← Фикх общий

Фикх общий · id 30064

موسوعة أحكام الصلوات الخمس

دبيان الدبيان

Полный текст (10 314 стр.). Показаны 9976–10015 · переход к 9981.

стр. 9976

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 9977

وجه الاستدلال: قال شيخ الإسلام: «أقل ما روي في التقدير بريد، فدل ذلك على أن البريد يكون سفرًا» (١). الدليل الثاني: صلى أهل مكة خلف النبي ﷺ في مكة فأتموا الصلاة، وصلوا خلفه في عرفة، فقصروا الرباعية، والمسافة بين مكة وعرفة بريد، ولو كان القصر لا يكون إلا في أربعة برد لقال النبي ﷺ لأهل مكة في منى وعرفة ومزدلفة: أتموا فإنا قوم سفر، والجمع قد يتسامح فيه؛ لجوازه عند الجمهور في الحضر، وأما القصر فلا يكون إلا في سفر، فلما قصر أهل مكة في عرفة خلف النبي ﷺ والقصر من أحكام السفر كالفطر، علم أن القصر يصح في مثل تلك المسافة. (ث-٩٣٢) فقد روى مالك في الموطأ عن ابن شهاب، عن سالم بن عبد الله، عن أبيه، أن عمر بن الخطاب كان إذا قدم مكة صلى بهم ركعتين، ثم يقول: يا أهل مكة أتموا صلاتكم، فإنا قوم سفر (٢). [صحيح]. ورواه مالك عن ابن شهاب، عن سعيد بن المسيب عن ابن عمر، وزاد سعيد: ثم صلى عمر بن الخطاب ركعتين بمنى، ولم يبلغنا أنه قال لهم شيئًا (٣). وكونهم قصروا في منى؛ لأن منتهى سفرهم عرفة، كما صلى النبي ﷺ الظهر

стр. 9978

في المدينة أربعًا، وصلى العصر في ذي الحليفة ركعتين؛ لأن منتهى سفره مكة. قال شيخ الإسلام ابن تيمية: «من تأمل الأحاديث في حجة الوداع وسياقها علم علمًا يقينًا أن الذين كانوا مع النبي ﷺ من أهل مكة وغيرهم صلوا بصلاته قصرًا وجمعًا، ولم يفعلوا خلاف ذلك. والصحيح أنه لم يجمع بعرفة لمجرد السفر … وأما القصر فلا ريب أنه من خصائص السفر، ولا تعلق له بالنسك، ولا مسوغ لقصر أهل مكة بعرفة وغيرها إلا أنهم بسفر، وعرفة عن المسجد بريد» (١). ونوقش هذا: لا يختلف الأئمة الأربعة أن علة القصر في عرفة وفي غيرها من المشاعر هو السفر، ولا دخل للقصر في أحكام النسك، وإن اختلفوا في علة الجمع في المشاعر. وعمدة الاحتجاج في قصر مكة خلف النبي ﷺ في عرفة ومزدلفة ومنى ليس لوجود نص يأمرهم بالقصر، ولا لوجود نص يثبت أنهم قصروا خلفه، وإنما عمدتهم في ذلك أنه لو أمرهم بالإتمام لنقل، فالدليل هذا عدمي، ودلالته ضعيفة لأمور منها: الأول: صلى خلف النبي ﷺ في عرفة العرفي، وصلى خلفه في مزدلفة المزدلفي، وصلى أهل منى خلفه في منى، وهؤلاء غير مسافرين في أماكن إقامتهم، فلا يمكن لهم أن يقصروا، فهل نقل أنه ﷺ أمرهم بالإتمام، أو نقل أنهم أتموا؟ فلو استعملنا طريقتكم في الاستدلال لقلنا: يقصر العرفي في عرفة، ويقصر المزدلفي في مزدلفة، ويقصر المنوي في منى؛ لأن النبي ﷺ لو أمرهم بالإتمام لنقل؛ لتوافر الدواعي على نقله، ولم ينقل. الأمر الثاني: صلى النبي ﷺ الظهر والعصر قصرًا وجمعًا بالأبطح وذلك بعد نفوره من منى، وقبل طواف الوداع كما في حديث أبي جحيفة في الصحيحين، وقد صلى الناس خلفه، وفيهم المكي وغير المكي، وهذا الجمع والقصر بعد فراغ المكي من نسكه؛ لأنه لا وداع عليهم، فلا علاقة للنسك بهذا الجمع والقصر (٢).

стр. 9979

فهل نقل أن النبي ﷺ أمر أهل مكة بالإتمام، أو نقل أنهم أتموا، فهل تقولون يجوز للمكي أن يقصر الصلاة في مكة بعد فراغه من النسك؛ لأن النبي ﷺ لم ينقل أنه أمرهم بالإتمام؟ الأمر الثالث: أقام النبي ﷺ في مكة عام الفتح تسعة عشر يومًا يقصر الصلاة، وأهل مكة يصلون خلفه، وهم حديثو عهد بكفر، ولم يصح أن النبي ﷺ أمرهم بالإتمام، ولم ينقل أنهم أتموا. وكذلك صلى النبي ﷺ أربعة أيام في مكة عام حجة الوداع قبل خروجه لمنى، ولم يصح في السنة أن النبي ﷺ أمر أهل مكة بالإتمام. وما ورد في ذلك فمداره على ابن جدعان، وهو ضعيف. فإن قلتم: لعل النبي ﷺ لم يأمرهم؛ لأنه سبق أن بيَّن هذا الحكم لهم، واكتفى به، أو أن النبي ﷺ أمرهم ولم ينقل. قيل: ما كان جوابًا لكم كان جوابًا عن صلاة المكي خلفه في عرفة ومزدلفة، فلعله لم يأمرهم بالإتمام يوم عرفة اكتفاء بأمر سابق، أو أنه أمرهم ولم ينقل، فما دام أن القصر في المشاعر علته السفر، فلا فرق بين المحرم والحلال، كلاهما لا يقصر إلا في مسافة تصح أن تكون سفرًا. وهذا من أوضح الأدلة على أن عدم النقل ليس دائمًا يكون حجة، فأحيانًا لا يعدُّ نقلًا للعدم، ولم يأت عن الشارع فرق بين جمعه وقصره بعرفة ومزدلفة قبل فراغه من النسك، وبين جمعه وقصره بالأبطح بعد الفراغ من النسك، وقبل طواف الوداع، والأصل أن السبب واحد فيهما، وفي كلها قد صلى خلفه من لا يشرع له القصر. فإذا لم يثبت أن أهل عرفة قد قصروا خلفه نقلًا بالسند الصحيح، ولم يثبت أن النبي ﷺ أمرهم بالقصر، فالأصل أنهم يتمون؛ لأنهم مقيمون، وما يصدق على

стр. 9980

أهل عرفة يصدق على أهل مكة ومنى ومزدلفة؛ لأن المسافة بين المشاعر لا يمكن أن تكون مسافة سفر. (ث-٩٣٣) وقد روى عبد الرزاق، عن ابن جريج، عن عطاء، قال: سألت ابن عباس، فقلت: أقصر الصلاة إلى عرفة، أو إلى منى؟ قال: لا، ولكن إلى الطائف وإلى جدة، ولا تقصر الصلاة إلا في اليوم، ولا تقصر فيما دون اليوم، فإن ذهبت إلى الطائف أو إلى جدة، أو إلى قدر ذلك من الأرض، إلى أرض لك، أو ماشية فاقصر الصلاة، فإذا قدمت فَأَوْفِ. [صحيح موقوفًا] (١). وجه الاستدلال: فالإمام عطاء مكيٌّ، وقد قال له ابن عباس: (لا تقصر إلى عرفة أو إلى منى) ومطلقه يشمل المحرم وغير المحرم، ومن قيده بغير المحرم فعليه الدليل، ولم يأت عن أحد من الصحابة خلاف ما نقل عن ابن عباس. الأمر الرابع: إذا كان عمر ينهى أهل مكة من القصر؛ لأنهم غير مسافرين، فسوف ينهى عمر ﵁ العرفي عن القصر في عرفة للعلة نفسها، وكذلك المنوي في منى قياسًا على المكي في موضع إقامته، فالجميع غير مسافر، ومن ادعى أن عمر سوف ينهى المكي عن القصر في مكة، وهم محرمون، ولا ينهى العرفي في عرفة عن القصر، فعليه الدليل. وإذا رجعنا إلى أقوال الأئمة نجد أن الأئمة الأربعة متفقون على أن المكي لا يقصر في مكة، والعرفي لا يقصر في عرفة، والمنوي لا يقصر في منى (٢).

