← Тараджим

Тараджим · id 30063

البدر السافر عن أنس المسافر

كمال الدين الأدفوي

Полный текст (1 191 стр.). Показаны 876–915 · переход к 881.

стр. 876

قالوا التحى وستسلو عنه قلتُ لهم … لا يحسن الرَّوض ما لم ينبت الزهر هل التحى طرفه الساجي فأهجره … أو هل تزحزح عن أجفانه الحور توفي سنة ست وتسعين وخمس مئة، عفا الله عنه. ٤٥٣ - محمد بن عمر الأندي، وأندة حصن من حصون رندة، يكنى أبا بكر، أديب شاعر (١). هاجر مع ابن سهل إلى إشبيلية. قال ابن سعيد: وكنت معه، وكان قصده الاستكثار من الأدب، ولم يكن أولًا فيه قويَّ السبب، إلا أنه في آخر عمره عذب شربه، ونما عشبه، والمعاشرة تحنيك، وخير الذهب السبيك، ورأى بإشبيلية عباد بن خيار بن عباد، وكان مليح ذلك البلد، فقال فيه قوله: شعر سطوة عبَّاد لعباد … ما بين إصدار وإيراد إذا رنت مقلته نحونا … فإنما الموت بمرصاد أبصرته في سيره عارضًا … كالبدر في أنجم أجياد وأعين الناس إلى حسنه … من حاضرٍ منهم ومن باد وسندس الخزّ ومن فوقه … كمائس في الدوح مياد فقلت وأشواقي إلى لثمه … ما بين أعداءٍ وحُسَّاد لو لم تكن أيامنا أبرزت … منه غزالًا بين آساد ما دمت ألقاه وأرنو له … فالدهر لي أيام أعياد

стр. 877

وقال: وقد رآه في سماوي أزرق، كأنه البدر إذا أشرق: شعر تطلَّع في سماويٍّ فساءت له … في ذلك الزي الظنون فقلت ألبسة الأحزان تُبدى … لنا والمستهام هو الحزين فقال لبستها كيما تسلّى … فقلت هناك أعشق ما أكون لقد شقيت بك الأرواح حزنًا … كما سعدت بمرآك الجفون قال: وتركته يخبط عشواء في شبابه، وما أدري ما صرفَت به صروف الزمان بعد اغترابه وإيابه، عفا الله عنه. ٤٥٤ - محمد بن عمر الإشبيلي، يكنى أبا عبد الله، ويعرف بالمهيدر (١). أديبٌ شاعرٌ فاضلٌ. قال ابن سعيد: لقيته بمراكش قبل سنة خمس وعشرين وست مئة، وحفظت من شعره في فاختة، بعث بها إلى أبي العلاء ابن الوزير أبي الحسن ابن أبي العلاء، وهو قوله: شعر ألا خذها إليك أبا العلاء … حلى الأمداح ترفل في الثناء وهبها قينة تهدى عروسًا … خضيب الكف قانية الرداء وقوله: إنا إلى الله حلَّت … بنا أمور بديعه باب الشريعة أمسى … به تزال الشريعه وصاحب القصر فيه … كمثل حال الوديعه

стр. 878

٤٥٥ - محمد بن عمر بن الحسين بن علي البكري الرازي، ينعت بالفخر، ويعرف بابن الخطيب، أبو عبد الله (١). الإمام في المعقولات، وغيرهما من المنقولات. تفقه على مذهب الشافعي بأبيه، وابن السمناني، والمجد الحنبلي، وغيرهم. وذكره ابن الربيب وقال: كان أوحد زمانه، قطعت إليه المراحل، وصنف ما يزيد على مائتي تصنيف، وسارت تصانيفه في الآفاق، وانتشر ذكره بمصر والشام والعراق، وبُنِيت له عدة مدارس، ونفق عند السلاطين، وكان زيادة على خمسين مملوكًا، يقفون على رأسه بمناطق الذهب والفضة، وعليهم ثياب الموشى. واختصَّ بعلاء الدين خوارزم شاه محمد، صاحب خوارزم وخراسان، وكان يُجلسه إلى جانبه، وقال يومًا للسلطان: نحن في ظل سيفك، فقال له السلطان: نحن في شمس علمك، واستحسن ذلك من السلطان.

стр. 879

ثم انفصل عنه، واجتمع بشهاب الدين سام صاحب غزنة، وما انضاف إليها من بلاد الهند والسند، وأقام عنده، وجرت عليه محنة عندما هجمت الحشيشية على السلطان، فخلصه الله تعالى. فانصرف إلى مدينة هراة، من أمهات مدن خراسان، وهي مشهورة بالعلماء والزهاد، فلزم بها التدريس والعبادة، وكانت له أوراد وصلاة وصيام، لا يخل بها إلى أن مات. قال: ومع تبحره في العلوم الحديثة والقديمة، فكان يقول: من التزم مذهب العجائز فهو الفائز. وهو قولٌ قد تقدَّمه إمام الحرمين إليه ونبَّه عليه، حيث قال: قلبت في علم الكلام اثنتي عشرة ألف ورقة، وإن لم يلطف الله بابن الجويني فيموت على دين العجائز، فواخيبته. قال ابن الربيب: ومن مشهور شعره في آخر عمره قوله: شعر إليك إله الخلق وجَّهت وجهي … وأنت الذي أدعوه في السر والجهر وأنت غياثي عند كل ملمَّة … وأنت أنيسي حين أُفْرد في القبر وأنشد له ابن خلكان (١)، وغيره، قوله أيضًا: شعر، ﵁ نهايةُ إقدام العقول عقالُ … وأكثر سعي العالمين ضلالُ وأرواحنا في وحشة من جسومنا … وحاصل دنيانا أذى ووبال ولم نستفد من بحثنا طول عمرنا … سوى أن جمعنا فيه قيل وقالوا وكم قد رأينا من رجالٍ ودولةٍ … فبادوا جميعا مسرعين وزالوا

стр. 880

وكم من رجالٍ قد علت شرفاتها … رجال فزالوا والجبال جبال قال ابن الربيب: ويُحكى عنه أنه لما احتضر قال: يا ليتني لم أخلق، وليتني إذ خُلقت لم أنطق، وليتني إذ نطقتُ لم أنطق بما لا أدري، هل هو لي أو عليَّ. وله وصيةٌ حسنةٌ عند وفاته، شاهدة له بالخير. قال: ولما نُفي الشرف ابن عُنَين من دمشق، انتهى به التغرب إلى صدر الشرف، فحضر مجلس الإمام وهو يعظ على المنبر، فجاءت يمامة أمام جارح، فدخلت في كم الإمام، فتعجب الناس لذلك، فارتجل ابن عُنَين قوله: شعر جاءت سليمان الزَّمان يمامةٌ … والموت يلمع من جناحي خاطف من أعلم الورقاء أن جنابكم … حرمٌ وأنك ملجأٌ للخائف قال: وكان قد سبق له الكلام مع الإمام، وهربه من بلده وتغرُّبه، وما جرى له مع الملك المعظم صاحب دمشق، ومع أرباب دولته، فلما أنشد ابن عنين البيتين استحسن الإمام مقصده، وفهم ما أدمجه في شعره، وقال له: إن شعرك ليتعلق بالعنان، فقال: سما بأن ذُكر فيه فخر الزمان، ثم إن ابن عنين اجتمع به بعد ذلك، فقال له الإمام: أيها المحسن ما يغنيك؟ فقال: الرجوع إلى وطني، وهو في هذا الوقت غير ممكن، لأن المالكين له لا يشتهون رجوعي ولا يختارون قربي، وقد قلت في ذلك: شعر ونعم صدقْتَ دمشق جنة … هذه الدنيا ولكن الجحيم في ذلي (١) لا الرافضي (٢) الحلبي ينفذ حكمه … فيها عليَّ ولا العواني الموصلي

