المَسْلاةِ عن نُضار"، و"ديوان" شعر (١)، و"ديوان" آخر.
وسمعت عليه كثيرًا من الأجزاء الحديثية، وبُحِث عليه "التقريب"، وسمعت أكثر "التسهيل"، وأكثر "شرحه"، وجملة من "كتاب سيبويه"، وجملة غالبة من شعره.
وأجاز لي، وامتدحني بقصيدتين: "رائية" و"لامية"، وسمع مني "جزء حديث" خرّجته، و"الطالع السعيد" (٢) تصنيفي، محبةً للعلم وحرصًا عليه.
وكان محبًّا لي، متفضلًا عليَّ، جزاه الله عني خير الجزاء.
وكان ثقةً صدوقًا، حجةً ثبتًا، سالمًا في عقيدته من الفلسفة والاعتزال والتجسُّم، ونحو ذلك.
وجرى على مذهب أهل الأدب في أنه تستميله محاسن الشباب، ويستحسن الطَّرب.
وعلى مذهب كثيرٍ من النحويين في تعصُّبه للإمام علي بن أبي طالب ﵁ التعصَّب المتين؛ حُكي لي أنه قال لقاضي القضاة بدر الدين ابن جماعة: إن عليًا ﵁، قال: "إنه عهد النبي الأمي إليَّ أنه لا يحبك إلا مؤمنٌ ولا يبغضك إلا منافقٌ" (٣)، أتراه ما صدق في هذا؟ فقال: صدق، قال: فقلت له: فالذين سلُّو السيوف في وجهه يحبّونه أم يبغضونه؟ وغير ذلك.
стр. 982
وكان سيِّئ الظن بالناس كافةً، فإذا نُقِل له عن أحدٍ خيرٌ لا يتكيف به، وإذا كان شرًّا تكيف به، ويبني عليه حتى ممن هو عنده مجروحٌ، فيقع في ذم من هو بألسنة العالَم ممدوح، وبسبب ذلك وقع في نفس جمع كبيرٍ منه ألم كثير.
وكان يميل إلى مذهب أهل الظاهر الميل الظاهر.
وكان فيه خشوعٌ؛ يبكي عند قراءة القرآن، ويجري دمعهُ عند سماع الأشعار الغزلية، وقال لي: إذا قرأت أشعار العشق أميل إليه، وكذلك أشعار الشجاعة تستميلني، وغيرهما، إلا أشعار الكرم ما تؤثر فيَّ.
وبالجملة، فكان من محاسن العصر، ومفاخر الدهر، وامتدحه الفضلاء والأعيان، وكُتب إليه من سائر البلدان.
وممن مدحه الرئيس الكاتب محيي الدين ابن عبد الظاهر كاتب الدرج السلطاني، فقال فيه شعر، قوله:
وسألت من ذا إذ سمعت مباحثًا … في الذات قرّرها أجلُّ مفيد
قالوا أبو حيّان قلتُ صدقتم … وبرزتم هذا هو التوحيدي
ومنهم العلامة صدر الدين ابن المرحل، فقال فيه أيضًا: شعر
قالوا أبو حيَّان غير مدافعٍ … ملك النحاة فقلت بالإجماع
اسم الملوك على النقود وإنني … شاهدت كنيته على المصراع
ومنهم الوزير أبو عبد الله ابن الحكيم الرندي اللخمي، فقال فيه:
ماذا ترى يا أبا حيان في دنفٍ صبٍّ … للُقياك ذي شوقٍ وذي كلف
مستشرفًا طمحًا في صفو ودِّكمُ … إلى مراتب فيها منتهى الشّرف
ومنهم شرف الدين محمد بن موسى بن محمد بن الوحيد كاتب الإنشاء، مدحه
стр. 983
بقصيدة مطولة، وهي قوله:
إليك أبا حيَّان أعملت أينُقي … وملت إلى حيث الركائب تلتقي
دعاني إليك الفضل فانقدت طائعًا … ولبَّيتُ أحدوها بمدحي المصدَّق
وآليتُ لا ألْوي على متعذِّرٍ … وفارقتُ حتَّى لم أبل بالتفرُّق
سريتُ ومسح الليل ما شقَّ جيبه … وأكمامُ نوَّار الرُّبى لم تفتَّق
وللشُّهب ألحاظٌ مراضٌ كأنَّما … يلاحظني من خلف سترٍ معلَّق
ومازلتُ أطوي شُقَّة الليل ناشرًا … لواءَ ولاءٍ بالثناء مخلَّق
وأستنشق الأرياح من كل وجهةٍ … وأشتاقها ما بين غربٍ ومشرق
ومنها في المدح قوله: شعر
تقيٌّ نقيٌّ طاهر الجيب مخلصٌ وما … كلُّ من يُعزى إليه التُّقى تقي
جوادٌ حوى غايات كل فضيلة … يقصِّر عنها عزم كل محلق
له مرتقىً في كلِّ يوم إلى علا … يقول له مهلًا إلى أين ترتقي
ولكنه يدنيه فرطُ تواضعٍ … ولا ضِعةٌ حاشاه دنو الموبق
أضاف إلى الخلق الوسيم خلائقًا … وسامًا وليس الخلق مثل التخلُّق
هو البحرُ علما والجواهر لفظه … وذو الفضل من يختارهنَّ وينتقي
تجمَّع فيه ما تفرق في الورى … وحسبك منه كل جمعٍ مفرق
وساحبة فوق السَّحاب ذيولها … بمدحٍ متى يعلق به الفم يعبق
أتتك أثير الدين خجلى وإنما … أثار الهوى منها جوىً غير ملحق
стр. 984
فلفَّت محيَّاها حياء وشوقها … ينازعها شوطا ومن يُجْفَ يشتق
فإن ساقها ما شاقها فحياؤها … يُنَهنهُهَا والنفس ترجو وتتَّقي
وآخرها:
بقيت على رغم العداة أخا علًا … ولا عاش من يشنا علاكَ ولا بقي
وممن مدحه شهاب الدين أحمد العزازي الأديب، فقال فيه: شعر
لو عُدَّ أهل النحاة كان أبو … حيَّان شيخ النحاة أميزها
أو بعُدت غاية لأدركها … بسعيه للعُلى وأحرزها
لله كم حُلَّة لقافيةٍ … وسَّعها فكره وطرَّزها
وحلَّ أحجبةً وأوضحها … وحاك أمثالها وألغزها
وكان بين النحاة أحسن … أسلوبًا وديباجةٍ وأطرزها
وكم عروس عذراء حالية … في حللٍ للجمال أبرزها
شعرٌ كمرِّ النسيم حين سرى … على الخزامى والزَّهر حين زها
لو كان درًّا لكان منتخبًا … أو كان روضًا لكان منتزها
آمنْ بآياته التي بهرت … وانقلْ براهينها ومعجزها
ومنها:
ذو سعةٍ في العلوم لو منعوا … مسائلًا لم تُجزْ لجوَّزها
ما ناظرَتْه في النحو طائفةٌ … وفي القوافي إلا وأعجزها
أكرم به نبعة مباركة … رأيتُ فوق النجوم مركزها
стр. 985
وممن مدحه نجم الدين إسحاق بن المي التركي، وسأله أن يكمل "شرح التسهيل"، وأرسلها إليه من دمشق، وهي أولها قوله: شعر
تبدَّى فخلنا وجهه فلقَ الصبح … يلوحُ لنا من حالك الشّعر في جُنْح
منها إليك أبا حيَّان مني تحيةٌ … يفوق شذاها مسك دارين في النَّفح
بدأت بأمرٍ تمَّم الله قصده … وكمله باليمن منه وبالنجح
وسهلت تسهيل الفوائد محسنًا … فكن شارحًا صدري بتكملة الشرح
وممن مدحه الفاضل نجم الدين يحيى السَّكندري، فقال فيه:
ضيفٌ ألمَّ بنا من أبرع الناس … لا ناقضٌ عهد أيامي ولا ناسي
عارٍ من الكبر والأدناس ذو ترفٍ … لكنه من سرابيل العلى كاسي