стр. 9981

ولم يختلف الحنفية والشافعية والحنابلة أن المكي لا يقصر أيضًا في عرفة ومزدلفة ومنى. وذهب المالكية إلى أن القصر له حكمان: أحدهما: حكم في السفر وحده بلا نسك، فهذا عندهم يشترط أن يكون ذلك في مسافة لا تقل عن أربعة برد كقول الجمهور. والثاني: قصر الحاج، وهذا يشترط له الخروج من موضع إقامته، فإذا خرج قصر، ولو كان السفر قصيرًا، فيتم أهل عرفة بعرفة، ويقصرون بمنى ومزدلفة، ويتم أهل مزدلفة بها، ويقصرون في عرفة ومنى، ويتم أهل منى بها ويقصرون في عرفة ومزدلفة؛ لأن علة القصر النسك بشرط السفر ولو كان قصيرًا (١). وقد انفرد المالكية بهذا التفصيل عن الجمهور، واختلف أصحاب مالك في توصيف القصر في المناسك، على قولين: فقيل: القصر للمكي للسنة، وإلا فليس بمسافة قصر. جاء في كفاية الطالب: «والقصر بعرفة إنما هو للسنة وإلا فهو ليس بمسافة قصر في حق المكي وأهل المزدلفة ونحوهم» (٢). قولهم: (ليس بمسافة قصر) أي بالنسبة لغير المحرم، ولا يريدون أن القصر سنة النسك فقط، بل أرادوا بقولهم: (القصر بعرفة للسنة): أي للسنة العملية؛ بصرف النظر عن العلة، ويؤيد هذا أنهم منعوا أهل عرفة وأهل مزدلفة أن يقصروا

стр. 9982

فيها حتى يخرجوا منها، ولو كان القصر من أجل النسك لشملهم الحكم. قال خليل في التوضيح: «ويتم أهل عرفة؛ لأنهم حاضرون». فعلل المنع لكونهم حاضرين، والحاضر: ضد المسافر. وقال في الثمر الداني: «والضابط أن أهل كل مكان يتمون فيه، ويقصرون فيما سواه، والقصر بعرفة إنما هو للسنة، وإلا فهو ليس بمسافة قصر في حق المكي وأهل المزدلفة ونحوهم» (١). فالسنة العملية في النسك جعلت السفر القصير علة في القصر، فلا يقاس عليه غيره. وقال أبو العباس القرطبي: «فأما أهل تلك المواضع -يعني عرفة ومزدلفة ومنى - فلا خلاف أحسبه في أن كل واحد منهم يتم في موضعه وإن شرع في عمل الحج؛ لأنهم في أهلهم». فعلل المنع من قصرهم أنهم مقيمون في أهلهم، ليسوا مسافرين، فلا يشرع في حقهم القصر؛ لتخلف علة السفر المبيحة للقصر. فلم يكن النسك وحده هو سبب القصر، بل خروجه من أهله هو المقتضي، فالأقرب تخريجه على جواز القصر في السفر القصير لكن بشرط النسك. يقول الكاندهلوي: «الصواب عندي أن القصر عند الإمام مالك: للنسك بشرط السفر، لكن لا للسفر الشرعي، بل لمطلق السفر، ولأجل ذلك يتم عنده أهل منى ومزدلفة وعرفة في مواضعهم، ويقصرون في غير مواضعهم، كما تقدم النص بذلك عن الدردير وغيره» (٢). وهذا بين فلو كانت العلة في القصر للنسك لم يفرق بينه وبين الجمع، فالجمع للجميع والقصر يشترط أن يكون في غير موضع إقامته وإلا أتم. القول الثاني في توصيف قصر المكي في عرفة عند المالكية: أنه يعد سفرًا طويلًا بالنظر إلى تكراره بين المشاعر وطول مدته.

стр. 9983

قال القاضي عياض: « … عند مالك حكم الحاج من أهل مكة، يقصرون بعرفة وبمنى كتقصيرهم مع النبي ﷺ ، وكذلك أهل عرفة ومنى بمكة، ولخطبة عمر أهل مكة بالتمام دونهم. وذهب أبو حنيفة والشافعي وجماعة من العلماء إلى أن أهل مكة بمنى وعرفة وأهل عرفة ومنى بمكة يتمون كغير الحاج منهم؛ إذ ليس في المسافة مدة قصر الصلاة. وحجتنا ما تقدم من السنة والاتباع؛ ولأن في تكراره بمشاعر الحج ومناسكه مقدار المسافة التي يجوز فيها قصر الصلاة عند الجميع» (١). وهذا يمكن التسليم به إن كان السفر محسوبًا بالأيام، حيث أقل ما يمكث المكي إذا خرج من مكة يومان: يوم التروية، ويوم عرفة، وأما تقديره بالمسافة فلا يبلغ ما يقطعه الحاج بين المشاعر أربعة برد؟ (ث-٩٣٤) ويؤيد ذلك ما رواه عبد الرزاق، عن الثوري، عن منصور، عن مجاهد، عن ابن عباس قال: إذا سافرت يومًا إلى العشاء فأتم الصلاة، فإن زدت فَاقْصُرْ (٢). [صحيح]. (ث-٩٣٥) وروى البخاري في التاريخ الكبير، قال: حدثنا آدم، حدثنا شعبة، حدثنا شبيل الضبعي، سمعت أبا جمرة، قلت لابن عباس: أقصر إلى الأُبُلَّة؟ قال: تجيء من يومك؟ قلت: نعم، قال: لا تقصر. [صحيح] (٣). وجاء في المدونة: «قال مالك في الرجل يدور في القرى، وليس بين منزله وبين أقصاها أربعة برد، فيما يدور من دوره أربعة برد وأكثر، قال: إذا كان فيما يدور فيه ما يكون أربعة برد قصر الصلاة» (٤). قال ابن القاسم: والسعاة مثله (٥).

стр. 9984

ولم أجد هذا عند غير المالكية، فليتأمل. ويعكر عليه: أن المكي إذا فرغ من الوقوف في عرفة وأفاض إلى مزدلفة فهو في خط رجعته إلى مكة، ومسافة السفر لا تلفق من مجموع الذهاب والإياب، فلا يعد منها الرجوع إلى موضع إقامته، وإن شملها أحكام السفر من قصر وفطر. وإذا كنت قد رجحت أن المكي لم يثبت في النصوص أنه قصر في عرفة، ولا أنه قصر في بقية المشاعر، كان قول الحنفية والشافعية والحنابلة هو الصواب، كقول المالكية في أهل المشاعر لا يقصرون في موضع إقامتهم، والله أعلم. الدليل الثالث: «أن المسافر رخص الله له أن يفطر في رمضان، وأقل الفطر يوم، ومسافة البريد يذهب إليها ويرجع في يوم، فيحتاج إلى الفطر في شهر رمضان، ويحتاج أن يقصر الصلاة؛ بخلاف ما دون ذلك؛ فإنه قد لا يحتاج فيه إلى قصر ولا فطر إذا سافر أول النهار ورجع قبل الزوال» (١). ويناقش من وجهين: الوجه الأول: أن هذا مخالف لما رواه البخاري في التاريخ الكبير، قال: حدثنا آدم، حدثنا شعبة، حدثنا شبيل الضبعي، سمعت أبا جمرة، قلت لابن عباس: أقصر إلى الأُبُلَّة؟ قال: تجيء من يومك؟ قلت: نعم، قال: لا تقصر. [صحيح] (٢). وهذا ذهاب من ابن عباس باعتبار المدة؛ لأن بقاءه إلى الغد في الأبلة يدخله في أحكام القصر والفطر، فإن رجع من المكان نفسه في يومه لم يقصر عند ابن عباس. الوجه الثاني: لا تحسب مسافة الرجوع من مسافة السفر، وإن شملتها أحكام السفر، فلم أقف

стр. 9985

على قول يقول: إن مسافة القصر تحسب منها مسافة الإياب، فالقائلون بالقصر بأربعة برد، يشترطون ذلك في مسافة الذهاب. دليل من قال: إذا خرج ميلًا قصر الصلاة: الدليل الأول: كل الأدلة التي استدل بها من يقول: يقصر في طويل السفر وقصيره استدل بها من يرى القصر إذا خرج ميلًا، فإن الخروج مقدار هذه المسافة يدخل في السفر القصير، فلا داعي لتكرار الأدلة. الدليل الثاني: (ح-٣٤٥٨) ما رواه مسلم من طريق عبد الرحمن بن مهدي، حدثنا شعبة، عن يزيد بن خمير، عن حبيب بن عبيد، عن جبير بن نفير قال: خرجت مع شرحبيل بن السمط إلى قرية على رأس سبعة عشر، أو ثمانية عشر ميلًا فصلى ركعتين، فقلت له. فقال: رأيت عمر صلى بذي الحليفة ركعتين. فقلت له. فقال: إنما أفعل كما رأيت ﷺ يفعل (١). وأجيب: بأن شرحبيل بن السمط مختلف في صحبته، والحديث المرفوع الذي احتج به لا حجة فيه؛ لأنه متوجه إلى المسافة التي يبتدئ منها القصر، لا غاية السفر، فقد صلى النبي ﷺ الظهر أربعًا في المدينة، وصلى بذي الحليفة ركعتين في طريقه إلى مكة في حجة الوداع. وما يؤيد هذا التفسير ما رواه ابن أبي شيبة، قال: حدثنا عبيد بن سعيد، عن شعبة، عن يزيد بن خمير، قال: سمعت حبيب بن عبيد يحدث، عن جبير بن نفير، عن أبي السمط، قال: شهدت عمر بذي الحليفة كأنه يريد مكة صلى ركعتين، فقلت له: لم تفعل هذا؟ قال: إنما أصنع كما رأيت رسول الله ﷺ يصنع (٢).