стр. 881

فقال له الإمام: أنت الآن تشهد لهم عليك، فقال: يا مولاي، مالي حيلة وفي الكتاب العزيز ﴿لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ﴾ (١)، وفي السنة: "كلٌّ ميسر لما خلق له" (٢)، فقال له الإمام: وكما أن ذلك في الكتاب والسنة، ففي الكتاب العزيز أيضًا: ﴿فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا﴾ (٣)، وفي السنة: "مداراة الناس صدقة" (٤)، وقوله ﵇: "ليس الشديد بالصرعة، وإنما الشديد الذي يملك غضبه" (٥)، وطأطأ رأسه، وخرج من عنده، فسأله بعض من يأنس به: ما استفدت من الإمام؟ فقال: كثَّر الله خيره، رددناه سليمان فردَّنا فرعون، فنُقل للإمام فضحك، وقال: لو سلم أحدٌ من ابن عنين لكنت منهم، وما أردت إلا خيرًا، وأبى تأويله إلا شرًّا، ثم أرسل إليه ما قطع به لسانه. وكان الإمام كثير التصنيف سريع التأليف، صنّف عدة مصنفات في الفقه والأصول والكلام والفلسفة، وغير ذلك، ومن تصانيفه: "المحصول في الأصول" (٦)،

стр. 882

و"المعالمين" (١)، و"نهاية العقول" (٢)، وشَرَح "الإشارات" (٣)، وشَرَح "المفصل" (٤) في النحو، وله التفسير المسمى بـ "مفاتح الغيوب" (٥)، وله "المطالب العالية" (٦)، و"الملخص"، و"المحصل" (٧). وكان كثير إثارة الشُّبَه، ويقصِّر في الأجوبة. وشرح "الوجيز" في الفقه، في ست عشرة مجلَّدة، قال العلامة أبو عمرو ابن الصلاح: ليس فيه كثير أمر. وله في النحو تصنيفٌ ليس بطائل. وذكره الحافظ ابن دحية، وأثنى عليه وذمَّه. ومما ذمَّه بعض الأندلسيين به: كونه يثير الشُّبه ويقصر في الأجوبة، فقال على لسان الإمام قوله: شعر قلت لها قول ذي عتابٍ … إليك يا نفسي المسيئة تورد عقد الشكوك نقدًا … وتدَّعي حلها نسيئة

стр. 883

وذكره أبو شامة، وذكر عنه كلامًا رديئًا (١). لكن الأعمال بخواتيمها، والمشتغلون بالمعقول لا بد لهم من الخطأ والزلل في القول والعمل، وأن يحصل لهم سوء اعتقاد، ويكثر عليهم الطعن والانتقاد، لا من سبقت له العناية الربانية، فتُميزهم عن من سواهم، وقليل ما هم. ومولده بالريّ، في سنة ثلاث وأربعين وخمس مئة. وقيل: سنة أربع، قال الحافظ المنذري: وهو الأشبه (٢). وتوفي بهراة، في آخر شهر رمضان. وقال المنذري: يوم عيد الفطر، سنة ست وست مئة (٣). ووالده من تلامذة أبي القاسم ابن ناصر الأنصاري، أحد تلامذة إمام الحرمين، ومن تلامذة البغوي أيضًا، رحمة الله عليه. ٤٥٦ - محمد بن عمر بن مكي بن عبد الصمد بن عطية بن أحمد القرشي العثماني الأشمومي مولدًا، الدمشقي منشأً ودارًا، المنعوت بالصدر، المعروف بابن الوكيل وبابن المرحّل وبابن الخطيب، الفقيه الشافعي الأديب (٤).

стр. 884

كان فاضلًا ذكي الفطرة، متصرفًا في فنون كثيرة من الفقه والأصولين والنحو والأدب، فصيح العبارة، حلو المحاضرة، كريمًا جوادًا، سمحًا. أفتى وهو ابن اثنتين وعشرين سنة، ودرَّس وصنَّف. سمع الحديث بدمشق من ابن علان، ومحمد بن أبي بكر العامري، وغيرهما، وتفقه بالعلامة عبد الرحمان الفزاري، وقرأ الأصولين على الصفي الهندي، والنحو على أبي عبد الله محمد ابن الشيخ أبي عبد الله ابن مالك. ودرَّس بدمشق، وقدم مصر، ودرَّس بالمشهد الحسيني بالقاهرة، وبالزاوية المعروفة بابن الجميزي بمصر. وصنَّف في الحديث والفقه. وكان مقبول الصورة، محبَّبًا إلى الأمراء، وغيرهم. وولي الخطابة بجامع بني أمية بدمشق، فقام عليه فضلاؤها وأشياخها فلم يمكَّن منها، وكُتِب عليه محضرٌ، وأثبته قاضي القضاة ابن الحريري الحنفي. ولما قدم مصر ادَّعى علما كثيرًا، وأفهم الأمراء أنه ليس في مصر مثله، وطلب المناظرة، فحضر الإمام أبو الفتح محمد القشيري، وكان ابن المرحل رتب شيئًا، فقال الشيخ تقي الدين: هذا كلام معبّأ، وقال: يقرأ شخص آية، فقرأ شخص، وأورد الشيخ سؤالًا، فشرع ابن المرحل يتكلم، فانتدب له العز النمراوي، فقال له الشيخ: الزم هذا يا عز، هذا جيدٌ، فانفصل المجلس والصدر مغلوب. وقد قلت في "الوصايا المهذبة": الشيخ لا يخاشن. ودرَّس بالمدرسة الناصرية بالقاهرة، وله "ديوان" شعر. ومن نظمه قوله: بكيت على فقد الشباب المودَّع … دمًا بعد ما أفنيت دمعي ومدمعي

стр. 885

وبُدِّلت من سكر الشبيبة صحوة … من الشيب قالت للمسرَّة ودِّعي فطلَّقت لذاتي ثلاثًا ولم يكن لها … رجعةٌ مني إلى يوم مرجعي ورقّت لي الآصال واعتلّت الصبا … وأبكى حمام الأيك فرط توجُّعي وبين ضلوعي جمرةٌ لو تصعَّدت … لأحرقت الدنيا فما حال أضلعي ومن أجل نأي بان عن أيمن الحمى … سقيت فروع الأيك في كل مربع وما بكت الخنساء صخرًا كما بكت … جفوني صخرًا بين سلعٍ ولعْلَع به فاض دمعي من عيون طوافح … وأنبتت الصمّاء روضًا بأدمعي ولم لا تجود العين عهدًا ومعهدًا … به مرتعي عهد الشباب ومربعي حمته القدود الهيف من آل مالكٍ … وما زال يُحمَى بالوشيح المشرع وما خفت فيه غير ظبي معمَّم … وما كان فوقي من كمِّي مقنَّع وله: وصيَّرت بدر التم إذ غاب مؤنسي … أنيسي وقلت البدر منه قريب فحجَّبه عني الغمام بذيله … فوا أسفًا حتى الغمام رقيب وله: تغنَّت في ذوي الأوراق ورقٌ … ففي الأفنان من طرب جنون وكم نسمت ثغور الزهر عجبًا … وبالأكمام كم رقصت غصون وله مما أنشدنيه عنه علي الصوفي الإسنائي المعروف بالقزويني: شعر أدمشق إن شطَّ المزار فإنَّ لي … قلبًا تخلَّف فيك عن جثمانه