أهدى إليَّ من النظم البديع ومن … نثاره جوهرًا ما مُسَّ بالماس
ومن غريب أفانين الفضائل ما … ظننتُ أن سناه ضوء مقباس
تميل من طربٍ أعطاف سامعه … كأنه للطِّلا من سمعه حاسي
حيَّا فأحيا أبو حيان من أملي … ما كنت من قربه مني على ياس
ومنها:
يا بحر علمٍ غدت بالثغر طافحةٌ … أمواجه وهو طودٌ بالحجى راسي
لولا حلاك لأضحى المصر ذا عطلٍ … وأربع من فنون العلم أدراس
وممن مدحه الأمير الفاضل مجير الدين عمر القوصي المعروف بابن اللمطي، وسأله عن مسائل، فقال فيه هذه القصيدة: شعر
يا شيخ أهل الأدب الباهر … من ناظمٍ يلقي ومن ناثر
стр. 986
لم نر في ما قد نراه سوى … مُثنٍ على فضلك أو شاكر
ولم يزل ذو الفضل في عصرنا … مغترفًا من بحرك الزاخر
تروى أحاديثك في نقلها … عن نافع يخبر عن جابر
صحيحة الإسناد في نصها … لكابرٍ في الناس عن كابر
وبعد يا من لم يزل فضله … كالشمس للمتلمح الناظر
ويا أثير الدين يا شيخنا … بحرُ من العلم للوارد والصَّادر
يا ملك الآداب فينا فما … سواه بالنَّاهي ولا الآمر
يا سيبويه العصر يا زين ما … يزهى لنا من دولة الناصر
ويا خليلًا للخليل الَّذي … ما رسمه في الفضل بالداثر
ومنها:
أبدع في بارع ألفاظه … مبرزًا في سرعة الخاطر
وجاء بالنادر في وصفه المعنى … فصار الحكم للنَّادر
وأكذب القائل في قوله … ما ترك الأوَّل للآخر
قلت لمن قد رام تنقيصه … من حاسدٍ في حكمه جائر
ما فيه من نقص تراه سوى … وجوده في الزَّمن الحاضر
بين رَعَاع لا ترى منهم … غير امرئ عن لومه سافر
حميرُ فهم جهلوا فضله … وليس جهل الفضل بالضَّائر
فصيحهم ألكن من باقلٍ … وسمحهم أبخل من مادِر
стр. 987
وممن مدحه صاحبنا الفقيه العالم الفاضل نجم الدين سليمان الطوفي بقصيدتين، أول الأوّلة قوله: شعر، قال منها هنا بيتين:
أتراه بعد هجرانٍ يصلْ … ويُرى في ثوب وصلٍ مبتذل
قمرٌ جار على أحلامنا … إذ تولَّاها بقدٍّ معتدل
ومدحه بأخرى رائية، أولها قوله: شعر
اعذروه فكريمٌ من عذَر … قمرته ذات وجهٍ كالقمر
منها في المدح:
فات أهل العصر سبقًا وحوى … قصب السبق صبيًا ما ثغر
ومنها:
بأبي حيان فخرٌ في الورى … ولنعم المرء يومًا مفتخر
هو أحيا ميت الفضل وقد … كان لو لم يحيه طمس للأثر
وممن مدحه بهاء الدين محمد بن شهاب الدين محمد بن الخيمي بقصيدة، أولها قوله:
إن الأثير أبا حيَّان أحيانا … بنشره طيَّ علم مات أحيانا
بثَّ الفوائد من بحر العلوم كما … أسدى الفوائد إنعامًا وإحسانا
وقلَّد الدَّهر عقدًا من محاسنه … عقلًا وعلمًا وإفضالًا وإيمانا
هو الخلاصة في الآداب مفصحها … منه وجيز مقال حاز تبيانا
ولطف أخلاقه تهدي لناشقها … مسكًا ذكيًا حوى روحًا وريحانا
وممن مدحه الرئيس الفاضل ناصر الدين شافع كاتب الدرج السلطاني بقصيدتين،
стр. 988
أول الأولى قوله رحمة الله عليه: شعر
فضضت عن العذب النمير ختامها … وفتحت عن زهر الرياض كِمامها
وبادرتها باللثم رفعًا لقدرها … وإني أرى حقًا عليَّ التثامها
وراق لسمعي لفظها حين شافهت … فلله ما أحلى وأحلى كلامها
ومنها:
رويت لها السحر الحلال ولم تكن … لترضى من الأقوال زهدًا حرامها
سلكت أبا حيان طرق فضائلٍ … يعزُّ علينا أن نروم اقتحامها
إذا أظلمت يوما علينا قضيَّة … فمن ذهنك الوقاد يمحو ظلامها
وإن نار بحث أظلمت بين معشر … غدونا بما تبديه نطفي ضرامها
تجالد في يوم الجدال بحجة … فتصلت من غمد الشفاء حسامها
إذا ما بدا في محفل ضيغمٌ [بدا] (١) … رأى عندما تشتد منه همامها
ولما صنف التفسير، نظمت له هذه الأبيات، وهي قوله:
تصدى لتفسير الكتاب بعصرنا … إمامٌ حوى كل الفنون وحازا
وبيَّن إعجاز المثاني بلاغةً … فنال به الأجر الجزيل وفازا
وأحيا أبو حيان ميْتَ علومه … فحازوا علاء الفرقدين وجازا
أثار بتحرير مباحث شرعة … لخير البرايا فهو عنه مجازى
стр. 989
فنعتُ أثير الدين فيه حقيقةٌ … وفي غيره إن قيل كان مجازا
ومدحه كثير من الفضلاء يطول ذكرهم.
سمعت من شيخنا، ﵀، قصائد من نظمه، ومقطعات، منها: "قصيدته" التي مدح بها المصطفى ﷺ ، أولها قوله: شعر
لا تعذلاه فما ذو الحبِّ معذولُ … العقل مختبلٌ والقلب متبول
هزَّت له أسمرًا من خوط قامتها … فما انثنى الصبُّ إلا وهو مقتولُ
بديعية فُصِّل الحسن البديع لها … فكم لها جُملٌ منه وتفصيل
إلى الرَّسول تُزجَّى كل يعملة … أجلَّ من نحوه تُزجى المراسيل
من أنزلت فيه آيات مطهّرة … وأوردت فيه توراة وإنجيل
وسطرت من علاه كل خالدة … لها من الذكر تجويدٌ وترتيل
وعطّرت من شذاه كل ناحيةٍ … كأنما المسك في الأرجاء محلول
سرٌّ من العالم العلوي ضمَّنه … جسم من الجوهر الأرضي مجبول
نورٌ تمثَّل في أبصارنا بشرًا … على الملائك من سيماه تمثيل
لقد تسامى وجبريلٌ مصاحبه … إلى مقام تراخى عنه جبريل
قد انقضت معجزات الرسل حين قضوا … نحبًا وأفحم منها ذلك الجيل
ومعجزات رسول الله باقيةٌ … محفوظةٌ ما لها في الدَّهر تحويل
تكفل الله هذا الذكر يحفظه … وهل يضيع الذي بالله مكفول
هذي المفاخر لم تحظ الملوك بها … الملك منقطع والوحيُ موصول
стр. 990
و"قصيدته" التي مدح فيها سيبويه أولها قوله: شعر
هو العلم لا كالعلم شيءٌ تراوده … لقد فاز باغيه وأنجح قاصده
وما فُضِّل الإنسان إلا لعلمه … ولا امتاز إلا ثاقبُ الذهن واقده
وقد قصُرت أعمارنا وعلومنا … يطول علينا حصرُها ونكابده
وفي كلها خيرٌ ولكنَّ أصلها … هو النَّحو فاحذر من جَهُولٍ يعانده
وهي طويلة.