стр. 9986

قال النووي: «قد يتوهم أنه دليل لأهل الظاهر، ولا دلالة فيه بحال؛ لأن الذي فيه عن النبي ﷺ وعمر ﵁ إنما هو القصر بذي الحليفة وليس فيه أنها غاية السفر، وأما قوله: قصر شرحبيل على رأس سبعة عشر ميلًا أو ثمانية عشر ميلًا فلا حجة فيه؛ لأنه تابعي فعل شيئًا يخالف الجمهور، أو يتأول على أنها كانت في أثناء سفره، لا أنها غايته، وهذا التأويل ظاهر، وبه يصح احتجاجه بفعل عمر، ونقله ذلك عن النبي ﷺ والله أعلم» (١). الدليل الثالث: (ث-٩٣٦) ر وى ابن أبي شيبة من طريق محارب بن دثار، قال: سمعت ابن عمر يقول: إني لأسافر الساعة من النهار فأقصر. [شاذ] (٢). روى ابن جرير الطبري من طريق عبد الملك بن أبي غنية، عن جبلة ابن سحيم، عن ابن عمر، قال سئل عن صلاة المسافر؟ فقال: اخرج من هذه الحرة، ثم اقصر الصلاة. [شاذ، وسبق الجواب عنه] (٣). وقال ابن حزم: ومن طريق محمد بن المثنى، حدثنا عبد الرحمن بن مهدي، قال: حدثنا سفيان الثوري، قال: سمعت جبلة بن سحيم يقول: سمعت ابن عمر يقول: لو خرجت ميلًا قصرت الصلاة. [علقه ابن حزم] (٤). ويجاب: بأن محارب بن دثار وجبلة بن سحيم ثقتان كوفيان، ولكنهما ليسا من ابن عمر بمنزلة سالم ونافع، عند التعارض، ورواية أهل المدينة مقدمة على رواية الأغراب. قال ابن عبد البر: «هذان الخبران من رواية أهل الكوفة عن ابن عمر، فكيف نقبلها

стр. 9987

عن ابن عمر مع ما ذكرنا من رواية سالم ونافع عنه بخلافها من حديث أهل المدينة؟» (١). فقد روى مالك، عن نافع أنه كان يسافر مع عبد الله بن عمر البريد فلا يقصر الصلاة (٢). قال شيخ الإسلام: «ولا ريب أن أهل قباء وغيرهم من أهل العوالي كانوا يأتون إلى النبي ﷺ بالمدينة، ولم يقصر الصلاة هو ولا هم، وقد كانوا يأتون الجمعة من نحو ميل وفرسخ ولا يقصرون الصلاة. والجمعة على من سمع النداء، والنداء قد يسمع من فرسخ، وليس كل من وجبت عليه الجمعة أبيح له القصر والعوالي بعضها من المدينة» (٣). دليل من قال: يقصر الصلاة في ثلاثة أميال: الدليل الأول: (ح-٣٤٥٩) روى الإمام مسلم، حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، ومحمد بن بشار، كلاهما عن غندر (محمد بن جعفر)، عن شعبة، عن يحيى بن يزيد الهنائي، قال: سألت أنس بن مالك عن قصر الصلاة فقال: كان رسول الله ﷺ إذا خرج مسيرة ثلاثة أميال، أو ثلاثة فراسخ - شعبة الشاك- صلى ركعتين (٤). ورواه أحمد، قال: حدثنا محمد بن جعفر به، ولفظه، قال: سألت أنس بن مالك عن قصر الصلاة، قال: كنت أخرج إلى الكوفة، فأصلي ركعتين حتى أرجع، وقال أنس: كان رسول ﷺ إذا خرج مسيرة ثلاثة أميال، أو ثلاثة فراسخ -شعبة الشاك- صلى ركعتين (٥).

стр. 9988

ورواه البيهقي من طريق محمد بن بشار العبدي، قال: حدثنا محمد بن جعفر به، ولفظه: عن يحيى بن يزيد الهنائي قال: سألت أنس بن مالك عن قصر الصلاة -وكنت أخرج إلى الكوفة فأصلى ركعتين حتى أرجع- فقال أنس: كان رسول الله ﷺ إذا خرج مسيرة ثلاثة أميال أو ثلاثة فراسخ -شك شعبة- قصر الصلاة. وعدَّ هذا الدليل من أقوى الأدلة على التحديد، قال ابن حجر: «وهو أصح حديث ورد في بيان ذلك وأصرحه» (١). وأجيب عن هذا الحديث الصريح بأجوبة منها: الجواب الأول: تضعيف الحديث بتفرد يحيى بن زيد الهنائي. قال ابن عبد البر: «شيخ من أهل البصرة، ليس مثله ممن يحتمل أن يحمل هذا المعنى الذي خالف فيه جمهور الصحابة والتابعين، ولا هو ممن يوثق به في ضبط مثل هذا الأصل .... » (٢). قلت: لم يرو عنه أحد من أصحاب الكتب الستة إلا مسلم وأبو داود، وليس له فيهما إلا هذا الحديث، ولم يوثقه إلا ابن حبان، وقال عنه أبو حاتم الرازي: شيخ، وفي التقريب: مقبول، يعني حيث يتابع، ولم يتابع، وقال الذهبي: صالح، لا بأس به. اه. وأنس بن مالك له أصحاب يعتنون بحديثه، فأين أصحابه عن مثل هذا الحديث العزيز الذي يتعلق بأعظم الأعمال، وهو الصلاة؟ والصحابة لهم عناية في حفظ كل ما يتعلق بالصلاة، فكونه يتفرد بهذا الحديث الذي هو أصل في الباب لا يحتمل تفرده. ولم يقل بهذا الحديث أحد من الأئمة الأربعة، أتراهم يتنكبون عنه مع صحته، وأين الإمام أحمد، وهو لا يتجاوز آثار الصحابة، كيف ترك هذا الحديث المرفوع، ولم يعمل به؟ وقل مثل ذلك عن بقية الأئمة. وهو مخالف لما صح عن ابن عباس وابن عمر. قال الخطابي في معالم السنن: «إن ثبت هذا الحديث كانت الثلاثة الفراسخ

стр. 9989

حدًّا فيما يقصر إليه الصلاة، إلا أني لا أعرف أحدًا من الفقهاء يقول به» (١). وكلام ابن عبد البر واضح أنه يتمشى مع قواعد أهل التحديث، وأن التفرد بأمر يحتاج إليه عامة الناس لا يقبل إلا من إمام كالزهري، ومالك، ونحوهما، أو من راو معروف بالرواية عن شيخه، مقدم فيه، فتفرده بهذا الأصل، ومخالفته لما صح عن ابن عمر وابن عباس يدل على وهمه. الجواب الثاني: حمل بعضهم الحديث على أن المراد به المسافة التي يبتدئ منها القصر، لا غاية السفر، ويؤيد ذلك رواية الإمام أحمد، فقد ذكر يحيى بن يزيد الهنائي أنه يخرج من البصرة إلى الكوفة، والمسافة بينهما كما بين المدينة ومكة، فسال أنسًا متى يقصر الصلاة، فالظاهر أن يحيى لا يريد أن يسأل عن قصر الصلاة فيما بين البصرة والكوفة، وإنما سأل أنسًا متى يشرع في القصر، فأخبره أن النبي ﷺ إذا خرج ثلاثة أميال قصر الصلاة، يريد بذلك أن النبي ﷺ يشرع في أحكام السفر إذا خرج مثل هذه المسافة، كما شرع النبي ﷺ في القصر في ذي الحليفة، وهي على بعد أميال من المدينة في توجهه إلى مكة، وهي نفس المسافة بين البصرة والكوفة. واستبعد هذا الحمل الحافظ في الفتح، فقال: «ولا يخفى بعد هذا المحمل، مع أن البيهقي ذكر في روايته من هذا الوجه، أن يحيى بن يزيد، رواه عن أنس، قال: سألت أنسًا عن قصر الصلاة، وكنت أخرج إلى الكوفة -يعني من البصرة- فأصلي ركعتين حتى أرجع، فقال أنس: .. فذكر الحديث، فظهر أنه سأل عن جواز القصر في السفر، لا عن الموضع الذي يبتدأ القصر منه، ثم إن الصحيح في ذلك أنه لا يتقيد بمسافة، بل مجاوزة البلد الذي يخرج منها». الجواب الثالث: قال أبو العباس القرطبي: «لا حجة له فيه؛ لأنه مشكوك فيه، فلا يوثق لا بالثلاثة أميال، ولا بالثلاثة فراسخ؛ إذ كل واحد منهما مشكوك فيه» (٢).

