← Фикх общий

Фикх общий · id 30064

موسوعة أحكام الصلوات الخمس

دبيان الدبيان

Полный текст (10 314 стр.). Показаны 10011–10050 · переход к 10016.

стр. 10011

الشرط الرابع أن يقصد جهة معينة تبيح القصر المدخل إلى المسألة: الضرب في الأرض عبارة عن سير يصير به الإنسان مسافرًا، لا مطلق السير. شرط القصر: الخروج بنية قطع مسافة يقصر في مثلها الصلاة. الهائم إذا عزم على قطع مسافة تبيح القصر من حين خروجه أو من نيته فله الترخص. لا يقصر الهائم والراعي وطالب الآبق والشارد إلا إن علموا قطع مسافة القصر قبل بلوغ غايتهم. لو طاف رجل الدنيا من غير قصد إلى قطع مسافة تبيح القصر لم يقصر. [م-١١١٧] الهائم على وجهه في الأرض، ويسميه بعض الفقهاء راكب التعاسيف، فهما عبارتان عن شيء واحد. وقيل: الهائم: الضائع، وراكب التعاسيف: من لا قصد له معلوم (١). وقيل: الهائم: وهو الذي لا يدري أين يتوجه، وإن سلك طريقًا، وراكب التعاسيف: وهو الذي لا يدري أين يتوجه ولا يسلك طريقًا، وكلاهما مشتركان في أنهما لا يقصدان مقصدًا معلومًا (٢). يقال: هو يركب التعاسيف: إذا لم يسلك الطريق المستقيم (٣). وقد اختلف الفقهاء في ترخص الهائم: فاشترط المالكية والشافعية والحنابلة في الأصح أن يربط سفره بمقصد معلوم

стр. 10012

فلو خرج هائمًا على وجهه لم يترخص (١). والمعنى: أن يقصد مسافة تبيح القصر. قال مالك: «فيمن طلب حاجة على بريدين، فقيل له: هي بين يديك على بريدين، فلم يزل كذلك حتى سار مسيرة أيام وليال: إنه يتم الصلاة ولا يقصر، فإذا أراد الرجعة إلى بلده قصر الصلاة إذا كان بينه وبين بلده أربعة برد فصاعدًا» (٢). واشترط الحنفية أن يقصد مسيرة ثلاثة أيام بلياليها (٣). جاء في البحر الرائق: «أن يقصد مسيرة ثلاثة أيام، فلو طاف الدنيا من غير قصد إلى قطع مسيرة ثلاثة أيام لا يترخص» (٤). وجاء في خزانة المفتين: «لو طاف جميع العالم، بلا قصد سير ثلاثة أيام لا يصير مسافرًا» (٥). وصرح القدوري في التجريد صحة القصر لمن سافر ابتداء لغير غرض إذا قصد مسافة ثلاثة أيام، وهي المسافة التي يقصر فيها الصلاة عندهم (٦). وقال ابن شاس: «والمراد بالسفر، ربط القصد بمقصد معلوم، فالهائم لا يترخص» (٧). وقال الغزالي: «والسفر: هو الانتقال من موضع الإقامة مع ربط القصد بمقصد معلوم، فالهائم وراكب التعاسيف ليس له الترخص: وهو الذي لا يقصد موضعًا معينًا» (٨).

стр. 10013

وعلل المالكية والشافعية المنع: بأنه لما خرج لا يدري، أهو في سفر طويل أم قصير (١). قال خليل: «فسره ابن راشد وشيخنا بالذي لا يعزم على مسافة معلومة. قال شيخنا: كالفقراء المجردين، فإنهم يخرجون على غير موضع معلوم، وحيث طابت لهم بلدة أقاموا بها» (٢). وقال إمام الحرمين: «ولو أنه خرج لردِّ عبد آبق، أو طلب غريم، وكان لا يدري أنه يُدرك على القرب أو على البعد خصمَه، فحكمه حكم الهائم في بعض السفر؛ لأنه ليس له مقصد معيّن، ولا نحكم عليه بأنه في سفر طويل أو قصير، والقصرُ الذي نحن فيه مختص بالسفر الطويل» (٣). وقيل: الهائم إذا بلغ مسافة قصر يقصر، وهو وجه عند الحنابلة في مقابل الأصح (٤). جاء في المبدع: «لا بد من الجزم ببلوغ المسافة، فلو علم صاحبه في بلد بعيد، ونوى إن وجده قبله لم يقصر، وقيل: إن بلغ مسافة قصر قصر، وكذا سائح وتائه» (٥). وجه القول بأن له الترخص: الكتاب العزيز لم يشترط إلا الضرب في الأرض، والهائم يضرب في الأرض، ولأنه لا يشترط في الترخص أن يكون السفر قربة، ولا أن يربط خروجه لغرض، فالسير على وجهه في الأرض من السياحة المباحة، ﴿قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ﴾ [الأنعام: ١١]. فإن كان منع الهائم على وجهه من القصر معللًا بأن الهائم لا يدري أسفره طويل أم قصير، كما ذكر المالكية والشافعية، فهذا يمكن أن يمنع من القصر حتى يتحقق أنه قطع من المسافة ما يصير به مسافرًا؛ ثمانية وأربعين ميلًا فأكثر على مذهب الجمهور، ومسيرة ثلاثة أيام على مذهب الحنفية، فقبل أن يقطع مسافة يباح

стр. 10014

له فيها الترخص لا يحق له الترخص؛ لأنه لم يقصد مسافة يباح له فيها الترخص حتى يباح له القصر بمجرد مفارقة عمران القرية. ولأنه إذا عزم على الرجوع فالمسافة المتبقية عليه تبيح له الترخص، فكذلك المسافة التي قطعها. ولأن الحكمة من قصر المسافر هو المشقة، والهائم إذا قطع تلك المسافة التي تبيح القصر فإن المشقة تلحقه. والفرق بين الهائم وغيره: أن الهائم لا يباح له الترخص بمجرد مفارقة العمران حتى يتحقق من قطع تلك المسافة التي تبيح القصر، بخلاف غير الهائم فإنه لما قصد مسافة القصر أبيح له القصر من حين مفارقة العمران، فإذا كانت نية قطع المسافة تبيح له الترخص فمن باب أولى أن يكون قطع المسافة حقيقة تبيح الترخص؛ لأنها أبلغ من مجرد نية قطع المسافة؛ لأن نية قطع المسافة مظنة القطع، فقد يقطع المسافة، وقد يعرض له مانع يمنعه من إكمال سيره فيدخلها الفسخ بخلاف الهائم إذا تحقق له قطع مسافة القصر، فلا يدخلها الفسخ. ولهذا قال الإمام إسحاق: «إذا خرج في طلب غريم له أو ما أشبهه فإنه لا يقصر الصلاة حتى يكون سفره أربعة برد وهو ستة عشر فرسخًا» (١). فهذا لم يقصد مسافة تقصر فيها الصلاة، ومع ذلك لما تحقق من قطع مسافة القصر أباح الإمام إسحاق له القصر، فكذلك الهائم وطالب الشارد ونحوهما. ويرد على هذا: بأن الجمهور لا يبيحون الترخص إلا إذا عزم من أول خروجه على قصد مسافة يحق له فيها الترخص، فما دام أن انتقاله من مكان إلى مكان ليس مرتبطًا بهذا العزم، لم يتحقق له السفر، ولم يُبْنَ بعضُ سيره على بعض. قال الكاساني: «لأن الإنسان قد يخرج من مصره إلى موضع لإصلاح الضيعة ثم تبدو له حاجة أخرى إلى المجاوزة عنه إلى موضع آخر ليس بينهما مدة سفر ثم وثم