وأنشدني لنفسه قوله أيضًا: شعر
أتى بشفيع ليس يُمكن ردُّه … دراهم بيضٍ للجروح مراهمُ
تصيِّرُ صعب الأمر أهون ما يُرى … وتقضي لُبَانات الفتى وهو نائم
وقوله:
إن الدَّراهم والنّساء كلاهما … لا تأمننَّ عليهما إنسانا
ينزِعن ذا اللبِّ المتين عن التُّقى … فيرى إساءةَ فعله إحسانا
وقوله:
عداني لهم فضلٌ عليَّ ومنَّة … فلا صرَفَ الرحمان عنِّي الأعاديا
هم بحثوا عن زلَّتي فاجتنبتُها … وهم ناقَشُوني فاكتسبتُ المعَاليا
وفضائله يعجز عن وصفها اللسان، ويضعف عن رصفها البنان، وما زال يقرئ ويصنف، ويُطرب الأسماع بفوائده ويشنِّف، ويأتي من الفضائل بما هو وثيق العُرَى، وينشر من الفوائد ما انطوى عن الورى، إلى ان أُودِع تحت أطباق الثرى، وفوائده باقية، ومصنفاته راقية.
стр. 991
ولد بمدينة مطخشارش (١)، في أخريات شوال، سنة أربع وخمسين وست مئة.
وتوفي بمنزله خارج باب البحر بالقاهرة، في يوم السبت بعد العصر، الثامن والعشرين من صفر، سنة خمس وأربعين وسبع مئة.
ودُفن من الغد بمقبرة الصوفية خارج باب النصر بالقاهرة، عامله الله بلطفه الخفي.
٥٠٤ - محمد بن يونس بن محمد، أبو حامد الموصلي الشافعي القاضي (٢).
تفقه بأبيه، ويوسف بن عبد الله الدمشقي.
وبرع في الفقه والخلاف، والأصول والكلام، والمنطق والجدل، وصنَّف فيها تصانيف، منها في الفقه: "المحيط" (٣)، و"شرح الوجيز" (٤).
وكان متدينًا متعبدًا، متزهدًا، عفيفًا، كثير الصدقة، متواضعًا، حسن الأخلاق.
وقدم بغداد رسولًا، وحدَّث بها، وقدمها أولًا للاشتغال على يوسف الدمشقي، وسمع من أبي الحسين محمد بن علي القيسي، وأبي حامد محمد بن الربيع الغرناطي، والوزير أبي المظفر ابن هبيرة، وغيرهم.
وولي التدريس بالموصل، ثم قضاء الموصل مدة، ثم عُزِل، وانتهت إليه رئاسة أصحاب الشافعي، وقصَدَهُ الغرباء، ورُحِلَ إليه، وعظم قدره.
ومولده سنة خمس وثلاثين وخمس مئة.
стр. 992
وتوفي سلخ جمادى الآخرة، سنة ثمان وست مئة، عفا الله عنه.
٥٠٥ - محمد بن أبي بكر بن خليل بن إبراهيم بن يحيى بن فارس المكي، ينعت بالرضي، الفقيه الشافعي (١).
سمع الحديث من العلامة أبي الحسن علي بن هبة الله بن سلامة المصري.
وكان مشاركًا في فنون من الفقه، ويَعْرِفُ التَّنبيه معرفة جيدة، وفي النحو له مشاركة حسنة، حفظ المفَصَّل.
ولد في أيام التشريق بمنى، في سنة ثلاث وثلاثين وست مئة.
وتوفي بمكة شرفها الله، في الحادي والعشرين من ذي الحجة، سنة ست وتسعين وست مئة، عفا الله عنه.
٥٠٦ - محمد بن أبي بكر بن محمد الفارسي، الشمس الأَيْكِي (٢).
كان فاضلًا في فنون من المعقولات.
وله "شرح على مقدمة المنطق" التي في أول مختصر ابن الحاجب.
ودرَّس بالزاوية الغزالية بدمشق، وولي مشيخة الشميساطية بها، وولى مشيخة الخانقاه الصلاحية بالقاهرة.
стр. 993
وتكلَّم فيه الصّوفية؛ وحضر قاضي القضاة تقي الدين عبد الرحمن بن بنت الأعز في الخانقاه، وقال له: يا شيخ، شهد عليك جماعة من الصوفية بكذا وكذا، فقال: أنت تنكِّل بي في هذا الجمع نكَّل الله بك، فقال: أقيموه، فأقيم.
قال لي صاحبنا محمد بن الحسن المعروف بابن العجمي: سمعته لما أقيم وهو يقول: ﴿وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّكَ يَضِيقُ صَدْرُكَ بِمَا يَقُولُونَ (٩٧) فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ﴾ (١)، ما قال: ادفع بقوتك ولا بخيلك.
وعمل سماع بالخانقاه، وفيه شابٌّ أمرد، فعانقه العفيف التلمساني بحضرة الأيكي وقبَّله، وقال: أنت الله، فأُنْكِر على الأيكي عدم إنكاره عليه، وتحرَّكت الصوفية عليه، فعُزِل وتوجه إلى الشام.
وتوفي بالمزة، في يوم الجمعة قبيل العصر، ثالث شهر رمضان، سنة سبع وتسعين وست مئة.
وهو الذي عناه الشهاب محمود بقوله:
بنتِ فبات الطيف لي مُسعدًا … يبيحني وجنة خديك
وطالما أمَّلتها يقظةً … فصدَّ عنها سيف جفنيك
ولم أخل أنَّ حمام اللوى … في الأيك تغني عن رقيبيك
فلا رعى الله حمام اللِّوى … ولعنة الله على الأيكي
وسببها أنه كان قد وقع في حق الإمام أحمد، وثارت الحنابلة عليه.
стр. 994
٥٠٧ - محمد بن أبي القاسم بن عبد السلام بن جميل الربعي التونسي، المنعوت بالشمس الفقيه المالكي (١).
كان شيخًا حسنًا، فاضلًا في فنون من النحو، والأصول، واللغة.
أفتى ودرس، وصنّف، واختصر تصنيف ابن الخطيب (٢).
ودرَّس بالمدرسة السيفية منكوتمر، وناب في الحكم بالحسينية ظاهر القاهرة.
وتولى القضاء بثغر الإسكندرية، فلم تحمد سيرته، وذكروا عنه أنه كان يأخذ الدراهم في قضاء الحاجات، ويقول: أنا أعرف كيف آخذ، وتُكُلِّم فيه فصُرِف.
وكان فصيحًا، يأخذ الدروس في غاية الجودة، وكان قبل القضاء يظن فيه الخير.
وكان إمامًا بالمدرسة الصالحية في إيوان المالكية، سألته مسائل.
وتوفي بالقاهرة، صبيحة الاثنين حادي عشرين صفر، سنة خمس عشرة وسبع مئة.
ومولده سنة تسع وثلاثين وست مئة.
سمع بدمشق، وحدَّث.
وله نظم جيد.
٥٠٨ - محمد بن الصفار القرطبي أبو عبد الله (٣).
стр. 995
ذكره ابن سعيد، وقال: هو من بيت مشهور بقرطبة، لم تزل تتوارث في العلم والجاه علو المرتبة.
قال: ونشأ أبو عبد الله حافظًا للأدب، إمامًا في الحساب، وكان أعمى، مقعدًا، مشوَّه الخلقة، ولكن إذا نطق علم كل منصف حقَّهُ، وسافر مع هذه الحالة حتى عُدَّت بغداد له هالة.
واجتمعت به بتونس، فرأيت بحرًا زاخرًا، وروضًا ناضرًا، إلا أنه حاطب ليلٍ، وساحب ذيلٍ، لا يبالي ما أورده، ولا يلتفت إلى ما أسنده، جامعًا بين السمين والغث، حافظًا للمتين والرثِّ.
وكان يقرئ الأدب بمراكش وفاس وتونس، وغيرها.
ومن مشهور حكاياته، أنه لما قال أبو زيد الفازازي في أبي العلاء "قصيدته"، التي أولها قوله: شعر
الحزم والعزم منسوبان للعرب
عارضه أبو عبد الله بـ "قصيدة".
