← Тараджим

Тараджим · id 30063

البدر السافر عن أنس المسافر

كمال الدين الأدفوي

Полный текст (1 191 стр.). Показаны 841–880 · переход к 846.

стр. 841

معتَّقة ما شمِّست بعد عصرها … لإثمٍ وكم فيها منافعُ للنَّاس وما عصرت يومًا برجل وكم لها … إذا ما أديرت من صعود إلى الراس وكتب إلى أبيه وقد بلغه أنه نقل له عنه أنه حصل له ضعفٌ، بهذه الأبيات: إن شئت تنظرني وتنظر حالتي … قابل إذا هبَّ النسيم قبولا لتراه مثلي رقَّةً ولطافةً … ولأجل قلبك لا أقول عليلا فهو الرسول إليك منِّي ليتني … كنت اتخذت مع الرسول سبيلا مولده يوم الجمعة، منتصف شهر ربيع الآخر، سنة ثمان وثلاثين وست مئة. وتوفي بدمشق، ليلة السبت منتصف رمضان، سنة إحدى وتسعين وست مئة. ٤٣١ - محمد بن عبد الله بن الحسن بن علي بن صدقة بن حفص الصفراوي الإسكندراني، المنعوت بالشرف، المعروف بابن عين الدولة، الفقيه الشافعي القاضي (١). نشأ في رئاسة، وكان له معلمان، أحدهما للقرآن الكريم والعربية، والآخر للفقه. سمع من قاضي القضاة عبد الملك بن درباس. روى عنه الحافظ المنذري، والحافظ أبو بكر ابن مَسْدي، وغيرهما. وتفقه بمصر بأبي إسحاق المعروف بالعراقي، وحفظ المهذَّب، ونبغ. وكان ديِّنًا، متورِّعًا، متقشِّفًا، متقللًا من الدُّنيا، أديبًا، شاعرًا، كاتبًا.

стр. 842

كتب للقاضي زين الدين علي بن يوسف الدمشقي، ثم لقاضي القضاة عماد الدين ابن السكَّري، وناب في الحكم عنهما وعن غيرهما، ثم لما عزل ابن السكري سألوا عمن يصلح للقضاء، فقيل مُوَقّعه، فولي القاهرة والوجه البحري، وولي تاج الدين ابن الخراط مصر والوجه القبلي، ثم لما صرف ابن الخراط جمع لابن عين الدولة العَمَلان في سنة سبع عشرة وست مئة، وسار في القضاء أحسن سيرة. ولم يكن له غير بدلة واحدة، فإذا غسلها أغلق بابه، وليس له غير بغلة واحدة. وشهد عنده السلطان الملك الكامل بشهادة فلم يقبلها، فتغيَّر عليه، وكلمه كلامًا خشنًا، فذُكِر له حاله، وما هو عليه من التقشف والتقلل والورع، فاستعطفه وأكرمه وبجَّله. وكان يكتب إليه القاضي في أمور، فيكتب السلطان بخطه إليه، ويعظمه في كتابته، ويقضي حوائجه، ويجيبه إلى مطلوبه. والعلم والديانة ينزِّلان الإنسان الأعزَّين مكانًا ومكانة، وتعقد عليه الخناصر، وهما للمتصف بهما أعز ناصر. وكان القاضي ذكي الفطرة، حاد القريحة، جوادًا، كريمًا، متصدقًا، كثير الإيثار، حسن المقاصد. ولما ولي الملك الصالح أيوب السلطنة بديار مصر، ووجد على أخيه العادل الصغير، وقُبضَ عليه، وهمَّ بالتشويش على أمه شمسة، فطلع إليه القاضي مهنِّئًا له بالملك وتحدث معه، ثم لما أراد الانفصال، قال: يا مولانا رفعت رقعة إلى أبي الفرج ابن الجوزي وهو على المنبر يعظ، وفيها: يا إمام إن حواء، ﵍، كانت مشتركة مع آدم، عليهما الصلاة والسلام، في القصة، وأُفْرد آدم بالذكر فقال تعالى: ﴿وَعَصَى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوَى﴾ (١)، ولم يذكر حواء، فقرأ الرقعة، وقال: يا عزيزي، ستر الحُرُم من الكرم، فقال السلطان: فهمت ولم يتعرض لشمسة ولا شوَّش عليها.

стр. 843

وله نوادرٌ جمعت واشتهرت، ذكر منها مُوَقعه جملة في سيرته التي جمعها له، منها: أنه رأى شخصًا على دابة ويقول: امشي بلا نخس، فقال القاضي: انزل عنها فتمشي. وحضر خصمان عنده، فقام شخصٌ آخر يتكلم ويتفاصح، فقال القاضي: أخرجوا فصيح الدولة. ويُحكى أن شخصًا ادّعى على آخر أنه أرسل إليه معتصمي، وأنه يطلب قيمته، فأنكر المدَّعَى عليه، فقال القاضي للمدَّعِي: يا كريم الدولة، أنكرك وفيُّ الدولة. وأشباه ذلك مما هو مشهور عنه. وله نظم جيد، ومنه قصيدته التي مدح بها الملك الكامل، وهي أولها: دع عنك عانية الفؤاد المدنف … واللحظ والطرف الكحيل الأوطف والخصر والقدِّ الذي هو أهيفٌ … والجيد والثغر اللذيذ المرشف واربأ بنفسك في المعالي صاعدًا … بصفات أروع في المحلِّ الأشرف وهي قصيدة مطولة. ومن نظمه أيضًا قوله: شعر يا سائلي عن قوى جسمي وما فعلت … فيه السنون خذ التحقيق تبيينا ثاء الثلاثين أدركت الفتور بها … فكيف حالي في ثاء الثمانينا وله: من بعد ستِّ وثمانين من عمري … تقضَّت ما الذي يرتجى ما هو إلا مرضٌ سائق … للحتف أو خطفة موت الفجا وقال ابن مَسْدي: أنشدني لنفسه قوله: شعر

стр. 844

إذا عاتبتني النفس في بذلتي لها … على حالةٍ من مثلها يتحرج أقول لها يا نفس ما أنت هينةٌ … عليَّ ولكنَّ الضرورة تحوج وحضر خصمان فنكلا، وطال نكولهما عند القاضي، وكان ابن عين الدولة حاضرًا، فأنشد القاضي في المجلس ارتجالًا قوله: شعر إنك لا تستطيع إن نكلا … فصلُ قضاء إلا بصرفهما فخذ أمور القضاء محكمةً … وكن خبيرًا بها وصرْ فَهِما وله: وليتُ القضا وليتَ القضا … لم يك شيئًا تولَّيته وقد ساقني للقضاء القضا … وماكنت قدمًا تمنَّيته ولما حضر العالم عند دفن القاضي عبد الملك بن درْبَاس، أنشد ارتجالًا: شعر يا أيها الملأ المؤلف جمعه … بشيوخه وكهوله وشبابه هل فيكم من منتمٍ إلا له … أو منكم متميزٌ إلا به وفضائله كثيرة، وسيرته من أحسن سيرة، ومضى على جميل وسداد، سالكًا طريق الرشاد. ومولده يوم السبت، مستهل جمادى الآخرة، من شهور سنة إحدى وخمسين وخمس مئة بالإسكندرية. وتوفي بمصر، آخر الساعة الأولى من يوم الخميس، سابع عشر ذي القعدة، سنة تسع وثلاثين وست مئة، عفا الله عنه.