стр. 9990

ولا يوافق عليه؛ لأن الشك في الثلاثة أميال، أما الثلاثة فراسخ فليس فيها شك باعتبارها الأكثر، فإذا حملنا الحديث على ثلاثة فراسخ والتي لم يقع فيها شك لم نجد أحدًا من الفقهاء قال به، بخلاف الحمل على ثلاثة أميال. ولعل هذا يجعل الراجح ثلاثة أميال، والثلاثة فراسخ وهم لعدم القائل بها، وهو ما جعلني أذكر هذا الحديث في أدلة هذا القول. الجواب الرابع: قال بعضهم: إن ذلك حكاية لفعله ﷺ ، وأنه قصر في هذه المسافة، وذلك لا يمنع جواز القصر في غيرها إذا كان يسمى سفرًا، فليس في الحديث تحديد الترخص بهذه المسافة. ورد هذا: بأن السؤال عن المسافة التي يقصر فيها، وقد جاء الجواب بلفظ: (كان) الدالة على الاستمرار غالبًا، وأن قوله: (كان رسول الله ﷺ إذا خرج مسيرة ثلاثة أميال أو ثلاثة فراسخ قصر الصلاة) مفهومه أنه إذا خرج أقل من ذلك لم يقصر. الدليل الثاني: (ح-٣٤٦٠) ما رواه عبد الرزاق، عن هشيم، قال: أخبرني أبو هارون، عن أبي سعيد، قال: كان رسول الله ﷺ إذا سار فرسخًا نزل، فقصر الصلاة. [ضعيف جدًّا] (١). وعلى فرض صحته لا دلالة فيه، فهو يدل على ابتداء تطبيق أحكام السفر إذا فارق بلده، فإذا سار فرسخًا وحانت الصلاة نزل فقصر. الدليل الثالث: (ث-٩٣٧) ما رواه ابن أبي شيبة، قال: حدثنا علي بن مسهر، عن الشيباني،

стр. 9991

عن محمد بن زيد بن خليدة، عن ابن عمر قال: تقصر الصلاة في مسيرة ثلاثة أميال. [منكر] (١). الراجح: من أقوال أهل العلم هو القول بالتحديد بالمسافة، وهي مقدرة من حيث الزمن بمسيرة يوم وليلة، وهو ما يوصف باليوم التام، أو مسيرة يومين بالنهار دون الليل، وكل ذلك جاء في النصوص بعضها مرفوع، وبعضها صح عن ابن عمر وابن عباس، وتقديره بالمسافة أربعة برد، ثمانون كيلو. جاء في المجموع: «قال الشيخ أبو حامد وصاحبا الشامل والبيان وغيرهم للشافعي ﵀ سبعة نصوص في مسافة القصر، قال في موضع: ثمانية وأربعون ميلًا. وفي موضع ستة وأربعون. وفي موضع: أكثر من أربعين وفي موضع أربعون. وفي موضع: يومان. وفي موضع: ليلتان. وفي موضع. يوم وليلة، قالوا: قال أصحابنا: المراد بهذه النصوص كلها شيء واحد، وهو ثمانية وأربعون ميلًا هاشميَّة. وحيث قال: ستة وأربعون، أراد سوى ميل الابتداء وميل الانتهاء. وحيث قال: أكثر من أربعين، أراد أكثر بثمانية. وحيث قال: أربعون، أراد أربعين أموية، وهي ثمانية وأربعون هاشمية؛ فإن أميال بني أمية أكبر من الهاشمية، كل خمسة ستة. وحيث قال: يومان أي بلا ليلة. وحيث: قال ليلتان. أي: بلا يوم. وحيث قال: يوم وليلة، أرادهما معًا. فلا اختلاف بين نصوصه» (٢).

стр. 9992

المبحث الأول قطع مسافة القصر بزمن يسير المدخل إلى المسألة: شروط العبادة توقيفية. كل شرط ليس في كتاب الله: أي في حكمه فهو باطل، وإن كان مائة شرط. السفر: هو قطع المسافة التي تبيح الترخص، فمن قطعها فقد صار مسافرًا، سواء أعاد في نفس اليوم أم مكث أيامًا يباح له فيها القصر ثم عاد. كون المسافر يقطع المسافة الطويلة ويرجع في نفس اليوم بلا راحة أكبر مشقة من رجل يقطع مسافة القصر ثم يستريح يومًا أو يومين ثم يعود على القول بأن الحكمة في الترخص مظنة المشقة في السفر. كون الناس لا يعدون من سافر وعاد من يومه مسافرًا في العرف، لا يمنع من الترخص؛ لأن تحكيم العرف في تحديد مسافة السفر لا يعرف من السنة المرفوعة، ولا من آثار الصحابة، ولا من أقوال التابعين، ولا من أقوال الأئمة الأربعة، ولا يعرف في القرون المفضلة. تقدير السفر بالزمن كالسير يومًا وليلة لم يأت لبيان ذكر طول غياب الرجل عن أهله وموضع إقامته، بل جاء في معرض ذكر السير في أثناء السفر لتقدير المسافة، فالمعتبر في القصر قطع المسافة المبيحة للترخص. [م-١١١٣] سبق لنا أن السفر في اللغة: هو قطع المسافة، وأن الأئمة الأربعة يشترطون للترخص أن يقطع مسافة تبيح له القصر على اختلاف بينهم في تقدير هذه المسافة، والفقهاء تارة يقدرون السير بالزمن وتارة يقدرونها بالمسافة.

стр. 9993

فمن قدرها بالزمن قال: مسيرة ثلاثة أيام كالحنفية، وقال الجمهور: مسيرة يومين نهاريين، أو مسيرة يوم تام: يومًا وليلة، وهما بمعنى. وقدر الجمهور خلا الحنفية السير بالمسافة بأن يقطع أربعة برد بسير الإبل المحملة بالأثقال، أو مشي الأقدام، والفقهاء يتكلمون في ذلك بحسب الوسائل التي كانت متاحة لهم، فلو أنه قطع هذه المسافة بزمن يسير، كما لو قطع هذه المسافة بالطائرة، أو بالقطار، فهل يعد ذلك سفرًا؟ في ذلك خلاف بين الفقهاء: فذهب الأئمة الأربعة إلى أن من قطع مسافة القصر ثلاثة أيام عند الحنفية أو مسافة مسيرة يومين عند غيرهم، ولو بزمن أقل فله الترخص (١). واستثنى المالكية قصر المكي والعرفي والمنوي في غير موضعهم، وإن كانت المسافة قصيرة، وسبق بحث هذه المسألة في مسألة مستقلة (٢).

стр. 9994

وكل من قال بجواز القصر في السفر القصير كابن قدامة، والنووي وابن حزم يقول به إذا قطع المسافة الطويلة في الزمن القصير من باب أولى (١). وقيل: المسافة القصيرة في المدة الطويلة تكون سفرًا، والمسافة الطويلة في الزمن القصير لا تكون سفرًا، وإلى هذا ذهب شيخ الإسلام ابن تيمية وابن القيم (٢). قال شيخ الإسلام: «إن الرجل قد يخرج من القرية إلى صحراء لحطب يأتي به، فيغيب اليومين والثلاثة فيكون مسافرًا، وإن كانت المسافة أقل من ميل، بخلاف من يذهب ويرجع من يومه، فإنه لا يكون في ذلك مسافرًا؛ فإن الأول يأخذ الزاد والمزاد بخلاف الثاني» (٣). دليل من قال: يترخص المسافر ولو عاد من يومه: الدليل الأول: لا يوجد دليل من الكتاب ولا من السنة يشترط في إباحة الترخص للمسافر ألا يعود في نفس اليوم، وكل شرط ليس في كتاب الله: أي: في حكمه فليس بشرط،

