وساد به بين الأنام ابن سيدة … فمحكمه ما فيه عيب لعابث
وبرَّ ابن بريٍّ وصحَّت بنقده … الصِّحاح استقلت في براثن صايث
وللجزري ابن الأثير نهايةٌ … إذا قرئت أزرت بسمع المثالث
وكل مجلٍ إذ تقادم عهده … وليس المصلي في السباق برائث
وإن جمال الدين جمَّل كتبهم … بإصلاح ما قد أوهنوا من رثائث
لقد فاقهم علمًا وزاد عليهم … وأنَّى يبارى الريح عرج الأباعث
تجمَّع فيه ما تفرق عندهم … وأربى عليهم بالعلوم الأثابث
بنثرٍ كشبه الزهر غبَّ سمائه … ونظمٍ كمثل الزهر بالسحر نافث
له قدمٌ في ساحة الفضل راسخٌ … ومجد قديم ليس فيه بحادث
ونسبة علم كابرًا بعد كابر … فمن خير موروث إلى خير وارث
حفيظٌ لأسرار الملوك أمينها … عليمٌ بتصريف الخطوب الكوارث
به افتخرت قحطان واشتد أزرها … وتاهت به الأملاك أبناء يافث
سقى جدثًا قد حلَّه ابن مكرَّم … ملثٌ من الغرِّ الغوادي المواكث
ولا برحت روح الجمال مقيمة … بعدن لدى الحور الحسان الأواعث
وأنشدنا شيخنا أثير الدين أبقاه الله، قال: أنشدني ابن المكرَّم لنفسه قوله:
ضع كتابي إذا أتاك على الأرض … وقلّبه في يديك لماما
فعلى ختمه وفي جانبيه … قُبلٌ قد بعثتهن تواما
كان قصدي بها مباشرة الأرض وكفيل بالتثامي إذا ما
وقوله:
стр. 947
بالله إن جُزت بِوادي الأراك … وقبَّلَتْ أغصانه الخضر فاك
فابعث إلى المملوك من بعضها … فإنني والله مالي سواك
وأورد له أبو بكر ابن عمر الأنصاري في كتابه "نسيم البان" له قوله: شعر
وفاتر الطَّرف ممشوق القوام … له فعل الأسنة والهندية القضب
في حسنه الفرد أوصاف مركبةٌ … الخلق للترك والأخلاق للعرب
ولد بالقاهرة، في يوم الاثنين، ثاني عشرين شهر المحرم، سنة ثلاثين وست مئة.
وتوفي بها، يوم الخميس، حادي عشر شعبان، سنة إحدى عشرة وسبع مئة.
وأبوه أديبٌ (١)، له شعر.
٤٨٨ - محمد بن منصور بن محمد بن عبد الجبار بن أحمد بن محمد بن جعفر بن أحمد بن عبد الجبار بن الفضل بن الربيع بن مسلم بن عبد الله بن عبد المجيد التميمي أبو بكر ابن أبي المظفر السمعاني (٢).
من أهل مرو.
ترجمه ابن النجار الحافظ، قال: كان من أئمة العلم، فقهًا وحديثًا وأدبًا، أكثر الرحلة في طلب الحديث، ولقى الأئمة، وأملى أمالي لم يُسبق إليها.
стр. 948
وتفقه على مذهب الشافعي بأبيه، وسمع منه، ومن أبي الخير محمد بن موسى بن عبد الله الصفار، وأبي القاسم إسماعيل بن محمد الزاهري، وأبي سعيد عبد الله بن أحمد الظاهري، وأبي سعيد عبد الواحد ابن الأستاذ عبد الكريم بن هوازن القشيري.
وسمع بنيسابور، ودخل الري وهمذان وبغداد، وبلادًا كثيرة، وسمع بها.
وحدّث؛ سمع منه ببغداد أبو نصر المؤتمن بن أحمد الساجي، والمعمر بن محمد بن الحسين، والحافظ أبو طاهر السلفي، وخلائق.
وأقام ببغداد مدة يعظ الناس بالمدرسة النظامية، ثم عاد إلى بلده، واشتغل بإلقاء الدروس، والتصنيف، ونشر العلم، وأملى مئة وأربعين مجلسًا.
وله نظم جيد، وأدب حسن، ومن شعره قوله:
فلأبعثنَّ على العيون لغيرتي … عينًا أراك بها مع الأبصار
ولأنزلنَّ من القلوب مكامنًا … كيما أفوز بلذة الأفكار
ولأسرينَّ مع النسيم إذا سرى … حتى أمرَّ عليه في الأسحار
ولأفرشنْ خدّي له فوق الثرى … فأقي به نعليه كلَّ غُبار
وقال ولده أبو سعد: سمعت أبا منصور علي بن علي ابن الأمين يقول: اجتمعت بوالدك في هذا الرباط، وتكلم مع أبي بكر الشاشي في مسألة الإكراه على القتل، فأحسن الكلام فيها وأجاد، بحيث تعجَّب الحاضرون من حسن عبارته وقوة خاطره، ثم بعد ذلك بليلة اتفق اجتماع في الرباط، وحضر وجوه بغداد وطاب وقت الصوفية، وتواجد جماعة، فرأيت والدك يبكي، فقلت له بعد ساعة: أي المقامين أحب إليك؟ بالأمس كنت تُناظر وتذب عن صاحب المذهب، أم الليلة؟ ففكَّر ساعة، ثم قال: الليلة أحب إلي، فإن ذاك مقام تعزُّز وهذا مقام تذلُّل، والتذلل أليق بالعبودية.
وذكره شيرويه فقال: كان فاضلًا حسن السيرة، بعيدًا من التكلف، صدوقًا.
стр. 949
وذكره عبد الغافر الفارسي، وقال عنه: إمامٌ ابن إمام، شابٌّ نشأ في عبادة الله والتحصيل في صباه إلى أن أرضى أباه، وحظي من الأدب والعربية بأعلى المراتب، وبرع في الفقه وزاد على أقرانه بالحديث، وأحاط بالتواريخ والأنساب.
وقال ابنه أبو سعد: ولد والدي ليلة الأحد، التاسع من جمادى الأولى، سنة ست وستين وأربع مئة.
وتوفي يوم الجمعة، الثاني من صفر، سنة عشر وخمس مئة، ودفن يوم السبت عند والده بمرو (١)، رحمة الله عليه.
٤٨٩ - محمد بن ناصر بن محمد بن علي السَّلامي الحافظ (٢).
كان والده من أولاد الأتراك، فتوفي وابنه هذا صغير، فتكفّله جده، وشغله بالقرآن، وأسمعه الحديث والفقه على مذهب الشافعي.
ثم صحب الخطيب أبا زكرياء يحيى التبريزي، وقرأ عليه الأدب، وشرحه لديوان المتنبي، وجدَّ في طلب الحديث، فسمع من محمد بن طاهر المقدسي الحافظ، وأبي الحسين ابن الطيوري، ولازمه كثيرًا، وأبي القاسم محمد بن أحمد بن البُسْري، وأبي الطاهر محمد بن أحمد بن أبي الصقر، وأبي الفوارس طراد بن محمد الزَّيْنَبي، ومن أبي الخطاب نصر بن أحمد ابن البَطِر، وخلائق.
стр. 950
وحدَّث، سمع منه أبو الفرج ابن الجوزي الحافظ، وعبد العزيز ابن الأخضر، وجمع كبير.
وكان كثير الحفظ، متفنّنًا، نحويًا، لغويًا، أصوله في غاية الصحة والإتقان، بصيرًا بهذا الشأن، ثقة نبيلًا، حسن الطريقة، متديّنًا، متعفّفًا، نزيهًا، كثير الصلاة، دائم الذكر.
قال: ابن السمعاني: إلا أنه كان يحب الوقوع في الناس، وأن يتكلم فيهم.
ورأيت بخط العلامة أبي عمرو ابن الصلاح حيث ذكر كلام ابن ناصر وابن الجوزي في محمد بن طاهر، قال: وابن طاهر أحسن حالًا ممن تَكَلَّم فيه.
وتكلم فيه بعضهم.
وقال ابن الأخضر: كنت عند شيخنا ابن ناصر، فجاءه فلان الواعظ ومعه قائمة، أوله: من كتاب في اللغة سمعه عليه ومعه تلك القائمة فقط، وترجم الكتاب، وسأله أن يكتب عليها سماعه، فزبره الشيخ، فقال: كيف أكتب ولم تُكْمِل الكتاب ولم تقابل بالأصل، فمضى وبعث إلى الشيخ شيئًا من الفاكهة، فكتب له ما أراد.