стр. 845

٤٣٢ - محمد بن عبيد الله بن غياث الشريشي، المكنى بأبي عبد الله (١). كان شاعرًا مطبوعًا. ذكره الأبار في "التحفة"، وأورد من شعره قوله: يا ساريًا من خيام نجدٍ … حطَّ فضوء الصباح لاحا قد تحملت عَرف طيبٍ … ملأت من نَشْره البطاحا لكن من أجل ساكنه … رقّ نسيم الصبا وفاحا إيهٍ ودون القباب قلبي … يشكو إلى أهلها انتزاحا غادره ركبهم مقيمًا … فلم يطق بالهوى براحا ضاع فلا للمهى ولا لي … يا ليته مات فاستراحا أوْلَيْتَها الورق إذ بكته … تعيره للسرى جناحا لما شكا ما به إليهم … أثخنه حبُّهم جراحا ولم يبح بالهوى ولكن … لسان ما يشتكيه باحا رموا بأرماحهم وهزّوا … قدودهم نحوه رماحا واستلأموها دروع ليلٍ … قد نقبوا تحتها الصباحا وأعملوا البيض وانتضوها … من غنج ألحاظهم صفاحا يا صاح ما بالنا سكرنا … وما شربنا في الحيِّ راحا (٢)

стр. 846

وله في الشيب قوله، شعر: صبوتُ وهل عارٌ على الحرِّ إن صبا … وقيد بُعيد الأربعين إلى الصبا يرى أن حُبَّ الحسن في الله قربة … لمن شاء بالأعمال أن يتقرَّبا وقالوا مشيبٌ قلت واعجبا لكم … أينكر بدرٌ قد تجلَّل غيهبا وليس بشيبٍ ما ترون وإنّما … كميتُ الصبا مما جرى عاد أشيبا (١) توفي أول سنة تسع عشرة وست مئة، عفا الله عنه ٤٣٣ - محمد بن عبد الكريم بن الفضل بن الحسن بن الحسين القزويني، يكنى أبا الفضل (٢). ترجمه ولده الإمام أبو القاسم الرافعي، وقال: كان والدي ممن خصّ بعفة الذيل، وحسن السيرة، والجد في العلم والعبادة، وذلاقة اللسان، وقوة الجنان، وصلابة الدين، والمهابة عند الناس، والبراعة في العلوم، حفظًا وضبطًا، وإتقانًا وثباتًا، وفهمًا ودرايةً. سمع الحديث بقزوين، وتفقه بها في صباه، ثم دخل الري، فسمع وتفقه، ثم دخل بغداد، فسمع وتفقه، وحجَّ منها، ثم عاد إلى نيسابور، فتفقه على الإمام محمد بن يحيى، وسمع الكثير. وكانت مشايخه يوقِّرونه؛ لحسن سيرته ووفور فضله.

стр. 847

ثم عاد إلى قزوين، فأقبلت عليه المتفقهة، فدرَّس وأفاد. وصنَّف في الحديث والفقه والتفسير (١). وكان جيد الحفظ، سمعته يقول: سهرت البارحة متفكرًا في ما أحفظ من الأبيات المفردة والمقطوعات خاصة، فذكر آلافًا. قال: وحكى لي الحسين بن عبد الرحيم المؤذن، وهو رجل صالح: أن والدي خرج ليلةً لصلاة العشاء، وكانت ليلة مظلمة، فرأيت نورًا، فحسبت أن معه سراجًا، فلما وصل إليَّ لم أجد معه شيئًا، فذكرت له ذلك، فلم يعجبه وقوفي على حاله، وقال لي: أقبل على شأنك. قال الرافعي: ولعلَّ الله أن يوفقني لما هممت به من جمع مختصر في مناقبه، ﵀. وكانت وفاته في شهر رمضان، سنة ثمانين وخمس مئة. ٤٣٤ - محمد بن عبد الملك بن طفيل القيسي البَرْشَاني (٢). وبَرْشَانة من عمل المرية. كان طبيبا أديبًا كاتبًا، كتب لوالي غرناطة، وله نظم جيد. ذكره الأبار في "التحفة"، وأورد من شعره قوله في فتح قفصة، وله: ولما انقضى الفتح الذي كان يرتجى … وأصبح حزب الله أغلب غالب وأنجزنا وعدًا من الله صادقًا … كفيلًا بإبطال الظنون الكواذب وساعدنا التوفيق حتى تبيَّنت … مقاصدنا مشروحة بالعواقب

стр. 848

وأذعن من عليا هلال بن عامر … أبيٌّ ولبَّى الأمر كل مجانب كأن بسيط الأرض حلقة خاتم … بهم وخضمَّ البحر بعض المذانب ومدَّ على حكم الصغار لسلمنا … يديه عظيم الروم في حال راغب يصرِّح بالرؤيا وبين ضلوعه … تنفس مذعور وزفرة راهب وعى من لسان الحال أفصح خطبة … وما ضمنت عنه فصاح القواضب وأبصر مَتن الأرض كفة حابلٍ … عليه وما ضرَّاه في كفِّ حالب أشرنا بأعناق الجياد إليكم … وعجبًا عليكم من صدور الركائب إلى بقعةٍ قد بيَّن الله فضلها … بمن حلَّ فيها من ولي وصاحب على الصفوة الأدنين منا تحيةً … توافيهم بين الصبا والجنائب وقوله: أتذكر إذ مسحت بفيك عيني … وقد حل البكا فيها عقوده ذكرت بأن ريقك ماء ورد … فقابلت الحرارة بالبروده وقوله: سألت من المليحة برء دائي … برشف برودها العذب المزاج فما زالت تُقبِّل في جفوني … وتبهرني بأصناف الحجاج وقالت إن طرفك كان أصلًا … لدائك فليقدَّم بالعلاج (١) توفي بمراكش، سنة إحدى وثمانين وخمس مئة.

стр. 849

٤٣٥ - محمد بن عبد المنعم بن المعين المنفلوطي، المنعوت شرف الدين (١). كان فقيهًا شافعيًا، أديبًا شاعرًا. سمع الحديث من قاضي القضاة أبي عبد الله ابن جماعة، وغيره، وتفقه بالشيخ نجم الدين البالسي، وغيره، وقرأ أصول الفقه على الشمس المحَوْجَب. وكان إنسانًا حسنًا، عدلًا، مقبولًا عند الحكام. وصنف تصانيف، منها "اختصار الروضة" في الفقه، واختصر "المنتخب في الأصول"، وتكلم على أحاديث المهذب، وسماه: "الطراز المذهب"، وله نظم ومدائح. أنشدني الفقيه الفاضل تقي الدين محمد ابن أخته، أنشدني خالي لنفسه، قوله: لثمعر ما للمليحة ما رعت حقَّ الإخا … لمحبِّها يوما ولم تدر السَّخا أضحت رياح صدودها لمتيمٍ … نكرًا عواصف بعدما كانت رخا وعزيزة بالذلِّ ظِلْت لعزِّها … متذلّلًا أبغي لديها منتخى سفكت دمي عمدًا وآية سفكها … في الخدِّ إذ أضحى به متضمخا كم أثبتت للصب آية صدها … منها أبت لثبوتها أن تنسخا إن كم تعد بالوصل عذت بأحمد … من هجرها وصدودها مستصرخا وله: ما بال نار فراقكم تتأجَّج … وبحار دمعي فيكم تتموَّج يا سادةً سفكوا دمًا لمحبهم … بصدودهم عمدًا ولم يتحرَّجوا

