ولما حثثنا مطايا الشوق نحو الحبيب، التحقنا وقد أخذت منا السُّرى برداء الليل الرحيب، وانتشقنا من نسيم القرب عنبرا، واغتبقنا من حديث الوجد مسكرًا، حتى إذا مالت بنا على الأكوار سنة الكرى، وطالب المنى إلى اللقاء، فقالت الأطماع ما هذا حديث مفترى، حباك من تهوى بطيفه الطارق، وحيَّاك بمجاز وصال هو أحظى لدى المحب من كثير من الحقائق.
وفضائله كثيرة، وموادُّه في الأدب غزيرة.
ودرَّس الحديث النبوي على صاحبه أفضل الصلاة والتسليم بالمدرسة الظاهرية، فتلقاه طلبتها بالتسليم، وولاه الإمام أبو الفتح القشيري الإفادة عنده بالمدرسة الكاملية، وذلك دالٌ على التكريم.
وكان ثقة في ما ينقله، جيد الإدراك في ما يعقله، وولي الإعادة في درس الحديث بالجامع الطولوني مدة، ثم عزله شيخنا قاضي القضاة أبو عبد الله ابن جماعة لأمور مشهورة، وسير مذكورة، وقبل وفاتهما مضى فتح الدين إلى قاضي القضاة بدر الدين، وتحالل منه، وخرج من عنده وهو راضٍ عنه.
ولد ﵀ في رابع عشر ذي قعدة، سنة إحدى وسبعين وست مئة.
وتوفي فجأة في حادي عشر شهر شعبان، من شهور سنة أربع وثلاثين وسبع مئة.
ولم يخلف بعده في القاهرة ومصر من يقوم بفنونه مقامه، ولا من يبلغ في ذلك مرامَه، أعقبه الله السلامة في دار الإقامة.
٤٧٠ - محمد بن محمد بن الحسين ابن رشيق المصري المولد، الزين المالكي القاضي (١).
стр. 912
سمع الحديث من المفتي أبي الحسن علي بن هبة الله بن سلامة الشافعي، ومن ابن البرهان.
وحدث؛ سمع منه شيخنا أثير الدين، وجماعة من البلديين، وغيرهم.
وولي القضاء بثغر الإسكندرية، ونُقِلت عنه أحكام أخطأ فيها، وعزل عن القضاء، وأقام مدة، ثم لما صرف السلطان الملك الناصر محمد بن قلاوون قاضي القضاة زين الدين علي ابن مخلوف عن القضاء، استناب قاضي القضاة بدر الدين ابن جماعة الشافعي ابن رشيق هذا في القاهرة مدة، حتى أعيد ابن مخلوف.
وكان شيخًا رئيسًا عاقلًا.
وله نظم، منه ما يكتب به في الإجازات كثيرًا، وهو قوله:
أجزت لهم أبقاهم الله كلَّ ما … رويت عن الأشياخ في سالف الدهر
وما سمعت أذناي عن كل عالم … وما جاد من نظمي وما راق من نثري
على شرط أصحاب الحديث وضبطهم … بريءٌ من التصحيف عار من النكر
وبالله توفيقي عليه توكُّلي … له الحمد في الحالين في العسر واليسر
ومولده بمصر، سنة ثمان وعشرين وست مئة.
وتوفي بها في سنة عشرين وسبع مئة، ليلة الجمعة حادي عشر المحرم، عفا الله عنه.
٤٧١ - محمد بن محمد بن حامد بن محمد بن عبد الله بن علي بن محمود بن هبة الله بن العماد الأصبهاني، الفقيه الأديب البارع الشاعر المؤرخ (١).
стр. 913
تفقه على مذهب الشافعي بأبي منصور سعيد بن محمد ابن الوزّان، مدرس نظامية بغداد، وسمع الحديث منه، ومن محمد بن عبد اللك بن خيرون، وأبي الحسن علي بن هبة الله بن عبد السلام، وأبي المكارم المبارك بن علي، وأبي بكر أحمد بن علي ابن الأشقر، وشيخ الشيوخ أبي البركات إسماعيل النيسابوري، وأبي القاسم علي بن عبد السيد ابن الصباغ، وأبي الفتوح محمد بن الفضل بن محمد الإسفراييني، وأبي عبد الله يحيى بن الحسن ابن البناء، وأبي زرعة طاهر بن محمد المقدسي، وغيرهم.
وبالإسكندرية من الحافظ السلفي، وأبي طاهر إسماعيل بن محمد بن عوف الإسكندراني، وحدث ببغداد، ودمشق، ومصر.
وكان جامعًا للفضائل، وله اليد البيضاء في النظم والنثر، وكتب الإنشاء للسلطان صلاح الدين يوسف بن أيوب، وله معه في الإغضاء عنه والتجاوز والبسط معه ما يعجب من وقوع مثله من السلطان، وكان يكتب بالعربي والعجمي.
وصنَّف تصانيف مفيدة، منها: كتابه المسمى بـ "خريدة القصر" (١)، وفيها يقول بعضهم شعر:
خريدة أفية من نتنها … كأنها من بعض أنفاسه
فنصفها الأول في ذقنه … ونصفها الآخر في رأسه
стр. 914
ومنها: "السيل والذيل" (١)، و"الفتح القدسي" (٢)، و"البرق الشامي" (٣).
ودرَّس بدمشق.
وله مع القاضي الفاضل عبد الرحيم البيساني أشياء حسنة وطرف مستحسنة، وقال يومًا للفاضل: سر فلا كبا بك الفرس، فقال له الفاضل: دام علا العماد، وكل منهما مقلوبه مثله.
وله "ديوان" شعر (٤) في مجلدات، ومن شعره قوله:
ركائب من أهواه للبين زمَّت … فوا عجبًا للقلب لم يتفتَّت
ولو شئت يوم البين وجدًا وحرقةً … قطعت طريق الطالبين بعبرتي
مضوا بفؤادي وانصرفت بعبرة … موكَّلة بين الحشا والتلفُّت
على أنني لولا الحذار عليهم … دنوت فأحرقت الخيام بزفرتي
وله في الدُّوبَيت أيضًا، قوله رحمة الله عليه:
الورد على خدّك من أنبته … والمسك على وردك من فتّته
والقلب على نارك من ثبَّته … أجمع شملي هواك قد شتّته
ورأى الفاضل يومًا راكبًا، فنظم قوله: شعر
هذا الغبار أظنه مما … أثارته السَّنا بك
والجوُّ منه مظلمٌ … لكن تباشير السَّنا بك
стр. 915
يا دهر لي عبد الرحيم … فلست أخشى مسَّنا بك
وفضائله كثيرة، ومواده غزيرة.
ولد بأصبهان، في ثاني جمادى الآخرة، وقيل: في شعبان، سنة تسع عشرة وخمس مئة.
وتوفي في مستهل شهر رمضان، سنة سبع وتسعين وخمس مئة، عفا الله عنه.
٤٧٢ - محمد بن محمد بن الحسن الطوسي النصير المعروف بخواجا، المكنى بأبي عبد الله (١).
آخر حذاق المتفلسفة.
وله تصانيف، منها: شرح الإشارات (٢)، و"كتاب في إقليدس (٣)، و"كتاب في الهيئة (٤).
وانتفع به في هذه الفنون السيد الركن، والقطب النيسابوري، وابن المطهر.
وكان ذكي الفطرة، حادّ القريحة.
مولده يوم الأحد، حادي عشر جمادى الأولى، سنة سبع وتسعين وخمس مئة.
وتوفي عشية يوم الاثنين، ثامن عشر ذي الحجة، سنة اثنتين وسبعين وست مئة ببغداد.
стр. 916
٤٧٣ - محمد بن محمد بن صالح بن حمزة الهاشمي البصري أبو يعلى، المعروف بابن الهبارية (١).