وقد اعتذر عنه ابن النجار، وقال: لعله كتب له عليها، سمع مني من الأصل، فلا يضرُّ، قال: والمحوج له الفاقة.
وقال: سمعت مشايخنا ابن الجوزي، وابن مكنسة، وابن الأخضر يصفونه بالحفظ، والإتقان، والمعرفة، والصيانة، والديانة، وحسن الطريقة.
ثم إنه خالط الحنابلة فمال إليهم، وانتقل إلى مذهبهم، وادَّعى أنه رأى منامًا في ذلك. ولد في خامس عشر شعبان، سنة سبع وستين وأربع مئة.
وتوفي في ثامن عشر شعبان، سنة خمس وخمسين وخمس مئة، ليلة الثلاثاء في ما ذكره ابن النجار (١).
стр. 951
وقال الحافظ المقدسي في ما رأيت في "وفياته": سنة إحدى، وقال: أخبرني عبد الغني بن عبد الواحد المقدسي أنه قرأ وفاته على قبره، وأن مولده في رمضان، سنة ست وسبعين، عفا الله عنه.
٤٩٠ - محمد بن نَامَاوَرْ بن عبد الملك الخونجي الأفضل (١).
كان عالمًا بالمعقول، فقيهًا على مذهب الشافعي، وولي القضاء بمصر.
وكان كثير الفكر بحيث يستغرق؛ حُكي عنه أنه أفكر في مجلس السلطان، ثم خشي الإنكار فقال: أنا أفكرت في هذا الفراش، فظهر لي أنه إذا فرش على هيئة كذا توفَّر بساطٌ، ففعل ما قال: فتوفَّر بساطٌ.
وصنَّف في المنطق (٢)، وغيره من المعقولات.
ودرَّس بالمدرسة الصالحية بالقاهرة.
ومولده في جمادى الأولى، سنة تسعين وخمس مئة.
وتوفي بالقاهرة، في خامس شهر رمضان، سنة ست وأربعين وست مئة ودفن بسفح المقطم.
стр. 952
٤٩١ - محمد بن نصر بن عبد الرحمان بن محمد بن محفوظ بن أحمد القرشي الدمشقي، المكنى بأبي عبد الله (١).
أديب شاعر.
روى عنه الحافظ عبد العظيم المنذري، وقال: أنشدني لنفسه بدمشق قوله: شعر
قلت إذ لفَّع الزمان رداءَ الشيب … بالثلج فهو صافٍ قشيبُ
أنا ما نلتُ بغيتي في … حين غصن الزمان غضٌّ رطيب
أفأرجو نيل الأماني فيه … كيف تُرجى وقد علاه المشيب
قد تلاقى مشيبه ومشيبي … فانتشى بينهن أمرٌ عجيب
من قريب أراه وهو بعيدٌ … وبعيدٍ أراه وهو قريب
وزمانٌ إذا تأمَّلت أهليه … فإن الوفاء فيهم غريب
قال: وسألته عن مولده، فقال: سنة أربع وخمسين وخمس مئة.
وتوفي بدمشق، ثالث عشر رجب، سنة خمس وثلاثين وست مئة (٢)، عفا الله عنه.
٤٩٢ - محمد بن نصر الله بن مكارم بن الحسن الدمشقي، المنعوت بالشرف، المعروف بابن عنين (٣).
стр. 953
أديب شاعر.
تفقه في صباه على مذهب الشافعي، وسمع الحديث من الحافظ أبي القاسم الدمشقي، وتأدب بأبي اليمن الكندي، وغيره.
وبرع في الشعر، وأكثر من الهجو حتى هجا الملوك والوزراء، وعمل قصيدته المسماة بمقراض (١)، ذكر فيها أعيان دمشق، وحصل له بها تعبٌ، وخاف على نفسه، فهرب.
وتوجه إلى العراق، واجتمع بالإمام فخر الدين ابن الخطيب، ودخل إلى الهند، وطاف البلاد، ودخل الحجاز، ووصل إلى مصر.
ثم عاد إلى دمشق، ونظر الديوان، فلم تحمد سيرته، فصرف ولزم بيته.
وله "ديوان" شعر (٢)، ومن شعره يصف دمشق قوله: شعر
دمشق فلي شوقٌ إليك مبرّحٌ … وإن لجَّ واشٍ أو ألحَّ عذول
بلادٌ بها الحصباء درٌّ وتربها … عبيرٌ وأنفاس الشمال شمول
تسلسل فيها ماؤها وهو مطلقٌ … وصحَّ نسيم الرَّوض وهو عليل
وقوله أيضًا:
سامحت كتبك في القطيعة عالمًا … إن الصَّحيفة لم تجد من حامل
وعذرتُ طيفك في الجفاء لأنَّه … يسري فيصبح دوننا بمراحل
стр. 954
وهذا البيت الثاني للمعري.
وفي الهجو قوله أيضًا:
ما إن هجوتك أرتجيك لنائلٍ … فيكون هجوي فيك باستحقاق
لكنَّني أبصرتُ عرضًا أسودًا … متمزِّقًا فقدحتُ في حُرَّاق
وقوله في ابن دحية أيضًا شعر، قال:
دحيةُ لم يعقِّب فلم تنتسب … إليه بالعُدْوان والإفكِ
ما صحَّ عند الناس شيءٌ سوى … أنك من كلبٍ بلا شكِّ
ولد في شعبان، سنة تسع وأربعين وخمس مئة بدمشق.
وتوفي بها، في العشرين من شهر ربيع الأول، سنة ثلاثين وست مئة.
سمع منه ابن النجار، وكتب عنه من شعره، رحمة الله عليه.
٤٩٣ - محمد بن نصر بن صغير بن خالد القيسراني، أبو عبد الله الحلبي، الملقب بالشرف (١).
أديب شاعر، قرأ الأدب على توفيق بن محمد، وأبي عبد الله الخياط.
وكان فاضلًا في الأدب والهيئة.
سمع بحلب من الخطيب أبي طاهر هاشم بن أحمد، وغيره.
стр. 955
وسمع منه الحافظان أبو القاسم ابن عساكر، وأبو سعد ابن السمعاني.
وقرأ علوم الأوائل، واستوطن بحلب مدَّة.
قال أبو عبد الله المسعودي: كان هو وابن منير شاعري الشام.
وأورد من شعره، قوله: شعر
ليت القلوب على نظام واحدِ … ليذوق حرَّ الوجد غير الواجد
فإلى مَ يهوى القلب غير مساعفٍ … بهوىً ويلقى الصدَّ غير مساعد
نمتم عن الشكوى فأرَّقني الجوى … يا بُعد غاية ساهرٍ من هاجد
أضللتُ قلبًا ظلَّ ينشد لبَّه … من لي بوجدان الفقيد الفاقد
ونهت مدامعي الوشاة فرابهم … شاكٍ صبابته بطرفٍ جامد
أشكو إليك فهل عليك غضاضة … يا ممرضي صدًّا لو أنك عائدي
يا من إذا ما نمتُ أوقع بالكرى … غضبًا لطيف خياله المتعاهد
أمَّا الرقاد فلو يكون لصحَّةٍ … ما كان ناظرك السَّقيم براقد
وهي مطولة.
وأورد من شعره أبو الرضى أحمد بن طارق بن سنان البغدادي قوله:
كيف قلتم ما عند عينيه ثارُ … وبخديه من دمي آثارُ
لو شهدتم إعراضه وخضوعي … لم يكن في قضيتي إنكار
يا لقومي وكيف ينكر قتلي … لحظاتٌ جحودها إقرار
لا تسلني عن الهوى فهو في … الأجفان ماءٌ وفي الجوانح نار
ويظن العذول أن مشيبي … ضاحكٌ عنه لمَّة وعذار
стр. 956
لم أشب غير أن نار فؤادي … ألهبت فاعتلى الدُّخانَ شرار
وهي مطولة.
وأورد له أيضًا من قوله: شعر
تاركني الناس عن تراضٍ … على اطّراح الحقوق عنَّا
فما لخلقٍ عليَّ منٌّ … ولا أرى لي عليه منَّا
فلا أُعَزِّي ولا أُعَزَّى … ولا أُهَنِّي ولا أُهَنَّى
وقوله:
أبا الفضل أمَّا يممتك مطالبي … على حركات ما لهنَّ سكون
فعن ثقةٍ إن الغنى موعد المنى … وإن الذي ما كان سوف يكون
فإن اتقاضاك الوفاء بموعدٍ … فإن مواعيد الكرام ديون
وإن كان حسن الظن ينفع ربَّه … فلي في أياديك الحسان ظنون
وقوله مما نَسَبه بعضهم له، قوله أيضًا: شعر
شرح المنبر صدرًا … لتلقيك رحيبًا
أتُرى ضُمخ طيبًا … أم تُرى ضَمَّ خطيبًا (١)
وقد ذُكِرت البيتان لغيره، وإنما أنشدهما لبعض الخطباء فنسبا إليه.