стр. 886

قد أودع الأفراح بين خيامكم … وتزوَّد الأتراح من أشجانه وله: وفي أوجه العشاق سطرٌ حروفه … تلوح فتقرأها صغار الولائد هو الحبُّ مثل المسك لم يخف نشره … بحيلة محتالٍ ولا جحد جاحد وله: وعارضٍ قد لام في عارضٍ … وطاعنٍ يطعن في سنِّه وقائلٍ قد كبرت ذقنه … فقلت لا أُفكر في ذقنه وله: شبَّ قلبي بشائب … من سنا البدر أوجه كلما شاب ينحني … بيَّض الله وجهه وله: ليذهبوا في ملامي أية ذهبوا … في الخمر لا فضة تبقى ولا ذهب والمال أجمل وجهٍ فيه تُذْهِبُهُ … وجهٌ جميلٌ وراحٌ في الدجى لهب لا تأسفن على مال تمزِّقه … أيدي سقاة الطلا والخرد العرب فما كسوا راحتي من راحها حللًا … إلا وعروا فؤادي الهم واستلبُوا من كل مشتملٍ حلو شمائله … يسقيك مشمولةً من دونها الضرب راحٌ بها راحتى في راحتي حصلت … فتم عجبي بها وازداد لي العجب إذ ينبع الدر من حلو مذاقته … والتبر منبسلٌ في الكأس منسكب

стр. 887

والخمر بحر سرور والحباب به … درٌّ طفا ولآلي البحر قد رسبُوا وما ترى غيرها نارًا يمازجها … ماء وأنوارها تقوى وتلتهب ولا جحيمًا نعيمًا غيرها أبدًا … دع عنك ما قيل في الحمام قد كذبُوا وليست الكيميا في غيرها وجدت … فكل أبوابها في غيرها كذب قيراط خمر على القنطار من حزن … يعود في الحال أفراحًا وينقلب عناصرٌ أربعٌ في الكأس قد جمعت … وفوقها الفلك السيَّار والشهب ماءٌ ونارُ هواءٍ أرضها قدحٌ … وطوقها فلكٌ والأنجم الحبب لو لم تكن من نجوم الأفق إذ عُصِرت … ما أطلعت أنجمًا في الثغر قد غربُوا ومنها: شججت بالماء منها الراس موضحة … فحيث أعقلها بالخمس لا عجب هذا وأخشى تطير الكأس من فرحٍ … بها فأحفظها بالخمس لا تثِبُ وما تركت بها الخمس التي وجبت … وإن رأوا تركها من بعض ما يجب ومنها: وإن أقطِّبَ وجهي حين تبسم لي … فعند بسط الوالي يحفظ الأدب وله: لو عرَّجت نحو المحب الريح … كانت تريح فؤاده وتُريح فلطالما حيَّت فأحيت ميتًا … قد فارقوه ففارقته الرُّوح لله أيُّ متيَّمٍ تبكي دمًا … أجفانه وفؤاده المجروح

стр. 888

أجفانه كرمًا تجود بمائها … وحشاه بالسر المصون شحيح أقصى مُناه أن يمرَّ على الحمى … ويلوح نور رياضه ويفوح حتى يُري سحب الحمى كيف البُكا … ويعلِّمُ الأغصان كيف تنوح وله "موشحات" مشهورة، وذهن وقّادٌ، وطبعٌ منقادٌ، ومع ذلك فكان يدَّعي شعر غيره وينسبه إليه. أخبرنا الحافظ الفاضل الأديب فتح الدين محمد بن محمد اليعمري، قال: أنشدني قصيدة لنفسه، ثم اجتمعت بالشهاب العزازي، فذكرتها له، فقال: هذه لي، كتبها مني وأنشدني القصيدة. وكان يتساهل في النقل، على أنه كان من محاسن دهره ومن فضلاء شامه ومصره في عصره. ولد بأشموم الرمان في ما قال بعضهم. وقال البرزالي: بدمياط، في تاسع عشرين شوال، سنة خمس وستين وست مئة (١). وتوفي بالقاهرة، في يوم الأربعاء بكرة النهار، رابع عشرين ذي حجة، سنة ست عشرة وسبع مئة. ٤٥٧ - محمد بن عمر بن أحمد بن عمر بن محمد بن موسى المديني، أبو موسى الأصبهاني الحافظ (٢).

стр. 889

أحد الأئمة المشهورين، والحفاظ المذكورين. قرأ القراءات، وتفقه على مذهب الشافعي على أبي عبد الله الحسن بن العباس الرستمي، وقرأ النحو واللغة حتى تمهّر فيها. وله التصانيف المفيدة، منها: "أسماء الصحابة"، و"تتمة الغريبين" (١)، و"الوظائف"، وله "الأمالي الكبيرة" (٢)، وكتاب "اللطائف" (٣)، و"عوالي التابعين" (٤). وسمع الكثير، وحدَّث، سمع بأصبهان من أبي منصور محمد بن عبد الله بن مندويه، وأبي علي الحسن بن أحمد الحداد، وأبي القاسم غانم بن أبي نصر، وببغداد من ابن الحصين، وأبي العز ابن كادش، وأبي بكر المزرفي. سمع منه الحافظ عبد القادر الرّهاوي، وقال: ترددت إليه نحوًا من سنة ونصف، ما رأيت منه ولا سمعت سقطةً، وكان ثقةً دينًا صالحًا. وسمع منه أبو سعد ابن السمعاني، ومات قبله بتسع عشرة سنة، والفقيه أبو نزار ربيعة بن أبي محمد الذّماري، والفقيه أبو محمد، والفقيه أبو الفرج ابن أبي العلاء العبادي.

стр. 890

قال: الرّهاوي سمعته يقول: قرأت كتاب معرفة الحديث (١) على الحافظ إسماعيل من حفظي، وكان له شيءٌ يسير ينفق منه نفقة مقتصدة، ولا يقبل لأحد شيئًا، وكان متواضعًا يقرئ كل من أراد. وقال الحسن البارزي: جاءني محمد بن عبد الله الجوهرستاني، فقال: رأيت رسول الله ﷺ توفي، فقلت: يموت إمامٌ من أئمة المسلمين، فما أمسينا حتى جاءنا من أخبر بوفاة أبي موسى، وكان في آخر إملاء أملاه، أنه متى مات في كل أمة من له منزلة عند الله تعالى، فإن الله تعالى يبعث سحابًا عند موته علامة للمغفرة له ولمن صلى عليه، ومات بعد ذلك بأيام فجاء مطر عظيم، وكان يومًا حارًا. ولد ليلة الأربعاء، تاسع عشر ذي القعدة، سنة إحدى وخمس مئة. وتوفي منتصف يوم الأربعاء، تاسع جمادى الأولى، سنة إحدى وثمانين. والمديني: نسبة إلى المدينة العتيقة المعروفة بشهرستان، المتصلة بأصبهان، وهي مدينة جي. ٤٥٨ - محمد بن عمر بن أحمد المنبجي، ينعت بالبدر، ويكنى بأبي عبد الله (٢). كان فقيهًا شافعي المذهب، أديبًا شاعرًا، جيد النظم، متدينًا صينًا. سمع الحديث من أبي العباس أحمد بن عبد الدائم، والعلامة أبي الفرج عبد الرحمن ابن أبي عمر الحنبلي، وأبي زكرياء يحيى بن الصيرفي، وأحمد بن عبد السلام بن أبي عصرون، ومحمد بن القواس، والنجيب عبد اللطيف الحراني.

стр. 891

وحدَّث، وتأدب بالمجد بن الظهير، ودخل اليمن. وله نظم رائق، ومدائح نبوية، رتبّها على حروف المعجم. وكتب عنه الناس قديمًا وحديثًا، كتب عنه من شعره شيخنا أثير الدين، والشيخ قطب الدين الحلبي، والشيخ فتح الدين اليعمري، وجمع كبير. ومن شعره قوله: وبدر دجىً زارنا موهنًا … فأمسى به الهمُّ في معزلِ فمالت لتقبيله شمعةٌ … ولم تحتشم ذاك في المحفل فقلت لصحبي وقد مكِّنت … صوارمُ جفنيه في مقتلي أتدرون شمعتنا لِم هوت … لتقبيل ذا الرشاء الأكحل درت أن ريقته شهدةٌ … فحنَّت إلى إلفها الأول وله قوله: صل الرّاح بالراحات واقدح مسرَّةً … بأقداحها واعكف على لذة الشرب ولا تخش أوزارًا فأوراق كرمها … كفوف غدت تستغفر الله للشرب ولد بمَنْبِج سنة سبع، وقيل: تسع وأربعين وست مئة. وتوفي بالقاهرة، ثاني عشر أو ثالث عشر شوال، سنة ثلاث وعشرين وسبع مئة، عفا الله عنه. ٤٥٩ - محمد بن عمر بن يوسف الأنصاري القرطبي، يكنى أبا عبد الله (١).