стр. 9995

وشروط العبادة توقيفية، والله أعلم. الدليل الثاني: قال تعالى: ﴿وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ﴾ [النساء: ١٠١]. ظاهر الآية يتناول كل ضرب في الأرض طويلًا كان أم قصيرًا، وبينت السنة والآثار عن الصحابة أن ذلك مشروط بمسيرة يوم وليلة، كما في حديث أبي هريرة المتفق على صحته: وهو ما يعادل مسيرة يومين نهاريين على الرواحل، أو أربعة برد. فهذه هي المسافة التي يباح فيها القصر، فمن قطعها فقد صار مسافرًا، سواء أعاد في نفس اليوم أم مكث أيامًا ثم عاد. دليل من قال: المسافة الطويلة في الزمن القصير لا يعد سفرًا: الدليل الأول: (ث-٩٣٨) ما رواه عبد الرزاق، عن الثوري، عن منصور، عن مجاهد، عن ابن عباس قال: إذا سافرت يومًا إلى العشاء فأتم الصلاة، فإن زدت فَاقْصُرْ (١). [صحيح]. (ث-٩٣٩) وروى البخاري في التاريخ الكبير، قال: حدثنا آدم، حدثنا شعبة، حدثنا شبيل الضبعي، سمعت أبا جمرة، قلت لابن عباس: أقصر إلى الأُبُلَّة؟ قال: تجيء من يومك؟ قلت: نعم، قال: لا تقصر. [صحيح] (٢). ويجاب عنه: بأن أثر ابن عباس ليس صريحًا في المسألة، وهو من الصحابة الذين نقل عنهم القول بالتحديد بالمسافة وقد قدر المسافة لعطاء بن أبي رباح فيما بين مكة إلى عُسفان، وما بين مكة إ لى الطائف، وما بين مكة إلى جدة، والمسافة بين هذه الأمكنة متقاربة، وهي تقدر بأربعة برد تقريبًا، وسبق تخريج هذا.

стр. 9996

واشتراط ابن عباس الليلة مع اليوم موافق لما جاء مرفوعًا. (ح-٣٤٦١) فقد روى البخاري ومسلم من طريق ابن أبي ذئب، قال: حدثنا سعيد المقبري، عن أبيه، عن أبي هريرة ﵄ قال: قال النبي ﷺ : لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أن تسافر مسيرة يوم وليلة، ليس معها حرمة. هذا لفظ البخاري ولفظ مسلم بنحوه (١). فكان قطع مسافة في يوم وليلة سفرًا شرعيًّا بنص السنة المتفق على صحتها، وقد سمى النبي ﷺ الخروج يومًا وليلة سفرًا، والنبي ﷺ قد جاء لبيان الشرعيات، وليس لبيان اللغويات. ومفهوم الحديث: أن مسيرة يوم بلا ليلته لا يستدعي القصر مطلقًا، وهو يتفق مع أثر ابن عباس ﵁. ويجاب عنه: بأن اليوم والليلة: يسمى يومًا تامًّا، وهو شرط لقطع مسافة القصر والمقدرة بأربعة برد، والتي كان معتادًا اجتيازها بمسيرة يومين نهاريين. فقد روى الزهري، عن سالم بن عبد الله، أن ابن عمر قصر الصلاة، وكان ذلك مسيرة يوم تام، أو أربعة برد. فانظر: كيف ساوى بين اليوم التام: يومًا وليلة، وبين الأربعة برد، فكان اشتراط ابن عباس الليلة مع اليوم راجعًا لهذا التقدير، وهو لا يختلف عن تقدير ابن عباس وابن عمر بأربعة برد، وليس راجعًا إلى أن قطع مسافة السفر في الزمن القصير لا يعد سفرًا، والله أعلم. فإذا أطلق التحديد باليوم دون وصفه بالتام، قدر التحديد فيه بمسيرة يومين نهاريين: وإذا أطلق التحديد باليوم التام، فيقصد به يومًا وليلة، كما جاء ذلك نصًّا في حديث أبي هريرة المرفوع، وأثر ابن عمر وابن عباس، وهو يعدل سير اليومين من النهار، وكلاهما يعدلان أربعة برد. وقد قال الإمام أحمد كما في مسائل ابن هانئ: مسيرة أربعة برد، ستة عشر فرسخًا،

стр. 9997

في مسيرة اليوم التام. وجاء في أحكام القرآن للطحاوي: «قال بعضهم: تقصر الصلاة في مسيرة أربعة برد، ومقدار ذلك مسيرة اليوم التام، وهو قول مالك ﵀، وقد روي ذلك عن ابن عمر، وابن عباس». وكل ذلك سبق تخريجه عند بحث المسافة التي يسوغ فيها القصر، فارجع إليها. الدليل الثاني: صلى أهل مكة خلف النبي ﷺ في مكة فأتموا الصلاة، وصلوا خلفه في عرفة، ومزدلفة ومنى فقصروا الرباعية، وإذا كان أقل ما يمكث المكي إذا خرج من مكة يومان: يوم التروية، ويوم عرفة، وكان القصر من أهل مكة ليس من أجل النسك، وإنما من أجل السفر، ولهذا الأئمة الأربعة متفقون على أن المكي لا يقصر في مكة، والعرفي لا يقصر في عرفة، والمزدلفي لا يقصر في مزدلفة وقد قال عمر ﵁ لأهل مكة: أتموا فإنا قوم سفر. فعلل عمر قصره في مكة كونه مسافرًا، وإذا كان عمر ينهى أهل مكة من القصر؛ لأنهم غير مسافرين، فسوف ينهى عمر ﵁ العرفي عن القصر في عرفة للعلة نفسها، وكذلك المنوي في منى قياسًا على المكي في موضع إقامته، فالجميع غير مسافر، ومن ادعى أن عمر سوف ينهى المكي عن القصر في مكة، وهم محرمون، ولا ينهى العرفي في عرفة عن القصر، فعليه الدليل. ولا يمكن تخريج قصر المكي في المشاعر مع قصر المسافة، إلا باعتبار المدة، فكان ذلك دليلًا على أن المسافة القصيرة في الزمن الطويل يعد سفرًا يبيح الترخص، وجعل مكث المكي يومين في المشاعر بمنزلة مسيرة يومين، والله أعلم. قال شيخ الإسلام ابن تيمية: «من تأمل الأحاديث في حجة الوداع وسياقها علم علمًا يقينًا أن الذين كانوا مع النبي ﷺ من أهل مكة وغيرهم صلوا بصلاته قصرًا وجمعًا، ولم يفعلوا خلاف ذلك … ولا مسوغ لقصر أهل مكة بعرفة وغيرها إلا أنهم بسفر … » (١).

стр. 9998

ويناقش من أكثر من وجه: الوجه الأول: عمدة الاحتجاج في قصر المكي خلف النبي ﷺ في عرفة ومزدلفة ومنى ليس لوجود نص عن النبي ﷺ يأمرهم بالقصر، ولا لوجود نص يثبت أنهم قصروا خلفه، وإنما عمدتهم في ذلك: أنه لو أمرهم بالإتمام لنقل، فالدليل عدمي، وقد صلى خلف النبي ﷺ في عرفة العرفي، وصلى خلفه في مزدلفة المزدلفي، وصلى أهل منى خلفه في منى، وهؤلاء غير مسافرين في أماكن إقامتهم، كصلاة المكي في مكة، فلا يمكن لهم أن يقصروا، فهل نقل أنه ﷺ أمرهم بالإتمام، أو نقل أنهم أتموا؟ وإذا لم يثبت أن أهل عرفة قد قصروا خلفه نقلًا بالسند الصحيح، ولم يثبت أن النبي ﷺ أمرهم بالقصر، فالأصل أنهم يتمون؛ لأنهم مقيمون، وما يصدق على أهل عرفة يصدق على أهل مكة ومنى ومزدلفة؛ لأن المسافة بين المشاعر لا يمكن أن تكون مسافة سفر، وقد سبق لي مناقشة هذه المسألة عند الكلام على الشرط الأول من شروط القصر فارجع إليه. الوجه الثاني: صح عن ابن عباس أنه قال لعطاء: لا تقصر الصلاة إلى عرفة، ولا إلى منى، ولكن إلى الطائف وإلى جدة (١). وسبق تخريجه. ومطلقه يشمل المحرم والحلال، والاستدلال به أولى من الاستدلال بالدليل العدمي، أنهم لو أتموا لنقل. وفتوى ابن عباس لعطاء لا يوجد ما يعارضها من أقوال الصحابة والتابعين وهو متفق مع قول الحنفية والشافعية والحنابلة، والله أعلم. الدليل الثالث: قال ابن تيمية: «إن الرجل إذا ضرب في الأرض ثم عاد من يومه فإنه لا يأخذ الزاد والمزاد، فالمسافة القريبة في المدة الطويلة تكون سفرًا، والمسافة البعيدة في المدة