وهي أم أحد آبائه، من ولد هبار بن الأسود بن المطلب.
كان فاضلًا، أديبًا بارعًا، شاعرًا بليغًا، عارفًا بالأنساب ونقد الشعر.
سمع الحديث من مالك بن أحمد البانياسي، وغيره، وحدَّث بكرمان بصفة المنافق (٢)، بحق سماعه من الحافظ أبي عبد الله الدقّاق.
ونشأ ببغداد، وقرأ بها الأدب.
وله "ديوان" شعر، وسلك طريقة ابن حجاج، وأجاد فيها، وأكثر من السخف والمجون في شعره، واعتذر عن ذلك في ديباجة "ديوانه"، فقال: إن الهمم قد قصرت، وصار الناس لا يجيزوني إلا على رديء الشعر وسخيفه، فسلكت ذلك فصار لي طبعًا.
ثم إنه صار يهجو الناس وأكثر من الهجو، وبالغ حتى إنه هجا أباه وأمه، ثم هجا أكابر الدولة من الوزير، وغيره، فأطيح دمه، فاختفى ورحل إلى أصبهان، فاشتهر بها ومشى حاله، ثم عاد له طبعه، فهجا الوزير نظام الملك، فأهدر دمه، فاختفى وشفع فيه أبو بكر محمد بن ثابت الجحدري، ورحل إلى كِرْمان.
ولما هجا نظام الملك وشفع فيه، أنشده قصيدته التي أولها قوله: شعر
стр. 917
بعزة أمرك دار الفلك … حنانيك فالخلق والأمر لك
فقال له الوزير: كذبت ذاك الله تعالى.
وله تصانيف، منها: كتابه "الصادح والباغم" (١)، صنَّفه لسيف الدولة صدقة، ونظم كتاب "كليلة ودمنة" (٢)، وكتاب "المجدي"، صنَّفه لمجد الملك القُمّي، وكتاب "فلك المعاني" (٣)، وكتاب ردَّ فيه على أبي محمد الحسن بن أحمد الغُنْدَجاني، وكتاب سمّاه: "زجرة النائح"، انتصر فيه لأبي العلاء المعري على من ردَّ عليه مواضع في سقط الزند، وكتاب "ذكر الذكر وفضل الشعر"، وكتاب "مجانين العقلاء"، وغير ذلك، وله "أرجوزة"، ذم فيها الخوانق والمدارس والحانات، أولها قوله: شعر
حيّ على خير العمل
على العناق والقبل
على الغزال والغزل
على العذار والكفل
على رياض قطربل
ومنها، قوله:
تبًّا لربِّ المحبرة
يا ويحه ما أجبره
стр. 918
وعيشه ما أكدره
وعلمه ودفتره
إن لم تصدقني فسل
ومنها في المدارس، قوله:
وكم سكنت مدرسه
سباعها مفترسه
وجوههم معبِّسه
مالي وتلك المنحسه
لولا الشقاء والحيل
اصعد إلى تلك الغرف
وانظر إلى تلك الطرف
وارث لخرقي والسَّرف
وابك لحالي والشَّرف
واضرب بخذلاني المثل
ومنها:
إذا شربت وشرب
ثم طربت وطرب
ثم لعبت ولعب
стр. 919
ابصرتموا منّا العجب
كالشمس غابت في الطَّفل
ومن شعره قوله أيضًا:
خذ جملة البلوى ودع تفصيلها … ما في البرية كلها إنسان
وإذا البيادق في الدُّسُوت تفرزنت … فالرأي أن يتبيذق الفِرزان
وقوله:
بي مثل ما بك يا حمام البان … أنا بالقدود وأنت بالأغصان
أَعِدي الترنم كيف شئت فإننا … في ما نحنُّ من الهوى سيَّان
لي ما رويت من النسيب وإنما … لك فيه حق الشدو والألحان
وكان يُرمى بالزندقة، وذلك ظاهر في شعره.
أنشدنا شيخنا العلامة أثير الدين أبو حيان، أنشدنا الشيخ الرضى الشاطبي لابن الهبّارية قوله أيضًا: شعر
بلدان لا تأتيهما عن رغبةٍ … رجل يضم على فؤاد كيّس
البلدة الغراء لولا صارمٌ … مُنيَ الأنام به وبيت المقدس
توفي بكرمان، في جمادى الآخرة، سنة تسع وخمس مئة.
وقال العماد الأصبهاني: سنة أربع (١).
وكان قد هجا الوزير والنقيب وأشراف الدولة.
стр. 920
٤٧٤ - محمد بن محمد بن علي بن محمد بن سليم الصاحب، تاج الدين ابن الصاحب فخر الدين ابن الصاحب (١) بهاء الدين المصري (٢).
كان رئيسًا جليلًا، أديبًا شاعرًا، كريمًا متصدقًا، كثير الإحسان إلى جنس الإنسان، معتقدًا لأهل الصلاح، مكرمًا لأهل العلم وأرباب الفلاح، وما زال يولي برًا ويستوجب بمننه شكرًا إلى أن تقضت تلك السنون وانتزعته يد المنون.
سمع الحديث من سبط الحافظ السلفي، والعلامة أبي عبد الله محمد بن عبد الله بن أبي الفضل المرسي، وابن عبد الدائم، وابن أبي اليسر، وغيرهم.
وحدَّث بجزء الذهلي بمصر، وله "ديوان" شعر لطيف، سمعه منه ابن شامة، وابن الصابوني، وابن أخيه الصاحب شرف الدين، وغيرهم.
وتولى الوزارة للسلطان الملك العادل كتبُغا، وعمر رباطًا بدير الطين في غاية الحسن، ووقف عليه بستانًا كان عزيزًا عليه، وجعل فيه خزانة فيها شيءٌ، ذكر أنه من آثار أواني النبي ﷺ ، وهو قطعة من قصعة ومزود وزجّ، وبلغني أنه اشترى ذلك بآلاف كثيرة.
وفيه آثار من آثار الصالحين طواقي، وبنى كُنفًا، انتفع الناس بها، وقفها بالقرب من جامع مصر وفوق سطح الجامع.
стр. 921
وله محاسن كثيرة، ونظم حسن، أنشدنا شيخنا أثير الدين، أنشدني الصاحب لنفسه قوله:
ولقد أبيتُ على أغرٍّ أدهمٍ … عبل الشوى كالليل إذ هو مظلمُ
وبكفِّه اليمنى قناة لدنة … كالأفعُوان سنانها منه الفم
متقلّدًا عضْبًا كأنَّ متونه … برقٌ تلألأ أو حريقٌ مضرمُ
وعليَّ سابغة الذيول كأنها … سلخٌ كسانِيه الشجاع الأرقم
وعلى المفارق بيضةٌ عاديةٌ … كالنجم لاح وأين منه الأنجم
والرعد من تَصْهال خيلي والسنا … برق الأشعة والرذاذ هو الدَّم
وله:
يا برق كرّر أحاديث الحمى فلقد … قضى بها الصبُّ من أحبابه وطرا
ويا نسيم الصبا بالله هل عبثت … يداك بالبان لما جئته سحرا
وهل مررت بأهل الحمى من أضم … وهل رأيت بدارات الحمى قمرا
وما أظنك إلا جزت دارَهُمُ … وقد كسوك شذىً من نشرهم عطرا
وله:
هو الدِّين أما في الحياة فمكسبٌ … شريفٌ وأما أجره فجزيل
كذاك كريم القوم أما ثناؤه … فباقٍ وأما قدره فجليل
ولد بمصر، يوم الخميس سابع شعبان، سنة أربعين وست مئة.
وتوفي بها ليلة السبت، خامس جمادى الآخرة، سنة سبع وسبع مئة، عفا الله عنه.