стр. 850

أزعجتم بالبين ساكن قلبه … ومحلُّكم بصميمه لا يزعجُ ونهجتم سبل القطيعة منكم … وبكم يضيءُ لمن يضل المنهج يا عرب كاظمة ومن في حيِّهم … يأوي الطَّريد ويأمن المتحرِّج وكان قد تزوج بامرأة، ثم فارقها وتألَّم، وشبَّبَ بها في شعره كثيرًا. وتوفي بمصر، في سنة إحدى وأربعين وسبع مئة، عفا الله عنه. ٤٣٦ - محمد بن عبد المنعم بن محمد بن يوسف بن أحمد الأنصاري اليماني المحتد، المنعوت بالشهاب، ويعرف بابن الخِيَمِي، الأديب الشاعر (١). سمع الحديث من ابن البناء، وغيره. وحدَّث بالقاهرة، سمع منه الأفاضل، وروى عنه من شعره أشياخنا أبو عبد الله محمد بن القماح، وأبو حيان، وجماعة. وأنشدنا العلامة أبو حيان، أنشدني الخيمي لنفسه، قوله: يا مطلبًا ليس لي في غيره أربُ … إليك آل التقصي وانتهى الطلب وما طمحت إلا لمرأى أو لمستمعٍ … إلا لمعنى إلى علياك ينتسب وما أرانيَ أهلًا أن تواصلني … حسبي علوًا بأني فيك مكتئب لكن ينازع شوقي تارة أدبي … فأطلب الوصل لما يضعف الأدب

стр. 851

ولست أبرح في الحالين ذا قلقٍ … نامٍ وشوقٍ له في أضلعي لهب ومدمعٍ كلما كفكفت أدمعه … صونًا لذكرك يعصيني وينتسب ويدعي في الهوى دمعي مقاسمتي … وجدي وحزني فيجري وهو مختضب كالطرف يزعم توحيد الحبيب ولا … يزال في ليله للنجم يرتقب يا صاحبي قد عدمت المسعدين فساعدني على وصبي لا مَسَّكَ الوصَب بالله إن جئت كثبانًا بذي سلمٍ … قف بي عليها وقل لي هذه الكثب ليقضي الخدُّ في جرعائها وطرًا … من تربها وأؤدي بعض ما يجب ومل إلى البان من شرقيِّ كاظمة … فلي إلى البان من شرقيها طرب أكرم به منزلا تحميه هيبته … عنا وأنواره لا السمر والقضب وخذ يمينًا لمغنى تهتدي بشذىً … نسيمه الرطب إن ضلت بك النجب دعني أعلل نفسا عزَّ مطلبها … فيه وقلبًا لعذر ليس ينقلب ففيه عاهدت قدمًا حب من حسنت … به الملاحة واعتزت به الرتب دانٍ وأدنى وعزُّ الحسن يحجبه … عني وذلي والإجلال والرهب أحيا إذا مت من شوقي لرؤيته … بأنني لهواه فيه أنتسب منها: يا بارقًا بأعالي الرقمين بدا … لقد حكيت ولكن فاتك الشنب ويا نسيمًا سرى من نحو كاظمة … بالله قلْ ليَ أين البان والكثب وكيف جيرة ذاك العهد هل حفظوا … عهدًا أراعيه إن شطوا وإن قربوا

стр. 852

أم ضيَّعوا ومرادي منك ذكرهم … هم الأحبة إن أعطوا وإن سلبوا ونظم النجم ابن إسرائيل قصيدة ضمنها البيت الذي هو: يا بارقا، وادّعاه لنفسه، وتحاكما فيه إلى ابن الفارض، فأمر كلا منهما أن ينظم، فنظم ابن الخيمي قصيدة أولها قوله: شعر لله قومٌ بجرعاء الحمى غيبُ … جنوا عليَّ ولما أن جنوا عتبوا هم العريب بنجدٍ مذ عرفتهم … لم يبق لي معهم مالٌ ولا نسب شاكون للحرب لكن من قدودهم … وفاترات اللحاظ السمر والقضب وما ألمُّوا بحيٍّ أو ألمَّ بهم … إلا أغاروا على الأبيات وانتهبوا مَن منصفي من رشيق فيهم غنجٍ … حلو الدلال لإسرائيل ينتسب فحكم ابن الفارض بالبيت المتنازع فيه له. وقال لي القاضي أبو عبد الله ابن القماح: قال لي ابن الخيمي: مات شخص كنت أتهمه ببدعةٍ، فلم أصلِّ عليه، فرأيت في المنام شخصا ينشدني شعره: صلِّ على المسلمين جمعًا … واغتنم الأجر قبل فوته من ذا الذي ليس فيه عيبٌ … تقوله الناس بعد موته ولما سافر ابنه إلى الصعيد، وتأخر رجوعه إليه، نظم قوله: شعر كأنَّ الطرف حين نأيت عنه … وقد ذكروا تيممك الصَّعيدا توهَّم أن ذاك لفقد ماء … فأجرى دمعه بحرًا مديدا وله: أُلام على الخلاعة إذ شبابي … ورونقُ جِدَّتي ذهبا جميعا

стр. 853

ومن ذهبت بجدَّته الليالي … فلا عجبٌ إذا أضحى خليعا ولد سنة اثنتين، وقيل أربع وست مئة. وتوفي بالقاهرة، في تاسع عشرين رجب، سنة خمس وثمانين وست مئة، عفا الله عنه. ٤٣٧ - محمد بن عثمان القاهري، المعروف بابن بنت أبي سعد، المنعوت بشرف الدين (١). كان فقيهًا شافعيًا، فاضلًا، مشاركًا في فنون؛ من أصول، ونحو، ولغة، وأدب، وقرأ النجوم، وغير ذلك. وله شعر، حدَّث بشيء منه. روى عنه أصحابنا، وزين الدين عمر الدمشقي. ومن شعره ولم أر مثله في هذا النوع، وهو قوله: شعر إن شعري قد حطَّ سعري حتى … صار قدري كمثل قدر الهلال ثم نحوي جرَّ المكاره نحوي … فاعتراني منها كلسع الهلال وأصول الفروع حثَّت وصولي … لمرامي فبعده كالهلال وأصول الكلام منها كلامي … فتخلَّفت في الورى كهلال ثم رجزي قد جرَّ زجريَ حتّى … رَبَّط الذلُّ بي كربط الهلال وعروضي قد حطَّ قدر عروضي … فرماني صحبي كرمي الهلال ثم طبّى لأجله زال طيبي … وأتاني بمثل طعن الهلال وبياني قد جبَّ كسب بناني … بعد صيدي به كصيد الهلال

стр. 854

ثم نثري مثل النثار ومنه … خفَّ رزقي عنّي بمثل الهلال علم الأنساب حاز الأسباب عني … فأتى الدَّهر لي بطحن الهلال ثم خطّى قد حطَّ حظي حتى … فاتني في الورى جميع الهلال وكذا الرَّمل أثقل الزَّمْن مني … وكساني ثوبًا كمثل الهلال ونجومي تحت التخوم رمتني … بعد وردي منها كورد الهلال ولقد كنت أنشر العلم دهرًا … لست فيه مؤاجرًا كالهلال فتركت العلوم مما دهاني … بعد سبقي كلَّ الورى في الهلال وتصوَّفت أو سبقت البرايا … بخشوعي وفقتهم في الهلال ثم إنّي زهدت في الدّهر أيضًا … بعد أن كنت لاحقًا بالهلال تفسير ذلك من كتاب "الشجرة" (١) لأبي الطيب اللغوي، وغيره. الأول: ذوابة النعل (٢). الثاني: ضرب من الأفاعي (٣). الثالث: هلال السماء (٤). الرابع: هلال بن أمية. الخامس: ما يجمع حنى الرَّحْل. السادس: قطعة من الرحا المكسور (٥).

стр. 855

السابع: حربة لها شعبتان. الثامن: حديدة الصائد (١). التاسع: حول الأصبع من اللحم (٢). العاشر: الرحا المكسور نفسه (٣). الحادي عشر: الغبار والإهباء (٤). الثاني عشر: جمع أهلة، وهي المُفْرحة (٥). الثالث عشر: سلخ الأفعى (٦). الرابع عشر: بقية الماء في الحوض (٧). الخامس عشر: مقاولة الأجير على الشهور (٨). السادس عشر: المماراة في رقة النسج (٩). السابع عشر: المماراة في التهلل (١٠). الثامن عشر: سفيان بن [عيينة الهلال] (١١). وقد سبقه إلى هذا الخطيب الحصكفي، لكنه ما وصل إلى هذا القدر.