وقوله:
كم ليلةٍ بتّ من كأسي وريقته … نشوان أمزح سلسالًا بسلسال
стр. 957
وبات لا تحتمي عني مراشِفُه … كأنما ثغره ثغرٌ بلا والي
وأورد ابن سعيد له هذا البيت، وقال: إنه مِلْكُ شعره، وهو قوله أيضًا:
وأهوى الذي أهوى له البدر ساجدًا … ألست ترى في وجهه أثر الترب
ولد بعكا، سنة ثمان وسبعين وأربع مئة.
وتوفي بدمشق، في سنة ثمان وأربعين وخمس مئة، ليلة الأربعاء حادي عشرين شعبان، وكان قد شرب مُسْهِلًا فعمل معه.
٤٩٤ - محمد بن موسى بن محمد المقدسي، المنعوت بالشرف (١).
أحد كتاب الإنشاء بديار مصر.
كان أديبًا شاعرًا، حرَّ الأخلاق، حسن العشرة.
خمَّس "شذور الذهب" (٢)، وجمع للملك المنصور قلاوون "سيرة".
وكان عارفًا بالحكمة والفلسفة، وله نظم كثير ونثر نثير، كتب عنه الفضلاء من شعره.
أنشدنا العلامة أبو حيّان، أنشدني لنفسه قوله الأبيات:
اليوم يوم سرورٍ لا شُرُور به … فزوِّج ابن سحاب بابنة العنب
ما أنصف الكأس من أبدى القطوب لها … وثغرها باسمٌ عن لؤلؤ الحبب
стр. 958
وقوله:
صرِّف بصرف الحُميَّا ما حمى طربًا … فإن فيها لسُمِّ الهمِّ ترياقا
دُنياك معشوقةٌ والرَّاح ريقتها … فارشف مراشفها إن كنت عشّاقا
توفي في شعبان، سنة اثنتي عشرة وسبع مئة.
٤٩٥ - محمد بن موسى بن النعمان التّلمساني، أبو عبد الله الفقيه المالكي الصوفي (١).
سمع الحديث، وروى عن ابن عماد، وابن الصفراوي، وابن الطفيل، وغيرهم.
وحدَّث؛ سمع منه الحافظ عبد المؤمن الدمياطي، وشيخنا أثير الدين، وجماعة.
وصنَّف (٢)، وله "مسائل" سأل عنها الإمام أبا محمد ابن عبد السلام.
وله نظم؛ أنشدني الخطيب منتصر بن الحسن خطيب إدفو، أنشدني الشيخ أبو عبد الله ابن النعمان لنفسه قوله: شعر
إن النّواصب في عليٍّ فرَّطوا … إذ أبغضوهُ كما الرَّوافض فَرَّطوا
جَرحُوا الصحابة عامدينَ فكلُّهم … أهلُ الجهالة مُفْرِطٌ ومُفَرِّطُ
فالفوزُ عندَ الله حُبُّ جميعِهم … وولاؤهم هذا الطَّريق الأوسَط
وله:
يحقُّ على أهل الحديث أولي النهى … مجانبةُ الفُحَّاش في مجلس الذِّكرِ
стр. 959
وكُلُّ سفيهٍ فالسُّكوت جوابه … على سَنَن السَّادات مع كلّ ذي هجْرِ
ولد بتلمسان، سنة ست أو سبع وست مئة.
وتوفي بمصر، ليلة الأحد تاسع رمضان، سنة ثلاث وثمانين وست مئة. رحمة الله عليه.
٤٩٦ - محمد بن موفق بن سعيد بن علي بن الحسن الخُبُوشَاني، المنعوت بنجم الدين، الفقيه الشافعي (١).
كان عالمًا بارعًا في الفقه، ورعًا صالحًا.
سمع الحديث من هبة الله بن عبد الواحد بن عبد الكريم القشيري.
وحدَّث بمكة، وتفقه بمحمد بن يحيى، تلميذ الغزالي.
وقيل: إنه كان يستحضر "المحيط" (٢) تصنيف شيخه، وأنه ضاع، فأملاه من حفظه.
وقرَّبه السلطان صلاح الدين يوسف وأكرمه، فأشار عليه بعمارة المدرسة المجاورة للإمام الشافعي، ودرَّس بها، وانْتُفِع بعلمه وببركته، واعتقد الناس فيه.
وصنَّف في الفقه كتابه المسمى بـ "تنميق المحيط"، في مجلدات كثيرة.
وكان سليم الصدر، قليل المعرفة بأحوال الدنيا، ووقعت له واقعة مع العاضد.
ومولده بأستوا من عمل نيسابور، في ثالث عشرين شهر رجب، سنة عشر وخمس مئة.
стр. 960
وتوفي بالقرافة، في يوم الأربعاء، ثاني عشرين ذي قعدة، سنة سبع وثمانين.
ودفن بالقرب من الشافعي، وقبره يزار، رحمة الله عليه.
٤٩٧ - محمد بن يحيى بن عبد الله الهذلي التّطيلي أبو عبد الله (١).
أحد الشهود العدول بغرناطة، وشاعرها في عصره.
قرأ النحو على ابن الصائغ.
سمع منه من شعره العلامة أبو حيان محمد بن يوسف الغرناطي، وغيره.
ومدح الملوك، حكى لنا شيخنا أثير الدين المذكور، قال: نظمت في صباي شعرًا ومررت به، فأنشدته، فقال: أنت شعرُوط، إن هذا شعر خراء، فذكرت ذلك للأستاذ أبي جعفر ابن الزبير، فقال: لا ترجع إليه، انظم ومهما نظمته اعرضه عليَّ، واختار لي ثمان مئة بيت من شعر أبي تمام حبيب بن أوس، وقال: احفظها، فحفظتها، وصرت مهما نظمته عرضته عليه، على الأستاذ، إلى أن مدحت السلطان بقصيدة أولها: شعر
هو الملك لا تحميه إلا القواضبُ … وبأسٌ كما عاف الهزبر المغاضب
فقال: رُح إلى التطيلي وأنشِده، فتوجهت إليه، فوجدته متكئًا، فقال: شعروط، ما نظمت؟ فقلت: نظمت قصيدة، فأنشدته، فجلس، وقال: نفس حبيب، حفظت من شعره شيئًا، فقلت: نعم.
وأنشدنا شيخنا المذكور، أنشدنا أبو عبد الله التطيلي المذكور لنفسه قوله:
بعزمك لم يذهب من الفتح مذهبٌ … فلا نصل إلا وهو بالنَّصر مذهبُ
وسرتَ بأُسدٍ غابها الأَسَدُ الذي … لها منه عند الطَّعن نابٌ ومخلبُ
стр. 961
إذا لقحت حربٌ عوانٌ رأيتها … مع الكرّ تطفو في الغبار وتذهب
مطلٌّ على أشراف كل قبيلةٍ … تكنَّفها منكم معدٌّ ويعربُ
تقاسمتما نهجَ السبيل تأدُّبًا … فأرضاه منك ابنٌ وأرضى له أبُ
فإن كان وضَّاح الجبين فإنه … لنورك يُعزى أو لهديك يُنسب
وما هو إلا كالحسام شهرته … فراقك أفرندٌ وأرضاك مضرب
وكاثرتما زهر الرياض بجحفلٍ … نجوم قناه في دمِ النَّقع أثقب
وهي مطولة.
وله نظم كثير.
قال شيخنا: تركته بغرناطة حيًا عند خروجي منها.
٤٩٨ - محمد بن يحيى بن علي بن الفضل بن هبة الله بن بركة بن فضلان أبو عبد الله الفقيه الشافعي، الإمام ابن الإمام (١).
تفقه بأبيه، وقرأ عليه الأصولين والخلاف، وبرع وفهم طرفًا صالحًا من المنطق والفلسفة، وسافر إلى خراسان ولقي أئمتها، وعاد إلى بغداد، وطلب الحديث.
وسمع الكثير من والده، وأبي الفرج ابن كليب، وجماعة من أصحاب ابن الحصين.