стр. 10015

إلى أن يقطع مسافة بعيدة أكثر من مدة السفر لا لقصد السفر فلا بد من النية للتمييز» (١). فلو كان في نية الهائم من حين خروجه ألا يرجع إلى موضع إقامته إلا وقد قطع أكثر من المسافة التي يباح له فيها القصر، فإن له القصر؟ وقد نص على ذلك المالكية. جاء في تحبير المختصر: «كل واحد من الهائم والراعي لا يقصر إلا إذا علم قطع المسافة قبل منتهى سفره. يريد: وقد عزم عليه عند خروجه» (٢). فهذا هو المقصود من منع الهائم من القصر، والله أعلم. وقال المالكية في طالب الآبق لا يقصر إلا أن يعلم قطع المسافة دونه، والهائم مثله (٣). ولو كان المطلوب مطلق الضرب في الأرض لاعتبرت مسافة الرجوع؛ لإباحة الترخص، فلما لم يجمع للمسافر مجموع ما يطرقه ذهابًا وإيابًا علم أن المطلوب للترخص أن يقصد ذهابًا مسافة يباح في مثلها القصر، وأن يعزم على ذلك من حين خروجه. والله أعلم. الراجح: الوجه المرجوح عند الحنابلة فيه قوة؛ إلا أن ما اتفق عليه الأئمة الأربعة أكثر اطمئنانًا للنفس من جهة العمل، وإذا تردد الإنسان في إباحة القصر، فالأصل الإتمام، والقصر ليس بواجب فالإتمام فيه احتياط، والله أعلم.

стр. 10016

الشرط الخامس أن يفارق عمران القرية المدخل إلى المسألة: السفر مأخوذ من السفور، وهو الظهور، قال تعالى: ﴿وَالصُّبْحِ إِذَا أَسْفَرَ﴾ أي: ظهر وتبين وأضاء، فما لم يظهر من بلده فهو مقيم. قال تعالى: ﴿وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾، ولا يكون ضاربًا في الأرض حتى يفارق عامر قريته. الإقامة هي الأصل، ولا يحكم له بالانتقال عنها إلا إذا فارق البنيان بنية السفر. الإقامة والسفر أحكامهما مختلفة، فحيث وجد الحضر شرع الإتمام وحيث وجد السفر شرع القصر. عرف السفر لغة: بأنه قطع المسافة، فالسفر فعل، وشرطه: مفارقة العمران بنية السفر. المقيم في ناحية من المصر يكون مقيمًا في جميع نواحيه حتى يخرج منه بنية السفر. الإقامة ضد السفر، وإذا كانت الإقامة تعني بقاءه في المصر حقيقة أو حكمًا، فالسفر يعني مفارقة المصر بنية السفر. [م-١١١٨] إذا فارق الرجل عامر القرية التي منها خرج فله القصر في قول عامة الأمة إلا خلافًا شاذًّا عن مجاهد، وإذا عاد من سفره صلى صلاة مسافر ما لم يدخل مصره (١).

стр. 10017

واختلفوا في القصر قبل مفارقة العمران: فقيل: لا يقصر، وهو مذهب الأئمة الأربعة، وبه قال الإمام الأوزاعي وإسحاق وأبو ثور وغيرهم (١). جاء في تحفة الفقهاء: «إذا نوى مدة السفر لا يثبت حكم السفر ما لم يخرج من

стр. 10018

العمران، ولا يصير مسافرًا بمجرد النية؛ لأن مجرد العزم معفو ما لم يتصل بالفعل» (١). قال ابن عبد البر: وهو مذهب جماعة العلماء إلا من شذ. وجاء في موطأ مالك: «لا يقصر الذي يريد السفر الصلاة، حتى يخرج من بيوت القرية، ولا يتم حتى يدخل أول بيوت القرية أو يقارب ذلك» (٢). وقيل: إذا عزم على السفر قصر الصلاة، ولو كان في منزله، وبه قال الحارث بن أبي ربيعة، والأسود بن يزيد، وغير واحد من أصحاب عبد الله (٣). وقال عطاء: «إذا خرج الرجل حاجًّا، فلم يخرج من بيوت القرية حتى حضرت الصلاة، فإن شاء قصر، وإن شاء أوفى، وما سمعت في ذلك بشيء» (٤). وإنما قصره عطاء على خروج الحاج؛ لأنه لا يرى القصر إلا في سفر الطاعة: الجهاد أو النسك. وقد بين عطاء أنه قال ذلك برأيه، وليس ذلك عن سنة أو أثر. وقال سليمان بن موسى: «إذا خرج الرجل من بيته ذاهبًا لوجهه، فلم يخرج من القرية حتى حانت الصلاة فليقصرها، وكذلك إذا دخل القرية راجعًا من سفره، ثم حانت الصلاة فليقصرها حتى يدخل بيته» (٥). وقال مجاهد: إذا خرج نهارًا فلا يقصر إلى الليل، وإن خرج ليلًا فلا يقصر إلى النهار (٦). قال النووي: «فهذان المذهبان -يعني مذهب عطاء ومجاهد- فاسدان، فمذهب مجاهد منابذ للأحاديث الصحيحة في قصر النبي ﷺ بذي الحليفة حين خرج من المدينة، ومذهب عطاء وموافقيه منابذ لاسم السفر» (٧).

стр. 10019

فتلخص لنا من هذا أن الأقوال أربعة: قيل: لا يقصر إلا إذا جاوز عمران القرية التي خرج منها، وهو مذهب عامة الفقهاء. وقيل: إذا عزم على السفر فله القصر، وهو في منزله، وهو منسوب للحارث بن أبي ربيعة، والأسود بن يزيد. وقيل: إذا جاوز حيطان بيته قصر، وهو قول عطاء. وقيل: إذا سافر نهارًا فلا يقصر حتى يدخل الليل، وإن سافر بالليل لم يقصر حتى يدخل النهار، وهو قول مجاهد. دليل من قال: يقصر بمجرد مفارقة عمران القرية: الدليل الأول: قال الله تعالى: ﴿وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ﴾ [النساء: ١٠١]. ولا يكون ضاربًا في الأرض حتى يفارق عامر قريته. الدليل الثاني: السفر مأخوذ من السفور، وهو الظهور، قال تعالى: ﴿وَالصُّبْحِ إِذَا أَسْفَرَ﴾ أي ظهر وتبين وأضاء، فما لم يظهر من بلده فهو مقيم. الدليل الثالث: (ح-٣٤٦٢) ما رواه البخاري ومسلم من طريق أيوب، عن أبي قلابة، عن أنس ﵁ قال: صلى النبي ﷺ بالمدينة الظهر أربعًا، والعصر بذي الحليفة ركعتين (١). فكشف هذا الحديث متى يشرع المسافر بالترخص، فالنبي ﷺ صلى الظهر بالمدينة، وهو عازم على السفر إلى مكة، فلم يقصر، وصلى العصر ركعتين في ذي الحليفة بعد أن فارق المدينة. وهذا الحديث المتفق عليه يبين أن النبي ﷺ كان قد تجهز للرحيل قبل صلاة