стр. 892

قال المنذري: كان إمامًا زاهدًا، مالكي المذهب. قرأ القراءات على الشاطبي، وسمع الحديث بمصر من البوصيري، والأرتاحي، وأبي الحسن الحديثي، وأبي المحاسن الشرف بن المؤيد الهمداني، وبمكة من عبد المنعم الفراوي، وبالإسكندرية من أبي عبد الله محمد بن عبد الرحمن الحضرمي، وعبد الرحمان بن مكي. وحدّث؛ سمع منه المنذري، وغيره. وتصدر للقراءآت بالفاضلية بالقاهرة بعد الشاطبي، وتزهَّد، وجاور بالمدينة، وأقام بقنا من بلاد قوص مدَّة، وله بها نسلٌ، ثم لزم المجاورة بالمدينة. ويُحكى أنه حصلت له ضائقة، فأعطاه النبي ﷺ ذهبًا في المنام، فانتبه وهو معه، وكان بنوه يدَّعون أنه عندهم، وأنهم حين فقدوه افتقروا. وكان عالمًا بالتفسير. ومولده سنة ثمان أو سبع وخمسين وخمس مئة. وتوفي بالمدينة، ثامن صفر، سنة إحدى وثلاثين وست مئة. ٤٦٠ - محمد بن عمر الشيباني الحنوي، ينعت بالسّديد (١). أديب شاعر حكيم.

стр. 893

قال ابن سعيد: ذكر لي الشهاب القوصي أنه ورد إلى دمشق، وذكر من نظمه قوله: إذا ما غرست الجميل بأرض … فلا تُعطشنها يفتك الثمر ولا تفسِدَنْهَا بمنٍّ فقد … ترى المنَّ مفسدة للشَّجر وقوله في الموز: موزٌ حلا فكأنه … عسلٌ ولكن غير جارِ يحكي إذا قشَّرته … أنياب أفيلةٍ صغارِ وله في صبيّ أعور، قوله: شعر لم تذو إحدى مقلتيه وإنما … كملت بذاك ملاحة التشبيه فكأنه رامٍ يغمَّض عينه … ليصيب للغرض الذي يرميه ولد بحاني (١)، سنة أربع وستين وخمس مئة. وتوفي بدمشق، سنة خمس وثلاثين وست مئة. ٤٦١ - محمد بن عيسى الخزرجي المالقي، المكنى بأبي بكر (٢). كان فاضلًا نحويًا، زاهدًا عابدًا، مشتغلًا بنفسه، متخليًا عما في أيدي الناس، يأكل من كسب يده، ولا يقبل شيئًا من أحد، ثقة صدوقًا، وله يد في الأدب والمعقول. كان ابن التلمساني يقرأ عليه النحو، وهو يقرأ عليه المعقول، فكان التلمساني يأتي إليه مبكرًا فيقرأ عليه، ثم يقول له: يقرأ سيدنا درسه؟ فيقول: لا، حتى تتوجه إلى بيتك وأجيء إليك وأقرأ عليك.

стр. 894

وأخبرنا شيخنا أثير الدين، عن الشيخ الرضي الشاطبي، أن امرأة جاءت إلى الخزرجي فقالت له: إن ابني أُسر بقبرص، وطلبوا منه من يقعد موضعه ويطلقونه، فقال لها: بعد غد احضري، فحضرت وابنها معها، وقالت له: حضر، فبكى، وقال: ما قُبِلْتُ، كنت نويت أن أروح أقعد موضعه. توفي بمصر، ليلة الثامن والعشرين من شهر ربيع الآخر، سنة إحدى وخمسين وست مئة، وقبره بالقرافة يزار، رحمة الله عليه. ٤٦٢ - محمد بن فتوح بن عبد الله الأزدي أبو عبد الله الحميدي (١). من جزيرة ميورقة، وأصله من ربض الرصافة بقرطبة. روى عن أبي محمد ابن حزم الظاهري، واختص به ولازمه، وروى عن أبي العباس العدوي، وأبي عمر النمري، ورحل فسمع بمصر من أبي عبد الله القضاعي، ولقي بمكة كريمة المروزية، ودخل بغداد فسمع من الخطيب أبي بكر، وأبي نصر ابن ماكولا، وأكثر السماع بالمشرق والمغرب. روى عنه أبو علي الصدفي، وأبو الحسن ابن سرحان، وخلق.

стр. 895

وكان من أهل الإتقان والمعرفة بهذا الشأن، والدين والورع. قال ابن ماكولا: لم أر مثله في عفته وورعه. وقال ابن الخاضبة: ما سمعته ذكر الدنيا قط. وله تصانيف، منها: "الجمع بين الصحيحين" (١)، و"كتاب في علماء الأندلس" (٢). وله شعر جيد، منه قوله: لقاء الناس ليس يفيد شيئًا … سوى الهذيان من قيلٍ وقال فأقلل من لقاء الناس إلا … لأخذ العلم أو إصلاح حالِ توفي ببغداد، سنة ثمان وثمانين وأربع مئة. ٤٦٣ - محمد بن فضل الله بن أبي الرضى القوصي المولد، المنعوت بالسديد، ويعرف بابن كاتب المرج (٣). أديب شاعر، كريم عاقل. قرأ النحو على شيخنا العلامة أثير الدين أبي حيان، وتأدب بأدباء قوص، وقرأ المنطق والحكمة، وتقلب في الخدم الديوانية، وولي وكالة بيت المال بالأعمال القوصية. ونظم الشعر الحسن، ومدح النبي ﷺ لم بـ "قصيدة" جيدة، على وزن "قصيدة كعب" وقافيتها، سمعتها منه. ومدح الأعيان، وأنشدني من نظمه كثيرًا، وذكر لي من نثره جزءًا كبيرًا، ومما أنشدني لنفسه قوله: شعر

стр. 896

أما وطيب عشياتٍ وأسحار … من بعدها أفلت شمسي وأقماري بها أُذَكِّرُ دهري كي يجود بها … فلا يجود ولا يأتي بأعذار لو أن تلك من الأيَّام عُدْنَ بها … أو الليالي ولم تحتج لتذكار لله ليلاتها البيض القصار فكم … سطوت منها على دهري ببتار أنكرت إفشاء سرٍّ كنت أكتمه … فيها ولكنني أنكرت إنكاري يا للعجائب ليلٌ ما هجعت به … لنوره كيف تخفى فيه أسراري إن الضنى عن جميع الناس ميَّزني … فكان علَّةَ إخفائي وإظهاري فلا تقولوا إذا استبطأتُم خبري … أمَّا النسيم عليه سائرٌ ساري فلو يمر نسيمٌ بي لسار إلى … مغناكم بي كما يسري بأخباري وقوله: الجسم والروح فيه بالفراق بُلي … والقلب من قبل الأحباب لا قِبَلي والنجم يعلم تسهيدي ويشهده … وطول ليلي ولكن ليس يشهد لي أحمِّل الريح أشواقي فيمنعها … عن الهبوب لما في الشَّوق من ثقل لو أن ذهني صحيحا لم أكن هوسًا … إلى نسيم عليل أشتكي عللي ولا غدا رسم شخصي باكيًا طللًا … وما يفيد بُكا رسمٍ على طلل وإن جنحت إلى راحٍ أسرُّ بها … أوقدت عشقي بها كالنار بالفتل لو أنَّ في الراح للعشَّاق تسليةً … ما كان مجنون ليلى بالجنون بلي إن رمت صبرًا نهتني عنه مقلته … وهي التي أمرت بالعشق كلَّ خلي