стр. 922
٤٧٥ - محمد بن محمد بن سليمان الأنصاري البلنسي، يكنى أبا عبد الله، ويعرف بابن أبي البقاء (١).
وأصله من سرقسطة.
ذكره الأبار في "التحفة"، وقال: برع في العربية واعتنى بتقييد الآثار، وكان شاعرًا مجودًا (٢).
وأورد من شعره يمدح، قوله: شعر
لإقبال هذا السَّعد تبتهج الدنيا … ويحيا من الآفاق ما لم يكن يحيا
كذاك انتشار الأرض من بعد موتها … أيا من رأى ميت الدُّنا ناشرًا حيا
وقوله:
وكم بالمصلّى والكنيسة من هوى … أثار بأحناء الضلوع بلابلا
يفوقون سحبانًا فصاحة منطق … تزيد على ألفاظ قُسٍّ بلابلا
بها أخوا صدق جديدٌ لديهما … ثياب جديد المجد لن يقبلا بلى
سألتهما حفظ الوداد على النَّوى … فلا وأبيك الخير ما قابلا بلا (٣)
توفي سنة ست عشرة وست مئة، عفا الله عنه.
стр. 923
٤٧٦ - محمد بن محمد بن عبد الله، المنعوت بالمحيي والمكنى بأبي حامد (١).
قاضي حلب، فقيهٌ شافعي، فاضلٌ، عالمٌ بفنون، أديبٌ.
دخل بغداد، فتفقه بأبي منصور ابن الرزاز، ثم قدم دمشق فناب عن أبيه، ثم ناب بحلب، ثم تولى الموصل، ودرَّس بمدرسة أبيه النظامية، وتمكن عند صاحب الموصل عز الدين مسعود، وتوجَّه رسولًا من جهته إلى بغداد مرات.
وكان جوادًا سريًا، قيل: إنه أنعم على الفقهاء والأدباء مرة بعشرة آلاف دينار، ويقال: إنه في مدة حكمه بالموصل لم يعتقل غريمًا على دينارين، بل يوفيهما عنه.
وله في الأدب مشاركة حسنة، حدث بشيء من شعره.
روى عنه الشريف أبو القاسم الفضل بن يحيى العلوي، وأبو الفتح محمد بن علي، والقاضي أبو البركات محمد بن علي قاضي أسيوط.
وسمع من عمِّ والده أبي بكر ابن محمد، وغيره.
قال أبو عبد الله محمد بن سعد الحنفي مدرس السيوفية بالقاهرة، أنشدني لنفسه قوله:
لا تحسبوا أني امتنعتُ من البكا … عند الوداع تجلدًا وتصبُّرا
لكنني زوَّدت عيني نظرةً … والدَّمع يمنع لحظها أن ينظرا
стр. 924
إن كان ما فاضت فقد ألزمتها … صلة السهاد وسمتها هجر الكرى
وقوله:
أيها الرَّاحل الذي ليس يرجى … هواه عن ربع قلبي محيل
إن تبدَّلت بي سواي فإني … ليس لي ما حييت عنك بديل
لي أذنٌ حتى أناجيك صماء … وطرف حتى يراك كحيل
وقوله:
جاد لي في الرُّقاد وهنًا بوصلٍ … أنشط القلب من عقال الهموم
وجفاني لما انتبهت فما … أقرب ما بين شقوتي ونعيمي
وله قوله، يصف جرادةً، قال:
لها فَخِذا بَكْرٍ وساقا نعامة … وقادمتا نسر وجؤجؤ ضيغم
حبتها أفاعي الرمل بطنًا وأنعمت … عليها جياد الخيل بالرأس والفم
وله:
ولما شاب رأس الدهر غيظًا … لما قاساه من فقد الكرام
أقام يميط عنه الشّيب غيظًا … وينشر ما أماط عن اللِّثام
ولد سنة عشر وخمس مئة تقريبًا.
وقال العباد الأصبهاني: سنة تسع عشرة في شعبان (١).
وتوفي سحر يوم الأربعاء، رابع عشر جمادى الأولى، سنة ست وثمانين وخمس مئة.
стр. 925
قال المنذري: وهو ابن اثنتين وستين سنة، وقيل: وفاته ثامن عشر من الشهر (١).
وذكره ابن النجار، وقال: مولده سنة سبع عشرة، رحمة الله عليه.
٤٧٧ - محمد بن محمد بن عبد الله، المنعوت بالبدر، ولد الإمام أبي عبد الله ابن مالك (٢).
كان فاضلًا، نحويًا، مشاركًا في الفقه على مذهب الشافعي، والأصول، والمنطق، والبيان، وكان ذكي الفطرة، حاد القريحة.
تولى الإعادة بالمدرسة الأمينية بدمشق، وجلس في وظيفة والده بعده، وانتفع به، وأخذ عنه أعيان الدماشقة.
وصنف تصانيف، منها: "شرح الألفية" (٣)، و"شرح العمدة"، و"لامية الأفعال" (٤)، من تصانيف والده، وصنف في البيان كتابًا سماه "المصباح" (٥).
وما زال يصنف ويفيد حتى أتاه أجله الذي ليس عنه محيد، في يوم الأربعاء ثامن المحرم، سنة ست وثمانين وست مئة بدمشق، عفا الله عنه.
стр. 926
٤٧٨ - محمد بن محمد بن هبة الله الحسيني، المكنى أبا عبد الله (١).
أديب شاعر، بديع الشعر لطيف المنزع (٢)، ومن شعره قوله:
دع المطامع لا تحلل بساحتها … وارض القليلين من ريِّ ومن شبع
لا تخضعنَّ لأمرٍ عزَّ مطلبه … لا خير في العيش ما أدناك من ضرع
حتى متى أنا مطويٌّ على كمدٍ … بين النَّقيضين من يأسٍ ومن طمعِ
وقوله أيضًا:
أما ترى اليوم كيف أحزنه … إني بأيدي الخطوب منتهك
فأطلع الغيم في مدارعه … والتحفت في حدادها الحبك
وارتجز الرعد فيه ينشدني … فظلَّ يبكي لأمريَ الفلك
وقوله أيضًا:
وما وصلتنا من وجيهٍ شفاعةٌ … بغير مواعيدٍ لهم كَسُرَى القَيْن
فيا صاحبي دعني ففي اليأس راحةٌ … إلي كم تمنّيني مللت من المين
стр. 927
وقوله أيضًا:
كلُّ يومٍ يلقي ببابك غيظًا … أملا خائبًا وسعيًا مضاعا
ووجوهًا تغضٌّ من دونها الطرف … كما قابلت عيونٌ شعاعا
ليتهم إذ حموك من كلفة … الإذن لنا أوصلوا إليك الرقاعا
وله أيضًا:
صَدَّت وقد زارت برغم الكرى … فروَّع القلب صدود الخيال
أظنُّها قد علَّمت طيفها … فرط التجنِّي واعتراض الدَّلال
حظّي من الطَّيف إذا زارني … تجديده عهد ليالي الوصال
لولا الكرى ما كنتُ مُسْتروحًا … إلى خيالٍ وهو زور محال
وقوله أيضًا:
لله طيفك ما أحلى زيارته … لولا اعتراض تساجٍ منك يشجيني
طورًا ببين على بين تهدِّدني … وتارةً بنبال الصدِّ ترميني
خوفي من الهجر قد أغرى الخيال به … وهنًا فتُدنيه أشواقي وتُقصيني
وأبرحُ الوجد أنَّ اليأس يطمعني … في ما لديك وأنَّ العذل يغريني
وقوله:
لست بالدَّاعي لخلٍّ أبدًا … أن يزيد الله في مقدرته
حذرًا أن يطمح الكبر به … فأذمُّ الدَّهر في معرفته
стр. 928
٤٧٩ - محمد بن محمد بن حيدرة بن علي بن خالد بن الحسين بن علي القرشي البادرائي، ينعت بالشمس (١).