стр. 10020

الظهر؛ لأن الاستعداد للسفر على الرواحل خاصة إذا كانوا أمة من الناس يحتاج وقتًا، فإذا كان قد صلى العصر بذي الحليفة فهذا يعني أن الرواحل قد شد عليها حملها قبل صلاة الظهر، ومع ذلك لم يقصر صلاة الظهر. الدليل الرابع: (ح-٣٤٦٣) روى الإمام مسلم، حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، ومحمد بن بشار، كلاهما عن غندر (محمد بن جعفر)، عن شعبة، عن يحيى بن يزيد الهنائي، قال: سألت أنس بن مالك عن قصر الصلاة فقال: كان رسول الله ﷺ إذا خرج مسيرة ثلاثة أميال، أو ثلاثة فراسخ - شعبة الشاك- صلى ركعتين (١). ورواه أحمد، قال: حدثنا محمد بن جعفر به، ولفظه، قال: سألت أنس بن مالك عن قصر الصلاة، قال: كنت أخرج إلى الكوفة، فأصلي ركعتين حتى أرجع، وقال أنس: كان رسول الله ﷺ إذا خرج مسيرة ثلاثة أميال، أو ثلاثة فراسخ -شعبة الشاك- صلى ركعتين (٢). ورواه البيهقي من طريق محمد بن بشار العبدي، قال: حدثنا محمد بن جعفر به، ولفظه: عن يحيى بن يزيد الهنائي قال: سألت أنس بن مالك عن قصر الصلاة -وكنت أخرج إلى الكوفة فأصلى ركعتين حتى أرجع- فقال أنس: كان رسول الله ﷺ إذا خرج مسيرة ثلاثة أميال أو ثلاثة فراسخ - شك شعبة - قصر الصلاة. وقد حمل بعضهم الحديث على أن المراد به المسافة التي يبتدئ منها القصر، لا غاية السفر، ويؤيد ذلك رواية الإمام أحمد والبيهقي فقد ذكر يحيى بن يزيد الهنائي أنه يخرج من البصرة إلى الكوفة وهو قريبة من المسافة بين مكة والمدينة. الدليل الخامس: قال الماوردي: لما وجب عليه الإتمام إذا دخل بنيان بلده عند قدومه من سفره إجماعًا، وجب أن لا يجوز له القصر في ابتداء خروجه قبل مفارقة بنيان بلده (٣).

стр. 10021

الدليل السادس، من الآثار: (ث-٩٤٣) روى مالك عن نافع أن عبد الله بن عمر كان إذا خرج حاجًّا أو معتمرًا قصر الصلاة بذي الحليفة. [صحيح] (١). (ث-٩٤٤) وروى عبد الرزاق عن عبد الله بن عمر، عن نافع، عن ابن عمر أنه كان يقصر الصلاة حين يخرج من بيوت المدينة، ويقصر إذا رجع حتى يدخل بيوتها. [عبد الله بن عمر في حفظه شيء]. فإن كان قد حفظه فالتوفيق بينه وبين ما نقله الإمام مالك بما ذكره ابن عبد البر، قال: «كان ابن عمر يتبرك بالمواضع التي كان رسول الله ﷺ ينزلها للصلاة وغيرها، وكان يمتثل فعله بكل ما يمكنه لما علم أن رسول الله ﷺ قصر الصلاة بذي الحليفة (صلاة العصر) في حين خروجه من المدينة إلى مكة فكان هو متى خرج من المدينة إلى مكة لم يقصر الصلاة إلا بذي الحليفة .... وأما سفر ابن عمر في غير الحج والعمرة فكان يقصر الصلاة إذا خرج من بيوت المدينة» (٢). (ث-٩٤٥) وروى عبد الرزاق في مصنفه، عن الثوري عن داود، عن أبي حرب بن أبي الأسود الديلي، أن عليًّا لما خرج إلى البصرة رأى خُصًّا، فقال: لولا هذا الخصُّ لصلينا ركعتين. فقلت: ما خُصًّا؟ قال: بيت من قصب. وفي رواية ابن علية عن داود به، قال: لو كنت جاوزت هذا الخُصَّ لم أزد على ركعتين، ورواه عبد الوهاب عن داود بنحوه.

стр. 10022

[رجاله ثقات إلا أنه مرسل أبو حرب لم يسمع من علي] (١). وقال البخاري: «وخرج علي ﵇ فقصر، وهو يرى البيوت، فلما رجع قيل له: هذه الكوفة! قال: لا حتى ندخلها، رواه البخاري تعليقًا مجزومًا به» (٢). [حسن] (٣). (ث-٩٤٦) وروى الطبري، حدثني سلم بن جنادة، حدثنا أبو معاوية، عن الأعمش عن مسلم عن مسروق قال: قال عبد الله: لا تغتروا بسوادكم هذه فإن ضيعة الرجل وأهله شيء واحد إلا أن يكون مجتازًا.

стр. 10023

[صحيح] (١). فألحق ابن مسعود المزارع بحكم البلد إلا أن يكون مجتازًا. الدليل السادس: أن المقيم في ناحية من المصر يكون مقيمًا في جميع نواحيه، فإذا خرج من أهله على قصد السفر لا يصير مسافرًا ما لم ينفصل من عمران المصر. ولأن السفر فعل، فلا يوجد بمجرد النية فيشترط اقتران النية بالفعل، ولا يتحقق الفعل إلا بمجاوزة العمران. ولأن المسافر إذا تردد هل هو مسافر أو مقيم، الأصل بقاء الإقامة حتى نتيقن أنه مسافر، ولا يقين إذا فارق البلد؛ لأنه موضع الإقامة. دليل من قال: إذا عزم على السفر قصر ولو كان في بيته: الدليل الأول: قال تعالى: ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ [البقرة: ١٨٤]. وجه الاستدلال: أن قوله: (على سفر) يشمل من تأهب للسفر، ولما يخرج. والعجيب أن القرطبي قال: هو مقتضى الآية مع نقله الإجماع على خلافه، قال في تفسيره في الصفحة نفسها: «ولا خلاف بينهم أيضًا في الذي يؤمل السفر أنه لا يجوز له أن يفطر قبل أن يخرج» (٢).

стр. 10024

فإن أفطر فحكى الخلاف عن أصحاب الإمام مالك: فقيل: لا شيء عليه، فإن عاقه عن السفر عائق كان عليه الكفارة، وحسبه أن ينجو إن سافر، وهذا قول ابن حبيب وأصبغ وابن الماجشون. وقيل: ليس عليه إلا قضاء يوم؛ لأنه متأول في فطره، رواه عيسى عن ابن القاسم. وقال أشهب: «ليس عليه شي من الكفارة سافر أو لم يسافر». وقال سحنون: «عليه الكفارة سافر، أو لم يسافر» (١). والذي يظهر لي أن القرطبي حين نقل عن بعض أصحابه أنه قال: لا شيء عليه، لا يقصد أنه يجوز له الفطر كما فهم ذلك بعض أهل العلم؛ لأن حكايته بأنه لا يجوز الفطر إجماعًا يجعل النفي متوجهًا للكفارة؛ لأن المالكية يرون أن من أفطر متعمدًا فعليه الكفارة زيادة على وجوب القضاء. وهل يفهم من الآية في قوله: (على سفر) المتأهب؟ لا يظهر لي ذلك، ولذلك لم يفهم جل المفسرين هذا المعنى من الآية، إلا ما أشار إليه القرطبي، وقد نقل الإجماع على أنه لا يجوز له الفطر قبل أن يخرج، ولماذا عبر بقوله: (على سفر)؟ يحتمل أن هذا من باب نيابة حروف الجر بعضها عن بعض، وأن حرف (على) قد يأتي بمعنى (في) إذا صح المعنى، فيكون المعنى فمن كان منكم مريضًا أو في سفر. وهذا له أمثلة في الكتاب العزيز، قال تعالى: ﴿قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ﴾ [الأنعام: ١١]، أي سيروا على الأرض، وقال تعالى: ﴿وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ﴾ [طه: ٧١]، أي على جذوع النخل، وقال تعالى: ﴿وَنَصَرْنَاهُ مِنَ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآَيَاتِنَا﴾ [الأنبياء: ٧٧]: أي على القوم، وقال تعالى: ﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ﴾ [هود: ٦]، والدابة تكون على الأرض؛ لأنها مفسّرة بما يدبّ على الأرض، وقال تعالى: ﴿فَسِيحُوا فِي الْأَرْضِ﴾ [التوبة: ٢]، أي على الأرض، وهكذا، قال ابن مالك في ألفيته: عَلَى لِلِاسْتِعْلَا، وَمَعْنَى فِي، وَعَنْ ....... فجعل من معاني حرف (على) أن يأتي بمعنى (في).