ودرَّس بمكان أبيه، ثم رُتِّب كاتبًا بدار التشريفات بدار الخلافة، ثم وُلِّي تدريس النظامية، وخلع عليه السواد، وحضر درسه أرباب الدولة والأعيان، ثم عُزِل، ثم جُعِل
стр. 962
قاضي القضاة شرقًا وغربًا، وجُعِل إليه النظر في المدارس والوقف العام، فلما تولى الظاهر ابن الناصر أقرَّه شهرًا، ثم عزله، فلزم بيته، ثم رُتِّب ناظرًا في البيمارستان العضدي، ثم عُزِل، ثم رُتِّب ناظرًا في ديوان الجوالي، ثم ولي تدريس مدرسة أم الناصر، ثم ترسَّل إلى بلاد الروم وعاد، ثم استَعْفى من التدريس فأجيب، ثم ولي المدرسة المستنصرية.
وكان سمحًا جوادًا، تام المروءة، متديِّنًا، كثير الصَّدقة، متواضعًا، محبًا لأهل الخير، طالبًا للسلامة، مُريدًا للخلوة ومصاحبة الفقراء.
قال ابن النجار: ما رأت عيناي أكمل منه.
وحدَّث بشيء يسير.
ولد في جمادى الأولى، سنة ثمان وستين وخمس مئة.
وتوفي ليلة السبت، سلخ شوال، سنة إحدى وثلاثين وست مئة.
وصُلِّي عليه من الغد بجامع القصر، وكان الجمع متوافرًا، ودُفن بجانب صبيح الأسود الزاهد بوصيته، ﵁.
٤٩٩ - محمد بن يوسف بن موسى بن يوسف بن موسى بن يوسف بن إبراهيم بن عبد الله بن المغيرة الأزدي المهلبي، المكنى بأبي بكر، ويعرف بابن مَسْدي (١) الأندلسي
стр. 963
المقرئ الحافظ (١).
قرأ القراءات على عبد الصمد بن أبي رجاء البلوي، وغيره.
وسمع الكثير بالمغرب، وقدم مصر، فسمع بها من جماعة، وبالشام، والحجاز، وقوص.
وجدَّ في طلب الحديث والسماع، وبرع فيه، وكان بصيرًا بهذا الشأن، عارفًا بعلومه.
وجاور بمكة، وأقام بها إلى حين وفاته.
وجمع "معجمًا" في ثلاث مجلدات، وهو كثير الفوائد، حسن التراجم، ممتعٌ، إلا أنه لا يكاد يذكر أحدًا من الأعيان إلا ثَلَبه أو نقص من قدره أو نبزه.
ولما ترجم الحافظ أبا محمد عبد العظيم بن عبد القوي المنذري لم يذكر من تعظيمه ما يستحقّه، ولا وفَّاه ما يقتضيه حقُّه، فغضب جمعٌ من أصحاب المنذري من فعله، ورماه كل منهم بنَبْلِه، وحطَّ من قدره ونُبْلِه، فلم يجد منهم سبيلًا إلى الخلاص، والدنيا دار قصاص.
قال صاحبنا الشيخ أبو الفتح محمد بن محمد اليعمري: قال لي الحافظ عبيد الإسعردي: خرّج أبو بكر ابن مَسْدي للشيخ بهاء الدين ابن بنت الجميزي حديثًا من الجزء الرابع من "فوائد حديث المحاملي" من رواية شهدة، ولم يعرف أن ابن الجميزي
стр. 964
روى عن شهدة إلا الثاني من "فوائد المحاملي" (١).
قال: وخَرَّج أيضًا لفخر القضاة أبي الفضل أحمد بن محمد بن الجبَّاب "مشيخة"، ذكر له فيها حديثا عن الإمام أبي محمد عبد الله بن بري، ولم يكن المعروف عندهم أن ابن الجبَّاب روى عن ابن بري حديثًا، وإنما روى عنه كتابه في اللغة.
قال الإسعردي، فقلت لابن مَسْدي: هذه الأحاديث من أين؟ فقال: أصولها عندي، فأتيت منزله، وأخذ يطلبها من أجزائه وهي كثيرة، وما زال يكشف إلى أن انتصف النهار، وضجر ولم يجد شيئًا، فقُمتُ وتركتهُ.
قال الإسعردي: وكنت أيضًا مع الرضي الشاطبي ننظر في إجازة، فمرَّ بنا ابن مَسْدي، فقال: ما هذه؟ فقال له الرضي: إجازة فيها خط ابن بَوْش وابن الجوزي، فاحذر أن تُلْحق اسمك فيها، فإنهما ماتا قبل ورودك، فتبسَّم.
قال أبو الفتح: وما ذكره التقي عبيد لا يلزم منه قدحٌ، أما ما ذكره من حديث ابن بنت الجمّيزي، فابن مَسْدي ما استوعب كشف أجزائه، فجاز أن يكون فيها، وما ذكره الرضي فممازحة منه لابن مَسْدي.
قال: وكان شيخنا الإمام أبو الفتح القشيري يُعظِّم ابن مَسْدي.
وما ذكره ابن سيد الناس ما يدفع الريبة، فإن الحافظ عبيد ذكر أنه لم يكن يعرف للشيخ بهاء الدين رواية عن شهدة إلا الثاني، وانضم إلى ذلك اتهامه ابن مَسْدي، وذكر له ذلك، وكشف كثيرًا من أجزائه، فتركه مع الإنكار، فحقُّ ابن مَسْدي كشف بقية الأجزاء، والنفس حريصة على الانتصار ودفع التهمة والعار، فلو وجده لأظهره له وأخرجه وأظهره، وعدم ذلك يفيد الظن لعدم وجوده، وذلك كاف في التهمة.
стр. 965
وما ذكره الشاطبي فيه إشارة إلى أنه عنده ممن يتَّهم بذلك، فإن الممازحة لا بد أن تكون لها في العادة مناسبة، والرضيّ لا يمازح المنذري بذلك وأشباهه.
وأما تعظيم الشيخ تقي الدين فما ينفي عنه ظن القدح، فإنه يعظمه من حيث الحفظ والمعرفة، وقد عظَّم الحفاظ والأعيان جماعة ممن قُدِح فيهم، كما ذكروا في ترجمة أبي العباس ابن عقدة الحافظ، وابن الجعابي، وغيره.
قال فتح الدين: وكان لابن مَسْدي أدبٌ باهرٌ، روضه زاهرٌ، يقف عنده المجتاز، ويقفو ورده الممتاز، ويجتلي منه الساري والسارب، بدرُ دجىً، وشمسُ نهار.
قال: وأنشدني الأمير علم الدين سنجر الدَّواداري، أنشدني الحافظ أبو بكر ابن مَسْدي لنفسه قوله: شعر
تحوم علينا للمنايا حوائمُ … كأنا حبوبٌ والحِمام حمائمُ
ولم أر كالدنيا حبالةُ صائدٍ … يُرى النملُ في أشراكها والضَّراغم
ولم أر كالإنسان أجهل عيشةٍ … يؤمِّل يحيا وهو بالموتِ عالمُ
ولو علِمَت منه البهائم علمنا … إذن هزلت خوف المنون البهائم
حياةٌ وموتٌ ذا لذاك مباينٌ … وبينهما للنَّائبات ملائم
فيا صاحبي رافقْ رفيقًا يمانيًا … فإنك للبرق الشآمي شائم
ونادمْ نداماك التُّقى وصِحَابه … فإنك يومًا للمنايا منادمُ
وله "قصيدة" يمدح بها المصطفى ﷺ ، أولها قوله: شعر
هذا المقام وهذا الحلُّ والحرمُ … فانزل فضيفُ مقام الله محترمُ
منها:
стр. 966
يبيت طيَّان والأضياف طاعمةٌ … ما بات طيَّان من أضيافه طعموا
توفي بمكة، في حادي عشر شوال سنة ثلاث وستين وست مئة (١).
٥٠٠ - محمد بن يوسف بن عبد الله الجزري، المنعوت بالشمس، ويعرف بابن الحشَّاش وبالخطيب (٢).
قال البرزالي: كان أبوه صيرفيًّا بالجزيرة (٣).
كان ذا فنون، وكان محسنًا إلى الطلبة.
قدمتُ من الصعيد في سنة ست وسبع مئة، فوجدته يدرس بالمدرسة الشريفية، وتؤخذ عليه دروس كثيرة، فسألته أن يُرتِّب لي درسًا، فاعتذر بضيق الوقت، ثم قال: مالك شغلٌ؟ فقلت: لا، فقال: تحضر بعد العصر، فإن اتفق أن تجدني اقرأ، ففعلت ذلك فلم يخل يومًا من الخروج إليَّ، فقرأت عليه قطعة من "المنتخب في أصول الفقه"، وخصَّني بوقتٍ مع كثرة أشغاله وانتصابه للإقراء إلى منتصف النهار.