اشتغل بالفقه على مذهب الشافعي إلى أن علت سنُّه، وكان لا يعرف شيئًا من النَّظم، ثم درس قطعة من أشعار المولدين.
وقدم قوص، ولازم عز الدين عبد العزيز صاحب الأمير موسى، وكان يقول: به تخرجت، فلازم أدباءها: الشرف النصيبيني، والمجير ابن اللمطي، والشيخ تاج الدين ابن الدشنائي.
وجدَّ في ذلك ونظم النظم الجيد، حتى لقَّبَه شيخنا العلامة أثير الدين أبو حيان: النابغة، ومدح قضاة القضاة والأعيان.
اجتمعتُ به بقوص والقاهرة كثيرًا، وسمعت منه من نظمه.
ومدح قاضي القضاة شمس الدين محمد الحنفي ابن الحريري الدمشقي بهذه القصيدة التي أولها قوله: شعر
مذ أسلمتني عين أم سالم … إلى الردى يئست من مسالمي
وكلما قل نصيبي عندها … تكاثرت في حبها لوائمي
يا مقلتيَّ أنتما نعمتما … والقلب يشقى وهو غير جارم
جنيتها الذنب فلا أقل من … أن تبكيا قلبي بدمع ساجم
عيناي عونان عليَّ وهما … مني فهل بعدهما من راحم
قلبي غمرٌ في اتباع غيه … يا ليتني بدلته بحازم
стр. 929
قد ختم الدهر به أجواده … وإنما الأعمال بالخواتم
وقال يمدحه أيضًا قوله: شعر
أشكر إلى عثمان جود ابنه … فقد رمانا في الطويل العريض
قد صيَّر الباخل بحر الندى … وعلم المفحم نظم القريض
والشيء لا يظهر تمييزه … للناس إلا بوجود النقيض
له يد فياضة بالندى … كالبحر إلا أنها لا تغيض
عجبت من حاسده كيف لا … يقضي أسى وهو المعنَّى المريض
وكتب إليه في يوم عيد الأضحى قوله: شعر
تقول لي جاريتي سيِّدي … أما ترى ما مسَّنا من ضير
الناس في الأنعام ينحرونها … وما لدينا ريشة من طير
قلت لها قومي كُليني فما … هنا قطعة لحمٍ غيري
وأنشدني صاحبنا الفاضل علاء الدين علي بن إبراهيم الجزري، أنشدني البادرائي لنفسه، قوله أيضًا: شعر
أقلي من التأنيب يا أم سالم … وردّي إلى الجسم الفؤاد المعذّبا
فوالله ما طاوعت من لامَني على … هواك ولا راقبت أمَا ولا أبا
زعمت بأني قد تبدَّلت خلة … سواك وإني واجدٌ عنك مذهبا
فلا أنت تدنيني ولا القلب يرعوي … وأصبحت في أمري لديك مذبذبا
وأنت التي صيَّرت نعمان والغضى … أحبَّ من الأوطان عندي وأطيبا
стр. 930
مررت بنعمان الأراك وبالغضى … فطاب لذاك الواديان وأعشبا
وما دارها دارين لكن مشت بها … لذلك أضحى مسك دارين طيبا
أظن الصَّبا مرت على دار زينب … ألم ترني أصبو إذا هبت الصبا
فلو طاح في البحر الأجاج سواكها … لأصبح من ماء الغرامة أعذبا
سلا كل قلب عن هوى الغيد وارعوى … وخيَّم في قلبي هواك وطنَّبا
فيا سلوتي بيني فبي عنك سلوةٌ … ويا صبوتي أهلا وسهلا ومرحبا
يعاندني اللاحي إذا عنَّ ذكرها … فيلحي وإن أطنبت في الذكر أطنبا
فقلت له كفَّ الملام فإنني … نزلت على حكم الصبابة والصبا
طبعت على قلبي بطابع حبِّها … فلم يبق لي في غير زينب مأربا
فوجهت وجهي نحو قبلة حسنها … فألفيته دينًا قويمًا ومذهبا
وأعطيت أدنى الحبِّ أقصى صبابتي … لذلك أضحى مذهبي فيه مذهبا
وقال لي الجزري المذكور، قال لي البادرائي: رأيت شخصًا في النوم فقال لي: شعر
قيل لي أنت أشعر الجن والإنس … لدينا فلو مدحت الرسولا
قلت عذري أجلى من الشمس … في الصحو فلا أبتغي عليه دليلا
بعض مدح النبي يستغرق … المدح فماذا عسى أن أقولا
سيّدٌ شرَّف الأناسي لما … كان منهم وفُضِّلوا تفضيلا
ملأ الأرض والسماوات بالفضل … وبالمعجزات عرضًا وطولا
ساد كلَّ العباد حلما وعلمًا … وسماحًا ومحتدًا وقبيلا
стр. 931
غرر المجد في معدِّ بن عدنان … إذا ما قحطان كانت حُجولا
وذكر أبياتًا كثيرة، يبعد في العادة حفظها في النوم، والله أعلم.
كتب عنه من شعره جماعة من أشياخنا وأصحابنا.
وتوفي بالبيمارستان المنصوري بالقاهرة، في سادس عشر شعبان، سنة تسع عشرة وسبع مئة، عفا الله عنه.
٤٨٠ - محمد بن محمد بن عبد الرحمن القرشي التونسي الفقيه المالكي المعروف بابن القوبع (١)، المنعوت بالركن (٢).
الفاضل البارع في المعقولات والأدب والأنساب واللغة.
وله حظ جيد من النحو والتصريف، ويد في التفسير، ومعرفة تامة بالطب، وله نثر جيد، ونظم حسن، وكان كثير التلاوة للقرآن.
سمع الحديث من أبي إسحاق إبراهيم بن علي الواسطي، وأبي الفضل أحمد بن هبة الله ابن عساكر، وأبي العباس أحمد بن محسن بن مكي، وأبي القاسم الخضر بن
стр. 932
عبد الرحمن الدمشقي، وأبي عبد الله محمد بن حمزة بن عمر ابن أبي عمر المقدسي، وجماعة كثيرة.
وكتب على آيات من القرآن العزيز كلامًا جيّدًا (١)، وجمع "وفيات"، وكتب على بعض "ديوان المتنبي"، واختصر الأفعال التي صنفها ابن الحاج.
وتولى الإعادة في الفقه بالمدرسة الناصرية، والجامع الطولوني، ودرس بالمدرسة المنكوتمرية، وكان طبيبًا بالبيمارستان المنصوري.
وكان مستحضرًا لجملة من شعر المتقدمين والمتأخرين، والعروض والقوافي، بصيرًا بمعاني الشعر ونقده، صحيح الذهن، ذكي الفطرة.
وتأدب بابن حبيش، وقرأ المعقول على ابن الدَّارس، وكان ثقة في نقله.