стр. 10025

ويحتمل أن قوله على (سفر) ليشمل المسافر إذا جدَّ به السير، والمسافر في حال إقامته إذا لم تقطع إقامته في البلاد حكم السفر، فإذا وصل إلى بعض البلاد، وأقام بها مدة لينجز مصلحة ثم يرجع، فإنه يصدق عليه أنه على سفر، وإن لم يكن في سفر، والله أعلم. الدليل الثاني: (ح-٣٤٦٤) ما رواه الإمام أحمد، من طريق سعيد بن أبي أيوب، قال: حدثني يزيد بن أبي حبيب، أن كليب بن ذهل أخبره، عن عبيد -يعني ابن جبر- قال: ركبت مع أبي بصرة الغفاري صاحب رسول الله ﷺ في سفينة من الفسطاط في رمضان، ثم قرب غداءه، ثم قال: اقترب، فقلت: ألست بين البيوت؟ فقال أبو بصرة: أرغبت عن سنة رسول الله ﷺ . [ضعيف] (١). ويناقش: بأن الحديث محمول على رؤية البيوت، ومفارقة العمران لا يشترط له ألا يرى البيوت، بل المطلوب مجاوزتها، والغالب أن راكب السفينة يفارق عمران القرية بمجرد تحرك السفينة إذا كان في سيره في البحر يترك البلد خلف ظهره، وأما إذا كانت المدينة عن يمينه أو عن شماله فقد يحتاج إلى وقت حتى يتجاوز

стр. 10026

العمران، والله أعلم. الدليل الثالث: (ح-٣٤٦٥) ما رواه الترمذي، قال: حدثنا قتيبة قال: حدثنا عبد الله بن جعفر، عن زيد بن أسلم، عن محمد بن المنكدر، عن محمد بن كعب، أنه قال: أتيت أنس بن مالك في رمضان وهو يريد سفرًا، وقد رُحِلَتْ له راحلته، ولبس ثياب السفر، فدعا بطعام فأكل، فقلت له: سنة؟ قال: سنة، ثم ركب. ورواه الترمذي من طريق سعيد بن أبي مريم، قال: حدثنا محمد بن جعفر، قال: حدثني زيد بن أسلم قال: حدثني محمد بن المنكدر، عن محمد بن كعب، قال: أتيت أنس بن مالك في رمضان، فذكر نحوه. [رجاله ثقات من طريق محمد بن جعفر، وضعيف من طريق عبد الله بن جعفر] (١).

стр. 10027

ويجاب: تفرد به محمد بن كعب، عن أنس، وهو وإن كان ثقة، إلا أنه مقلٌّ عن أنس، وصل إلينا من أحاديثه عن أنس خمسة أحاديث، وأين أصحاب أنس، المكثرين عنه عن مثل هذا الحديث كثابت، والزهري وقتادة، وعبد العزيز بن صهيب، وحميد، وغيرهم، وهذا الحديث أصل في الباب، لا يقبل مثله، والله أعلم، ولعل هذا ما جعل الترمذي يقول عن الحديث: هذا حديث حسن. اه والحسن عند الترمذي هو الحديث الضعيف الذي جاء من أكثر من وجه. ولعل ما جعل الترمذي يضعفه كونه مخالفًا لأحاديث القصر، فلم يثبت أن النبي ﷺ قصر، وهو مقيم؛ لمجرد العزم على السفر، فقد ثبت من حديث أنس أنه صلى الظهر أربعًا، وهو على أهبة السفر للحج، وصلى العصر في ذي الحليفة ركعتين في طريقه إلى مكة للحج، وهذا الحديث متفق عليه، وصح عن ابن عمر وعلي بن أبي طالب وغيرهما أنهم لا يقصرون حتى يتجاوزا عمران القرية، فهو أصح من حديث الفطر في رمضان قبل السفر، والقصر من سنن السفر الملازمة للسفر، لم يتركه النبي ﷺ قط في أسفاره بخلاف الفطر فهو رخصة، والصيام أفضل إلا لمن شق عليه، فكون النبي ﷺ لم ينقل أنه قصر حتى فارق العمران، فهذا دليل على أنه لا يشرع، وإذا لم يشرع القصر لم يشرع الفطر من باب أولى. وقد حاول إسحاق أن يفرق بين القصر والفطر، فأجاز الفطر إذا تأهب للسفر ومنع من القصر، وإذا امتنع القصر؛ لأنه ليس مسافرًا، امتنع الفطر للعلة نفسها. جاء في سنن الترمذي: «وقد ذهب بعض أهل العلم إلى هذا الحديث، وقالوا: للمسافر أن يفطر في بيته قبل أن يخرج، وليس له أن يقصر الصلاة حتى يخرج من جدار المدينة أو القرية، وهو قول إسحاق بن إبراهيم الحنظلي» (١).

стр. 10028

الدليل الرابع: أن الإقامة تحصل بالنية، فإذا نوى الإقامة صار مقيمًا، فكذلك إذا نوى السفر صار مسافرًا. وأجيب عن ذلك بوجهين: الوجه الأول: أن المسافر لا يكون مقيمًا بمجرد النية، بل كان معها الفعل الملائم لها، وهو اللبث والاستقرار، ولذلك قال الشافعية: لو نوى الإقامة في السفر، وهو سائر لم يؤثر؛ لأن سيره يكذب نيته (١). وحكاه النووي إجماعًا، قال: «وإذا نواها -أي: الإقامة- وهو سائر، فلا يصير مقيمًا بلا خلاف» (٢). الوجه الثاني: أن المسافر إذا وصل إلى وطنه صار مقيمًا، ولو لم ينو الإقامة، ولا يصير المسافر مسافرًا بالنية وحدها، وهو بالبلد حتى يقرن النية بالفعل، ويفارق العمران. دليل من قال: إذا جاوز حيطان بيته فله القصر: السفر فعل بنية الضرب في الأرض، فإذا شرع في الفعل مفارقًا منزله فقد شرع في السفر فله الترخص. الراجح: أن الرجل لا يحق له الترخص حتى يسافر، ولا يسافر حتى يفارق بلده، فما زال في البلد فهو في حكم الإقامة حتى يفارق عامر القرية، والله أعلم.