وكان حسن الصورة، مليح الشكل، حلو العبارة، عالمًا بفنون من الفقه على مذهب
стр. 967
الشافعي، والأصولين، والنحو، والمنطق، والأدب، مشاركًا في هندسة، وغيرها من الرياضات.
قدم قوص فقيرًا مجردًا، فوجد بها الشيخ شمس الدين الأصبهاني حاكمًا، فقرأ عليه فنونه، ثم قدم مصر، واشتغل بها، وأعاد بالمدرسة الصاحبية، وأقام بالقاهرة، وولي تدريس المدرسة الشريفية، وانتصب للإقراء، فقرأ عليه المسلمون واليهود وغيرهم، وكان يُلقي دروسًا، وتقرأ عليه طائفة بعد طائفة.
وصحب الأمير ركن الدين بيبرس الجاشنكير، وارتفعت منزلته عنده مدة، ثم وقع بينه وبين الشيخ نصر المنبجي، فحطَّ عند بيبرس من قدرهِ، وشهد عليه بعض طلبته، وعُزِل من المدرسة الشريفية، وكان خطيبًا بالقلعة، فَعُزل عنها، وتولَّى الخطابة بالجامع الطولوني مدة.
ثم لما عاد الملك الناصر ابن الملك المنصور إلى المُلك في سنة تسع وسبع مئة، مشَّى حاله، وتولى تدريس المدرسة المعروفة بالمعزية بمصر.
وله تصانيف، منها: "شرح التحصيل" في ثلاث مجلدات، و"شرح منهاج البيضاوي" (١) في مجلدة لطيفة، ليس بطائل، صنَّفه في آخر عمره، واعتذر في خطبته بالكِبَر، وله "أجوبة على أسولة المحصول"، و"شرح ألفية ابن مالك" في النحو، وله "ديوان" خطب بليغة، وشعر كثير.
ومنه قوله، وهو ما أنشدني صاحبنا الفاضل أبو الحسن علي الجزري، قال: أنشدني الشيخ لنفسه قوله:
لم أصْبُ للبرق من تيماء يأتلق … إلا وللقلب من حُبِّيكمُ عُلَقُ
стр. 968
يعتاض من حرِّ أنفاسي تلهُّبه … ثم استقل ولب في طيِّه حُرق
يا لامع البرق أما لحت معترضًا … لا تستقرَّ كقلب هزَّه الفرق
إني أخال خفوقًا منك عن عجل … يهدي وقلبي لا يهدا به القلق
ويا نسيم الصبا هل لَبْثةٌ بربى … نجدٍ على غفلة الواشين تتفق
وسلْ أهيليه عن قلبي وما صنعوا … به فإني بما ترويه لي أثق
وعُد إلي بما ضُمَّنت من خبر … وفي دجى الليل في ظلمائه رمق
ومِلْ إليَّ دُوَين القوم مستترًا … كي لا ينمّ علينا نشرُك العبق
أبثكم إنَّ لي من بعدكم كبدًا … أمست إليكم بنار الشوق تحترق
أهوى المنام لمسرى طيفكم كلفًا … به عسى مقلتي بالطيف ترتفق
وهل يخوض الكرى جفنا تقسَّمه … كما يشاء الغرام الدمع والأرق
إنْ أحتكم أنا والأشواق نحوكم … يشهدْ بدعواي جفن من دمي شرقُ
لا تسمعوا فيَّ أقوال الوشاة ولا … تصغوا سماعًا لما قالوه واختلقوا
قالوا ثنته الليالي في تقلِّبها … عن حبّكم فتناساكم وما صدقوا
وله:
يعيذك من نار حوتها ضلوعه … مشوق أحاديث البُعاد تروعه
بعدت فلما يعرف النوم جفنه … ولم يدر هل كان السكون يريعه
وكيف يلذ العيش بعدك من غدا … من العمر في محلٍ وأنت ربيعه
وها نَبْتُ فوديه يلوح مصوَّحًا … وتبدو كمبيّض الهشيم فروعه
стр. 969
أقول وقد حمَّلت بثي إليكم … نسيمًا وظني أنه لا يضيعه
لعل النسيم الحاجريّ إذا قضى … رسائله يُقضى إليَّ رجوعه
ومستخبرٍ عن حال قلبي أحبَّتي … وما الذي سرى منه لما بنتَ قلتُ جميعه
ويسألني عن ناظري ما الذي ترى … تأخر عندي منه قلت دموعه
وإني متى ما ضم شملي وشملكم … ويدعو بنا داعي النوى لا أطيعه
فما كل حين لي دموع أريقها … ولا كل وقت لي فؤاد يروعه
وله نظم كثيرٌ، وأدب غزيرٌ، وكرم أخلاقٍ، ومروءةٌ لا يستعملها على الإطلاق، يسعى في قضاء حوائج الناس بنفسه في يومه وأمسه إلى حلول رمسه، ويبذل جاهه لمن يقصده ويسعفه، بأربه ويسعده، ومضى على سداد محببًا إلى العباد.
وتوفي بمصر، في سادس ذي قعدة، سنة إحدى عشرة وسبع مئة، وقد جاوز الثمانين، رحمة الله عليه.
٥٠١ - محمد بن يوسف بن أبي بكر بن هبة الله الجزري، المنعوت بالشمس، ويعرف بابن القوام وبالمحوجب، الفقيه الشافعي (١).
كان فاضلًا عارفًا بالأصولين والمنطق، وقرأ القراءات.
وورد قوص فقيرًا مجرَّدًا، فوجد بها الأصبهاني، فقرأ عليه المعقول، وقدم مصر، وأعاد بالمدرسة المعروفة بزين التجار، وبالزاوية المعروفة بالشافعي، ودرَّس بالمدرسة المعزّية، ودرَّس بالقاهرة بالمدرسة السيفية منكوتمر.
وشرح "المنهاج في الأصول".
стр. 970
وكان يجلس بحوانيت الشهود بمصر، عاقدًا الأنكحة فارضًا.
وكانت السَّوداء تغلب عليه، حتى يركب دابةً ويسير أيامًا، وكان يشارك في طب.
وتوفي بمصر، في شهر رجب، سنة إحدى عشرة وسبع مئة، وقد جاوز الثمانين.
٥٠٢ - محمد بن يوسف بن مسعود بن بركة بن عبد الله الشيباني التَّلَّعْفَرِي الموصلي، المنعوت بالشهاب، المكنى بأبي المكارم (١).
الأديب الشاعر المقدم في شعراء عصره، امتدح الملوك والأعيان.
وله "ديوان" شعر (٢)، منه قوله:
عن أيمن الجزع دون الأثل بَانات … لنا بحكم الهوى فيها لُبَاناتُ
وأربعٌ للصّبا ولَّى بها زمنٌ … غضٌّ فلله هاتيك اللُّيَيْلات
يا سعدُ قف ناشدًا بي في ملاعبها … حيا ظباه نفورات أنيسات
ففي خدور خيام القوم غانية … بغيرها لم تكن تصفو المسرَّات
للحيِّ في قدها إذ تنثني زجلٌ … كما تغنَّت على غصنٍ حمامات
صحَّت وصحَّت لنا أعطاف قامتها النشوى وأجفانها المرضى السقيمات
ما أبعد الصبر من قلبٍ كسته أسىً … كواعبٌ عربيَّاتٌ أبيات
стр. 971
غيدٌ لهن خصور قد لعبن بنا … هيف ظماءٌ لا وأرداف رويَّات
يميلهن الصبا تيهًا فتضرم في … أحشائنا لاعج الوجد الصبابات
كأنَّهن الغصون الناعمات وقد … لاحت عليهن أقمارٌ منيرات
ما المشرفيات إلا لحظهنَّ ولا … تلك المعاطف إلا السَّمهريات
وله:
هذا العذول عليكم مالي وله … أنا قد رضيت بذا الغرام وذا الوله
شرطُ المحبَّة أن كل متيَّمٍ … صبٌّ بمن يهواه يعصي عُذَّله
وهي مطولة.
وشعره كله جيّد.
وكان مولعًا بالقمار، فطلبه صاحب حماة يومًا، فوجده يقامر وقد أُخِذَ منه جملة، فأراد أن يستردها، فسأله أن لا يفعل خشية أن ينفر عنه من يقامره.