نقلت من خطه من نظمه هذه القصيدة في الغزل، وهي أولها قوله:
لظىً يتلظَّى في الفؤاد استعاره … ودمعٌ هتونٌ لا يكفُّ انهماره
يحاول هذا برد ذاك بصوبه … وليس بهاء العين تُطفأُ ناره
ولوعًا بمن حاز الجمال بأسره … فحاز الفؤاد المستهام إساره
غزالٌ له صدري كناسٌ ومرتع … ومن حب قلبي شيحه وعراره
جرى سابحًا ماء الشباب بروضه … فأزهر فيه ورده وبهاره
يشب ضرامًا في حشاي نعيمه … فيبدو بأنفاسي الصعاد شراره
وينثر دمعي منه نظمٌ موشيٌ … كنور الأقاحي حفه جلنّاره
يصول ببردٍ من برود رضابه … تفاوح فيه مسكه وعقاره
стр. 933
ويُسهر أجفاني بوسنان أدعج … يحيّر فكري غنجه واحوراره
حكاني ضعفًا أو حكى منه موثقًا … وخصرًا نحيلًا غال صبري اختصاره
معنَّى بردف ما ينوء بثقله … فيا شدَّ ما يلقى من الجار جاره
على أن ذا مثرٍ وذلك معسر … ومن محنتي إعساره ويساره
تألّف من هذا وذا غصن بانةٍ … فراقت به أزهاره وثماره
تجمَّع فيه كل حسن مفرق … فصار له قطبًا عليه مداره
زُلالٌ ولكن أين مني وروده … ولَدنٌ ولكن أين مني اهتصاره
وسلسال راح صدَّ عني كناسه … وغودر عندي سكره وخماره
وبدر تمام مشرق الضوء باهر … لأفقي منه محقه وسراره
دنا ونأى فالدار غير بعيدة … ولكن بعدًا صده ونفاره
فقد آن للشمل الشتيت اجتماعه … وقد آن للقلب الكسير انجباره
وللمدنف المشتاق أن يبلغ المنى … ووالله ما شيء سواك اختياره
ويُنْبَزُ بما تنبز به الحكماء وأرباب المعقول.
ومولده بتونس، سنة أربع وستين وست مئة.
وتوفي بالقاهرة، ليلة الاثنين، في سابع عشر ذي حجة، سنة ثمان وثلاثين وسبع مئة.
٤٨١ - محمد بن محمد بن جعفر بن أحمد بن محمد بن جعفر بن غنائم العلوي، المنعوت بالشمس، ويعرف بابن الجعفرية (١).
أديب فاضل شاعر.
стр. 934
كتب عنه أصحابه، ولقيه شيخنا أثير الدين أبو حيان بالمحلة، يوم الثلاثاء سابع ذي حجة، سنة سبع وثمانين وست مئة، وكتب عنه من شعره، وأنشدنا عنه.
ومنه قوله:
أترى يبل غليله المشتاق … منكم ويسكن قلبه الخفاق
وتعود أيام الوصال كما بدت … ويرى لأيام الفراق فراق
يا حاجبًا عن مقلتي سنة الكرى … فدموعها لجنائه إطلاق
لا تنكرن تملقي لعواذلي … فأخو الغرام لسانه مذَّاق
وله:
أذَعْتَ سرَّ دمعك المكتوما … لما غدت ربوعها رسوما
سلها عسى تجيب عن سؤالها … ودع حديث أهلها القديما
متى رأيت أربعًا دوارسًا … أسلت فؤادًا أو جلت هموما
واعدل عن الجائر إذ يديرها … صفراء صرفًا تنشط النَّديما
مورَّد الخدين والكأس له … عهدٌ غدا كخصره سقيما
يجيل فوق متنه ذوابةً … أسودها بِتُّ به سليما
كم ليلة أمسيت فيها أجتلي … حتى تولى جيشها هزيما
من وجهه وقدِّه ولحظه … بدرًا وغصَّ بآيه وريما
والقُطّ الدُّرين من حديثه … وثغره المنثور والمنظوما
وله:
يا ضرَّة البدر لو أنصفت قتلاك … ما كنت أبديت ما أخفته عيناك
стр. 935
ويا مهاة أثيل الحيِّ من إضَم … من بالتباعد والهجران أغراك
لولاك ما اشتقتُ كتبان العقيق ولا … أسال محمَّر دمعي كتب مغناك
ولا انثنيت ولي شوق يميِّلني … كأنني ذقت معسولًا حوى فاك
يا ظبية المنحنى رقّي لمكتئبٍ … أمسى بمعناك مسلوبًا ومغناك
يظل ينشد في أطلال كاظمة … رقي سليمى فما المشكو كالشاكي
هل أنت يا ظبية الوعساء منصفةٌ … لمغرمٍ أورثته السقم عيناك
سفرتِ والليل قد أرخى ذوائبه … فشوَّقتنا إلى رؤياك ريَّاك
فُقْت الأنام بحسن لا شبيهَ له … لما تقلدت دُرًّا من ثناياك
قتلت عشّاقك الهلكى ولا قودٌ … لما تملَّك مَعناكِ مُعَنَّاك
٤٨٢ - محمد بن محمد بن علي.
هذا المعروف، وقال ابن سعيد:
محمد بن أحمد الحلّي الوزير مؤيد الدين ابن العلقمي (١).
كان فاضلًا، أديبًا شاعرًا.
تقدم بخاله عضد الدولة المبارك بن الضحاك أستاذ الدار، وارتقى إلى أن وُزّر للمستعصم أربع عشرة سنة.
ثم باطن التتار، وسعى في حضورهم إلى بغداد، وكان السبب في استيلائهم.
стр. 936
وله نثر جيد، ونظم حسن، منه قوله: شعر
يراعٌ إذا أبكيته ضحك النَّدي … وعضبٌ إذا أضحكته بكت العدى
فشيمة ذا أنى اعتدى قطُّ رأسه … وشيمة هذا قطُّ رأس من اعتدى
وكتب على بعض الأبنية قوله أيضًا: شعر
عش في أمان رغيد العيش مبتهجًا … في غبطة عنك عين البشر لم تنم
مستمسكًا بيد الإقبال معتصمًا … من الإله بحبلٍ غير منفصم
يطيعك الفلك الدوَّار والقدر … الأمَّار والملك الجبار ذو الحشم
لك الزمان غلامٌ والورى خدمٌ … وتحت أمرك رب السيف والقلم
لا يسكن لهم أرضًا أنت ساكنها … ولا تطول بها إلا يدُ النعم
وله:
لا بَلَغ الأعداء ما أملوا … ولا انتهى من سعدنا الأوَّل
وظلَّت البشرى بأسماعنا … معادة ماضٍ ومستقبل
وله:
إذا جئت الحمى فدع الركائب … بحيث تلوح أنوار الحبائب
وقف بالدَّوح من بانات سلعٍ … وسل عن ذلك الرشاء المجانب
ألا لله أيامٌ تولت … بهاتيك الأباطح والأهاضب
ومن أهواه طوع يدي وحكمي … على رغم المحاسد والمراقب
ولما استولى التتار على بغداد، ظن أنه يحصل له مقصود، فأنكروا عليه مباطنته على ملكهـ، وقُتِل في أول جمادى الآخرة، سنة ست وخمسين وست مئة.
стр. 937
٤٨٣ - محمد بن محمود بن محمد، من ذرية أبي دُلَف.
وقال البرزالي: الكافي (١) الأصبهاني، المنعوت بالشمس (٢)، الفقيه الشافعي، الأصولي المتكلم (٣).
كان عالمًا بالمعقولات، متدينًا، عاقلًا، لبيبًا، عفيفًا، نزيه النفس، صحيح العقيدة.
سمع الحديث من طَغْرِيل المحسني.
وخرج من أصبهان شابًا، ودخل بغداد، فاشتغل بها مدة، ثم قدم حلب، وأقام بها مدة، وولي القضاء بمنبج، وقدم القاهرة فولاه قاضي القضاة عبد الوهاب العلامي المعروف بابن بنت الأعز قوص، فسار في القضاء أحسن سيرة، وسلك فيه ما يرضي عالم العلانية والسريرة.
وكان أمَّارًا بالحق، لا يخاف لومة لائم؛
تعرض الحاجب بقوص الملقب بالجلاب لبعض الأمور الشرعية، فضربه بالدرة.