стр. 856

توفي في يوم الثلاثاء، خامس عشر المحرم، سنة خمس وتسعين وست مئة، عفا الله عنه. ٤٣٨ - محمد بن عقيل بن أبي الحسن بن عقيل البالسي، المنعوت بالنجم (١). أحد أعيان الشافعية وفضلائها، وكان دينًا متورعًا، كبير المروءة، كثير الفتوة، جوادًا سخيًا. سمع بدمشق من علي بن عبد الواحد، وغيره، وببلبيس من علي بن عبد الكريم، والفضل بن رواحة، وغيرهما، وبالقاهرة من الإمام أبي الفتح محمد بن علي القشيري. وولي القضاء بمصر عن قاضي القضاة القشيري المذكور، وولي دمياط وبلبيس عن قاضي القضاة أبي عبد الله محمد ابن جماعة، وأشموم. وولي نيابة الحكم بالحسينية ظاهر القاهرة، ودرس بالمدرسة الطيبرسية بمصر، وبالمدرسة المعزِّية، وبزاوية الذروي بالجامع العتيق، وبالمسجد بالشارع خارج القاهرة. وصنف في الفقه "مختصرًا" حسنًا، لخص فيه كتاب "المعين"، وشرح التنبيه "شرحًا جيدًا" (٢)، ولم يكمله، واختصر "كتاب الترمذي في الحديث" (٣). وكان قوي النفس؛ حصل بينه وبين الفخر ناظر الجيوش شيء، وسببه أنه ركب لرؤية هلال شهر رمضان ورجع، والمديرون أمامه يصيحون على العادة، فمروا على دار

стр. 857

الفخر، فأهان المديرين، فشق على البالسي، وانزعج وتكلم في ذلك الوقت، وكتب محضرًا، وجرى في ذلك كلام، ولوطف وسئل أن يجتمع بالفخر، فلم يفعل، فطلب مرة من قاضي القضاة القزويني قضية فتوقف، وكان ينوب عنه بمصر، فصرف نفسه، ثم استرضي وعاد إلى النيابة. وكان إذا سُئل في قضاء حاجة بادر إلى قضائها. سكنه بمدرسة طيبرس، فطلبت منه كتابًا من وقف المدرسة المعزّية، فرجع إلى المعزية من دار النحاس بمصر، وأخرج الكتاب وأرسله إلي. وكان موثرًا مع ضيق الحال، قانعًا باليسير، متقللًا في المأكل والملبس. ودارت عليه الفتوى بمصر، واشتغل طلبة مصر عليه، وانتُفِع به، ومضى على جميل، متبوعًا بالثناء الجزيل. ومولده سنة ستين وست مئة. وتوفي بمصر، في ليلة تسفر عن رابع عشر المحرم، سنة تسع وعشرين وسبع مئة، عفا الله عنه. ٤٣٩ - محمد بن علي بن الحسن الواسطي، المعروف بابن أبي الصقر (١). كان فقيهًا على مذهب الشافعي، كاتبا أديبًا. سمع الحديث ببلده، وتأدَّب بأبي الحسن محمد بن الجيشي النحوي، وأخذ عن أبي

стр. 858

غالب محمد بن محمد بن بشران، ودخل بغداد، وتفقه بالشيخ أبي إسحاق الشيرازي، وعلق عنه ثلاثة "تعاليق"، وسمع بها من الحافظ أبي بكر الخطيب، وأبي سعد المتولي، وغيرهما. وحدَّث، سمع منه الحافظ محمد بن ناصر السَّلامي، والجواليقي، وغيرهما. ولما وقعت الفتنة بين الحنابلة والأشاعرة، كان فيها قائمًا قاعدًا، ونظم عدة أشعار سماها الشافعيات رُويَت عنه. وذكره الحافظ ابن النجار، وأورد من شعره، قوله: من قال لي جاه ولي حشمةٌ … ولي قبولٌ عند مولانا ولم يعد ذاك بنفعٍ على … صديقه لا كان من كانا وقوله أيضًا: شعر يا عاذلي لولا اعتداء عذاره … ما قال لي قلبي احتمله وداره وإذا سعى ساعٍ به فجوابه … عمَّا يحدثنيه من أخباره أو كيف يسمع فيه دعوى مدَّعٍ … من لا يؤاخذه على إقراره وقال أبو منصور يحيى الخاني: أنشدني ابن أبي الصقر لنفسه، قوله: شعر علة سميت ثمانين عامًا … منعتني للأصدقاء القياما فإذا عمّروا تمهد عذري … عندهم في الذي ذكرت وقاما ولد بواسط، في ليلة الاثنين ثالث عشر ذي قعدة، سنة تسع وأربع مئة. وتوفي بها، يوم الجمعة رابع عشر جمادى الأولى، سنة ثمان وتسعين وأربع مئة، عفا الله عنه.

стр. 859

٤٤٠ - محمد بن علي بن شعيب الدهان القرشي، المكنى بأبي شجاع (١). كان فاضلًا أديبًا، وله يدٌ في الحساب، وعلم الفرائض، والرياضيات، وله في ذلك مصنفات (٢)، وكان قيِّمًا بعلم النجوم وحل الزيجات. روى عن أبي الوقت، ولما أقدم الوزير ابن هبيرة أبا الوقت، مدحه أبو شجاع هذا بقوله: شعر فقال: شكر الله حسن صنعك فينا … كم رأينا لديك دُنيًا ودينا كم رفعت السنين عنا وكم … ألحقت طفلًا بمن يعدُّ السنينا ولما مرض ابن الدَّوامي، نظم أبو شجاع فيه قوله: شعر نذر الناس يوم بُرئك صومًا … غير أني نذرته لك فطرا عالمًا أن ذلك اليوم عيدٌ … لا أرى صومه وإن كان نذرا ومدح التاج الكندي بقوله: يا زيد زادك الله من مواهبه … نُعْمَى يقصر عن إدراكها الأمل

стр. 860

لا بدَّل الله حالا قد حباك بها … ما دار بين النحاة الحال والبدل النحو أنت أحقُّ العالمين به … أليس باسمك فيه يضرب المثل توفي بالحلة، قافلًا من الحج، سنة تسعين وخمس مئة، عفا الله عنه. ٤٤١ - محمد بن علي بن علي بن المفضل الحلّي، المنعوت بالمهذب، المكنى بأبي طالب، المعروف بابن الخيمي (١). كان إمامًا في اللغة، أديبًا شاعرًا. دخل بغداد فسمع بها من ابن الزاغوني، وتأدب بابن القصَّار، وابن الأنباري، وابن الدبَّاغ، وابن عبدة، وغيرهم. ودخل دمشق، وأخذ عن الكندي، ودخل مصر، وحدث بشيء من شعره. روى عنه الحافظ المنذري، وله مصنفات (٢). قال: المنذري، أنشدني لنفسه قوله: أربعة من شكَّ في فضلهم … فهو عن الإيمان في معزل فضل أبي بكرٍ وتقديمه … وصاحبيه وأخيهم علي فقل لهم عني كذا أخبر الثقات عنهم وكذا قيل لي وإنَّ من أقبحها شنعةً … تأخير من قُدِّم في الأول