стр. 10029

الشرط السادس في اشتراط نية القصر المدخل إلى المسألة: شروط العبادة صفة فيها، لا تثبت إلا بنص أو إجماع، والأصل عدم الاشتراط. الأصل في صلاة السفر القصر؛ لأن النبي ﷺ لم يحفظ عنه أنه أتم في سفره مطلقًا، سواء أكان السفر طويلًا أم قصيرًا، وسواء أكان مقيمًا في أثنائه أم جادًّا في سيره. إذا لم يلزم المصلي نية الإتمام لم يلزمه نية القصر. نية القصر ليست جزءًا من نية الصلاة؛ فإذا نوى فرضه من ظهر أو عصر، أو عشاء صح فرضه، ولو لم ينو القصر. القصر والإتمام يتعلق بعدد الركعات، لا بكنه الفرض، واستحضار المصلي لعدد الركعات في نية الصلاة عند الإحرام ليس بشرط. إذا صحت نية الإتمام في أثناء الصلاة على الصحيح، مع تخلف نية الإتمام عن الإحرام صحت نية القصر كذلك. التخيير بين القصر والإتمام لا يجعل نية القصر شرطًا في القصر، بدليل أنه لو دخل بنية القصر فله أن يتم صلاته على الصحيح. خرج النبي ﷺ في حجة الوداع فصلى بهم الظهر بالمدينة أربعًا، وصلى بهم العصر بذي الحليفة ركعتين، وصلى خلفه أمم لا يحصي عددهم إلا الله، وكثير منهم لا يعرف صلاة السفر: إما لحدوث عهده بالإسلام، وإما لكونه لم يسافر بعد، لا سيما النساء، ولم يأمرهم بنية القصر. [م-١١١٩] اختلف النَّاس في قصر المسافر، هل تشترط له نية القصر؟ فقيل: نية القصر ليست بشرط، فلو دخل في الصلاة، ولم ينو القصر، فصلى ركعتين صحت صلاته، وهذا مذهب الحنفية، واختاره اللخمي من المالكية،

стр. 10030

والمغربي من الشافعية، ورواية عن أحمد رجحها أبو بكر الخلال وابن تيمية من الحنابلة، وبه قال ابن حزم (١). وقيل: نية القصر شرط عند تكبيرة الإحرام؛ لجواز القصر، فإن ترك نية القصر

стр. 10031

أو شك أنه نواه لزمه الإتمام، وهذا مذهب الشافعية، والحنابلة، وهو ظاهر نص المدونة، ونسبه كثير من المالكية للفقيه سند من أصحاب مالك (١). جاء في المدونة: «قلت: أرأيت مسافرًا افتتح الصلاة المكتوبة، ينوي أربع ركعات، فلما صلى ركعتين بدا له فسلم؟ قال: لا يجزئه في قول مالك. قلت: من أي وجه قلتَ لا يجزئه في قول مالك؟ قال: لأن صلاته على أول نيته» (٢). قال الشافعي: «وليس له أن يصلي ركعتين في السفر إلا أن ينوي القصر مع الإحرام، فإن أحرم، ولم ينو القصر، كان على أصل فرضه أربع» (٣). وجاء في المغني: «نية القصر شرط في جوازه، ويعتبر وجودها عند أول الصلاة، كنية الصلاة. وهذا قول الخرقي واختاره القاضي» (٤). وقال المزني: «نية القصر شرط، ولكن يجوز في أثناء الصلاة، حتى لو نوى القصر مع سلامه جاز» (٥).

стр. 10032

جاء في فتح العزيز: «وقال المزني: لا بد منها -يعني: نية القصر- لكن لا تجب في الابتداء، ويجوز أن ينوي القصر في الأثناء، ولو نوى الإتمام، ثم أراد القصر جاز» (١). وقال النووي: «قال المزني: لو نواه -يعني: القصر- في أثناء الصلاة، ولو قبل السلام جاز القصر» (٢). وقول المزني يؤول إلى القول بأن نية القصر ليست شرطًا؛ لأنه يتفق مع القول الأول بأن نية القصر ليست شرطًا عند تكبيرة الإحرام، ويختلف معهم أنه لو صلى قصرًا، وقد ذهل عن نية القصر في أثناء الصلاة لا تصح صلاته. وسبب الخلاف: ذكر المازري أن سبب الخلاف الاختلاف في حكم القصر، فمن قال: إن القصر فرض، لم يفتقر القصر إلى نية كالإتمام في الحضر، فإذا لم يلزمه نية الإتمام لم يلزمه نية القصر؛ ولأن المصلي لا يلزمه استحضار عدد ركعات الصلاة عند عقد النية، فإذا نوى الظهر صح فرضه قصرًا أو إتمامًا. ومن قال: القصر ليس بفرض، قال: من شرط جوازه أن ينويه عند عقد الإحرام (٣). وأحسن منه أن يقال: من قال: إن القصر هو الأصل في صلاة المسافر لم يلزمه نيته عند عقد الصلاة، ومن قال: الأصل الإتمام، حمل التحريم المطلق بالصلاة على أربع ركعات، وهذا أدق من قول المازري ﵀؛ لأن هناك من يرى القصر سنة، ويذهب إلى القول بأن نية القصر ليست شرطًا. دليل من قال: لا تشترط نية القصر: الدليل الأول: شروط العبادة صفة فيها، لا تثبت إلا بنص أو إجماع، ولا يوجد خطاب من الشارع ينص على اشتراط نية القصر عند تكبيرة الإحرام، ولم ينعقد الإجماع في حكم هذه المسألة، والأصل عدم الاشتراط.

стр. 10033

الدليل الثاني: خرج النبي ﷺ في حجة الوداع فصلى بهم الظهر بالمدينة أربعًا، وصلى بهم العصر بذي الحليفة ركعتين، وصلى خلفه أمم لا يحصي عددهم إلا الله، وكثير منهم لا يعرف صلاة السفر: إما لحدوث عهده بالإسلام، وإما لكونه لم يسافر بعد، لا سيما النساء، ولم يأمرهم بنية القصر، ولو كانت نية القصر شرطًا لأمرهم بذلك. الدليل الثالث: (ح-٣٤٦٦) ما رواه البخاري ومسلم من حديث ابن مسعود أن النبي ﷺ قال: إنه لو حدث في الصلاة شيء أنبأتكم به، ولكن إنما أنا بشر أنسى كما تنسون، فإذا نسيت فذكروني، وإذا شك أحدكم في صلاته فليتحر الصواب، فليتم عليه، ثم ليسجد سجدتين (١). وفي رواية لابن حبان، وفيه: ( … لو حدث في الصلاة شيء لأخبرتكم به، ولكن إنما أنا بشر، أنسى كما تنسون، فإذا نسيت فذكروني) (٢). وجه الاستدلال: قوله: (لو حدث في الصلاة شيء أنبأتكم به)، ولو كانت نية القصر شرطًا لقال لهم: لو قصرت لأمرتكم أن تنووا القصر (٣). الدليل الرابع: (ث-٩٤٧) روى الإمام مالك في الموطأ عن ابن شهاب، عن سالم بن عبد الله، عن أبيه، أن عمر بن الخطاب كان إذا قدم مكة صلى بهم ركعتين، ثم يقول: يا أهل مكة أتموا صلاتكم، فإنا قوم سفر (٤).

стр. 10034

[صحيح، وروي مرفوعًا ولا يصح] (١). وجه الاستدلال من الأثر: أن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب لم يخبرهم عند الدخول في الصلاة أنه يريد القصر، وقد صلى خلفه المقيم والمسافر، ولو كانت نية القصر شرطًا لنبه على ذلك كما نبه المقيمين على إتمام الصلاة بعد الانصراف. الدليل الخامس: (ح-٣٤٦٧) روى البخاري ومسلم من طريق مالك، عن صالح بن كيسان، عن عروة بن الزبير، عن عائشة أم المؤمنين قالت: فرض الله الصلاة حين فرضها، ركعتين ركعتين، في الحضر والسفر، فأقرت صلاة السفر، وزيد في صلاة الحضر. هذا لفظ البخاري، ولفظ مسلم: فرضت الصلاة ركعتين ركعتين .... بالبناء على ما لم يسم فاعله، وهذا لفظ مالك في الموطأ، وهو رواية الأكثر (٢). وجه الاستدلال: دل الحديث على أن الأصل في صلاة المسافر هو القصر، وإذا كان ذلك كذلك لم يفتقر القصر إلى نية خاصة، فنية الصلاة متضمنة له كنية الإتمام، وإذا لم يلزم المصلي نية الإتمام لم يلزمه نية القصر. الدليل السادس: نية القصر ليست جزءًا من نية الصلاة؛ فإذا نوى فرضه من ظهر أو عصر، أو عشاء صح فرضه، ولو لم ينو القصر؛ لأن القصر يتعلق بعدد الركعات، وتعرض المصلي لعدد ركعات الصلاة في أصل نيته عند الإحرام ليس بشرط كالإتمام، فكلاهما متعلق بعدد الركعات؛ لا بكنه الفرض.