ثم قال فيه وفي ابن أخيه يحيى ابن الناصر الذي كان قد نازعه في ذلك الأوان: شعر
وإن ينازعكَ في المنصور ذو أدبِ … فنجل نوح ثوى في قسمة العطب
وإن يقل أنا عمٌّ فالجواب له … عمُّ النبي بلا شك أبو لهب
وشاعت القصيدة، فبلغت أبا العلاء، فحرص على قتله، وسلَّمه الله منه.
وأورد من شعره ابن سعيد ما أخذه عنه بتونس، وهو قوله: شعر
لا تحسب الناس سواء متى … ما اشتبهوا فالناس أطوار
وانظر إلى الأحجار في بعضها … ماءٌ وبعض ضمنه نار
стр. 996
وقوله:
يا طالعًا في جُفوني .. وغائبًا في ضلوعي
بالغتَ في السخط ظلمًا … وما رحمت خضوعي
إذا نويت انقطاعًا … فاحسب حساب الرُّجوع (١)
توفي يوم الأربعاء، ثالث عشر جمادى الأولى، سنة تسع وثلاثين وست مئة.
٥٠٩ - محمد بن الإستبي، وإستبة: حصن من عمل قرطبة، يكنى أبا بكر (٢).
ذكره ابن سعيد، وقال: قرأ معنا علي الأستاذ أبي الحسن الدبَّاج، وعهدي به شاعرٌ طويل النَّفَس، لكن في ما يدل على كثرة الهوس، قلَّما يأتي بطائلٍ، ولو أمد بلسان سحبان وائل، لكنه قد يندر له ما يكون رمية من غير رام، وهو يرى أنه في التغزل أرق شعرًا من عروة بن حزام.
قال: وأنشدني يومًا من شعره قوله: شعر
إلى من قلبهُ حجرٌ شديدُ … ومن لا دينُه إلا الصُّدودُ
إلى ظبيٍ مليحٍ ذي دلالٍ … محبُّوه لسطوته عَبِيد
فآهًا ثم آهًا ثم آهًا … على بغضائه وله أريد
ثم قال لما فرغ من الإنشاد: هذا والله الطراز الذي لا يحوكه أهل بغداد، وهات من يعرف يسمعه فكيف من ينظمه.
وأنشدني يومًا قصيدة، قال فيها قوله: شعر
стр. 997
إذا رأيت نجوم الأفق باديةً … فاعلم بأنَّ الثُّريا رامت الظّلعا
قال: فقلت له: هذا بيت لا أفهمه، فاغتاظ، وقال: لو كنتَ تفهمه كنتَ من بني آدم، أحسن الشعر وأنبله ما يكون معناه غامضًا على أمثالك.
وحفظت من هذه القصيدة في الممدوح قوله:
لا تَتركْنه فإنَّ الرِّزقَ في يده … وليس يُهمل من أَمسى له تَبعَا
توذي عدوَّك أو توليه منفعةً … والناس خيرهُم من ضرَّ أو نَفَعا
٥١٠ - محمود بن إسماعيل بن الحسن العدوي الإسكندراني، ينعت بالموفق، ويكنى أبا الفتح، ويعرف بابن قادوس، الأديب الشاعر (١).
مدح الأكابر والأعيان.
روى عنه مرهف بن أسامة، وغيره.
وله "ديوان" شعر، وشعره حسنٌ مبدعٌ، لطيف المنزع، ومنه قوله: شعر
وليلةٌ كاغتماض قصَّرها … وصل الحبيب ولم تقصُر عن الأملِ
بتنا نُجاذِب أهْدابَ الظَّلام بها … كفُّ العِتاب وذكر الصدِّ والملل
وكلَّما رام نطقًا في معاتبتي … سددتُ فاه بطيبِ اللَّثمِ والقُبَل
وباتَ بدرُ تمام الحُسْن مُعْتَنقي … والرَّاحُ في كأسها كالشَّمْس في الطَّفل
стр. 998
وبتّ منه أرى النَّار التي سجدَت … لها المجوس من الإبريق تسجدُ لي
راحٌ إذا سفكَ النُّدمان من دمها … ظلت تُقَهقه في الكاسات من جذل
فقل لمن لامَ فيها إنني كلفٌ … مغرىً بها مثل ما أغريتَ بالعذل
وله:
على كلِّ خير من وصالك مانع … وفي كل لحظٍ من جمالك شافعُ
ولي منك قلب بالصُّدود مكاشفٌ … عزوفٌ وطرفٌ بالفتور مصانعُ
ومن عجبٍ أن يسكن القلب عندكم … ولم تخلُ من نار الغرام الأضالعُ
لئن كنتَ يوم البين بالجزع جازعًا … فإنيَ بالجرعاء للصَّبر جارعُ
وهُيِّج من وجدي حمائم أيكةٍ … صوادحُ للقلب المعنَّى صوادعُ
قصيدة مطولة جيدة.
وله قوله أيضًا شعر:
أتعلَمُ ما ألقى بها وأُكَاتِم … هو الوجدُ لا ما تدَّعيه الحمائمُ
فما كلُّ من أذرى المدامع مغرمٌ … ولا كلُّ من أبدى التجلُّد سالمُ
ولو ضُمِّنَت أحشاؤها بعض لوعَتي … لصوَّح منها الغُصن والغصن ناعمُ
أيا مودعي سرّي ومن يدَّعي الهوى … أعينا على ما هيَّجتْه المعالم
ولم أنْسَها يوم النَّوى وعيونها … تطالع من تلك السَّواجي السَّواجم
عيونٌ على سُمر القدُود كأنَّها … لهادم من صبغ الخدود لها دَمُ
وإني لتعديني على الهمِّ عزمةٌ … تحاكي حُمَيَّاها الرِّقاق الصَّوارمُ
стр. 999
وأصبو إليها كلَّما هبت الصَّبا … ولكنَّ أسباب العفاف شَكائم
أرى البرقَ لا يعدو تلهب أضلعي … ولا تقتدي إلا بدمعي الغمائمُ
وله:
أما حان من ريح الفراق سكون … فتبرى قلوبٌ أو تجفُّ جفونُ
يعنّفُني في الحبّ من لا فؤاده … كئيب ولا ماء الجفون هتون
إذا لم يكن للعذل في القلب موضعٌ … فإن مكان الحب منه مكين
ولي صاحب ما زلت أحسب أنه … إذا خانني ريب الزمان أمين
وقل كان لي عونا على كل حادثٍ … فصار مع الخطب الملمِّ يعين
ولا عجبٌ قد تكمن النار في الصَّفا … وتظهر منه للعيون عيونُ
يلوم على حُبّي غزالا مُهَفهفًا … له السيف لحظ والجفون جفونُ
ولو كان قلبي في يديَّ أطعته … ولكنه عند الغرام رهين
فإن كان هذا الفعل منه ملالةً … فما مللي تحت الوداد كمينُ
فحسبي به أنِّي أكذِّب ما أرى … وتحكم في الحقِّ المبين ظنون
وأجاز لي غير واحد عن الحافظ عبد العظيم قال: أنشدني القاضي أبو الحسين محمد بن إسماعيل بن عبد الجبار المقدسي بثغر دمياط، أنشدنا مرهف بن أسامة، أنشدني أبو الفتح ابن قادوس لنفسه، في شخص يتوسوس في التكبير للإحرام، قوله: شعر
وفاترُ النّيةِ عنينها … مع كثرة الرَّعدة والهزَّة
يكبِّر سبعينَ تكبيرةً … كأنَّما صلى على حمزة
стр. 1000
وقال يهجو:
إذا قال لم يعدو كلام ابن فاعلٍ … على أن محض الجهل حشوُ دماغه
وليس كلامًا ما يقول وإنما … يجيب الصَّدى من رأسه لدِماغه
وله في طبيبٍ قوله أيضًا: شعر
بين الشفاء وبين طبّك حائز … أبدًا فليس يمازجُ الأعضاءا
يا من إذا لمح المريض بطرفه … أبكى الصديق وأضحك الأعداءا
وقال في شخص يكثر التكبير في الصلاة قوله: شعر
يا مكثرَ التكبير أي إنَّني … في الدين مربوطٌ على السنة
تشددٌ يشعرنا أنه … يقصدُ أن تبقى به الظنَّة
عجِّل لنا موتك يا سيدي … وأنت في حلٍّ من الجنَّة
وقال أيضًا في مانوف قوله: شعر
يا ربَّ أنفٍ لصديقٍ لنا … تحديده ليس بمعلوم
ليس عن العرش له حاجبٌ … كأنه دعوة مظلوم
وله في اللون الأسود قوله: شعر
أهون بلون السَّوادِ لونًا … ما فيه من حُجًّة لناسبْ
لستَ تَرى حُمرةً بخَدٍّ … فيه ولا خضرةً لشارِبْ
وقال في النصارى قوله أيضًا: شعر
стр. 1001
قالوا له سبحانَه زوجة … ما تركوا ربَّهم عازبا
ما نزَّهوا الرَّحمن سبحانه … ونزَّهوا البطرِق والرَّاهبا
رأوا من الحكمَة صلب ابنِه … فهجنوا المصلوبَ والصَّالِبا
ولد بالإسكندرية، سنة اثنتين وثلاثين وخمس مئة.