ومولده في الخامس والعشرين من جمادى الآخرة، سنة ثلاث وتسعين وخمس مئة.
وتوفي بحماة، يوم الأربعاء عاشر شوال، سنة خمس وسبعين (١) وست مئة.
٥٠٣ - محمد بن يوسف بن علي بن يوسف بن حيان النفزي الأندلسي الجياني الغرناطي، أثير الدين أبو حيان (٢).
стр. 972
شيخُ الدهر وفاضله، وراوي الحديث النبوي وحامله، ومحرر اللسان العربي وناقله، وإليه تُشدُّ رواحله، وهو البحر الذي لا تُخاضُ لججه، ولا يُمتَطى ثَبجُه، ولا تسأم كلامه الأسماع، ولا تمتد إلى مُمَاثلته الأطماع، إنْ نَظَم فالجوهر الذي لا تنتهي إليه قيمة، أو نَثَر فالدُّرَر التي يقال في مفردها الدرة اليتيمة، أو صَنَّف فالفرائد التي تلتقطها الأذهان المتَّقِدة، والأفهام السليمة، لا تستقصي صفاته الذاتية الأوصاف، وجميع فضلاء عصره بالنسبة إليه في حكم المضاف، انتمى إليه الأقران، وقرأ عليه الأماثل والأعيان، وجلس بين يديه فلان وفلان، وعَمَّهُم من بحر فضائله بالنائل الغمر، وأقرَّ له بالفضل زيدٌ وعمرو.
ذاك الذي أبكى العيون بُعْدُه، وأنكى القلوب فَقْدُه، وطوي بساط الأدب بعد نشره، وبقي له ذكر مخلَّدٌ إلى يوم نشره، مرَّت لي في صحبته أعوام وسنون، وأقمت في خدمته من سنة ثماني عشرة إلى حين انتزعته منَّا يدُ المنون، ووددت لو طالت مدته، وتمنَّيت أن يُفْسَح في عمره، وهل يحصل للمرء منيته، وشغر منه الزمان وتعطل منه ذلك المكان، ودخل في خبر كان.
ولي: شعر
له أبدًا مني حنين مجدَّدٌ … ووُدٌّ مقيمٌ لا يغيِّره الدَّهر
стр. 973
وشوقٌ إلى ليلاتِ أنسٍ بقربه … ألا إنما تلك الليالي هي العمر
ليالٍ إذا ما مرَّ طيِّبُ ذكرها … تُسرُّ به نفسي وينشرح الصدر
على فقدها يستحسن النَّوح والبكا … وفي قربها يستعذب النظم والنثر
سقى الله قبرًا ضمَّ بحرًا من العُلى … مريعًا وروَّى تربه نائلٌ غمر
وبالجملة فالأسف على بُعْدِه دائم، والحزن على فقده قائم، أفاض الله عليه سحائب رحمته، وأسكنه بحبوحة جنته.
قرأ شيخنا المذكور القراءات على الخطيب أبي محمد عبد الحق بن علي بن عبد الله، قرأ عليه نحوًا من عشرين ختمةً إفرادًا وجمعًا بمدينة مطخشارش، ثم على الخطيب الحافظ أبي جعفر أحمد بن علي بن محمد الرعيني الغرناطي الشهير بالطباع بغرناطة، ثم قرأ السبعة إلى آخر سورة الحجر على القاضي الخطيب الحافظ أبي علي الحسين بن عبد العزيز بن محمد بن أبي الأحوص بمالقة، ثم قدم الإسكندرية، فقرأ القراءات على عبد النصير بن علي بن يحيى المريوطي، ثم قدم مصر فقرأ بها القراءات على أبي الطاهر إسماعيل بن هبة الله بن المليحي.
وسمع الكثير، وقرأ بنفسه على الجمِّ الغفير، وسمع وروى من كتب الحديث والآداب ما يستعظمه أولو الألباب.
فنذكر جماعة ممن روى عنهم على ترتيب الحروف؛
سمع من إبراهيم بن أحمد العزفي السبتي، وإبراهيم بن معضاد الجعبري، وإبراهيم بن فتوح التميمي، وإبراهيم بن أيوب بن طُغريل، وإبراهيم بن محمد بن عبد الله الظاهري الحافظ.
وشيخه أبي جعفر أحمد بن إبراهيم بن الزبير، وأحمد بن علي بن الطباع، وأحمد بن سعد الغرناطي عرف بالقزاز، وأحمد بن عبد الرحمن الغساني الوادي آشي، وأحمد بن
стр. 974
عبد الله بن عمر الحريري المعروف بابن الإمام، وأحمد بن عبد الله بن يوسف بن علي الفهري اللبلي، وأحمد بن علي بن خالص الأنصاري الإشبيلي، وأحمد بن محمد بن منصور الجذامي الجروي، وأحمد بن يحيى بن أسعد بن يحيى بن عساكر الكتامي المعروف بابن الموقع، وأحمد بن عبد القادر بن رافع، وأحمد بن عبد الكريم بن غازي، وأحمد بن يونس بن أحمد بن بركة الإربلي، وأحمد بن عمر بن جعفر الباهي، وأحمد بن محمد بن عبد الله الظاهري، وأحمد بن عبد الله بن عبد الهادي، وأحمد بن حمدان بن شبيب النميري الحراني، وأحمد بن عبد الرحمن بن أحمد الشهرزوري، وأحمد بن محمد بن عبد الرحمن الحسيني نقيب الأشراف، وخلائق من الأحمدين.
وإسماعيل بن عبد المنعم بن الخيمي، وإسماعيل بن هبة الله ابن المليحي، وجماعة.
وإسحاق بن عبد الرحيم بن درباس، وإسحاق بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن علي بن قريش، وأيوب بن يحيى بن محمد بن سالم الحنفي، وأيوب بن أحمد المقدسي، وأسامة بن محمد الأسدي الأبهري، وغيرهم.
وبلال بن جعا الخوارزمي.
وبيليك بن عبد الله الجمالي، وبلال بن عبد الله الحبشي المغيثي.
وبسطام بن بطحا.
وتمام بن أحمد بن أبي الفهم السلمي.
وثابت بن أحمد بن يحيى القرشي.
وجعفر بن محمد بن عبد العزيز الإدريسي، وجعفر بن محمد بن عبد الرحيم بن أحمد بن حجون القنائي.
وجبريل بن أبي الحسن بن جبريل العسقلاني، وجبريل بن إسماعيل عرف بابن رافع.
والحسن بن عبد الله الراشدي، والحسن بن شاور بن طرخان الكناني، عرف بابن
стр. 975
النقيب وبابن الفقيسي، والحسن بن الحسن بن الحسن بن نصر الله بن علوان الموصلي، والحسن بن موسى بن معمر الطرابلسي.
والحسين بن علي بن أبي المنصور، والحسين بن عبد العزيز بن أبي الأحوص، وغيرهم.
وخلف بن عبد العزيز الغافقي.
وخليل بن محمد المراغي.
وخضر بن صِمْصَام القرشي.
وخُطلو بن عبد الله.
وداود بن عبد القوي العسقلاني، وداود بن علي القاهري.
وذاكر الله بن يعقوب بن عبد المغيث.
وذو النون بن عمر الجزري.
ورضوان بن عبد الرحيم بن بركات الطائي.
ورمضان بن حسين الدنيسري.
ورشيد بن عبد الله الفاضلي.
ورافع بن مظفر الزهري الإسكندراني.
ورجب بن قراجا.
وزهرون بن خلف بن زهرون التوني، وغيره.
وسليمان بن معروف الكناني الشاعر، وسليمان بن علي العفيف التلمساني، وغيرهما.
وشعبان بن أبي الطاهر الخلاطي.
وشبيب بن حمدان الحراني.
وشافع بن علي بن عباس الكاتب، وجماعة من النسوة.
وصواب بن عبد الله الحبشي، وصواب بن عبد الله الصلاحي.
стр. 976
صالح بن جعفر بن نفاية الشاعر، وصالح بن عبد العزيز الكناني.
وضياء بن عبد الكريم الأنصاري.
وطقصبا بن عبد الله الجمالي.
وطاهر بن محمد الحلبي، وطاهر بن محمد العبدري.
وظافر بن محمد الخزرجي.
وعبد الله بن علي بن إسماعيل الصنهاجي قاضي الاسكندرية، وعبد الله بن محمد بن هارون الطائي.
وعبد المؤمن بن خلف الدمياطي الحافظ.