стр. 861

وأخبرني أنه ولد بالحلّة، في ثامن عشرين شوال، سنة تسع وأربعين وخمس مئة. وتوفي يوم الأربعاء، العشرين من ذي قعدة، سنة اثنتين وأربعين وست مئة. وقال غير المنذري: سنة إحدى. ٤٤٢ - محمد بن علي ابن عسكر الغسَّاني المالقي، المكنى بأبي بكر، الفقيه المالكي القاضي (١). تولَّى القضاء ببلده، وكان عالمًا متفننا أديبًا. ذكره ابن سعيد في "التاريخ الصغير"، وبالغ في الثناء عليه، وعلى فضله، والشهادة له بتقدمه في الفنون ونبله. وقال: عهدي به في بلده ورئاسته الفتوى والحكم بها في يده، ومجلسه منتدى الأعيان، ومرتقى فلان وفلان، وهو يقرئ كل فن، ولا ينفصل عنه طالب علم إلا انفصال الخليع عن الدنّ، وانتفعت به وبكتبه وعلمه، ورغبت إليه أن ينشدني شيئًا من غزله، وكان لا يتظاهر به ولا يبديه إلا أنه لا يخلو منه، لما جعله الله فيه وركبه في طباعه من الرقَّة واللطافة، وسلب عنه من الغثاثة والكثافة، فأنشدني وقال: حسبك مني واكتمه بفضلك عني، فقال قوله: شعر أهواك يا بدر وأهوى الذي … يعذلني فيك وأهوى الرَّقيب والجار والدار ومن حلَّها … وكل من مرَّ بها من قريب ما أن تنصَّرت ولكنني … أقول بالتثليت قولا غريب

стр. 862

تطابق الألحان والكأس إذ … تبسم عجبًا والغزال الرَّبيب وقال: إنه توفي ببلده، سنة ثمان وثلاثين وست مئة (١). ٤٤٣ - محمد بن علي بن محمد المصري، المنعوت بالفخر، الصاحب ابن الوزير بهاء الدين (٢). روى الحديث عن ابن المقير. وتفقَّه على مذهب الشافعي، ودرَّس بمدرسة والده بزقاق القناديل بمصر، وصار وزير الصحبة مدة، وبنى بالقرافة رباطًا. وكان حسن الشكل، مليح الهيئة، خيرًا محبًا لأهل الخير، مجانبًا لأهل الشر، وهو والد الصاحبين زين الدين وتاج الدين، ومضى على جميل وسداد وثناء جميل. وتوفي بمصر، في الحادي والعشرين من شعبان، سنة ثمان وستين وست مئة. ٤٤٤ - محمد بن علي بن عبد الواحد بن عبد الكريم بن خلف بن نبهان الأنصاري الدمشقي، المنعوت بالكمال، المعروف بابن الزَّملكاني (٣).

стр. 863

كان من أعيان الفقهاء الشافعية بدمشق في عصره وفضلائها، عارفًا بفنون من الفقه والأصولين، وله مشاركة في النحو والأدب والكتابة. وله خط جيد وترسُّل حسن، ونظم رائق. وهو أحد المقدَّمين في الفتوى والتدريس ببلده، والمتصدي لإشغال الطلبة، والمشاور في عقد المجالس، والمرجوع إليه في المناظرة. ولما نُقل عن ابن تيمية الحنبلي كلامًا، ورسم بعقد مجلس عُيِّن للمناظرة هو والصفي الهندي، وناظر، وظهرت فضيلته. وكان ذكي الفطرة، ثاقب الذهن، فصيح العبارة. سمع الحديث من المسلم بن محمد، وابن البخاري، وأبي الفتح يوسف بن يعقوب ابن المجاور، وأبي إسحاق إبراهيم بن علي الواسطي، وغيرهم، وتفقه بالشيخ أبي إبراهيم عبد الرحمن الفزاري، وتخرج عليه في الفقه، وغيره. وقرأ الأصولين على القاضي بهاء الدين ابن الزكي، وغيره، والنحو على بدر الدين محمد بن محمد بن المبارك. ودرَّس بالشامية الكبرى بدمشق، وبالمدرسة الظاهرية، والعذراوية، والرواحية. وتصدى للفتوى والتصنيف، وصنف كتبًا، منها: كتابه الذي سماه بـ "العمل المقبول في زيارة الرسول"، ردَّ فيه على الشيخ التقي ابن تيمية في إنكاره مشروعية ذلك وجوازه، وردّ عليه جماعة هو من أفضلهم، وله كتاب سماه "عجالة الراكب" (١)، و"كتاب في أصول الفقه"، وشرع في شرح "الأحكام الصغرى في الحديث"، تصنيف

стр. 864

عبد الحق الإشبيلي، وشرح قطعة من "المنهاج" (١) في الفقه، تصنيف الشيخ أبي زكرياء النووي، ولم يكمله، وأخذ في ترتيب "الأم" للإمام الشافعي، ولم يتمه. وولى القضاء بحلب، واستمر فيه إلى أن ولي جلال الدين محمد القزويني القضاء بالديار المصرية، وشَغِرت دمشق، فطُلب من حلب ليولَّى دمشق، فوصل إلى بُلبِيس، فأدركه القضاء وعاقه عن تولية القضاء. وله قصيدة مطولة، أولها قوله: شعر أهواكِ يا ربَّة الأستار أهواك … وإن تباعد عن مغنايَ مغناك وأعمل العيس والأشواق تحملني … عسى يشاهد معناكِ مُعنَّاك وكتب إلى قاضي حماة شرف الدين هبة الله ابن البارزي، يطلب منه كتابه الذي سماه "تيسير الفتاوى توضيح الحاوي الصغير" (٢) كتابًا، وفيه هذه الأبيات شعر: يا واحد العصر ثاني الشمس في شرفٍ … وثالث العمرين السالفين هدى تيسيرك الشامل الحاوي الوجيز له … نهايةٌ لم تنلها غايةٌ أبدا محرَّرٌ خُصَّ بالفتح العزيز ففي … تهذيبه المقصد الأسنى لمن قصدا وقد سمت همَّتي أن أصطفيه لها … وأن أعلَّمه الأهلين والولدا فامنن بها نسخةً صحَّت مقابلةً … ولاح نورك في أثنائها وبدا لازِلْت بحر علومٍ طاب مورده … وكل ظمآن علم منه قد وردا وله في زفَّةٍ زُفَّت لعروس في دمشق، قوله أيضًا: شعر

стр. 865

وجدتُ في بارحتي زفَّةً … قضيتُ منها بعض أوطاري وشمعنا مثل نجوم الدُّجى … محيطةٌ بالقمر الساري ولد بدمشق، ليلة الاثنين ثامن شوال، سنة سبع وستين وست مئة. وتوفي ببُلبيس، سادس عشر شهر رمضان، سنة سبع وعشرين وسبع مئة، وحمل إلى قرافة مصر، فدفن بها. ورثاه الأديب البارع جمال الدين ابن نباتة بقصيدة أولها قوله: شعر بلِّغ القاصدَين أن الليالي … قبضت جملة العلا بالكمال وقفا في مدارس العقل والنقل ونوحا معي على الأطلال سائلاها عسى يجيب صداها … أين ولَّى مجيبُ أهل السؤال أين ولَّى بحر العلوم وأبقى … بين أجفاننا الدموع اللآلي يا لها من رزيَّة في حشى الإسلام من وقعها بحدِّ النّصال وتقضَّت بهجة الحياة ولا … ينكر تأثير النقص عند الكمال ٤٤٥ - محمد بن علي بن موسى بن عبد الرحمن الأنصاري المحلي، المنعوت بالأمين (١). كان نحويًا عروضيًا، وتصدر للإقراء بمصر، واشتُغِل عليه، وانتفعوا به، وانتهت إليه رئاسة هذا الفن بمصر في عصره.