стр. 897

لم يرض بالصبر من بخل عليَّ به … فكيف يسمح لي مِن فيه بالعسل لما أضعتُ زماني فيه ضيَّعني … وصار عني كمثلي عنه في شغل ومنها في المدح أيضًا، قوله: شعر وفِيَّ دهري توالى مَعْ تيقُّنه … أني عتيقٌ ولكني عتيقُ علي الباذل الفضل والأنواء باخلةٌ … والعاشق البذل لا يصغي إلى عَذَل والناصر الحق والألباب ذاهلة … خوف القواضب والعسَّالة الذبل والقائل الفصل والأسياف ما تركت … لقائل الفصل رأسًا غير منفصل وأنشدني لنفسه يمدح الأمير عز الدين ازْدُمُر متولي الكشف بالوجه القبلي، ويستعطفه في سنة خمس وثلاثين وسبع مئة، من قصيدة أولها قوله: من القلب يسري خائفًا طيفه الغرُّ … ويحذر في ذاك السُّرى حيث لا حذر وما بين قلبي والجفون مفازةٌ … إذا ما سرى فيها يروعه الذعر جزى الله عني الليل خيرًا فإنه … به الطيف قد يسري وينكتم السر ولله ليلاتٌ مضين بكيتُها … بواكف دمعٍ كيف لا وهي العمر بربع حكى الجنات طيب هوائه … فليس به بردٌ وليس به حرُّ على روضة حاكى العذار اخضرارها … فأحمرها خدٌّ وأبيضها ثغر غلامٌ من الولدان فيه إمارةٌ … رقيق حواشي خده سندس خضر إذا قلت ما يسلي الطلا قال لي اللمى … وما اسمٌ بلا جسمٍ يقول لي الخصر وسلطانه أنصارها الحسن والغنى … وأعداؤها منها القباحة والفقر إذا قيل عنِّي شاب ولَّت ووقَّعت … ليقض ولا يجري له أبدًا ذكر

стр. 898

كأن شبابي كان قُرطا لأذنها … تُزانُ به والشَّيب في أذنها وقر فلا تحسبي أني كبرت عن الدُّمى … فلي صبوةٌ في جنبها يصغر الدهر وما مسَّني من أبيض الشّيب دَلَّهُ … عصى العزَّ خضراءٌ وأسيافه حمر منها في الاستعطاف قوله: ومن بعد هذا فالصنائع حلوةٌ … وعند الأبيّ الحر تقويتها مرُّ وأنت إليك الكشف وهو مثوبةٌ … وما ضرَّ بعد الكشف أن يسبل الستر حكمت بحقٍّ غير متبع الهوى … تساوى لديك العبد في ذاك والحر فمَن مبلغ عني الليوث بأنها … مواقفها سيَّان عندك والعفر وحرَّرت وزن الناس بالقسط عادلًا … بكفة ميزان يُطيِّرها الذر ملأتَ الدنا عدلًا وعطّرتها شذىً … فأنت هو المهدي بلا شكَّ والخضر وكم بنتُ فكرٍ لي عليك جلوتها … وما كان إلا من صنائعكَ المهر ذلاقتها دلَّت على لفظ ثيِّب … وصون معانيها على أنَّها بكر عروسٌ على مرّ الزمان شبابها … جديدٌ ومن طيب المديح لها عطر وكتب إليَّ رقعة عند توجهي من الصعيد إلى مصر، وهي قوله: شعر أبا الفضل صيَّرت الصعيد وطالما … شكا أهله الإمحال روضًا وأنهارا وأنبتَّ أشجارًا من العلم والحجى … بألبابنا نوّارها لاح أنوارا وقد سِرت تبغي مصر تخصب أهلها … وتُسقي أصولًا قد غرست وأشجارا فسر أو أقم فينا فما زال جعفرٌ … يشار إليه إن أقام وإن سارا

стр. 899

وهو الآن (١) بالصعيد الأعلى، يعمر مغاني الأدب، ويُظهر من مكنونه العجب العجب. ٤٦٤ - محمد بن القاسم بن عبد الله الزبيدي أبو العز، المعروف بابن الزُّبيدية، الفقيه الأديب المقرئ (٢). قرأ القراءات على جماعة، وسمع الحديث الكثير من جماعة، منهم: القاضي أبو بكر الأنصاري، وأبو القاسم ابن الحصين، وزاهر بن طاهر. وكتب بخطه كثيرًا، وتفقه على مذهب أحمد بن حنبل، ثم انتقل إلى مذهب أبي حنيفة. روى عنه ابن كامل الخفّاف في "معجمه" قوله: سقى الله أيامنا باللِّوى … وحيَّا منازلنا بالعقيق وحيَّا سليمى وأترابها … فإن لهن عظيم الحقوق تقيَّدت في حبِّها بعد أن … خلصتُ بقيد غرامٍ وثيق تميس فتهتز أطرافها … وأعطافها فوق خصرٍ رقيق بطرف غدا السحر أجفانه … فليس إلى طرفه من طريق تضن بزورتها مرةً … على الصبِّ حتى بطيفٍ طروق تشبَّثت يوم وداعي لها … بها كتشبيث كفِّ الغريق ولم أستطع ردَّ توديعها … بطرفٍ ولا بلسانٍ طليق

стр. 900

فدمعي من بعدها في السياق … وقلبي من بعدها في الخفوق كأن بجسمي من زفرتي … خروقًا وليس بها من خروق نأت ونأين بها سحرة … فها أنا في كفة المنجنيق وله أيضًا قوله: شعر أفدي الذي سلب الفؤاد ولم … يخف في هتك ستر محبه من ربِّه قمرٌ خلعت له عذاري في الهوى … شمسٌ فواعجبًا به ولعجبه يجني ويعتب فاعجبوا من مذنبٍ … متعتِّب وهو المقرُّ بذنبه لو شاء خالقه صلاح عبيده … ونفى من الدنيا شقاء محبِّه جعلت صوارم لحظه مغمودةً … عنهم ورقَّة خصره في قلبه لما تكامل حسنه وجماله … وزهت بوجنته حدائق ورده ظلم المشوق بظلمه وحَشَا الحشا بسقام مقلته وقدَّ بقدِّه وكان فهمًا، ووعظ الناس. وتوفي يوم الجمعة، عاشر شهر رمضان، سنة ثلاثين وخمس مئة. ٤٦٥ - محمد بن قسورة بن زهر الإيادي الإشبيلي أبو بكر (١). فاضل أديب، شاعر متدين. ذكره ابن سعيد، وقال: حسب بني زهر بإشبيلية، أشهر من أن ينبه عليه، ومكانهم في العلوم والأدب والمناصب أجلُّ أن يشرح ما لديه، وهم قسمان: بنو عبد الملك الذي منهم أبو بكر صاحب الموشحات، وبنو قسورة، ومنهم أبو بكر هذا.

стр. 901

قال: وكان على حال جليل من الصيانة والخير والأمانة، حتى قدَّمه أهل بلده إمامًا بالجامع الأعظم، وكان حقيقًا بأن يقدَّم، وكنتُ أرغب في مجالسته والاستفادة من منازعته وملاطفته، وكان كريمًا. قال: ورأيته مرة وقد جاءه وكيله بشيء من ماله، وأعطاه فضة، فقال الوكيل: أنا غريب حتى تعطيني، فقال: يا ولدي هذه عادتي في كل شهر مع من يأتي به كائنًا من كان، وأخاف إن تركت العطاء في هذه المرة تصير لي عادة بالإمساك ويطيب لي. قال: ولما بايع أبو العلاء لنفسه بإشبيلية، كتب إليه أبو بكر هذه الأبيات، وهي قوله: شعر والله ما أدري بما أتوسَّل … إذ ليس لي ذاتٌ بها أتوصَّل لكن جعلت مودَّتي هي خدمتي … لعُلاك أحظى شافع يتقبَّل إن كنتُ من أدوات زهرٍ عاطلًا … فالزُّهر منهنَّ السّماك الأعزل (١) قال: وبلغني وفاته في سنة خمس وثلاثين وست مئة، عفا الله عنه. ٤٦٦ - محمد بن المبارك بن محمد بن عبد الله بن محمد ابن الخلّ، يكنى أبا الحسن، الفقيه الشافعي (٢). سمع الحديث من ابن البطر وطبقته، ودرس المذهب، والخلاف، والأصول، والجدل، على أبي بكر أحمد بن محمد الشاشي.