وتوفي بعيْذاب، في ثالث شوال، سنة سبع وستين وخمس مئة، عفا الله عنه.
٥١١ - محمود بن الحسين السنجاري، المنعوت بالركن (١).
ذكره ابن سعيد، وقال: إنه نشأ فقيهًا متأدبًا، وكان أبوه مدرسًا، فقدم الركن إلى الشام، واختار الجندية، وأنشد في ذلك قوله: شعر
لما رأيت الفقه في عصرنا … يرفعُ أهليه إلى أسفلِ
ويستضامون وأحوالهم … تداس يوم الجاه بالأرجُل
رجعتُ جنديًّا وقلتُ اصبري … يا نفس للبيض وللذبل
فانظر أخا العقل إلى حرفةٍ … منها هربنا لوغى الجَحْفل
لو لم تكن أنحس ما في الورى … لم نرضَ عنها بالرَّدى الأعجل
قال: وكان كثير الشكوى، فتكلَّمت معه يومًا في ذلك فأنشد، وقال: شعر
يقولون كم تَشْكو الزَّمان فقلت ما … غدا لي مسيئًا لا يرقُّ على ضعفي
يحاربُنِي حتَّى كأني قرنُه … ويمزج لي كأس المذلَّة بالعنف
وما لي انتظارٌ غير قولٍ مردَّد … أنفِّس منهُ عن خِناقي وعن لهْفي
стр. 1002
قال: ومما أنشدني من غرامياته، قوله أيضًا: شعر
يا هَاجرين أما لهذا الهَجْر من … حدٍّ وهل بعدَ الفِراقِ لقَاءُ
أوحشْتُم والله عينًا لم تَزل … فيها بأُنْسِكُم سنًا وسناء
وأضَعْتُمُ قلبًا تشيَّع فيكم … يا ليتَه والمبْغضِينَ سَوَاءُ
توفي سنة تسع وأربعين وست مئة، عفا الله عنه.
٥١٢ - محمود بن سلمان بن فهد بن محمود الحلبي، المنعوت بالشهاب، الفقيه الحنبلي الكاتب الأديب الشاعر (١).
سمع من إبراهيم بن عمر، ومحمد بن عبد المنعم الحراني، وغيرهما، وأجاز له يوسف بن علي الحافظ.
وبرع في الأدب، وبلغ فيه أقصى الرُّتَب، وتقدم في صناعة الإنشاء على أهل عصره، فما داناه فيه أحدٌ بشامه ومصره.
وكان مشاركًا في النحو، قرأ على العلامة أبي عبد الله محمد بن مالك.
وله معرفة بالبيان والبديع، وله الرسائل الممتعة والأشعار المبدعة.
سمع منه وأخذ عنه العلماء والأعيان، ومنهم شيخنا العلامة أبو حيان.
وكتب الإنشاء بمصر والشام، واستفاد فيه منه الأعلام.
стр. 1003
وصنف كتابًا سماه: "حسن التوسل" (١)، حسنٌ في بابه، مفيدٌ لطلابه.
وعُيِّن للقضاء فلم يرضه بضاعة ولا اختاره صناعة.
وله نثر كثير وشعر غزير؛ أنشدني الأستاذ أبو حيان، أنشدنا الشهاب محمود لنفسه قوله: شعر
يا غائبًا وهو في سرّى يمثِّلهُ … لي الغرامُ وتجلوه لي الفكرُ
أوحشت والله طرفًا مذ ذهبت به … لم يغنهِ عن محيَّا وجهك القمر
يشكو السُّهاد وطول الليل ناظره … وطالما راعه في قربك السَّحر
إن شَانَ بعدك ليلي طوله فلقد … مضى الزمان وليلي عيبه القصر
أقول والبدر قد بانت محاسنه … عن وجه بدر تمام ليله الشعر
يا بدر في وجه من أشبهت طلعته … لا فيك يحلو لي التسهيد والسهر
يا روضةً طالما أمطرتها سحرًا … دمعي فأصبح في أرجائها نهر
لولاك ما اعتلَّ مسكي النسيم ضحىً … ولا تنفَّس في جنح الدُّجى الزهر
ولا تمايل لي يحْكيك في هيف … كما حكاك قضيب البانة النضر
أنت المنى وحديث النفس لا وطنٌ … تلهو به عنك أمالي ولا وَطر
صرفتُ طرفي عن الدنيا مهاجرةً … فليس يرتد إلا نحوك النَّظر
قال: وأنشدنا لنفسه أيضًا قوله: شعر
стр. 1004
غَدرتُم ولولا الغدر ما كان لي عُذر … فجاء على قصدي وقصدكم الأمرُ
وجدتم مجالًا للقلى وكذا أنا … فما ضاقَ لي يومًا ولا لكمُ صدرُ
فلا أشتكي منكم ملالًا لأنكم … هجرتم بحمد الله أو طابَ لي الهجر
فإن تدَّعوا عنَّا اصطبارًا فهكذا … أتانا بلا دعوى كما نشتهي الصَّبر
وإن تشكروا حكم البعاد فللنَّوى … علينا أيادٍ ما يقوم بها الشُّكر
وكنت أظن الصبر مرًّا مذاقه … فمذ ذقتُه أيقنتُ أن الهوى مُرُّ
فكونوا كما شئتم فإنَّا كما نشا … صحَونا جميعا وانجلى ذلك السكر
ومذ زال عني مثل ما زال عنكم … خيال الهوى أيقنت أن الهوى سحر
فكم تهتُ من قدٍّ هناك وطلعةٍ … فغصنٌ ولا غصنٌ وبدرٌ ولا بدر
وإن كان زيدٌ صدَّكم عن وصالنا … فلم تخطئوا شيئًا كذا صَدَّنا عمرو
وإن كنتم أنسيتُم العهد فاسألوا … لنخبركم هل مرَّ يومًا لكم ذكر
تقضَّى الهوى منَّا ومنكم فكلُّنا … سواءٌ ولكن منكم بدأ الشر
فلا مقلة عبرى بأجفانها كرىً … ولا كبد حرَّى بأثنائها جمرُ
ولا زادنا حبُّ جوىً كل ليلةٍ … ولا سلوة الأيَّام موعدها الحشر
وكنَّا نظن الحتف يقضى وما انقضى … هوانا ونرضى لو مضى قبله العمُر
وكنا كما شاء الغرام كأنَّنا … لفرطِ امتزاجٍ بيننا الماء والخمر
فكم ليلةٍ بالوصل ما شانها دجىً … وكم ليلة بالهجرِ ما شابها فجر
стр. 1005
فأَعقبكم ذاك الجفاء ملالةً … فلا بأس هذا الدَّهر شيمته الغدر
وإني وإن ألفيتُ في ذاك راحةً … وباتت يدي منكم وراحتها صفرُ
لمثنٍ عليكم لا يقابل هجركم … سوى الهجرُ لا عيبٌ يمضُّ ولا هجرُ
وله:
ولم أر مثل نشر الرَّوض لما … تلاقينا وبنت العامريّي
جرى دمعي وأومض برق فيها … فقال الرَّوض في ذا العام ريّي
وله شعر:
رقَّ العذول لما ألقى بكم ورثى … لما رأى صدَّكم عن صبِّكم عَبَثا
نكثتُمُ حبل ودِّي بعد صحَّته … وطالما قُلتم لا كان من نكثا
أين الوفاء الذي كُنَّا نظنُّ وما … هذا الجفاء الذي من بعده حدثا
فآه نفثةُ مصدورٍ بهجركم … ومن يذق هجر من يشتاقه نفَثا
رجوت يوم نواهُ لو تلبث لي … لأشتكي بعض ما ألقى فما لبِثا
وكم شكوت الذي ألقاه منه فما … رثى لذُلِّي ولا ألوى ولا اكترثا
ويح المحب متى صدَّت حبائبه … يومًا قضى وإذا ما واصلوا بُعثَا
وله:
بكى جزعًا والبين ما حان حينه … فأبدى الذي أخفى الفؤاد أنينه
رأى صبرَه قد خان يومَ فراقهم … فمال إلى دمع معينٍ معينُه
стр. 1006
أأعطافُه هلَّا عطفت على الحمى … كما عطفت وجدًا عليك غصونه
ويا برقُ لا تنكر دموع متيم … سقى الروض فانهلَّت عليك شجونه
منها:
أسمراء لا يثنى قوامك للنَّوى … فكل فؤاد في حِماك طعينه
فرفقًا بها فهي القلوب وقد قضَت … بوهم النَّوى رجمًا فكيف يقينه
سلبت قضيب البان حُسن اعتداله … وإن فات من يهوى انعطافك لينه
وأغراك بدر التمِّ بالبعد غيرةً … لأنك وهو الفرد حسنًا قرينه
وعلمك السرب النّفار وطالما … تعلم سحرًا من عيونك عينه
وكان يزين الحيَّ أنك فيهم … فلم يبق شيء إن ظعنت يزينه
وقالوا غدًا ننأى ويالك موقفًا … تدورُ على العُشَّاق فيه منونه
فمن واضعٍ فوق الفؤاد شماله … وآخر قد ضمَّت حشاه يمينُه
وليلى وكل الحيِّ قيس غرامها … وما ثمَّ إلا حبُّها وجنونه
وقد زَمْزَم الحادي وزمَّ مطيَّها … وعشَّاقها والكل بادٍ حنينه
وله:
رأتني وقد نال منِّي النحول … وفاضت دموعي على الخدِّ فيضا
فقالت بعيني هذا السقام … فقلت صدقت وبالخصر أيضا
توفي بدمشق، ليلة ثاني عشرين شهر شعبان، من شهور سنة خمس وعشرين وسبع مئة.
стр. 1007
ومولده في شعبان، سنة أربع وأربعين وست مئة بحلب.
٥١٣ - محمود بن عمر بن محمد الخوارزمي الزمخشري (١).
الفقيه الحنفي، الإمام في التفسير، والحديث، والنحو، واللغة، والبيان، والبديع، والتاريخ، والأدب، والفقه، وعدة فنون.
سمع الحديث من ابن البطر، وغيره، وأخذ النحو عن أبي مضر منصور المغربي، وقرأ كتاب سيبويه على ابن طلحة، وجَدَه بمكة فقرأ عليه، وكان الزمخشري جاور بمكة زمانًا، فسُمّي: جار الله.
وصنَّف التصانيف الجليلة الغزيرة، المتضمنة المراد الكثيرة، والفوائد المنيرة، منها: "الكشاف" (٢)، أتى فيه بالعَجَب العُجَاب؛
أخبرنا صاحبنا الفاضل تاج الدين ابن مكتوم، قال: سأل ابن القيسراني شرف الدين ليلةً عن الزمخشري الشيخ تقي الدين ابن دقيق العيد، فقال: قيل عنه إنه تاب عن الاعتزال قبل موته، فقال: ما أردت إلا تفسيره، قال: فسكت، ثم قال: ما شرح أحدٌ كتاب الله بعد الصحابة مثل الزمخشري.
стр. 1008
ومنها: "الفائق في غريب الحديث" (١)، و"أساس البلاغة" (٢)، كتاب بديع في اللغة، و"ربيع الأبرار" (٣) في التاريخ، كتاب ممتع، و"متشابه الأسماء"، و"النصائح الكبار" (٤)، و"النصائح الصغار" (٥)، و"ضالة الناشد"، و"الرائض في علم الفرائض"، و"المفصل" في النحو (٦)، و"المفرد والمؤلف" فيه أيضًا، و"رؤوس المسائل" (٧) في الفقه، و"شرح أبيات سيبويه"، و"المستقصى في أمثال العرب" (٨)، و"صميم العربية"، و"سوائر الأمثال"، و"ديوان الأمثال"، و"التمثيل"، و"شقائق النعمان"، و"شافي العيّ في كلام الشافعي"، و"الفسطاط في العروض"، و"معجم الحدود"، و"المنهاج في الأصول" (٩)، و"مقدمة الأدب" (١٠)، و"ديوان الرسائل"، و"ديوان الشعر" (١١)، و"الرسالة الناصحة" (١٢)، و"الأمالي".
ودرَّس، وذكروا أن إحدى رجليه سقطت بالثلج، وأنه كتب محضرًا بذلك، وقيل: إن أمه دعت عليه وهو صبي، كان قد مسك عصفورًا فربط رجله، فدخل في خرق
стр. 1009
فجذبه فانقطعت رجله، فقالت والدته: قطع الله رجلك، فلما طلب الحديث سار إلى بخارى، فسقط من دابةٍ وانكسرت رجله، وعملت عليه حتى أوجب قطعها.
وسأله الحافظ السلفي أن يُجيزَه، وكتب إليه مرات، وبعث بشعرٍ إليه، وأجابه بنثر ونظم.
وله في الأدب باع وساع، وجودة طباع.
وله شعر رائق، سلك فيه أحسن الطرائق، منه ما أورده ابن السمعاني وهو قوله:
ألا قل لسُعدى ما لنا فيكِ من وطرْ … وما تطئين البخل من أعيُن البقَرْ
فإنَّا اقتصرنا بالذين تضايقَت … عيونهم والله يَجزي من اقتصَر
مليحٌ ولكن عنده فرط جفوةٍ … ولم أر في الدُّنيا صفاءً بلا كدَر
ولم أنسَ إذ غازَلْتُه قُربَ روضةٍ … إلى جَنْب حوضٍ فيه للماء مُنْحدر
فقلتُ له جئني بوردٍ وإنَّما … أردتُ به ورد الخدودِ وما شَعر
فقال انتظرني رجع طرف أجيء به … فقلت لهُ هَيْهَاتَ ما فيَّ منتَظَر
فقال ولا ورد سوى الخدِّ حاضرٌ … فقلت له إنِّي قنعتُ بما حضَر
وقوله يرثي شيخه أبا مضر المذكور قبل: شعر
وقائلة ما هذه الدُّرَر التي … تساقَط من عينيك سِمْطَين سمطين
فقلت لها الدرُّ الذي كان قد حشا … أبو مضرٍ أذني تساقط من عيني
وأورد من شعره الإمام أبو الفتح محمد بن علي القشيري في كتابه "اقتناص السوانح" قوله أيضًا: شعر
وأسعد الناس ناسٌ قطُّ ما وَلَدُوا … ولا غَدوا لخَراب الأرض عُمَّارا
стр. 1010
فلَم يذوقوا لأولادٍ إذا انقرضوا … ثكلًا ولا راعَهُم بَيْتٌ إذا انْهَارا
من طيّب الزَّاد والوشْي النَّفيس رضُوا … بأن ينالوا به قوتًا وأطمارا
ما استعبدت شهوةُ الدُّنيا نُفُوسهمُ … حتى طَوَتهُم يمينُ الموت أحرارا
وأورد له العماد الأصبهاني قوله، ﵁: شعر
سلام عليكم دُموعي قلَّ ما تَرْقَى … إذا شمتُ من تلقاء أرضكمُ برقَا
ومن عجبٍ أنِّي إذا لاحَ بارقٌ … بأرضكم استمطرت أجفاني الودقا
وما خلتُ هذا البرق إلا ابتسامةً … لسعدى أضاءت عند إيماضها البرقا
أو ومضَ برقٍ أم سعاد تبسَّمت … فما تعرف العينان بينهما فَرْقَا
تمنَّيت لو يغني التمني لقَاءَها … ووقعُ رماح الخطّ من دون أن تُلْقى
وفضائله كثيرة، غير أنه كان ينكر الجن، ويسيء الأدب في تفسيره على النبوة.
