك وفيُّ الدولة.
وأشباه ذلك مما هو مشهور عنه.
وله نظم جيد، ومنه قصيدته التي مدح بها الملك الكامل، وهي أولها:
دع عنك عانية الفؤاد المدنف … واللحظ والطرف الكحيل الأوطف
والخصر والقدِّ الذي هو أهيفٌ … والجيد والثغر اللذيذ المرشف
واربأ بنفسك في المعالي صاعدًا … بصفات أروع في المحلِّ الأشرف
وهي قصيدة مطولة.
ومن نظمه أيضًا قوله: شعر
يا سائلي عن قوى جسمي وما فعلت … فيه السنون خذ التحقيق تبيينا
ثاء الثلاثين أدركت الفتور بها … فكيف حالي في ثاء الثمانينا
وله:
من بعد ستِّ وثمانين من عمري … تقضَّت ما الذي يرتجى
ما هو إلا مرضٌ سائق … للحتف أو خطفة موت الفجا
وقال ابن مَسْدي: أنشدني لنفسه قوله: شعر
стр. 844
إذا عاتبتني النفس في بذلتي لها … على حالةٍ من مثلها يتحرج
أقول لها يا نفس ما أنت هينةٌ … عليَّ ولكنَّ الضرورة تحوج
وحضر خصمان فنكلا، وطال نكولهما عند القاضي، وكان ابن عين الدولة حاضرًا، فأنشد القاضي في المجلس ارتجالًا قوله: شعر
إنك لا تستطيع إن نكلا … فصلُ قضاء إلا بصرفهما
فخذ أمور القضاء محكمةً … وكن خبيرًا بها وصرْ فَهِما
وله:
وليتُ القضا وليتَ القضا … لم يك شيئًا تولَّيته
وقد ساقني للقضاء القضا … وماكنت قدمًا تمنَّيته
ولما حضر العالم عند دفن القاضي عبد الملك بن درْبَاس، أنشد ارتجالًا: شعر
يا أيها الملأ المؤلف جمعه … بشيوخه وكهوله وشبابه
هل فيكم من منتمٍ إلا له … أو منكم متميزٌ إلا به
وفضائله كثيرة، وسيرته من أحسن سيرة، ومضى على جميل وسداد، سالكًا طريق الرشاد.
ومولده يوم السبت، مستهل جمادى الآخرة، من شهور سنة إحدى وخمسين وخمس مئة بالإسكندرية.
وتوفي بمصر، آخر الساعة الأولى من يوم الخميس، سابع عشر ذي القعدة، سنة تسع وثلاثين وست مئة، عفا الله عنه.
стр. 845
٤٣٢ - محمد بن عبيد الله بن غياث الشريشي، المكنى بأبي عبد الله (١).
كان شاعرًا مطبوعًا.
ذكره الأبار في "التحفة"، وأورد من شعره قوله:
يا ساريًا من خيام نجدٍ … حطَّ فضوء الصباح لاحا
قد تحملت عَرف طيبٍ … ملأت من نَشْره البطاحا
لكن من أجل ساكنه … رقّ نسيم الصبا وفاحا
إيهٍ ودون القباب قلبي … يشكو إلى أهلها انتزاحا
غادره ركبهم مقيمًا … فلم يطق بالهوى براحا
ضاع فلا للمهى ولا لي … يا ليته مات فاستراحا
أوْلَيْتَها الورق إذ بكته … تعيره للسرى جناحا
لما شكا ما به إليهم … أثخنه حبُّهم جراحا
ولم يبح بالهوى ولكن … لسان ما يشتكيه باحا
رموا بأرماحهم وهزّوا … قدودهم نحوه رماحا
واستلأموها دروع ليلٍ … قد نقبوا تحتها الصباحا
وأعملوا البيض وانتضوها … من غنج ألحاظهم صفاحا
يا صاح ما بالنا سكرنا … وما شربنا في الحيِّ راحا (٢)