وتعرض بعض الرؤساء بإسنا إلى مطالبة الأيتام بما طلب من أهل البلد من المظالم، فانزعج لذلك وأرسل يطلبه، فخاف منه، فأخذ الشيخ بهاء الدين هبة الله القفطي، وحضر صحبته إلى قوص، واجتمع به في صحبة الشيخ، فقال له الشيخ: هذا فلان ونحن ننتفع به في الأمور الشرعية، وقد التزم أن كل شيء يحدث من المظالم يوفِّر الأيتام
стр. 938
منه، وإن لم يقدر وزنه من ماله، فسكت القاضي، ثم، قال لذلك الرئيس: كيف نعمل؟ جئت صحبة هذا الشيخ، لولا حضوره يا أسود كنت أضربك بالدرة حتى تحمرَّ، لكن حضورك مع الشيخ منعني.
هكذا حكى لي الخطيب ضياء الدين منتصر خطيب إدفو.
وسمعته أيضًا يحكي عنه أنه قال: أهل ديار مصر قليلونَ الهمَّة، أنا أقمت خمس سنين أدرس الماء والخبز وأشباه ذلك.
وحكى لي الخطيب أيضًا عنه أنه قال: قد اشتغلت بالعلم في عراقي العرب والعجم، فلم أر من يطلب العلم لله إلا رجلين، أحدهما: كان مدرسًا، وكان عنده بعض الطلبة، فإذا فرغ المدرس من درسه، قام وجلس بين يدي ذلك الطالب، فيقرأ عليه، وصاحبكم هذا يعني: الشيخ مجد الدين ابن دقيق العيد.
وكان وقورًا، إذا أخذ لا يلتفت، ولا يعبث، ولا ينزعج، وكان متصدّيًا للإشغال.
قرأ عليه العلماء والفضلاء، اشتغل عليه بقوص الأشياخ: أبو العباس الدشناوي، وهبة الله القفطي، والنجيب بن مفلح، وعبد العزيز بن المفضل الأسواني.
وكان الشيخ تقي الدين القشيري يحضر مجلس إقرائه.
وقرأ عليه بقوص الشمسان الجزريان الخطيب والمحوجب، وقرأ عليه بمصر خلائق.
قال لي القاضي نور الدين الإسنائي: اشتغلت عليه بالأصول مدة، ثم أردت أن أقرأ عليه فلسفة، فقال: لا، حتى تمتزج بالشرعيات امتزاجًا جيدًا.
وصنَّف تصانيف، منها: "شرح المحصول" (١)، ولم يكمله، و"القواعد" (٢)، مشتمل
стр. 939
على أصول فقه، وأصولين (١)، ومنطق، وخلاف.
ودرَّس بالمشهد الحسيني بالقاهرة، وأعاد بالمدرسة المجاورة لضريح الشافعي، فلما ولي التدريس الشيخ تقي الدين ابن دقيق العيد عزل نفسه، وقال: بطن الأرض خير من ظاهرها.
وكان لما ورد الشيخ علي الكردي قوص، اجتمع به وصحبه، وصار يحمل على يده مأكولا ويمشي به إليه، ثم عزل نفسه، وبلغني أنه حين سافر من قوص، اقترض عشرين درهمًا حتى تزوَّد بها، وكان مع تقشفه فيه لطافة.
حضر إليه نجم الدين أحمد بن ناشي نائب الحكم بقوص، وقال له: إن فلانًا هجاني، وأنا أطلبه ليضربه سيدنا، فقال: يا نجم الدين، لا ما نبقى اثنين.
وخاطَب بعض الطلبة ظانًا أنه شخص، فقال: أنا فلان، فقال: ﴿إِنَّ الْبَقَرَ تَشَابَهَ عَلَيْنَا﴾ (٢).
ولم يكن له اشتغال بالحديث، فقال في الاستدلال لِما روى وائل بن حجر، فقال: جُحْر حُجْر، صحابي والسلام.
ويذكر المصريون عنه أنه كان يصحف في القرآن، وأنه قرأ: ﴿المص﴾ (٣) فقال: المُصْ، وشيخنا أثير الدين ينكر ذلك ويعظمه.
وقد قيل فيه: إنه لم يرد من العجم من المتأخرين أكمل منه علمًا ودينًا وسلامة في العقيدة.
حكى الخطيب عبد الرحيم السمهودي، قال: قلت له يومًا: يا سيدي، هذا الذي يقول: إن في الناس من يمشي على الماء، ويطير في الهوى، ويكاشف في بلاد بعيدة وهو
стр. 940
بمكانه، هذا صحيح؟ فنظر إليّ شزرًا، وقال: سمهودي، أنت ممن ينكر كرامات الأولياء، هذه أمة عظيمة مكرَّمة، انْفِ عنها مقام الرسالة والنبوة، وأثبت لها من الكرامات ما شئت.
ورأيت له في إجازة نثرًا حسنًا.
ولد بأصبهان، في سنة ست عشرة وست مئة.
وتوفي بالقاهرة، في يوم الثلاثاء، العشرين من رجب، سنة ثمان وثمانين وست مئة، عفا الله عنه.
٤٨٤ - محمد بن محمود بن محمد الطوسي، المنعوت بالشهاب، المكنى بأبي الفتح (١)، الفقيه الشافعي (٢).
كان بارعًا في الفقه والأصول والخلاف، معظمًا عند الخاصة والعامة.
حدَّث بالإجازة عن الإمام محمد بن يحيى تلميذ الغزالي، وعليه تفقه، وقرأ الأصول والخلاف عليه، وتفقه أيضًا بأبي الفتح محمد بن الفضل المَارِشْكِي (٣)، وغيرهما من أصحاب الغزالي.
стр. 941
وقدم مصر، فنشر العلم بها.
وتفقه عليه جماعة، منهم العلامة أبو الحسن علي بن هبة بن سلامة المعروف بابن بنت الجميزي، وقرأ عليه الأصول والخلاف، وألبسه الطيلسان، وأجازه بالفتوى، وكان يقول عن الطوسي: إنه رئيس العلماء في زمانه ووقته، وسمع منه.
وكان مقدامًا؛ قال الشيخ بهاء الدين المذكور: سمعته يقول: كنت ببغداد حين بويع للخليفة الناصر، فدُعيت للبيعة، فجئت وقد كان تقدَّمني جماعة، فوجدت الحُجَّاب قيامًا في رحبة في فناء دار البيعة، والخليفة جالسًا من وراء شباك، وتحت الشباك موضع لطيف، والوزير جالسٌ في طرفه، فلما صرت في وسط الرحبة صاح الحُجَّاب الأرض الأرض، فلم أتكلم، فصاحوا ثانيًا، فلم أتكلم، فلما قربتُ صاحوا صيحة عظيمة: الأرض الأرض، فالتفتُّ إليهم وقلت لهم: أتأمروني أن أسجد لغير الله تعالى، ثم أبايع أمير المؤمنين، فقالوا: قد فعل ذلك من هو خيرٌ منك، فقلت: وأنا إذن أول من يبايع، ثم جئت إلى المكان الذي عليه الوزير، وجلست مقابله، فقال للخليفة: عندكم الطوسي؟ فلم يتكلم، وأخرج كمَّه من الشباك للمبايعة، قال: فقلت للوزير: يؤذن لي أن أتكلم؟ فقال: قل، فقلت: يا أمير المؤمنين إن النبي ﷺ ، كان يبايع الرجال مصافحة، والنساء بطرف الرداء، فمن أي القسمين جعلنا أمير المؤمنين، فجذب كمه وأخرج يده، فقلت: أبايعك على أن تحكم بكتاب الله، وسنة رسوله ﷺ ، وإجماع المسلمين، فقال الوزير: وهل الإجماع خارج عنهما، فقلت: نعم، وبيَّنت القول فيه، ثم قلت للوزير: يؤذن لي في القول؟ قال: قل، فقلت: يا أمير المؤمنين إن دولتك حديثة فأذق المسلمين حلاوتها، ولا تذقهم مرارتها، فإن كلَّ حلوٍ محبوب وكل مرٍّ مكروه، أعانك الله على ما أولاك، ثم انصرفت.