стр. 9999

القليلة لا تكون سفرًا، فالسفر يكون بالعمل الذي سمي سفرا لأجله، والعمل لا يكون إلا في زمان، فإذا طال العمل وزمانه فاحتاج إلى ما يحتاج إليه المسافر من الزاد والمزاد سمي مسافرًا وإن لم تكن المسافة بعيدة -يقصد ابن تيمية: سمي مسافرًا عرفًا- وإذا قصر العمل والزمان بحيث لا يحتاج إلى زاد ومزاد لم يسمَّ سفرًا-يقصد: في العرف- وإن بعدت المسافة، فالأصل هو العمل الذي يسمى سفرًا ولا يكون العمل إلا في زمان فيعتبر العمل الذي هو سفر، ولا يكون ذلك إلا في مكان يسفر عن الأماكن وهذا مما يعرفه الناس بعاداتهم، ليس له حد في الشرع ولا اللغة، بل ما سموه سفرًا فهو سفر» (١). (ث-٩٤٠) وقد روى عبد الرزاق، عن معمر، عن قتادة، أن عثمان كتب إلى بعض عماله، أنه لا يصلي الركعتين المقيم، ولا النائي، ولا التاجر، إنما يصلي الركعتين من معه الزاد والمزاد. [ضعيف] (٢) ويجاب عن هذا بأكثر من جواب: الجواب الأول: أما أثر عثمان فيراد منه اعتذار عثمان في إتمامه الصلاة بمنى، وأن المسافر يقصر ما دام يحمل زاده ومزاده فإذا أقام واستغنى عن حمل الزاد والمزاد والحل والارتحال كان حكمه حكم المقيم، ولا يراد منه أن المسافر إذا رجع من يومه لم يقصر. (ث-٩٤١) فقد روى الطحاوي من طريق حماد، وأخبرنا قتادة، قال: قال عثمان ابن عفان ﵁: إنما يقصر الصلاة من حمل الزاد والمزاد، وحلَّ وارتحل (٣) (ث-٩٤٢) وقد روى ابن أبي شيبة، قال: حدثنا معتمر بن سليمان، عن ليث،

стр. 10000

عن طاوس، عن عائشة، قالت: إذا وضعت الزاد والمزاد فصلِّ أربعًا، وكان طاوس إذا قدم مكة صلى أربعًا. [ضعيف] (١) الجواب الثاني: كون الناس لا يعدون من سافر وعاد من يومه مسافرًا في العرف، لا يمنع من الترخص؛ لأن تحكيم العرف في تحديد مسافة السفر لا يعرف من السنة المرفوعة، ولا من آثار الصحابة، ولا من أقوال التابعين، ولا من أقوال الأئمة الأربعة، ولا يعرف في القرون المفضلة. الجواب الثالث: أن تقدير السفر بالزمن لم يأت لبيان ذكر طول غياب الرجل عن موضع إقامته، بل جاء في معرض ذكر السير في أثناء السفر، كما في حديث أبي هريرة في الصحيح: (لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أن تسافر مسيرة يوم وليلة ليس معها حرمة). فكان تقدير السير بالزمن راجعًا إلى تقدير المسافة؛ لأن العرب تعرف المسافة بمقدار الزمن الذي تسير به عن طريق الأقدام أو عن طريق الإبل المحملة، وقد قدر ابن تيمية والنووي البريد بمسيرة نصف يوم، وهو من تقدير المسافة بالزمن. قال ابن عبد البر: «في هذا الحديث من الفقه: أن المرأة لا يجوز لها أن تسافر هذه المسافة فما فوقها إلا مع ذي محرم أو زوج» (٢). فلا يحفظ في أقوال الفقهاء المتقدمين أن أحدًا قال: المسافة الطويلة في الزمن القصير لا يعد سفرًا. الدليل الرابع: أن الحكمة من مشروعية القصر دفع المشقة، والسفر الطويل في المدة القصيرة لا مشقة فيه.

стр. 10001

ويجاب عنه بجوابين: الجواب الأول: كون المسافر يقطع المسافة الطويلة ويرجع في نفس اليوم بلا راحة أكبر مشقة من رجل يقطع مسافة القصر ثم يستريح يومًا أو يومين ثم يعود، وهذا يعلمه من يتعاطى السفر ويرجع في نفس اليوم، ولا يقدر عليه إلا أهل الجلد من الرجال، بخلاف كبار السن حيث لا يتحملون السفر الطويل والعود في نفس اليوم. الجواب الثاني: أن المشقة ليست علة في القصر، بل العلة هي السفر، وقد تحقق السفر بقطع مسافة أربعة برد على الصحيح، فمن قطعها فقد استحق الترخص، سواء أعاد في نفس اليوم، أم مكث في سفره مدة يباح له فيها القصر، ثم عاد إلى وطنه. الراجح: أن قطع مسافة القصر شرط لإباحة القصر، لا فرق فيها بين المكي وغيره، ولا بين طويل السفر وقصيره، والله أعلم.

стр. 10002

المبحث الثاني في ترخص من له طريقان فسلك أبعدهما المدخل إلى المسألة: من سافر ليترخص لم يقصر على الصحيح؛ لأنه سفر محرم، ومن سافر لغرض مباح فسلك الأبعد ليترخص قصر الصلاة؛ لأنه سفر مباح. السفر مقصد والطريق وسيلة، والمقصد أقوى من الوسيلة. إذا طول لغير غرض لا يكون بأكثر ممن سافر ابتداء لغير غرض، فإذا جاز القصر في أحد الموضعين فكذلك الآخر. [م-١١١٤] إذا كان للمسافر طريقان: يقصر في أحدهما، ولا يقصر في الآخر من جهة المسافة، فإن سلك الأبعد لغرض صحيح، لكونه آمنًا، ولو مباحًا، فله القصر بالاتفاق. قال النووي: «فإن سلك الأبعد لغرض أمن الطريق، أو سهولته، أو كثرة الماء، أو المرعى، أو زيارة، أو عيادة، أو بيع متاع، أو غير ذلك من المقاصد المطلوبة دينًا أو دنيا فله الترخص بالقصر وغيره من رخص السفر بلا خلاف» (١). وإن كان لا غرض له، أو قصد الأبعد ليترخص، فاختلف في ذلك: فقيل: لا يترخص، وهو مذهب المالكية، ونص عليه في الأم، وهو الأظهر عند أصحابه، وقول لبعض الحنابلة (٢).

стр. 10003

جاء في مختصر المزني: «قال الشافعي: وإذا كان له طريقان يقصر في أحدهما، ولا يقصر في الآخر، فإن سلك الأبعد؛ لخوف، أو حزونة في الأقرب قصر، وإلا لم يقصر» (١). وقيل: يقصر، وهو مذهب الحنفية، وهو قول الإمام الشافعي في الإملاء قال المزني: وهذا عندي أقيس؛ لأنه سفر مباح، وهو المشهور من مذهب الحنابلة (٢). وجه من قال: لا يقصر: الوجه الأول: أن تركه الطريق الأقرب وأخذه بغيرها لغير معنى عبث، ومن كان عابثًا لم يترخص. ورد: بأن الأصح أن من سافر لغير غرض فله أن يترخص؛ لعلة السفر. الوجه الثاني: لأنه طَوَّل الطريق على نفسه من غير غرض، فصار كما لو مشى في مسافة قريبة طولًا وعرضًا حتى بلغت المرحلة مرحلتين فإنه لا يترخص. ورد هذا: بأن المشي في المسافة طولًا وعرضًا لا يصل به إلى محل قصده بخلاف هذا. الوجه الثالث: القياس على من سافر ليفطر، فإن الأصح أن الفطر يحرم عليه، فكذلك هذا.

стр. 10004

ورد: بأن من سافر ليترخص لم يقصر؛ لأنه سفر محرم، ومن سافر لغرض مباح فسلك الأبعد ليترخص قصر الصلاة؛ لأنه سفر مباح. دليل من قال: يقصر: الدليل الأول: عموم قوله تعالى: ﴿وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ﴾ [النساء: ١٠١]. الدليل الثاني: ولأنه سفر مباح، وقد قطع مسافة يقصر في مثلها فجاز أن يقصر. الدليل الثالث: ولأنه إذا طول لغير غرض لا يكون بأكثر ممن سافر ابتداء لغير غرض، فإذا جاز القصر في أحد الموضعين فكذلك الآخر. الدليل الرابع: أن السفر مقصد والطريق وسيلة، والمقصد أقوى من الوسيلة وإذا كان السفر لم يعقد من أجل القصر كان اعتباره أقوى من اعتبار الوسيلة، بخلاف من سافر ليترخص، فإن مقصده هو الترخص فامتنع، فكان كمن سافر ليفطر. الدليل الخامس: ولأن صحة الأغراض وحدوث الأعذار لا تعتبر في الأسفار إذا كانت مباحة، ألا تراه لو سافر للنزهة والشهوة واختار لذة قلبه وطلب مراده جاز له القصر، فكذلك هذا، وهذا هو الراجح، والله أعلم.