стр. 902

وبرع في المذهب، وصنَّف، واعتنى بنقل نصوص الشافعي، وله يد باسطة في الخلاف والجدل، وكان ورعًا متقشفًا. صنَّف كتاب "التوجيه في شرح التنبيه"، شرحًا ليس بطائل، وهو أول من شرحه، وانفرد في وقته بالفتوى بالمسألة الشريحية، وكان يكتب خطًا حسنًا حتى كثرت عليه الفتاوى لأجل خطه، فكسر القلم وصار يكتب بقلم مكسور. روى عنه ابن السمعاني. مولده عاشر ربيع الآخر، سنة خمس وسبعين وأربع مئة، يوم الأربعاء. وتوفي يوم الأربعاء، خامس عشر المحرم، سنة اثنتين وخمسين وخمس مئة. وله نظم؛ قال أبو البركات قاضي أسيوط: أنشدني لنفسه قوله: شعر قولا لناديهم حُيِّيت من نادي … وإن بخلت بإسعافي وإسعادي يا موطنًا حلَّ فيه من كلفت به … بلغه عني سلام المدنف الصَّادي بلِّغه عني بأني بعد فرقته … ماء الشؤون شرابي والضنى زادي ما كنتُ أحسب في أيام وصلكم … أن الجفا والنَّوى والبين ميعادي يا منية النفس لا تنسى مودة من … في قلبه منك همٌّ رائحٌ غادي جودي له بسلامٍ يستعين به … على صبابته يا بانة الوادي ٤٦٧ - محمد بن محمد بن عمر بن محمد النعماني أبو الفتح، المعروف بابن الأديب البغدادي (١). قرأ الأدب، وصحب الفضلاء، وصار شاعرًا مليح الشعر، وكتب الخط الحسن. قال ابن النجار: كان من محاسن الناس وظراف البغداديين.

стр. 903

قال: وروى عنه من شعره شيخنا أبو أحمد الأمين، وقال: أنشدني لنفسه قوله: شعر كلا السوادين من قلبي ومن بصري … فداء ما ابيضَّ في الفَودَيْن من شعر صبغٌ على الرأس مرموق قضيت به … ما شئتُ من لذة تُلهي ومن وطر مرَّ الجديد به حينًا فأخلقه … وإنما ذلك الإخلاق للعمر ما ساعةٌ تنقضي إلا وقد أخذت … شطرًا من السمع أو شطرًا من البصر لو فكَّر المرء في أطوار خِلقته … ما كان في غيرها يومًا بمعتبر جرى له الرزف في ثدي الرضاع ولم … ينهض عن الوكر من ضعفٍ ولم يطر لولا اتهام الذي قد كان يرزقه … ما كان للفضل من قوتٍ بمدخر مادام يسرٌ لمستغنٍ يدلُّ بما … تحوي يداه ولا عسرٌ لمفتقر كلاهما ترك الدنيا ونحن وإن … طال المقام بنا فيها على سفر يا غائبًا لست أنساه فأذكره … وإن صبرت فإني غير مصطبر حشاي بعدك مطويٌّ على كمدٍ … وجفن عيني موقوفٌ على السهر أستقبل الريح ما هبَّت يمانية … تضوع أنفاسها من نشرك العطر ما حيلة المرء في استحلاء ظاهره … فربَّ مستحسنٍ مستقبح الأثر كم لابسٍ ريشة الطاوس وهي إذا … زرَّت على منكبيه جلدة النمر تخيَّر الناس وانظر من تصاحبه … وكن من الأقرب الأدنى على حذر ولا يغرنك السن الضحوك فقد … يبدي التبسم عن صدرٍ له وغر لا تصطنع غير حرٍّ فالجميل إلى … من ليس من أهله أكداء محتقر

стр. 904

ولا تقل عاجزًا أزرى الخمول به … فربَّما طال باعٌ وهو ذو قصر قد يجتنى المسك من مسك الغزال … كما يوجد التبر في الحصباء والمدر أين المجازي على الحسنى بصالحةٍ … صفحت عن أوَّلٍ فاستنَّ بالأخر تهدي إلى القمر الشمس الضياء به … وما الكسوف لها إلا من القمر غدا المحلُّ عزيزًا بعد ذلته … تحت التراب بخدٍّ منه منعفر قاطعت أبناء هذا العصر كلِّهم … فما أعوج على صافٍ ولا كدر لو أن كل يدٍ يمتاح نائلها … لغاص في كل ماءٍ طالب الدُّرر يا ضيعة الفضل إن شُدَّت رواحله … إلا إليك ببدوٍ كنت أو حضر لا تذكروا ما مضى من سالفٍ لكم … ليس الفخار بعظمٍ في الثرى نخر من لم تسوِّد نفسٌ حرة كرمت … كانت معاقده محلولة الأزر لكل جارحة في الشخص منزلةٌ … والعين أشرف مقدارًا من الظفر سمعت عنك حديث المكرمات فما … قنعت مما رواه الناس بالخبر حتى ضربت خيامي في ذراك فلم … تبقي الغداة على مالٍ ولم تذر زوَّجت نعماك من كفؤٍ فأصدقها … وشيًا من الحمد لا وشيًا من الحبر فلستَ مقتصرًا في ما تجود به … ولستُ من شكري النعمى بمقتصر وأعجب الأمر أن تأتي بمكرمةٍ … جلَّت وتتبعها استعطاف معتذر تجزي الفتى بثوابٍ عن تكلُّفه … ولا ثياب بطبع فيه مشتهر وقد خلقت لمعروف فأنت على … طوع انتقالك عنه غير مقتدر فما لنا نتبارى في الثناء على … أخلاقك السمح أو آلائك الغرر

стр. 905

قال: وأنشدنا له أيضًا، قوله: شعر غير عانٍ من اشتكى ما يعاني … آفة الحبِّ شهوة الإعلان مُت بداءٍ بين الجوانح يخفى … أثرًا عن توهُّم أو عيان ليس إلا علاقةٌ من غرامٍ … تحت ستر مُرخى من الكتمان لا ألوم الوشاة فالدَّمع أولى … بعتابٍ يجفو عن الأجفان أيها المكثر التجرم والعتب … إلى مَ الإسراف في العدوان تتجنى ظلمًا على غير ذنب … والتجنِّي أمارة السِّلوان كلُّ نارٍ لها دخان ونار … الشوق مبثوثةٌ بغير دخان ويح دهري فما أرى من بنيه … غير واشٍ بالزور والبهتان إن يفته دمي ببطن يديه … فهو مغرىً بسفكه باللسان لان مسًّا حتى سكنتُ إليه … مستعزًا من لينة الأفعوان آخِ وحش الفلاة لتسلم ما … عشت بها من معرة الإخوان لو صحبت الأسود وهي ضوارٍ … كنت من خوف بأسها في أمان رُكِّب الغدر في الطباع فما … يُعرف خلق الوفاء في الإنسان وأخوك القريب من هو … في وُدِّك لا في انتسابه منك داني فكثيرًا ترى عدوَّين في الناس … وهما عند نسبةٍ أخَوَان تخبر العين حين تنظر عمَّا … لك في باطن الضلوع الخوان كل سرٍّ من تحت طيِّ كتابٍ … مستدلٌ عليه بالعنوان وقوله:

стр. 906

يا من أغنِّي بذكراه على قدحٍ … ملآن من حبِّه لا خمرة الراح إن خامر القلب حزنًا كنت لي فرحًا … أو أظلم اللَّيل عندي كنت مصباحي قال ابن السمعاني: سألته عن مولده؟ فقال: يوم عاشوراء، من سنة ثمان وتسعين وأربع مئة. وقال أبو الفرج صدقة بن الحسين بن الحداد الفقيه: توفي ابن الأديب هذا في يوم السبت الخامس والعشرين من جمادى الآخرة، سنة ستين وخمس مئة. ٤٦٨ - محمد بن محمد بن محمد بن محمد بن أحمد المديني الأصبهاني، المكنى بأبي عبد الله (١). سمع بها أبا بكر أحمد بن محمد بن أحمد بن موسى، وأبا الفتح أحمد بن محمد بن سعيد الحداد، وأبا علي الحسن بن أحمد الحداد، وأبا القاسم ابن محمد. وورد بغداد، وسمع بها أبا سعد أحمد بن عبد الجبار، وأبا طالب عبد القادر بن محمد، وغيرهما. ولازم أبا علي الحسن بن سليمان المدرس بالمدرسة النظامية، وتفقه عليه حتى برع في العلم، وصار من أخصّ أصحابه، واستنابه في التدريس بها مدة. ثم سافر إلى خراسان، فسمع بها أبا عبد الله الفراوي، وأبا محمد المسندي، وزاهر الشحامي، وعاد إلى خراسان، فسمع بها، وعاد إلى أصبهان، وقرأ بها الكثير على مشايخها. وكتب بخطه كثيرًا من الحديث، والفقه، والأصول، والأدب، وكان يكتب خطًا مليحًا.

стр. 907

وحدث؛ روى عنه أبو سعد ابن السمعاني، وقال: أنشدنا لنفسه قوله: شعر إذا لاح من أرضكم برقة … شممت الوصال بإقبالها ولو حملتني الصبا نحوكم … تعلق روحي بأذيالها وقوله: لا يأسف المرء للأرزاق إن قصرت … ولا يطيلن طول الدهر من أمله إن المنايا لذي الآمال راصدةٌ … والرزق أسرع نحو العبد من أجله (١) قال ابن الشحامي: كان أبو عبد الله المذكور شابًا متوددًا، فقيهًا فاضلًا، لقيته بنيسابور، وسمع بقراءتي الكثير، وخرجنا إلى أصبهان، وكان يسمع بقراءتي، وأسمع بقراءته، وكتبت عنه أحاديث، ثم سمعت أن ابن الخجندي استنابه في القضاء ببعض بلاد خوزستان. وكان سديد السيرة، حسن الطريقة. توفي وهو شاب بعسكر مكرم، في سنة سبع وثلاثين وخمس مئة. وقال غيره: في شهور سنة ست وثلاثين. ٤٦٩ - محمد بن محمد بن محمد بن أحمد بن سيد الناس اليعمري، القاهري المولد، التونسي المحتد، المنعوت بالفتح، المكنى بأبي الفتح، الحافظ الأديب، الفاضل، الكاتب الشاعر (٢).

стр. 908

سمع الحديث من غازي الحلاوي، وأبي بكر الأنماطي، والشيخ أبي العباس أحمد القسطلاني، وابن خطيب المزّة، والشريف أبي العباس أحمد الحُسيني النقيب، والحافظ عُبيد الإسعردي، والحافظ أبي العباس الظاهري، والحافظ عبد المؤمن الدمياطي، ولازمه، والإمام أبي الفتح محمد بن علي بن وهب القشيري، ولازمه سنين كثيرة، وتخرّج عليه، وقرأ عليه أصول الفقه. وسمع من خلائق، وكتب عن خلائق، وحفظ التنبيه في مذهب الشافعي، وقرأ المفصل في النحو على الشيخ بهاء الدين ابن النحاس. وبرع في الحديث والأدب، وكتب الخط الحسن بالمغربي والمصري. وحدث؛ سمع منه جمع كبير من المصريين والشاميين، وغيرهم. وصنَّف في السير كتابه المسمى "عيون الأثر" (١)، وهو كتاب جيد في بابه، واختصره في كراريس، وسمي المختصر "نور العيون" (٢)، وشرع يشرح الترمذي (٣)، فلو اقتصر على فن الحديث من الكلام على الأسانيد، لكمل تصنيفه وتم ترصيفه، وكان يفيد، لكنه قصد أن يتَّبع شيخه الإمام ابن دقيق العيد، فوقف دون ما يريد. وخالط أهل السفه وشرَّاب المدام، فوقع في الملام، ورُشق بسهام الكلام، والناس معادن، والقرين يكرم ويهان باعتبار المقارن.

стр. 909

وبالجملة فكان من الأفاضل والأدباء الأماثل، اجتمعت به كثيرًا، وسمعت منه آدابًا يفوق نشرها عبيرًا، وله نظم بديع ونثر، إذا سمعه المنازع عاد وهو مذعن مطيع. ومن نظمه ونقلته من خطه مما كتب به إلى ابن عمه، قوله: شعر تمنَّاها وما عقد التمائم … وشاب وحبُّها في القلب دائم وحُكِّم لحظها فقضى عليه … فأين مجيره من جور حاكم وطارحها الغرام بها فقالت … علمت فقلت ماذا فعل عالم معللة المتيِّم والغواني … حبالُ وعودها أبدًا رمائم أما لي في وصالك من نصيبٍ … ولا لك في عذابي من مساهم ولا لي ملجأٌ في الخطب إلا … سليل العمِّ ذو المنن الجسائم إلى ابن أبي الحسين الحسن يعزى … وثغر الجود عن جدواه باسم همامٌ بالحروب له اهتمام … بفتكٍ في العدى لا في الغنائم فيعمل رأيه الماضي شباةً … إذا نبت الأسنَّة واللهازم ويثبت حيث مشتجر العوالي … ويمضي حيث لا تمضي الصَّوارم ويا من عنده اللّاجي إليه … ولو حفت بمهجته الضَّراغم ويقصده السليم فلا يبالي … بما أعياه من سمِّ الأراقم ومن يك قدره قدرًا عظيمًا … ففي علياه تحتقر العظائم سما قدرًا بآباءٍ كرامٍ … بهم دنياهم ملئت مكارم يسر جميله فيذيع عنه … وسرُّ الروض تفشيه النواسم ويخفيه وعَرف الزَّهر يبدو … وما انشقَّت عن الزهر الكمائم

стр. 910

ويكتم ما يجود به حياءً … وريح المسك لا يخفيه كاتم لو امتنعت يداه عن العطايا … لما قامت بنائلها الغمائم فإن تَحْلل بساحته الأماني … فإن الطير حيث الورد حائم أمُدَّخر المحامد كالدَّراري … يزين بها عقود الدرِّ ناظم تلوذ الناس منك بأريحيٍّ … يرى حتما عليه جود حاتم فيرجع كل ذي أملٍ بنعمى … يرى مقدارها فوق النعائم ويقصد باب غيرك للمعالي … فيخفق منتدى تلك المعالم هم لمع السراب بلا ورودٍ … سوى التهجير في لفح السمائم وخُلَّب برقهم لا شيءَ فيه … سوى ما غرَّ من طمع لشائم وما وعدوا فلا تكُ ذا احتفالٍ … بما وعدت به أحلام نائم فخابت من مؤملهم ظنونٌ … مغانمها إذا عدَّت مغارم وسار بلا قوائم من رجاهم … لمكرمةٍ وصار بلا قوادم وأنت بكل عارفة كفيلٌ … تقوم بها فمالك من مقاوم حماك الله ما تخشى وأودى … بمن تشنى وسالمَ من تسالم وجنبك الرَّدى وبقيت تسمو … سموَّ الفرقدين بلا مزاحم مدى الأيام ما سحَّت سحابٌ … وما غنَّت بدوحتها الحمائم ومن نثره يحل به قول أبي عبادة البحتري في البيت الذي هو قوله: وليلة حوَّمنا على العيس أرسلت … بطيف خيالٍ يشبه الحق باطله فقال في حله:

стр. 911

ولما حثثنا مطايا الشوق نحو الحبيب، التحقنا وقد أخذت منا السُّرى برداء الليل الرحيب، وانتشقنا من نسيم القرب عنبرا، واغتبقنا من حديث الوجد مسكرًا، حتى إذا مالت بنا على الأكوار سنة الكرى، وطالب المنى إلى اللقاء، فقالت الأطماع ما هذا حديث مفترى، حباك من تهوى بطيفه الطارق، وحيَّاك بمجاز وصال هو أحظى لدى المحب من كثير من الحقائق. وفضائله كثيرة، وموادُّه في الأدب غزيرة. ودرَّس الحديث النبوي على صاحبه أفضل الصلاة والتسليم بالمدرسة الظاهرية، فتلقاه طلبتها بالتسليم، وولاه الإمام أبو الفتح القشيري الإفادة عنده بالمدرسة الكاملية، وذلك دالٌ على التكريم. وكان ثقة في ما ينقله، جيد الإدراك في ما يعقله، وولي الإعادة في درس الحديث بالجامع الطولوني مدة، ثم عزله شيخنا قاضي القضاة أبو عبد الله ابن جماعة لأمور مشهورة، وسير مذكورة، وقبل وفاتهما مضى فتح الدين إلى قاضي القضاة بدر الدين، وتحالل منه، وخرج من عنده وهو راضٍ عنه. ولد ﵀ في رابع عشر ذي قعدة، سنة إحدى وسبعين وست مئة. وتوفي فجأة في حادي عشر شهر شعبان، من شهور سنة أربع وثلاثين وسبع مئة. ولم يخلف بعده في القاهرة ومصر من يقوم بفنونه مقامه، ولا من يبلغ في ذلك مرامَه، أعقبه الله السلامة في دار الإقامة. ٤٧٠ - محمد بن محمد بن الحسين ابن رشيق المصري المولد، الزين المالكي القاضي (١).

стр. 912

سمع الحديث من المفتي أبي الحسن علي بن هبة الله بن سلامة الشافعي، ومن ابن البرهان. وحدث؛ سمع منه شيخنا أثير الدين، وجماعة من البلديين، وغيرهم. وولي القضاء بثغر الإسكندرية، ونُقِلت عنه أحكام أخطأ فيها، وعزل عن القضاء، وأقام مدة، ثم لما صرف السلطان الملك الناصر محمد بن قلاوون قاضي القضاة زين الدين علي ابن مخلوف عن القضاء، استناب قاضي القضاة بدر الدين ابن جماعة الشافعي ابن رشيق هذا في القاهرة مدة، حتى أعيد ابن مخلوف. وكان شيخًا رئيسًا عاقلًا. وله نظم، منه ما يكتب به في الإجازات كثيرًا، وهو قوله: أجزت لهم أبقاهم الله كلَّ ما … رويت عن الأشياخ في سالف الدهر وما سمعت أذناي عن كل عالم … وما جاد من نظمي وما راق من نثري على شرط أصحاب الحديث وضبطهم … بريءٌ من التصحيف عار من النكر وبالله توفيقي عليه توكُّلي … له الحمد في الحالين في العسر واليسر ومولده بمصر، سنة ثمان وعشرين وست مئة. وتوفي بها في سنة عشرين وسبع مئة، ليلة الجمعة حادي عشر المحرم، عفا الله عنه. ٤٧١ - محمد بن محمد بن حامد بن محمد بن عبد الله بن علي بن محمود بن هبة الله بن العماد الأصبهاني، الفقيه الأديب البارع الشاعر المؤرخ (١).

стр. 913

تفقه على مذهب الشافعي بأبي منصور سعيد بن محمد ابن الوزّان، مدرس نظامية بغداد، وسمع الحديث منه، ومن محمد بن عبد اللك بن خيرون، وأبي الحسن علي بن هبة الله بن عبد السلام، وأبي المكارم المبارك بن علي، وأبي بكر أحمد بن علي ابن الأشقر، وشيخ الشيوخ أبي البركات إسماعيل النيسابوري، وأبي القاسم علي بن عبد السيد ابن الصباغ، وأبي الفتوح محمد بن الفضل بن محمد الإسفراييني، وأبي عبد الله يحيى بن الحسن ابن البناء، وأبي زرعة طاهر بن محمد المقدسي، وغيرهم. وبالإسكندرية من الحافظ السلفي، وأبي طاهر إسماعيل بن محمد بن عوف الإسكندراني، وحدث ببغداد، ودمشق، ومصر. وكان جامعًا للفضائل، وله اليد البيضاء في النظم والنثر، وكتب الإنشاء للسلطان صلاح الدين يوسف بن أيوب، وله معه في الإغضاء عنه والتجاوز والبسط معه ما يعجب من وقوع مثله من السلطان، وكان يكتب بالعربي والعجمي. وصنَّف تصانيف مفيدة، منها: كتابه المسمى بـ "خريدة القصر" (١)، وفيها يقول بعضهم شعر: خريدة أفية من نتنها … كأنها من بعض أنفاسه فنصفها الأول في ذقنه … ونصفها الآخر في رأسه

стр. 914

ومنها: "السيل والذيل" (١)، و"الفتح القدسي" (٢)، و"البرق الشامي" (٣). ودرَّس بدمشق. وله مع القاضي الفاضل عبد الرحيم البيساني أشياء حسنة وطرف مستحسنة، وقال يومًا للفاضل: سر فلا كبا بك الفرس، فقال له الفاضل: دام علا العماد، وكل منهما مقلوبه مثله. وله "ديوان" شعر (٤) في مجلدات، ومن شعره قوله: ركائب من أهواه للبين زمَّت … فوا عجبًا للقلب لم يتفتَّت ولو شئت يوم البين وجدًا وحرقةً … قطعت طريق الطالبين بعبرتي مضوا بفؤادي وانصرفت بعبرة … موكَّلة بين الحشا والتلفُّت على أنني لولا الحذار عليهم … دنوت فأحرقت الخيام بزفرتي وله في الدُّوبَيت أيضًا، قوله رحمة الله عليه: الورد على خدّك من أنبته … والمسك على وردك من فتّته والقلب على نارك من ثبَّته … أجمع شملي هواك قد شتّته ورأى الفاضل يومًا راكبًا، فنظم قوله: شعر هذا الغبار أظنه مما … أثارته السَّنا بك والجوُّ منه مظلمٌ … لكن تباشير السَّنا بك

стр. 915

يا دهر لي عبد الرحيم … فلست أخشى مسَّنا بك وفضائله كثيرة، ومواده غزيرة. ولد بأصبهان، في ثاني جمادى الآخرة، وقيل: في شعبان، سنة تسع عشرة وخمس مئة. وتوفي في مستهل شهر رمضان، سنة سبع وتسعين وخمس مئة، عفا الله عنه. ٤٧٢ - محمد بن محمد بن الحسن الطوسي النصير المعروف بخواجا، المكنى بأبي عبد الله (١). آخر حذاق المتفلسفة. وله تصانيف، منها: شرح الإشارات (٢)، و"كتاب في إقليدس (٣)، و"كتاب في الهيئة (٤). وانتفع به في هذه الفنون السيد الركن، والقطب النيسابوري، وابن المطهر. وكان ذكي الفطرة، حادّ القريحة. مولده يوم الأحد، حادي عشر جمادى الأولى، سنة سبع وتسعين وخمس مئة. وتوفي عشية يوم الاثنين، ثامن عشر ذي الحجة، سنة اثنتين وسبعين وست مئة ببغداد.
следующие страницы →