стр. 866

وصنَّف في النحو "العلامات" ينتفع بها المبتدئ، و"المفتاح" (١)، وهو كتاب سهل العبارة، ليِّن الكلام، قريب المأخذ، وصنف في العروض "كتابًا" (٢) مبسوطًا سهل التناول. وسمع الحديث من الحافظ الرشيد العطار. كتب عنه أبو بكر ابن عبد الباقي، وشيخنا الفقيه المقرئ أبو عبد الله محمد الشهير بالصائغ، وقرأ عليه شيئًا من النحو هو وجمع من الفضلاء. وله نظم، منه ما أنشدنا الشيخ تقي الدين الصائغ، قال: أنشدنا لنفسه قوله: شعر عليك بأرباب الصدور فمن غدا … مضافًا لأرباب الصدور تصدَّرا وإياك أن ترضى صحابة ساقطٍ … فتنحطَّ قدرًا عن عُلاك وتصغرا فرفعُ أبو من ثم خفض مزمَّلٍ … يحقق قولي معربًا ومحذِّرا فرفع أبو من، ثم أراد به أنَّ أبو لمَّا أضيف إلى من الاستفهامية التي هي لها صدر الكلام ارتفع. وقوله: خفض مُزمَّلٍ، عنيَ به قول امرء القيس، قال: شعر كأنَّ أبانًا في أفانين ودقه … كبيرُ أناسٍ في بجاد مزمَّل فمُزمَّل ليس صفة لبجادٍ، وإنما هو صفة لكبير، فحقُّه الرفع، لكنه لما جاوز بجادًا، وهو مخفوض، خُفض بالجواز.

стр. 867

ويقرب من هذا أن شخصًا سأل شيخنا أثير الدين أبا حيان، فقال: إن شخصًا سأل ابن الأخضر بحضرة ابن الأبرش عن قول النابغة: مقالة أن قد قلت سوف أناله بأيِّ شيءٍ نصبَ مقالة؟ فأنشده ابن الأخضر هذا البيت الذي فيه: ولا تصحب الأرْدَى فتردى مع الرَّدي. فقال له السائل: ما فهمت؟ فقال ابن الأبرش: قد أجابك إن عقلت. فقال شيخنا أثير الدين: إن ابن الأخضر أراد أن مقالة لما أضيفت إلى من وهي مبنية، اكتسبت البناء بإضافتها إلى مبنى. وحكى لي الشيخ أثير الدين، قال: حكى لي ابن منهال، قال: حكى لي الأمين المحلى أنه توفيت زوجته، وأقام مدة، ثم نزل السوق يومًا، فرأى امرأة حسنة الشكل، قال: فسألتها عن حالها، فذكرت أنها غير ذات زوج، فاتفقت معها على أن أتزوج بها، وواعدتها، وتوجهت فجلست للإقراء، فحضر بعض الطلبة، وطلب أن يعرب شيئًا، فقلت في نفسي: الذي يبتدئ بإعرابه هو فأل هذه المرأة، فأنشد: شعر وتلك عجوزٌ لا رعى الله شيبها … على وجهها بالفاحشات شُهود تقود إذا حاضت وإن طهرت زَنْت … فتلك التي يُزْنى بها وتقود قال: فسألت عنها، فكانت كما في البيت المذكور. ولد الأمين بالمدينة المعروفة بالمحلة: مدينة الغربية، في شهر رمضان، سنة ست مئة. وتوفي بمصر، في ثاني عشر ذي القعدة، سنة ثلاث وسبعين وست مئة، عفا الله عنه. ٤٤٦ - محمد بن علي السُّلاقي، نسبة إلى قرية من عمل لبلة، يكنى أبا بكر النحوي الأديب (١).

стр. 868

قال ابن سعيد: كانت له شهرة بالحضرة المراكشية، وكان يقرئ كتاب سيبويه، وغيره، ومن أحفظ الناس لكتاب المبرد، وغيره من كتب الأدب، قرأت عليه، وكان هو وخير الموسيقى وابن يخلف من أشهر من بالحضرة في فن النحو والأدب، وقد جمعهم الشاعر الفقنقر المراكشي بقوله شعر: قل لابن يخلف مهما … لقيت وابن السلاقي وقل لخير الموسيقى … ثلاثةٌ في اتّساق زيدٌ وبكرٌ وعمرو … كم عُذِّبوا بالعراق وبعد في الغرب أمسوا … لديكم في وثاق ضربًا قيامًا قعودًا … وبعضهم في انطلاق العلم علمان [حقا] (١) … والنحو صنعةٌ باتفاق ما زال يلزمهما … في مفرَّق الآفاق تزندقٌ واتِّساخٌ … والضّيق في الإنفاق قال: وعهدي بالأستاذ أبي بكر يحفظها، ويقول: جزاه الله من قاصد شر خيرًا، فمن حين سمعتها لم أزل أحافظ على ناموس العلم والدين، مثابرًا على النظافة، وأوسع النفقة. قال: وكان الأستاذ رقيق الوجه، لا يريد تكليف أحد، ولا يعتذر لمن سأله حاجة، فاتفق أنه قصده ثقيل، وسأله حاجة وشفاعة عند شخص كبير، فقال: من بُليَ بالمعارف بُليَ بكمد الدهر، ثم قال: لله در العطوي الشاعر حيث قال: شعر

стр. 869

لم تفد كثرةُ الأخلّاء إلا … تعب النفس في قضاء الحقوق فإذا أحوجَ الزَّمان إليهم … لم تجد غير جفوةٍ وعقوق قال: وبُلي مرة أخرى بشخص كلَّفه حاجة، ولم يعذره وأضجره، فأنشد الأستاذ لنفسه قوله: شعر سألتك بالله خفِّف قليلًا … فكم ذا تعيش بغيضًا ثقيلا وأَعجبُ شيءٍ غريب يُرى … مدى الدَّهر مستشفعًا مستبيلا أبيت سوى كل فعل قبيحٍ … فأفنيت والله صبري الجميلا وله: لحا الله أبناءَ دُنيًا غداتها … رسمهم أبدًا لن يبيدا وكلٌّ يُنَقَّص ندًّا له … ويرجو بتنقيصه أن يسودا وله: أتُرى يجمع شملي بكم … أبدًا يا أهل نعمان الأراك كلَّ يومٍ أنا شاك منكم … وعليكم أنا طول الدهر باكي قال: وتوفي سنة خمس وست مئة، عفا الله عنه. ٤٤٧ - محمد بن علي بن غازي الحموي، الفقيه الشاعر الأديب (١). دخل بغداد، فصار من شعراء الديوان العزيز، واشتهر بالفقه، والتأهل، والتدريس. وكان يجلس فوق الشهود، فصار لما عُدِّل تحت، فإن العادة عندهم أن يجلس فوق الأقدم فالأقدم، ثم نظم قوله: شعر

стр. 870

عدَّلوني ولو دروْا كُنْه حالي … عدَلوني سفاهة بالكلاب الحس الكسُّ في الحرام ومهما … لاح جحرٌ جعلته محرابي فتحيل من يعاديه إلى أن حملها إلى القاضي، ووقف عليهما بخطِّه، فأسقطه، فتجلَّد لذلك، وأظهر السرور وعدم الاكتراث بما فعله القاضي معه من الإسقاط، وقال: ارتفعت منزلتي وعظم قدري لأني كنت أولًا أجلس فوق الشهود، فلما عدلت صرت أجلس تحتهم، وقد صرت إلى حالتي الأولى، وجلست فوقهم. وأورد المؤرخ الأديب النجم القيلوى من شعر الحموي هذا على ما ذكره أبو الحسن علي ابن سعيد قوله: شعر يا ناقلًا خبر الحمى كرِّر فما … سمعي على غير الحمى موقوف كلَّا ولا بصري ولا فكري وسل … عنِّي فحبِّي بينهم معروف وبغير جيران الحمى ما شاع لي … ذكرٌ وقلبي نحوهم مصروف وقوله أيضًا يمدح، قال: شعر ففي جوده بحرٌ وغيثٌ وحاتمٌ … ومعنٌ ومعناه على الكل زائد وفي بأسه عبسٌ وعمرو وعامر … وفي ذكره الباقي عليٌّ وخالد ٤٤٨ - محمد بن علي بن محمد بن محمد بن علي الأنصاري الموصلي، المكنى بأبي البركات، الفقيه الشافعي القاضي (١). سمع بالموصل من والده، ومن أبي بكر يحيى بن سعدون، والقاضي أبي بكر محمد بن