ودرَّس بمصر بمنازل العز، فأرسل الوزير ابن شكر من يطلب معرفة ريعها ويتحدث فيه، فرسم الفقيه بضرب من حضر من جهة الوزير، وطلع إلى القلعة
стр. 942
وانزعج، ورسم للوزير أن لا يتعرض لشيء يتعلق به، وخرج الوزير يحجبه، فلم يلتفت إليه ولا سلَّم عليه.
وقال الشيخ بهاء الدين ابن سلامة المذكور: أنشدني لنفسه قوله: شعر
لقد صيغ في صدر الخلافة سيِّدٌ … من الحلم والإفضال والعلم والنُّهى
له عند بثِّ المكرمات مواهبٌ … تريك ضياء الشمس أخفى من السُّهى
قال: وأنشدنا الطوسي، قال: أنشدنا الإمام محمد بن يحيى النيسابوري لنفسه قوله: شعر
وقالوا يصير الشعر في الماء حيَّة … إذا الشمس لاقته فما خِلْتَه صدقا
فلما التوى صدغاه في ماء وجهه … وقد لسعا قلبي تيقنته حقَّا
وهذان البيتان نُسِبا لغيره.
وكان الطوسي كثير الإنكار على الشيخ أبي عبد الله القرشي، وينهى العماد السكري عن الاجتماع به، وكان القرشي يأمر العماد بملازمة الطوسي، ولما اشتد نكيره، قال بعض أصحاب القرشي له: لم لا تدعو عليه، قال: وجدت العلم حائلًا بيني وبينه.
ولد بطوس، سنة اثنتين وعشرين وخمس مئة.
وتوفي بمصر، في ذي قعدة، سنة ست وتسعين وخمس مئة، عفا الله عنه.
٤٨٥ - محمد بن محمود بن الحسن بن هبة الله بن محاسن البغدادي، المنعوت بالمحب ابن النجار (١).
стр. 943
كان فقيهًا، حافظًا، ثبتًا، ثقة.
سمع الكثير، ورحل، فسمع بأصبهان، وبخراسان، والحجاز، ودمشق، وبلاد كثيرة.
وذيَّل على "تاريخ الخطيب" كتابًا كبيرًا جامعًا (١).
وأما أكثر أقواله وقواعده فنون من فقه، وأصول، وخلاف، ونحو، وأدب، وغير ذلك، وله نثر جيد.
ولازم ابن الدهان مدة عشر سنين يقرأ عليه، وأخذ عنه عدة فنون.
وتوفي في الخامس والعشرين من شعبان، سنة ثلاث وأربعين وست مئة.
ومولده ليلة الثالث والعشرين من ذي قعدة، سنة ثمان وسبعين وخمس مئة.
٤٨٦ - محمد بن مصطفى بن زكرياء بن خواجا بن حسن التركي الصلغري الدوركي، المنعوت بالفخر، الفقيه الحنفي (٢).
كان فاضلًا، مشاركًا في فنون من النحو والأدب.
стр. 944
ونظم القدوري في مذهبه (١)، والحاجبية في النحو (٢)، ولم يكملها.
وتولى الحسبة بغزة، ودرَّس بالمدرسة الحسامية بالقاهرة.
وله شعر حسن كثير، كتب عنه شيخنا أثير الدين من شعره، ومنه استفاد لسانَ التُّرك، واستعان به على كتابه الذي صنَّفه في نحو الترك، وكتب عنه لسانَ الفرس.
أنشدنا شيخنا المذكور، أنشدني فخر الدين لنفسه قصيدته التي مدح بها سيدنا رسول الله ﷺ ، أولها قوله: شعر
قيل اتخذ مدح النبي محمدٍ … فينا شعارك إن شعرك ريقُ
وعلى بنانك لليراعة بهجةٌ … وعلى بيانك للبراعة رونقُ
يا قطب دائرة الوجود بأسره … لولاك ما كان الوجود المطلق
وهي مطولة.
وكان جيد الخط، حسن النغمة، متواضعًا، كثير التلاوة.
وهو منسوب إلى صلغر، فخذ من الترك.
ودورك بلدة من الروم، ولد بها في سنة إحدى وثلاثين وست مئة.
وتوفي بالقاهرة، في سنة ثلاث عشرة وسبع مئة، في ما أخبرني به ابنه، عفا الله عنه.
٤٨٧ - محمد بن مكرَّم بن علي بن أحمد الخزرجي الإفريقي المحتد، القاهري المولد، المنعوت بالجمال، المكنى بأبي الفضل، الأديب الكاتب (٣).
стр. 945
أحد كتاب الإنشاء السلطاني بالديار المصرية.
روى عن أبي الحسن ابن المقير، وابن المَخِيلي، وابن الصابوني، وابن الطفيل، وابن الجميزي، ومرتضى بن العفيف، والجلال الدمياطي.
وتفرَّد بأشياء، وحدث بالقاهرة.
وصنف تصانيف، منها "اختصار تاريخ دمشق" (١)، واختصر الأغاني (٢)، و"كتاب في اللغة"، جمع فيه بين "الصحاح"، و"المحكم"، و"كتاب الأزهري"، و"كتاب ابن الأثير" (٣).
ومدحه شيخنا أثير الدين، فقال قوله: شعر
أجَلْت لحاظي في الرياض الدمائث … ونزَّهت فكري في فنون المباحث
وشاهدت مجموعًا حوى العلم كله … بأوَّل مكتوب وثان وثالث
فيا حسنه من جامع لفضائلٍ … جليل على نيل المعارف باعث
لحارَ لسان العرب أجمع فاغتدى … نهايةَ مرتادٍ ومطلب باحث
به أزهرت للأزهري رياضه … فأنوارها تجلو دياجي الحوادث
وصحت به للجوهري صحاحه … فلا كسر يعروها ولا نقد عابث
стр. 946
وساد به بين الأنام ابن سيدة … فمحكمه ما فيه عيب لعابث
وبرَّ ابن بريٍّ وصحَّت بنقده … الصِّحاح استقلت في براثن صايث
وللجزري ابن الأثير نهايةٌ … إذا قرئت أزرت بسمع المثالث
وكل مجلٍ إذ تقادم عهده … وليس المصلي في السباق برائث
وإن جمال الدين جمَّل كتبهم … بإصلاح ما قد أوهنوا من رثائث
لقد فاقهم علمًا وزاد عليهم … وأنَّى يبارى الريح عرج الأباعث
تجمَّع فيه ما تفرق عندهم … وأربى عليهم بالعلوم الأثابث
بنثرٍ كشبه الزهر غبَّ سمائه … ونظمٍ كمثل الزهر بالسحر نافث
له قدمٌ في ساحة الفضل راسخٌ … ومجد قديم ليس فيه بحادث
ونسبة علم كابرًا بعد كابر … فمن خير موروث إلى خير وارث
حفيظٌ لأسرار الملوك أمينها … عليمٌ بتصريف الخطوب الكوارث
به افتخرت قحطان واشتد أزرها … وتاهت به الأملاك أبناء يافث
سقى جدثًا قد حلَّه ابن مكرَّم … ملثٌ من الغرِّ الغوادي المواكث
ولا برحت روح الجمال مقيمة … بعدن لدى الحور الحسان الأواعث
وأنشدنا شيخنا أثير الدين أبقاه الله، قال: أنشدني ابن المكرَّم لنفسه قوله:
ضع كتابي إذا أتاك على الأرض … وقلّبه في يديك لماما
فعلى ختمه وفي جانبيه … قُبلٌ قد بعثتهن تواما
كان قصدي بها مباشرة الأرض وكفيل بالتثامي إذا ما
وقوله:
стр. 947
بالله إن جُزت بِوادي الأراك … وقبَّلَتْ أغصانه الخضر فاك
فابعث إلى المملوك من بعضها … فإنني والله مالي سواك
وأورد له أبو بكر ابن عمر الأنصاري في كتابه "نسيم البان" له قوله: شعر
وفاتر الطَّرف ممشوق القوام … له فعل الأسنة والهندية القضب
في حسنه الفرد أوصاف مركبةٌ … الخلق للترك والأخلاق للعرب
ولد بالقاهرة، في يوم الاثنين، ثاني عشرين شهر المحرم، سنة ثلاثين وست مئة.