стр. 10035

الدليل السابع: من دخل الصلاة بنية القصر، ثم نوى الإتمام في أثناء الصلاة صحت صلاته على قول جمهور أهل العلم خلافًا لأحد أقوال المالكية، وإذا صح ذلك مع أن نية الإتمام طارئة، والأصل في النية الحادثة في أثناء الصلاة أنها واقعة في غير موضع النية، صحت نية القصر إذا طرأت على الصلاة. ونوقش: قال إمام الحرمين: «المسافر وإن نوى القصرَ، فالإتمام ضمن نيته على أصلنا؛ فإن الأصل الإتمام، ونية القصر قصد إلى الترخص، والترخص مشعر بالتعرض للتمام، وكأنَّ تقديرَ النية فيه: إني أترخصُ، فأقصر إن لم يطرأ ما يقتضي الإتمام، فإن طرأ، فالإتمام جار على أصله» (١). ورد هذا من وجهين: الوجه الأول: لا نسلم أن الأصل في صلاة المسافر هو الإتمام، بل الأصل في صلاة المسافر هو القصر؛ لأنه لم يحفظ أن النبي ﷺ أتم في السفر مطلقًا، سواء أكان السفر طويلًا أم قصيرًا، وسواء أكان مقيمًا في أثنائه أم جادًّا في سيره، فمن أين يصح أن يقال: إن الأصل في صلاة المسافر الإتمام. وإذا جاز أن ينوي القصر في أول الصلاة، وينصرف منها على الإتمام، جاز العكس بجامع أن كلا الصلاتين تبعضت النية فيها بين الإتمام والقصر. قال العز بن عبد السلام: «إذا نوى المسافر القصر، ثم نوى الإتمام، فإن الركعتين الأولتين يجزئانه بالنية الأولى، والركعتان الأخريان يجزئانه بالنية الثانية؛ لأن المقصود بالنيتين تمييز رتبة الظهر عن غيرها، وقد تحقق ذلك بالنيتين» (٢). ولو خشي المصلي بالليل الصبح فدخل بنية أن يوتر بركعة، ثم تبين له أثناء الصلاة أن الوقت ما زال فزاد في وتره حتى صلى ثلاث ركعات صح الوتر، فصحت الركعة

стр. 10036

الأولى بالنية الأولى، وصح ما زاد على وتره بالنية الثانية في أثناء الصلاة، فإذا صحت الزيادة بالنية على ما نواه أولًا صح النقص بالنية على ما نواه، وإنما صحت العبادة بنية تقع في أثنائها؛ لأن الأمر يتعلق بعدد ركعات الصلاة، وهذا لا يغير من حقيقة الفرض. الوجه الثاني: من قال: إن نية القصر تتضمن نية الإتمام، فلو قيل العكس لكان أقرب؛ لأن الإتمام يتضمن القصر وزيادة، فمن نوى أربع ركعات دخلت الركعتان فيهما، بخلاف القصر فهو لا يتضمن الإتمام. قول إمام الحرمين بأن من نوى القصر فكأنه نوى القصر ما لم يطرأ ما يقتضي الإتمام، هذا التقدير لا يتصوره كثير ممن نوى القصر في الصلاة. دليل من قال: نية القصر شرط: الدليل الأول: الأصل في الصلاة الإتمام، وهو كون الصلاة أربع ركعات، فإذا أحرم بالصلاة تحريمًا مطلقًا انصرف إلى الأربع إلا أن ينوى القصر فينعقد على الرخصة. سبق مناقشة دعوى أن الأصل في الصلاة الإتمام. الدليل الثاني: لما كان المصلي مخيرًا أن يصلي الرباعية على الأصل: أربع ركعات، وبين أن يصليها قصرًا ركعتين باعتبار أن القصر ليس بفرض، كان من شرط جواز القصر أن ينويه عند عقد الإحرام، وإلا بقي على الإتمام. ويناقش: التخيير بين القصر والإتمام لا يجعل نية القصر شرطًا في القصر، بدليل أنه لو دخل بنية القصر فله أن يتم صلاته على الصحيح، مع تخلف نية الإتمام عن الإحرام، وتخيير المحرم بين التعجيل في يومين أو التأخير إلى الثالث عشر، لا يجعل نية التعجيل شرطًا في جوازه، فلو رمى اليوم الثاني عشر، وهو عازم على التأخير، ثم بدا له التعجيل بعد الرمي فله ذلك.

стр. 10037

الدليل الثالث: نية القصر نية واجبة للصلاة فلا يجوز تأخيرها عن الإحرام كنية الصلاة ونية الجمع. ونوقش: نية الجمع مختلف في اشتراطها، وقد بحثت هذه المسألة وبينت أن الجمع جائز، ولو حدث بعد الفراغ من الصلاة الأولى، فارجع إليها غير مأمور. وأما قياس نية القصر على نية الصلاة فلا يصح القياس؛ لأن نية الصلاة لتمييز العبادة عن العادة، وتمييز الفرض عن النفل، فلا يدخل في الصلاة إلا بنية، وهذا مجمع عليه، وأما القصر فهو لا يتعلق بتعيين الفرض، فهو يدخل ليصلي الظهر أو العصر، وإنما يتعلق بعدد الركعات، واستحضاره بأصل النية ليس بشرط، فكان القياس الصحيح أن تقاس نية القصر على نية الإتمام، فإذا كانت نية الإتمام ليست بشرط، فكذلك نية القصر. الراجح: أن القصر كالإتمام لا يشترط لجوازهما نية مع تكبيرة الإحرام؛ لأن الأصل في صلاة المسافر أن تكون ركعتين، كالأصل في صلاة المقيم أن تكون أربع ركعات، والله أعلم.

стр. 10038

الشرط السابع في اشتراط كون السفر منقطعًا المدخل إلى المسألة: المسافر ضد المقيم، والسفر خلاف الإقامة. لا يتصور السفر إلا بمفارقة الوطن محل الإقامة. من كان وطنه سفينته لم يتصور سفره؛ لملازمته محل إقامته. السفر ما جمع وصفين: وطن يفارقه ثم يرجع إليه، وغاية يقصدها قصدًا مؤقتًا بنية السفر في مسافة تبيح القصر، فإذا فقد أحدهما كالملاح والهائم لم يكن مسافرًا. إذا أفطر دائم السفر فقد فوت عليه الشهر بلا حاجة؛ لأنه سيقضيه في السفر، وإذا منع من الفطر منع من القصر. [م-١١٢٠] اختلف العلماء في السفر المبيح للقصر، هل يشترط كونه منقطعًا، فالمَلَّاح إذا كان وطنه سفينته، فهل يباح له القصر؟ في ذلك خلاف بين العلماء: فقيل: يقصر، وهو مذهب الجمهور من الحنفية، والمالكية، والشافعية، واستحب الشافعية له الإتمام (١).