стр. 871

القاسم الشهروزي، وغيرهم، ودخل بغداد فسمع من محمد بن ناصر الحافظ، وأبي الوقت، والنقيب أبي عبد الله أحمد بن علي الحسني، وجماعة، وبالبصرة من أبي العباس أحمد بن عبد الله بن الموصلي، وبهمذان من الحافظ أبي العلاء الحسن بن أحمد، وبحلب من الفقيه أبي سعد ابن أبي عصرون، وغيره، وبدمشق من الحافظين أبي القاسم، وأبي الحسين هبة الله، وبدمياط من القاضي أبي المكارم الحسن بن عبد الله بن الجباب، وبمصر من الفقيه أبي الحسن علي بن إبراهيم بن المسلم، وأبي الفتح الحموي، وبسيوط من المكين أبي القاسم الفضل بن عبد المنعم، والأديب أبي القاسم عبد الحميد بن عبد المحسن، وبقوص من أبي إسحاق إبراهيم بن أحمد بن علي، وبأسوان من القاضي أبي الحسين محمد بن إبراهيم بن أحمد بن الزبير، وغيره. وتولى القضاء بحماة ثمان سنين، وبأسيوط عشرين سنة، وبأسوان أربع سنين. وحدث، سمع منه خطيب سيوط أبو الرضى محمد بن سليمان، وغيره. وصنَّف تصانيف، منها كتابه الذي سماه بـ "عيون الأخبار وغرر الحكايات والأشعار المستخرجة من الأصقاع والأمصار"، وفيه أوهام كثيرة، وجمع "أربعين حديثًا عن أربعين شيخًا في أربعين مدينة"، وجمع "معجم النساء". ومولده بالموصل، سنة ثلاثين وخمس مئة. وتوفي بسيوط، ثامن ربيع الأول، سنة ست مئة. ٤٤٩ - محمد بن علي بن يوسف بن محمد بن يوسف الأنصاري الرّضي الشاطبي، المكنى بأبي عبد الله، اللغوي المقرئ (١).

стр. 872

قرأ القراءات الثمان على الخطيب أبي الحسن علي بن أحمد البلنسي، وقرأ على أبي زكرياء يحيى بن علي الأنصاري السبعة، وعلى أبي عبد الله محمد بن أحمد بن مسعود الأزدي الشاطبي قراءة نافع. وسمع الحديث بالمغرب من الحافظ أبي الربيع سليمان بن موسى بن سالم، وقرأ عليه بلفظه "التقصي" (١)، و"الملخص" (٢)، و"الأربعين" للآجري، و"الشمائل"، وكثيرًا من "الاستيعاب"، و"الاكتفاء"، و"التبصرة" (٣) لمكي، و"تلخيص" (٤) أبي معشر، و"مقامات" الحريري. وسمع بمصر من العلامة أبي الحسن علي بن هبة الله بن سلامة الشافعي، ومن ابن المقير. وكان إمامًا في اللغة، متقنًا حجةً، ثبتًا، وله حظٌّ جيد في الأنساب وحفظ المواليد. وكتب على كتاب الصحاح وغيره حواشٍ يجيء منها مجلدات. قال لي شيخنا العلامة أبو حيان، قال لي الشيخ الرضي: إن لسان العرب قسمان، قسم أعرف لفظه ومعناه، وقسم أعرف لفظه كيف نطق به، ولا أعرف مدلوله. ومع ذلك، كان لا يقيم وزن الشعر ويكسره، ويقول لي: اجعل بالك مني إذا أنشدته. قال الشيخ: وقال لي: كان الرزق في ديار مصر بيد رجلين: تاج الدين ابن بنت

стр. 873

الأعز، والصاحب بهاء الدين، وما وصلت إلى واحد منهما ولا سلمت عليه، ووجدت بها ابن الزبير أغناني عن الناس، فما احتجت إلى أحد. وكان معظَّمًا، مقبول الشفاعة عند القضاة، وفيه لطافة. وكان فيه ميل إلى الشباب؛ وجرى له مع شاب واقعة، وشكاه والده للوالي، ومُسِك، فأرسل الشيخ الخزرجي خلصه، وقال له: لو علمت أنك تروم منه فاحشة ما شفعت فيك، حكى لي ذلك عنه شيخنا أبو حيان. وتحاكم إليه أبو الحسين الجزار والسراج الوراق، في أيهما أشعر، وأرسل إليه الجزار شيئًا، فقال: هذا شعر جزل من نمط شعر العرب، فبلغ ذلك الوراق فأرسل إليه شيئًا فقال: هذا شعر سلس، فأخَّر الأمر، قال: ما أحكم بينكما. سمع منه شيخنا أثير الدين، وقرأ عليه كتاب "التيسير" (١)، وأثنى عليه ثناء جميلًا. ولما توفي، أنشد شيخنا أثير الدين ارتجالًا: شعر نُعِي لي الرّضي فقلت لقد … نُعِي لي شيخ العلا والأدب فمن للغات ومن للثقات … ومن للنحاة ومن للنَّسب لقد كان للعلم بحرًا فغار … وإن غيور البحار العجب فَقُدِّس من عالم عاملٍ … أثار شجونيَ لما ذهب ولد الرّضي ببلنسية، سنة إحدى وست مئة. وتوفي بمصر، في يوم الجمعة الثاني والعشرين من جمادى الأولى، سنة أربع وثمانين، ودفن بقرافة مصر، بالقرب من قبر الشيخ الخزرجي.

стр. 874

٤٥٠ - محمد بن علي بن الحسين بن حمزة الأخلاطي، المنعوت بالنجيب، ويكنى أبا الفضل، الفقيه الشافعي (١). وتولى الإعادة بالمدرسة المسرورية بالقاهرة. وشرح "التنبيه" في مجلدات. وخطب بجامع المقسم، وناب في الحكم في الشارع. ودخل دمشق، فسمع بها من ابن اللتي، ورحل إلى بغداد، فسمع بها من الشيخ الإمام أبي حفص عمر السهروردي، وحدَّث. ومولده في شهر ربيع الأول، سنة أربع وتسعين وخمس مئة. وتوفي بالقاهرة، في شهر رمضان، سنة خمس وستين وست مئة، عفا الله عنه. ٤٥١ - محمد بن علي بن يحيى بن الغرناطي أبو محمد (٢). كان فقيهًا نحويًا، مشاركًا في عدة فنون، أديبًا شاعرًا. سمع بدمشق، وسمع بالمغرب الموطأ من أبي محمد ابن هارون، وسمع بالحجاز من جماعة. وشرح "الجمل" في النحو.