وتوفي بها، يوم الخميس، حادي عشر شعبان، سنة إحدى عشرة وسبع مئة.
وأبوه أديبٌ (١)، له شعر.
٤٨٨ - محمد بن منصور بن محمد بن عبد الجبار بن أحمد بن محمد بن جعفر بن أحمد بن عبد الجبار بن الفضل بن الربيع بن مسلم بن عبد الله بن عبد المجيد التميمي أبو بكر ابن أبي المظفر السمعاني (٢).
من أهل مرو.
ترجمه ابن النجار الحافظ، قال: كان من أئمة العلم، فقهًا وحديثًا وأدبًا، أكثر الرحلة في طلب الحديث، ولقى الأئمة، وأملى أمالي لم يُسبق إليها.
стр. 948
وتفقه على مذهب الشافعي بأبيه، وسمع منه، ومن أبي الخير محمد بن موسى بن عبد الله الصفار، وأبي القاسم إسماعيل بن محمد الزاهري، وأبي سعيد عبد الله بن أحمد الظاهري، وأبي سعيد عبد الواحد ابن الأستاذ عبد الكريم بن هوازن القشيري.
وسمع بنيسابور، ودخل الري وهمذان وبغداد، وبلادًا كثيرة، وسمع بها.
وحدّث؛ سمع منه ببغداد أبو نصر المؤتمن بن أحمد الساجي، والمعمر بن محمد بن الحسين، والحافظ أبو طاهر السلفي، وخلائق.
وأقام ببغداد مدة يعظ الناس بالمدرسة النظامية، ثم عاد إلى بلده، واشتغل بإلقاء الدروس، والتصنيف، ونشر العلم، وأملى مئة وأربعين مجلسًا.
وله نظم جيد، وأدب حسن، ومن شعره قوله:
فلأبعثنَّ على العيون لغيرتي … عينًا أراك بها مع الأبصار
ولأنزلنَّ من القلوب مكامنًا … كيما أفوز بلذة الأفكار
ولأسرينَّ مع النسيم إذا سرى … حتى أمرَّ عليه في الأسحار
ولأفرشنْ خدّي له فوق الثرى … فأقي به نعليه كلَّ غُبار
وقال ولده أبو سعد: سمعت أبا منصور علي بن علي ابن الأمين يقول: اجتمعت بوالدك في هذا الرباط، وتكلم مع أبي بكر الشاشي في مسألة الإكراه على القتل، فأحسن الكلام فيها وأجاد، بحيث تعجَّب الحاضرون من حسن عبارته وقوة خاطره، ثم بعد ذلك بليلة اتفق اجتماع في الرباط، وحضر وجوه بغداد وطاب وقت الصوفية، وتواجد جماعة، فرأيت والدك يبكي، فقلت له بعد ساعة: أي المقامين أحب إليك؟ بالأمس كنت تُناظر وتذب عن صاحب المذهب، أم الليلة؟ ففكَّر ساعة، ثم قال: الليلة أحب إلي، فإن ذاك مقام تعزُّز وهذا مقام تذلُّل، والتذلل أليق بالعبودية.
وذكره شيرويه فقال: كان فاضلًا حسن السيرة، بعيدًا من التكلف، صدوقًا.
стр. 949
وذكره عبد الغافر الفارسي، وقال عنه: إمامٌ ابن إمام، شابٌّ نشأ في عبادة الله والتحصيل في صباه إلى أن أرضى أباه، وحظي من الأدب والعربية بأعلى المراتب، وبرع في الفقه وزاد على أقرانه بالحديث، وأحاط بالتواريخ والأنساب.
وقال ابنه أبو سعد: ولد والدي ليلة الأحد، التاسع من جمادى الأولى، سنة ست وستين وأربع مئة.
وتوفي يوم الجمعة، الثاني من صفر، سنة عشر وخمس مئة، ودفن يوم السبت عند والده بمرو (١)، رحمة الله عليه.
٤٨٩ - محمد بن ناصر بن محمد بن علي السَّلامي الحافظ (٢).
كان والده من أولاد الأتراك، فتوفي وابنه هذا صغير، فتكفّله جده، وشغله بالقرآن، وأسمعه الحديث والفقه على مذهب الشافعي.
ثم صحب الخطيب أبا زكرياء يحيى التبريزي، وقرأ عليه الأدب، وشرحه لديوان المتنبي، وجدَّ في طلب الحديث، فسمع من محمد بن طاهر المقدسي الحافظ، وأبي الحسين ابن الطيوري، ولازمه كثيرًا، وأبي القاسم محمد بن أحمد بن البُسْري، وأبي الطاهر محمد بن أحمد بن أبي الصقر، وأبي الفوارس طراد بن محمد الزَّيْنَبي، ومن أبي الخطاب نصر بن أحمد ابن البَطِر، وخلائق.
стр. 950
وحدَّث، سمع منه أبو الفرج ابن الجوزي الحافظ، وعبد العزيز ابن الأخضر، وجمع كبير.
وكان كثير الحفظ، متفنّنًا، نحويًا، لغويًا، أصوله في غاية الصحة والإتقان، بصيرًا بهذا الشأن، ثقة نبيلًا، حسن الطريقة، متديّنًا، متعفّفًا، نزيهًا، كثير الصلاة، دائم الذكر.
قال: ابن السمعاني: إلا أنه كان يحب الوقوع في الناس، وأن يتكلم فيهم.
ورأيت بخط العلامة أبي عمرو ابن الصلاح حيث ذكر كلام ابن ناصر وابن الجوزي في محمد بن طاهر، قال: وابن طاهر أحسن حالًا ممن تَكَلَّم فيه.
وتكلم فيه بعضهم.
وقال ابن الأخضر: كنت عند شيخنا ابن ناصر، فجاءه فلان الواعظ ومعه قائمة، أوله: من كتاب في اللغة سمعه عليه ومعه تلك القائمة فقط، وترجم الكتاب، وسأله أن يكتب عليها سماعه، فزبره الشيخ، فقال: كيف أكتب ولم تُكْمِل الكتاب ولم تقابل بالأصل، فمضى وبعث إلى الشيخ شيئًا من الفاكهة، فكتب له ما أراد.
وقد اعتذر عنه ابن النجار، وقال: لعله كتب له عليها، سمع مني من الأصل، فلا يضرُّ، قال: والمحوج له الفاقة.
وقال: سمعت مشايخنا ابن الجوزي، وابن مكنسة، وابن الأخضر يصفونه بالحفظ، والإتقان، والمعرفة، والصيانة، والديانة، وحسن الطريقة.
ثم إنه خالط الحنابلة فمال إليهم، وانتقل إلى مذهبهم، وادَّعى أنه رأى منامًا في ذلك. ولد في خامس عشر شعبان، سنة سبع وستين وأربع مئة.
وتوفي في ثامن عشر شعبان، سنة خمس وخمسين وخمس مئة، ليلة الثلاثاء في ما ذكره ابن النجار (١).