وقد صنّف أبو العباس ابن المنير الإسكندراني كتابًا سماه: "الانتصاف من صاحب الكشاف" (١).
وقد ذكر شيخنا الإمام أبو حيان في "تفسيره" ثمانية عيوب، منها: أنه يأتي بالمعنى على أنه له وقد تقدمه فيه غيره، ومنها: أنه يُعرب في القرآن إعرابًا لا يليق بالقرآن، وغير ذلك.
ولما مات رثاه بعضهم بأبيات.
ولد الزمخشري بزمخشر، يوم الأربعاء سابع عشرين رجب، سنة سبع وستين وأربع مئة.
стр. 1011
وتوفي ليلة عرفة، بجرجانية خوارزم، بعد رجوعه من مكة، سنة ثمان وثلاثين وخمس مئة، عفا الله عنه.
٥١٤ - محمود بن مسعود الشيرازي، المنعوت بالقطب (١).
كان فاضلًا في فنون من الحكمة، والفلسفة، والمنطق، وأصول الفقه، أخذ ذلك عن النصير خواجا الطوسي.
وصنَّف في فنون (٢)، وشرح "مختصر ابن الحاجب" في الأصول (٣).
وكان كريمًا، معظَّمًا عند ملوك التتار، وكان منطرحًا يقف في حلق المشعبذين، ويجلس فيها متهاونًا بالدِّين، محبًا للشراب.
قرأ عليه البدر الشَّشْتَري، وغيره.
وتوفي في رابع عشرين شهر رمضان، سنة عشر وسبع مئة.
والحرَمُ لا يعيذ عاصيًا، ولا فارًّا بدمٍ، ولا فارًّا بخزيه، ووصل إلى العُمُر إلى ثمانين سنة، ليتها كانت سنة.
стр. 1012
٥١٥ - محمود بن أبي سعيد بن محمود بن محمد ال طاوسي القزويني، المنعوت بالناصح، الفقيه الشافعي الصوفي (١).
سمع من أبي محمد ابن علوان، والقاضي أبي المحاسن يوسف بن رافع بن تميم، وأبي القاسم ابن خليفة الزنجاني.
وحَدَّث، سمع منه الشريف أبو العباس أحمد النقيب (٢) بالقاهرة، وغيره.
وشرح الحاوي الصغير تصنيف عبد الغفار (٣).
وكان يذكر أنه ابن اخت الإمام أبي القاسم عبد الكريم الرافعي.
ولد سنة ثمان وثمانين وخمس مئة.
وتوفي بالقاهرة، في خامس عشرين شهر ربيع الأول، سنة اثنتين وسبعين وست مئة، ودفن بباب النصر بمقابر الصوفية بالقاهرة.
٥١٦ - مسعود بن أحمد بن مسعود الحارثي، المنعوت بالسعد، يكنى أبا محمد، الفقيه الحنبلي الحافظ القاضي (٤).
стр. 1013
سمع الكثير، ورحل في طلب الحديث، وخرَّج التخاريج الحسنة، وكان متقنًا ثقة.
وتولَّى تدريس الحديث بالجامع الحاكمي، ودرَّس الفقه بالصالحية بالقاهرة، والجامع الطولوني.
وشرح جملة من "سنن أبي داود" شرحًا جيدًا، وقطعة من المقنع (١) في مذهبه، ولم يكمله، أتى فيه بنقول كثيرة ومباحث جليلة، ولو كَمُل لكان يُنْتَفع به انتفاعًا كثيرًا.
وتولَّى القضاء بالديار المصرية، فسار فيه سيرة مرضية، وكان فيه متيقظًا محتاطًا محترزًا، وقدَّم الفضلاء والنبلاء من كل طائفة.
وكان متمذهبًا بالمذهب المعروف؛ قال لي القاضي شمس الدين ابن القماح: تكلمت معه في ذلك، فقال: كلما يلزم القول بالجهة أقول به.
وحكى لي بعض أصحابنا أنه دخل المدرسة الكاملية ليجتمع بالشيخ تقي الدين ابن دقيق العيد، فلما رآه الشيخ قام، وقال: داعية، ولم يجتمع به.
ولم يكن من حارثيَّة.
توفي بالقاهرة، سحر الأربعاء رابع عشر ذي حجة، سنة إحدى عشرة وسبع مئة.
٥١٧ - مسعود بن سعيد بن يحيى الجيزي، المنعوت بالسعد، المعروف بابن الحمامية، الصوفي الأديب (٢).
سمع من الحافظ العطار، وصحب أبا الحسن الونائي من أصحاب أبي الحسن ابن الصباغ.
وكان شيخًا حسنًا، مليح المحاورة، حسن المحاضرة، يكتب الخط الحسن.
وكان واسع الصدر، كثير الاحتمال؛ حكى لي صاحبنا محمد بن الحسن المعروف بابن
стр. 1014
العجمي، قال: رأيته بإخميم، وقد دخل عليه ولده وأساء إساءة كثيرة عليه، وشتمه شتمًا قبيحًا، قال له: ما نصطلح؟ وكتب له ورقة بأربعين درهمًا، وقبَّل رأسه.
وكان قد صحب نائب السَّلطنة بدر الدين بيدرا، وصارت له عنده مكانة، وكبرت صورته، وصار له جاهٌ، ومع ذلك فكان متواضعًا.
رأيته بأُدْفُو، وسمعت كلامه، ولم يعلق بخاطري شيء من شعره.
وأنشدني شيخنا العلامة أثير الدين أبو حيان، أنشدني سعد الدين مسعود بدمياط لنفسه، قوله: شعر
علام ألام في حلو الشمائل … ويعذبُ في الهوى عذلُ العواذل
غزالٌ همت في غزلي لديه … إذا وافى بجفنيه يغازل
له وجه الغزالة حين يبدو … ضحىً من فوق غصن البان مائل
نبيُّ جمالِ حُسنٍ كم أقامت … له الألحاظ فينا من دلائل
وقوله:
إذا أنت قد لاحت لعينيك أنوار … فبشراك هذا القوم يا سعد والدَّار
فقف نفسًا بالجزع من أيمن الحمَى … لتقضى لباناتٌ هناك وأوطارُ
وانزل بحيِّ العامرية إنها … كريمة عُرب لا يُضام لها جار
لقد ملأتْ سمعي بطيب حديثها … كما ملئت عند التجلِّي أبصارُ
وكم قتلت من عاشقٍ ذي صبابة … وكم خجلت بالحسن يا صاح أقمار
توفي سنة تسع عشرة وسبع مئة بالجيزة، ودفن بها.
ومولده سنة سبع وثلاثين وست مئة ظنًّا بمصر، عفا الله عنه.
стр. 1015
٥١٨ - مسعود بن عبد العزيز بن المحسن بن الحسن بن عبد الرزاق (١).
هكذا ذكره ابن خلكان، وقال: إنه رأى ذلك بخط بعض الحفاظ المتقنين (٢).
وقال الحافظ ابن النجار: مسعود بن المحسن البغدادي أبو جعفر الشريف البياضي.
والبياضي نسبة إلى البياض، لُقّب به جده؛ لأنه كان في مجلس بعض الخلفاء، وكانوا قد لبسوا سوادًا ما عداه فإنه لبس بياضًا، فقال الخليفة: مَن ذلك البياضي، فثبت الاسم عليه.