стр. 875

وحدَّث؛ سمع منه البرزلي، وجماعة. وجاور بمكة والمدينة مدة. وله نظم كثير، منه في المدح النبوي أكثر من ألفي بيت. ولد بأحواز غرناطة، سنة إحدى وسبعين وست مئة. وتوفي بالمدينة النبوية، في يوم الاثنين سادس صفر، سنة خمس عشرة وسبع مئة. ٤٥٢ - محمد بن علي الهَمْداني الوادي آشي أبو القاسم، المعروف بابن البرَّاق (١). كان فاضلًا، أديبًا شاعرًا. سمع الحديث ببلنسية، ومرسية، وأخذ العلم عن المشايخ بهما، ثم رجع إلى بلده. وذكره الأبار في "التحفة" (٢)، وأورد من شعره قوله في لابس ثوب أصفر فوق أحمر: برَّح بي ذو محاسن صرفت … لواحظ الخلق عن سنا الفلق (٣) تشتاقه أضلعي وإن رشقت … أحناءها منه أسهم الحدق يعطفه التيه في مصبَّغة … بثت هناك الشعاع في الأفق كالشمس عند الأصيل قد لبست … صفرتها تحت حمرة الشفق وقوله:

стр. 876

قالوا التحى وستسلو عنه قلتُ لهم … لا يحسن الرَّوض ما لم ينبت الزهر هل التحى طرفه الساجي فأهجره … أو هل تزحزح عن أجفانه الحور توفي سنة ست وتسعين وخمس مئة، عفا الله عنه. ٤٥٣ - محمد بن عمر الأندي، وأندة حصن من حصون رندة، يكنى أبا بكر، أديب شاعر (١). هاجر مع ابن سهل إلى إشبيلية. قال ابن سعيد: وكنت معه، وكان قصده الاستكثار من الأدب، ولم يكن أولًا فيه قويَّ السبب، إلا أنه في آخر عمره عذب شربه، ونما عشبه، والمعاشرة تحنيك، وخير الذهب السبيك، ورأى بإشبيلية عباد بن خيار بن عباد، وكان مليح ذلك البلد، فقال فيه قوله: شعر سطوة عبَّاد لعباد … ما بين إصدار وإيراد إذا رنت مقلته نحونا … فإنما الموت بمرصاد أبصرته في سيره عارضًا … كالبدر في أنجم أجياد وأعين الناس إلى حسنه … من حاضرٍ منهم ومن باد وسندس الخزّ ومن فوقه … كمائس في الدوح مياد فقلت وأشواقي إلى لثمه … ما بين أعداءٍ وحُسَّاد لو لم تكن أيامنا أبرزت … منه غزالًا بين آساد ما دمت ألقاه وأرنو له … فالدهر لي أيام أعياد

стр. 877

وقال: وقد رآه في سماوي أزرق، كأنه البدر إذا أشرق: شعر تطلَّع في سماويٍّ فساءت له … في ذلك الزي الظنون فقلت ألبسة الأحزان تُبدى … لنا والمستهام هو الحزين فقال لبستها كيما تسلّى … فقلت هناك أعشق ما أكون لقد شقيت بك الأرواح حزنًا … كما سعدت بمرآك الجفون قال: وتركته يخبط عشواء في شبابه، وما أدري ما صرفَت به صروف الزمان بعد اغترابه وإيابه، عفا الله عنه. ٤٥٤ - محمد بن عمر الإشبيلي، يكنى أبا عبد الله، ويعرف بالمهيدر (١). أديبٌ شاعرٌ فاضلٌ. قال ابن سعيد: لقيته بمراكش قبل سنة خمس وعشرين وست مئة، وحفظت من شعره في فاختة، بعث بها إلى أبي العلاء ابن الوزير أبي الحسن ابن أبي العلاء، وهو قوله: شعر ألا خذها إليك أبا العلاء … حلى الأمداح ترفل في الثناء وهبها قينة تهدى عروسًا … خضيب الكف قانية الرداء وقوله: إنا إلى الله حلَّت … بنا أمور بديعه باب الشريعة أمسى … به تزال الشريعه وصاحب القصر فيه … كمثل حال الوديعه

стр. 878

٤٥٥ - محمد بن عمر بن الحسين بن علي البكري الرازي، ينعت بالفخر، ويعرف بابن الخطيب، أبو عبد الله (١). الإمام في المعقولات، وغيرهما من المنقولات. تفقه على مذهب الشافعي بأبيه، وابن السمناني، والمجد الحنبلي، وغيرهم. وذكره ابن الربيب وقال: كان أوحد زمانه، قطعت إليه المراحل، وصنف ما يزيد على مائتي تصنيف، وسارت تصانيفه في الآفاق، وانتشر ذكره بمصر والشام والعراق، وبُنِيت له عدة مدارس، ونفق عند السلاطين، وكان زيادة على خمسين مملوكًا، يقفون على رأسه بمناطق الذهب والفضة، وعليهم ثياب الموشى. واختصَّ بعلاء الدين خوارزم شاه محمد، صاحب خوارزم وخراسان، وكان يُجلسه إلى جانبه، وقال يومًا للسلطان: نحن في ظل سيفك، فقال له السلطان: نحن في شمس علمك، واستحسن ذلك من السلطان.

стр. 879

ثم انفصل عنه، واجتمع بشهاب الدين سام صاحب غزنة، وما انضاف إليها من بلاد الهند والسند، وأقام عنده، وجرت عليه محنة عندما هجمت الحشيشية على السلطان، فخلصه الله تعالى. فانصرف إلى مدينة هراة، من أمهات مدن خراسان، وهي مشهورة بالعلماء والزهاد، فلزم بها التدريس والعبادة، وكانت له أوراد وصلاة وصيام، لا يخل بها إلى أن مات. قال: ومع تبحره في العلوم الحديثة والقديمة، فكان يقول: من التزم مذهب العجائز فهو الفائز. وهو قولٌ قد تقدَّمه إمام الحرمين إليه ونبَّه عليه، حيث قال: قلبت في علم الكلام اثنتي عشرة ألف ورقة، وإن لم يلطف الله بابن الجويني فيموت على دين العجائز، فواخيبته. قال ابن الربيب: ومن مشهور شعره في آخر عمره قوله: شعر إليك إله الخلق وجَّهت وجهي … وأنت الذي أدعوه في السر والجهر وأنت غياثي عند كل ملمَّة … وأنت أنيسي حين أُفْرد في القبر وأنشد له ابن خلكان (١)، وغيره، قوله أيضًا: شعر، ﵁ نهايةُ إقدام العقول عقالُ … وأكثر سعي العالمين ضلالُ وأرواحنا في وحشة من جسومنا … وحاصل دنيانا أذى ووبال ولم نستفد من بحثنا طول عمرنا … سوى أن جمعنا فيه قيل وقالوا وكم قد رأينا من رجالٍ ودولةٍ … فبادوا جميعا مسرعين وزالوا

стр. 880

وكم من رجالٍ قد علت شرفاتها … رجال فزالوا والجبال جبال قال ابن الربيب: ويُحكى عنه أنه لما احتضر قال: يا ليتني لم أخلق، وليتني إذ خُلقت لم أنطق، وليتني إذ نطقتُ لم أنطق بما لا أدري، هل هو لي أو عليَّ. وله وصيةٌ حسنةٌ عند وفاته، شاهدة له بالخير. قال: ولما نُفي الشرف ابن عُنَين من دمشق، انتهى به التغرب إلى صدر الشرف، فحضر مجلس الإمام وهو يعظ على المنبر، فجاءت يمامة أمام جارح، فدخلت في كم الإمام، فتعجب الناس لذلك، فارتجل ابن عُنَين قوله: شعر جاءت سليمان الزَّمان يمامةٌ … والموت يلمع من جناحي خاطف من أعلم الورقاء أن جنابكم … حرمٌ وأنك ملجأٌ للخائف قال: وكان قد سبق له الكلام مع الإمام، وهربه من بلده وتغرُّبه، وما جرى له مع الملك المعظم صاحب دمشق، ومع أرباب دولته، فلما أنشد ابن عنين البيتين استحسن الإمام مقصده، وفهم ما أدمجه في شعره، وقال له: إن شعرك ليتعلق بالعنان، فقال: سما بأن ذُكر فيه فخر الزمان، ثم إن ابن عنين اجتمع به بعد ذلك، فقال له الإمام: أيها المحسن ما يغنيك؟ فقال: الرجوع إلى وطني، وهو في هذا الوقت غير ممكن، لأن المالكين له لا يشتهون رجوعي ولا يختارون قربي، وقد قلت في ذلك: شعر ونعم صدقْتَ دمشق جنة … هذه الدنيا ولكن الجحيم في ذلي (١) لا الرافضي (٢) الحلبي ينفذ حكمه … فيها عليَّ ولا العواني الموصلي
следующие страницы →