وعلي بن محمد بن علي الإشبيلي عرف بابن الصائغ، وعلي بن أحمد بن عبد المحسن الحسيني الغرافي، وعلي بن سليمان المالقي عرف بابن الحاج، وعلي بن محمد بن هارون الدمشقي، وخلائق.
وعيسى بن لب العوفي، وعيسى بن المظفر الأنصاري، وجماعة.
وغازي بن أيوب بن قايماز المشطوبي، وغازي بن أبي الفضل الحلاوي، وغازي بن داود بن عيسى بن أبي بكر بن أيوب بن شادي.
وفضل بن محمد المعافري.
والفضل بن علي بن نصر بن عبد الله بن الحسين بن رواحة، والفضل بن علي بن الفضل الزرزاري الحاكم، وغيرهم.
والقاسم بن علي بن محمد المدحجي.
وقيصر بن عبد الله الكرجي.
وكامل بن مكارم السلماني، وغيره.
ولاحق بن عبد الله أبي الغيث المسعودي.
ومحمد بن يحيى الأشعري، ومحمد بن سعيد بن حماد بن محسن بن عبد الله الصنهاجي
стр. 977
الأصل الشرف البوصيري الشاعر، ومحمد بن أبي القاسم بن جميل التونسي القاضي، ومحمد بن الحسين بن رزين الحموي قاضي القضاة، ومحمد بن إسماعيل بن أبي بكر، ومحمد بن نزار القفطي، ومحمد بن علي الشاطبي الرضي، ومحمد بن فتح بن علي الإشبيلي قاضي القضاة بالأندلس، ومحمد بن سالم بن واصل قاضي حماة، ومحمد بن إبراهيم بن أبي القاسم الميدومي، ومحمد بن أحمد بن الخليل الخوتيّ قاضي القضاة، ومحمد بن علي بن وهب القشيري قاضي القضاة، ومحمد بن أبي بكر بن علي العثماني الديباجي المهدوي، ومحمد بن أبي بكر بن محمد بن محمد بن حسن الفارسي الأيكي، ومحمد بن محمد بن علي بن محمد بن سليم الصاحب، وخلائق من المحمديين.
ومسعود بن سعيد الجيزي، ومسعود بن مودود الضرير السنهوري الشاعر.
ومحفوظ بن عمر بن الحامض البغدادي.
ومفضل بن محمد بن محمد العدري.
ومظفر بن محاسن الدمشقي الذهبي.
ومالك بن عبد الرحمن بن المرحل المالقي.
وموسى بن علي بن وهب القشيري القوصي، وموسى بن عبد الله بن إبراهيم التجيبي، وخلائق من هذا الحرف.
ونصير بن أحمد المناوي الأديب.
ونصر الله بن طلائع بن حمدان العسقلاني، ونصر بن سلمان بن عمر المنبجي.
وهاشم بن عبد النصير الإسكندراني.
ووهبان بن علي الجزري.
ويوسف بن هلال الحلبي المتطبب، ويوسف بن إسحاق بن أبي بكر الطبري المكي، ويوسف بن محمد بن المظفر بن حماد التنوخي الحموي، ويوسف بن عبد المحسن الشارعي، ويوسف بن إبراهيم بن أحمد الجذامي الشاطبي، ويوسف بن بدران بن بدر
стр. 978
المقدسي، ويوسف بن داود ابن المعظم عيسى ابن الملك العادل، وغيرهم.
ويعقوب بن بدران القاهري.
ويحيى بن عبد العظيم الجزار الأديب.
وخلائق كثيرة، اختصرت ذكرهم، فإنه يكثُر ذكرهم ويعسُر حصرهم.
وأخذ علم العربية عن جماعة منهم: الخطيب أبو محمد عبد الحق بن علي بن عبد الله بن محمد بن عبد الملك الأنصاري، ومنهم الأستاذ أبو جعفر أحمد بن زكرياء الجياني، ومنهم الحافظ الجليل علي بن محمد بن محمد الخشني الإشبيلي الأستاذ أبو الحسن الأيدي.
ثم لازم الأستاذ أبا جعفر أحمد بن الزبير وقرأ عليه الجمل، وجملة من كتاب سيبويه، ومن الجزولية، وكتاب "الإيضاح، ولازمه نحوًا من أربع سنين، ثم عاقه نكبة الأستاذ من السلطان ابن الأحمر، وسجنه بمنزله، وتخرَّج به.
وتأدب عليه وعلى جماعة، منهم: الأستاذ ابن الصَّائغ، سمع عليه جملة من كتاب سيبويه، والإيضاح بحثًا.
ثم قدِم القاهرة في سنة تسع وسبعين (١)، وقرأ على الشيخ بهاء الدين أبي عبد الله محمد الحلبي ابن النحاس كتاب سيبويه، وراجعه في مسائل نحوية، وكتب عنه مسائل ومشكلات.
وقرأ الفقه على مذهب الشافعي على الشيخ علم الدين عبد الكريم المعروف بابن بنت العراقي، بحث عليه المحرر للرافعي، ومختصره المنهاج للنووي، وحفظ المنهاج إلا يسيرًا.
وقرأ أصول الفقه على أستاذه أبي جعفر ابن الزبير، بحث عليه من "الإشارة" (٢)
стр. 979
للباجي، ومن "المستصفى" (١) للغزالي، وعلي الخطيب أبي الحسن ابن فضيلة، وعلى الشيخ علم الدين العراقي، وعلى الشيخ شمس الدين الأصبهاني، وعلى الشيخ علاء الدين الباجي.
وقرأ أشياء من أصول الدين على شيخه ابن الزبير، والشيخ شمس الدين الأصبهاني، وقرأ عليه شيئًا من المنطق.
وقرأ شيئًا من المنطق أيضًا على بدر الدين محمد بن سلطان البغدادي، وقرأ عليه شيئًا من الإرشاد للعميدي في الخلاف.
وإنَّما برع في النحو، وانتهت الرئاسة والمشيخة فيه إليه، وأقرأ وأسمع، وأفاد وصنَّف، وتخرج عليه الفضلاء، وانتشرت فوائده في الأمصار، وقَصَدَه الناس من الأقطار، وشرَّق ذكره وغرَّب، وروى من كتب القراءات، والحديث، واللغة، والآداب ما يطول ذكره.
وصنَّف التصانيف المفيدة، منها: كتابه المسمى بـ "البحر المحيط" (٢) في التفسير، في مجلدات كثيرة، وكتاب "إتحاف الأريب بما في القرآن العزيز من الغريب" (٣) جزء، وكَتَب في القراءات (٤)، وكتاب "الارتضاء في الفرق بين الضاد والظاء" (٥)، جزء لطيف، وكتاب "الوهاج"، اختصر فيه "المنهاج" في الفقه، وكتاب "الأنور الأجلى"، اختصر فيه "المحلى" تصنيف ابن حزم الظاهري في الفقه، و"شرح التسهيل في النحو"، في ست مجلدات،
стр. 980
كتاب جليل جامع عديم المثل، وكتاب "رشف الضرب" (١) مسائل وأحكام، ليس له نظير في النحو في ثلاث مجلدات، وكتاب "التذكرة" في النحو، في ثلاث مجلدات، فيها غرائب، وكتاب "التجريد لأحكام كتاب سيبويه"، وكتاب "تلخيص شرح الصفار لكتاب سيبويه"، وكتاب "المبدع" (٢) في التصريف، و"الموفور الملخص من شرح ابن عصفور" (٣)، وكتاب "التقريب" (٤) مختصر "المقرب"، ومثله المسمى بـ "التدريب" (٥)، وكتاب "غاية الإحسان" (٦) مقدمة في النحو، وكتاب "النكت الحسان شرح غاية الإحسان" (٧)، مجلدة فيها فوائد، وكتاب "المسالك في شرح ألفية ابن مالك"، ولم يكمله.
وله تصانيف لطيفة في "لسان الترك" (٨)، و"الحبش" (٩)، و"اليشمور" (١٠)، وغير ذلك، ومسائل كتَبَ فيها لما سئل عنها، فأجاب عنها، و"تصنيف في علم البيان"، و"أرجوزة" في النحو، لم يكملها، وفي التواريخ: "مجاني الهصر"، ترجم فيه جماعة، والنُّضار في
стр. 981
المَسْلاةِ عن نُضار"، و"ديوان" شعر (١)، و"ديوان" آخر.
وسمعت عليه كثيرًا من الأجزاء الحديثية، وبُحِث عليه "التقريب"، وسمعت أكثر "التسهيل"، وأكثر "شرحه"، وجملة من "كتاب سيبويه"، وجملة غالبة من شعره.