стр. 10039

جاء في البحر الرائق نقلًا من المجتبى: «والملاح مسافر إلا عند الحسن وسفينته أيضًا ليست بوطن» (١). وقال النووي: «والملاح الذي معه أهله وماله ويديم السير في البحر والمكاري وغيرهم فكلهم لهم القصر» (٢). وقال الأوزاعي: «إذا كان فيها أهله وقراره يقصر إذا أكراها حتى ينتهي إلى حيث أكراها، فإذا انتهى أتم الصلاة» (٣). وقيل: الملاح إن كان له وطن أو منزل يأوي إليه قصر الصلاة، وإذا لم يكن له وطن، ولم ينو الإقامة ببلد، وكان معه أهله وتنوره وحاجته فإنه لا يقصر ولا يفطر، وهو المشهور في مذهب الإمام أحمد، وبه قال عطاء، والحسن البصري، والحسن بن صالح، واختاره شيخ الإسلام (٤). قال الإمام أحمد كما في مسائل أبي الفضل: «والملاح إذا كان معه أهله وبنوه أتم الصلاة، وإن لم يكن أهله معه قصر الصلاة، مثل الراعي، يروى عن الحسن وعطاء، قالا في الملاح: إذا كان معه أهله أتم الصلاة» (٥). وفي النكت على المحرر: «وأما إن كان للملاح ونحوه وطن أو منزل يأوون إليه في وقت ترخصوا بلا إشكال» (٦).

стр. 10040

فظاهر مذهب الإمام أحمد: أنه لا يقصر بشرطين: أحدهما: أن يكون معه أهله، فإن لم يكن أهله معه ترخص. الثاني: ألا يتخذ مكانًا وطنًا لإقامته يأوي إليه. فلو انتفى أحدهما لم يمنع من الترخص؛ قال في المبدع: لأن الشبه يعني بالمقيم لا يحصل حقيقة إلا بمجموع الأمرين (١). وقال القاضي أبو يعلى: لا يشترط أن يكون مع الملاح أهله؛ فإذا كان لا وطن له أشبه المقيم (٢). قال التنوخي: وليس بجيد؛ لأن الشبه لا يحصل حقيقة إلا بمجموع الأمرين (٣). وفي النكت على المحرر: وقال أبو المعالي بن منجا: شرط أبو الخطاب أن يكون معهم أهليهم، ولا نية لهم في المقام في مقام يقصدونه. وقال القاضي: ليس ذلك بشرط بل المعتبر ألا يكون له وطن يأوي إليه ويقصده. وهذا منه يوهم أن المسألة على وجهين. وقد يقال: ليس كذلك؛ لأن المراد من ذكر الأهل إذا كان له أهل؛ لأنه لا فرق بين السائحين المجردين الذين يتسمون بالفقراء العزاب الذين دأبهم السير في الأرض غير ناوين إقامة ببلد، وبين الملاح ونحوه الذين معهم أهلهم (٤). ولعل هذا أقرب، وهو معنى ما ذكره القاضي. دليل من قال: لا يقصر الملاح ونحوه: لا يتصور السفر إلا بمفارقة الوطن محل الإقامة، وهذا وطنه سفينته، معه أهله وتنوره، وبالتالي من لا وطن له إلا سفينته لا يتصور وقوع السفر منه. ولأنه إذا أفطر في رمضان فقد فوت عليه الشهر بلا حاجة؛ لأنه سيقضيه في السفر، وإذا منع من الفطر منع من القصر.

стр. 10041

ولأن امرأته تعتد مكانها كمقيم وفاقًا للأئمة. دليل من قال: يقصر: أن السفينة ليست موضعًا صالحًا للإقامة، وهو يقطع المسافة التي تبيح له الترخص، والحكمة من مشروعية الترخص وجود المشقة في السفر، وهذا المعنى موجود في تنقلات السفينة. الراجح: ليس في المسألة نص يمكن التحاكم له، فإن نظرت إلى أنه لا يتصور مفارقته محل إقامته ألحقته بالمقيمين، ولذلك الشافعي استحب له الإتمام، مع أن القصر سنة ملازمة للسفر خروجًا من الخلاف. وإن نظرت إلى المسافات التي يقطعها في السفينة ألحقته بالمسافرين، والسفر: هو قطع المسافة، ولأن من كان مثله يأوي إلى بلد فهو يترخص بالإجماع. فإذا ألحقناه بالمسافرين هل نعد وقوف السفينة في البحر في حكم الإقامة؟ لأن اللبث في مكان ما يعد إقامة، فإذا جرت إلى غاية تبيح القصر أصبح ذلك سفرًا في حقه، كما لو نوى إقامة مطلقة في مفازة، وكان من البادية، وكالراعي يتتبع الكلأ، فإذا وجده قر، فمكثه في المرعى يعد إقامة في حقه، ومغادرته إلى مرعى آخر يعد سفرًا يترخص فيه، وليس له وطن يأوي إليه، والله أعلم.

стр. 10042

الباب الثالث في موانع القصر الفصل الأول أن يصلي المسافر خلف المقيم المبحث الأول في حكم إمامة المقيم للمسافر وعكسه المدخل إلى المسألة: إذا صح اقتداء المفترض بالمتنفل على الصحيح كإمامة معاذ بقومه وإمامة عمرو بن سلمة، وهو صبي، صح اقتداء المقيم بالمسافر والعكس؛ لأنه إذا لم يؤثر اختلاف جنس العبادة لم يؤثر اختلاف عدد ركعاتها. لا فرق بين فرض المسافر والمقيم إلا في عدد الركعات، وهذا لا أثر له في صحة الاقتداء كالمسبوق فإنه يصلي بعض صلاته مع الإمام وبعضه منفردًا. صح عن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب أنه كان يصلي بأهل مكة، وهو مسافر، ثم يأمر أهل مكة بالإتمام، ولم ينكر ذلك أحد من أصحاب النبي ﷺ ، فكان إجماعًا سكوتيًّا. فتح النبي ﷺ مكة، ومكث فيها مدة ينظم شؤونها، ولم ينقل أنه كان يتم الصلاة، ولا أنه كان يصلي مأمومًا، ولو فعل لنقل، فلم يبق إلا أنه كان يصلي إمامًا قصرًا. قال ابن عبد البر: أجمعوا أنه جائز للمسافر أن يصلي خلف المقيم، من كره ذلك منهم، ومن استحسنه، كلهم يجيزه.

стр. 10043

حديث: (إنما جعل الإمام ليؤتم به فلا تختلفوا عليه) قد جاء مفسرًا بقوله: (فإذا كبر فكبروا، وإذا ركع فاركعوا)، فلا يتجاوز بالحديث تفسير النبي ﷺ ، ولا يدخل فيه الاختلاف في غير أفعال الصلاة، كالاختلاف في النية، كأن يكون أحدهما مسافرًا والآخر مقيمًا، أو أحدهما متنفلًا والآخر مفترضًا. [م-١١٢١] إذا صلى المقيم خلف المسافر فصلاته صحيحة، قال عمر ﵁ لأهل مكة: (أتموا أهل مكة فإنا قوم سفر)، وروي مرفوعًا ولا يصح. واختلفوا في كراهة إمامة أحدهما للآخر إذا استويا في القراءة والعلم والسن: فقيل: لا تكره إمامة مسافر يقصر بمقيم، وكذا العكس، وهو مذهب الجمهور من الحنفية والشافعية والحنابلة، وقول في مذهب المالكية، واختار الشافعية والحنابلة أن المقيم أولى بالإمامة، وهو أحد القولين عند الحنفية (١). واتفقت الروايات عن مالك أنه إذا اجتمع مسافرون ومقيمون أنه يؤم المسافرين

стр. 10044

مسافر، والمقيمين مقيم، فإن اقتدى أحدهما بالآخر كره، وكراهة اقتداء المسافر بالمقيم أشد؛ لأنه يلزم منها ترك سنة القصر، فإن فعل أجزأه، وقيل: يعيد في الوقت، وروي إلا بالمساجد الكبار (١). وقال القاضي عياض: «ائتمام المسافر بالمقيم معروف المذهب المنع منه ابتداء، وأن صلاة المسافر لا تجزئه، وهذا على القول: إن فرضه القصر» (٢). وقيل: يكره اقتداء المسافر بالمقيم، ويجوز العكس، وهو قول ثالث في مذهب المالكية (٣).