стр. 10005

الشرط الثاني كون الصلاة مما يدخلها القصر [م-١١١٥] كل صلاة مفروضة رباعية مؤداة في السفر فإنه يدخلها القصر بشرطه. فاحترز بالفرض عن السنن، فلا يدخلها قصر. واحترز بالرباعية عن صلاة المغرب وصلاة الصبح، فلا يدخلهما قصر (١). وقولنا: (مؤداة في السفر)، فلا قصر في فوائت الحضر إذا قضاها في السفر بالاتفاق. ويختلفون في قصر فوائت السفر إذا قضاها في الحضر. وسوف يأتي بحث ذلك إن شاء الله تعالى في موانع القصر. وقولنا: (بشرطه) أي إذا تحقق الشرط الذي يبيح القصر، وهذا موضع خلاف بين العلماء. فيتفقون على أن سفر القربة إذا سافر مسيرة ثلاثة أيام قصر الصلاة، ويختلفون في السفر المباح، وسفر المعصية، والسفر إذا كان أقل من مسيرة ثلاثة أيام بما سيأتي بحثه في مظانه من البحث إن شاء الله تعالى. قال ابن المنذر: «وأجمعوا على أن لمن سافر سفرًا تقصر في مثله الصلاة، مثل: حج أو جهاد أو عمرة، أن يقصر الظهر والعصر والعشاء، فيصلي كل واحدة منها ركعتين ركعتين، وأجمعوا على ألَاّ يقصر في المغرب، ولا في صلاة الصبح» (٢). قال ابن هبيرة: «واتفقوا كلهم على أن الصبح والمغرب لا يقصران» (٣).

стр. 10006

الشرط الثالث من شروط القصر نية السفر مع الشروع فيه المدخل إلى المسألة: النية شرعت لتمييز العبادة عن العادة، وتمييز العبادات بعضها عن بعض، كتمييز الفريضة من النافلة. الإقامة والسفر أحكامهما مختلفة، فكان لا بد من التمييز بينهما بالنية. الخروج تختلف أحكامه باختلاف أنواعه، فكانت الحاجة إلى النية لتمييز خروج السفر عن غيره، فليس كل من فارق عامر قريته كان مسافرًا. الإقامة هي الأصل، فلا ينتقل عنها إلا بنية السفر مع الشروع فيه. الانتقال إلى حكم السفر لا يحصل إلا بشرطين: العمل والنية، بخلاف الإقامة فإنها تصح بالنية دون العمل. السفر فعل، فلا يتحقق بمجرد النية، فيشترط قران النية بأدنى فعل. نية الإقامة وحدها تقطع حكم السفر؛ لأن الإقامة ترك ضدها، وترك الفعل لا يحتاج إلى فعل. نية السفر وحدها لا تكفي للترخص؛ لأن الرجل قد ينوي السفر، ولا يسافر. [م-١١١٦] لما كان خروج الرجل ومفارقته عمران بلده يتنوع، فقد يكون خروجًا للسفر، وقد يكون خروجًا لما دون السفر، كما لو خرج لإصلاح ضيعته، أو خرج هائمًا على وجهه دون أن يقصد مكانًا معينًا أو مسافة معينة، أو خرج في طلب جمل شارد ليرجع من أين وجده، أو كان خروجه طلبًا للكلأ متى وجده قرَّ مكانه، وأحكامهم مختلفة، فكان لا بد من التمييز بينهم بالنية.

стр. 10007

ولأن الإقامة والسفر أحكامهما مختلفة، فكان لا بد من التمييز بينهما بالنية. ولأن الإقامة هي الأصل، فلا ينتقل عنها إلا بنية السفر مع الشروع فيه. فالشروع في السفر من غير نية السفر لا يكفي للترخص؛ لأنه قد يخرج لمسافة لا تقصر فيها الصلاة. ولأن الدابة والسفينة قد تجري بالراكب وتخرج به عن البلد، فإذا لم يكن مع هذا الخروج نية السفر لم يكن مسافرًا. ونية السفر وحدها من غير الشروع في السفر لا تكفي للترخص أيضًا؛ لأن الرجل قد ينوي السفر ولا يسافر، فكان الشرط: نيةَ السفر مع الشروع فيه (١). ولحديث عمر بن الخطاب المتفق عليه: (إنما الأعمال بالنيات) (٢). وكما أنه لا يدخل الصلاة بمجرد النية حتى يكبر، ولا يدخل الإحرام بالنية حتى يتلبس بالنسك، فكذلك لا يدخل أحكام السفر بمجرد النية، بل لا بد أن يقترن ذلك بالشروع في السفر. قال الحنفية: لو قطع مسافة بعيدة، لا لنية السفر لم يترخص (٣). وقال السغدي في النتف: «ويصير الرجل مسافرًا بشيئين: بخروجه من بلده مع نية السفر» (٤). قال تعالى: ﴿وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ﴾ [النساء: ١٠١]. فاشترط لنفي الجناح عن القصر الضرب في الأرض، وهو لا يكون ضاربًا في الأرض بمجرد النية.

стр. 10008

قال القاضي عبد الوهاب المالكي: «والضرب في الأرض لا يكون بالنية، وإنما يكون بالفعل» (١). وقال ابن الملقن في شرح البخاري: «السفر يحتاج إلى عمل ونية، وليس كالإقامة التي تصح بالنية دون العمل» (٢). وإذا كان جمهور الفقهاء يشترطون أن يقصد في سفره جهة معينة، فلا يقصر من كان هائمًا على وجهه، كما سيأتي بحثه في شرط مستقل، فإن ذلك يلزم منه اشتراط نية السفر؛ لأن التمييز بين خروج الهائم وخروج المسافر لا يكون إلا بالنية (٣). وذكر الزركشي في القواعد والمازري في شرح التلقين: أن المسافر إذا نوى الإقامة صار مقيمًا بمجرد النية؛ بخلاف السفر فلا يحصل إلا بالنية والفعل (٤). وجه الفرق بينهما: أن الإقامة هي الأصل، والسفر عارض. ولأن نية الإقامة وجد معها الفعل الملائم لها، وهو اللبث والاستقرار. ونية السفر، وهو بالمدينة لم يوجد معها ما يلائمها؛ لأن الذي يلائمها ويطابقها السير الذي يجاوز البنيان؛ لأن البنيان حكمه حكم الاستيطان والقرار (٥). واشترط الحنفية أن ينوي الإقامة في موضع يصلح لها من بلدة أو قرية، فإن نوى الإقامة في المفازة أو في البحر لم ينقطع سفره، وهو وجه عند الشافعية (٦).

стр. 10009

واشترط الشافعية: أن ينوي الإقامة، وهو نازل، فإن كان سائرًا لم يؤثر؛ لأن سيره يكذب نيته (١). والمعتبر في النية هو نية الأصل دون نية التابع حتى يصير العبد مسافرًا بنية مولاه، والزوجة بنية الزوج، وكل من لزمه طاعة غيره، كالسلطان وأمير الجيش؛ لأن حكم التبع حكم الأصل، وعلى ذلك جمهور الفقهاء (٢). وفصل الشافعية، فقالوا: إذا اتبع العبد أو الزوجة السيد أو الزوج في السفر ولا يعرف كل واحد منهم مقصده، فلا قصر لهم؛ لأن الشرط لم يتحقق: وهذا قبل بلوغهم مسافة القصر، فإن قطعوها قصروا؛ وإن لم يقصر المتبوعون لتيقن طول سفرهم (٣). فلو نوت الزوجة أو العبد الإقامة مدة تمنع من القصر، ولم ينو الزوج، ففي المسألة قولان: الأول: لا يلزمها الإتمام؛ لأنه لا اختيار لها في الإقامة، وهو مذهب الحنفية، وأقوى الوجهين في مذهب الشافعية، والمذهب عند الحنابلة (٤).

стр. 10010

جاء في روضة الطالبين: «ولو نوى العبد إقامة أربعة أيام، أو الزوجة، أو الجيش ولم ينو السيد، ولا الزوج، ولا الأمير، ففي لزوم الإتمام في حقهم وجهان، الأقوى: أن لهم القصر؛ لأنهم لا يستقلون، فنيتهم كالعدم. والله أعلم» (١). وجاء في الإنصاف: «تقصر الزوجة والعبد تبعًا للزوج والسيد، في نيته وسفره، على الصحيح من المذهب» (٢). والثاني: يلزمهما الإتمام؛ لأنهما قد نويا الإقامة فصارا كغيرهما، وهو وجه عند الحنابلة، والله أعلم (٣).