وأجاز لي، وامتدحني بقصيدتين: "رائية" و"لامية"، وسمع مني "جزء حديث" خرّجته، و"الطالع السعيد" (٢) تصنيفي، محبةً للعلم وحرصًا عليه.
وكان محبًّا لي، متفضلًا عليَّ، جزاه الله عني خير الجزاء.
وكان ثقةً صدوقًا، حجةً ثبتًا، سالمًا في عقيدته من الفلسفة والاعتزال والتجسُّم، ونحو ذلك.
وجرى على مذهب أهل الأدب في أنه تستميله محاسن الشباب، ويستحسن الطَّرب.
وعلى مذهب كثيرٍ من النحويين في تعصُّبه للإمام علي بن أبي طالب ﵁ التعصَّب المتين؛ حُكي لي أنه قال لقاضي القضاة بدر الدين ابن جماعة: إن عليًا ﵁، قال: "إنه عهد النبي الأمي إليَّ أنه لا يحبك إلا مؤمنٌ ولا يبغضك إلا منافقٌ" (٣)، أتراه ما صدق في هذا؟ فقال: صدق، قال: فقلت له: فالذين سلُّو السيوف في وجهه يحبّونه أم يبغضونه؟ وغير ذلك.
стр. 982
وكان سيِّئ الظن بالناس كافةً، فإذا نُقِل له عن أحدٍ خيرٌ لا يتكيف به، وإذا كان شرًّا تكيف به، ويبني عليه حتى ممن هو عنده مجروحٌ، فيقع في ذم من هو بألسنة العالَم ممدوح، وبسبب ذلك وقع في نفس جمع كبيرٍ منه ألم كثير.
وكان يميل إلى مذهب أهل الظاهر الميل الظاهر.
وكان فيه خشوعٌ؛ يبكي عند قراءة القرآن، ويجري دمعهُ عند سماع الأشعار الغزلية، وقال لي: إذا قرأت أشعار العشق أميل إليه، وكذلك أشعار الشجاعة تستميلني، وغيرهما، إلا أشعار الكرم ما تؤثر فيَّ.
وبالجملة، فكان من محاسن العصر، ومفاخر الدهر، وامتدحه الفضلاء والأعيان، وكُتب إليه من سائر البلدان.
وممن مدحه الرئيس الكاتب محيي الدين ابن عبد الظاهر كاتب الدرج السلطاني، فقال فيه شعر، قوله:
وسألت من ذا إذ سمعت مباحثًا … في الذات قرّرها أجلُّ مفيد
قالوا أبو حيّان قلتُ صدقتم … وبرزتم هذا هو التوحيدي
ومنهم العلامة صدر الدين ابن المرحل، فقال فيه أيضًا: شعر
قالوا أبو حيَّان غير مدافعٍ … ملك النحاة فقلت بالإجماع
اسم الملوك على النقود وإنني … شاهدت كنيته على المصراع
ومنهم الوزير أبو عبد الله ابن الحكيم الرندي اللخمي، فقال فيه:
ماذا ترى يا أبا حيان في دنفٍ صبٍّ … للُقياك ذي شوقٍ وذي كلف
مستشرفًا طمحًا في صفو ودِّكمُ … إلى مراتب فيها منتهى الشّرف
ومنهم شرف الدين محمد بن موسى بن محمد بن الوحيد كاتب الإنشاء، مدحه
стр. 983
بقصيدة مطولة، وهي قوله:
إليك أبا حيَّان أعملت أينُقي … وملت إلى حيث الركائب تلتقي
دعاني إليك الفضل فانقدت طائعًا … ولبَّيتُ أحدوها بمدحي المصدَّق
وآليتُ لا ألْوي على متعذِّرٍ … وفارقتُ حتَّى لم أبل بالتفرُّق
سريتُ ومسح الليل ما شقَّ جيبه … وأكمامُ نوَّار الرُّبى لم تفتَّق
وللشُّهب ألحاظٌ مراضٌ كأنَّما … يلاحظني من خلف سترٍ معلَّق
ومازلتُ أطوي شُقَّة الليل ناشرًا … لواءَ ولاءٍ بالثناء مخلَّق
وأستنشق الأرياح من كل وجهةٍ … وأشتاقها ما بين غربٍ ومشرق
ومنها في المدح قوله: شعر
تقيٌّ نقيٌّ طاهر الجيب مخلصٌ وما … كلُّ من يُعزى إليه التُّقى تقي
جوادٌ حوى غايات كل فضيلة … يقصِّر عنها عزم كل محلق
له مرتقىً في كلِّ يوم إلى علا … يقول له مهلًا إلى أين ترتقي
ولكنه يدنيه فرطُ تواضعٍ … ولا ضِعةٌ حاشاه دنو الموبق
أضاف إلى الخلق الوسيم خلائقًا … وسامًا وليس الخلق مثل التخلُّق
هو البحرُ علما والجواهر لفظه … وذو الفضل من يختارهنَّ وينتقي
تجمَّع فيه ما تفرق في الورى … وحسبك منه كل جمعٍ مفرق
وساحبة فوق السَّحاب ذيولها … بمدحٍ متى يعلق به الفم يعبق
أتتك أثير الدين خجلى وإنما … أثار الهوى منها جوىً غير ملحق
стр. 984
فلفَّت محيَّاها حياء وشوقها … ينازعها شوطا ومن يُجْفَ يشتق
فإن ساقها ما شاقها فحياؤها … يُنَهنهُهَا والنفس ترجو وتتَّقي
وآخرها:
بقيت على رغم العداة أخا علًا … ولا عاش من يشنا علاكَ ولا بقي
وممن مدحه شهاب الدين أحمد العزازي الأديب، فقال فيه: شعر
لو عُدَّ أهل النحاة كان أبو … حيَّان شيخ النحاة أميزها
أو بعُدت غاية لأدركها … بسعيه للعُلى وأحرزها
لله كم حُلَّة لقافيةٍ … وسَّعها فكره وطرَّزها
وحلَّ أحجبةً وأوضحها … وحاك أمثالها وألغزها
وكان بين النحاة أحسن … أسلوبًا وديباجةٍ وأطرزها
وكم عروس عذراء حالية … في حللٍ للجمال أبرزها
شعرٌ كمرِّ النسيم حين سرى … على الخزامى والزَّهر حين زها
لو كان درًّا لكان منتخبًا … أو كان روضًا لكان منتزها
آمنْ بآياته التي بهرت … وانقلْ براهينها ومعجزها
ومنها:
ذو سعةٍ في العلوم لو منعوا … مسائلًا لم تُجزْ لجوَّزها
ما ناظرَتْه في النحو طائفةٌ … وفي القوافي إلا وأعجزها
أكرم به نبعة مباركة … رأيتُ فوق النجوم مركزها
стр. 985
وممن مدحه نجم الدين إسحاق بن المي التركي، وسأله أن يكمل "شرح التسهيل"، وأرسلها إليه من دمشق، وهي أولها قوله: شعر
تبدَّى فخلنا وجهه فلقَ الصبح … يلوحُ لنا من حالك الشّعر في جُنْح
منها إليك أبا حيَّان مني تحيةٌ … يفوق شذاها مسك دارين في النَّفح
بدأت بأمرٍ تمَّم الله قصده … وكمله باليمن منه وبالنجح
وسهلت تسهيل الفوائد محسنًا … فكن شارحًا صدري بتكملة الشرح
وممن مدحه الفاضل نجم الدين يحيى السَّكندري، فقال فيه:
ضيفٌ ألمَّ بنا من أبرع الناس … لا ناقضٌ عهد أيامي ولا ناسي
عارٍ من الكبر والأدناس ذو ترفٍ … لكنه من سرابيل العلى كاسي
أهدى إليَّ من النظم البديع ومن … نثاره جوهرًا ما مُسَّ بالماس
ومن غريب أفانين الفضائل ما … ظننتُ أن سناه ضوء مقباس
تميل من طربٍ أعطاف سامعه … كأنه للطِّلا من سمعه حاسي
حيَّا فأحيا أبو حيان من أملي … ما كنت من قربه مني على ياس
ومنها:
يا بحر علمٍ غدت بالثغر طافحةٌ … أمواجه وهو طودٌ بالحجى راسي
لولا حلاك لأضحى المصر ذا عطلٍ … وأربع من فنون العلم أدراس
وممن مدحه الأمير الفاضل مجير الدين عمر القوصي المعروف بابن اللمطي، وسأله عن مسائل، فقال فيه هذه القصيدة: شعر
يا شيخ أهل الأدب الباهر … من ناظمٍ يلقي ومن ناثر