стр. 10045

وقيل: تكره إمامة المسافر للمقيم، ويجوز العكس، وهو قول في مذهب الشافعية (١). وقد سبق بحث هذه المسألة في أحكام الإمامة، في المجلد السادس عشر، وقد تجددت مناسبة أخرى عند الكلام على أحكام السفر، فأعدت التذكير بالمسألة مقتصرًا على ذكر الأقوال، وأحلت على ذكر الأدلة اكتفاء بذكرها هناك؛ حتى لا يتصور من يراجع أحكام السفر أن البحث قد أغفلها، لأن الكتاب المتعدد الأجزاء قد يرجع إليه بعض الطلبة في بعض المباحث، وقليل منهم من يقرأ الكتاب كاملًا، فلله الحمد.

стр. 10046

المبحث الثاني في امتناع القصر لوجوب المتابعة المدخل إلى المسألة: كل جزء لا يُعْتَدُّ به إذا لحقته في الصلاة مع الإمام فإنك لم تدركه. قوله ﷺ : (فما أدركتم فصلوا)، الإدراك في العبادات له حقيقة شرعية. تفسير (الإدراك) باللحوق بالشيء هذا تفسير من جهة اللغة، ولا مدخل للغة في تفسير الأحكام الشرعية، فإدراك الحج يكون بإدراك عرفة، وإدراك الصلاة يكون بإدراك الركعة. الحديث قابل الإدراك بالفوات (فما أدركتم … وما فاتكم) فكل مقدار فاتنا من الصلاة فلم ندركه وإن لحقنا به. من أدرك الركوع فقد أدرك القيام وإن فاته حسًّا، ومن فاته الركوع فقد فاته السجود والجلسة بين السجدتين وإن لحق به حسًّا، وبهذا افترق الإدراك اللغوي عن الإدراك الشرعي. قدر التكبيرة لم يعلق به الشارع شيئًا من الأحكام، لا في الوقت، ولا في الجمعة، ولا في الجماعة. أفتى ابن عمر وابن مسعود وأنس ﵃ أن الجمعة لا تدرك إلا بركعة، ولا يعلم لهم مخالف من الصحابة. التفريق بين إدراك الجمعة وبين إدراك سائر الصلاة تفريق لا دليل عليه. من فاته الركوع فاتته الركعة، وهذا لا نزاع فيه. قال ﷺ : (من أدرك ركعة من الصلاة فقد أدرك الصلاة)، ومفهومه: أن المصلي ومنه المسافر إذا أدرك أقل من ركعة لم يدرك الصلاة مع الإمام. من لم يدرك الصلاة مع الإمام لم يجب عليه الإتمام، وشرع له القصر.

стр. 10047

مفهوم الشرط حجة عند جمهور الأصوليين. فوات الركوع يعني فوات بقية الركعة، وفوات الركوع في الصلاة كلها يعني فوات ما بقي منها، ومنه التشهد؛ ومن فاتته الصلاة شرعًا لم يدرك الصلاة مع الإمام، وإن أدركه في التشهد، فكان في حكم من صلى منفردًا، فكان له أن يقصر. إذا أدرك المسافر صلاة الإمام المقيم بإدراك ركعة معه وجبت عليه متابعته؛ لأن القصر سنة على الصحيح، ومتابعة الإمام واجبة. [م-١١٢٢] اتفق الأئمة الأربعة على أن المقيم إذا صلى خلف مسافر أتم صلاته إذا سلم الإمام، قال عمر ﵁ لأهل مكة: (أتموا أهل مكة فإنا قوم سفر)، وروي مرفوعًا ولا يصح (١). جاء في المغني: «أجمع أهل العلم على أن المقيم إذا ائتم بالمسافر، وسلم المسافر من ركعتين، أن على المقيم إتمام الصلاة» (٢).

стр. 10048

وقال الزركشي في شرح الخرقي: هذا إجماع من أهل العلم (١). وإذا صلى مسافر خلف مقيم، فإن أدرك مع الإمام ركعة فأكثر وجب عليه الإتمام، وعلى هذا قول الأئمة الأربعة إلا خلافًا شاذًّا سوف أذكره إن شاء الله تعالى. واختلفوا إذا أدرك المسافر خلف المقيم أقلَّ من ركعة، كما لو أدركه قبل التسليم: فقال الحنفية والشافعية والحنابلة: يتم مطلقًا، زاد الحنفية: حتى لو أدرك سجود السهو بعد السلام وجب عليه الإتمام (٢). وقيل: يقصر مطلقًا، حتى ولو دخل معه في أول الصلاة، وبه قال طاوس وأحد القولين عن النخعي، وتميم بن حذلم، وابن المنذر وابن حزم (٣). قال ابن المنذر في الإقناع: «يصلي المسافر خلف المقيم فرضه وينصرف» (٤).

стр. 10049

وقال ابن حزم: «إن صلى مسافر بصلاة مقيم قصر ولا بد، وإن صلى مقيم بصلاة مسافر أتم ولا بد، وكل واحد يصلي لنفسه، وإمامة كل واحد منهما جائزة» (١). وهذان قولان متقابلان. وقال المالكية: إذا اقتدى المسافر بمقيم فإن نوى الإتمام أتم صلاته مطلقًا، حتى ولو أدرك مع الإمام أقل من ركعة، وإن نوى القصر، فإن كان قد أدرك معه ركعة فأكثر أتم صلاته، وإن لم يدرك ركعة قصر، وهو رواية عن أحمد، وقال به من السلف الزهري وقتادة والحسن وإسحاق بن راهويه (٢). وقال إسحاق: «إذا صلى المسافر خلف المقيم فإن نوى الإتمام لزمه، وإن نوى القصر صلى ركعتين وجلس وسلم، فإن أدركهم في التشهد فعليه صلاة مسافر» (٣).

стр. 10050

فجعل إسحاق القصر والإتمام راجعًا إلى نية المصلي إلا أن يدرك أقل من ركعة فعليه صلاة المسافر؛ لأنه لم يدرك صلاة الإمام. وجاء في المدونة: «وقال مالك: ومن أدرك من صلاة مقيم التشهد أو السجود ولم يدرك الركعة، وهو مسافر، إنه يصلي ركعتين؛ لأنه لم يدرك صلاة الإمام» (١). فصار الخلاف على ثلاثة أقوال: يتم مطلقًا، وهو مذهب الجمهور، وهؤلاء جعلوا من شروط القصر ألا يصلي خلف إمام مقيم. وقيل: يقصر مطلقًا، وهو قول طاوس، وابن المنذر وابن حزم. وقيل: إن أدرك ركعة أو نوى الإتمام أتم، وإلا قصر، وهو مذهب المالكية. دليل من قال: يجب الإتمام إذا صلى المسافر خلف مقيم مطلقًا: الدليل الأول: (ح-٣٤٦٨) ما رواه أحمد، قال: حدثنا محمد بن عبد الرحمن الطفاوي، حدثنا أيوب، عن قتادة، عن موسى بن سلمة، قال: كنا مع ابن عباس بمكة، فقلت: إنا إذا كنا معكم صلينا أربعًا، وإذا رجعنا إلى رحالنا صلينا ركعتين. قال: تلك سنة أبي القاسم ﷺ (٢). [انفرد بهذا اللفظ الطفاوي، وقد رواه أصحاب قتادة فلم يذكروا فيه صلاة المسافر خلف المقيم، وهي رواية مسلم، وهي المحفوظة] (٣).
следующие страницы →