стр. 10011

الشرط الرابع أن يقصد جهة معينة تبيح القصر المدخل إلى المسألة: الضرب في الأرض عبارة عن سير يصير به الإنسان مسافرًا، لا مطلق السير. شرط القصر: الخروج بنية قطع مسافة يقصر في مثلها الصلاة. الهائم إذا عزم على قطع مسافة تبيح القصر من حين خروجه أو من نيته فله الترخص. لا يقصر الهائم والراعي وطالب الآبق والشارد إلا إن علموا قطع مسافة القصر قبل بلوغ غايتهم. لو طاف رجل الدنيا من غير قصد إلى قطع مسافة تبيح القصر لم يقصر. [م-١١١٧] الهائم على وجهه في الأرض، ويسميه بعض الفقهاء راكب التعاسيف، فهما عبارتان عن شيء واحد. وقيل: الهائم: الضائع، وراكب التعاسيف: من لا قصد له معلوم (١). وقيل: الهائم: وهو الذي لا يدري أين يتوجه، وإن سلك طريقًا، وراكب التعاسيف: وهو الذي لا يدري أين يتوجه ولا يسلك طريقًا، وكلاهما مشتركان في أنهما لا يقصدان مقصدًا معلومًا (٢). يقال: هو يركب التعاسيف: إذا لم يسلك الطريق المستقيم (٣). وقد اختلف الفقهاء في ترخص الهائم: فاشترط المالكية والشافعية والحنابلة في الأصح أن يربط سفره بمقصد معلوم

стр. 10012

فلو خرج هائمًا على وجهه لم يترخص (١). والمعنى: أن يقصد مسافة تبيح القصر. قال مالك: «فيمن طلب حاجة على بريدين، فقيل له: هي بين يديك على بريدين، فلم يزل كذلك حتى سار مسيرة أيام وليال: إنه يتم الصلاة ولا يقصر، فإذا أراد الرجعة إلى بلده قصر الصلاة إذا كان بينه وبين بلده أربعة برد فصاعدًا» (٢). واشترط الحنفية أن يقصد مسيرة ثلاثة أيام بلياليها (٣). جاء في البحر الرائق: «أن يقصد مسيرة ثلاثة أيام، فلو طاف الدنيا من غير قصد إلى قطع مسيرة ثلاثة أيام لا يترخص» (٤). وجاء في خزانة المفتين: «لو طاف جميع العالم، بلا قصد سير ثلاثة أيام لا يصير مسافرًا» (٥). وصرح القدوري في التجريد صحة القصر لمن سافر ابتداء لغير غرض إذا قصد مسافة ثلاثة أيام، وهي المسافة التي يقصر فيها الصلاة عندهم (٦). وقال ابن شاس: «والمراد بالسفر، ربط القصد بمقصد معلوم، فالهائم لا يترخص» (٧). وقال الغزالي: «والسفر: هو الانتقال من موضع الإقامة مع ربط القصد بمقصد معلوم، فالهائم وراكب التعاسيف ليس له الترخص: وهو الذي لا يقصد موضعًا معينًا» (٨).

стр. 10013

وعلل المالكية والشافعية المنع: بأنه لما خرج لا يدري، أهو في سفر طويل أم قصير (١). قال خليل: «فسره ابن راشد وشيخنا بالذي لا يعزم على مسافة معلومة. قال شيخنا: كالفقراء المجردين، فإنهم يخرجون على غير موضع معلوم، وحيث طابت لهم بلدة أقاموا بها» (٢). وقال إمام الحرمين: «ولو أنه خرج لردِّ عبد آبق، أو طلب غريم، وكان لا يدري أنه يُدرك على القرب أو على البعد خصمَه، فحكمه حكم الهائم في بعض السفر؛ لأنه ليس له مقصد معيّن، ولا نحكم عليه بأنه في سفر طويل أو قصير، والقصرُ الذي نحن فيه مختص بالسفر الطويل» (٣). وقيل: الهائم إذا بلغ مسافة قصر يقصر، وهو وجه عند الحنابلة في مقابل الأصح (٤). جاء في المبدع: «لا بد من الجزم ببلوغ المسافة، فلو علم صاحبه في بلد بعيد، ونوى إن وجده قبله لم يقصر، وقيل: إن بلغ مسافة قصر قصر، وكذا سائح وتائه» (٥). وجه القول بأن له الترخص: الكتاب العزيز لم يشترط إلا الضرب في الأرض، والهائم يضرب في الأرض، ولأنه لا يشترط في الترخص أن يكون السفر قربة، ولا أن يربط خروجه لغرض، فالسير على وجهه في الأرض من السياحة المباحة، ﴿قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ﴾ [الأنعام: ١١]. فإن كان منع الهائم على وجهه من القصر معللًا بأن الهائم لا يدري أسفره طويل أم قصير، كما ذكر المالكية والشافعية، فهذا يمكن أن يمنع من القصر حتى يتحقق أنه قطع من المسافة ما يصير به مسافرًا؛ ثمانية وأربعين ميلًا فأكثر على مذهب الجمهور، ومسيرة ثلاثة أيام على مذهب الحنفية، فقبل أن يقطع مسافة يباح

стр. 10014

له فيها الترخص لا يحق له الترخص؛ لأنه لم يقصد مسافة يباح له فيها الترخص حتى يباح له القصر بمجرد مفارقة عمران القرية. ولأنه إذا عزم على الرجوع فالمسافة المتبقية عليه تبيح له الترخص، فكذلك المسافة التي قطعها. ولأن الحكمة من قصر المسافر هو المشقة، والهائم إذا قطع تلك المسافة التي تبيح القصر فإن المشقة تلحقه. والفرق بين الهائم وغيره: أن الهائم لا يباح له الترخص بمجرد مفارقة العمران حتى يتحقق من قطع تلك المسافة التي تبيح القصر، بخلاف غير الهائم فإنه لما قصد مسافة القصر أبيح له القصر من حين مفارقة العمران، فإذا كانت نية قطع المسافة تبيح له الترخص فمن باب أولى أن يكون قطع المسافة حقيقة تبيح الترخص؛ لأنها أبلغ من مجرد نية قطع المسافة؛ لأن نية قطع المسافة مظنة القطع، فقد يقطع المسافة، وقد يعرض له مانع يمنعه من إكمال سيره فيدخلها الفسخ بخلاف الهائم إذا تحقق له قطع مسافة القصر، فلا يدخلها الفسخ. ولهذا قال الإمام إسحاق: «إذا خرج في طلب غريم له أو ما أشبهه فإنه لا يقصر الصلاة حتى يكون سفره أربعة برد وهو ستة عشر فرسخًا» (١). فهذا لم يقصد مسافة تقصر فيها الصلاة، ومع ذلك لما تحقق من قطع مسافة القصر أباح الإمام إسحاق له القصر، فكذلك الهائم وطالب الشارد ونحوهما. ويرد على هذا: بأن الجمهور لا يبيحون الترخص إلا إذا عزم من أول خروجه على قصد مسافة يحق له فيها الترخص، فما دام أن انتقاله من مكان إلى مكان ليس مرتبطًا بهذا العزم، لم يتحقق له السفر، ولم يُبْنَ بعضُ سيره على بعض. قال الكاساني: «لأن الإنسان قد يخرج من مصره إلى موضع لإصلاح الضيعة ثم تبدو له حاجة أخرى إلى المجاوزة عنه إلى موضع آخر ليس بينهما مدة سفر ثم وثم

стр. 10015

إلى أن يقطع مسافة بعيدة أكثر من مدة السفر لا لقصد السفر فلا بد من النية للتمييز» (١). فلو كان في نية الهائم من حين خروجه ألا يرجع إلى موضع إقامته إلا وقد قطع أكثر من المسافة التي يباح له فيها القصر، فإن له القصر؟ وقد نص على ذلك المالكية. جاء في تحبير المختصر: «كل واحد من الهائم والراعي لا يقصر إلا إذا علم قطع المسافة قبل منتهى سفره. يريد: وقد عزم عليه عند خروجه» (٢). فهذا هو المقصود من منع الهائم من القصر، والله أعلم. وقال المالكية في طالب الآبق لا يقصر إلا أن يعلم قطع المسافة دونه، والهائم مثله (٣). ولو كان المطلوب مطلق الضرب في الأرض لاعتبرت مسافة الرجوع؛ لإباحة الترخص، فلما لم يجمع للمسافر مجموع ما يطرقه ذهابًا وإيابًا علم أن المطلوب للترخص أن يقصد ذهابًا مسافة يباح في مثلها القصر، وأن يعزم على ذلك من حين خروجه. والله أعلم. الراجح: الوجه المرجوح عند الحنابلة فيه قوة؛ إلا أن ما اتفق عليه الأئمة الأربعة أكثر اطمئنانًا للنفس من جهة العمل، وإذا تردد الإنسان في إباحة القصر، فالأصل الإتمام، والقصر ليس بواجب فالإتمام فيه احتياط، والله أعلم.
следующие страницы →