وكان شاعرًا مجيدًا، شعره حسن الديباجة (٣).
روى عنه أبو نصر ابن المحلي، وأبو غالب الذهلي، والحسين بن محمد البارع، وأبو القاسم ابن السمرقندي، وأبو سعد الزوزني، وغيرهم.
أورد له من شعره الحافظ أبو الفرج ابن الجوزي قوله: شعر
ليس لي صاحب يعين على الليل … إذا طال بالصُّدود علينا
أنا أشكو بُعْدَ الحبيب إليه … وهو يشكو بعد الصَّباح إلينا
وقوله:
يا من لبستُ بهجره ثوبَ الضَّنى … حتى خفيتُ به عن العواد
стр. 1016
وأنِسْت بالسَّهر الطويل وأُنْسيت … أجفان عيني كيف كان رقادي
وأورد ابن النجار له جملة كثيرة، منها قوله: شعر
يقولون لي إن كان سمعكَ عاشقًا … فما بال دمع العين في الخد جاريَا
فقلت لهم قد لمتُ طرفي فقال لي … أتمنعني أني أساعد جَاريا
وله:
ألا رُبَّ شخصٍ لا يحب لعاجلٍ … من الخير لكن خيفة الشرِّ بعده
كمثل مشيب المرء يهوى بقاءه … وإن كان مكروهًا ويكره فقده
وأورد من شعره أبو الحسن علي ابن سعيد قوله: شعر
ما لي أُعَلِّل نفسي بالوقوف على … منازلٍ دُرست منهم وأطلال
أأرتجي البرَّ منها وهي بالية … هيهات كيف يداوي باليًا بالي
من لي بكتمان ما ألقاه من حُرق … وظاهري معربٌ عن باطن الحال
ليهنَ قومًا أطاعوا فيَّ عاذِلَهم … إني على العهد في عصيان عُذَّالي
وله:
يا ليلةً بات فيها البدر معتنقي … إلى الصَّباح بلا خوفٍ ولا حذر
كلامه الدرُّ يغني عن كواكبها … ووجهه عوضٌ فيها عن القمر
ولم يكن عيبها إلا تقاصُرها … وأي عيبٍ لها أشنى من القِصَر
وددتُ لو أنها طالت عليَّ ولو … أمددتها بسواد القلب والبصر
وله أيضًا:
стр. 1017
إن غاضَ دمعك والرِّكابُ تساقُ … مع ما بقلبك فهو منك نفاقُ
لا تحبسنّ ماء الجفون فإنَّه … لك يا لديغَ هواهم تُريَاقُ
واحذر مصاحبة العذول فإنه … مغرىً وظاهر عذله إشفاق
لا يبعدنْ زمن مضت أيامُه … وعلى متون غصونها أوراق
أيام نرْجسنا العيون ووردُنا … الغض الخدُود وخمرنا الأرياقُ
ولنا بزوراء العراق مواسمٌ … كانت تقام لطيبها أسواقُ
وله:
يا ملبسًا جِسمي النحول وسالبًا عيني الوسَن
القلبُ رهنٌ في يديك فما تريد من البدن
حرمٌ على عيني الرقاد فإنها رأس الفتن
لو لم تكن نظرَت إليك سَلِمت من نوب الزمن
توفي يوم الثلاثاء، سادس عشر ذي القعدة، سنة ثمان وستين وأربع مئة، ﵀.
٥١٩ - مسعود بن ممدود الضرير (١).
شاعر، حدث بشيء من شعره.
وكتب عنه شيخنا أثير الدين، وقال: لقيته بسَنْهور وهو بصيرٌ، ثم أضرَّ.
قال: وأنشدني لنفسه قوله هذه الأبيات: شعر
إن أنكرتْ مقلتاكَ سفك دمي … فورد خدَّيْك لي به شاهد
стр. 1018
يخرجه ناظري ويشهدُ لي … أليس ظلمًا تجريحي الشَّاهد
بحرٌ على باب جوده أمم … من صادرٍ عن نداهُ أو وارد
أطاعك الخافقان تِهْ بهما … قلبي المعنَّى وقرْطك المائد
فداخلٌ مرتَجيه مبتهجٌ … وخارجٌ شاكرٌ لهُ حامد
وقوله:
يا من له عندنا أيادي … تعجز عن وصفها الأيادي
فيكَ رجاءٌ وفيك يأسٌ … كالحرِّ والبرد في الزناد
وإن تُنادي لكشف ضرٍّ … سبقْتَ في كشفه المنادي
وقال يمدح شيخنا أثير الدين، وأنشدنيها الشيخ عنه، وهو قوله: شعر
الناسُ عينٌ وأهل النَّحو أسودها … له الإمام أبو حيَّان إنسانُ
أهل الفضائل لو قيسُوا بسُؤدَده … لكان أكثر منهم وهو إنسان
انظر إلى وجهه أو راحتيه تجد … محاسنًا ملؤها حُسْنٌ وإحسانُ
ذو بهجةٍ يخجل الأبصار لألاؤها … ولهجةٍ دونها قس وسحبان
بحرٌ وفي كل بحرٍ من جواهره … جواهرٌ ويواقيتٌ وعقيان
فقل لرائيه حقِّق ما سمعت به … واعلم يقينًا بأن الحقَّ غرثان
في جنة الخلد تشبيهٌ بمجلسه … ومن أحاديثه روحٌ وريحان
فيه إشاراتُ صدقي غير خافيةٍ … ولي بإيضاح نجم الدين برهان
стр. 1019
ليُحسَدَنَّ زمانًا أنت فيه على … ما نال منكَ من التشريف أزمان
توفي سنة ست وتسعين وست مئة.
في ما أخبر ابنه الأديب الضرير ابن مسعود السنهوري (١)، عفا الله عنه.
٥٢٠ - مُسَلَّمٌ بن عنتر البرقي (٢).
الشيخ الزاهد، صاحب كرامات.
أخبرني بعض مشايخنا أن الملك الظاهر أراد أن يمتحنه، فعمل سماطًا، وذبح فيه ذبائح، وبعضها ميتة، وأحضره وأصحابه، فقال الشيخ: أنا الخادم اليوم، وقام ورتَّب السماط، وميَّز الذبيحة من الميتة، وكانت قد عُلِّمت بعلامة.
وأخبرني الشيخ منتصر أنه قدم نقاده مقابلة قوص، وأرسل يسأل الشيخ مجد الدين القشيري عن ستين مسألة.
وصحبه جماعة من أهل الجهل وقطاع الطريق، فانتفعوا به وظهرت بركته عليهم.
وله أصحاب موجودون مطاوعة، وفيهم من ظهرت عليه الكرامات.
توفي بالقرافة، ليلة خامس ربيع الأول، سنة ثلاث وسبعين (٣) وست مئة، وقبره بالقرافة يزار.
стр. 1020
٥٢١ - مظفر بن إبراهيم بن جماعة بن علي بن شامي بن أحمد بن ناهض بن عبد الرزاق العسقلاني الأصل، المصري المولد، أبو العز الضرير، العروضي الشاعر، المنعوت بالموفق العيلاني بالعين المهملة (١).
سمع الحديث من أبي القاسم عبد الرحمن بن محمد بن حسين السبتي، وأبي الفتح محمود بن محمد الصابوني، وأبي الطاهر إسماعيل بن صالح بن ياسين، وأبي القاسم هبة الله بن علي بن ثابت، وغيرهم.
سمع منه الحافظ المنذري.
وله نظم جيد، مدح جماعة من الملوك والوزراء والأعيان.
وصنَّف في العروض تصانيف.
قال المنذري: أنشدني لنفسه قوله: شعر
لي مدمعٌ وصَبِي به … من فيضه وصَبيبهِ
وجوىً غدا ولهي به … من وَقْده ولهيبه
قل للذي أسري به … ومع الدُّجى أسري به
يا من على تهذيبه … عذَّالُنا تهذِي به
صلْ مُذنفًا تجري به … بلواهُ في تَجرِيبِه